رسالة قاطعة اللجاج في تحقيق حل الخراج

- علي بن الحسين‏ المحقق الكركي المزيد...
91 /
55

ثم استدلّ على حكم أراضي الخراج برواية أبي بردة بن رجاء السالفة، الدالّة على جواز بيع آثار التصرّف دون رقبة الأرض.

و هذا كلام واضح السبيل، و وجهه- من حيث المعنى- أنّ التصرف في المفتوحة عنوة انّما يكون بإذن الإمام(عليه السلام) و قد حصل منهم الإذن لشيعتهم حال الغيبة فتكون آثار تصرفهم محترمة بحيث يمكن ترتب البيع و نحوه عليها.

و عبارة شيخنا في «الدروس» (1) أيضا ترشد إلى ذلك حيث قال:

«و لا يجوز التصرّف في المفتوح عنوة إلا بإذن الإمام(عليه السلام)، سواء كان بالبيع أو بالوقف أو غيرهما، نعم في حالة الغيبة ينفذ ذلك».

و أطلق في «المبسوط» أنّ التصرف فيها لا ينفذ، أي: لم يقيّد بحال ظهور الإمام(عليه السلام) أو عدمه. ثم قال:

و قال ابن إدريس: «إنّما يباع و يوقف تحجيرنا و بناؤنا و تصرّفنا لا نفس الأرض».

و مراده بذلك أن ابن إدريس أيضا أطلق جواز التصرّف في مقابل إطلاق «الشيخ»(رحمه اللّه) عدم جوازه. و الصواب: التقييد بحال الغيبة، فينفذ، و عدمه بعدمه، و هذا ظاهر بحمد اللّه تعالى.

المقدّمة الثالثة في بيان أرض الأنفال و حكمها

الأنفال جمع نفل

بسكون الفاء و فتحها و هو: الزيادة و منه: النافلة. و المراد به هنا: كلّ ما يخصّ الإمام(عليه السلام) و قد كانت الأنفال لرسول اللّه(صلى اللّه عليه و آله)

____________

(1) انظر: حقل الجهاد- ص 163

56

في حياته، و هي بعده للإمام القائم مقامه- (صلى اللّه عليه و آله).

و ضابطها: كلّ أرض فتحت من غير أن يوجف عليها بخيل و لا ركاب، و الأرضون الموات، و تركة من لا وارث له من الأهل و القرابات، و الآجام، و المفاوز، و بطون الأودية، و رءوس الجبال، و قطائع الملوك.

و قد تقدم في الحديث السابق الطويل عن أبي الحسن الأول(عليه السلام) ذكر ذلك كلّه (1). و قد روى الشيخ عن زرارة عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:

قلت له: ما تقول في قول اللّه تعالى «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفٰالِ قُلِ الْأَنْفٰالُ لِلّٰهِ»؟ قال: الأنفال للّه تعالى و للرسول و هي: كلّ أرض جلا أهلها من غير أن يحمل عليها بخيل و لا رجال و لا ركاب، فهي نفل للّه و للرسول (2).

و عن سماعة بن مهران قال: سألته عن الأنفال، فقال: كل أرض خربة أو شيء كان للملوك فهو خالص للإمام(عليه السلام) ليس للناس فيها سهم.

قال: و منها البحرين لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب (3).

و في مرسلة العباس الوراق عن رجل سمّاه عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:

«إذا غزا قوم بغير إذن الإمام(عليه السلام) فغنموا كانت الغنيمة كلّها للإمام(عليه السلام) و إذا غزوا بإذن الإمام(عليه السلام) فغنموا كان الخمس للإمام» (4) و مضمون هذه الرواية مشهور بين الأصحاب، مع كونها مرسلة، و جهالة بعض رجال سندها، و عدم إمكان التمسّك بظاهرها، إذ من غزا بإذن الإمام لا يكون خمس غنيمته كلها للإمام- (عليه السلام).

____________

(1) انظر ص- 51- 52 من هذا الكتاب.

(2) التهذيب- حقل الأنفال- ص 132- ج 4- ح 268.

(3) نفس المصدر- ص 133- ح 373.

(4) نفس المصدر- ص 135، ح 378.

57

إذا عرفت ذلك فاعلم: أنّ الأرض المعدودة من الأنفال إمّا أن تكون محياة أو مواتا، و على التقديرين، فإمّا أن يكون الواضع يده عليها من الشيعة أولا، فهذه أربعة أقسام.

و حكمها:

أن كلّ ما كان بيد الشيعة من ذلك، فهو حلال عليهم، مع اختصاص كلّ من المحياة و الموات بحكمه [1]، لأنّ الأئمة(عليهم السلام) أحلّوا ذلك لشيعتهم حال الغيبة. و أمّا غيرهم فإنها عليهم حرام. و ان كان لا ينتزع منهم في الحال على الظاهر، حيث انّ المستحق لانتزاعه هو الإمام(عليه السلام) فيتوقّف على أمره.

و روى الشيخ عن عمر بن يزيد قال:

رأيت أبا سيّار مسمع بن عبد الملك بالمدينة، و قد كان حمل إلى أبي عبد اللّه(عليه السلام) مالا في تلك السنة فردّه عليه، فقلت: لم ردّ عليك أبو عبد اللّه(عليه السلام) المال الذي حملته إليه؟ فقال: إنّي قلت حين حملت إليه المال: إنّي كنت ولّيت الغوص، فأصبت منه أربعمائة ألف درهم، و قد جئت بخمسها ثمانين ألف درهم .. إلى أن قال: «يا أبا سيّار قد طيّبناه لك، فضمّ إليك مالك، و كلّ ما كان في أيدي شيعتنا من الأرض فهم فيه محلّلون، محلّل لهم ذلك إلى أن يقوم قائمنا فيجبيهم طسق ما كان في أيدي سواهم، فإنّ كسبهم من الأرض حرام عليهم حتى يقوم قائمنا فيأخذ الأرض من أيديهم و يخرجهم عنها صغرة» (1).

____________

[1] عبارة المؤلّف القائلة باختصاص كلّ من المحياة و الموات بحكمه يكتنفها الغموض فقد سبق للكاتب أن أوضح بأنّ «الأنفال» للإمام و أنّها مباحة للشيعة بحكم أخبار التحليل، و هذا يعني انعدام الفارق بين المحياة و الموات من الأنفال من حيث التصرّف فيهما. و من الواضح أنّ الفارق لا تظهر ثمرته إلا في اصطناع الفارق بين الأرض المفتوحة عنوة و ارض الأنفال، لأنّ الأرض المحياة طبيعيا عائدة إمّا إلى الامام. أو عائدة إلى المسلمين بناء على القول بأنها داخلة في عموم «كل ارض لا ربّ لها» أو عائدة إلى المسلمين بناء على القول بدخولها في عموم ملكيّة الأرض المفتوحة عنوة للمسلمين. بل: حتّى موات المفتوحة عنوة يسمها طابع التردّد المذكور. و المؤلف بصفته قدر دم الفارق بين نمطي الأرض: حينئذ كان الأجدر أن يوضح حكم كل من محياة الأنفال و مواتها.

____________

(1) التهذيب، حقل: الأنفال- ص 144- ج 4- ح 403.

58

قال في الصحاح: «الطسق»: الوظيفة من خراج الأرض، فارسي معرّب.

و عن الحارث بن المغيرة النصري قال:

دخلت على ابي جعفر(عليه السلام) فجلست عنده، فإذا نجيّة قد استأذن عليه، فأذن له فدخل فجثا على ركبتيه ثم قال:

جعلت فداك إنى أريد أن أسألك عن مسألة و اللّه ما أريد بها إلا فكاك رقبتي من النار، فكأنّه رقّ له فاستوى جالسا فقال:

يا نجيّة سلني فلا تسألني اليوم عن شيء إلا أخبرتك به، قال:

جعلت فداك ما تقول في فلان و فلان؟ قال:

يا نجيّة، لنا الخمس في كتاب اللّه و لنا الأنفال و لنا صفو المال، و هما و اللّه أوّل من ظلمنا حقنا في كتاب اللّه و أوّل من حمل الناس على رقابنا، و دماؤنا في أعناقهما إلى يوم القيامة لظلمنا أهل البيت، و إنّ الناس ليتقلّبون في حرام إلى يوم القيامة بظلمنا أهل البيت، فقال نجيّة:

إِنّٰا لِلّٰهِ وَ إِنّٰا إِلَيْهِ رٰاجِعُونَ- ثلاث مرات- هلكنا و ربّ الكعبة، قال: فرفع فخذه عن الوسادة فاستقبل القبلة فدعا بدعاء لم أفهم منه شيئا إلا أنّا سمعناه في آخر دعائه و هو يقول:

اللّهم إنّا قد أحللنا ذلك لشيعتنا. قال: ثم أقبل بوجهه إلينا و قال:

يا نجيّة، ما على فطرة إبراهيم(عليه السلام) غيرنا و غير شيعتنا (1).

و هذان الحديثان و نحوهما من الأحاديث الكثيرة ممّا لا خلاف في مضمونها بين الأصحاب بلا شكّ و لا مرية، فلا حاجة إلى البحث عن إسنادهما و الفحص عن رجالهما، فإنّ آحاد الاخبار [1] بين محققي الأصحاب و المحصلين منهم إنما

____________

[1] من الواضح أن «آحاد الأخبار» تشمل كلا من المعتبر و الضعيف، فتقييد الكاتب ملاحظة القرائن بآحاد الأخبار يبدو و كأنه لا ضرورة له. الا إذا ذهبنا إلى أنّ هدف الكاتب هو ان يلمح إلى أنّ خبر الواحد سواء أ كان مستجمعا لشروط الاعتبار حسب

____________

(1) نفس المصدر: ص 145- ح 405.

59

يكفي حجة إذا انضمّ إليها من المتابعات و الشواهد و قرائن الأحوال ما يدلّ على صدقها، فما ظنك بإجماع الفرقة! فإن قيل: ما معنى جعل هذه الأشياء في حال الغيبة للشيعة؟ أ هي على العموم أو على جهة مخصوصة؟ و على تقدير الثاني، فما هذه الجهة؟

قلنا: ليس المراد حلّها على جهة العموم و الا لزم سقوط حقّهم(عليه السلام) من الخمس حال الغيبة، و هو خلاف ما يدلّ عليه أكثر الأصحاب، بل القول به منسوب إلى الشذوذ، بل يلزم منه جواز تناول حقّهم(عليهم السلام) و التصرّف فيه، إلى غير ذلك ممّا هو معلوم البطلان، و إنّما المراد إحلال ما لا بدّ من المناكح و المساكن و المتاجر، لتطيب ولادتهم و يخرجوا عن الغصب في المسكن و المطعم و نحوهما: و قد عيّن الأصحاب لذلك مواضع بخصوصها في باب الخمس، فلا حاجة إلى ذكرها هاهنا. فاذا كان بيد أحدنا من أرض الأنفال شيء إمّا بالإحياء أو الشراء من بعض المتقبّلين و نحو ذلك- كانت عليه حلالا بإحلال الأئمة- (عليهم السلام).

فان قيل: ليس على الشيعة في هذا النوع من الأرض خراج، فهل على غيرهم فيه شيء من ذلك؟

قلنا: لا نعرف في ذلك تصريحا للأصحاب، و لكن قد وقع في الحديث السابق التصريح به و وجهه- من حيث المعنى- أنّه تصرّف في مال الغير بغير إذنه، فلا يكون مجانا.

فإن قيل: هل يجوز لمن استجمع صفات النيابة حال الغيبة جباية شيء من ذلك؟

____________

معايير الحديث أو غير مستجمع لها، إنّما يكتسب قيمته بقدر عمل الأصحاب به، سواء أ كان ذلك ضعيفا قد عمل به أو معتبرا و لكن هجره الأصحاب.

60

قلنا: إن ثبت أنّ جهة نيابته عامة، احتمل ذلك و إلى الآن لم نظفر بشيء فيه [1] و كلام الأصحاب قد يشعر بالعدم، لأن هذا خاصّة الإمام(عليه السلام)، و ليس هو كخراج الأرض المفتوحة عنوة، فإنّ هذا القسم لغيره، كما سيأتي إن شاء اللّه.

فان قيل: فلو استولى سلطان الجور على جباية شيء من خراج هذه الأرضين، اعتقادا منه أنّه يستحقه لزعمه أنّه الإمام، فهل يحلّ تناوله؟

قلنا: الأحاديث التي تأتي تحلّ تناول الخارج الذي يأخذه الجائر. و كلام الأصحاب يتناول هذا القسم، و إن كان السابق إلى الأفهام في الخراج ما يؤخذ من المفتوح عنوة، فلا يبعد الحاقة به [2]، و لم أقف على شيء صريح في ذلك سوى إطلاق ما ورد عنهم (عليهم السلام).

فائدة: لا فرق بين غيبة الإمام(عليه السلام) و حضوره في زمان التقيّة، لاستوائهما في كونه(عليه السلام) موجودا ممنوعا من التصرّف. و الأخبار و كلام الأصحاب يومئ إلى ذلك، و إباحتهم (عليهم السلام) لشيعتهم إنّما وقع في زمانهم (عليهم السلام) و كذا الأمر بالجمعة و قد احتجّ الأصحاب بذلك، بثبوتهما في زمان الغيبة. و في الواقع لا فرق بينهما.

____________

[1] بالرغم من أنّ بعض الفقهاء يحاول أن يميّز بين ملك الإمام و ملك المسلمين. بصفة أنّ الأوّل منهما من الممكن أن يستثمره الإمام لأفراد بأعيانهم، و الأخر يصرف في مصالح عامّة، إلا أنّ هذا الفارق لا شاهد له من النصوص ما دمنا نعرف أنّ ملكيّة الإمام ليست شخصيّة، بل اعتبار المنصب الرسمي، ممّا يعني أنّ الأموال بقسميها موكولة إلى نظره سواء أصرفت في نطاق أفراد بأعيانهم أو صرفت في مصالح عامّة. هذا فضلا عن أنّ إشارة الكاتب إلى أنّ الأنفال من (خاصّة الامام) لا صلة له ب(النيابة العامة) التي سوّء الكاتب مشروعيّتها في نطاق الخراج المتّصل بالأرض المفتوحة عنوة، و تردّد في مشروعيّتها بالنسبة إلى أرض الأنفال. ففي الحالين، إمّا أن تكون ثمّة قناعة بنيابة القضية أم لا، و لذلك لا يظهر أي وجه للفارق الذي اصطنعه الكاتب في هذا الميدان.

[2] إنّ عدم استبعاد المؤلّف إلحاق الأنفال بالمفتوح عنوة من حيث جباية الخراج، يدلل على ما سبق إن قلناه من عدم الفارق بين نمطي الأرض من حيث صلاحية النيابة لها.

61

المقدّمة الرابعة في تعيين ما فتح عنوة من الأرضين

اعلم، أنّ الذي ذكر الأصحاب من ذلك: «مكّة» زادها اللّه شرفا، و العراق و الشام و خراسان و بعض الأقطار ببلاد العجم.

و قد تقدّم- في بعض الأخبار السابقة- أنّ البحرين من الأنفال. فأما «مكّة»، فإنّ للأصحاب- في كونها فتحت عنوة أو صلحا- خلافا، أشهره أنّها فتحت عنوة.

قال الشيخ في «المبسوط» (1):

ظاهر المذهب (الأصحاب) أنّ النبي(صلى اللّه عليه و آله)فتح مكّة عنوة بالسيف، ثم آمنهم بعد ذلك، و إنّما لم يقسّم الأرضين و الدور لأنّها لجميع المسلمين، كما نقول في كلّ ما يفتح عنوة إذا لم يكن نقله إلى بلد الإسلام، فإنّه يكون للمسلمين قاطبة. و منّ النبيّ(صلى اللّه عليه و آله)على رجال من المشركين فأطلقهم.

و عندنا: أنّ للإمام(عليه السلام) أن يفعل ذلك. و كذلك أموالهم، منّ عليهم بها.

و قال العلّامة في «التذكرة» (2):

____________

(1) حقل: الجهاد- ص 33- ج 2.

(2) حقل: الجهاد- ص 408- ج 1.

62

و أمّا أرض مكّة فالظاهر من المذهب أن النبي(صلى اللّه عليه و آله)فتحها بالسيف، ثمّ آمنهم بعد ذلك.

و كذا قال في «المنتهى» (1) و نحوه قال في «التحرير» (2).

و شيخنا في «الدروس» لم يصرّح بشيء.

و احتجّ «العلّامة» على ذلك بما رواه الجمهور عن النبي(صلى اللّه عليه و آله)أنّه قال لأهل مكّة:

«ما تروني صانعا بكم؟ فقالوا: أخ كريم و ابن أخ كريم، فقال: أقول لكم كما قال أخي يوسف لإخوته: لا تثريب علَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللّه لَكُم وَ هُوَ أرحَم الراحِمين اذهبوا فأنتم الطلقاء».

و من طريق الخاصّة: بما رواه الشيخ عن صفوان بن يحيى و أحمد بن محمّد ابن أبي نصر، قالا: «ذكرنا له الكوفة» إلى أن قال:

«إنّ أهل الطائف أسلموا و جعلوا عليهم العشر و نصف العشر، و إنّ أهل مكّة دخلها رسول اللّه(صلى اللّه عليه و آله)عنوة و كان أسراء في يده فأعتقهم، و قال: اذهبوا أنتم الطلقاء».

و أجاب عن حجّة القائلين بأنّها فتحت صلحا حيث إنّ النبيّ(صلى اللّه عليه و آله)دخلها بأمان: لما ورد في قصّة العبّاس و أبي سفيان. و قوله(صلى اللّه عليه و آله)«من ألقى سلاحه فهو آمن، و من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، و من أغلق بابه فهو آمن، و من تعلّق بأستار الكعبة فهو آمن» إلّا جماعة معيّنين، و أنه(صلى اللّه عليه و آله)لم يقسّم أموالهم و لا أراضيهم.

بأنه على تقدير تسليم ذلك إنّما لم يقسّم الأرضين و الدور لأنها لجميع المسلمين لا يختصّ بها الغانمون، على ما تقرّر من الأرض المفتوحة عنوة للمسلمين قاطبة،

____________

(1) حقل: الجهاد- ص 937.

(2) حقل: الجهاد- ص 142- 143.

63

و الأموال و الأنفس يجوز أن يمنّ عليهم بها مراعاة للمصلحة، لأن للإمام(عليه السلام) ان يفعل مثل ذلك.

و هذا قريب من كلام ظاهر «المبسوط».

و امّا أرض العراق التي تسمّى بأرض السواد و هي المفتوحة من أرض الفرس في أيّام الثاني فلا خلاف فيه أنّها فتحت عنوة و انّما سميّت سوادا لأنّ الجيش لمّا خرجوا من البادية و رأوا هذه الأرض و التفاف شجرها سمّوها السواد لذلك. كذا ذكره العلّامة(رحمه اللّه) في «المنتهى» و «التذكرة».

قال في المبسوط (1)- و هذه عبارته-:

«و أمّا أرض السواد: فهي المغنومة من الفرس التي فتحها عمر، و هي سواد العراق، فلما فتحت بعث عمر عمّار بن ياسر أميرا، و ابن مسعود قاضيا و وليا على بيت المال، و عثمان بن حنيف ماسحا، فمسح عثمان الأرض، و اختلفوا في مبلغها، فقال الساجي (2): اثنان و ثلاثون ألف جريب، و قال أبو عبيدة: ستة و ثلاثون ألف جريب، و هي ما بين عبادان و موصل طولا، و بين القادسيّة و حلوان عرضا. ثمّ ضرب على كل جريب نخل ثمانية دراهم، و الرطبة ستة، و الشجرة كذلك، و الحنطة أربعة، و الشعير درهمين. و كتب إلى عمر فأمضاه.

و روي ان ارتفاعها كانت في عهد عمر، مائة و ستين ألف ألف درهم، فلمّا كان في زمن الحجّاج، رجع إلى ثمانية عشر ألف ألف، فلما ولي عمر بن عبد العزيز رجع إلى ثلاثين ألف ألف درهم في أوّل سنة، و في السنة الثانية بلغ ستين ألف ألف، فقال: لو عشت سنة أخرى لرددتها إلى ما كان في أيّام عمر، فمات في تلك السنة. و كذلك أمير المؤمنين(عليه السلام) لمّا أفضى الأمر إليه، أمضى ذلك لأنّه لم يمكنه أن يخالف و يحكم بما عنده.

____________

(1) حقل: الجهاد- ص 33- 34- ج 2.

(2) الساعي (ب).

64

و الذي يقتضيه المذهب: أنّ هذه الأراضي و غيرها من البلاد التي فتحت عنوة يكون خمسها لأهل الخمس، و أربعة أخماسها يكون للمسلمين قاطبة الغانمين و غير الغانمين في ذلك سواء. و يكون للإمام النظر فيها و تقبيلها و تضمينها بما شاء» هذه عبارته بحروفها.

و قال في «المنتهى» (1)- و هذه عبارته-:

«أرض السواد هي الأرض المفتوحة عنوة من الفرس التي فتحها عمر بن الخطّاب، و هي سواد العراق. و حدّه في العرض: من منقطع الجبال بحلوان إلى طرف القادسيّة المتصل بعذيب من أرض العرب، و من تخوم الموصل طولا إلى ساحل البحر ببلاد عبادان من شرقي دجلة. فأمّا الغربي الذي تليه البصرة فإنّما هو إسلامي، مثل شط عثمان بن أبي العاص». الى أن قال:

«و هذه الأرض فتحت عنوة، فتحها عمر بن الخطّاب، ثمّ بعث إليها بعد فتحه ثلاثة أنفس: عمّار بن ياسر على صلاتهم أميرا، و ابن مسعود قاضيا، و واليا على بيت المال، و عثمان بن حنيف على مساحة الأرض. و فرض لهم في كل يوم شاة، شطرها مع السواقط لعمّار، و شطرها للآخرين، و قال: ما أرى قرية يؤخذ منها كل يوم شاة إلا سرع في خرابها. و مسح عثمان أرض الخراج، و اختلفوا في مبلغها، فقال الساجي (2): اثنان و ثلاثون ألف جريب، و قال أبو عبيدة: ستة و ثلاثون ألف ألف. ثمّ ضرب على كلّ جريب نخل عشرة دراهم، و على الكرم ثمانية دراهم و على الحنطة أربعة دراهم، و على الشعير درهمين. ثمّ كتب بذلك الى عمر فأمضاه. و روي أنّ ارتفاعها كان في عهد عمر مائة و ستين ألف ألف درهم، فلمّا كان في زمان الحجّاج رجع إلى ثمانية عشر ألف ألف، فلمّا ولي عمر بن عبد العزيز» .. ثم ساق باقي كلام الشيخ بحروفه ما زاد و لا نقص، و كذا

____________

(1) حقل: الجهاد- ص 937.

(2) الساعي (ب).

65

أو نحوه صنع في «التذكرة» في باب الجهاد بحروفه.

و أعاد القول بفتح السواد عنوة في باب «إحياء الموات».

و لم يحضرني وقت كتابة هذه الرسالة- هذا الموضع من كتاب «السرائر» لابن إدريس(رحمه اللّه) لأحكي ما فيه. لكنّه في باب (أحكام الأرضين) (1) من كتاب الزكاة ذكر: أنّ أرض العراق مفتوحة عنوة، و ذكر في أحكامها قريبا من كلام الأصحاب الذي حكيناه.

و روى الشيخ بإسناده عن مصعب بن يزيد الأنصاري، و أورده ابن إدريس في «السرائر»، و العلّامة في «المنتهى» قال (2) «استعملني أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) على أربعة رساتيق: المدائن: البهقباذات، و نهر سير، و نهر جوير، و نهر الملك، و أمرني أن أضع على كل جريب زرع غليظ درهما و نصفا، و على كل جريب وسط درهما، و على كل جريب زرع رقيق ثلثي درهم، و على كل جريب كرم عشرة دراهم. و أمرني أن القى على كل نخل شاذ عن القرى لمارة الطريق و ابن السبيل و لا أخذ منه شيئا.

و أمرني أن أضع الدهاقين الذين يركبون البراذين و يتختّمون بالذهب على كل رجل منهم ثمانية و أربعين درهما، و على أوساطهم و التجار منهم على كلّ رجل أربعة و عشرين درهما، و على سفلتهم و فقرائهم على كل إنسان منهم قال:

و جبيتها ثمانية عشر ألف ألف درهم في سنة».

قال الشيخ:

توظيف الجزية في هذا الخبر لا ينافي ما ذكرناه من أنّ ذلك منوط بما يراه الإمام(عليه السلام) من المصلحة، فلا يمنع أن يكون أمير المؤمنين(عليه السلام) رأى المصلحة في ذلك الوقت، و وضع هذا المقدار. و إذا تغيّرت المصلحة الى

____________

(1) انظر- ص 111.

(2) التهذيب- حقل: الخراج- ص 119- 120- ج 4- ح 343.

66

زيادة و نقصان غيّره، و إنّما يكون منافيا لو وضع ذلك عليهم و نفى الزيادة عليه و النقصان عنه في جميع الأحوال، و ليس ذلك في الخبر.

قلت: و مثله القول في توظيف الخراج و أنّه منوط بالمصلحة و عرف الزمان كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى.

و هذا التقدير ليس على سبيل التوظيف بل بحسب مصلحة الوقت.

و اعلم، أنّ الذي أوردته من لفظ الحديث هو ما أورده الشيخ في «التهذيب» و لكن وجدت نسخته مختلفة العبارة في إيراد الرساتيق المذكورة، ففي بعضها «نهرسيريا» و «نهر جوير»، و في بعضها نهر «بسر» بالباء الموحّدة، و السين المهملة المكسورة، و «نهرجوين» بالنون و الجيم المفتوحة و الياء المثناة من تحت بعد الواو المكسورة، و في بعضها «جوبر» بالجيم و الباء الموحّدة بعد الواو.

و قال ابن إدريس- بعد أن أورد الحديث في «السرائر»- بعطف البهقباذات على المدائن بالواو:

و نهر (بسر) بالباء المنقطة من تحتها نقطة واحدة و السين غير المعجمة، هي:

«المدائن».

و الدليل على ذلك أنّ الراوي قال: استعملني على أربعة رساتيق، ثم عدّد خمسة فذكر المدائن ثم ذكر من جملة الخمسة نهر «سير» فعطف على اللفظ دون المعنى، ثمّ شرع في بيان جواز مثل هذا العطف إلى أن قال:

«فأمّا البهقباذات فهي ثلاثة: البهقباذ الأعلى و هو ستة طساسيج، ثم ذكر أسماءها، و البهقباذ الأوسط: أربعة طساسيج، و ذكر أسماءها، و البهقباذ الأسفل: خمسة طساسيج، و صنع مثل ذلك.

و الذي وجدته في نسخ «التهذيب»: المدائن البهقباذات بغير واو، كما وجدته في «المنتهى» حيث أورد الحديث بلفظه.

67

و روى الشيخ في الصحيح عن محمّد بن مسلم عن أبي جعفر(عليه السلام) قال:

«سألته عن سيرة الإمام(عليه السلام) في الأرض التي فتحت عنوة بعد رسول اللّه(صلى اللّه عليه و آله)فقال: إنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) قد سار في أهل العراق بسيرة، فهي إمام لسائر الأرضين» (1).

فإن قلت: أ ليس قد قال الشيخ في «المبسوط» ما صورته:

«و على الرواية التي رواها أصحابنا- أنّ كلّ عسكر أو فرقة غزت بغير إذن الإمام(عليه السلام) فغنمت، تكون الغنيمة للإمام خاصّة» (2)- تكون هذه الأرضون و غيرها- ممّا فتحت بعد رسول اللّه(صلى اللّه عليه و آله)إلّا ما فتح في أيّام أمير المؤمنين(عليه السلام) إن صحّ شيء من ذلك يكون للإمام خاصّة، و يكون من جملة الأنفال التي لا يشركه فيها غيره؟ و هذا الكلام يقتضي أن لا تكون أرض العراق من المفتوح عنوة؟

قلت: الجواب عن ذلك من وجوه:

الأول: انّ الشيخ(رحمه اللّه) قال هذه على صورة الحكاية، و فتواه ما تقدّم في أوّل الكلام، مع أنّ جميع أصحابنا مصرّحون- في هذا الباب- على ما قاله الشيخ في أوّل كلامه. و «العلّامة» في «المنتهى» و «التذكرة» انما أورد كلام الشيخ هذا حكاية و إيرادا، بعد أن أفتى بمثل كلامه الأوّل: حيث قال في أوّل كلامه:

«و هذه الأرض فتحت عنوة»، و لم يتعرض لما ذكره أخيرا بشيء.

الثاني: انّ الرواية التي أشار إليها الشيخ ضعيفة الإسناد، و مرسلة و مثل هذه كيف يحتجّ به أو يسكن إليه، مع أنّ الظاهر من كلامه في «المنتهى» ضعف العمل بها؟

____________

(1) التهذيب- حقل: الجزية- ص 118- ج 4- ح 340.

(2) انظر: حقل الجهاد- ص 34- ج 2.

68

الثالث: انّا لو سلّمنا صحّة الرواية المذكورة، لم يكن فيها دلالة على أنّ أرض العراق فتحت عنوة بغير إذن إمام- (عليه السلام) فقد سمعنا: أنّ عمر استشار أمير المؤمنين(عليه السلام) في ذلك. و ممّا يدل عليه: فعل عمّار، فإنّه من خلصاء أمير المؤمنين(عليه السلام) و لولا أمره لما ساغ له الدخول في أمرها.

و ممّا يقطع مادة النزاع، و يدفع السؤال. ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمّد الحلبي قال:

«سئل أبو عبد اللّه(عليه السلام) عن السواد ما منزلته؟ فقال: هو لجميع المسلمين لمن هو اليوم و لمن يدخل في الإسلام بعد اليوم و لمن يخلق بعد، فقلنا:

الشراء من الدهاقين؟ قال: لا يصلح إلّا أن يشتري منهم على أن يصيّرها للمسلمين» (1) الحديث.

و روى أيضا عن عبد الرحمن بن الحجاج قال:

«سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عمّا اختلف فيه ابن أبي ليلى و ابن شبرمة في السواد و أرضه، فقلت إن ابن أبي ليلى قال: إنّهم إذا أسلموا أحرار، ما في أيديهم من أرضهم لهم. و أمّا ابن شبرمة فزعم أنّهم عبيد و أنّ أرضهم التي بأيديهم ليست لهم. فقال:(عليه السلام) في الأرض ما قال ابن شبرمة، و قال: في الرجال ما قال ابن أبي ليلى أنّهم إذا أسلموا فهم أحرار (2).

و هذا قاطع في الدلالة على ما قلناه، لا سيّما و فتوى الأصحاب و تصريحهم موافق لذلك، فلا مجال للتردّد.

و أمّا أرض الشام، فقد ذكر- كونها مفتوحة عنوة- بعض الأصحاب. و ممّن ذكر ذلك «العلّامة» في كتاب «إحياء الموات» من «التذكرة»، لكن لم يذكر أحد حدودها.

____________

(1) التهذيب- أحكام الأرضين- ص 146- ج 7- ح 652.

(2) نفس المصدر- ص 155- ح 684.

69

و أمّا البواقي، فذكر حكمها القطب الراوندي في شرح «نهاية» الشيخ و أسند إلى «المبسوط»، و هذه عبارته:

«و الظاهر- على ما في «مبسوطه»- أنّ الأرضين التي هي من أقصى خراسان إلى كرمان و خوزستان و همدان و قزوين و ما حواليها أخذت بالسيف».

هذا ما وجدته فيما حضرني من كتب الأصحاب، و اللّه أعلم بالصواب.

70

المقدّمة الخامسة في تحقيق معنى الخراج و أنّه هل يتقدر أم لا

اعلم، أنّ الخراج هو: ما يضرب على الأرض كالأجرة لها، و في معناه المقاسمة غير أنّ المقاسمة تكون جزء من حاصل الزرع، و الخراج مقدار من النقد يضرب عليها. و هذا هو المراد بالقبالة و الطسق في كلام الفقهاء.

و مرجع ذلك الى نظر الإمام حسب ما تقتضيه مصلحة المسلمين عرفا، و ليس له- في نظر الشرع- مقدار معيّن لا تجوز الزيادة عليه، و لا النقصان منه.

و يدلّ على ذلك وجوه.

الأوّل: أنّ الخراج و المقاسمة كالأجرة، و هي منوطة بالعرف، متفاوتة بتفاوت الرغبات. أمّا الأولى فلأنّها في مقابل منافع الأرض، و لا نريد بمشابهتها للأجرة إلا ذلك. و أمّا الثانية فظاهرة.

قال العلّامة في «المنتهى» (1) في باب قتال البغاة، في توجيه كلام الشيخ(رحمه اللّه) حيث قال فيها:

لو ادعى من بيده أرض الخراج- عند المطالبة به بعد زوال يد أهل البغي- أداءه إلى أهل البغي لم يقبل قولهم.

وجهه: أنّ الخراج معاوضة لأنّه ثمن أو اجرة فلم يقبل قولهم في أدائه كغيره

____________

(1) انظر ص 989.

71

من المعاوضات.

الثاني: قد سبق في الحديث المرويّ عن أبي الحسن الأوّل (1)(عليه السلام) (و هو الحديث الطويل الذي أخذنا منه موضع الحاجة) ما يدل على ذلك، حيث قال:

«و الأرض التي أخذت عنوة بخيل و ركاب فهي موقوفة متروكة في أيدي من يعمرها و يحييها، على صلح ما يصالحهم الوالي على قدر طاقتهم من الخراج، النصف أو الثلث أو الثلثان، و على قدر ما يكون صالحا و لا يضرّ بهم الحديث».

و هذا صريح فيما قلناه، فإنّ تنويع الخراج إلى النصف و الثلث و الثلثين و إناطته بالمصلحة بعد ذلك، صريح في عدم انحصار الأمر في شيء بخصوصه، و لا اعرف لهذا رادّا من الأصحاب.

الثالث: الإجماع المستفاد من تتبّع كلام من وصل إلينا كلامه من الأصحاب، و عدم العثور على مخالف، و لا محكيّا في كلام المتصدّين لحكاية الخلاف، مشهورا و نادرا، في مطوّلات كتب المحققين و مختصراتهم.

قال الشيخ في «النهاية (2) في حكم الأرض المفتوحة عنوة:

«و كان على الإمام أن يقبّلها من يقوم بعمارتها بما يراه من النصف أو الثلث أو الربع».

و قال في «المبسوط» (3) في باب حكم الأرضين من كتاب الزكاة في حكم المفتوحة عنوة:

«و على الإمام تقبيلها لمن يقوم بعمارتها بما يراه من النصف أو الثلث».

و قال في كتاب (الجهاد) منه عند ذكر سواد العراق و غيره ممّا فتحت عنوة:

«يكون للإمام النظر فيها و تقبيلها بما شاء و يأخذ ارتفاعها و يصرفه في

____________

(1) انظر: ص 47- 48 من هذه الرسالة.

(2) حقل: الزكاة- ص 312- ج 1.

(3) حقل: الزكاة- ص 235- ج 1.

72

مصالح المسلمين» (1) و قال ابن إدريس في «السرائر»- في حكم المفتوحة عنوة.

«و على الإمام أن يقبّلها لمن يقوم بعمارتها بما يراه من النصف أو الثلث أو الربع أو غير ذلك».

و قال العلّامة في «المنتهى» (2):

«و هذه الأرض المأخوذة بالسيف عنوة يقبّلها الإمام لمن يقوم بعمارتها بما يراه من النصف و الثلث».

و قال في «التذكرة» (3):

«الأرض المأخوذة بالسيف يقبّلها الإمام لمن يقوم بعمارتها بما يراه من النصف أو الثلث و غيره».

و قال في «التحرير» (4) في المفتوحة عنوة:

«و يقبّلها الإمام(عليه السلام) لمن يقوم بعمارتها بما يراه من النصف أو الثلث».

و قال في «القواعد» (5) في هذه الباب أيضا:

«و يقبّلها الإمام لمن يراه، بما يراه حفظا للمسلمين، و يصرف حاصلها في مصالحهم».

و قال في «الإرشاد»:

«و يقبّلها الإمام ممن يراه بما يراه».

و قال «المقداد»(رحمه اللّه) في التنقيح- و لم يحضرني عند كتابة هذه الرسالة لأحكي عبارته- لكن حاصل كلامه فيه- على ما أظنّ-: أنّ مرجع تعيين الخراج إلى العرف، فكلّما يليق بالأرض عرفا جاز ضربه عليها.

____________

(1) حقل: أحكام الأرضين- ص 110.

(2) انظر: ص 935 و 427 و 142 و 106.

(3) انظر: ص 935 و 427 و 142 و 106.

(4) انظر: ص 935 و 427 و 142 و 106.

(5) انظر: ص 935 و 427 و 142 و 106.

73

فان قلت: قد صرّحتم أنّ هذا منوط بنظر الإمام(عليه السلام) و رأيه، فكيف يحلّ بدون ذلك؟

قلنا: قد نصّ أئمتنا(عليهم السلام) في غير حديث و صرّح أصحابنا كافّة- و سنحكي الأحاديث الواردة و عبارات الأصحاب عن قريب إن شاء اللّه تعالى- بحلّ تناول ما يأخذه الجائر باسم الخراج و المقاسمة و وجهه من حيث المعنى واضح لأنّ الخراج حقّ شرعي منوط تقديره بالمصلحة عرفا و ارتباطه بنظر الإمام(عليه السلام)، فإذا تعدّى الجائر في ذلك إلى ما لا يجوز له، و عمل ما هو منوط بنظر الإمام(عليه السلام) استقلالا بنفسه، كان الوزر عليه في ارتكاب ما لا يجوز له، و لم يكن المأخوذ حراما، و لا مظنّة حرام، لأنّه حقّ شرعي على الزارع، خارج عن ملكه يستحقّه قوم معلومون. و قد رفع أئمتنا(عليهم السلام) المنع من طرفهم بالنسبة إلينا، فكيف يحرم؟ قال في «التذكرة» في كتاب «البيع» (1): «ما يأخذه الجائر من الغلات باسم «المقاسمة» و من الأموال باسم «الخراج» عن حقّ الأرض، و من الأنعام باسم «الزكاة»، يجوز شراؤه و اتّهابه و لا يجب إعادته على أصحابه و إن عرفوا، لأنّ هذا مال لا يملكه الزارع و صاحب الأنعام و الأرض، فإنّه حق اللّه تعالى: أخذه غير مستحقه، فبرئت ذمّته و جاز شراؤه».

و الحاصل: إنّ هذا ممّا وردت به النصوص، و أجمع عليه الأصحاب بل:

المسلمون، فالمنكر له و المنازع فيه مدافع للنصّ منازع للإجماع، فإذا بلغ معه الكلام إلى هذا المقام، فالأولى الاقتصار معه على قول: «سلام».

فان قلت: فهل يجوز أن يتولّى من له النيابة حال الغيبة ذلك أعني:

____________

(1) انظر: ص 465.

74

الفقيه الجامع للشرائط؟

قلنا: لا نعرف للأصحاب في ذلك تصريحا، و لكن من جوّز للفقهاء- في حال الغيبة- تولي استيفاء الحدود و غير ذلك من توابع منصب الإمامة ينبغي تجويزه لهذا بطريق أولى، لأنّ هذا أقلّ خطرا، لا سيّما و المستحقّون لذلك موجودون في كل عصر، إذ ليس هذا الحق مقصورا على الغزاة و المجاهدين كما يأتي [1].

و من تأمّل في كثير من أحوال الكبراء من علمائنا السالفين مثل السيد الشريف المرتضى علّم الهدى، و أعلم المحققين من المتقدّمين و المتأخرين: نصير الحق و الدين «الطوسيّ»، و بحر العلوم مفتي العراق جمال الملة و الدين: الحسن بن مطهّر، و غيرهم (رضوان اللّه عليهم) نظر متأمّل منصف لم يعترضه الشك في أنهم كانوا يسلكون هذا المنهج، و يفتحون هذا السبيل، و ما كانوا ليودعوا بطون كتبهم إلا ما يعتقدون صحته.

____________

[1] من الواضح أنّ «النيابة» تتحقّق فاعليتها في حالة بسط اليد أي: تمكن الفقيه من ممارسة مسؤولية الحكم في تقديره للخراج و صرفه في مصالح المسلمين إلّا في حالة افتراض إمكانية التخلّص من دفع الخراج إلى الجائر، و حينئذ (مع القول بوجوب الدفع) يصبح موضوع (الخراج) مماثلا للزكوات و الأخماس: من حيث دفعها إلى «الفقيه» أو الإذن منه، أو عدمها: أي الدفع مباشرة إلى المستحق: أفرادا كانوا أم جهة عامّة.

75

المقالة في حلّ الخراج في حال حضور الإمام(عليه السلام) و غيبته

أمّا حال حضوره(عليه السلام) فلا شك فيه، و ليس للنظر فيه مجال. و قد ذكر أصحابنا في مصرف الخراج: أنّ الأرض جعل الامام منها أرزاق الغزاة و الولاة و الحكام و سائر وجوه الولايات.

قال الشيخ في المبسوط (1) في فصل «أقسام الغزاة»:

«ما يحتاج إليه للكراع و آلات الحرب كان ذلك في بيت المال من أموال المصالح، و كذلك رزق الحكام و ولاية الأحداث و الصلات و غير ذلك من وجوه الولايات، فإنّهم يعطون من المصالح، و المصالح تخرج من ارتفاع الأراضي المفتوحة عنوة».

و كذا قال العلّامة حاكيا عن الشيخ كلامه، فلا حاجة إلى التطويل.

و هذا واضح جليّ و ليس المقصود بالنظر.

و أمّا في حال الغيبة: فهو موضع الكلام و مطمح النظر، و لو تأمّل المنصف لوجد الأمر فيه أيضا بيّنا جليّا، فإنّ هذا النوع من المال مصرفه ما ذكر، ليس للإمام(عليه السلام) قليل و لا كثير. و هذه المصارف التي عددناها لم تتعطل كلّها في حال الغيبة و إن تعطّل بعضها.

____________

(1) انظر: ص 74- 75- ج 2.

76

و كون ضرب الخراج و تقبيل الأرضين و أخذه و صرفه موكولا إلى نظره(عليه السلام) لا يقتضي تحريمه حال الغيبة لبقاء لقاء الحقّ و وجود المستحق، مع تظافر الأخبار عن الأئمة الأطهار(عليهم السلام) و تطابق كلام أجلّة الأصحاب و متقدّمي السلف و متأخريهم بالترخيص لشيعة أهل البيت (عليهم السلام)- في تناول ذلك حال الغيبة بأمر الجائر.

فإذا انضمّ إلى هذا كله أمر من له النيابة حال الغيبة، كان حقيقا باندفاع الأوهام و اضمحلال الشكوك.

و لنا في الدلالة على ما قلناه مسلكان:

الأوّل: في الأخبار الواردة عن أهل البيت(عليهم السلام) في ذلك، و هي كثيرة:

فمنها: ما رواه الشيخ(رحمه اللّه) عن أبي بكر الحضرمي قال:

«دخلت على أبي عبد اللّه(عليه السلام) و عنده إسماعيل ابنه، فقال: ما يمنع ابن أبي سماك أن يخرج شباب الشيعة فيكفونه ما يكفيه الناس و يعطيهم ما يعطي الناس؟ قال ثم قال لي: لم تركت عطاءك؟ قال: قلت: مخافة على ديني.

قال: ما متع ابن أبي سماك أن يبعث إليك بعطائك، أما علم أن لك في بيت المال نصيبا؟ (1).

قلت: هذا الخبر نصّ في الباب، فإنّه(عليه السلام) بيّن للسائل- حيث قال:

إنّه ترك أخذ العطاء للخوف على دينه- أنّه لا خوف عليه، فإنّه إنّما يأخذ حقّه، حيث إنّه يستحقّ في بيت المال نصيبا.

و قد تقرّر في الأصول تعدّي الحكم بالعلّة المنصوصة.

و منها: ما رواه أيضا في الصحيح عن عبد الرحمن الحجّاج قال:

____________

(1) التهذيب- حقل: المكاسب- ص 336- 337- ج 6- ح 933

77

«قال لي أبو الحسن الأوّل(عليه السلام) مالك لا تدخل مع عليّ في شراء الطعام إنّي أظنّك ضيّقا؟ قال، قلت: نعم، فإن شئت وسّعت عليّ، قال:

اشتره» (1).

و قد احتجّ به العلّامة في التذكرة على تناول ما يأخذه الجائر باسم الخراج و المقاسمة.

و منها: ما رواه أيضا عن أبى المعزى قال:

«سأل رجل أبا عبد اللّه(عليه السلام) و أنا عنده فقال: أصلحك اللّه، أمرّ بالعامل فيجيزني بالدراهم، آخذها؟ قال: نعم، قلت: و أحجّ بها؟ قال:

نعم» (2).

و مثل هذا من عدة طرق اخرى.

و منها: ما رواه أيضا في الصحيح عن جميل بن صالح، قال:

«أرادوا بيع تمر عين أبي زياد، فأردت أن أشتريه، فقلت حتى أستأذن أبا عبد اللّه(عليه السلام) فأمرت مصادفا فسأله. قال: فقال: قل له يشتره، فان لم يشتره اشتراه غيره» (3).

قلت: و قد احتجّ بهذا الحديث لحلّ ذلك «العلّامة» في «المنتهى» و صحّحه.

لكن، قد يسأل عن قوله: «فإن لم يشتره اشتراه غيره»، فإنّ شراء الناس للشيء لا مدخليّة له في صيرورته حلالا على تقدير أن يكون حراما، فأيّ مناسبة له ليعلّل به؟

و لا يبعد أن يكون ذلك إشاره منه(عليه السلام) إلى معنى لطيف و هو:

أنّ كلّ من له دخل في قيام دولة الجور و نفوذ أوامرها و قوة شوكتها و ضعف دولة العدل يحرم عليه هذا النوع و نحوه بشراء و غيره، بخلاف ما لم يكن كذلك،

____________

(1) التهذيب- ص 336- ح 932.

(2) نفس المصدر- ص 338- ح 942.

(3) نفس المصدر- ص 375- ح 1092.

78

فإنّ عدم دخوله في شراء هذا كدخوله في أنّه: لا يتعطّل أمر دولة الجور أو يتناقض، بل رواجها بحاله. فأشار(عليه السلام) بقوله: «إن لم يشتره اشتراه غيره» إلى أنّه لا مانع له من الشراء أو لا دخل له في دولة الجور بتقوية و لا غيره. فإن لم يشتره لم يتفاوت الحال بل يشتريه غيره.

و منها: ما رواه أيضا عن إسحاق بن عمّار قال:

«سألته عن الرجل يشتري من العامل و هو يظلم؟! قال: يشتري منه ما لم يعلم أنّه ظلم فيه أحد».

و هذا الحديث نقلته عن «المنتهى» هكذا، و ظنّي أنّه نقله من «التهذيب» (1).

و بمعناه أحاديث كثيرة.

و منها: ما رواه أيضا في الصحيح عن هشام بن سالم عن أبي عبيدة عن أبي جعفر(عليه السلام) قال:

«سألته عن الرجل يشتري من السلطان من إبل الصدقة و غنمها و هو يعلم أنّهم يأخذون منهم أكثر من الحق الذي يجب عليهم، قال(عليه السلام): ما الإبل و الغنم إلّا مثل الحنطة و الشعير و غير ذلك لا بأس به حتى تعرف الحرام بعينه. قلت له: فما ترى- من أغنامنا- في متصدّق يجيئنا فيأخذ صدقات أغنامنا نقول بعناها، فيبيعناها، فما ترى في شرائها منه؟ قال: إن كان أخذها و عزلها فلا بأس. قلت له: فما ترى في الحنطة و الشعير، يجيئنا القاسم فيقسم لنا حظّنا فيأخذ حنطة فيعزل بكيل، فما ترى في شراء ذلك الطعام له؟ فقال: إذا كان قد قبضه بكيل و أنتم حضور، فلا بأس بشرائه منه بغير كيل» (2).

و منها: ما رواه الشيخ أيضا بإسناده عن يحيى بن أبي العلا عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) عن أبيه:

____________

(1) انظر: حقل المكاسب- ص 375- ج 6- ح 1093.

(2) نفس المصدر- ص 375- ح 1094.

79

«إنّ الحسن و الحسين(عليهما السلام) كانا يقبلان جوائز معاوية» (1).

قلت: قد علم أن موضع الشبهة حقيق بالاجتناب، و الإمام(عليه السلام) لا يواقعها، و ما كان قبولهما(عليهما السلام) لجوائزه إلا لما لهما من الحقّ في بيت المال مع أنّ تصرّف معاوية عليه غضب اللّه و سخطه كان بغير رضا منهما (عليهما السلام). فتناولهما حقّهما(عليهما السلام) المرتب على تصرّفه دليل على جواز ذلك لذوي الحقوق في بيت المال من المؤمنين، نظرا إلى التأسّي.

و قد نبّه «شيخنا» في «الدروس» (2) على هذا المعنى و فرّق بين الجائزة من الظالم و بين أخذ الحقّ الثابت في بيت المال أصالة. فإنّ ترك قبول الأوّل أفضل، بخلاف الثاني.

و مثل هذه الاخبار كثير لمن تتبّع و لسنا بصدد ذلك، فان في هذا غنية في الدلالة على المطلوب في تتبّع ما سواها.

و كون بعضها قد يعتري بعض رجال إسناده طعن أو جهالة، غير قادح في شيء منها بوجه من الوجوه، على أنّ أسانيد كثيرة منها صحيحة، كما قدّمناه.

و مع ذلك فإن الأصحاب كلهم أو جلّهم قد أفتوا بمضمونها في كتبهم و عملوا به، فيما بلغنا عنهم.

و الخبر الضعيف الإسناد- إذا انجبر الخبر بقول الأصحاب و عملهم- ارتقى إلى مرتبة الصحاح و انتظم في سلك الحجج، و الحق بالمشهور.

فان قيل: هنا سؤالان.

الأوّل: إنّ هذه الأخبار تضمّنت حلّ الشراء خاصّة، فمن أين ثبت حلّ التناول مطلقا؟

الثاني: هذه الأخبار إنّما دلّت على جواز التناول من الجائر بعد استيلائه و أخذه

____________

(1) التهذيب- ج 6 ص 377- ح 935.

(2) انظر: ص 229 من الكتاب المذكور.

80

فمن أين ثبت حلّ الاستيلاء و الأخذ كما يفعله الجائر؟

قلنا: الجواب عن الأوّل، أنّ حلّ الشراء كاف في ثبوت المطلوب، لأنّ حلّ الشراء يستلزم حلّ جميع أسباب النقل، كالصلح و الهبة، لعدم الفرق، بل الحكم بجواز غير الشراء على ذلك التقدير بطريق أولى لأنّ شروط صحّة الشراء أكثر. و قد صرّح الأصحاب بذلك، بل يستلزم جواز قبول هبته- و هو في يد وليّ المال- و الحوالة به، لما عرفت من أنّ ذلك غير مملوك له، بل إنّما هو حقّ تسلّط على تصرّف الغير فيه غير من له أهليّة التصرف.

و قد سوّغ أئمتنا(عليهم السلام) ابتناء تملكنا له على ذلك التصرّف غير السائغ لأنّ تحريمهم(عليهم السلام) إنما كان من جهتهم(عليهم السلام) فاغتفروا لشيعتهم ذلك طلبا لزوال المشقة عنهم، فعليهم- من اللّه- التحية و السلام.

و قد صرّح بذلك بعض الأصحاب، و سنذكره فيما بعد إن شاء اللّه تعالى.

و أمّا الجواب عن الثاني، فلأنّ الأخذ من الجائر و الأخذ بأمره سواء.

على أنّه إذا لوحظ أنّ المأخوذ حقّ ثبت شرعا- ليس فيه وجه تحريم و لا جهة غصب و لا قبح، حيث إنّ هذا حق مفروض على هذه الأراضي المحدث عنها.

و كونه منوطا بنظر الإمام(عليه السلام) انتفى الحظر اللازم بسببه ترخيص الإمام في تناوله من الجائر- سقط السؤال بالكلية أصلا و رأسا.

المسلك الثاني: اتفاق الأصحاب على ذلك. و هذه عبارتهم نحكيها شيئا فشيئا من كلامهم بعينه من غير تغيير، على حسب ما وقع إلينا من مصنّفاتهم في وقت كتابة هذه الرسالة فمن ذلك: كلام شيخ الطائفة و رئيسها و فقيهها و معتمدها محمّد بن الحسن الطوسي في كتاب «المكاسب» من كتاب «النهاية» و هذا لفظه:

«و لا بأس بشراء الأطعمة و سائر الحبوب و الغلات على اختلاف أجناسها من

81

سلاطين الجور و ان علم من أحوالهم أنّهم يأخذون ما لا يستحقون و يقبضون ما ليس لهم ما لم يعلم شيئا من ذلك بعينه غصبا، فإن علم كذلك فلا يتعرّض لذلك، و أمّا ما يأخذونه من الخراج و الصدقات- و إن كانوا غير مستحقين لها- جاز شراؤها منهم» (1).

هذا كلامه.

و قال المحقق نجم الدين في «الشرائع» ما هذا لفظه:

«ما يأخذه السلطان من الغلات: باسم «المقاسمة»، و الأموال: باسم «الخراج» عن حقّ الأرض، و من الانعام: باسم «الزكاة»، يجوز ابتياعه و قبول هبته، و لا تجب إعادته على أربابه و ان عرف بعينه» (2).

و قال العلّامة(رحمه اللّه) في «المنتهى»:

«يجوز للإنسان أن يبتاع ما يأخذه سلطان الجور بشبهة الزكوات من الإبل و البقر و الغنم، و ما يأخذه عن حقّ الأرض من الخراج، و ما يأخذه بشبهة «المقاسمة» من الغلات و ان كان غير مستحق لأخذ شيء من ذلك، إلّا أن يتعيّن له شيء منه بانفراده أنّه غصب، فلا يجوز له أن يبتاعه» (3).

ثم احتجّ لذلك برواية جميل بن صالح و إسحاق بن عمّار و أبي عبيدة السالفات (4) إلى أن قال:

«إذا ثبت هذا فإنّه يجوز ابتياع ما يأخذه من الغلات باسم «المقاسمة» أو الأموال باسم «الخراج» عن حقّ الأرض، و من الأنعام باسم «الزكاة»، و قبول هبته، و لا تجب إعادته على أربابه، و ان عرف بعينه دفعا للضرورة».

قلت: هذا بعينه هو ما أسلفناه سابقا.

____________

(1) انظر: ص 360- ج 2.

(2) حقل التجارة، ص 13 ج 2.

(3) انظر: ص 27- ج 1.

(4) انظر: ص 78 من هذه الرسالة.

82

و قال في «التذكرة» ما هذا لفظه:

«ما يأخذه الجائر من الغلات باسم «المقاسمة»، و من الأموال باسم الخراج عن حق الأرض، و من الأنعام باسم الزكاة: يجوز شراؤه و اتّهابه و لا تجب إعادته على أصحابه و إن عرفوا، لأنّ هذا مال لا يملكه الزارع و صاحب الأنعام و الأرض، فإنّه حق للّه تعالى، أخذه غير مستحق، فبرئت ذمته و جاز شراؤه» (1).

ثمّ احتجّ لذلك بخبر أبي عبيدة و عبد الرحمن السالفتين.

و قال في «التحرير»:

«ما يأخذه الظالم بشبهة «الزكاة» من الإبل و البقر و الغنم، و ما يأخذه عن حقّ الأرض بشبهه «الخراج» و ما يأخذه من الغلّات باسم «المقاسمة» حلال و ان لم يستحق أخذ ذلك و لا تجب إعادته على أربابه و إن عرفهم إلّا أن يعلمه في شيء منه بعينه أنه غصب، فلا يجوز له تناوله و لا شراؤه» (2).

و قال في «القواعد»:

«و الذي يأخذه الجائر في الغلات باسم «المقاسمة»، و من الأموال باسم «الخراج» عن حقّ الأرض، و من الأنعام باسم «الزكاة» يجوز شراؤه و اتّهابه و لا تجب إعادته على أصحابه و ان عرفوا» (3).

و في حواشي شيخنا الشهيد (قدّس سرّه) على القواعد، ما صورته:

«و ان لم يقبضها الجائر، و كذا ثمرة الكرم و البستان».

و قال في «الإرشاد»- عطفا على أشياء ممّا يحل بيعها و تناولها-:

«و ما يأخذه الجائر باسم المقاسمة من الغلات، و الخراج عن الأرض، و الزكاة من الأنعام و إن عرف المالك».

و قال شيخنا الشهيد في «الدروس» (4) كلاما في هذا الباب من أجود كلام المحققين، إذا تأمله المنصف الفطن، علم أنّه يعتقد في الخراج أنّه من جملة الأموال

____________

(1) انظر: 2 ص 583- ج 1.

(2) حقل التجارات ص 162.

(3) انظر: ص 122.

(4) انظر: ص 329.

83

الخالية من الشبهة، البعيدة عن الأوهام، حيث ذكر الجوائز و جعل ترك قبولها أفضل، و بالغ في أحكام الخراج بما سنحكيه مفصّلا، و صورة كلامه:

«يجوز شراء ما يأخذه الجائر باسم الخراج و الزكاة و المقاسمة، و إن لم يكن مستحقّا له».

ثم قال:

«و لا يجب ردّ المقاسمة و شبهها على المالك، و لا يعتبر رضاه، و لا يمنع تظلّمه من الشراء. و كذا لو علم أنّ العامل يظلم، إلا أن يعلم الظلم بعينه.

نعم يكره معاملة الظلمة و لا يحرم لقول الصادق(عليه السلام): «كل شيء فيه حلال و حرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه» (1).

و لا فرق بين قبض الجائر إيّاه أو وكيله و بين عدم القبض، فلو أحاله بها و قبل الثلاثة أو وكله في قبضها أو باعها و هي في يد المالك أو في ذمته جاز التناول، و يحرم على المالك المنع. و كما يجوز الشراء تجوز سائر المعاوضات و الهبة و الصدقة و الوقف، و لا يحلّ تناولها بغير ذلك».

و المقداد (رحمه اللّه) في «التنقيح» شرح النافع (2) أخذ حاصل هذا الكلام، و أورده بصورة الشرح مطوّلا، و لم يحضرني في وقت نقل كلام الأصحاب سوى هذا المقدار من الكتب فانقل كلام الباقين، لكن فيما أوردناه غنيّة و بلاغ لاولي الألباب، فإنّ كلام الباقين لا يخرج عن كلام من حكينا كلامهم، إذ لو كان فيهم مخالف لحكاه من عثرنا على مصنفاتهم و اطّلعنا على مذاهبهم، لما علمناه من شدّة حرصهم على إيراد خلاف الفقهاء و ان كان ضعيفا، و الإشارة إلى القول الشاذّ و إن كان واهيا فيكون الحكم في ذلك إجماعيّا.

على أنّه لو كان فيهم مخالف مع وجود فتوى كبراء المتقدّمين و المتأخرين

____________

(1) التهذيب- ج 6- 79- ح 337.

(2) انظر: ص 19 ج 2 من الكتاب المذكور.

84

و استفاضة الأخبار عن أئمة الهدى و مصابيح الدجى، و صحة طرق كثير منها، و اشتهار مضمونها، لم يكن خلافه قادحا، فكيف و الحال كما قد عرفت.

فها نحن قد قررنا لك في هذه المسألة، و أوضحنا لك من مشكلاتها ما يجلي صدأ القلوب، و يزيل أذى الصدور، و يرغم أنوف ذوي الجهل، و يشوّه وجوه اولي الحسد الذين يعضون الأنامل غيظا و حنقا، و يلتجئون في تنفيس كربهم إلى التفكّه في الاعراض، و التنبيه على ما يعدونه- بزعمهم- من العورات، و يطعنون بما لا يعد طعنا في الدين، يمهدون بذلك لأنفسهم- في قلوب دهماء العامّة و ضعفاء العقول و سفهاء الأحلام- محلا، و لا يعلمون أنّهم قد هدّموا من دينهم، و أسخطوا اللّه مولاهم، و هم يحسبون أنّهم يحسنون صنعا.

فإنّ ما أوردناه من الأخبار عن الأئمة الأطهار(عليهم السلام) و حكيناه من فقهاء العترة النبويّة المبرّئين من الزيغ و الزلل، ان كان حقا يجب اتّباعه و الانقياد له، فناهيك به و كانوا أحقّ بها و بأهلها و أيّ ملامة على من اتّبع الحقّ، و تمسّك بهدي قادة الخلق لولا أنعمه عن صوب الصواب، و الغشاء عن نور اليقين. و ان كان باطلا ما أثبتناه من الأخبار الكثيرة و الأقوال الشهيرة فلا سبيل لنا إلى مخالفتهم و سلوك غير جادّتهم، و الحال: أنّهم قدوتنا في أصول ديننا و عمدتنا في أركان مذهبنا، و كيف نتّبعهم حينا و نفارقهم حينا؟ يحلونه عاما و يحرّمونه عاما.

شعر:

و ما أنا إلا من عزية إن غوت * * * غويت و ان ترشد عزيّة أرشد

على أنّ الحاسد لا يرضى و إن قرعت سمعه الآيات، و المغمّض لا يبصر و إن أتى بالحجج البيّنات، و لو راجع عقله و تفكّر لم يجد فرقا بين حلّ الغنائم و حلّ ما نحن فيه بل هذا إنّما هو شعبة من ذاك، فإنّه إذا كان المبيح له و الإذن في تناوله واحدا فأيّ مجال للشك، و أيّ موضع للطعن لولا عين البغضاء و طوية الشحناء؟

85

و جدير بمن علم كيف كان طعن الحاسدين و إنكار المغمضين على سيّد الكونين و إمام الثقلين و نسبتهم إليه الأباطيل و ندائهم عليه في الأندية بالأفاعيل ممّا يذيب المرائر و يفتّت قلوب ذوي البصائر، أن يهون عليه مثل هذه الأقوال السخيفة و الإنكارات الفاسدة.

شعر:

فما في حريم بعدها من تحرّج * * * و لا هتك ستر بعدها بمحرّم

و ما لنا نسمع من خلال المذاكرة في مجالس التحصيل من أخبار علمائنا الماضين و سلفنا الصالحين ما هو من جملة الشواهد على ما ندعيه، و الدلائل الدالة على حقيقة ما ننتحيه.

فمن ذلك ما تكرّر سماعنا من أحوال الشريف المرتضى علم الهدى، ذي المجدين، أعظم العلماء في زمانه، الفائز بعلوّ المرتبتين في أوانه: عليّ بن الحسين الموسويّ (قدس اللّه سرّه) فإنّه مع ما اشتهر من جلالة قدره في العلوم و أنّه في المرتبة التي تنقطع أنفاس العلماء على أثرها، و قد اقتدى به كلّ من تأخّر عنه من علماء أصحابنا بلغنا أنّه كان في بعض دول الجور ذا حشمة عظيمة و ثروة جسيمة و صورة معجبة، و أنّه قد كان له ثمانون قرية. و قد وجدنا في بعض الآثار ذكر بعضها.

و هذا أخوه ذو الفضل الشهير و العلم الغزير و العفّة الهاشميّة و النخوة القرشيّة، السيد الشريف المرضيّ الرضيّ- روّح اللّه روحه- كان له ثلاث ولايات، و لم يبلغنا عن أحد من صلحاء ذلك العصر الإنكار و لا النقص منهما، و لا نسبتهما إلى فعل حرام أو مكروه أو خلاف الأولى، مع أنّ الذين- في هذا العصر- ممّن يزاحم بدعواه الصلحاء لا يبلغون درجة أتباع أولئك، و المقتدين بهم.

و متى خفي شيء، فلا يخفى حال أستاذ العلماء المحققين و السابق في الفضل على المتقدّمين و المتأخرين، نصير الملّة و الحق و الدين، محمّد ابن الطوسي

86

(قدّس اللّه نفسه و طيّب رمسه) و أنّه كان المتولي لأحوال الملك، و القائم بأعمال السلطنة.

هذا و أمثاله إنّما يصدر عن أوامره و نواهيه.

ثم انظر إلى ما اشتهر من أحوال آية اللّه في المتأخرين، بحر العلوم، مفتي الفرقة، جمال الملّة و الدين، أبي منصور الحسن المطهر (قدس اللّه روحه) و كيف كان ملازمته السلطان المقدّس المبرور (محمّد خدابنده) و أنه كان له عدة قرى، و كانت نفقات السلطان و جوائزه و أصله إليه، و غير ذلك مما لو عدّد لطال.

و لو شئت أن أحكي عن أحوال عبد اللّه بن عبّاس و عبد اللّه بن جعفر، و كيف كانت أحوالهما في دول زمانهما لحكيت شيئا عظيما.

بل لو تأمّل المتأمّل، الخالي من المرض قلبه، لوجد المربّي للعلماء و المروّج لأحوالهم إنما هو الملوك و أركان دولتهم. و لهذا لمّا قلّت العناية بهم، و انقطع توجّههم بالتربية إليهم ضعفت أحوالهم، و تضعضعت أركانهم، و خليت أنديه العلم و محافله في جميع الأرض.

و ليس لأحد من المفتين أن يقول: إنّ هؤلاء أحيوا هذه البلاد، و كانت- قبل- مواتا، لأنّ هذا معلوم البطلان ببديهة العقل.

أمّا أوّلا: فلأنّ بلاد العراق على ما حكيناه كانت بتمامها معمورة، لم يكن لأحد مجال أن يعمّر- في وسط البلاد- قرى متعدّدة، و ما كان بين القربتين و البلدين- في البعد- قدر فرسخ إلا نادرا، كيف و مجموع معمورها من الموصل إلى عبّادان ستّة و ثلاثون ألف ألف جريب [1].

____________

[1] إنّ تحديد ما هو عامر أو ميّت فضلا عن بعض المواقع التي صولح عليها من الصعب أن يركن إليه الملاحظ في الذهاب إلى أنّ العراق كان معمورا بتمامه- كما هي وجهة نظر المؤلّف-، أو إلى أنّ التصرّف الذي مارسه الآخرون (ممّن يناقشهم المؤلف) قائم على أحيائهم لأرض ميتة محدودة بشكل يمكن فرزها عن المعمور، أو الميّت الذي كان عامرا زمن الفتح، و خاصة إذا عرفنا أنّ (المؤرخين) أشاروا إلى مواقع من «الجنوب» و غيرها ممّا لم تدخل في نطاق «السواد»، فضلا عن التحديد القائم الذي أشرنا إليه في مقدّمة هذه الرسالة.

87

و أمّا ثانيا: فلأنّ عمارة القرى أمر عظيم يحتاج إلى زمان طويل و صرف مال جزيل و هم كانوا بعيدين عن هذا الاستعداد، مع هذه التمحّلات- بعد ما تلوناه من كلامهم في أحكام هذه الأرضين و أحوال خراجها و حلّ ذلك- من التكلّفات الباردة و الأمور السامجة، نعوذ باللّه من القول بالهوى و مجانبة سبيل الهدى، و هو حسبنا و نعم الوكيل.

88

الخاتمة في التوابع و اللواحق

و فيها مسائل:

الاولى: في أنّ الخراج ليس من جملة مواضع الشبهات،

لأنّا قد قرّرنا فيما قبل أنّه من جملة الغنائم إذ هو حقّ الأرض المفتوحة، فحلّها تابع لحلّها بغير تفاوت.

و قد أقمنا الدليل على ذلك، و حكينا ما صدر عن الأصحاب- رحمهم اللّه- فيه، و ليس لنا ما ينافي ذلك إلا أخذه بأمر سلطان الجور، و هو موقوف على أمر الإمام(عليه السلام) و نظره(عليه السلام)، و هذا لا يصلح للمنافاة، لأنّ الأئمة(عليهم السلام) أباحوا لشيعتهم ذلك حال الغيبة، و أزالوا المانع من جهتهم، فلم يكن فيه شيء يقتضي التنفّر، و لا يبعد من رضا اللّه سبحانه و رضاهم، لا سيّما إذا انضمّ إلى ذلك نظر نائب الغيبة.

و أيّ فارق بينه و بين ما أحلّوا لشيعتهم حال الغيبة ممّا فيه حقوقهم؟ و هؤلاء الذين يزرون على هذا النوع لا يتجنّبون ما فيه حقّهم(عليهم السلام) بل و لا يستطيعون، فإنّ هذه الجواري و العبيد و متفرّدات الغنائم و ما يحصل من البحر بالغوص و غيره لا يستطيع أحد الانفكاك منه، و هم لا يتحرّجون من هذا القسم و لا ينفرون منه، و يبالغون في التشنيع على القسم الأوّل، لما يلحقه من المحرّمات أو مواقع الشبهات، و يجعلون أنفسهم في ذلك مقتدى للعامّة، يقتفون آثارهم، و لا يخافون اللّه سبحانه، حيث انّهم قد حرّموا بعض ما أحلّه اللّه، و أنكروا بعض

89

ما علم ثبوته من الدين، و ينالون من الأعراض المحرّمة بما هو حرام عليهم، و لا فرق في استحقاق المقت من اللّه سبحانه بين استحلال الحرام و بين تحريم الحلال، فإنّ عمر لمّا أنكر حلّ المتعة ما زال الأئمة(عليهم السلام) ينكرون عليه، و يتوجّعون من فعله و افترائه، و حثوا على فعلها، و وعدوا عليها بمضاعفة الثواب: فطما للنفوس عن متابعته على ضلالة.

و الشبهة- إنّما سميت شبهة- لأنها موضع الاشتباه، و ليس هذا النوع موضعا للاشتباه كما نقول في أموال الظلمة و العشارين، فإنّها مواقع الشبهة و مظانّ الحرمات، فإنّ الحل و الحرمة حكمان شرعيّان، يثبتان و ينتفيان بحكم الشارع، فما كان أمر الشارع فيه الحلّ فهو الحلال، و ما كان أمره فيه الحرمة فهو الحرام.

فالشبهة هي: الحلال بحسب الظاهر و لكنّه مظنة الحرام في نفس الأمر كما مثلناه في أموال الظلمة.

الثانية: قد عرفت أنّ «الخراج» و «المقاسمة» و «الزكاة» المأخوذة بأمر الجائر أو نائبه حلال تناولها،

فهل تكون حلالا للآخذ مطلقا حتى لو لم يكن مستحقا للزكاة و لا ذا نصيب في بيت المال حين وجود الإمام(عليه السلام)؟ أم إنّما يكون حلالا بشرط الاستحقاق، حتّى أن غير مستحق يجب عليه صرف ذلك الى مستحقيه؟

إطلاق الأخبار و كلام الأصحاب يقتضي الأوّل. و تعليلاتهم بأنّ للآخذ نصيبا في بيت المال، و أنّ هذا الحق للّه تعالى، يشعر بالثاني.

و للتوقف فيه مجال، و إن كان ظاهر كلامهم هو الأوّل، لأنّ رفع الضرورة لا يكون إلا بالحلّ مطلقا.

الثالثة: قال في «التحرير». «روي عن الصادق(عليه السلام) أنّه سئل عن النزول على أهل الخراج،

فقال: ثلاثة أيّام.

و عن السخرة في القرى و ما يؤخذ من العلوج و الأكراد إذا نزلوا في القرى،

90

قال: و يشترط عليهم ذلك فيما شرطت عليهم من الدراهم و السخرة و ما سوى ذلك، و ليس لك أن تأخذ منهم شيئا حتى تشارطهم، و ان كان كالمستيقن أنّ من نزل تلك الأرض أو القرية أخذ منه ذلك».

قلت: الرواية في «التهذيب» (1) و فيها بدل «الأكراد» «الأكرة» كأنه جمع «أكار».

و في معناها ما رواه عن إسماعيل بن الفضل قال:

سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن رجل اشترى أرضا من أرض الخراج ..

إلى أن قال: «إن أناسا من أهل الذّمة نزلوها، إله أن يأخذ منهم اجرة البيوت إذا أدوا جزية رءوسهم؟ قال: يشارطهم، فما أخذ بعد الشرط فهو حلال» (2).

و لكن روي عن عليّ الأزرق، قال: سمعت أبا عبد اللّه(عليه السلام) يقول:

«أوصى رسول اللّه(صلى اللّه عليه و آله)عليّا(عليه السلام) عند موته، فقال: يا عليّ لا يظلم الفلاحون بحضرتك و لا يزاد على أرض وضعت عليها و لا سخرة على مسلم» (3).

و في معنى ذلك ما رواه عن «الحلبي» (4) عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام).

الرابعة: روى الشيخ(رحمه اللّه) في «التهذيب» عن عليّ بن يقطين قال:

«قلت لأبي الحسن الأوّل(عليه السلام): ما تقول في أعمال هؤلاء؟ قال:

إن كنت لا بدّ فاعلا فاتّق أموال الشيعة، قال: فأخبرني علي أن كان يجبيها من الشيعة علانية و يردّها عليهم في السرّ» (5).

و في معناه: ما رواه الحسن بن الحسين الأنباري عن الرضا(عليه السلام) قال:

____________

(1) حقل: أحكام الأرضين- ص 153- 154 ج 7 ح 678.

(2) نفس المصدر ص 154- ح 679.

(3) نفس المصدر- ص 154- ح 680.

(4) نفس المصدر 154- ح 681.

(5) نفس المصدر- ص 335، ج 6 927.

91

«كتبت إليه أربعة عشرة سنة استأذنه في عمل السلطان، فلمّا كان في آخر كتبت إليه أذكر أنني أخاف على خبط عنقي و أنّ السلطان يقول: رافضي، أ و لسنا نشك في أنّك تركت عمل السلطان للرفض» فكتب إليه أبو الحسن(عليه السلام):

«فهمت كتابك و ما ذكرت من الخوف على نفسك، فإن كنت تعلم أنّك إذا وليت عملت في عملك بما أمر رسول اللّه(صلى اللّه عليه و آله)ثمّ تصير أعوانك و كتابك أهل ملّتك، و إذا صار إليك شيء واسيت به فقراء المؤمنين كان ذا بذا، و إلا فلا» (1).

قلت: في معنى هذين الحديثين أحاديث أخر، و ليس هذا ممّا نحن فيه بشيء، لأنّ موضوع هذا تولي أعمال سلطان الجور و أخذ الجائزة على ذلك، و هذا خارج من بحثنا بالكلية، و ما ورد في الحديث الأول أنّه كان يجبي أموال الشيعة علانية و يردّها عليهم سرّا، يمكن أن يكون المراد به وجوه الخراج و الزكوات و المقاسمات لأنّها- و ان كانت حقّا عليهم- فليست حقّا للجائر، فلا يجوز جمعها لأجله إلّا عند الضرورة. لا زلنا نسمع من كثير ممن عاصرناهم لا سيّما شيخنا الأعظم الشيخ علي بن هلال (قدس اللّه روحه)، و غالب ظني أنّه بغير واسطة بل بالمشافهة- أنّه لا يجوز لمن عليه الخراج و المقاسمة سرقته و لا جحوده و لا منعه، و لا شيئا منه لأنّ ذلك حقّ واجب عليه، و اللّه سبحانه أعلم بحقائق الأمور.

و حيث انتهى الكلام إلى هذا المقام، فلنحمد اللّه الذي وفقنا للتمسّك بعروة عترة النبيين، النبي المصطفى(صلى اللّه عليه و آله)و خلاصة [خاصّته] (2) الوصيّ

____________

(1) التهذيب: ج 6- ص 335- 928.

(2) الموجود في النسخة (خاصة).

92

المرتضى، أحد السببين، و ثاني الثقلين، و ضياء الكونين، و عصمة الخلق في الدارين، و سلوك محجتهم و الاستضاءة بأنوار حجتهم. و نسأل اللّه- جلّ اسمه- أن يصلي و يسلّم عليهم أجمعين، صلاة يظهر بها شرف مقامهم يوم الدين، و أن يحشرنا في زمرتهم و تحت ألويتهم، و يتوفّانا على حبهم، مقتفين هداهم في صدرهم و وردهم، و أن يصفح عن ذنوبنا و يتجاوز عن سيّئاتنا، و للّه الحمد و المنّة أوّلا و آخرا و ظاهرا و باطنا ..

«فرغ من تأليفها العبد المعترف بذنوبه علي بن عبد العالي وسط نهار الاثنين تقريبا حادي عشر شهر ربيع الثاني سنة عشر و تسعمائة حامدا و مصليا على محمد و آله الطيبين الطاهرين».