كتاب النكاح

- الشيخ مرتضى الأنصاري المزيد...
491 /
107

المطلب الثالث في الأولياء

و فيه فصلان:

الأوّل: في أسباب الولاية

و هي أربعة:

الأوّل: الأبوّة

و في معناها الجدودة على المشهور المعروف عمّن عدا العماني (1).

و تفيد ولاية الإجبار على الولدين و هما الذكر و الأنثى الصغيرين أو المجنونين، سواء في الأنثى البكر و الثيّب بوطء أو غيره.

و إطلاق المجنونين يشمل ما إذا كان جنونهما متّصلا بالصغر، أو طارئا بعد البلوغ عاقلا.

و لا إشكال في الأوّل، و حكي عدم الخلاف فيه (2)؛ للاستصحاب و عموم رواية زرارة: «إذا كانت المرأة مالكة لأمرها، تبيع و تشتري

____________

(1) نقله عنه العلّامة في المختلف: 535.

(2) نهاية المرام 1: 69.

108

و تعتق [و تشهد] (1) و تعطي [من] (2) ما لها من شاءت، فإنّ أمرها جائز، تزوّجت متى شاءت بغير وليّ. و إن لم تكن كذلك، لم يجز تزويجها إلّا بأمر وليّها .. الخبر» (3).

و لا ريب أنّ المتبادر من «وليّها» أبوها أو جدّها؛ إذ لا ولاية للغير عليها (4) مع وجودهما اتّفاقا، إلّا أن يقال: إنّ الحاكم هو الوليّ في المجنون المتوحّد (5) عن الصغر، و لا ريب أنّ إرادته من الرواية في غاية البعد. و من هنا يصحّ الاستدلال بالرواية على ولاية الأب و الجدّ على المجنونين و إن لم يتّصل جنونهما بصغرهما؛ إذ لا دليل على ولاية الحاكم عموما و لا خصوصا بحيث تطمئنّ منه النفس.

و لا خيار لهما بعد بلوغهما و رشدهما، أمّا عدم الخيار للصغيرة فالظاهر أنّه موضع وفاق كما في الحدائق (6)، و في المسالك: أنّه لا يظهر فيه مخالف (7).

و يدلّ عليه الأخبار الكثيرة كصحيحة الحذّاء عن أبي جعفر (عليه السلام)، و فيها: «قلت: فإن كان أبوها هو الذي زوّجها قبل أن تدرك؟ قال: يجوز

____________

(1) من «ع» و «ص» و المصدر.

(2) من «ع» و «ص» و المصدر.

(3) الوسائل 14: 215، الباب 9 من أبواب عقد النكاح، الحديث 6.

(4) العبارة من كلمة «عليها» إلى كلمة «النفس» غير واضحة في «ق».

(5) كذا في النسخ.

(6) الحدائق 23: 204.

(7) المسالك 1: 358.

109

عليها تزويج الأب، و يجوز على الغلام، و المهر على الأب للجارية» (1).

و نحوها صحيحة ابن بزيع عن أبي الحسن (عليه السلام) (2)، و صحيحة عبد اللّٰه بن الصلت عن أبي الحسن (عليه السلام) (3)، و صحيحة عليّ بن يقطين عنه (عليه السلام) (4).

نعم، في صحيحة محمد بن مسلم، قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الصبي يزوّج الصبية، قال: إن كان أبواهما اللذان زوّجاهما فنعم جائز، و لكن لهما الخيار إذا أدركا، فإن رضيا بعد ذلك فإنّ المهر على الأب ..

الخبر» (5).

و هذه الرواية و إن صحّت، لكنّها لعدم ظهور القائل بها و معارضتها بأكثر منها، لا بدّ من إطراحها (6) أو حملها على ما ذكره الشيخ من أنّ الصبي مختار في الطلاق أو الفسخ بأسباب (7)، و الصبيّة مخيّرة في مطالبة الطلاق

____________

(1) الكافي 5: 401، الحديث 4. و عنه الوسائل 17: 527، الباب 11، من أبواب ميراث الأزواج، الحديث الأوّل.

(2) الوسائل 14: 207، الباب 6 من أبواب عقد النكاح، الحديث الأوّل.

(3) الكافي 5: 394، الحديث 6، التهذيب 7: 381، الحديث 1540، و عنه الوسائل 14: 207، الباب 6 من أبواب عقد النكاح، الحديث 3، و فيه سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام).

(4) الوسائل 14: 208، الباب 6 من أبواب عقد النكاح و أولياء العقد، الحديث 7.

(5) نفس المصدر، الحديث 8.

(6) في «ع» و «ص»: طرحها.

(7) الكلمة غير مقروءة في «ق».

110

أو الفسخ مع وجود أسبابه (1)، و لا يخفى بعده، لكن (2) أولى من الاطراح (3).

و أمّا عدم الخيار للصغير إذا أدرك، فقد نسب إلى المشهور، و يدلّ عليه صحيحة الحذّاء المتقدّمة (4) و ما دلّ من الأخبار على أنّهما إذا زوّجهما الأبوان و ماتا يتوارثان كصحيحة محمد بن مسلم (5) و نحوها (6) فإنّ وقوف العقد على الإجازة بعد البلوغ ينافي التوارث إذا ماتا قبله.

اللّٰهمّ إلّا أن يقال: إنّ العقد الواقع ليس موقوفا كالفضولي الصادر عن غير الأب، بل العقد صحيح منجّزا، و إنّما يتخيّر الصبي بعد الإدراك بين فسخه و إبقائه، فلا ينافي ذلك للتوارث.

و ردّ بأنّ ذلك مخالف لما يظهر من الأخبار (7) من أنّ معنى الخيار بعد الإدراك هو أنّه (8) لا يترتّب على العقد أثر قبل الإدراك، كما يستفاد من صحيحة الحذّاء التي نقلنا عجزها.

و يدلّ على خلاف المشهور ما رواه في التهذيب عن يزيد الكناسي عن أبي جعفر (عليه السلام)، و فيها: «إنّ الغلام إذا زوّجه أبوه و لم يدرك كان له

____________

(1) التهذيب 7: 382، ذيل الحديث 1543، و الوسائل 14: 208، الباب 6 من أبواب عقد النكاح و أولياء العقد، الحديث 8.

(2) في «ع» و «ص»: لكنه.

(3) في «ع» و «ص»: الطرح.

(4) تقدّمت في الصفحة: 108.

(5) الوسائل 14: 220، الباب 12 من أبواب عقد النكاح، الحديث الأوّل.

(6) مستدرك الوسائل 14: 317، الباب 5 من أبواب عقد النكاح، الحديث 3.

(7) ليس في «ع» و «ص»: من الاخبار.

(8) في «ع» و «ص»: أن.

111

الخيار إذا أدرك و بلغ خمس عشرة سنة، أو يشعر في وجهه، أو ينبت في عانته قبل ذلك» (1).

و رواية أبان (2) [و] (3) موثقة الفضل بن عبد الملك، قال: «إذا زوّج الرجل ابنه فذاك إلى ابنه، و إذا زوّج الابنة جاز» (4).

و الأقوى ما عليه المشهور؛ لأنّ المراد بثبوت الخيار للصبيّ بعد الإدراك إن كان هو الخيار في إجازة العقد و ردّه بحيث يكون العقد قبلها فضوليا موقوفا، فيردّه- مضافا إلى صحيحة الحذّاء- أخبار التوارث (5)، و لا يعارضها الخبران.

و إن كان هو الخيار بين فسخ العقد و إبقائه، كالخيار في سائر العقود- و يؤيّده ما في الرياض من أنّه قيل: بأنّ القول بثبوت التوارث لا ينافي الخيار (6)، و أنّه قال بالتوارث كلّ من قال بالخيار للصبيّ، حيث إنّ ظاهر ذلك أنّه يراد بالخيار خيار الفسخ لا خيار الإجازة- فيكون كالعقد الجائز لا الفضولي.

فحينئذ لو سلّم عدم مخالفته لما يظهر من الأخبار، من أنّ المراد

____________

(1) التهذيب 7: 382، ذيل الحديث 1544، و عنه في الوسائل 14: 209، الباب 6 من أبواب عقد النكاح، الحديث 9.

(2) الوسائل 14: 221، الباب 13 من أبواب عقد النكاح، الحديث 3.

(3) من «ع» و «ص».

(4) الوسائل 14: 208، الباب 6 من أبواب عقد النكاح، الحديث 4.

(5) تقدّم بعضها في الصفحة السابقة، انظر الهامش 2 و 3 هناك.

(6) رياض المسائل 2: 78.

112

بالخيار بعد الإدراك هو أنّ قبله لا يترتّب على العقد أثر، رجع الأمر إلى معارضة صحيحة الحذّاء مع الخبرين، فيرجع فيهما- مع قطع النظر عن الترجيح بالشهرة و نحوها- إلى أصالة اللزوم، و عدم ثبوت الخيار، و عدم انفساخ العقد بفسخه.

ثم لو تنزّلنا و رفعنا اليد عن أخبار التوارث، قلنا: إنّ الرواية الاولى- و هي رواية يزيد (1)- ضعيفة مشتملة على ما ربما (2) خالف الإجماع، فكيف تقوى على معارضة صحيحة الحذّاء (3)؟! و أمّا الروايتان (4) فهما أيضا- مع عدم المقاومة سندا- يشملان البالغ و غير البالغ (5)، فلا بدّ من تخصيصهما بالبالغ بحكم الصحيحة التي هي أخصّ منهما.

و لا تثبت ولايتهما على البالغة الرشيدة إن كانت ثيّبا اتّفاقا فتوى و نصّا و كذا إن كانت بكرا و إن زوّجت و وطئت دبرا، أو ذهبت بكارتها بغير الجماع على رأي مشهور، بل في النكت عن السيّد دعوى الإجماع (6) لأصالة صحّة العقد الواقع بينهما على نفسها، و لعموم ما دلّ على

____________

(1) التهذيب 7: 382، ذيل الحديث 1544، و تقدّمت في الصفحة: 110.

(2) ليس في «ع» و «ص»: ربما.

(3) التي تقدّمت في الصفحة: 108.

(4) و هما روايتا أبان و الفضل بن عبد الملك، المتقدّمتان في الصفحة السابقة.

(5) ليس في «ع» و «ص»: و غير البالغ.

(6)، غاية المراد: 173، الانتصار: 122، جوابات المسائل الموصلية الثالثة (رسائل الشريف المرتضى) 1: 235.

113

وجوب الوفاء بالعقود (1)، و إطلاق قوله تعالى وَ أُحِلَّ لَكُمْ مٰا وَرٰاءَ ذٰلِكُمْ (2) بالنسبة إلى صورتي إذن الوليّ و عدمه، و قوله تعالى- في حكم المعتدات بالوفاة- فَإِذٰا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلٰا جُنٰاحَ عَلَيْكُمْ فِيمٰا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ (3) و يشمل بعمومه لغير المدخولة و الموطوءة دبرا، و قوله تعالى فَلٰا جُنٰاحَ عَلَيْهِمٰا أَنْ يَتَرٰاجَعٰا (4) و المراد بالتراجع: المراجعة بالعقد و يشمل أيضا الباكرة الموطوءة دبرا، و يتمّ المطلوب في غيرها بالإجماع المركّب.

و بهذا يظهر أنّ التمسّك لعدم الجواز هنا بأصالة بقاء الولاية للولي و فساد العقد مع عدم رضاه- لثبوتهما قبل بلوغ المرأة- ليس في موقعه، لا لتغيّر الموضوع و هو الصغر كما قيل (5)، [بل] (6) لأنّ الأصل لا يعارض العموم و الإطلاق المذكورين، السليمين ممّا يصلح للتخصيص و التقييد، عدا ما يتراءى من الأخبار الدالّة على أنّه «لا تتزوّج ذوات الآباء من الأبكار إلّا بإذن آبائهنّ»، كما في الصحيح (7).

و على أنّ الجارية ليس لها مع أبيها أمر، كما في صحيحة عبد اللّٰه

____________

(1) المائدة: 1.

(2) النساء: 24.

(3) البقرة: 234.

(4) البقرة: 230.

(5) انظر الجواهر 29: 175.

(6) من «ع» و «ص».

(7) الوسائل 14: 208، الباب 6 من أبواب عقد النكاح، الحديث 6.

114

ابن الصلت عن أبي الحسن (عليه السلام)، قال: «سألته عن الجارية (1) إذا بلغت مبلغ النساء، أ لها مع أبيها أمر؟ قال: لا» (2)، و نحوها حسنة الحلبي بابن هاشم (3)، و موثقة إبراهيم بن ميمون بابن فضال (4)، و صحيحة محمد ابن مسلم، و زاد فيها أنّه «يستأمرها كلّ أحد ما عدا الأب» (5)، و نحوها موثقة الفضل بن عبد الملك (6) و المروي عن البحار عن كتاب الحسين ابن سعيد عن ابن أبي يعفور عن الصادق (عليه السلام) (7)، و رواية عبيد ابن زرارة (8)، و المروي في الحدائق عن كتاب علي بن جعفر عن أخيه (9) و على أنه لا ينقض النكاح إلّا الأب، كما في صحيحة زرارة (10)

____________

(1) في المصادر: البكر.

(2) الكافي 5: 394، الحديث 6، التهذيب 7: 381، الحديث 1540، و الوسائل 14: 207- 208، الباب 6 من أبواب عقد النكاح، الحديث 3. و فيه: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام).

(3) الوسائل 14: 203، الباب 3 من أبواب عقد النكاح، الحديث 11.

(4) الوسائل 14: 214، الباب 9 من أبواب عقد النكاح، الحديث 3.

(5) الوسائل 14: 205، الباب 4 من أبواب عقد النكاح، الحديث 3.

(6) الوسائل 14: 202، الباب 3 من أبواب عقد النكاح، الحديث 6.

(7) البحار 103: 330، الحديث 5.

(8) الوسائل 14: 204، الباب 3 من أبواب عقد النكاح، الحديث 13.

(9) الحدائق 23: 213، الوسائل 14: 215، الباب 9 من أبواب عقد النكاح، الحديث 8.

(10) الوسائل 14: 205، الباب 4 من أبواب عقد النكاح، الحديث الأوّل.

115

و رواية محمد بن مسلم (1).

و على أنّ الباكرة لا تملك أمرها في النكاح، كمفهوم صحيحة الحلبي عن الصادق (عليه السلام): «هي أملك بنفسها، تولّي أمرها من شاءت إذا كان كفوا بعد أن تكون قد نكحت رجلا قبله» (2) و نحوه مفهوم صحيحة عبد اللّٰه ابن سنان (3)، و رواية ابن مسكان عن الحسن بن زياد (4)، و موثقة عبد الرحمن (5) لو لا القاسم بن عروة، و مرسلة ابن بكير (6).

و على أنّ تزويج الأب على ابنته (7) جائز كما في موثقة عبيد بن زرارة (8)، و هي عامّة للبالغة و الصغيرة و نحوها، بل أظهر منها في البالغة ما دلّ على أنّه «إذا زوّج الرجل ابنه فذاك إلى ابنه، و إذا زوّج ابنته جاز» كما في رواية أبان (9) و موثقة الفضل بن عبد الملك بأبان (10)؛ فإنّ حمل الابن على البالغ بقرينة ما مرّ سابقا من أنّه لا خيار للابن الصغير بعد البلوغ إذا زوّجه أبوه في صغره، قرينة على أنّ المراد بالابنة البالغة أيضا، لئلّا يلزم

____________

(1) الوسائل 14: 205، الباب 4 من أبواب عقد النكاح، الحديث 5.

(2) الوسائل 14: 202، الباب 3 من أبواب عقد النكاح، الحديث 4.

(3) الوسائل 14: 212، الباب 8 من أبواب عقد النكاح، الحديث 2.

(4) الوسائل 14: 202، الباب 3 من أبواب عقد النكاح، الحديث 4.

(5) الوسائل 14: 204، الباب 3 من أبواب عقد النكاح، الحديث 12.

(6) نفس المصدر، الحديث 14.

(7) في «ع» و «ص»: بنته.

(8) الوسائل 14: 204، الباب 3 من أبواب عقد النكاح، الحديث 13.

(9) الوسائل 14: 221، الباب 13 من أبواب عقد النكاح، الحديث 3.

(10) الوسائل 14: 208، الباب 6 من أبواب عقد النكاح، الحديث 4.

116

التفكيك، و حيث ثبت استقلال الثيبة في أمرها تعيّن إرادة الباكرة.

و على أنّه لا يجوز تزويج الباكرة بغير علم أبيها، كما في رواية سعد بن إسماعيل عن أبيه عن الرضا (عليه السلام)، المرويّة في التهذيب (1).

و على أنّ الجارية البكر (2) التي لها أب لا تتزوّج إلّا بإذن أبيها، كما في رواية أبي مريم المرويّة في الكافي عن الصادق (عليه السلام)، قال: «الجارية البكر التي لها أب لا تتزوّج إلّا بإذن أبيها، و قال: إذا كانت مالكة لأمرها تزوّجت متى شاءت» (3).

و على أنّه «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليّها (4) فنكاحها فاسد»، كما في النبوي (5).

و على أنّ التمتّع بالبكر لا يجوز بدون إذن الأب (6)، و بضميمة عدم معروفيّة القائل بالمنع في المتعة و الجواز في الدوام يثبت المطلوب.

فهذه ثلاث و عشرون رواية تدلّ على استمرار ولاية الأب على البالغة الباكرة، لكنّها- مع صحّة سند كثير منها كوضوح دلالة أكثرها-

____________

(1) التهذيب 7: 385، الحديث 1548، و عنه الوسائل 14: 204، الباب 3 من أبواب عقد النكاح، الحديث 15.

(2) ليس في «ع» و «ص»: البكر.

(3) الكافي 5: 391- 392، الحديث 2، و عنه في الوسائل 14: 205، الباب 4 من أبواب عقد النكاح، الحديث 2.

(4) في «ع» و «ص»: أبيها.

(5) سنن الترمذي 3: 407- 408، الحديث 1102، و فيه: فنكاحها باطل.

(6) في «ع» و «ص»: أبيها.

117

معارضة بأخبار كثيرة دالّة على استقلال الباكرة، معتضدة أو منجبرة بفتوى الأكثر و دعوى الإجماع:

منها: صحيحة منصور بن حازم عن الصادق (عليه السلام): «تستأمر البكر و غيرها و لا تنكح إلّا بأمرها» (1).

و منها: الصحيح المروي في الكافي عن الفضيل بن يسار و محمد بن مسلم و زرارة و بريد بن معاوية، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «المرأة التي ملكت نفسها غير السفيهة و لا المولّى عليها إنّ تزويجها بغير وليّ جائز» (2).

فإنّ الظاهر أنّ المراد بكونها مالكة لنفسها (3): كونها مالكة لأمورها (4) و ما به نظام (5) معاشها من المعاوضات و العطيّات و غيرها، كما يدلّ على ذلك تفسير مالكيّة أمرها في رواية زرارة بأن «تبيع و تشتري و تعتق» (6)، فيرجع حاصل ذلك إلى كونها بالغة رشيدة، فيكون قوله: «غير السفيهة و لا المولّى عليها» أي لأجل الصغر، تفسيرا لمالكيّة نفسها، فملاك أمرها تارة فسّر في الأخبار بصحّة عقودها و إيقاعاتها، و اخرى باتّصافها بما هو مناط صحّة تلك الأمور، و هي عدم السفاهة و الصغر المعبّر عنهما بالبلوغ و الرشد.

____________

(1) الوسائل 14: 203، الباب 3 من أبواب عقد النكاح، الحديث 10.

(2) الكافي 5: 391، الحديث الأوّل، و عنه في الوسائل 14: 201، الباب 3 من أبواب عقد النكاح، الحديث الأوّل.

(3) في «ع» و «ص»: نفسها.

(4) في «ع» و «ص»: أمرها.

(5) في «ع» و «ص»: نظم.

(6) الوسائل 14: 215، الباب 9 من أبواب عقد النكاح، الحديث 6.

118

لا يقال: إنّ كونها مالكة لأمرها (1) حتّى في النكاح فرع عدم كونها مولّى عليها فيه، و لم يثبت ذلك، بل هو عين المسألة.

لأنّا نقول: ليس المراد ملاك أمرها في النكاح، أو كونها غير مولّى عليها في النكاح، و إلّا لكان المعنى أنّ المرأة المالكة لأمرها حتّى في النكاح- أعني غير السفيهة و المولّى عليها في النكاح- يجوز نكاحها بغير وليّ.

و لا يخفى أنّه لغو صرف؛ ضرورة أنّ أخذ الحكم في الموضوع ممّا يوجب لغوية الحمل، فإنّ الموضوع إذا كانت هي المرأة التي لا يولّى عليها في النكاح و تملك أمرها فيه، فمعنى كونها كذلك: جواز تزويجها بغير وليّ، فالحكم عليه بجواز التزويج بغير وليّ لغو صرف، فالمراد ملاك أمرها و عدم كونها مولّى عليها في سائر العقود و الإيقاعات، فدلّت على أنّه إذا زالت الولاية عليها في سائر العقود و الإيقاعات زالت عنها في النكاح أيضا.

و يشهد لما ذكرنا من المراد بالصحيحة (2) رواية زرارة، و فيها عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «إذا كانت المرأة مالكة أمرها تبيع و تشتري، و تعتق، و تعطي مالها من شاءت، فإنّ أمرها جائز، فتزوّج إن شاءت بغير وليّ، و إن لم تكن كذلك فلا يجوز تزويجها إلّا بأمر وليّها» (3).

و ممّا ذكرنا ظهر [فساد] (4) ما عن شرح النافع لصاحب المدارك، أنّ

____________

(1) في «ع» و «ص»: أمرها.

(2) في «ع» و «ص»: من الصحيحة.

(3) الوسائل 14: 215، الباب 9 من أبواب عقد النكاح، الحديث 6.

(4) لم ترد في «ق».

119

المراد ب«ملكت نفسها»: أي لم يكن لها أب، أو كانت ثيّبا.

و استشهد على الأوّل: بجعل مالكية الأمر في رواية أبي مريم التي ذكرناها في آخر أخبار ولاية الأب مقابلة للجارية التي لها أب (1).

و على الثاني: بما في حسنة الحلبي المتقدّمة (2) من أنّ «الثيّب أملك بنفسها».

و يرد على الأوّل: احتمال إرادة خصوص الصغيرة من الجارية التي لها الأب، فيكون المراد بمالكية الأمر المقابلة لها هي البالغة.

و على الثاني: أنّ قوله (عليه السلام) «إنّ الثيّب أملك بنفسها» [يعني به] (3) في النكاح. و لا شكّ أنّ هذا المعنى لا يصلح أن يراد هنا؛ إذ يصير معنى الكلام: أنّ المرأة التي ملكت نفسها في النكاح نكاحها بغير وليّ جائز، و قد مرّ أنّه لغو صرف.

و بالجملة، لا ريب في أنّ المتبادر في العرف من ملاك النفس ملاك أمورها المتعلقة بنظام المعاش و المعاد حتّى أمر النكاح، لكنّ المقام لا يصلح لأن يراد من مالكية الأمر و النفس ملاكها حتّى في النكاح؛ لما عرفت من لزوم لغوية الحمل، فتعيّن إرادة ملاك سائر الأمور.

فحاصل معنى الصحيحة: أنّ من ملك سائر أموره يجوز أن يتزوّج بغير وليّ، و ملك أمر النكاح أيضا، و أنّه إذا بلغت البنت و رشدت زالت عنها الولاية في جميع أمورها، فظهر أن ليس المراد بملاك نفسها كونها غير

____________

(1) تقدّمت في الصفحة: 116.

(2) نهاية المرام 1: 72، و الرواية تقدّمت في الصفحة: 115.

(3) من «ع» و «ص».

120

ذات الأب، أو كونها ثيّبة.

و احتمل في المسالك أنّ كون (1) المراد بملاك النفس الحرّية (2)، و عليه فيكون القيدان بعده احترازيّين، و استدلالنا معه أيضا مستقيم.

نعم، يمكن (3) دعوى تقييد إطلاق الصحيحة بإحداهما؛ للأخبار المتقدّمة الدالّة على أنّ الباكرة ذات الأب لا تستقل، كما يمكن دعوى ذلك في كثير من مطلقات أدلّة المشهور، مثل رواية زرارة المتقدّمة (4) في تأييد معنى الصحيحة و غيرها، لكن الأمر يدور بين تقييد الصحيحة و غيرها من أدلّة المشهور بتلك الأخبار، أو حمل ما لا يقبل الحمل على الصغيرة منها (5)- مثل صحيحة ابن الصلت المتقدّمة (6) و شبهها- على تأكد استحباب وكول الأمر إلى الأب.

و معنى أنّه ليس لها أمر مع الأب: أنّه ليس ينبغي أن تجعل لنفسها أمرا مع الأب.

و تقييد المطلق و إن سلم كونه أرجح من حمل المقيّد على الاستحباب، إلّا أنّ التقييد هنا مستلزم لطرح أخبار كثيرة، حيث إنّها لا تقبل التقييد بما ذكر و لا بغيره، مثل مرسلة سعدان بن مسلم عن الصادق (عليه السلام):

____________

(1) في «ع» و «ص»: يكون.

(2) المسالك 1: 358.

(3) ليس في «ع» و «ص»: يمكن.

(4) تقدّمت في الصفحة: 118.

(5) في «ص» و «ع»: منها على الصغيرة.

(6) تقدّمت في الصفحة: 114.

121

«لا بأس بتزويج البكر إذا رضيت من غير إذن أبيها» (1).

و ما روي من أنّ جارية بكرا أتت إلى النبيّ (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) فقالت: إنّ أبي زوّجني من ابن أخ له ليرفع خسيسته و أنا له كارهة، فقال (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) لها: «أجيزي ما صنع أبوك، فقالت: لا رغبة لي فيما صنع أبي، قال: فاذهبي فانكحي من شئت، فقالت: لا رغبة لي عمّا صنع أبي و لكنّي أردت أن اعلم الناس أن ليس للآباء في أمور بناتهم شيء» (2).

و مثل الأخبار الواردة في جواز تزويج البكر متعة بلا إذن أبويها كمرسلة أبي سعيد (3)، و رواية أخرى (4)، و رواية الحلبي عنه (5) الدالّة على ذلك، المثبتة لجواز التزويج الدائم بعدم القائل بالفصل بينهما، إلّا ما ربما يظهر من الشيخ في التهذيب (6) و الاستبصار (7) على ما حكي (8) عنه من الفرق بينهما.

لكنّه لا يخفى أنّ ما ذكره (9) الشيخ في الكتابين لا يعدّ فتوى له، بل هو محض الجمع بين الأخبار المتخالفة، مضافا إلى أنّ الشيخ ذهب في باقي كتبه

____________

(1) الوسائل 14: 214، الباب 9 من أبواب عقد النكاح، الحديث 4.

(2) سنن النسائي 6: 87، و فيه اختلاف يسير عمّا في المتن.

(3) الوسائل 14: 458، الباب 11 من أبواب المتعة، الحديث 6.

(4) الوسائل 14: 458، الباب 11 من أبواب المتعة، الحديث 7.

(5) الوسائل 14: 459، الباب 11 من أبواب المتعة، الحديث 9.

(6) التهذيب 7: 380- 381.

(7) الاستبصار 3: 236.

(8) حكاه عنه المحقق الكركي في جامع المقاصد 12: 126، و صاحب الجواهر في الجواهر 29: 180.

(9) في «ع»: ما يذكره.

122

إلى عدم الفصل (1)، و لا شكّ أنّ بعضها متأخرة (2) عن التهذيبين، فقد رجع عن الفصل جزما، فيصحّ دعوى استقرار مذهب الأصحاب على عدم الفصل.

مع أنّ الشيخ في التبيان- الذي هو متأخّر عن جميع كتبه، كما حكي عمّن حكاه عن (3) السرائر (4)- وافق المشهور (5).

و دعوى أنّ المتّبع هو قول العلماء بعدم الفصل لا عدم قولهم بالفصل، ضعيفة؛ نظرا إلى أنّ الظاهر منهم- حيث اطلعوا على هذه الأخبار المجوّزة في خصوص المتعة و لم يقولوا باختصاص الجواز- هو الإعراض عن الاختصاص و الفصل بين الدائم و المنقطع، مع أنّ المتعة قد تئول إلى الدوام [إذا أهمل ذكر الأجل] (6)، مضافا إلى أنّ التجويز في المتعة- مع ما فيها من العار على أهل الجارية سيّما أبويها- موجب للتجويز في الدائم بطريق أولى، حيث إنّ العار فيه أهون؛ لأنّ نفس المتعة- مع قطع النظر عن تمتيع الجارية نفسها- فيه غضاضة على بعض أهل المروّة، كما يستفاد من قصّة مؤمن الطاق مع أبي حنيفة (7)، و قصّة أحد الصادقين (عليهما السلام) مع بعض أهل العامّة (8).

و الحاصل، أنّ أخبار الجواز في المتعة دالة على الجواز في الدائم

____________

(1) الخلاف 4: 250، كتاب النكاح، المسألة 6.

(2) في «ع» و «ص»: متأخر.

(3) ليس في «ع» و «ص»: عمّن حكاه عن.

(4) حكاه عن السرائر (2: 563) صاحب الجواهر في الجواهر 29: 180.

(5) التبيان 2: 273.

(6) من «ع» و «ص».

(7) تقدّمت في الصفحة: 50.

(8) الوسائل 14: 437، الباب 9 من أبواب المتعة، الحديث 4.

123

بالأولويّة و بعدم القول بالفصل، كما استقرّ عليه مذهب الأصحاب على ما عرفت. و ضعف هذه الأخبار كالسابقين عليها منجبر بذهاب الأكثر، و عمل مانعي العمل بالآحاد بها كالسيّد و ابن إدريس (1)، و حكاية الإجماع عن السيّد في الانتصار (2) و الناصريات (3) على طبقها (4).

و حاصل الكلام دوران الأمر بين إبقاء إطلاق أخبار استقلال البكر على حالها و حمل أخبار ولاية الأب على الاستحباب- فنكون قد عملنا بإطلاقات المعتبرة، و بالصراح المنجبرة بما عرفت- و بين إبقاء أدلّة ولاية الأب على ظاهرها من عدم الاستحباب، مع تقييد إطلاقات المعتبرة من أدلّة استقلال البكر، و طرح الصراح المنجبرة منها. و لا شكّ أنّه لو لم يصح كون الصراح المنجبرة مرجّحا لارتكاب الاستحباب على التقييد، فلا أقلّ من كونه موجبا للتسوية بينهما، فيجب الرجوع إلى قاعدة الصحّة المستفادة من العمومات.

فظهر ممّا ذكرنا ضعف القول باستقلال الأب مطلقا، كما هو محكي عن الشيخ في أكثر كتبه (5) و عن الصدوق (6) و العماني (7) و ظاهر الفاضل (8)

____________

(1) السرائر 2: 561.

(2) الانتصار: 122.

(3) الناصريات (الجوامع الفقهية): 247.

(4) ليس في «ع» و «ص»: على طبقها.

(5) كالنهاية: 464، و التهذيب 7: 380، ذيل الحديث 1538، و المبسوط 4: 162.

(6) الهداية (الجوامع الفقهية): 60، الفقيه 3: 395.

(7) حكاه عنه العلّامة في المختلف: 534.

(8) التذكرة 2: 585.

124

و جنح إليه كثير من متأخري المتأخّرين كصاحبي المدارك (1) و الحدائق (2) و صاحبي الكفاية (3) و الوافي (4) و إن كثرت أدلّتهم و ظهرت دلالتها إنصافا، إلّا أنّ التتبّع في القرائن الخارجيّة لأدلّة المختار- و إن كان المعتبر منها غير آب عن التقييد، و الآبي عنه منها غير معتبر- ممّا يوهن التمسّك بها على كثرتها و ظهور دلالتها، و لذا أعرض عن القول بها أكثر المتقدّمين كابن الجنيد (5) و السيّد (6) و المفيد (7) و الشيخ في التبيان (8) الذي هو آخر كتبه- كما قيل (9)، و ابن إدريس (10) و معظم المتأخرين كالفاضلين (11) و المحقّق الثاني (12) و الشهيدين (13)، بل الظاهر هجر القول الأوّل من زمان رجوع الشيخ عنه في التبيان إلى زمان صاحب المدارك.

____________

(1) نهاية المرام 1: 77.

(2) الحدائق 23: 211.

(3) الكفاية: 155.

(4) الوافي 3: 64.

(5) حكاه عنه العلّامة في المختلف: 534.

(6) الانتصار: 122.

(7) أحكام النساء: 36.

(8) التبيان 2: 273.

(9) قاله صاحب الجواهر (قدّس سرّه)، انظر الجواهر 29: 180.

(10) السرائر 2: 561.

(11) الشرائع 2: 276، قواعد الأحكام 2: 6.

(12) جامع المقاصد 12: 123.

(13) اللمعة الدمشقية و شرحها (الروضة البهية) 5: 116.

125

و ظهر أيضا ممّا ذكرنا- من استقرار مذهب الفقهاء الإماميّة على عدم القول بالفصل بين المتعة و الدوام- ضعف ما ذكره الشيخ في التهذيبين (1) من استقلال البكر في المتعة، و ثبوت الولاية لأبيها في الدوام؛ بناء على كون ذلك فتوى له، لا محض جمع.

و ظهر أيضا ضعف عكس هذا القول المحكي في الشرائع (2) و عن الشهيد في النكت: إنّ المحقّق سئل عن قائله فلم يجب (3)، و لا مستند له عدا الجمع بين الأخبار المختلفة المتقدّمة (4) لشهادة (5) الاعتبار، و رواية أبي مريم عن مولانا الصادق (عليه السلام) قال: «العذراء التي لها أب لا تتزوّج (6) متعة إلّا بإذن أبيها» (7)، بجعلها مخصّصة لما دلّ على استقلال الباكرة، و قد عرفت ما هو الأظهر في علاج اختلاف تلك الأخبار.

و أمّا القول بالتشريك بين الجارية و أبيها في الإذن، بمعنى عدم جواز عقد أحدهما إلّا مع إذن الآخر، كما هو المحكي (8) عن المفيد (9) و الحلبي (10)

____________

(1) التهذيب 7: 380- 381، الإستبصار 3: 236.

(2) الشرائع 2: 276.

(3) غاية المراد: 172.

(4) تقدّمت في الصفحات: 113- 116 و 120- 121.

(5) في «ص» و «ق» بشهادة.

(6) و في المصدر، لا تزوّج.

(7) الوسائل 14: 459، الباب 11 من أبواب المتعة، الحديث 12.

(8) حكاه المحقق الكركي في جامع المقاصد 12: 126.

(9) المقنعة: 510- 511.

(10) الكافي في الفقه: 292.

126

و الحرّ العاملي (1)، فلعلّه للجمع بين ما دلّ على وجوب استئمار الأبكار (2)، و ما دلّ على أنّ ذوات الآباء منهنّ لا تتزوّج إلّا بإذن الآباء (3)، و أنّه لا ينقض النكاح إلّا الأب (4)، مضافا إلى موثقة صفوان، قال: «استشار عبد الرحمن موسى بن جعفر (عليهما السلام) في تزويج ابنته لابن أخيه، فقال: افعل و يكون ذلك برضاها؛ فإنّ لها في نفسها نصيبا. قال: و استشار خالد بن داود موسى بن جعفر (عليهما السلام) في تزويج ابنته علي بن جعفر، قال: افعل و يكون ذلك برضاها، فإنّ لها في نفسها حظا» (5).

و حيث عالجنا الأخبار المختلفة بحمل استئذان الأب [على] أنّه (6) ينبغي لها أن لا تجعل لنفسها أمرا، فلا بدّ من حمل الحظّ و النصيب في هذه الموثقة على ما لا ينافي ذلك.

ثمّ إنّ ظاهر القائلين بالتشريك عدم الفرق بين الأب و الجدّ.

و يحكى (7) هنا قول سادس بعدم مدخليّة الجدّ، و التشريك بين الجارية و الأب، قيل: و هو أمتن دليلا (8). لكن لا يخفى أنّ المستفاد من الأخبار

____________

(1) بداية الهداية 2: 230.

(2) تقدمت في الصفحة: 117.

(3) تقدّمت في الصفحة: 113.

(4) تقدمت في الصفحة: 114.

(5) الوسائل 14: 214، الباب 9 من أبواب عقد النكاح، الحديث 2.

(6) كذا في «ع» و «ص»، و في «ق»: و أنّه.

(7) حكاه المحدث البحراني في الحدائق 23: 231.

(8) قاله الشهيد الثاني في المسالك 1: 360.

127

أولوية الجدّ على الأب (1)، فاعتبار إذنه مستلزم لاعتبار إذنه بطريق أولى.

و اعلم أنّ أحوط الأقوال هو القول الخامس، فلا ينبغي ترك أذن الجارية و وليها خروجا عن مخالفة الأخبار و فتاوى الأخيار.

نعم، لا خلاف ظاهرا في أنّه إذا عضلها الولي- أي منعها عن التزوّج بالكفء مع طلبها للزوج- فلا يعتبر إذنه، كما لا يعتبر إذا تعذّر استئذانه أو تعسّر لغيبة منقطعة، و يؤيّد عدم الخلاف فيه عمومات نفي الحرج (2).

و اعلم أنّه لا تسقط ولاية الجدّ حيث تثبت بموت الأب على رأي نسب إلى المشهور (3)؛ للأصل، و عدم ما يصلح للخروج عنه، عدا رواية (4) مرميّة بالضعف (5) و إن عمل بها جماعة (6) مخالفة للاعتبار، و لما يستفاد من الأخبار من أولوية الجدّ من الأب (7).

و تزول ولاية الأبوّة على الجارية المسلمة، و في معناها الجدودة بالارتداد لقوله تعالى

____________

(1) الوسائل 14: 217، الباب 11 من أبواب عقد النكاح.

(2) الحج: 78، المائدة: 6.

(3) نسبه إلى المشهور المحدث البحراني في الحدائق 23: 202.

(4) الوسائل 14: 218، الباب 11 من أبواب عقد النكاح، الحديث 4.

(5) لاشتمالها على جماعة من الواقفة، انظر نهاية المرام 1: 64.

(6) كابن الجنيد على ما حكاه عنه العلّامة في المختلف: 535، و الصدوق في الهداية (الجوامع الفقهيّة): 60، و الشيخ في النهاية: 466، و أبي الصلاح في الكافي في الفقه:

292، و ابن البرّاج في المهذّب 2: 195.

(7) الوسائل 14: 218، الباب 11 من أبواب عقد النكاح.

128

وَ لَنْ يَجْعَلَ اللّٰهُ لِلْكٰافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (1)، و الولاية سبيل، و قوله: «الإسلام يعلو و لا يعلى عليه» (2).

و في الحدائق: الظاهر أنّه لا خلاف فيه (3).

هذا إذا كان المولّى عليه مسلما، و أمّا لو (4) كان كافرا فمقتضى عموم أدلّة ولاية الأبوين (5) ولايته (6)، إلّا أنّه حكي (7) هنا أيضا القول باشتراط الإسلام، و لم يظهر وجهه.

و ما أبعد ما بين هذا القول و المحكي عن المبسوط من أنّ ولي الكافر لا يكون إلّا كافرا، حتّى أنّه لو كان له وليّان أحدهما مسلم فالولاية للآخر؛ تمسّكا بقوله تعالى وَ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيٰاءُ بَعْضٍ (8)» (9).

و هو غريب، و الاستدلال عجيب (10).

[الثاني من أسباب الولاية الإجبارية: الملك]

الثاني من أسباب الولاية الإجبارية: الملك.

و اعلم انّ للمالك إجبار العبد و الأمة المملوكين له على

____________

(1) النساء: 141.

(2) الوسائل 17: 376، الباب الأوّل من أبواب موانع الإرث، الحديث 11.

(3) الحدائق 23: 267.

(4) في «ع» و «ص»: إذا.

(5) الوسائل 14: 207، الباب 6 من أبواب عقد النكاح.

(6) في «ع» و «ق»: ولايتهما.

(7) حكاه الشهيد الثاني في المسالك 1: 364، و المحدث البحراني في الحدائق 23: 267.

(8) الأنفال: 73.

(9) المبسوط 4: 180، و حكاه عنه المحدث البحراني في الحدائق 23: 268.

(10) في «ع» و «ص»: به عجيب.

129

النكاح مطلقا و إن كانا كبيرين رشيدين؛ لأنّ الرقيّة سبب مستقل لسلب الاختيار؛ لتسلّط الناس على أموالهم (1)، و لقوله تعالى عَبْداً مَمْلُوكاً لٰا يَقْدِرُ عَلىٰ شَيْءٍ (2)، و الامتناع من النكاح و الإنكاح شيء فلا يقدر عليه المملوك، و الظاهر عدم الخلاف في المسألة.

و ممّا ذكرنا ظهر أنّه لا خيار لهما معه، و أنّه ليس لأحدهما العقد لنفسه أو على نفسه إلّا بإذن المولى إجماعا على الظاهر؛ للأخبار الكثيرة (3) فلو (4) بادر أحدهما إلى العقد بدونه أي بدون الإذن وقف على الإجازة من السيّد على رأي.

و قيل: يبطل (5)، إمّا مطلقا و لو مع تعقّب الإجازة، أو مع كون الإجازة كالعقد المستأنف.

و قيل: يقف نكاح العبد و يبطل نكاح الأمة (6)، و الأقوى (7) الوقوف مطلقا؛ للروايات المستفيضة (8).

و حينئذ لو أذن المولى صحّ العقد و عليه مهر عبده و نفقة

____________

(1) عوالي اللئالي 1: 222، الحديث 99.

(2) النحل: 75.

(3) الوسائل 14: 522، الباب 23 من أبواب نكاح العبيد و الإماء.

(4) في الإرشاد: فإن، و في «ع» و «ص»: و لو.

(5) راجع السرائر 2: 565.

(6) راجع الجواهر 30: 205.

(7) في «ع» و «ص»: فالأقوى.

(8) راجع الوسائل 14: 523، الباب 24 من أبواب نكاح العبيد و الإماء، و غيره من الأبواب.

130

زوجته على المشهور كما في المسالك، مستدلا عليه بأنّ الإذن في الشيء إذن في لوازمه و توابعه، كما لو أذن له بالإحرام في الحجّ فإنّه إذن في سائر ما يترتّب عليه من الأفعال، و لما كان المهر و النفقة لازمين للنكاح و العبد لا يملك شيئا و كسبه من جملة أموال المولى، كان الإذن فيه موجبا لالتزام ذلك، من غير أن يتقيّد بنوع خاصّ من ماله كباقي ديونه، فيتخيّر بين بذله من ماله و من كسب العبد إن و في به، و إلّا وجب عليه الإكمال (1).

و لرواية الحسن بن محبوب عن عليّ بن أبي حمزة عن أبي الحسن (عليه السلام)، في رجل زوّج مملوكا له من امرأة حرّة على مائة درهم، ثمّ إنّه باعه قبل أن يدخل عليها، قال: «يعطيها سيّده من ثمنه نصف ما فرض لها، إنّما هو بمنزلة لو كان استدانه بإذن سيّده» (2)، دلّت على وجوب إعطاء المهر من مال المولى، فيثبت عليه نفقة الزوجة؛ لظهور عدم القول بالفصل.

مضافا إلى رواية الساباطي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): «عن رجل أذن لعبده في تزويج امرأة فتزوّجها، ثمّ إنّ العبد أبق، فجاءت امرأة العبد تطلب نفقتها من مولاه، فقال (عليه السلام): ليس لها على مولاه نفقة فقد بانت عصمتها منه، فإنّ إباق العبد بمنزلة طلاق امرأته .. الرواية» (3).

فإنّها حيث دلّت على تعليل عدم نفقتها على المولى ببينونة عصمتها،

____________

(1) المسالك 1: 367.

(2) الوسائل 14: 585، الباب 78 من أبواب نكاح العبيد و الإماء، الحديث الأوّل، و فيه: إنّما هو بمنزلة دين له استدانه بأمر سيّده.

(3) الوسائل 14: 582، الباب 73 من أبواب نكاح العبيد و الإماء، الحديث الأوّل.

131

و إنّها في حكم المطلّقة، علم من ذلك أنّ مع عدم الإذن (1) و عدم البينونة نفقتها على المولى، خلافا للمحكي (2) عن الشيخ في المبسوط (3) و ابن البراج (4) و ابن سعيد (5) و كشف اللثام (6)، فجعلوهما متعلّقين بكسب العبد.

و حكي (7) الاستدلال عليه عن الكشف بأصالة براءة ذمّة المولى، و الإذن في النكاح لا يستلزم تعلّق لازمة في الذمّة، و إنّما يستلزم الإذن في لازمة، و هو الكسب للمهر و النفقة.

و ردّه بعض معاصرينا (8) بأنّه لا ذمّة للعبد صالحة للاشتغال، و إلّا لكان المهر جميعه فيها، و لم يقل به أحد، كما أنّه ليس في الإذن ما يقتضي اختصاص ذلك بخصوص الكسب من أموال السيّد.

و فيه: أنّ المستدلّ لم يقل بتعلّقه بذمّة العبد بحيث يتبع به (9) بعد العتق، بل هو متعلّق به، بمعنى أنّه يجب عليه الكسب (10)، و على مولاه الإذن فيه حتى يوفي الصداق و النفقة.

____________

(1) في «ص»: الإباق.

(2) حكاه صاحب الجواهر في الجواهر 29: 225.

(3) المبسوط 4: 167.

(4) المهذّب 2: 220.

(5) الجامع للشرائع: 442.

(6) كشف اللثام 2: 60.

(7) حكاه صاحب الجواهر في الجواهر 29: 225.

(8) و هو صاحب الجواهر في الجواهر 29: 226.

(9) ليس في «ع» و «ص»: به.

(10) في «ع» و «ص»: التكسب.

132

و لا يحتاج الحق المالي إلى أزيد من ذلك حتّى يقال: إنّه لا بدّ إمّا أن يكون في ذمّة العبد أو في ذمّة المولى، و الأوّل باطل، فتعيّن الثاني، مع أنّ لنا أن نسلّم تعلّقه بذمّة المولى لكن في مال خاصّ من أمواله، و هو كسب العبد، بمعنى أنّه يتعلّق به، و لا سبيل إلى مطالبة أدائه من المولى من مال آخر و إن كان له أداؤه من مال آخر و أخذ كسب العبد لو كسب.

فلا يرد ما ذكره (1) أخيرا من أنّه ليس في الإذن ما يقتضي اختصاص ذلك بخصوص الكسب؛ إذ لا يجبر السيّد على إلزام العبد بالكسب أو على دفع المكسوب، بل المراد أنّه لا تسلّط عليه في إلزامه بالدفع من غير الكسب، فحينئذ صحّ للمستدل أن ليس في الإذن ما يدلّ على التزام المولى لهما (2) بذمّته، بحيث يكون للمرأة مطالبته بهما من غير الكسب، و لهذا تمسّك بأصل البراءة.

ثمّ إنّه حكى (3) عن ابن حمزة قول ثالث بالتفصيل بين ما لو كان العبد مكتسبا ففي كسبه، أو غير مكتسب ففي ذمة المولى (4). و هو حسن إن أراد بغير المكتسب من لا يقدر على الكسب.

هذا كلّه في مهر زوجة العبد، و أمّا الأمة المزوّجة بإذن مولاها (5) فاتفقوا على أنّ له مهر أمته؛ لأنّه عوض منافعها المستوفاة منها،

____________

(1) أي صاحب الجواهر في الجواهر 29: 226.

(2) ليس في «ع» و «ص»: لهما.

(3) أي صاحب الجواهر في الجواهر 29: 226.

(4) الوسيلة: 306.

(5) ليس في «ع» و «ص»: بإذن مولاها.

133

فهو كاجرة الأمة المستأجرة.

و لو كانا أي العبد و الأمة المتناكحان لمالكين، افتقر لزوم العقد أو صحّته [إلى] (1) إذنهما قبل العقد أو إجازتهما بعده على المختار.

ثمّ إذا أذن لعبده، فإمّا أن يعيّن الزوجة و المهر كليهما أو يعيّن الزوجة دون المهر، أو يعكس، أو يطلقها.

فإن عيّنهما، فمع عدم التخطّي لا إشكال، و مع التخطّي عن المهر يثبت الزائد في ذمّة العبد، يتبعه (2) به بعد العتق، إذ لو لا ذلك لوجب الحكم إمّا بعدم استحقاق (3) الزوجة للزائد، و إمّا بتعلّقه في ذمّة المولى، و كلاهما باطل.

أمّا الأوّل، فلأنّ الاستحقاق ثبت بالعقد، و العبد قابل لأن يتعلّق الزائد بذمّته على الوجه المذكور، فلا معنى للحكم (4) بعدم استحقاق المرأة.

و دعوى أنّ العبد لا ذمّة له: إن أريد من المنفي ذلك، منعناه، لم لا يجوز ثبوت مثل هذه الذمّة له: إن أريد من المنفي ذلك، منعناه، لم لا يجوز ثبوت مثل هذه المذمّة له، بمعنى أن يجب عليه حالا أن يؤدّي ذلك إذا عتق، لا (5) على وجه الوجوب المشروط، حتّى يقال: إنّه ينافي الاستحقاق المنجّز الذي يقتضيه العقد، و لا بمعنى وجوب أن يؤدي حالا حتّى ينافي الرقّية.

____________

(1) من الإرشاد، و في النسخ: على.

(2) في «ع» و «ص»: يتبع.

(3) في «ق»: إما باستحقاق. و هو كما ترى.

(4) في «ع» و «ص»: فلا ينبغي الحكم.

(5) ليس في «ع» و «ص»: لا.

134

لكن يشكل ذلك بأنّ جعل المهر زائدا على مهر المثل المستلزم لإثبات شيء على نفسه ينافي قوله لٰا يَقْدِرُ عَلىٰ شَيْءٍ (1).

و لعلّه لذا استشكل في الحكم المحقّق الثاني- على ما حكي عنه (2)- من أنّ ذمّة العبد إن كان قابلا لتعلّق بعض المهر بها لم لا يحكم بتعلّق جميعه بها؟! و إلّا فكيف يتعلّق بعضه؟! و قال: مع أنّ هنا إشكالا آخر، و هو أنّ الزوجة إنّما رضيت بمهر مستحقّ يمكن مطالبته، فكيف (3) يلزمها النكاح و بعض المهر إنّما تستحقّه إذا عتق العبد؟

قال: و قد كان المناسب للقواعد القول بوقوف النكاح أو الصداق على إجازة المولى، فإن فسخ الصداق (4) رجع إلى مهر المثل، و تتخيّر المرأة (5)، انتهى.

أقول: أمّا إشكاله الأوّل فحسن لو لا رواية ابن أبي حمزة المتقدّمة (6)، نعم، انتفاء الذمّة للعبد موافق للآية الشريفة، و ما ذكره من أنّ القاعدة وقوف النكاح أو الصداق على الإجازة.

و أمّا ما ذكره من تخيير المرأة فهو ضعيف:

____________

(1) النحل: 75.

(2) حكاه المحدّث البحراني في الحدائق 23: 295.

(3) في جامع المقاصد و الحدائق: فلا.

(4) في «ع» و «ص»: النكاح، و في المصدر: النكاح و الصداق.

(5) جامع المقاصد 12: 163- 164.

(6) تقدّمت في الصفحة: 130.

135

أمّا أوّلا: فلأنّ ذلك مستند إلى تقصيرها في جهلها بالحكم، كما ذكره في المسالك (1).

و أمّا ثانيا: فلأنّ إقدامها على النكاح على وجه يستحقّ مطالبة المهر و أنّه لم يسلم له ذلك، لا يوجب التخيير في النكاح؛ فإنّ اختلال خصوصيّة المهر، بل فساده، بل انتفاءه لا يوجب التزلزل في أصل النكاح.

و أمّا تعلّقه في ذمّة المولى فلا معنى له بعد قصر الإذن على ما عيّنه، و ليس النكاح بأزيد من المعيّن مهرا كالشراء بأزيد من المعيّن ثمنا حيث إنّه لو تعدّاه يصير موقوفا على إجازة المولى، فإن أجاز صحّ في جميع الثمن بذمّة المولى، و إن ردّ بطل الشراء؛ لتوقّف صحة البيع و الشراء على الثمن، بخلاف النكاح فإنّه لا يتوقف على المهر.

و أمّا مع التخطّي فيقف العقد (2) على إجازة المولى.

و إن عيّن الزوجة و أطلق المهر كان حكم التخطّي عن الزوجة ما مرّ من الوقوف، و حكم إطلاق المهر انصرافه إلى مهر المثل.

و علّل بأنّ إطلاق المهر في النكاح كإطلاق الثمن في الشراء في انصراف كلّ منهما إلى عوض المثل و إن كان بينهما فرق من حيث إنّ مع التخطّي في الأوّل يتبع بالزائد بعد العتق، و في الثاني يقف على الإجازة.

و ردّ بأنّه قياس لا نقول به (3).

____________

(1) المسالك 1: 367.

(2) في «ع» و «ص»: المهر.

(3) حكاه و ردّه المحدث البحراني في الحدائق 23: 294.

136

و فيه: أنّ مرجعه إلى دعوى (1) انصراف الإطلاق إلى ذلك، و أين هذا من القياس، بل الحكم متفق في الشراء من هذه الجهة أيضا، إذ لم يرد بانصراف إطلاق الإذن في الشراء إلى الشراء بثمن المثل نصّ، بل هو أيضا لانصراف إطلاق الإذن إليه.

و إن عيّن المهر و أطلق الزوجة، كان له العقد بأيّة امرأة كانت حرّة أو أمة، و ضيعة أو شريفة، لكن بذلك المهر المعيّن أو أقل. و الظاهر أنّه ليس له التعدّي و إن كان مهرا لمثل من تزوّجها، فلو تعدّى تعلّق بذمّته بعد العتق.

و لو كان المعيّن مهرا زائدا على مهر مثل التي تزوّجها، فهل يتعلّق الزائد بذمّته؟ أو يثبت جميع المسمّى في ذمّة المولى؟ وجهان، حكى في المسالك (2) الثاني عن التذكرة (3)، و استشكل فيه، نظرا إلى أنّ التجاوز عن مهر المثل حكمه ثبوته في ذمّة العبد. و يظهر من ذلك ميله إلى الأوّل، و جزم به بعض معاصرينا (4).

و فيه إشكال؛ لأنّ ثبوت إلزامه في ذمّة العبد إنّما هو إذا لم يلتزمه الزوج في ضمن إذنه في النكاح، و لا ريب أنّ إذنه لعبده في تزويج من شاء بعشرين دينارا، التزام للعشرين في ذمّته مهرا لأيّة امرأة زوّجها العبد، و بعد ذلك فكيف يثبت في ذمّة العبد؟! مع ما عرفت من أنّ إثبات الذمّة

____________

(1) ليس في «ع» و «ص»: دعوى.

(2) المسالك 1: 367.

(3) تذكرة الفقهاء 2: 589.

(4) و هو صاحب الجواهر في الجواهر 29: 224.

137

للعبد و قدرته على اشتغالها بشيء ينافي آية الحجر (1)، فلا بدّ من الاقتصار في ذلك على الموارد المتّفق عليها.

نعم، لو قيل: إنّ مقدار المهر قرينة على انصراف إذنه في التزويج إلى تزويج امرأة يكون هذا المقدار مهرا لمثلها، ناسب ذلك القول بوقوف النكاح المذكور في المسألة على إجازة المولى؛ لأنّه تعدّى عمّا انصرف إليه إطلاق الإذن بقرينة تعيين المهر.

و كيف كان، فمحكي التذكرة (2) أقوى.

و إن أطلقهما، أي الزوجة و المهر، كان له التزويج بمن أراد من النساء؛ عملا بالإطلاق بالنسبة إلى الزوجة إن لم يكن له منصرف و لو بقرينة المقام، و إلّا انصرف إليه كما ينصرف إطلاق المهر إلى مهر المثل فإن اتبع مقتضى الانصراف فهو و إن زاد تبع بالزائد بعد العتق كما مرّ، و إن تعدى عن مقتضى انصراف إطلاق الزوجيّة وقف على الإجازة.

اعلم أنّه لا إشكال ظاهرا في عدم بقاء ولاية المولى المرتدّ عن فطرة على مملوكه؛ لعدم قبول توبته، و وجوب قسمة أمواله- و منها مماليكه- بين من يرثه، و أمّا زوال ولاية المولى المرتدّ عن غير فطرة على مملوكه، ففيه إشكال.

و لو أعتق العبد المزوّج من حرّة أو أمة و لو كارها لم يكن له الفسخ لأصالة بقاء النكاح، و عدم الدليل على الخيار، خلافا للمحكي عن

____________

(1) النحل: 75.

(2) تذكرة الفقهاء 2: 589، و حكاه الشهيد الثاني في المسالك 1: 367.

138

ابن حمزة حيث أثبت له الخيار في صورة ما لو زوّج كرها (1).

و في الرياض: إنّه لا يخلو عن قوّة بشرط استمرار الكراهة إلى العتق (2)، و فيه نظر، نعم يجوز له الطلاق بشرائطه.

و كما لا خيار له، فكذا لا خيار لزوجته؛ لما ذكر من عدم الدليل، مضافا إلى روايتي أبي بصير و عليّ بن حنظلة (3) و فيهما: أنّها رضيت به و هو مملوك فهو أحقّ بأن ترضى به مع الحرّيّة (4).

و أما لو اعتقت الأمة كان لها الفسخ على الفور إن كانت تحت عبد، إجماعا من المسلمين كما في المسالك (5)، و في الرياض: أنّه حكاه جماعة (6).

و كذا إن كانت تحت حرّ على رأي نسبه في المسالك إلى الأكثر (7)؛ لرواية أبي الصباح عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: «أيّما امرأة أعتقت فأمرها بيدها، فإن شاءت أقامت معه، و إن شاءت فارقته» (8).

____________

(1) الوسيلة: 306.

(2) الرياض 2: 125.

(3) كانت العبارة في «ق» هكذا: «مضافا إلى بعض الروايات» فكتب المؤلّف (قدّس سرّه) فوقها: «روايتي أبي بصير و علي بن حنظلة».

(4) الوسائل 14: 562، الباب 54 من أبواب نكاح العبيد و الإماء، الحديث الأوّل و الثاني.

(5) المسالك 1: 410.

(6) الرياض 2: 124.

(7) المسالك 1: 410.

(8) الوسائل 14: 561، الباب 52 من أبواب نكاح العبيد و الإماء، الحديث 8.

139

و رواية زيد الشحام- و فيها أبو جميلة- عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: «إذا أعتقت الأمة و لها زوج خيّرت إن كانت تحت عبد أو حرّ» (1).

و مثلها رواية محمد بن آدم (2)، و يؤيّدها ما روي من أنّ النبيّ (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) قال لبريرة حين اعتقت: «ملكت بضعك فاختاري» (3)، فرّع الاختيار على ملك البضع، فيستفاد منه التعليل، فيتعدّى منه إلى غير مورده، خلافا لظاهر المحقّق في الشرائع (4) و المحكي عن بعض (5)، فخصّ الخيار بزوجة العبد.

ثمّ اعلم أنّ الحكم بالخيار مختصّ بعتق جميع الأمة لا بعضها؛ لأنّه مورد الدليل فيقتصر عليه، و إطلاق الدليل يشمل ما لو وقع العتق قبل الدخول أو بعده، فإن وقع قبله فقبل الفسخ له الدخول، فإن فسخت قبل الدخول سقط المهر؛ لأنّ الفسخ جاء من قبلها، و إن فسخت بعده ثبت المهر، لكنّه للسيّد؛ لأنّ المهر إنّما يستحقّ بالعقد، و هي عند العقد كانت ملكا للمولى.

و يستثنى من جواز فسخها قبل الدخول صورة واحدة، و هي ما إذا كانت قيمة الجارية ثلث مال المولى، و يملك ثلثا آخر، و زوّج الجارية بثلث

____________

(1) الوسائل 14: 561، الباب 52 من أبواب نكاح العبيد و الإماء، الحديث 13.

(2) نفس المصدر، الحديث 12.

(3) الوسائل 14: 559، الباب 52 من أبواب نكاح العبيد و الإماء، الحديث 2.

(4) شرائع الإسلام 2: 311.

(5) الخلاف 4: 332، كتاب النكاح، المسألة 110 و 4: 353، كتاب النكاح، المسألة 134، و حكاه عنه صاحب الجواهر في الجواهر 30: 243.

140

آخر، بأن يفرض أنّ جميع ماله ثلاثون دينارا: جارية مزوّجة قيمتها عشرة، و مهرها في ذمّة زوجها عشرة، و للمولى أيضا عشرة. فأعتق (1) المولى جاريته المذكورة في مرض موته، و قلنا بأنّ العتق من الثلث، فحينئذ لا يجوز للجارية الفسخ قبل دخول الزوج بها؛ لأنّ فسخها قبل الدخول مسقط للمهر، و سقوط المهر موجب لزيادة الجارية المعتقة عن الثلث، و هي موجبة لبطلان عتقها في جزء منها يساوي الزائد على الثلث، و تبعّض عتقها موجب لعدم ثبوت الخيار لها؛ لما عرفت من أنّه موقوف على عتق الجميع، فيلزم من تخيّرها عدم تخيّرها، فليس لها الخيار قبل الدخول.

ثمّ إنّ المعتقة لو كانت صغيرة أو مجنونة فليس لوليّها خيار الفسخ، بل هو منوط بشهوتها النفسيّة و ميلها القلبي.

و اعلم أنّه يظهر من المسالك ظهور الاتّفاق على أنّ هذا الخيار على الفور، قال: للاقتصار في مخالفة الأصل على المتيقّن (2).

و ردّ (3) في الرياض بأنّه بعد ما ثبت الخيار فالأصل بقاؤه (4).

أقول: و هذا الردّ غير صحيح؛ لأنّه إذا كان مقتضى عموم وجوب الوفاء بالعقود شاملا لجميع الأفراد في جميع الأزمان، و المفروض أنّه لم يخرج بالإجماع إلّا فرد واحد في بعض الأزمنة و هو أوّل أزمنة عتق الأمة و ما في حكمه، بقي الباقي تحت العموم، فلا وجه للاستصحاب، إلّا أن يقال: إنّ

____________

(1) في «ع» و «ص»: فقد أعتق.

(2) المسالك 1: 411.

(3) في «ع» و «ص»: و ردّه.

(4) الرياض 2: 124.

141

عموم أدلّة الوفاء ليس فيها دلالة أصلية على عموم الأزمان، حتى يكون أفرادها كلّ فرد في كلّ زمان (1)، بل مدلولها هي الأفراد، و إنّما يجيء عموم الأزمان تبعا، فإذا خرج فرد واحد فلم يلزم في العموم إلّا تخصيص واحد، سواء كان حكم الفرد (2) ثابتا له في كل الأزمان أم في زمان واحد، و ليس الفرد الخارج في الزمان الثاني فردا آخر حتّى يلزم من خروجه زيادة التخصيص، و حينئذ فإذا شكّ في استمرار حكم الفرد الخارج و ارتفاعه في الزمان الثاني جاز إثباته بحكم الاستصحاب، فافهم و اغتنم.

و على كلّ حال، فالظاهر أنّه لا خلاف في أنّ مبدأ الخيار من زمان العلم بالعتق، فالجاهلة بعتقها لا يسقط خيارها، و أمّا الجاهلة بالحكم فالظاهر أنّه كذلك، و أنّه لا دخل لتقصيرها في معرفة الحكم في ذلك، بل هذه أحكام لا يعدّ الجهل بها- سيّما من النسوان، سيّما من إمائهنّ- تقصيرا.

و لو عتقا أي الزوجان معا، تخيّرت الأمة خاصّة.

أمّا إذا تقدّم عتق الأمة؛ فللإجماع.

و أمّا إذا تقدّم عتق العبد أو اقترن العتقان بأن يقول مولاهما أو وكيلهما: أعتقتكما، فلما مرّ (3) من عدم الفرق بين كون المعتقة تحت عبد أو حرّ (4).

____________

(1) في «ع» و «ص»: كل أفراد في كل زمان فردا له.

(2) في «ع» و «ص»: الحكم الثابت للفرد.

(3) تقدّم في الصفحة: 138.

(4) في «ع» و «ص»: حر أو تحت عبد.

142

نعم، من فرّق بينهما فلا ينبغي أن يقول بالخيار في غير صورة تقدّم عتق الأمة، فما في الشرائع (1) و عن التحرير (2) من تعميم هذا الحكم لصورتي تقديم عتق الزوج، و اقترانهما مع تخصيص الخيار بما إذا كانت المعتقة تحت عبد، ممّا لا يجتمعان، كما أشار إليه غير واحد (3).

[الثالث من أسباب الولاية عند بعض: الوصاية]

الثالث من أسباب الولاية عند بعض: الوصاية.

اعلم أنّه اختلف الأصحاب في ولاية الوصي من الأب و الجدّ على تزويج الصغير، فالمشهور بين المتأخّرين كما قيل (4): أنّه لا تثبت ولاية الوصيّ على الصغيرين و إن نصّ الموصي على الإنكاح لأصالتي عدم انتقال الولاية إليه في النكاح، و عدم صحّة العقد مع ردّ الصغير بعد البلوغ، و لا يجدي عموم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (5).

و لعموم صحيحة ابن مسلم: في الصبيّ يزوّج الصبيّة، يتوارثان؟ قال:

«إذا كان أبواهما اللذان زوّجاهما فنعم» (6).

و دلالة الصحيحة ليست بمجرّد مفهوم الشرط حتّى يتأمل فيه، مع أنّ التأمّل ليس في محلّه، بل لأجل استفصال المعصوم (عليه السلام) لإطلاق كلام

____________

(1) الشرائع 2: 311.

(2) التحرير 2: 24.

(3) منهم الشهيد الثاني في المسالك 1: 411، و صاحب المدارك في نهاية المرام 1: 288.

(4) مستند الشيعة 2: 484.

(5) المائدة: 1.

(6) الوسائل 14: 209، الباب 6 من أبواب عقد النكاح، الحديث 8.

143

السائل، و التفصيل قاطع للشركة، ففي الحقيقة دلالتها بحسب المنطوق.

و مثلها صحيحة أبي عبيدة الحذّاء الدالّة على أنّه إذا زوّج الصغير غير الأب وقف التوارث بعد موت أحدهما على بلوغ الباقي و إجازته للنكاح (1).

و يؤيّدهما الصحيحة المروية في الكافي عن محمد بن إسماعيل بن بزيع أنّه قال: «سأله رجل عن رجل مات و ترك أخوين و بنتا، و البنت صغيرة، فعمد أحد الأخوين الوصيّ فزوّج الابنة من ابنه، ثم مات أبو الابن المزوّج، فلمّا أن مات قال الآخر: أخي لم يزوّج ابنه، فزوّج الجارية من ابنه، فقيل للجارية: أيّ الزوجين أحبّ إليك، الأوّل أو الآخر؟ قالت: الآخر، ثمّ إنّ الأخ الثاني مات، و للأخ الأوّل ابن أكبر من الابن المزوّج، فقال للجارية:

اختاري أيّهما أحبّ إليك، الزوج الأوّل أو الزوج الأخير؟ فقال: الرواية فيها: أنّها للزوج الأخير، و ذلك أنّها قد كانت أدركت حين زوّجها، و ليس لها أن تنقض ما عقدته بعد إدراكها» (2).

خلافا لجماعة (3) فأثبتوا له الولاية، سواء نصّ الموصي على ولايته في النكاح، أو أطلقها بحيث يشمله؛ تمسّكا بعموم حرمة تبديل الوصيّة (4)

____________

(1) الوسائل 17: 527، الباب 11 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث الأوّل.

(2) الكافي 5: 397، الحديث 3، مع اختلاف يسير عما في المتن. و عنه في الوسائل 14: 212، الباب 8 من أبواب عقد النكاح، الحديث الأوّل.

(3) منهم ابن سعيد في الجامع للشرائع: 438، و المحقق الكركي في جامع المقاصد 12: 98.

(4) البقرة: 181.

144

المستلزمة لتحقّق الولاية بتولية الموصي، فإنّ (1) عزل الوصي عن ذلك مع تولية الموصي تبديل لوصيته، و بما ورد مستفيضا في تفسير «من بيده عقدة النكاح» حيث فسّر بالأب، و الأخ، و الرجل يوصى إليه، و الذي يجوز أمره في مال المرأة (2).

و ردّ في الرياض عموم آية التبديل بأنّ الضمير في «بدّله» راجع إلى الإيصاء للوالدين و الأقربين، المتقدّم ذكرهم في آية الوصيّة، فلا يعم مطلق التبديل (3).

و هو ضعيف؛ للأخبار المستفيضة (4) المشتملة على استدلال المعصوم في أحكام كثيرة من الوصايا بعموم الآية، فلا بدّ من إرجاع ضمير «بدّله» إمّا إلى مطلق الإيصاء، و إما إلى خصوص الإيصاء للوالدين و الأقربين، لكن مع إناطة حكم الإثم بأصل تبديل الإيصاء لا خصوص هذا الإيصاء، بأن يجعل المورد خاصّا و المناط عاما، فالإنصاف أنّ الآية ظاهرة في المدّعى و لو بمعونة الأخبار المشتملة على الاستدلال بها.

و أمّا الأخبار المفسّرة لمن بيده عقدة النكاح، فلا يخفى ضعف دلالتها؛ لأنّ المراد بمن في يده عقدة النكاح:

إمّا أن يكون هو المستقل في عقدة النكاح، بحيث لا يكون لغيره فيها مدخل، فيختص حينئذ بمن ثبت له بأصل الشرع الولاية القهريّة

____________

(1) ليس في «ع» و «ص»: فإنّ عزل .. لوصيته.

(2) الوسائل 14: 213، الباب 8 من أبواب عقد النكاح، الحديث 4.

(3) الرياض 2: 81.

(4) الوسائل 13: 411- 415، الأبواب 32 و 33 و 35 من أبواب أحكام الوصايا.

145

على الزوجة.

و إمّا أن يكون المراد به المستقل فيها و المتولّي عليها، سواء كانت الولاية بأصل الشرع أو بجعل نفس المرأة كالوكيل.

و جملة الصلة على هذين المعنيين يراد بها مجرد الحكم الوضعي، أعني الولاية الخاصة الإجبارية، أو الأعمّ منها و من الاختيارية.

و إمّا أن يكون المراد من بيده عقدة النكاح على وجه الأولوية و الأحقيّة الشاملة للوجوبيّة كما في الوليّ الإجباري، و الاستحبابيّة كالأخ و وصيّ الأب و من يتولّى سائر أمور الزوجة.

«و جملة الصلة» على هذا الوجه يراد بها الحكم التكليفي الرجحاني الراجع إلى المرأة، كما حمل على ذلك سابقا ما ورد في الأخبار من أنّه ليس لها مع الأب أمر (1).

و إمّا أن يكون المراد به مطلق من أوقع عقد النكاح الذي أزيل بالطلاق قبل الدخول، و من كان هذا النكاح الخاص بيده.

و «جملة الصلة» على هذا الوجه أريد بها صرف الإخبار عن النكاح الواقع قبل الطلاق.

و على التقادير الأربعة، إما أن يراد من المعقود عليها- الذي يعفو عنها من بيده عقدة نكاحها- خصوص الصغيرة، أو خصوص الكبيرة، أو الأعم منهما.

و على التقادير، فإمّا أن يراد من ذكر الأربعة المذكورة في الأخبار حصر «من بيده عقدة النكاح» في هؤلاء، و إمّا أن يكون ذكر هؤلاء لأجل

____________

(1) تقدم في الصفحة: 114.

146

كون عقدة النكاح بيدهم غالبا على بعض الطرق الأربعة المذكورة.

و لا ريب أنّ الأظهر من هذه الاحتمالات و أقلّها مخالفة للأصل و الظاهر، هو المعنى الثاني من المعاني الأربعة المذكورة، و إرادة الأعمّ من الكبيرة و الصغيرة، و كون المراد من ذكر الأربعة تحقّق الولاية الإجبارية أو الاختيارية فيهم غالبا، لا الحصر.

و حينئذ، فلا دلالة في تلك الأخبار على أنّ ولاية الوصي من قبيل ولاية الأب على صغيره (1)، أو من قبيل ولاية الأخ و من بيده مال (2) المرأة على الكبيرة، و كذا ولاية الأب عليها مطلقا، أو مع كونها ثيّبة على الخلاف المتقدّم.

فظهر ممّا ذكرنا بعد أدنى تأمّل ضعف دلالة الأخبار المذكورة.

نعم، في صحيحة عبد اللّٰه بن سنان تفسير «من بيده عقدة النكاح» ب«ولي أمرها» (3)، و لا يخفى أنّ المراد وليّ أمرها في غير النكاح، و إلّا لزم التفسير بما يساوي المفسّر في الإجمال، و لم يفد بيانا. و لا ريب أنّ الوصيّ على الصغيرة وليّ أمرها في غير النكاح، فيكون عقدته بيده.

لكن هذا الخبر يعارضه مرسلة ابن أبي عمير المروية في التهذيب- في آخر باب الوكالات قبل باب القضاء بين الناس- من تفسير «من بيده عقدة النكاح» بالأب و من توكّله المرأة و تولّيه أمرها من أخ أو قرابة

____________

(1) في «ع» و «ص»: الصغيرة.

(2) في «ع» و «ص»: ولاية مال.

(3) الوسائل 14: 212، الباب 8 من أبواب عقد النكاح و أولياء العقد، الحديث 2.

147

أو غيرهما (1).

نعم، لا بأس بالاستدلال بآية التبديل (2) بمعونة الأخبار (3) المشتملة على الاستدلال بها.

و يمكن أن يستدلّ أيضا على ثبوت الولاية بالوصاية بعموم ما ورد في توقيع الصفّار عن العسكري (عليه السلام): «جائز للميّت ما أوصى على ما أوصى إن شاء اللّٰه» (4)، و عموم الكلام لا يترك لخصوص المورد.

و ما رواه في الكافي و التهذيب فيمن أوصى إلى أحد بالمضاربة (5) بأموال صغير له و أخذ نصف الربح أنّه «لا بأس، من أجل أنّ أباه قد أذن له في ذلك و هو حيّ» (6).

دلّ بمقتضى عموم العلّة و إلغاء الخصوصيّة المتراءاة من اختصاص اسم الإشارة المأتي به لمحض ربط العلّة بالمعلول بالولاية المالية، على أنّ كل ما أذن فيه أبو الصغير في حال حياته فهو نافذ ماض بعد مماته، و منه إذنه للوصيّ في تزويج صغيره و توليته له فيه.

____________

(1) التهذيب 6: 215- 216، الحديث 6، و الوسائل 13: 29 الباب 7 من أحكام الوكالة، ذيل الحديث الأوّل.

(2) البقرة: 181.

(3) انظر الوسائل 13: 411- 415، الأبواب 32 و 33 و 35، من أبواب أحكام الوصايا.

(4) الوسائل 13: 454، الباب 63 من أبواب أحكام الوصايا.

(5) في «ع» و «ص»: المضاربة.

(6) الكافي 7: 62، الحديث 19 و التهذيب 9: 236، الحديث 921، و عنهما في الوسائل 13: 478، الباب 92 من أحكام الوصايا، الحديث الأوّل.

148

لكن يبقى الكلام في أنّ النسبة بين الآية المعتضدة بهاتين الروايتين و بين عموم الأخبار النافية لولاية ما عدا الأب و الجدّ عموم من وجه، و يشكل الترجيح فيرجع إلى أصالة عدم ثبوت الولاية، و عدم صحّة النكاح من غير إجازة من المزوّج.

و اعلم أنّ معظم من أنكر ولاية الوصي مطلقا، ذهب إلى أنّه يثبت ولايته على من بلغ فاسد العقل مع الحاجة، للضرورة، و عدم زوال العذر، و خوف المرض، أو الوقوع في الزنا.

و فيه: أنّه لا دليل حينئذ أيضا على ثبوت ولاية الوصي، و هذه الوجوه لا يثبت انتقال الولاية إلى الوصيّ بإيصاء الأب و الجدّ، إذ لو ثبتت (1) لم يفرّق فيها بين الموارد، و إنّما تثبت ولاية الحسبة، و لا شكّ أنّها من مناصب الحاكم، فيزوّجه الحاكم بالولاية العامة كما يزوّج غيره ممن سيجيء، و كما يزوّج المفروض مع عدم الوصي كما سيجيء؛ لأنّ الضرورة تندفع بتصدّي الحاكم له كما يتصدّى غيره.

[الرابع من أسباب الولاية: ولاية الحكم]

الرابع من أسباب الولاية: ولاية الحكم (2) الذي هو أوّلا و بالأصالة منصب الإمامة، و ثانيا و بالنيابة منصب نائبه الخاص أو العام، و هو الفقيه الجامع للشرائط، الذي حكمه حكم الوصيّ في انتفاء ولايته عن الصغيرين الذكر و الأنثى الفاقدين للأب و الجدّ؛ لما مرّ من العمومات

____________

(1) في «ع» و «ص»: لو لم يثبت.

(2) في «ع» و «ص»: الحاكم.

149

النافية لولاية غيرهما (1) و خرج عنها ثبوتها للحاكم على المجنونين الفاقدين للأب و الجدّ مع الحاجة إلى النكاح.

و وجه الولاية- مضافا إلى الإجماع، و النبوي: «السلطان وليّ من لا وليّ له» (2)- عموم ما دلّ على وجوب الرجوع إليه في الحوادث الواقعة (3) التي منها طروء الحاجة للمجنون و المجنونة إلى النكاح، و على أنّ الراد عليه كالراد على اللّٰه (4) فلا يجوز للمجنون بعد الإفاقة و لا لغيره قبلها ردّ تزويجه و فسخه، بل لا بدّ من ترتيب الآثار عليه، و على أنّ العلماء أمناء الرسل (5) و خلفاؤهم (6).

و ينبغي بمقتضى ما ذكر ثبوت ولايته للصغيرين إذا دعت مصلحتهما إلى النكاح سيّما الصغيرة، و لا يبعد إن لم يكن (7) خلافه إجماعيّا.

و لا ولاية لغير هؤلاء الأربعة، و هم: الأب، و الجدّ، و الوصيّ، و الحاكم، كالأمّ، و العصبات: و هم المتقرّبون بالأب، فليس لهم ولاية على

____________

(1) راجع الصفحة: 108.

(2) سنن أبي داود 2: 229، الحديث 2083، سنن الترمذي 3: 407- 408، الحديث 1102.

(3) الوسائل 18: 101، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 9.

(4) الوسائل 18: 98- 99، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث الأوّل.

(5) الكافي 1: 46، الحديث 5، و مستدرك الوسائل 17: 312 الباب 11، من أبواب صفات القاضي، الحديث 5، و فيه: الفقهاء أمناء الرسل.

(6) الوسائل 18: 66، الباب 8 من أبواب صفات القاضي، الحديث 53.

(7) في «ع» و «ص»: أن يكون.

150

صغير و لا على مجنون و لا غيرهما، خلافا للمحكي عن ابن الجنيد في الأمّ (1)، و عن بعض العامّة (2) في الأخ و العم (3).

و ليس للمحجور عليه عن التصرّفات المالية للتبذير، التزويج لأنّه مستلزم للتصرّف في المال من حيث الالتزام بالمهر و النفقة، إلّا مع الضرورة إليه فيستأذن الحاكم لأنّه وليّه، مع عدم وليّ آخر، فإن عقد مع التمكن من إذن الحاكم و بدونه أثم؛ لأنّه منهي عن الاستقلال.

و هل يفسد العقد أيضا؟ وجهان، بل قولان؛ من أنّه محجور عليه إلّا بإذن الولي فلا ينفذ له تصرّف، و من أنّه مع الضرورة قد سوّغ له التزوّج (4)، فلذا يجب على الوليّ تزويجه أو إذنه، غاية الأمر أنّه منهي عن الاستقلال، و هو أمر خارج عن النكاح.

و على القولين لا إشكال في الصحّة مع تعذر استئذان الحاكم.

و حيث حكم بالصحّة، فإن كان النكاح بمهر المثل صحّ لوجود الضرورة المصحّحة للتزويج، و عدم اقتضاء النهي عن الاستقلال للفساد. و إلّا يقتصر (5) في الصداق المسمّى على مهر المثل بطل الزائد عنه.

____________

(1) حكاه عنه العلّامة في المختلف: 536.

(2) راجع المجموع 17: 250- 251.

(3) في «ع» و «ص»: زيادة: و لا دليل يساعدهما كما لا يخفى.

(4) في «ع» و «ص»: التزويج.

(5) في «ع» و «ص»: فيقتصر.

151

و كلّ موضع حكم فيه بالفساد مع علم المرأة به لا شيء لها، و مع جهلها فل[- ها] مهر المثل بالوطء.

هذا حكم السفيه البالغ، و أمّا السفيهة البالغة، فليس لها التزويج من غير إذن وليّها؛ لصحيحة الفضلاء المتقدّمة: «المرأة التي ملكت نفسها غير السفيهة و لا المولّى عليها فإنّ تزويجها بغير وليّ جائز» (1).

و يؤيّدها ما تقدّم من رواية زرارة الدالّة على أنّ «المرأة إذا كانت مالكة لأمرها، تبيع و تشتري و تعتق و تعطي مالها من شاءت، جاز لها التزويج متى شاءت بغير إذن وليها، و إن لم تكن كذلك لم يجز تزويجها إلّا بأمر وليّها» (2) فإنّ دلالته على المطلوب واضحة.

و يؤيّده، بل يدلّ عليه أيضا مصححة عبد اللّٰه بن سنان- المحكية في المسالك (3) في تفسير «الذي بيده عقدة النكاح»- قال: «إنّه وليّ أمرها» (4).

و يؤيّدها (5) رواية عبد الرحمن بن أبي عبد اللّٰه- المروية في الكافي-:

____________

(1) الوسائل 14: 201، الباب 3 من أبواب عقد النكاح و أولياء العقد، الحديث الأوّل، و تقدّمت في الصفحة: 117.

(2) الوسائل 14: 215، الباب 9 من أبواب عقد النكاح و أولياء العقد، الحديث 6، و تقدّمت في الصفحة: 117.

(3) المسالك 1: 361.

(4) الوسائل 14: 212، الباب 8 من أبواب عقد النكاح و أولياء العقد، الحديث 2.

(5) في «ع» و «ص»: و يؤيده.

152

«أنّ المرأة تتزوّج بغير وليّ إذا كانت مالكة لأمرها» (1).

و لا شكّ أنّ السفيهة غير مالكة لأمرها عرفا؛ لأنّ المراد من «أمرها» ما عدا النكاح من أموره، و إن عمّ (2) النكاح لزم لغوية الحمل، كما تقدّم في الرواية: «المرأة التي قد ملكت نفسها».

و ليس في هذه الأخبار تفصيل بين ما إذا بلغ سفيها أو تجدّدت سفاهته بعد البلوغ و الرشد.

و الظاهر من «الوليّ» فيها هو الأب و الجدّ؛ لصدق الوليّ عليهما عرفا، و صدقه على غيرهما من الأقارب مع عدمهما لا يضرّ بعد قيام الدليل على عدم ولاية من عداهما.

و لكنّ المشهور- كما حكي- أنّ من تجدّد سفهه فالولاية عليه للحاكم؛ لانقطاع ولاية الأب بالبلوغ و الرشد، فعودها يحتاج إلى دليل.

و فيه: أنّ ثبوت الولاية أيضا يحتاج (3) إلى دليل، و عموم النبويّ:

«السلطان وليّ من لا وليّ له» (4) على فرض ثبوته مختصّ بالإمام (عليه السلام)، و كون الفقيه في زمانه نائبا عنه حتّى في هذه الولاية لم يثبت بدليل تطمئنّ به النفس، مع أنّه لو ثبت فغايته إثبات ولايته على من لا ولي له، و قد عرفت

____________

(1) الكافي 5: 392، الحديث 3، مع اختلاف يسير، و عنه الوسائل 14: 69، الباب 44 من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 3.

(2) في «ع» و «ص»: إذ لو عمّ.

(3) في «ع» و «ص»: محتاج.

(4) سنن أبي داود 2: 229، الحديث 2083، سنن الترمذي 3: 407- 408، الحديث 1102.

153

صدق الوليّ عرفا على الأب و الجدّ، و أنّ الأخبار دلّت على توقّف نكاح هذا الشخص على الولي العرفي المنحصر عرفا (1) في الأب و الجدّ مع وجودهما، نعم مع عدمهما يتعيّن الحاكم إجماعا.

و أمّا القول بثبوت الولاية للحاكم على من بلغ سفيها مع وجود الأب و الجدّ، فهو ضعيف جدا؛ لعدم الدليل عليه، إلّا أن يثبت للحاكم عموم الولاية بدليل عام خرج عنه ما خرج، و هو الصغير الذي أجمع على أنّ الحاكم لا ولاية له عليه مع الأب و الجدّ و بقي الباقي، و إثبات ذلك دونه خرط القتاد، مع أنّه على فرض الثبوت معارض بعموم الأخبار المتقدّمة الدالّة على توقّف التزويج على إذن الولي العرفي بعد أن خرج منها غير الأب و الجدّ.

فحاصل الكلام، أنّ المستفاد من تتبّع موارد استعمالات الولي في الأخبار- هنا و في الطلاق- هو الولي العرفي، و لا ريب أنّ الأب و الجدّ مع وجودهما أولى الناس عرفا بالشخص، فكلّ ما دلّ على أنّ المرأة الغير المالكة لأمرها يتوقّف تزويجها على إذن الولي يشمل اعتبار إذنهما في النكاح، و هو معنى ولايتهما.

و أمّا غيرهما، فهو و إن صدق عليه الولي عرفا مع فقدهما، لكنّه خارج بالإجماع، فتأمّل.

و ممّا يدلّ صريحا على أنّ المراد هو الولي العرفي قوله (عليه السلام) في رواية زرارة المتقدّمة: «أنّه إذا كانت مالكة لأمرها تبيع و تشتري جاز تزويجها مع ما شاءت بغير أمر وليها، و إن لم يكن كذلك لم يجز تزويجها إلّا بأمر

____________

(1) ليس في «ع» و «ص»: عرفا.

154

وليّها» (1). و لا شكّ في أنّ «الوليّ» في الأوّل هو الولي العرفي، فهو كذلك في قوله «و إن لم يكن» كما لا يخفى.

____________

(1) تقدّمت في الصفحة: 151.

155

الفصل الثاني: في الأحكام

لو زوّج الصغيرين الحرّين غير الأب و الجدّ فإن قلنا ببطلان النكاح الفضولي كان لغوا، و إن قلنا بصحته وقع موقوفا على إجازتهما له فإن أجازاه بعد البلوغ و الرشد، أو أجازه الأب و الجدّ قبلهما أو قبل الرشد؛ بناء على ولايتهما على البالغ غير رشيد صحّ العقد، و إلّا يجزه الزوجان بعد الكمال، و لا وليّاهما قبله فلا يصحّ.

و لو أجاز أحدهما بعد الكمال، أو وليّه قبله و مات الآخر قبل البلوغ و الرشد و قبل إجازة الوليّ بطل النكاح بينهما؛ لعدم تحقّق الإجازة المصححة للعقد من حينه أو من حينها (1) و يترتّب على البطلان أنّه لا مهر و لا إرث و هو واضح.

و إن مات أحدهما بعد البلوغ و الإجازة و بلغ الآخر الباقي احلف مع الإجازة على عدم كون الداعي على الإجازة هو الطمع في الإرث، و إذا حلف تثبت أحكام الزوجيّة بينه و بين الميّت و أقاربه، و ورث نصيبه المفروض من تركته.

و المستند في ذلك صحيحة أبي عبيدة الحذّاء المرويّة في الكافي قال:

«سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن غلام و جارية زوّجهما وليّان لهما و هما غير مدركين، فقال: النكاح جائز، و أيّهما أدرك كان له الخيار، و إن ماتا قبل أن يدركا فلا ميراث بينهما و لا مهر إلّا أن يكونا قد أدركا و رضيا، قلت: فإن أدرك أحدهما قبل الآخر؟ قال: يجوز ذلك عليه

____________

(1) في «ع» و «ص»: حينهما.

156

إن هو رضي. قلت: فإن كان الرجل الذي أدرك قبل الجارية و رضي بالنكاح ثمّ مات قبل أن تدرك الجارية أ ترثه؟ قال: نعم يعزل ميراثها منه حتّى تدرك، فتحلف باللّه ما دعاها إلى أخذ الميراث إلّا رضاها بالتزويج، ثمّ يدفع إليها الميراث و نصف المهر، قلت: فإن ماتت الجارية و لم تكن أدركت أ يرثها الزوج المدرك؟ قال: لا؛ لأنّ لها الخيار إذا أدركت. قلت:

فإن كان أبوها هو الذي زوّجها قبل أن تدرك؟ قال: يجوز عليها تزويج الأب، و يجوز على الغلام، و المهر على الأب للجارية» (1).

و المراد بالوليّين في صدر الخبر- بقرينة المقابلة للأب في الذيل- الوليّ العرفي كالأخ و العم.

و اشتمال الرواية على تنصيف المهر لو قلنا بتمام المهر مع الفرقة بالموت لا يضرّ؛ لاحتمال تقديم نصفه الآخر قبل النكاح.

و مقتضى الصحيحة أنّه لو بلغ أحدهما و أجاز لزم العقد من جهته، فيترتّب في حقّه إن كان زوجا آثار زوجيّة المعقود عليها من تحريم أختها و أمّها و الخامسة.

و لو أدركت الزوجة و ردّت العقد انفسخ من حينه، لا من حين الردّ قبالا للإجازة على أحد الوجهين، و يترتّب عليها (2) أنّه هل يجوز نكاح أمّها أم لا؟ وجهان:

من أنّ النكاح في حقّ الزوج كان ثابتا، فارتفع بفسخ الزوجة، فتحرم

____________

(1) الكافي 5: 401، الحديث 4، و عنه الوسائل 17: 527، الباب 11 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث الأوّل.

(2) في «ع» و «ص»: عليه.