كتاب النكاح

- الشيخ مرتضى الأنصاري المزيد...
491 /
257

بل الإسقاط، فقد اعترف هذا المعاصر بعدم جوازها مهرا (1)، مع أنّ الدليل جار فيه، فتأمّل فيه.

خلافا للمحكي عن الشيخ (2) و جماعة (3) في العقد على منفعة الزوج مدّة؛ للمروي عن البزنطي (4) المضعّف (5) سندا تارة و دلالة أخرى.

ثمّ ظاهر (6) العموم في ما دلّ على «أنّ المهر ما تراضى عليه الناس» (7) أو «كل شيء تراضى عليه الناس» هو جواز جعل الحقوق الغير المالية أيضا صداقا، كحقّ التحجير و غيره من الحقوق الغير المالية القابلة للنقل.

و لو أسلم الزوجان الذمّيان أو أحدهما بعد العقد على خمر بقيا على عقدهما، و وجبت على الزوج القيمة؛ لأنّها أقرب شيء إليه حيث تعذّر دفعه؛ للإسلام، و لأنّ المعيّن يراد شخصه و ماليته، فإذا تعذّر الأوّل يصار إلى الآخر. و يؤيّده ما رواه في التهذيب عن عبيد بن زرارة، و فيها القاسم بن محمد الجوهري (8).

و لو قبضته الزوجة حال كونهما كافرين صحّ و برأت ذمّة

____________

(1) الجواهر 31: 7- 8.

(2) النهاية: 469.

(3) حكاه عنهم الشهيد في المسالك 1: 426.

(4) الوسائل 15: 33، الباب 22 من أبواب المهور، الحديث الأوّل.

(5) ضعّفه المحقق في الشرائع 2: 324.

(6) في «ع» و «ص»: أنّ ظاهر.

(7) الوسائل 15: 1- 3، الباب الأوّل من أبواب المهور.

(8) التهذيب 7: 356، الحديث 1448، و عنه الوسائل 15: 4، الباب 3 من أبواب المهور، الحديث 2.

258

الزوج، فلا يطالب بشيء بعد الإسلام، كسائر ما يؤدّيه من الديون في حال الكفر ممّا لا يتموّل في الإسلام.

و لو عقد المسلم، عليه عالما بالموضوع صحّ على الأقوى؛ لوجود المقتضي و عدم المانع، عدا ما يستند إليه من وجوب اقتران الرضى بالعقد، و لم يقع الرضى إلّا على الباطل، فما رضيا به لم يصحّ، و ما صحّ لم يتراضيا عليه، و لأنّه عقد معاوضة، حيث يذكر فيه المهر- و إن لم يكنه مطلقا- فيفسد بفساد العوض كالبيع.

و فيه: أوّلا- النقض بما لو ظهر المهر المشخّص مستحقا للغير؛ فإنّه لا يوجب فساد العقد- بلا خلاف على الظاهر- كما يظهر من الحدائق (1) و الرياض (2) و المسالك (3)، مع أنّ ما استدلّ به جار فيه حرفا بحرف، و كذا لو زعماه خلّا فبان خمرا.

و ثانيا- بالحلّ؛ فإنّ الرضى بأصل النكاح حاصل، فإنّه متقوّم بالزوجين، و الالتزام بالصداق بمنزلة الالتزام بالشرط الفاسد الغير المنافي لأصل النكاح الذي اتّفقوا ظاهرا على عدم فساد العقد به، بل هنا أولى، حيث إنّ في اشتراط الفاسد تصريحا بعدم الرضى بالعقد، بخلاف الصداق الفاسد، مع أنّ فساد العقد- و لو كان من المعاوضات الصرفة- بفساد الشرط محلّ كلام، لا يبعد القول بالعدم فيه. لكنّ الإنصاف أنّ المسألة مشكلة.

و كيف كان، فعلى القول بالصحّة لا إشكال في عدم استحقاق المرأة

____________

(1) الحدائق 24: 426، و فيه: فإن العقد صحيح بلا إشكال.

(2) الرياض 2: 140.

(3) انظر المسالك 1: 427.

259

لنفس ما جعل صداقا؛ لأنّه ممّا لا يستحقّ شرعا، فهل الواجب لها بدله مهر المثل مطلقا- بناء على أنّه إذا لم يسلّم المعيّن صداقا فالواجب بدله، و هو مهر المثل- أو مع الدخول (1) بناء على أنّ التسمية إذا فسدت فلا يجب شيء إلّا عوضا للبضع، فقبل الدخول لا شيء، و مع الدخول يستحقّ مهر المثل؛ لأنّه عوض الوطء المحترم؟

و تظهر الثمرة في ما لو مات أحدهما قبل الدخول، فإنّه على الأوّل يجب نصف مهر المثل أو جميعه على القولين في التنصيف بالموت و عدمه؛ لأنّه يثبت بالعقد.

و على الثاني فلا شيء؛ لأنّه لا يثبت إلّا بالوطء.

و هنا قول ثالث (2) بوجوب قيمة ما جعل صداقا؛ لأنّها أقرب إليه، كما مرّ في مسألة الذمّيين اللذين أسلما (3).

و على هذا القول يستحقّ القيمة بنفس العقد؛ لأنّه بدل عن نفس الصداق المجعول.

و رابع (4) بالتفصيل بين الصداق الذي له قيمة في الجملة- أي يقابل بالمال، كالخمر المضمون على المسلم، و الذي للذمّي المتستّر به- و بين ما ليس كذلك كالحرّ، فيصار في الأوّل إلى القيمة، و في الثاني إلى مهر المثل.

و المسألة محلّ إشكال، و إن كان القول الثاني الذي اختاره المصنّف هنا

____________

(1) في «ص» و الإرشاد: مع الدخول على رأي.

(2) اختاره الشيخ في المبسوط 4: 290.

(3) تقدّم في الصفحة: 257.

(4) اختاره الشيخ في المبسوط 4: 290.

260

لا يخلو عن قوّة.

و يشترط في الصداق تعيينه بما يرفع معظم الجهالة، فإن أبهم كلّية فسد المهر و لها مهر المثل مع الدخول.

كذا يشترط] (1) أن لا يتضمّن إثباته نفيه؛ لعدم صحّة تملّك مثل هذا صداقا، كما لو أصدق الحرّة رقبة عبده المزوّج بها، فإنّ تملّكه ينافي ثبوته، فالجمع بين تملّكها له صداقا و بين تزويجها به جمع بين متنافيين.

و يكفي المشاهدة و إن جهل وزنه لعدم كون الإصداق معاوضة صرفة يعتبر فيها الكيل في المكيل و الوزن في الموزون، و يدلّ عليه- مضافا إلى عموم: «الصداق ما تراضى عليه الناس» (2)- صحيحة محمد بن مسلم في تزويج النبيّ (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) تلك المرأة على ما يحسن الزوج من القرآن (3)، و لم ينقل تعيينه.

و لو تزوّجها على خادم، أو بيت، أو دار فلها وسط ذلك لرواية أبي حمزة- الواقفي المعاند- في الخادم (4)، و مرسلة ابن أبي عمير في البيت (5)، و لأجل ذلك حكم بفساد المهر لزيادة الجهالة، فيرجع إلى مهر المثل.

و لو تزوّجها على كتاب اللّٰه و سنّة نبيّه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم)،

____________

(1) من «ع» و «ص».

(2) الوسائل 15: 1، الباب الأوّل من أبواب المهور.

(3) الوسائل 15: 3، الباب 2 من أبواب المهور، الحديث الأوّل.

(4) الوسائل 15: 36، الباب 25 من أبواب المهور، الحديث الأوّل و الثاني.

(5) التهذيب 7: 376، الحديث 1520، و رواه في الوسائل 15: 36، الباب 25 من أبواب المهور، الحديث 3، و ليس فيه: «عن ابن أبي عمير».

261

و لم يسمّ شيئا فخمسمائة درهم مهر السنة؛ للإجماع كما في الروضة (1) و الرواية (2). و بها يدفع الاعتراض بأنّ مقتضى القاعدة هو الفساد حيث لا يعلمان أو أحدهما به، فيكون كما لو تزوّجا بما تزوّج به فلان مع الجهل به، و بأنّ لفظ: «على كتاب اللّٰه» لا يدلّ على ذكر المهر أصلا؛ لاحتمال إرادة النكاح المرغوب إليه في الكتاب و السنّة.

و لو عقد على امرأتين و تزوّجهما بمهر واحد صحّ التزويج بلا خلاف، و كذا المهر على الأقوى؛ لعموم ما دلّ على الاكتفاء بما تراضيا عليه، و لا يضرّ جهل كلّ واحدة بما يقابل بضعها من المهر، و قسط المهر المذكور على مهر المثل و تستحقّ كلّ واحدة منهما منه بنسبة مهر مثلها؛ لأنّ مهر المثل بالنسبة إلى البضع كالقيمة، فيحكم عليه بحكمها على رأي قوي.

و قيل: يقسّط على الرءوس، فينصّف بين الزوجتين، و يثلّث بين الثلاث (3)، و هكذا؛ لعدم الدليل على الترجيح، و عدم كون المعاوضة حقيقية.

و فيه: أنّ المرجّح حكم العرف و الاعتبار، و القاعدة المستفادة من تتبّع الموارد الشرعيّة من مقابلة البضع بمهر المثل.

و كذا لو جمع بين تزويج و بيع في عوض و قد مرّ في باب البيع.

و لا يلزم ما يسمّيه للأب غير المهر، أو منه على رأي دلّ عليه بعض

____________

(1) الروضة البهية 5: 346.

(2) الوسائل 15: 5، الباب 4 من أبواب المهور.

(3) انظر المبسوط 4: 292، و المهذّب 2: 209.

262

الأخبار (1).

و لو أصدقها تعليم سورة، علّمها الجائز من القراءات [السبعة] (2) دون الشاذّة، فإن طلّقها قبل الدخول رجع الزوج عليها بنصف الأجرة إن علّمها، و إلّا يكن علّمها رجعت الزوجة (3) عليه بنصف الأجرة، أو بتعليم نصف السورة.

و كذا الحكم في الصنعة حيث يصدقها تعليمها.

و تعليم السورة حدّه (4) الاستقلال بالتلاوة (5) لا متابعته عند النطق؛ لأنّه تلقين لا تعليم.

و لو نسيت الآية الأولى قبل تعلّم (6) الثانية لم يجب إعادة التعليم لبراءة ذمّته بحصوله الغير المشروط ببقائه في الذاكرة.

و لو تعلّمت من غيره، أو تعذّر تعلّمها (7)؛ لبلادة أو طروء آفة رجعت بالأجرة لتعذّر العين، و لا ينفسخ المهر فيرجع إلى مهر المثل- كما تنفسخ الإجارة بتعذّر تحصيل العمل- لقيام الدليل هناك،

____________

(1) الوسائل 15: 19، الباب 9، من أبواب المهور، الحديث الأوّل.

(2) من «ع» و «ص».

(3) في «ع» و «ص»: رجعت هي أي الزوجة.

(4) في «ع»: حدّها.

(5) في «ع» و «ص»: بالقراءة.

(6) في «ع» و «ص»: تعليم.

(7) في «ع» و «ص»: تحصيل تعلّمها.

263

و هنا (1) لما وجب المهر المسمّى و تعذّر ضمنه الزوج بقيمته.

و من هنا يعلم أنّ مقتضى القاعدة في المهر هو كون ضمانه ضمان يد لا ضمان معاوضة، فما عن جامع المقاصد (2) و كشف اللثام (3) من احتمال الرجوع إلى مهر المثل ضعيف، نعم لو بذل الزوج التعليم، و تعلّمت الزوجة من غيره، يمكن القول بأنّها فوّتت المهر على نفسها، كما لو أمهرها منفعة عين بذلها لها فلم تستوف المنفعة.

و لو بان الخلّ المصدق خمرا صحّ العقد، بلا خلاف- كما يظهر من جماعة (4)- و أمّا ما تستحقّه عليه بعد ظهور كونه خمرا فالوجه أنّ لها مثل الخلّ لأنّه أقرب إلى المتعذّر من قيمته التي لا تطابقه إلّا من حيث المالية فقط.

و قيل بقيمة الخمر (5)، و ردّ بأنّ الخمر لم يقصد حتّى ينتقل إلى قيمته (6).

و قيل بمهر المثل؛ لفساد ما قصد و عدم (7) قصد غيره، فيرجع إلى مهر المثل (8)، و هو حسن؛ لان المهر انكشف عدم تملكه و لم يقصد غيره فتعين

____________

(1) في «ق»: بل هنا.

(2) جامع المقاصد 13: 348.

(3) كشف اللثام 2: 78.

(4) منهم المحقق الثاني في جامع المقاصد 13: 376، و الشهيد الثاني في المسالك 1: 430، و صاحب الجواهر في الجواهر 31: 33.

(5) قاله الشيخ في الخلاف 4: 371، كتاب الصداق، المسألة 10، و المبسوط 4: 290.

(6) ردّه الشهيد الثاني في المسالك 1: 430، و صاحب الجواهر في الجواهر 31: 33.

(7) في «ع» و «ص»: ما قصده أو عدم.

(8) قاله العلامة في القواعد 2: 37، و التحرير 2: 32، و المختلف: 547.

264

مهر المثل لكنّه حسن إن أريد به بعد الدخول، و إن أريد [ذلك] (1) بمجرّد العقد فهو أيضا [غير] (2) مقصود.

هذا كلّه في المثلي، و أمّا في القيمي- كالعبد المستحقّ للغير- ففيه قولان: قيمة العبد، و مهر المثل و كذا لو بان العبد حرا.

و لو قبضت المعيّن صداقا، ثمّ وجدت به عيبا، فلها الردّ و أخذ المثل الصحيح.

و لو حدث العيب بعد العقد فلها الأرش لأنّه في مقابل الجزء الفائت المضمون بالمقابل كالكلّ و لو تلف قبل القبض فلها القيمة وقت التلف الذي هو وقت استقرار القيمة.

و لو عقد سرّا و جهرا بمهرين، فالصحيح الأوّل سرّا كان أو جهرا؛ لأنّ الأخير باطل.

و يستحبّ تقليله بلا خلاف ظاهرا و يكره تجاوز مهر السنّة و حرّمه المرتضى (3) على ما حكي عنه، و هو ضعيف محجوج عليه بالروايات الكثيرة (4).

و الدخول قبل تقديمه أي المهر، كلا أو بعضه (5) أو هديّة لرواية

____________

(1) من «ع» و «ص».

(2) من «ع» و «ص»، و محله مخترم في «ق».

(3) الانتصار: 124- 125.

(4) الوسائل 15: 19- 44، الأبواب 9 و 24 و 35 من أبواب المهور.

(5) في «ع» و «ص»: بعضا.

265

أبي بصير (1) الظاهرة في التحريم، المحمولة على الكراهة بقرينة رواية عبد الحميد الطائي (2).

و اعلم أنّ الزوجة لها الامتناع من الدخول قبل قبضه أي قبض المهر؛ لأنّ الوطء و المهر بمنزلة العوضين، لصاحب أحدهما الامتناع حتّى يقبض الآخر، و لا يجبر أحدهما على التسليم قبل الآخر، فطريق الجمع لو أرادا التقابض و تشاحّا في التقديم و التأخير: إمّا بإقباض المهر أوّلا، و إمّا بوضعه في يد من يتّفقان عليه، فإذا مكّنت نفسها سلّم المهر إليها أو تسلّم عنها.

هذا كلّه ممّا لا خلاف فيه إذا كان قبل الدخول، و أمّا بعد الدخول فليس لها الامتناع على رأي قوي؛ لتسلّط الزوج على البضع، و حصول التقابض في الجملة، مع يسار الزوج و حلول المهر و قابليّة الزوجة للوطء.

و إن كان معسرا (3) فالحكم أيضا كذلك على ما نسب إلى الأكثر (4)؛ لأنّ الوجه المتقدّم جار هنا، و وجه العدم: المنع من مطالبة المعسر، فيجب عليها تسليم حقّه إليه إذا طالبه؛ لأنّ الامتناع ظلم عرفا، فيحرم شرعا، سيّما مع علمها قبل العقد بإعساره.

____________

(1) الوسائل 15: 12، الباب 7 من أبواب المهور، الحديث الأوّل.

(2) الوسائل 15: 16، الباب 8 من أبواب المهور، الحديث 9.

(3) وردت هذه العبارة في الإرشاد قبل عبارة: «لا بعد الدخول على رأي»، انظر إرشاد الأذهان 2: 15.

(4) نسبه صاحب المدارك في نهاية المرام (1: 414) إلى الأكثر.

266

و منع أنّ له المطالبة مع عدم إقباض المهر، و أنّه مصادرة، يدفعه؛ ثبوت استحقاق البضع بنفس العقد و تحقّق الزوجيّة، بل يشمله- حينئذ- كلّ ما دلّ على حرمة امتناع الزوجة و نشوزها، بل قد يمنع أصل الحكم في المسألة رأسا حتّى مع اليسار، لأجل الوجه الذي ذكرناه، كما حكي عن السيّد في شرح النافع (1)، و مال إليه في الحدائق (2)، و سبقهما إلى الخدشة في نظير المسألة المحقّق الأردبيلي في مسألة تقابض العوضين في البيع (3).

و أمّا إذا لم تكن الزوجة قابلة للوطء لصغرها، ففيه قولان: من امتناع التقابض، و من أنّ الصداق حقّ ثابت، طلبه المستحقّ فوجب دفعه إليه، و عدم قبض مقابله قد أقدم الزوج عليه حيث عقد عليها كذلك، و هو الأقوى كما في المسالك (4)، و هذا الدليل بعينه يجري في مسألة إعسار الزوج، و القول الأوّل محكيّ عن الشيخ في المبسوط (5).

هذا إذا لم تصلح للاستمتاع، و لو صلحت لغير الوطء ففي وجوب إجابته وجهان: من تحقّق الزوجيّة المقتضية للاستمتاع، و من أنّ المقصود الذاتي الوطء، و الباقي تابع، فإذا انتفى المتبوع انتفى التابع.

و أمّا إذا لم يكن الصداق حالّا، فإنّ الظاهر عدم الخلاف و

____________

(1) نهاية المرام 1: 413.

(2) الحدائق 24: 471- 472.

(3) مجمع الفائدة 8: 504.

(4) المسالك 1: 432.

(5) المبسوط 4: 316، و حكاه عنه في المسالك 1: 432.

267

حكى في الرياض (1) الإجماع في أنّه ليس لها الامتناع من الدخول؛ إذ لا (2) يجب لها عليه شيء حينئذ، فيبقى وجوب حقّه عليها بغير معارض.

و لدخولها على الرضى بتسليم نفسها قبل قبض العوض، كما لو كان العوض في المعاوضات الصرفة مؤجّلا، أو امتنعت عصيانا للّٰه و لزوجها ثمّ حلّ أجل الصداق، فليس لها أيضا الامتناع بعد الحلول؛ لوجوب تسليم نفسها قبل الحلول، فتستصحب.

و وجه الامتناع: أنّها تستحقّ الصداق حالا، فلها الامتناع عمّا تستحقّه حتّى يسلّمها ما تستحقّه، و الأوّل يحكى عن الأكثر (3).

و إنّما يجب بذله إذا كانت الزوجة مهيّأة للاستمتاع، فلا يلزم تسليمه إلى المحبوسة و الممنوعة بعذر. و إذا سلّم فعليه إمهالها للتنظيف، و البلوغ إذا كانت صغيرة و الصحّة إذا كانت مريضة لا للجهاز و الحيض؛ فإنّه يستمتع بما دون الفرج.

ثمّ اعلم أنّ المحكيّ عن السيّد في شرح النافع (4) الخدشة في أصل (5) هذا الحكم- و هو جواز الامتناع للزوجة إن لم يكن المسألة [إجماعيّة] (6)- بأنّ مقتضى العقد استحقاق الزوج لحقّ البضع و جواز الاستمتاع. و إن وجب

____________

(1) الرياض 2: 149.

(2) في «ع» و «ص»: و لا.

(3) حكاه الشهيد الثاني في المسالك 1: 432.

(4) انظر نهاية المرام 1: 413- 415.

(5) ليس في «ع» و «ص»: أصل.

(6) من «ع» و «ص».

268

عليه أداء الصداق مع المطالبة و الحلول، سيّما بملاحظة ما دلّ على وجوب إطاعة الزوج و حرمة النشوز و الامتناع.

اللّٰهمّ إلّا أن يقال: إنّ إطلاق العقد في عقود المعاوضة و ما يشبهها يقتضي التراضي على هذا الوجه، فالامتناع من تسليم أحد العوضين قبل تسلّم الآخر لا يعدّ نقضا للعقد، و ليس خروجا عن الوفاء بمقتضاه؛ لأنّ أحدا من المتعاقدين لم يلتزم إلّا بالتمليك و إقباض ما ملّكه مع قبض ما ملكه، لا مطلقا.

و دعوى أنّ العقد إذا اقتضى الملك لزمه وجوب رفع اليد عنه؛ لعموم «الناس مسلّطون على أموالهم» (1)، مدفوعة بمنع الملازمة إذا كان إطلاق العقد- الذي هو منشأ الملكية- منصرفا إلى النحو المذكور، و هذا الكلام يجري في النكاح بنحو من التقريب، مع أنّه يمكن أن يستدلّ على جواز امتناعها إن امتنع الزوج من المهر مع التمكّن بآية جواز الاعتداء بالمثل (2).

____________

(1) عوالي اللئالي 1: 222، الحديث 99.

(2) البقرة: 194.

269

المطلب الثاني في التفويض

و هو قسمان:

تفويض البضع، و هو إخلاء العقد عن المهر أصلا بأمر مستحقّه.

و هو صحيح بلا خلاف، كما ادّعاه غير واحد (1)، سواء أهملاه، أو شرطا عدمه.

و لو شرطا عدمه في الحال و المآل على وجه يشمل ما بعد الدخول، فسد العقد، على ما نسب إلى الأشهر (2)؛ لمنافاته لمقتضى العقد.

و فيه تأمّل؛ لأنّ العقد لا يقتضي ثبوت المهر بالدخول، نعم انتفاء المهر مع الدخول مخالف للمشروع، فبطلانه من جهة عدم مشروعيّته؛ فإنّه بمنزلة

____________

(1) كالشيخ الطوسي في المبسوط 4: 294، و ابن زهرة في الغنية (الجوامع الفقهية):

548، و المحقق في الشرائع 2: 326، و العلامة في القواعد 2: 39، و السيد صاحب المدارك في نهاية المرام 1: 373، و غيرهم.

(2) نسبه السيد الطباطبائي في الرياض (2: 141) إلى الأشهر.

270

الهبة التي لا تحلّ إلّا لرسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم)، كما في الخبر (1)، و أمّا لغيره فلا يصلح نكاح (2) إلّا بمهر، و في المسألة قول بالصحّة، و قول آخر بفساد التفويض دون العقد، فيجب مهر المثل، كما لو شرط في المهر ما يفسده تمسّكا بأصالة اللزوم.

و التفويض إنّما يتحقّق في الرشيدة؛ لأنّ المهر بيدها دون الصغيرة و السفيهة و هو واضح.

و لو زوّجها (3) الوليّ بدون مهر المثل فقد مرّ حكمه و أنّ لها الاعتراض إذا بلغت إذا زوّجها به من غير مصلحة أو مطلقا.

و لو زوّجها (4) مفوّضة، فالأقرب هنا أيضا الصحّة مع المصلحة، و إلّا يكن مصلحة ثبت مهر المثل مع التفويض.

و حيث يصحّ التفويض فلو تزوّجها و لم يذكر مهرا أو شرطا سقوطه، صحّ العقد لكن لا يقتضي مهرا أصلا، بلا خلاف كما يظهر من المسالك (5) و الرياض (6)؛ لعدم ثبوت المقتضي له فإن دخل فلها مهر المثل لأنّه بمنزلة القيمة للبضع.

و يعتبر فيه حال المرأة في الشرف و الجمال و غيرهما ممّا يتفاوت به المهر من العقل و الأدب و البكارة و حسن التدبير و نحو ذلك، كلّ ذلك

____________

(1) الوسائل 14: 198، الباب 2 من أبواب عقد النكاح.

(2) ليس في «ع» و «ص»: نكاح.

(3) في «ق»: زوّجهما- في الموضعين.

(4) في «ق»: زوّجهما- في الموضعين.

(5) انظر المسالك 1: 432.

(6) انظر الرياض 2: 141.

271

مع مراعاة عادة أهلها المستقرّين في بلدها، أو ما يساويه من حيث العادة في المهر.

و المعتبر في الأهل: أقاربها من الطرفين ما لم يتجاوز خمسمائة درهم و هو مهر السنّة؛ للمرويّ عن أبي بصير (1)، المضعّف سندا و دلالة.

و من ثمّ قيل (2) بعدم تقييده بذلك؛ لإطلاق الأخبار أنّ لها صداق نسائها، مع اعتضادها بقاعدة أنّ مهر المثل بمنزلة القيمة للبضع (3).

و إن طلّق قبل الدخول فلها المتعة بلا خلاف ظاهر؛ للآية (4) و الأخبار (5) المدّعى [تواترها] (6)، و مقتضى إطلاقها ثبوتها لها حرّة كانت أو أمة.

و إنّما يعتبر المتعة بحاله، فالموسر يتمتّع بالدابّة أو الثوب المرتفع أو عشرة دنانير، و المتوسّط بخمسة أو الثوب المتوسّط، و الفقير بالدينار أو الخاتم (7) و شبهه [و] (8) كلّ ذلك على وجه المثال، و المناط [اللازم

____________

(1) الوسائل 15: 25، الباب 13 من أبواب المهور، الحديث 2.

(2) في «ع» و «ص»: و منهم من قال.

(3) انظر نهاية المرام 1: 377، و الحدائق 24: 481.

(4) البقرة: 236.

(5) الوسائل 15: 54- 59، الباب 48- 50 من أبواب المهور، و ادّعى تواترها صاحب الجواهر، راجع الجواهر 31: 51.

(6) من «ع» و «ص».

(7) في «ع» و الإرشاد: و الخاتم.

(8) من «ع» و «ص».

272

هو] (1) المتاع بالمعروف كما في الآية (2).

و لو مات أحدهما قبل الدخول المقتضي لمهر المثل و قبل الفرض فلا مهر و لا متعة؛ لعدم المقتضي، فإنّ المقتضي هو الدخول أو الفرض، خلافا للمحكي عن المبسوط (3)، فأثبتها بما يقع من طلاق أو فسخ أو من قبلهما، دون ما كان من قبلها، و حكي (4) ثبوتها في الجميع أيضا.

أمّا الدخول فقد عرفت و أمّا الفرض فلأنّه لو عيّناه بعد العقد جاز و لزم؛ لأنّ الحقّ منحصر فيهما و إن زاد عن مهر المثل أو نقص فإنّ مهر المثل قد عرفت أنّه بمنزلة القيمة التي لا يمنع من تراضي المتعاقدين على أزيد منها أو أقلّ و إن طلّقها (5) قبل الدخول، فلها نصفه؛ لقوله تعالى فَنِصْفُ مٰا فَرَضْتُمْ (6).

و لو زوّج أمته مفوّضة صحّ [أيضا] (7) بلا خلاف، فإذا باعها مولاها كان فرض المهر بين الزوج و المشتري، و هو المولى الثاني- إن أجاز جاز النكاح- و له المهر؛ لحدوث الاستحقاق في ملكه دون الأوّل إذ لم يقع في ملكه إلّا العقد الذي لا يقتضي المهر في المفوّضة، مضافا

____________

(1) من «ع» و «ص».

(2) البقرة: 236.

(3) حكاه عنه في المسالك 1: 432.

(4) حكاه الشهيد في المسالك 1: 432، و انظر المختلف: 545.

(5) في «ص»: طلّقها حينئذ.

(6) البقرة: 237.

(7) من «ع» و «ص».

273

إلى ما عرفت من أنّ إجازة المشتري بمنزلة العقد المستأنف.

و لو أعتقها المولى المزوّج على وجه التفويض، فالمهر لها إن أجازت العقد بعد العتق؛ لحدوث استحقاقها حين حرّيتها، و لم يحدث في ملك المولى إلّا العقد.

274

و القسم الثاني من التفويض: تفويض المهر.

و هو ما لو تزوّجها بحكم أحدهما صحّ، و يلزم الزوج ما يحكم به الحاكم منهما قليلا كان أو كثيرا- إلّا أن تكون الحاكمة هي المرأة فإنّها لا تتجاوز السنّة بالاتّفاق، كما ادّعاه في المسالك (1)؛ لبعض الروايات (2).

فإن طلّقها قبل الدخول الزم من إليه الحكم به أي: بالفرض، و إذا فرض ثبت لها نصفه، و لو مات الحاكم قبله فلها المتعة على رأي المصنّف، و حكي عن جماعة (3)؛ للمصحّح (4) و لا شيء على رأي محكي عن الإسكافي (5) و الشيخ في الخلاف (6) و ابن إدريس (7)؛ للأصل و طرح الرواية.

و للمرأة طلب الفرض، و لها حبس نفسها بعد الدخول للفرض لا لتسليم المفروض؛ لما سبق من أنّه ليس لها الامتناع بعد الدخول.

____________

(1) المسالك 1: 434، و فيه عند جميع الأصحاب.

(2) الوسائل 15: 32، الباب 20 من أبواب المهور، الحديث الأول.

(3) منهم الشيخ في النهاية: 472، و القاضي في المهذب 2: 206، و ابن حمزة في الوسيلة: 296، و غيرهم، راجع المسالك 1: 435.

(4) الوسائل 15: 32، الباب 21 من أبواب المهور، الحديث 2.

(5) حكاه عنه صاحب المدارك في نهاية المرام 1: 381.

(6) حكاه الحلي في السرائر 2: 587، و صاحب المدارك في نهاية المرام 1: 381، و غيرهما، و لكن لم نقف عليه في الخلاف.

(7) السرائر 2: 587.

275

و لو أسقطت حقّ طلب الفرض لم يسقط لأنّها ما دامت مستحقّة لعوض بضعها لها المطالبة بتعيينه.

276

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

277

المطلب الثالث في الأحكام

تملك (1) المرأة المعقودة الصداق المسمّى في العقد بنفس العقد على الأشهر، بل عن الحلّي (2) نفي الخلاف فيه، و لعلّه حمل مذهب الإسكافي على أنّ الملك المستقرّ للنصف موقوف على الدخول، كما احتمله في كشف اللثام (3).

و كيف كان، فيدلّ على مذهب المشهور: أنّ مقتضى نفس العقد تملّكها للصداق من غير توقّف على شيء آخر، كما في كلّ العقود.

مضافا إلى ما ورد في موثقة عبيد بن زرارة: من كون نماء الصداق قبل الطلاق لها (4)، و ما دلّ على جواز إبرائه من الصداق [كموثقة سماعة

____________

(1) في «ع» و «ص»: هو تملّك.

(2) السرائر 2: 585.

(3) كشف اللثام 2: 86.

(4) الوسائل 15: 43، الباب 34 من أبواب المهور، الحديث الأوّل.

278

المروية في باب المتعة من التهذيب (1)، و نحوها رواية (2) شهاب بن عبد ربّه] (3).

و يرد عليه: المراد نصف ما أبرأته منه؛ إذ لو لا تملّكها له لبطل الإبراء في النصف، فلا وجه لردّ مثل النصف (4) إليه.

و ما دلّ على استحباب تصدّق الزوجة بالصداق على الزوج قبل الدخول (5)، مع أنّه لا صدقة إلّا فيما يملك.

و لا يعتبر في تملّكها القبض إجماعا (6) و لا في تصرّفها، بل تتصرّف فيه بالبيع و نحوه قبل القبض على المشهور، خلافا للمحكي عن الشيخ (7)؛ للنهي عن بيع ما لم يقبض (8). و هو ضعيف؛ لاختصاص النهي بالبيع، أو المبيع بما اشترى قبل القبض، و عدم مقاومته للقاعدة المستفادة من

____________

(1) التهذيب 7: 374، الحديث 1513، و الوسائل 14: 483، الباب 30 من أبواب المتعة، الحديث الأوّل.

(2) التهذيب 7: 374، الحديث 1511، و الوسائل 15: 50، الباب 41 من أبواب المهور، الحديث الأوّل.

(3) من «ع» و «ص»، و محله منخرم في «ق».

(4) في «ع» و «ص»: نصف المثل.

(5) الوسائل 15: 36، الباب 26 من أبواب المهور.

(6) ليس في «ع» و «ص»: إجماعا.

(7) الخلاف 4: 370، كتاب الصداق، المسألة 7.

(8) التهذيب 7: 231، الحديث 1006، و الوسائل 12: 382، الباب 10 من أبواب أحكام العقود، الحديث 6.

279

الأدلّة القطعية من تسلّط الناس على أموالهم (1).

فإن طلّق قبل الدخول رجع بنصفه كتابا (2) و سنّة (3) و إجماعا فإن عفت المطلّقة عمّا استقرّ ملكها عليه- و هو النصف- فله الجميع و للأب و الجدّ له أي للأب العفو لكن عن البعض.

أمّا تسلّطهما على العفو؛ فلولايتهما عليها، و هل يعتبر المصلحة أو لا؟

وجهان، أحوطهما الأوّل، و أقواهما الثاني.

و أمّا عدم جواز العفو عن الكلّ؛ فلرواية رفاعة (4)، و الظاهر أنّ موردها صورة عدم المصلحة في العفو عن الكلّ، و إلّا فالظاهر جوازه كما عن (5) المختلف (6) و الجامع (7)، و مال إليه في الكشف (8)، على ما حكي (9)،؛ لعموم ما دلّ على جواز قيامه بمصالح المولّى عليه، بل وجوبه (10)، فهذا أيضا

____________

(1) عوالي اللئالي 1: 222، الحديث 99.

(2) البقرة: 237.

(3) راجع الوسائل 15: 43 و 44، الباب 34 و 35 من أبواب المهور، و غيرهما من الأبواب.

(4) الوسائل 14: 213، الباب 8 من أبواب عقد النكاح و أولياء العقد، الحديث 3.

(5) في «ع» و «ص»: في.

(6) المختلف: 538.

(7) الجامع للشرائع: 442.

(8) كشف اللثام 2: 89.

(9) حكاه صاحب الجواهر في الجواهر 31: 116.

(10) انظر الوسائل 12: 195، الباب 78، من أبواب ما يكتسب به، الأحاديث 1 و 3 و 8، و غيرها.

280

قرينة على أنّ العفو عن البعض لا يناط بالمصلحة، إذ معها يجوز العفو عن الكلّ، هذا إن عفت الزوجة أو وليّها.

و إن عفا الزوج فلها على وجه الاستقرار الجميع، و ليس لوليّه الذي يطلّق عنه مع جنونه المتّصل بالبلوغ أو مطلقا، العفو عن شيء من حقّه؛ لعدم الدليل، و الظاهر الجواز مع المصلحة؛ للعمومات.

ثمّ إن كان الصداق دينا عليه، فعفت الزوجة أو وليها، أو أقبضها و تلفت في يدها، فعفى الزوج، فالعفو إبراء، و إلّا يكن شيء منها بل (1) كانت عينا ظاهرة في يد أحدهما، فالعفو هبة لا بدّ فيها (2) من لفظ صريح أو ظاهر في الإيجاب، و قول أو فعل ظاهر في القبول، و قبض إن لم يكن في يد الموهوب.

و لو طلّق الزوج بعد البيع أو الرهن أو التدبير [أو العتق] (3) و التلف (4) (5).

و إن (6) لم يكن من قبلها، رجع بنصف مثله في المثلي، و بنصف القيمة

____________

(1) يكن شيء منها بل: لم ترد في «ص» و «ع» و ورد محلّها: و إن.

(2) في «ع» و «ص»: فيه.

(3) من «ع» و المصدر.

(4) في «ع» و «ص»: أو الرهن أو التدبير أو العتق أو التلف.

(5) ورد في آخر «ع» و «ص» ما يلي: هذا آخر ما وجد بخطّه الشريف (قدّس سرّه) في النكاح.

تمّ كتاب النكاح و يتلوه كتاب الرضاع، الحمد للّٰه أوّلا و آخرا.

(6) من هنا إلى آخر المطلب من الإرشاد، و لم نقف على شرح المؤلّف (قدّس سرّه) له في ما بأيدينا من النسخ.

281

في غيره، و يلزمها أقلّ الأمرين من القيمة وقت العقد و القبض، و لو تلف البعض فله نصف الباقي و نصف بدل التالف، و لو تعيّب فله نصف القيمة، و لو نقصت قيمة السوق أو زادت فله نصف العين، و لو زادت بكبر أو سمن أو تعلّم صنعة فله نصف قيمة ما دون الزيادة، و النماء المنفصل لها.

و لو دخل قبلا أو دبرا استقرّ المسمّى أجمع في ذمته و كان دينا عليه، و لا يسقط بترك المطالبة طويلا، و كذا لو مات أحدهما، و لا يستقرّ بالخلوة على رأي.

و لو أبرأته ثمّ طلّقها قبل الدخول أو خلعها به قبله رجع عليها بالنصف، و لو عوضها بشيء رجع بنصف المسمّى لا العوض، و لو لم يسمّ و قدّم لها شيئا ثم دخل فهو المهر، إلّا أن تشارطه قبل الدخول.

و لو شرط غير السائغ- مثل أن لا يتسرّى أو لا يتزوّج- بطل الشرط خاصة، و لو شرط عدم الافتضاض لزم، فإن أذنت بعده جاز، و لو شرطا الخيار في الصداق صح، و لو شرطاه في النكاح بطل العقد، و لو شرط عدم خروجها من بلدها لزم على رأي، و لو شرط زيادة المهر مع الإخراج فأخرجها إلى بلد الشرك لم تجب إجابته و لها الزائد، و إن أخرجها إلى بلد الإسلام لزم الشرط.

و لو زوّج ابنه الصغير الموسر فالمهر على الولد، و لو كان فقيرا فالمهر على عهدة الأب يخرج من صلب التركة، سواء بلغ الولد و أيسر قبل موت الأب أو بعده.

فإن دفع الأب ثمّ طلّق بعد بلوغه رجع النصف إلى الولد، و كذا لو تبرع بقضائه عن البالغ.

و كلّ من وطأ بشبهة فعليه المهر، و لا مهر للزانية، فإن أكرهها الزاني فلها مهر المثل

282

مسائل النزاع (1)

لو اختلفا في قدر المهر، أو وصفه، أو في أنّ المدفوع مهر أو هبة، أو في المواقعة على رأي و لا بينة قدّم قول الزوج مع يمينه.

و لو اختلفا في التسليم، أو قالت علّمني غير المهر، أو أقامت بينة بالعقد مرتين فادعى التكرار قدّم قول المرأة مع اليمين، و يلزمه في الأخير مهران على رأي، و مهر و نصف على رأي.

و لو ادعت التسمية و أنكرها فالقول قوله، و لو أنكر أصل المهر بعد الدخول فالوجه مهر المثل على رأي.

و لو قال: أصدقتك العبد، فقالت: بل الأمة، تحالفا و يثبت مهر المثل مع الدخول، و لو كان دعواه إصداق أبيها فكذلك و يعتق عليه.

____________

(1) هذه المسائل من الإرشاد، و لم نقف على شرح المؤلّف (قدّس سرّه) لها في ما بأيدينا من النسخ.

283

المقصد الثّالث في المحرّمات

و فيه مطلبان

284

المطلب الأوّل في المحرّمات بالنسب و الرضاع

و هي ثمانية: الأم و إن علت، و البنت و إن نزلت، و بنات الابن و إن نزلن، و الأخت، و بناتها و إن نزلن، و العمّات و إن علون، و الخالات كذلك، و بنات الأخ و إن نزلن.

و يحرم على النساء مثلهن من الرجال، سواء كان النسب عن نكاح صحيح، أو شبهة، أو زنى و إن انتفى شرعا. و كلّ من حرم بالنسب حرم مثله بالرضاع بشروط خمسة (1):

____________

(1) إلى هنا من الإرشاد، و لم نقف على شرح المؤلّف (قدّس سرّه) له، و إنّما كتب في الرضاع رسالة مستقلّة نوردها في ما يلي.

285

بسم اللّٰه الرحمن الرحيم

الحمد للّٰه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على محمّد و آله الطاهرين، و لعنة اللّٰه على أعدائهم أجمعين.

أجمع علماء الإسلام- ظاهرا- على أنّ من جملة أسباب تحريم النكاح:

الرضاع في الجملة، و الأصل في هذا الحكم- قبل الإجماع- قوله (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) فيما رواه الفريقان: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب».

و روي عن الصادق (عليه السلام) أيضا بعدّة طرق صحيحة، و رواه عبد اللّٰه ابن سنان، و أبو الصباح الكناني، و عبيد بن زرارة عن مولانا الصادق (عليه السلام) مع تخالف يسير في المتن.

و معنى هذه العبارة الشريفة: أنّه يحرم من جهة الرضاع نظير من يحرم من جهة النسب، لا أنّ نفس من يحرم من النسب يحرم من جهة الرضاع، كما يتراءى من ظاهر العبارة؛ و إنّما عبّر بهذا للتنبيه على اعتبار اتّحاد العنوان الحاصل بالرضاع و الحاصل بالنسب في التحريم صنفا؛ مثلا الامّ محرّمة من جهة النسب، فإذا حصل بالرضاع نفس هذا العنوان حصل

286

التحريم من جهة الرضاع، و لو حصل بالرضاع ما يلازمه- مثل أمومة أخيه لأبويه- لم يحرم، و كذلك الأخت و البنت و غيرهما ممّن يحرم نكاحه بواسطة النسب الحاصل بين شخصين، أو بين أحدهما و زوج الآخر، أو من في حكمه؛ فإنّ أمّ الزوجة محرّمة على الزوج من جهة نسب بينها و بين الزوجة يحدث باعتباره المصاهرة بعد التزويج، و كذلك الامّ الرضاعيّة للزوجة.

فحاصل معنى هذا الحديث: التسوية بين النسب و الرضاع في إيجاب التحريم، و أنّ العلاقة الرضاعيّة تقوم مقام العلاقة النسبيّة، و تنزل مكانها؛ فلا يتوهّم أنّ تحريم أمّ الزوجة من جهة المصاهرة، فينبغي أن لا تحرم من جهة الرضاع.

توضيح الدفع: أنّ معنى هذه القضيّة السلبيّة- و هي «أنّ المحرّم من جهة المصاهرة لا يحرم من جهة الرضاع» على قياس تلك القضيّة الموجبة- هو: أنّ الرضاع لا يقوم مقام المصاهرة و لا ينزّل منزلتها؛ فإذا أرضعت ولدك امرأة فلا تحرم عليك أمّها من حيث إنّها جدّة ولدك لأمّه الرضاعيّة، من جهة أنّ جدّه الولد لأمّه إنّما تحرم على الأب لأجل نسب بينها و بين زوجته، و لا شكّ أنّ الزوجيّة هنا منتفية، و مجرّد إرضاع ولد الرجل لا يصيّر المرضعة في حكم الزوجة، لما عرفت من أنّ الرضاع لا يقوم مقام المصاهرة.

و أمّا أمّ الزوجة المرضعة لها- في المثال الذي قدّمناه- فإنّما قامت مقام أمّها الوالدة لها؛ فقد قام الرضاع مقام النسب، لا مقام المصاهرة، لأنّ زوجيّة الزوجة ثابتة بنفسها لم يبدّل بالرضاع، و إنّما المبدل به النسب الحاصل بين الامّ و الزوجة.

و ملخّص الكلام أنّه لمّا كانت المصاهرة عبارة عن علاقة تحدث بين كلّ من الزوجين و أقارب الآخر، توقّف وجودها على أمرين: ثبوت

287

الزوجيّة بين الرجل و المرأة، و ثبوت القرابة و النسب بين شخص و بين أحدهما؛ فكما يمكن استناد التحريم إلى المصاهرة الحاصلة بين المحرّم و المحرّم عليه من مجموع ذينك الأمرين، فكذلك يمكن استناده إلى الأمر الأوّل من الأمرين، بأن يقال: إنّه تحرم أمّ الزوجة على الزوج من جهة زوجيّة بنتها له، و كذلك يمكن استناده إلى الأمر الثاني، فيقال: إنّه تحرم أمّ الزوجة على الزوج لأجل نسب بينها و بين زوجته، و لا يوجب ذلك عدّها في المحرّمات النسبيّة، من جهة قصرها على ما استند فيه التحريم إلى النسب الحاصل بين المحرّم و المحرّم عليه؛ قبالا للمصاهرة الحاصلة بينهما.

إذا عرفت ذلك، فدخول الرضاع في المصاهرة، إمّا بقيامه مقام الأمر الأوّل من الأمرين المذكورين، مع بقاء الأمر الثاني بحاله، كالأمّ النسبيّة للأمّ الرضاعيّة للولد، النازلة منزلة الزوجة، و إمّا بقيامه مقام الأمر الثاني منهما، كالأمّ الرضاعيّة للزوجة الحقيقيّة.

ففي الأوّل: لا مجال لتوهّم نشر التحريم بالرضاع، إلّا إذا دلّ دليل خاصّ عليه، لأنّ حاصل أدلّة النشر بالرضاع إلحاقه بالنسب، و جعل كلّ عنوان حاصل بالرضاع في حكم ذلك العنوان الحاصل بالنسب؛ و معلوم أنّه لم ينتف هنا إلّا الزوجيّة، و لم يدلّ دليل النشر على تنزيل مرضعة الولد مقام الزوجة.

و في الثاني: لا ينبغي التأمّل في التحريم؛ لأنّه إذا الحق العنوان الرضاعي بالعنوان النسبي في التحريم، و أقيم الرضاع مقام النسب في إناطة التحريم به، فلا شكّ [في أنّه] (1) تكون الامّ الرضاعيّة للزوجة بمنزلة الأمّ

____________

(1) لم يرد في «ق».

288

النسبيّة لها.

و لعلّ منشأ توهّم عدم استفادة تحريم مثل هذا من الحديث المذكور توهّم كون المراد بلفظ «النسب» فيه، النسب الحاصل بين المحرّم و المحرّم عليه، على حدّ قولهم: «سبب التحريم إمّا نسب، أو رضاع، أو مصاهرة»، و هذا خبط فاسد، فإنّه تقييد للمطلق من غير دليل، بل المراد منه هو مطلق النسب الموجب للتحريم سواء كان بين نفس المحرّم و المحرّم عليه، أم بين أحدهما و زوج الآخر، أو غيره، مثل المزنيّ بها و الغلام الموطوء و الملموسة و من هنا يصحّ التمسّك بهذا الحديث في تحريم مرضعة الغلام الموقب و أخته و بنته الرضاعيّتين على الموقب، و إلّا فأيّ نسب بينها و بين الموقب؟! و أمّا دعوى أنّ التحريم في غير المحرّمات النسبيّة السبع ليس من جهة النسب، بل هو مستند إلى المصاهرة، فقد عرفت الحال فيها، و أنّه يجوز استناد التحريم فيه إلى نفس المصاهرة و إلى كلّ واحد من الأمرين اللّذين يتوقّف وجودها عليهما.

ثمّ اعلم أنّ انتشار الحرمة بالرضاع يتوقّف على شروط.

الأوّل: أن يكون اللّبن عن وطء صحيح فلو درّ لا عن وطء أو عن وطء بالزنا، لم ينشر (1) ..

____________

(1) يبدو من نسخة «ق»- و هي المصوّرة من النسخة الأصليّة- أنّه أعرض عمّا كتبه إلى هنا، و بدأ بالكتابة من جديد، حيث كتب في هامش الصفحة الثالثة: «بسم اللّٰه الرحمن الرحيم، أجمع علماء الإسلام .. إلخ»، و جعله أوّل الكتاب، ثمّ ربطه بقوله: «لم ينشر على المعروف بين الأصحاب.»، و يؤيّد الإعراض عدم ورود هذا المقدار في نسخة خطيّة أخرى، و لكن ورد المقدار المعرض عنه في النسخ المطبوعة.

289

[ما يعتبر في نشر الحرمة في الرضاع]

بسم اللّٰه الرحمن الرحيم

[أجمع علماء الإسلام على أنّ من جملة أسباب تحريم النكاح:

الرضاع في الجملة، و الأصل فيه- قبل الإجماع- قوله (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) فيما رواه الفريقان: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» (1).

و رواه عدّة من أصحابنا في الصحيح و غيره عن أبي عبد اللّٰه و أبي الحسن (عليهما السلام) (2).

ثمّ إنّ كونه سببا في التحريم يتوقّف على أمور:

الأوّل: أن يكون اللبن عن وطء صحيح

فلو درّ لا عن وطء أو عن

____________

(1) الوسائل 14: 280، الباب الأوّل من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 1 و 7.

و كنز العمّال 6: 271، الحديث: 15660.

(2) الوسائل 14: 280، الباب الأوّل من أبواب ما يحرم بالرضاع.

290

وطء بالزنا، لم ينشر] (1) على المعروف بين الأصحاب، و حكى عليه الإجماع في المدارك عن جماعة (2) منهم جدّه في المسالك (3)؛ للأصل، فإنّ إطلاقات التحريم بالرضاع منصرفة إلى غير ذلك.

و صحيحة عبد اللّٰه بن سنان: «قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن لبن الفحل؟ قال: هو ما أرضعت امرأتك من لبنك و لبن ولدك ولد امرأة أخرى، فهو حرام» (4).

و مثلها حسنته بابن هاشم: «ما أرضعت امرأتك من لبن ولدك ولد امرأة أخرى» (5).

و يستفاد من اشتراط كون اللّبن عن الوطء أنّه لا حكم للبن الرجل، و في حكمه لبن الخنثى المشكل أمره، بناء على أنّه لو علم كون لبنه من الوطء، فلا إشكال في كونها امرأة، إلّا ما ورد في بعض الأخبار: من أنّ خنثى ولدت و أولدت في أيّام أمير المؤمنين، فألحقه (عليه السلام) بالرجال بعد عدّ أضلاعه (6).

____________

(1) لم يرد ما بين المعقوفتين في النسخ المطبوعة.

(2) كذا في النسخ، و لم يخرج من مدارك الأحكام إلّا العبادات إلى آخر كتاب الحجّ، و ما نسبه إليه موجود في نهاية المرام 1: 100، لصاحب المدارك (قدّس سرّه)، و لعلّ المؤلف (قدّس سرّه) كان يراها تتمّة للمدارك، و اللّٰه أعلم.

(3) المسالك 1: 371.

(4) الوسائل 14: 294، الباب 6 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 4.

(5) نفس المصدر: ذيل الحديث 4.

(6) الفقيه 4: 328، الحديث 5704.

291

و عدّ في التحرير هذا الخبر من الشواذّ (1).

و لا حكم أيضا للبن المرأة الموطوءة الغير الحاصل من الوطء، فإنّ اللبن إنّما يحصل عن الوطء بعد العلوق و الحمل و تخلّق الولد؛ و قد استفيد جميع ذلك من الصحيحة المتقدّمة.

و هل يعتبر انفصال الولد، أو يكفي الحمل؟ وجهان، بل قولان، اختار العلّامة أوّلهما في التحرير (2) و ثانيهما في القواعد (3) و هو الأظهر، للإطلاقات، و قول الصادق (عليه السلام) في صحيحة بريد العجلي: «كلّ امرأة أرضعت من لبن فحلها ولد امرأة أخرى- من غلام أو جارية- فذلك الرضاع الذي قال رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم)» (4).

إلى غير ذلك ممّا دلّ من الصحاح و غيرها على إناطة التحريم بكون اللبن من الفحل، كصحيحة الحلبي (5) و موثّقة جميل بن درّاج- بأحمد بن فضّال (6)- و رواية أبي بصير (7)، و لا ينافيها قوله في صحيحة ابن سنان و حسنته المتقدّمتين: «من لبن ولدك»؛ إذ يصدق على ذلك اللبن أيضا: أنّه لبن الولد، كما يشهد به العرف.

و دعوى عدم صدق الولد مضافا إلى الأب على الحمل، محلّ نظر، مع

____________

(1) التحرير 2: 12.

(2) التحرير 2: 9.

(3) القواعد 2: 9.

(4) الوسائل 14: 293، الباب 6 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث الأوّل.

(5) الوسائل 14: 294، الباب 6 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 3.

(6) الوسائل 14: 306، الباب 15 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 3.

(7) الوسائل 14: 294، الباب 6 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 5.

292

أنّها غير قادحة فيما نحن فيه، لأنّ وجود الولد بالفعل لا يعتبر في إضافة اللبن إليه.

نعم، في روايتي يونس بن يعقوب و يعقوب بن شعيب: أنّ درّ اللبن من غير ولادة لا يوجب النشر (1). لكنّهما- مع عدم صحّتهما- قابلتان للحمل على درّ اللبن من غير ولادة رأسا حتّى في المستقبل، بأن يكون الدرّ لا عن حمل- كما قد يتّفق- فلا ينهضان لتقييد إطلاقات الكتاب و السنّة، إلّا أن يمنع عمومها، لدعوى انصرافها- بحكم الغلبة- إلى الإرضاع بعد الوضع، فيرجع في غيره إلى أصالة الإباحة، فتأمّل.

ثمّ إنّ الوطء الصحيح- المعتبر كون اللبن عنه- يشمل الوطء بالنكاح الدائم، و المنقطع و ملك اليمين و التحليل. و أمّا الوطء بالشبهة: فالمشهور إلحاقه في النشر بالنكاح و أخويه، كما في غالب الأحكام؛ و تردّد فيه المحقّق في الشرائع (2)، و عن الحلّي الجزم بعدم النشر أوّلا، ثمّ بالنشر ثانيا، ثمّ النظر و التردّد ثالثا (3).

و المسألة محلّ إشكال، من إطلاق الكتاب و السنّة، فإنّ الفحل في صحيحة بريد المتقدّمة (4) و غيرها أعمّ من الزوج- و يؤيّده: كون وطء الشبهة بمنزلة النكاح في لحوق النسب- و من الأصل و انصراف الإطلاقات إلى غير هذا الفرد، و قوله في صحيحة ابن سنان و حسنته السابقتين:

____________

(1) الوسائل 14: 302، الباب 9 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 1 و 2.

(2) الشرائع 2: 289.

(3) السرائر 2: 552.

(4) تقدّمت في الصفحة السابقة.

293

«ما أرضعت امرأتك» (1).

و لو بني على دعوى ورود التقييد بالمرأة مورد الغالب جرى مثله في غيره من القيود، فينسدّ باب الاستدلال على اعتبار كثير من الشروط.

و تردّد في المدارك (2) و هو في محلّه، إلّا أنّ القول بالنشر لا يخلو عن قوّة، لأنّ دلالة المطلقات على الإطلاق أقوى من دلالة المقيّد على الاختصاص، مع أنّ تخصيص اللبن بالمرأة- كما فرض استفادته من صحيحة ابن سنان و حسنته و نحوهما- مخالف للإجماع، للاتّفاق على النشر بالارتضاع من المملوكة و المحلّلة، فلا بدّ من حمل التقييد فيها على التمثيل بالفرد الغالب، و إن احتيج في إخراج اللبن الحاصل من الزنا عن إطلاقهما- لو سلّم شمول الولد فيهما لولد الزنا- إلى دعوى الإجماع على خروجه. و يكشف عمّا ذكرنا عدم تصريح أحد من فقهائنا بعدم النشر في المسألة، و لحوق وطء الشبهة بالنكاح في غالب الأحكام.

الثاني من الشروط: كون شرب اللبن على وجه الامتصاص من الثدي

فلا ينشر الحرمة بوجور اللبن في حلق الرضيع- على المعروف بين معظم الأصحاب- لأنّ الارتضاع المنوط به النشر في الأدلّة لا يتحقّق عرفا إلّا بالامتصاص، فلا يقال لمن شرب اللبن المحلوب من البهائم: إنّه ارتضع منها، بخلاف ما لو امتصّ من ثديها، و لو فرض تسليم شمول الارتضاع لغير الامتصاص، فلا مجال لإنكار انصرافه إليه فيبقى الحكم في ما عداه باقيا تحت أصالة الإباحة.

____________

(1) سبقتا في الصفحة: 290.

(2) نهاية المرام لصاحب المدارك (قدّس سرّه) 1: 101، انظر الصفحة: 290، الهامش 2.

294

خلافا للمحكيّ عن ابن الجنيد، فاكتفى بالوجور (1) إمّا لدعوى صدق الإرضاع، و إمّا لحصول ما هو المقصود منه- من إنبات اللحم و شدّ العظم- و إمّا للمرسل المرويّ في الفقيه عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «و جور الصبيّ اللبن بمنزلة الرضاع» (2).

و في الكلّ نظر، لخلوّ الدعوى المذكورة عن البيّنة، كدعوى كون المناط في النشر مجرّد إنبات اللحم و شدّ العظم، و ضعف المرسلة و معارضتها برواية زرارة عن الصادق (عليه السلام): «لا يحرم من الرضاع إلّا ما ارتضع من ثدي واحد حولين كاملين» (3) بناء على جعل الحولين ظرفا لأصل الرضاع، لا لقدره حتّى يخالف الإجماع.

فالأقوى- إذا- القول المشهور، إلّا أنّ الأولى مراعاة الاحتياط.

الثالث: حياة المرتضع منها

فلا اعتداد بما يرتضعه من المرأة بعد موتها على المشهور، بل لم أعثر فيه على حكاية خلاف صريح في المسألة؛ قيل: لقوله تعالى وَ أُمَّهٰاتُكُمُ اللّٰاتِي أَرْضَعْنَكُمْ (4) الظاهرة في مباشرة المرأة للإرضاع المنتفية في حقّ الميّتة، فيدخل في عموم وَ أُحِلَّ لَكُمْ مٰا وَرٰاءَ ذٰلِكُمْ (5) و لأصالة الإباحة إلى أن يثبت المزيل (6). و قيل: لأنّها خرجت

____________

(1) راجع المختلف: 519.

(2) الفقيه 3: 479، الحديث 4683.

(3) الفقيه 3: 477، الحديث 4674.

(4) النساء: 23.

(5) النساء: 24.

(6) ذكره الشهيد الثاني (قدّس سرّه) في المسالك 1: 374.

295

بالموت عن التحاق الأحكام، فهي كالبهيمة المرضعة (1)، و بأنّ المتبادر من إطلاق الرضاع في الأدلّة ما إذا حصل بالارتضاع من الحيّ، فيبقى غيره داخلا في عموم أدلّة الإباحة (2).

و في الجميع نظر: أمّا ظهور الآية في مباشرة الإرضاع: فلا يجدي، للقطع بخروج الميّتة عن حكم الآية، و لا يلزم منه دخولها في قوله وَ أُحِلَّ لَكُمْ مٰا وَرٰاءَ ذٰلِكُمْ؛ لعدم قابليّة الميّت للحكم عليه بالتحريم و لا التحليل، فإنّ الكلام في الارتضاع من الميّتة إنّما هو في حدوث الحرمة بين الرضيع و غير الميّتة ممّن يتعلّق به اللبن، فيكفي لمدّعي النشر عموم قوله تعالى:

وَ أَخَوٰاتُكُمْ مِنَ الرَّضٰاعَةِ (3) و قوله (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم): «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» (4) و لا ظهور لهما في مباشرة المرأة للإرضاع؛ مع أنّ مباشرة المرأة للإرضاع، و قصدها إليه غير شرط إجماعا، كما ادّعاه في المسالك (5) بل لو سعى إليها الولد و هي نائمة، أو التقم ثديها و هي غافلة، تحقّق الحكم.

و ما قيل: من أنّ الآية دالّة بظاهرها على اعتبار الحياة و المباشرة

____________

(1) قاله المحقّق (قدّس سرّه) في الشرائع 2: 283، ثمّ تردّد فيه.

(2) يستفاد الاستدلال بذلك من كلام غير واحد مثل العلّامة في التذكرة 2: 615، و المحقّق الثاني في جامع المقاصد 12: 202، و ثاني الشهيدين في الروضة 5: 156، و السيّد الطباطبائي في الرياض 2: 86.

(3) النساء: 23.

(4) تقدّم تخريجه في الصفحة: 289.

(5) المسالك 1: 374.

296

و القصد- و لا يلزم من عدم اعتبار الأخيرين لصارف عدم اعتبار الأوّل (1)- فاسد، لأنّ دلالة لفظ «الإرضاع» على الجميع دلالة واحدة، فلا يمكن التفكيك في مدلولها؛ و لهذا لم نتمسّك بالأخبار الدالّة على الإرضاع مع سلامتها عن بعض ما يرد على الآية.

و أمّا التمسّك بالأصل: فهو صحيح لو لا الإطلاقات.

و أمّا خروج الميّتة عن قابليّة الحكم عليها: فهو أمر مسلّم و لا كلام فيه، و إنّما الكلام في نشر الحرمة بين الرضيع و أصوله و فروعه، و بين غير هذه المرأة، من الفحل و أولاده و أولاد المرأة (2) و غيرهم.

و أمّا دعوى تبادر غير الارتضاع من الميّتة في الإطلاقات: فهي على إطلاقها ممنوعة؛ فإنّا لا نجد في السبق إلى الذهن تفاوتا بين من ارتضع منه جميع الرضعات حال الحياة، و بين من ارتضع منه حال الحياة خمس عشرة رضعة إلّا جزءا واحدا فأكملها بعد الموت.

نعم، الإنصاف: انصراف الإطلاقات إلى غير صورة ارتضاع جميع الرضعات حال الموت.

فالأحسن في الاستدلال على اعتبار الحياة هو: أنّ بعض فروض الارتضاع من الميّتة خارج عن إطلاق مثل قوله تعالى وَ أَخَوٰاتُكُمْ مِنَ الرَّضٰاعَةِ؛ لانصراف المطلق إلى غيره كما عرفت، فيدخل تحت قوله:

وَ أُحِلَّ لَكُمْ مٰا وَرٰاءَ ذٰلِكُمْ فيثبت عدم النشر في هذا الفرد بالآية، و يجب إلحاق غيره من الفروض الداخلة تحت إطلاق آية التحريم بعدم القول

____________

(1) قاله في الحدائق 23: 363.

(2) في «ش»: و أولاد المرضعة.

297

بالفصل.

و قلب هذا الدليل- بأن يثبت التحريم في الفروض الداخلة تحت إطلاق آية التحريم بها و يلحق الفرض الخارج عنه بعدم القول بالفصل- و إن كان ممكنا، إلّا أنّ غاية الأمر وقوع التعارض حينئذ- بواسطة عدم القول بالفصل- بين آيتي التحريم و التحليل، فيجب الرجوع إلى أدلّة الإباحة، من العمومات و الأصول المعتضدة بفتوى معظم الفحول.

الرابع: أن يقع مجموع الرضاع المعتبر من الرضيع في حولي رضاعه

فلا اعتداد بما يرتضع بعد الحولين على المعروف من مذهب الأصحاب، و نقل عن التذكرة دعوى: إجماعهم عليه (1) و في المسالك: نفي الخلاف عنه (2).

و يدلّ عليه: حسنة الحلبي- بابن هاشم- عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «لا رضاع بعد فطام» (3). و نحوها رواية حمّاد بن عثمان عنه (عليه السلام) بزيادة قوله: «قلت: جعلت فداك، و ما الفطام؟ قال: الحولين اللذين (4) قال اللّٰه عزّ و جلّ» (5). و نحوها رواية الفضل بن عبد الملك: «الرضاع قبل الحولين، قبل أن يفطم» (6). و رواية منصور بن حازم (7).

____________

(1) التذكرة 2: 619.

(2) المسالك 1: 374.

(3) الوسائل 14: 291، الباب 5 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 2.

(4) في الوسائل: الذي.

(5) الوسائل 14: 291، الباب 5 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 5.

(6) الوسائل 14: 291، الباب 5 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 4.

(7) الوسائل 14: 291، الباب 5 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث الأوّل.

298

ثمّ إنّ المراد بالفطام في الأخبار المطلقة هو زمان الفطام- أعني الحولين- كما دلّت عليه روايتا الفضل و حمّاد، فلا عبرة بنفس الفطام، حتّى أنّه لو لم يفطم الرضيع إلى أن تجاوز الحولين، ثمّ ارتضع بعدهما قبل الفطام لم يثبت التحريم، كما أنّه لو فطم قبل الحولين، ثمّ ارتضع قبلهما ثبت التحريم.

و حكي عن ابن الجنيد المخالفة في الحكم الأوّل و ثبوت التحريم إذا وقع الرضاع بعد الحولين قبل الفطم (1) و لعلّه لرواية داود بن الحصين المرويّة في الفقيه (2) و التهذيب (3) المردودة فيه بالمخالفة للأحاديث كلّها، و في كلام محكيّ عن الشهيد: أنّ هذه الفتوى مسبوقة بالإجماع و ملحوقة به (4).

و أمّا الحكم الثاني: فلم يحك فيه الخلاف إلّا عن موهم ظاهر كلام العماني، حيث قال: الرضاع الذي يحرّم عشر رضعات قبل الفطام (5)، و عن المختلف (6) الاستدلال له برواية الفضل بن عبد الملك المتقدّمة: «الرضاع قبل الحولين قبل أن يفطم».

و الجواب عنه: بأنّ المراد: قبل أن يستحقّ الفطم. و هو حسن و جار في عبارة العماني أيضا، فيرتفع الخلاف.

ثمّ إنّه هل يعتبر في ولد المرضعة الذي يحصل اللّبن من ولادته كونه في

____________

(1) كما في المختلف: 519.

(2) الفقيه 3: 476، الحديث 4667.

(3) التهذيب 7: 318، الحديث 22.

(4) غاية المراد: 205.

(5) كما في المختلف: 519.

(6) المصدر السابق.

299

الحولين حين ارتضاع المرتضع من لبنه، بحيث لا يقع شيء من الارتضاع بعد تجاوزه إيّاهما، أم لا؟ فيه قولان:

المحكيّ عن أبي الصلاح، و ابن زهرة و ابن حمزة: الأوّل (1) تمسّكا بظاهر الخبر: «لا رضاع بعد فطام» الشامل لفطام المرتضع و ولد المرضعة، بل لم يفهم منه ابن بكير إلّا فطام ولد المرضعة، لمّا سأله ابن فضّال عن امرأة أرضعت غلاما سنتين، ثمّ أرضعت صبيّة لها أقلّ من سنتين حتّى تمّت لها سنتان (2) أ يفسد ذلك بينهما؟ قال: لا [يفسد ذلك بينهما] (3)؛ لأنّه رضاع بعد فطام، و إنّما قال رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم): «لا رضاع بعد فطام»، أي أنّه إذا تمّ للغلام سنتان، أو الجارية، فقد خرج كلّ عن حدّ اللبن، و لا يفسد بينه و بين من شرب منه (4).

و الأكثر على الثاني؛ و هو الأظهر؛ للأصل و الإطلاقات؛ و لظهور الخبر المذكور في فطام المرتضع، أو عدم ظهوره في العموم الموجب للشكّ في تقييد المطلقات.

و تفسير ابن بكير للخبر معارض بما فسّره به ثقة الإسلام، و الصدوق في الكافي و الفقيه؛ قال في الكافي: معنى قوله: «لا رضاع بعد فطام» إنّ الولد إذا شرب لبن المرأة بعد ما تفطمه لا يحرم ذلك الرضاع التناكح (5). و قريب

____________

(1) الكافي في الفقه: 285، الغنية (الجوامع الفقهيّة): 547، الوسيلة: 301.

(2) في الوسائل: حتّى تمّت السنتان.

(3) الزيادة من الوسائل.

(4) الوسائل 14: 291، الباب 5 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 6.

(5) الكافي 5: 444، الحديث 5.

300

منه ما قاله في الفقيه (1).

ثمّ اعلم: أنّ شيخنا في المسالك ناقش المحقّق في نسبة حديث «لا رضاع بعد فطام» إليه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم)، و قال: إنّه لم يرد إلّا عن الصادق (عليه السلام) (2)، و لا يخفى أنّ إسناد الحديث إلى رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) مشهور؛ و قد عرفت أنّ ابن بكير نسبه إليه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم)، و كذا رواه في الفقيه مرسلا عنه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) (3).

و أصدق من ذلك ما رواه في الكافي عن منصور بن حازم عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: قال رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم): «لا رضاع بعد فطام، و لا وصال في صيام، و لا يتم بعد احتلام .. إلى آخر الحديث» (4). و مع ذلك فلا وجه للمناقشة المذكورة، إلّا أن يرجع إلى المناقشة في الإسناد، مع عدم ثبوت النسبة بطريق صحيح يجوّز الإسناد على وجه الجزم.

ثمّ إنّ المعتبر في الحولين: الأهلّة، و لو انكسر الشهر الأوّل اعتبر ثلاثة و عشرون شهرا بعد المنكسر بالأهلّة، و إكمال المنكسر بالعدد من الشهر الخامس و العشرين، كغيره من الآجال، على أظهر الاحتمالات في نظائر المسألة، و اللّٰه العالم.

الخامس: أن يكون اللبن بحاله غير ممتزج بشيء

فلو القي في فم الصبيّ شيء جامد- كالدقيق و فتيت السكّر-، أو مائع- كيسير من الأطعمة

____________

(1) الفقيه 3: 476، الحديث 4666.

(2) المسالك 1: 375، و فيه: إلّا عن الصادقين (عليهما السلام).

(3) تقدّم آنفا.

(4) تقدّم آنفا.

301

المائعة- ثمّ أرضع بحيث امتزج اللبن حتّى يخرج عن كونه لبنا، لم يعتدّ به، و كذا لو جبّن اللبن؛ و الوجه في ذلك عدم صدق الإطلاقات مع الخروج عن اسم اللبن، أو عدم انصرافها إلّا إلى الخالص.

السادس: الكمّيّة

أي بلوغ الرضاع حدّا خاصّا؛ فإنّه لا خلاف بين علمائنا- ظاهرا- في أنّ مسمّى الرضاع و مطلقه غير كاف في النشر، و الأخبار بذلك متواترة معنى تأتي الإشارة إلى أكثرها في بيان التقديرات.

نعم، قد يوهم ظاهر (1) بعض الأخبار حصول الحرمة بالمسمّى، كما سيأتي ذكره في أدلّة مذهب الإسكافي المكتفي بالرضعة التامّة.

و خالف في المسألة بعض العامّة (2) فاكتفى بالمسمّى و قدّره بما يفطر الصائم، و لم يقنع بذلك، حتّى ادّعى إجماع أهل العلم عليه، على ما حكي في المسالك (3).

[تقديرات الحد الخاص للرضاع و الاختلاف فيه]

ثمّ إنّ أصحابنا قدّروا المقدار الخاصّ الذي اعتبروه بثلاثة تقديرات:

أحدها: بالأثر، و هو ما أنبت اللحم و شدّ العظم

و حصول النشر مع تحقّق هذا الأثر ممّا لا خلاف فيه بين علماء الإسلام، و يدلّ عليه- مضافا إلى الإجماع- الأخبار المستفيضة:

منها: صحيحة عليّ بن رئاب، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «قلت: ما يحرّم من الرضاع؟ قال: ما أنبت اللحم و شدّ العظم. قلت: يحرّم عشر

____________

(1) في «ق»: من ظاهر.

(2) نسبه في التذكرة 2: 619، إلى الليث من فقهاء العامّة.

(3) المسالك 1: 373.

302

رضعات؟ فقال: لا، لأنّها لا تنبت اللحم و لا تشدّ العظم» (1).

و منها: حسنة ابن أبي عمير عن زياد القندي، عن عبد اللّٰه بن سنان، عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: «قلت له: يحرم من الرضاع الرضعة و الرضعتان و الثلاث؟ قال: إلّا ما اشتدّ عليه العظم و نبت اللحم» (2).

و منها: رواية هارون بن مسلم تارة عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (3) و تارة عن مسعدة بن زياد عنه (عليه السلام) قال: «لا يحرم من الرضاع إلّا ما شدّ العظم و أنبت اللحم» (4).

و منها: رواية عبد اللّٰه بن سنان، قال: «سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول: لا يحرم من الرضاع إلّا ما أنبت اللحم، و شدّ العظم» (5).

و في غير واحد من الروايات وقع التقدير بإنبات اللحم و الدم، مثل صحيحة عبيد بن زرارة (6) و حسنة حمّاد بن عثمان بابن هاشم (7).

و لا يبعد تلازم التقديرين، و مع الانفكاك فالأجود ثبوت النشر بتحقّق كلّ منهما؛ لاعتبار أدلّة التقدير الثاني أيضا، إلّا أنّ الأصحاب لم يتعرّضوا لتحقّق الحكم به نفيا و إثباتا؛ و لعلّه لعدم انفكاكه عن الأوّل، فتدبّر.

ثمّ إنّ مقتضى النصوص المذكورة: اعتبار تحقّق كلا الأمرين: من

____________

(1) الوسائل 14: 283، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 2.

(2) الوسائل 14: 288، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 23.

(3) الإستبصار 3: 194، الحديث 702.

(4) الوسائل 14: 285، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 9.

(5) الوسائل 14: 289، الباب 3 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 2.

(6) الوسائل 14: 287، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 18.

(7) الوسائل 14: 289، الباب 3 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث الأوّل.

303

إنبات اللحم، و اشتداد العظم، و هو المعروف بين الأصحاب أيضا.

و حكي عن بعض عبارات الشهيد (قدّس سرّه) الاجتزاء بأحد الأمرين (1)، و نسبه في المسالك إلى الشذوذ (2).

و كيف كان، فالتقدير بهذا الأثر و إن كان اعتباره في غاية القوّة و المتانة، بل مقتضى أدلّته الحاصرة للرضاع المحرّم فيه أنّه أصل لأخويه الآتيين، إلّا أنّه قليل الفائدة؛ لأنّ ظهوره للحسّ في موضع الحاجة أمر لا يكاد يطّلع عليه إلّا بعض أهل الخبرة، و قلّما يتّفق شهادة عدلين فيهم بذلك، و لعلّه لذا كشف عنه الشارع بأخويه، و جعلهما طريقا إليه، كما يومئ إليه صحيحة ابن رئاب المتقدّمة (3).

و ثانيها: بالزمان، و قدّر بيوم و ليلة

على المعروف بين الأصحاب، و مستندهم فيه موثّقة زياد بن سوقة: «قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): هل للرضاع حدّ يؤخذ به؟ فقال: لا يحرّم الرضاع أقلّ من رضاع يوم و ليلة، أو خمس عشرة رضعة متواليات من امرأة واحدة من لبن فحل واحد لم يفصل بينها رضعة امرأة غيرها، فلو أنّ امرأة أرضعت غلاما أو جارية عشر رضعات من لبن فحل واحد و أرضعتهما امرأة أخرى من لبن فحل آخر عشر رضعات، لم يحرم نكاحهما» (4).

____________

(1) اللمعة الدمشقيّة: 187، قوله (قدّس سرّه): «و أن ينبت اللحم أو يشدّ العظم»، انظر الروضة البهيّة 5: 156.

(2) المسالك 1: 372.

(3) في الصفحة: 301- 302.

(4) الوسائل 14: 282، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث الأوّل.

304

و ليس فيها سوى عمّار الذي نقل الشيخ عمل الأصحاب برواياته (1) مع أنّ في السند ابن محبوب الذي أجمع على تصحيح ما يصحّ عنه (2) مضافا إلى اعتضادها بعمل الأصحاب و موافقة الكتاب، و لا ينافيها ما دلّ على حصر الرضاع المحرّم في ما أنبت اللحم و شدّ العظم (3)، لفقد العلم بعدم كونه منه.

ثمّ إنّ ظاهر الرواية و الفتوى اعتبار الإرضاع في اليوم و الليلة كلّما احتاج الرضيع إليه عادة، أو طلبه.

و لا يعتبر في هذا التقدير إكمال الرضعة في كلّ مرّة، بل لو رضعته رضعة ناقصة ثمّ أكملتها (4) مرّة أخرى لم يقدح.

و لو أطعم في الأثناء طعاما، فإن كان ممّا يغتذي به بدلا عن اللبن، فالظاهر أنّه قادح في التقدير؛ كما أنّ شرب الماء للعطش غير قادح لو وقع في الأثناء، و كذا ما يؤكل أو يسقى دواء، و يشكل فيما اعتاده من يسير من طعام بحيث لا يغنيه عمّا اعتاد شربه من اللبن.

و هل يعتبر ابتداء الرضاع في ابتداء اليوم، و انتهائه في آخر الليلة، أو العكس، أو يكفي الملفّق لو ابتدأ في أثناء أحدهما؟ وجهان، أقواهما

____________

(1) راجع التهذيب 7: 101، ذيل الحديث 435، و الإستبصار 3: 95، ذيل الحديث 325، و في عدّة الأصول (381): فلأجل ما قلناه عملت الطائفة بأخبار الفطحيّة ..

إلخ.

(2) رجال الكشّي 2: 830، تسمية الفقهاء من أصحاب أبي إبراهيم و أبي الحسن الرضا (عليهما السلام)، رقم الترجمة (1050).

(3) راجع الوسائل 14: 289، الباب 3 من أبواب ما يحرم بالرضاع.

(4) و العبارة في «ق»: «رضعه رضعة ناقصة ثمّ أكملها»، و الظاهر أنّها من سهو القلم، و إن كان توجيهها ممكنا.

305

الثاني، إمّا لصدق رضاع يوم و ليلة عرفا على رضاع الملفّق، و إمّا لأنّ الرضاع في الملفّق لا يكون أقلّ من رضاع يوم و ليلة، بل يكون مساويا له، فلا يدلّ الرواية على انتفاء النشر به، فيبقى داخلا تحت الإطلاقات الدالّة على النشر.

و التعويل على الوجه الأوّل.

و هل المعتبر في رضاع هذا الزمان حال متعارف أوساط الأطفال، أو حال شخص ذلك الرضيع؟ وجهان، أقواهما الثاني؛ لظاهر الرواية.

و تظهر الثمرة بينهما فيما إذا كان الطفل مريضا بمرض يحتاج إلى أزيد ممّا يحتاج إليه الصحيح، كغلبة القيء عليه لعارض، أو عرضه ما يحتاج معه إلى الأقلّ ممّا يحتاج إليه الصحيح، كما إذا أغمي عليه في أغلب اليوم و الليلة.

و هل يعتبر احتمال تأثير اللبن في إنبات لحمه و شدّ عظمه، أم لا؟

وجهان: من إطلاق الرواية، و من دلالة بعض الأخبار السابقة على عدم النشر بما لا ينبت اللحم و لا يشدّ العظم.

و تظهر الثمرة فيما لو كان بحيث يعلم عدم تحلّل (1) اللبن في معدته، لعدم استقراره فيها، لغلبة إسهال أو قيء.

و هنا فروع أخر طوينا عن ذكرها كشحا و أعرضنا عنها صفحا.

و ثالثها: بالعدد

و قد اختلف فيه الأصحاب بسبب اختلاف الروايات ظاهرا؛ فالمحكيّ عن ابن الجنيد الاكتفاء برضعة واحدة تملأ جوف الصبيّ،

____________

(1) في «ع»: عدم تخلّل.

306

إمّا بالمصّ، أو بالوجور (1)؛ لإطلاقات الكتاب و السنّة، و خصوص قول أبي الحسن (عليه السلام) في مكاتبة عليّ بن مهزيار في جواب سؤاله عمّا يحرم من الرضاع: «قليله و كثيره حرام» (2)، و مضمرة ابن أبي يعفور، قال: «سألته عمّا يحرم من الرضاع؟ قال: إذا رضع حتّى يمتلئ بطنه؛ فإنّ ذلك ينبت اللحم و الدم، و ذاك الذي يحرم» (3).

و رواية السكوني (4)، و النبويّ: «يحرم الرضعة ما يحرم الحولان» (5) و العلويّ: «الرضعة الواحدة كالمائة رضعة، لا تحلّ له أبدا» (6). و في آخر:

«انهوا نساءكم أن يرضعن يمينا و شمالا، فإنّهنّ ينسين» (7)، فإنّ الإرضاع يمينا و شمالا مع النسيان بعد حين إنّما يناسب عدم التحديد بأكثر من رضعة.

و هذا القول ضعيف في الغاية؛ لاستفاضة الأخبار- كاشتهار الفتوى- بعدم النشر بما دون العشر، فلا مجال للتمسّك بالإطلاقات و لا بالمكاتبة (8) و المضمرة (9)؛ لقصورهما عن المقاومة، مع موافقة ظاهرهما لفتوى بعض

____________

(1) حكاه عنه في المختلف: 518.

(2) الوسائل 14: 285، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 10.

(3) الوسائل 14: 290، الباب 4 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث الأوّل.

(4) كذا، و الظاهر زيادتها، إذ لم نعثر في المقام على رواية من السكوني إلّا العلويّ الآتي.

(5) في المسالك 1: 372، و روى العامّة عن عليّ (عليه السلام) أنّ النبيّ (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) قال: تحرّم الرضعة ما يحرّم الحولان.

(6) الوسائل 4: 286، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 12.

(7) الوسائل 14: 288، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 25.

(8) المتقدمتان أعلاه.

(9) المتقدمتان أعلاه.