كتاب النكاح

- الشيخ مرتضى الأنصاري المزيد...
491 /
307

العامّة (1)، مضافا إلى إمكان حمل المكاتبة على تحريم أصل الارتضاع.

و ممّا ذكرنا يظهر حال التمسّك بالنبويّ و العلويّين، و لذا أعرض سائر الأصحاب عن هذا القول و اتّفقوا على عدم النشر بما دون العشر و إن اختلفت فتاواهم، كالروايات.

فحكي عن أكثر المتقدّمين كالمفيد (2) و الديلمي (3) و القاضي (4) و التقيّ (5) و ابن حمزة (6): التحديد بالعشر؛ و تبعهم الفاضل في المختلف (7) و ولده (8)، و الشهيد في اللمعة (9).

و ذهب الشيخ (10) و المحقّق (11) و الفاضل في غير المختلف (12) إلى التحديد

____________

(1) في بداية المجتهد 2: 35: أمّا المقدار المحرّم من اللبن: فإنّ قوما قالوا فيه بعدم التحديد، و هو مذهب مالك و أصحابه، و روي عن عليّ و ابن مسعود، و هو قول ابن عمر و ابن عبّاس؛ و هؤلاء يحرم عندهم أيّ قدر كان، و به قال أبو حنيفة و أصحابه و الثوري و الأوزاعي.

(2) المقنعة: 502.

(3) المراسم: 149.

(4) المهذّب 2: 190.

(5) الكافي في الفقه: 285.

(6) الوسيلة: 301.

(7) المختلف: 518.

(8) إيضاح الفوائد 3: 47.

(9) اللمعة الدمشقية: 187.

(10) النهاية: 461.

(11) الشرائع 2: 282.

(12) مثل القواعد 2: 10، و التذكرة 2: 620، و التحرير 2: 9.

308

بالخمس عشرة رضعة، و تبعهم أكثر المتأخّرين، و قد نسب هذا القول إلى الأكثر (1) و المشهور (2) بقول مطلق.

و كيف كان، فهو الأظهر، للأصل، و عدم دليل على النشر بالعشر عدا الإطلاقات من الكتاب و السنّة، و خصوص رواية الفضيل- الموصوفة بالصحّة في كلام بعض (3)- عن الباقر (عليه السلام) قال: «لا يحرم من الرضاع إلّا المجبور (4). قلت: و ما المجبور؟ قال: أمّ تربّي، أو ظئر تستأجر، أو أمة تشترى، ثمّ ترضع عشر رضعات يروى الصبيّ و ينام» (5).

و مفهوم موثّقة عمر بن يزيد قال: «سألت الصادق (عليه السلام) عن الغلام يرضع الرضعة و الثنتين، فقال: لا يحرم، فعددت عليه حتّى أكملت عشر رضعات، فقال: إذا كانت متفرّقة فلا» (6).

و نحوها مفهوم رواية هارون بن مسلم عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال:

«لا يحرم من الرضاع إلّا ما شدّ العظم و أنبت اللحم، فأمّا الرضعة

____________

(1) كنز العرفان 2: 183.

(2) التذكرة 2: 620.

(3) و هو كلّ من قال بوثاقة «محمّد بن سنان» الواقع في سند الرواية.

(4) كذا في النسخ و التهذيبين و الفقيه، لكن في الوسائل في إحدى الروايتين: «المخبور» و في الأخرى «المخبورة»، و قال في مجمع البحرين 3: 257 في مادّة: «حبر» بعد ذكر الحديث: و قد اضطربت النسخ في ذلك، ففي بعضها بالحاء المهملة و في بعضها بالجيم و في بعضها بالخاء المعجمة، و لعلّه الصواب، و يكون المخبور بمعنى المعلوم.

(5) قد وقع هنا خلط بين الخبرين: 7 و 11 من الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع (الوسائل 14: 284 و 285) و المقصود هو الثاني.

(6) الوسائل 14: 283، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 5.

309

و الرضعتان (1) و الثلاث- حتّى بلغ عشرا- إذا كنّ متفرّقات، فلا بأس» (2).

و في الجميع نظر.

أمّا في الإطلاقات: فلأنّها- على فرض تسليم إفادتها العموم، و عدم ورودها لبيان أصل نشر الحرمة بالرضاع في الجملة- مقيّدة بصحيحة عليّ بن رئاب عن الصادق (عليه السلام): «قال: قلت: ما يحرم من الرضاع؟ قال:

ما أنبت اللحم و شدّ العظم، قلت: فيحرم عشر رضعات؟ قال: لا، لأنّها لا تنبت اللحم و لا تشدّ العظم» (3).

و موثّقة عبيد بن زرارة- ب«عليّ بن فضّال»- عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام):

«قال: سمعته يقول: عشر رضعات لا يحرّمن شيئا» (4).

و هذه الرواية لا تقصر عن الصحيح؛ إذ ليس فيها إلّا عليّ بن فضّال، و الظاهر أنّ الشيخ أخذ الرواية من كتابه، حيث ابتدأ به في السند، و كتب بني فضّال ممّا أمر العسكري (عليه السلام) بالأخذ بها في رواية قريبة من الصحّة (5) مع ما ذكر في ترجمة عليّ بن فضّال من مراتب وثاقته و احتياطه في الرواية (6).

و موثّقة أخرى أيضا رواها الشيخ، عن عليّ بن فضّال، عن أخويه، عن أبيهما، عن عبد اللّٰه بن بكير، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): «قال: سمعته

____________

(1) في الوسائل: الرضعة و الثنتان.

(2) الوسائل 14: 285، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 9.

(3) الوسائل 14: 283، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 2.

(4) الوسائل 14: 283، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 3.

(5) راجع كتاب الغيبة للشيخ الطوسي: 239.

(6) انظر رجال النجاشي: 257، الرقم 676.

310

يقول: عشر رضعات لا تحرم» (1) و هذه قريبة من سابقتها في اعتبار السند، و إن كان جميع رجالها فطحيين.

و تخصيص هذه الأخبار المعتبرة برواية الفضيل التي هي أخصّ منها- بعد إخراج صورة تفرّق الرضعات العشر عن عمومها- و بمفهوم الموثّقتين اللتين بعدها و إن أمكن، إلّا أنّ ذلك فرع سلامتها عن معارضة موثّقة زياد ابن سوقة المتقدّمة (2) الصريحة في نفي النشر بالعشر و لو متوالية، أو ترجيحها عليها، و هو مسلّم لو ثبت صحّة رواية الفضيل بتوثيق «محمّد بن سنان» الذي حكي عن غير المفيد من مشايخ الرجال تضعيفه (3)، و سلامتها من موهنات أخر، مثل مخالفة حصرها للإجماع، و خلوّ الفقيه (4) من زيادة رواها الشيخ في ذيلها، أعني قوله: «ثمّ ترضع عشر رضعات» (5) مع سبق الصدوق على الشيخ زمانا، بل و ضبطا، لأخبار كتابه، فكيف يتصوّر في حقّه أو في الكتب التي أخذ الحديث منها إهمال شطر من كلام المعصوم (عليه السلام) مربوط بما قبله غاية الارتباط و يحتاج إليه نهاية الاحتياج، فلا يبعد أن يكون الزيادة المذكورة من تحريفات «محمّد بن سنان» لأنّه إنّما وقع في سند التهذيب و ليس في سند الفقيه؛ و حيث لم يثبت اعتبار الرواية سندا،

____________

(1) الوسائل 14: 283، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 4.

(2) تقدّمت في الصفحة: 303.

(3) عنونه العلّامة (قدّس سرّه) في الخلاصة في القسم الثاني، و نقل توثيق الشيخ المفيد (رحمه اللّٰه) و تضعيف الشيخ الطوسي و النجاشي و ابن الغضائري؛ ثمّ توقّف في الرجل استنادا إلى قول الفضل بن شاذان، انظر رجال العلّامة: 251.

(4) الفقيه 3: 477، الحديث 4672.

(5) التهذيب 7: 315، الحديث 1305.

311

و لا سلامتها من الموهن، و المفروض أنّ أخويها أيضا لا يبلغان حدّ الصحّة، بل صرّح بضعف ثانيهما (1)، فترجيحها- و إن كانت ثلاثا- على موثّقة زياد- و إن كانت واحدة- غير معلوم، إذ ليس في سند الموثّقة إلّا عمّار، و اعتبار رواياته عند الأصحاب محكيّ عن الشيخ في عدّته (2) مع أنّ الراوي عنه بواسطة هشام بن سالم: الحسن بن محبوب الذي أجمع على تصحيح ما يصحّ عنه (3) مع أنّ متنها أصرح دلالة، لأنّ دلالتها على نفي النشر بالعشر المتوالي بالمنطوق، و دلالة الموثقتين على ثبوته بها بالمفهوم؛ مع احتمال مفهومهما الحمل على ما إذا وقعت العشر المتوالية في يوم و ليلة، فإنّ مفهومهما بهذا الاعتبار أعمّ من منطوق موثّقة زياد، و إن كان تخصيصهما به بعيدا، كما يظهر ذلك كلّه بالتأمّل.

و أمّا ترجيح تلك الثلاث على موثّقة ابن سوقة بموافقة الكتاب، فحسن إن لم نجوّز تخصيص الكتاب بالخبر الواحد و إن كان صحيحا، و إلّا فموافقة الكتاب لتلك الروايات الثلاث بعد تخصيصه بصحيحة ابن رئاب و أخويها غير حاصلة إلّا بعد ترجيح تلك الروايات المخصّصة للصحيحة و أخويها على موثّقة ابن سوقة، و هو أوّل الكلام، و يلزم الدور أيضا، كما لا يخفى.

فإذا لم يثبت ترجيح تلك الأخبار على الموثّقة بوجه، فلا أقلّ من تكافئهما الموجب لسلامة الأخبار النافية للنشر بالعشر عن المخصّص،

____________

(1) يعني رواية هارون بن مسلم، المتقدّمة في الصفحة: 302.

(2) تقدّم الكلام فيه في الصفحة: 34.

(3) تقدّم أيضا في الصفحة: 34.

312

فيجب الأخذ بعمومها المطابق لقاعدة الإباحة المستفادة من العمومات و الأصول، وفاقا لجملة ممّن تقدّم و معظم من تأخّر من الفحول.

و قد يستدلّ على إثبات النشر بالعشر بصحيحة عبيد بن زرارة بناء على سلامة «عليّ بن الحكم» الذي يروي عنه ابن عيسى: «قال: قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): إنّا أهل بيت كبير، فربّما كان الفرح و الحزن الذي يجتمع فيه الرجال و النساء، فربّما استحيت (1) المرأة أن تكشف رأسها عند الرجل الذي بينها و بينه الرضاع، و ربّما استخفّ (2) الرجل أن ينظر إلى ذلك؛ فما الذي يحرم من الرضاع؟ فقال: ما أنبت اللحم و الدم. فقلت: و ما الذي ينبت اللحم و الدم؟ قال: كان يقال: عشر رضعات. قلت: فهل تحرم عشر رضعات؟

فقال: دع ذا، و قال: ما يحرم من النسب فهو يحرم من الرضاع» (3).

و أنت خبير بأنّها لا دلالة فيها على تحريم العشر بوجه؛ إذ لم يزد المعصوم (عليه السلام) إلّا أن نسب القول بذلك إلى شخص مجهول، و لم يعلم رضاه بذلك، و إلّا لم يكرّر الراوي السؤال عنه، بل الظاهر عدم رضاه بهذا القول، كما يشهد به- مضافا إلى نسبته إلى القيل- إعراضه عنه بقوله: «دع هذا» لو قلنا: إنّ المراد «دع هذا السؤال»، و لو كان المراد به «دع هذا القول» كان من أوضح الأدلّة على خلاف المطلوب.

ثمّ اعلم أنّه إذا ثبت عدم النشر بالعشر- لما ذكرنا- تعيّن القول

____________

(1) في الوسائل: استخفّت.

(2) في التهذيب: استحيا.

(3) التهذيب 7: 313، الحديث 1296، و الوسائل 14: 287، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 18.

313

بالنشر بالخمس عشرة، لعدم القائل باعتبار أزيد منها من حيث العدد، و إطلاق رواية عمر بن يزيد: «قال: سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول: خمس عشرة رضعة لا تحرم» (1)- بعد سلامة سندها- محمول على صورة عدم التوالي، للإجماع- ظاهرا- على النشر بهذا العدد مع التوالي. نعم، في بعض الأخبار دلالة على التقدير بسنة أو سنتين، مثل ما رواه العلاء بن رزين عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): «قال: سألته عن الرضاع، فقال: لا يحرم من الرضاع إلّا ما ارتضع من ثدي واحد سنة» (2) و ما رواه زرارة عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «قال: لا يحرم من الرضاع إلّا ما ارتضعا من ثدي واحد حولين كاملين» (3).

لكنّهما شاذّان مخالفان للإجماع، كما ادّعاه في المسالك (4)، و ردّ الشيخ في التهذيب الرواية الأولى بالشذوذ (5)، و حمل الثانية على كون الحولين ظرفا للرضاع لا قيدا لمقداره (6). و هو- على بعده- حسن في مقام الجمع و عدم الطرح.

____________

(1) الوسائل 14: 284، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 6.

(2) الوسائل 14: 286، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 13.

(3) الوسائل 14: 292، الباب 5 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 8.

(4) المسالك 1: 373.

(5) التهذيب 7: 318، ذيل الحديث 1315.

(6) التهذيب 7: 317، ذيل الحديث 1310.

314

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

315

[شروط الرضعات المحرمة]

[ما يعتبر في الرضعات] ثمّ إنّه يعتبر في الرضعات العشر أو الخمس عشرة المحرّمة أمور:

الأوّل: كمال الرضعة

فالرضعة الناقصة لا تعدّ من العدد ما لم يكمل على وجه لا يقدح في الاتّحاد، فإذا لفظ الصبي الثدي، فإن كان أعرض عنه إعراض ميل، فهي رضعة كاملة. و إن كان بغير ذلك- كالتنفس، أو السعال، أو الانتقال من ثدي، أو الالتفات إلى ملاعب و نحوه- ثمّ عاد في الحال، فالمجموع رضعة. و لو لم يعد إلّا بعد مدّة، فالظاهر عدم احتساب مجموعهما من العدد، و كذا لو أخرجت الثدي من فيه كرها، فلم تلقمها إيّاه إلّا بعد مدّة.

ثمّ الدليل على اعتبار كمال الرضعة: أنّ المتبادر من الرضعة الواردة في الأخبار هي الكاملة، و المرجع في كمالها إلى العرف، لأنّه المحكّم في أمثاله.

316

و حكي عن بعض: تحديده بأن يروي الولد و يصدر من قبل نفسه (1)، و ليس ببعيد عن التفسير الأوّل.

و في مرسلة ابن أبي عمير عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام):

«الرضاع الذي ينبت اللحم و الدّم هو الذي يرضع حتّى يتضلّع و يتملّى و ينتهي [من] (2) نفسه» (3).

الثاني: توالي الرضعات

بأن لا يفصل بينها رضاع امرأة أخرى، و الظاهر عدم الخلاف في اعتباره- كما في المسالك (4)- و يدلّ عليه موثّقة زياد ابن سوقة المتقدّمة (5) حيث نصّ فيها على تقييد الرضعات بأن لا يفصل بينها رضعة من امرأة أخرى.

و يستفاد منها أنّ المعتبر في الفاصل القادح في التوالي أن يكون رضعة كاملة، فلو فصل بينها رضعة ناقصة، لم تخلّ بالتوالي؛ خلافا للمحكيّ عن القواعد (6) و ظاهر عبارة الشرائع (7) فأبطلا التوالي بفصل مطلق الرضاع؛ و لعلّه لعدم صدق التوالي المقيّد به الرضعات في رواية زياد بن سوقة عرفا إلّا مع عدم فصل مسمّى الرضاع، و إن كان قوله (عليه السلام) فيها: «لم يفصل

____________

(1) قال الشيخ (قدّس سرّه) في المبسوط 5: 294: فالمرجع في ذلك إلى العرف .. إلى أن قال: غير أنّ أصحابنا خاصّة قدّروا الرضع بما يروى الصبيّ منه و يمسك منه.

(2) لم ترد في التهذيب و الوسائل.

(3) الوسائل 14: 290، الباب 4 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 2.

(4) المسالك 1: 373، و فيه: لا شبهة في اعتبار التوالي.

(5) تقدّمت في الصفحة: 303.

(6) القواعد 2: 10.

(7) الشرائع 2: 283.

317

بينها رضعة امرأة أخرى» ظاهرا في اعتبار عدم فصل الرضعة الكاملة، إلّا أنّ قيد التوالي المذكور قبله أخصّ منه؛ إلّا أن يقال أنّ قوله: «لم يفصل ..

إلخ» تفسير للتوالي، فلا يعتبر فيه أمر زائد على عدم الفصل بالرضعة الكاملة. اللّٰهم إلّا أن يجعل تقييد الفصل المنفي بالرضعة واردا مورد الغالب، حيث إنّ الفصل إذا اتّفق لا يكون غالبا بأقلّ من رضعة كاملة.

و كيف كان، فينبغي القطع بعدم قطع تخلّل غير الرضاع في التوالي، و ادّعى الاتّفاق عليه في الحدائق (1) فلو اغتذى بينها بمأكول أو مشروب فالتوالي بحاله.

الثالث: أن يكون كمال العدد المعتبر من امرأة واحدة

فلو ارتضع بعضها من امرأة و أكملها من امرأة أخرى لم ينشر الحرمة، و لم تصر واحدة من المرضعتين امّا للرضيع، و لو كانتا لفحل واحد لم يصر الفحل أبا له أيضا.

و الظاهر عدم الخلاف في اعتبار ذلك بين من اعتبر تعدّد الرضعات، و عن التذكرة: أنّ عليه علماءنا أجمع (2)، و لعلّ المراد العلماء المعتبرين لتعدّد الرضعات، و إلّا فمثل ابن الجنيد القائل بالنشر برضعة واحدة (3) لا يتأتّى في حقّه اعتبار هذا الشرط؛ اللّٰهمّ إلّا في مجموع الرضعتين الناقصتين المعدودتين برضعة كاملة، أو في اللبن المؤجور في حلق الصبيّ.

و يدلّ على اعتبار هذا الشرط موثّقة زياد المتقدّمة (4)، و يدلّ عليه

____________

(1) الحدائق 23: 358.

(2) التذكرة 2: 620.

(3) تقدّم عنه في الصفحة: 305.

(4) تقدّمت في الصفحة: 303.

318

أيضا كلّ ما دلّ على تحقّق الحرمة برضاع امرأة ولد اخرى، بعد تقييد الرضاع ببلوغه خمس عشرة، فإنّ قوله (عليه السلام) في صحيحة بريد العجلي:

«كلّ امرأة أرضعت من لبن فحلها ولد امرأة أخرى من غلام أو جارية، فذلك هو الرضاع الذي قال رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم)» (1). بعد ما حكم- بقرينة أدلّة اعتبار العدد- أنّ المراد منه «أرضعت خمس عشر رضعة» فيكون من أدلّة اعتبار اتّحاد المرضعة، و هكذا قوله (عليه السلام) في صحيحة عبد اللّٰه ابن سنان و حسنته: «ما أرضعت امرأتك من لبنك .. إلخ» (2).

و يدلّ عليه أيضا قوله تعالى وَ أُحِلَّ لَكُمْ مٰا وَرٰاءَ ذٰلِكُمْ بعد تقييد قوله وَ أُمَّهٰاتُكُمُ اللّٰاتِي أَرْضَعْنَكُمْ (3) بالإرضاع خمس عشرة رضعة.

نعم، في إطلاق بعض الأخبار دلالة على كفاية اتّحاد الفحل و عدم اعتبار اتّحاد المرضعة، مثل: قوله (عليه السلام) في رواية أبي بصير: «ما أحبّ ان يتزوّج ابنة فحل قد رضع من لبنه» (4).

و صحيحة الحلبي و عبد اللّٰه بن سنان عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): «في رجل تزوّج جارية صغيرة، فأرضعتها امرأته و أمّ ولده؟ قال: تحرم» (5) فإنّ إطلاقها يشمل ما إذا وقع الرضاع المحرّم من ارتضاع المرأة و أمّ الولد كلتيهما.

و مضمرة سماعة «قال: سألته عن رجل كان له امرأتان، فولدت كلّ

____________

(1) الوسائل 14: 293، الباب 6 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث الأوّل.

(2) الوسائل 14: 294، الباب 6 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 4.

(3) النساء: 23 و 24.

(4) الوسائل 14: 294، الباب 6 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 5.

(5) الوسائل 14: 303، الباب 10 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 2.

319

واحدة منهما غلاما، فانطلقت إحدى امرأتيه فأرضعت جارية من عرض الناس، أ ينبغي لابنه أن يتزوّج بهذه الجارية؟ قال (عليه السلام): لا؛ لأنّها أرضعت بلبن الشيخ» (1).

دلّت بعموم التعليل على أنّ كلّ من أرضع بلبن الفحل،- سواء حصل الرضاع المعتبر من إحدى زوجاته، أو من أكثر- يحرم على أولاده، لكن هذه كلّها مطلقات يجب تقييدها بما ذكرنا، مضافا إلى إمكان منع استفادة العموم منها؛ نظرا إلى ورودها في مقام بيان حكم آخر، فتدبّر.

الرابع: أن يكون كمال العدد المعتبر من لبن فحل واحد

فلو كان من لبن فحلين لم يحصل النشر، و لم يصر واحد منهما أبا للمرتضع و إن اتّحدت المرضعة، و لا تصير أيضا أمّا له.

و يتصوّر ذلك في المرضعة، بأن ترضع الطفل من لبن فحله بعض العدد، ثمّ يطلّقها ذلك الفحل و تتزوّج بآخر و تحمل منه، ثمّ ترضع الطفل المذكور من لبن هذا الفحل تكملة الرضعات من غير أن يتخلّل بين الإرضاعين إرضاع امرأة أخرى، بأن يستقلّ الولد في المدّة الفاصلة بين الإرضاعين بالمأكول و المشروب؛ بناء على عدم إخلال فصلهما بتوالي الرضعات العدديّة، و إن أخلّ برضاع اليوم و الليلة، كما سبق.

و الظاهر أنّ اعتبار هذا الشرط ممّا لا خلاف فيه، و حكي عن التذكرة الإجماع عليه (2)، و يدلّ عليه موثّقة ابن سوقة المتقدّمة، و قوله (عليه السلام) في صحيحة بريد: «كلّ امرأة أرضعت من لبن فحلها ولد امرأة أخرى، من

____________

(1) الوسائل 14: 295، الباب 6 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 6.

(2) التذكرة 2: 621.

320

غلام أو جارية، فذلك الرضاع الذي قال رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم)» (1)؛ فإنّه بعد ما قيّد الإرضاع فيه بما بلغ العدد المعتبر، فيعتبر في العدد المعتبر أن يكون من فحل تلك المرأة، و الظاهر من قوله: «فحلها» فحلها الواحد، لا جنس فحلها، كما يدلّ عليه قوله (عليه السلام) بعد ذلك: «و كلّ امرأة أرضعت من لبن فحلين كانا لها واحدا بعد واحد، فإنّ ذلك رضاع ليس بالرضاع الذي قال رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم).

و أظهر من هذه الصحيحة: صحيحة عبد اللّٰه بن سنان، و حسنته بابن هاشم في تفسير لبن الفحل: «ما أرضعت امرأتك من لبن ولدك ولد امرأة أخرى، فهو حرام» (2) و تقريب الاستدلال فيهما كالسابقة.

و هذه الأخبار المعتضدة بعدم الخلاف تقيّد إطلاقات الكتاب و السنّة.

و اعلم أنّ هذا الشرط و سابقيه كما يعتبر في الرضاع المقدّر بالعدد، كذلك يعتبر في المقدّر بالزمان، إلّا أنّ معنى الشرط الأوّل- و هو التوالي- في العدد: عدم تخلّل رضاع آخر، و في اليوم و الليلة: عدم تخلّل غذاء آخر، سواء كان لبن غير المرضعة أم غذاء آخر؛ و أنّ الشرط الثالث لا يتصوّر تخلّفه في المقدّر بالزمان إلّا على فرض نادر، بأن يبقى لبن الفحل الأوّل إلى زمان حصول اللبن من الثاني، و لا يحصل من اللبن الأوّل وحده الرضاع المقدّر، بل يحصل رضاع يوم من الأوّل، و ليلة من الثاني.

ثمّ إنّه هذه خلاصة الكلام في شروط نشر الحرمة بالرضاع، فكلّما انتفى

____________

(1) الوسائل 14: 293، الباب 6 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث الأوّل.

(2) الوسائل 14: 294، الباب 6 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 4.

321

بعض هذه الشروط الستّة (1) لم ينشر الحرمة بين المرتضع أو أحد من قبله و بين الفحل و المرضعة أو أحد من قبلهما.

و هنا شرط آخر اعتبره الأكثر في نشر الحرمة بين كلّ من المرتضعين من مرضعة واحدة و بين الآخر، و جعلوه منخرطا في سلك شروط الرضاع باعتبار أنّه شرط للنشر في الجملة، و هو اتّحاد الفحل الذي يرتضع المرتضعان من لبنه، فلو ارتضع أحد من امرأة من لبن فحل، و ارتضع آخر من تلك المرأة من لبن فحل آخر، لم يحرم أحد المرتضعين أو أصوله أو فروعه على الآخر، فالعبرة بالاخوّة في الرضاع الاخوّة من قبل الأب الرضاعي- و هو الفحل-، و لا عبرة بالأمّ الرضاعيّة. حتّى أنّه لو ارتضع عشرة من لبن فحل واحد، كلّ واحدة من إحدى أمّهات أولاده، صار الجميع إخوة يحرم بعضهم و فروعه على البعض الآخر و على فروعه، و هذا معنى قولهم: اللبن للفحل.

و خالف الطبرسي- صاحب التفسير- في اعتبار هذا الشرط (2). و اكتفى باتّحاد واحد من المرضعة و الفحل، و ألحق الرضاع بالنسب في كفاية الاخوّة من أحد الأبوين في نشر الحرمة، تمسّكا بعموم قوله تعالى وَ أَخَوٰاتُكُمْ مِنَ الرَّضٰاعَةِ و قوله: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» و شبه ذلك، و خصوص رواية محمّد بن عبيدة الهمداني: «قال: قال أبو الحسن الرضا

____________

(1) كذا في جميع النسخ، و لا يخفى أنّه (قدّس سرّه) لم يذكر إلّا أربعة شروط.

(2) راجع مجمع البيان 2: 28- 29، و جوامع الجامع 1: 246- 247، في تفسير الآية 23 من سورة النساء، فليس في كلامه التصريح بالمسألة و لا التمسّك برواية محمّد بن عبيدة.

322

(عليه السلام): ما يقول أصحابك في الرضاع؟ قال: قلت: كانوا يقولون: (اللبن للفحل) حتّى جاءتهم الرواية عنك أنّك تحرّم من الرضاع ما يحرم من النسب فرجعوا إلى قولك. قال: فقال: و ذلك لأنّ أمير المؤمنين سألني عنها البارحة، فقال لي: اشرح لي (اللبن للفحل)، و أنا أكره الكلام. فقال لي: كما أنت حتّى أسألك عنها، ما قلت في رجل كانت له أمّهات أولاد شتّى، فأرضعت واحدة منهنّ بلبنها غلاما غريبا، أ ليس كلّ شيء من ولد ذلك الرجل من أمّهات الأولاد الشتّى يحرم (1) على ذلك الغلام؟ قال: قلت: بلى، قال: فقال أبو الحسن (عليه السلام): فما بال الرضاع يحرّم من قبل الفحل و لا يحرّم من قبل الأمّهات، و إنّما الرضاع من قبل الأمّهات، و إن كان لبن الفحل أيضا يحرّم» (2).

و الأظهر ما عليه الأكثر، بل حكى الإجماع عليه عن بعض أصحابنا (3) غير واحد ممّن تأخّر، لضعف الرواية بعد تسليم ظهورها في المدّعى و الإغماض عن اختصاصها بأولاد المرضعة نسبا، و لا خلاف في تحريمهم على المرتضع و إن تعدّد الفحل- كما سيجيء- و تقيّد إطلاقات الكتاب و السنّة بالأخبار الدالّة على اعتبار اتّحاد الفحل.

منها: صحيحة الحلبي «قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل يرضع من امرأة و هو غلام، أ يحلّ له أن يتزوّج أختها لأمّها من الرضاعة؟

____________

(1) في الوسائل: محرّما.

(2) الوسائل 14: 296، الباب 6 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 9.

(3) هو العلّامة (قدّس سرّه) في التذكرة 2: 621، و حكاه عنه الشهيد الثاني في المسالك 1:

375، و الفاضل الهندي في كشف اللثام 2: 29، و صرّح المحقّق الثاني في جامع المقاصد (12: 223) بعدم الخلاف بين الأصحاب.

323

فقال: إن كانت المرأتان رضعتا من امرأة واحدة من لبن فحل واحد، فلا يحلّ. و إن كانت المرأتان رضعتا من امرأة واحدة من لبن فحلين، فلا بأس» (1).

و منها: موثّقة عمّار الساباطي- الراوي عنه ابن محبوب بواسطة هشام ابن سالم- «قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن غلام رضع من امرأة، أ يحلّ له أن يتزوّج أختها لأبيها من الرضاع؟ فقال: لا، فقد رضعا جميعا من لبن فحل واحد من امرأة واحدة، قال: فيتزوّج أختها لأمّها من الرضاعة؟

قال: فقال: لا بأس بذلك، إنّ أختها التي لم ترضعه كان فحلها غير فحل التي أرضعت الغلام، فاختلف الفحلان، فلا بأس» (2) و لا يضرّ دلالتها على اعتبار اتّحاد المرضعة الذي ليس معتبرا بالإجماع.

و منها: صحيحة بريد بن معاوية المتقدّمة قريبا في الشرط الرابع من شروط الرضعات العدديّة (3).

و قد يردّ استدلال الطبرسي على مطلبه بقوله تعالى وَ أَخَوٰاتُكُمْ مِنَ الرَّضٰاعَةِ بمنع كون المرتضعة من امرأة بلبن فحل أختا أمّيا رضاعيّا للمرتضع من تلك المرأة بلبن فحل آخر، لكون الأخت الرضاعية أمرا شرعيّا، و كون المذكورة مندرجة [فيه] (4) محلّ النزاع، فلا بدّ من دليل يدلّ عليه.

____________

(1) الوسائل 14: 294، الباب 6 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 3.

(2) الوسائل 14: 294، الباب 6 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 2.

(3) راجع الصفحة: 319.

(4) لم يرد في «ق».

324

و فيه: أنّ صدق العنوانات الحاصلة بالنسب على ما يحصل من الرضاع غير متوقّف على التوقيف من الشارع بالخصوص؛ كيف! و لو كان كذلك لم يثبت نشر الرضاع الحرمة في أكثر الموارد، و لم يكتف الشارع في بيان تحريم نظائر النسب الحاصلة من الرضاع بقوله: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»، لأنّ إلقاء هذا الكلام على هذا الفرض يصير من قبيل الإحالة على المجهول مع أنّه لا يرتاب المتتبّع و المتأمّل في أنّ كلّ من يسمع هذا الكلام من النبيّ أو الأئمّة (صلوات اللّٰه عليه و عليهم) أو من عالم، فلا يحتاج في تشخيص نظائر العنوانات النسبيّة من بين العلائق الحاصلة بالرضاع إلى بيان و توقيف؛ و يشهد بذلك ما مرّ في رواية محمّد بن عبيدة الهمداني، حيث قال للرضا (عليه السلام): «إنّ أصحابي كانوا يقولون: اللبن للفحل حتّى جاءتهم الرواية عنك أنّك تحرّم من الرضاع ما يحرم من النسب، فرجعوا إلى قولك» (1) فليت شعري! أيّ شيء فهموا من هذا الكلام حتّى رجعوا إلى القول بعدم اعتبار اتّحاد صاحب اللبن في الأخوة الرضاعيّة؟ و من هنا ترى الفقهاء الخاصّة و العامّة يتمسّكون بهذا الحديث من غير تأمّل في معناه من هذه الجهة.

ثمّ اعلم أنّ اتّحاد الفحل إنّما يعتبر في حصول الاخوّة بين المرتضعين اللذين يكونان كلاهما ولدين رضاعيّين للمرضعة.

و أمّا إذا كان أحدهما ولدا نسبيّا لها فلا يعتبر في أخوّة ولدها الرضاعي لولدها النسبيّ اتّحاد فحلهما، فلو أرضعت ولدا حرم عليه أولادها النسبيّة كلّا، و إن كانوا من غير صاحب لبن المرتضع، لأنّ اعتبار اتّحاد الفحل أمر مخالف لإطلاق الكتاب، و الأدلّة المثبتة له مختصّة بالولدين

____________

(1) مرّ في الصفحة: 321.

325

الرضاعيّين، كما يظهر لمن راجعها؛ مضافا إلى موثّقة جميل بن درّاج- بأحمد ابن فضّال- عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): «إذا ارتضع الرجل من لبن امرأة حرم عليه كلّ شيء من ولدها، و إن كان الولد من غير الرجل الذي كان أرضعته بلبنه» (1) و هي صريحة في المطلوب.

لكن يظهر من بعض الأخبار اعتبار اتّحاد الفحل هنا أيضا، مثل صحيحة صفوان عن أبي الحسن (عليه السلام)، و فيها: «قلت: فأرضعت أمّي جارية بلبني؟ فقال: هي أختك من الرضاعة، قلت: فتحلّ لأخ لي من أمّي لم ترضعها أمّي بلبنه؟ قال: فالفحل واحد؟ قلت: نعم هو أخي لأبي و أمّي، قال: اللبن للفحل، صار أبوك أباها، و أمّك أمّها» (2)؛ فإنّ استفصال الإمام (عليه السلام) عن اتّحاد الفحل مع تصريح السائل بكون الأخ ولد المرضعة نسبا يدلّ على تغاير حكمه مع حكم صورة تعدّد الفحل.

بقي هنا شيء، و هو أنّه قد حكي عن العلّامة في القواعد: أنّ أمّ المرضعة من الرضاع، أو أختها منه أو بنات أخيها منه لا تحرمن على المرتضع (3)؛ لأنّ الرضاع الحاصل بين المرضعة و المرتضع بلبن فحل، و الحاصل بينها و بين أمّها أو أختها أو أخيها بلبن فحل آخر، فلم يتّحد الفحل، فلا نشر، و مثله عن المحقّق الثاني في شرح هذه العبارة من القواعد (4). و زاد على فروض المتن عدم تحريم عمّة المرضعة أو خالتها من الرضاع على

____________

(1) الوسائل 14: 306، الباب 15 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 3.

(2) الوسائل 14: 299، الباب 8 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 3.

(3) القواعد 2: 13.

(4) جامع المقاصد 12: 257 و 258.

326

المرتضع، ثمّ نسب التحريم إلى القيل، تمسّكا بعموم الأدلّة من الكتاب و السنّة، و أجاب عنه بأنّ ما دلّ على اعتبار اتّحاد الفحل خاصّ، فلا حجّة في العامّ.

أقول: و لا يخفى ضعف هذا القول، أمّا أوّلا: فلما عرفت من أنّ الدالّ على اعتبار اتّحاد الفحل- المخصّص لعموم الكتاب و السنّة- كان مختصّا بالرضاع الموجب لأخوّة المرتضعين، بمعنى أنّه لا يحدث علاقة الاخوّة بين مرتضعين أجنبيين نسبا إلّا إذا اتّحد فحلهما، و لم يكن فيه إطلاق ليشمل ما نحن فيه.

و أمّا ثانيا: فلأنّ صحيحة الحلبي المتقدّمة (1)- التي هي عمدة أدلّة اعتبار اتّحاد الفحل- قد صرّح فيها بتحريم أخت المرضعة من الرضاع على المرتضع، و هي أحد الموارد التي حكم في القواعد و شرحه بعدم التحريم تفريعا على تعدّد الفحل.

و مثلها موثّقة عمّار الساباطي المتقدّمة أيضا (2) المعلّل فيها تحريم أخت المرضعة من الرضاع بأنّ الأختين رضعتا من امرأة واحدة بلبن فحل واحد، مع أنّه لا ريب في مغايرة فحل المرتضع لفحل أخت المرضعة، فيفهم من التعليل: أنّه إذا اتّحد الفحل بين المرأتين، و تحقّقت الاخوّة بينهما، كفى ذلك في حرمة كلّ منهما على فروع الآخر و لو من الرضاع.

[إذا ظهر ذلك، فاعلم أنّه] (3) إذا حصل الرضاع المعتبر صارت

____________

(1) تقدّمت في الصفحة: 322.

(2) تقدّمت في الصفحة: 323.

(3) لم يرد في «ق».

327

المرضعة و الفحل أبوين للمرتضع، و فروعه لهما أحفادا، و أصولهما له أجدادا و جدّات، و فروعهما إخوة و أولاد إخوة، و من في حاشية نسبهما عمومة و خئولة.

و تفصيل القول في ذلك يحصل ببيان اثنتين و ثلاثين مسألة حاصلة من ملاحظة كلّ من المرتضع و أصوله و فروعه و من في حاشية نسبه أو رضاعه، مع كلّ من المرضعة و الفحل و أصولهما و فروعهما و من في حاشيتهما.

و قبل ذكر أحكامهما لا بدّ من بيان ضابطة للتحريم في الرضاع، فنقول: إنّ المستفاد من قوله (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم): «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» (1) أنّ كلّ عنوان قد حمل عليه الشارع التحريم من جهة علاقة نسبيّة، فهذا العنوان يحرم من جهة نظير تلك العلاقة من الرضاع و ذلك لا بمعنى أنّ كلّ شخص حرم من النسب فهو بعينه حرام من الرضاع؛ إذ لا شكّ في عدم إرادة هذا المعنى؛ لأنّ نفس المحرّم بالنسب ليس محرّما بالرضاع.

فالمراد ب«ما» الموصولة في الحديث هو عنوان كلّي مشترك بين ما يحصل بالنسب و بين ما يحصل بالرضاع، تعلّق التحريم به من جهة النسب باعتبار بعض أفراده، و هو الحاصل بالنسب، و تعلّق التحريم به من جهة الرضاع باعتبار بعض أفراده و هو الحاصل بالرضاع.

مثلا يصدق على عنوان الامّ- الذي هو شيء واحد بالوحدة النوعيّة الغير المنافية مع تكثّر الأشخاص- أنّها تحرم من جهة النسب، و تحرم من جهة الرضاع.

و لا يقدح في هذا المطلب كون استعمال لفظ ذلك العنوان في الحاصل

____________

(1) الوسائل 14: 280، الباب 1 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 1 و 7.

328

بالرضاع استعمالا مجازيّا؛ إذ لم يقع في الكلام لفظ أحد تلك العناوين حتّى يقال: إنّ المراد به خصوص الحاصل بعلاقة النسب، بل نقول: إنّه اعتبر مثلا قدر مشترك بين الامّ الرضاعيّة و النسبيّة و أريد من الموصول.

و إن أبيت إلّا عن أنّ المراد بالموصول خصوص العنوانات النسبيّة، فلا بدّ في الكلام من تقدير، بأن يراد «أنّه يحرم من الرضاع نظير كلّ عنوان من العنوانات النسبيّة التي تحرم من جهة النسب» و هذا التقدير هو الذي ارتكبه جمع كثير من الفقهاء المتأخّرين في تفسير الحديث (1).

ثمّ إنّ العنوان الذي يحرم من جهة النسب ليس إلّا أحد العنوانات المتعلّق بها التحريم في لسان الشارع، كالأمّ، و البنت، و الأخت، و غيرهنّ من المحرّمات المذكورة في الكتاب (2) و السنّة (3). و أمّا العنوان المستلزم لأحد هذه- كأمّ الأخ للأبوين المستلزمة لكونها امّا، و كأمّ السبط المستلزمة لكونها بنتا، و كأخت الأخ للأبوين المستلزمة لكونها أختا- فليس شيء منهنّ يحرم من جهة النسب، إذ لا نسب بينهنّ من حيث هذا العنوان و بين المحرّم عليه، فإنّ أمّ أخ الشخص من حيث إنّها «أمّ أخ» ليست (4) نسيبة له، بل نسيبة لأخيه؛ و النسب الحاصل بين الشخص و بين نسيبه لم يثبت كونه جهة للتحريم.

و الشاهد على ذلك أدلّة المحرّمات، فإنّ منها يستفاد جهة تحريم المحرّمات، إذ لا يستفاد من قوله تعالى حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهٰاتُكُمْ إلّا أنّ

____________

(1) ممّن صرّح بذلك من متأخّري المتأخّرين صاحب الجواهر (قدّس سرّه) (الجواهر 29:

309).

(2) النساء: 23.

(3) الوسائل 14: 273- 279، الباب 1- 5 من أبواب ما يحرم بالنسب.

(4) في النسخ: ليس. و الصواب ما أثبتناه.

329

جهة التحريم أمومة الامّ للشخص، و أمّا امومتها لأخيه أو بنوّتها لجدّيه أو أخوّتها لخاليه، فلم يستفد من دليل كونها جهة للتحريم.

فثبت بهذا أنّ النسب الذي يصلح [كونه] (1) جهة للتحريم ليس إلّا ما يكون مبدأ لإحدى الصفات المعنونة بها المحرّمات في الكتاب و السنّة.

و على هذا فإذا أرضعت امرأة أخاك فلا تحرم عليك؛ لأنّها أمّ أخيك، و لم يثبت حرمة أمّ الأخ من جهة النسب، إذ لا نسب بينك و بينها من حيث إنّها «أم أخيك» بل النسب بينها و بين نسيبك، و النسب بين شخص و بين نسيبه لم يثبت كونه جهة للتحريم.

و من هنا يظهر فساد ما ذهب إليه شرذمة من المتأخّرين (2): من عموم التنزيل في الرضاع، و عدم الفرق بين أن يحصل بالرضاع أحد العناوين المذكورة في أدلّة التحريم، و بين أن يحصل به ما يستلزم أحدها؛ فكما أنّ المرتضعة بلبنك محرّمة عليك من حيث إنّه حصل بالرضاع بنوّتها لك، فكذلك مرضعة ولد بنتك حيث إنّه حصل بالرضاع امومتها لولد بنتك، و أمّ ولد البنت محرّمة نسبا لكونها بنتا، فكذلك أمّ ولد بنتك رضاعا؛ إلى غير ذلك.

و قد عرفت وجه فساد ذلك، و حاصله: أنّ الحديث النبويّ إنّما حرّم بالرضاع ما حرّم من جهة النسب، و أمّ ولد البنت لم تحرم من جهة النسب،

____________

(1) لم يرد في «ق».

(2) مثل السيّد الداماد في رسالته المسمّاة ب«ضوابط الرضاع» المطبوع ضمن «كلمات المحقّقين»: 16 و 17. و الآخوند الملّا أبو الحسن الشريف جدّ صاحب الجواهر، انظر الجواهر 29: 323.

330

إذ لا نسب بينها بهذا العنوان و بين الشخص، بل النسب بينها و بين نسيب الشخص، و لم يثبت كونه جهة للتحريم، فإذا لم تحرم أمّ ولد النبت من جهة النسب، فكيف تحرم من جهة الرضاع؟ مع أنّ دعوى عموم الموصول لكلّ عنوان من العناوين المذكورة في لسان الشارع و لما يستلزمه من العناوين الغير المحصورة، موجب للتكرار في مشمولات (1) العامّ.

فإن قلت: إذا صدق على أمّ ولد البنت أنّها بنت و صدق أنّ كلّ بنت محرّمة من جهة النسب، فلا مساغ لإنكار أنّ أمّ ولد البنت محرّمة من جهة النسب، فيضاف إلى ذلك قوله (عليه السلام): «كلّ ما يحرم من النسب يحرم من الرضاع» (2)، ينتج أنّ أمّ ولد البنت تحرم من جهة الرضاع.

قلت: لا يخفى أنّ المراد بالأمّ في قولنا: «أمّ ولد البنت» إمّا أن تكون هي خصوص الامّ النسبيّة، أو خصوص الرضاعيّة، أو الأعمّ، و كذلك المراد بالبنت، فالاحتمالات تسعة؛ و لا نسلّم الصغرى إلّا في احتمالين منها، إحداهما: أن يراد من الامّ و البنت، النسبيّتان (3) و الثاني: أن يراد من الأمّ النسبيّة، و من البنت الأعمّ.

فإن أريد الأوّل منهما، فالصغرى و الكبرى [مسلّمتان] (4) إلّا أنّ الحاصل منها ليس إلّا قولنا: «إنّ الأمّ النسبيّة لولد البنت النسبيّة محرّمة من جهة النسب» لكن الأصغر في هذه الصغرى غير مندرج تحت الأوسط في

____________

(1) كذا في «ق»، و في «ش»: شمول العامّ، و في «ص» و «ع»: شمولات العامّ.

(2) الوسائل 14: 281، الباب 1 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 5، و فيه: «ما يحرم من النسب فهو يحرم من الرضاع».

(3) في «ق»: النسبيّتين.

(4) ساقطة من «ق».

331

كبرى قوله (عليه السلام): «كلّ ما يحرم من النسب يحرم من الرضاع» لما عرفت من أنّ المراد بالموصول في الحديث هو العنوان الكلّي المشترك بين العنوان الحاصل من علاقة النسب، و الحاصل من علاقة الرضاع، لأنّه الذي يعقل أن يحكم عليه بالتحريم من كلتا الجهتين، أعني الرضاع و النسب؛ و ليس المراد به خصوص العنوان النسبي، إذ لا يعقل الحكم على نفس هذا العنوان بأنّه يحرم من جهة الرضاع إلّا أن يراد أنّه يحرم نظيره، كما ذكرناه سابقا.

و حينئذ فنقول: كون مرضعة ولد البنت نظيرة للأمّ النسبيّة لولد البنت ممنوع، لأنّ الأمّ النسبيّة لولد البنت كانت متّصفة بالبنتيّة، و باعتبارها ثبت لها التحريم، و مرضعة ولد البنت ليست كذلك. نعم، نظيرة الامّ النسبيّة لولد البنت النسبيّة، الامّ النسبيّة لولد البنت الرضاعيّة.

و الحاصل: أنّ المحرّم في النسب أمّ ولد البنت المقيّدة بكونها بنتا، فنظيرها المحرّم في الرضاع أيضا أمّ ولد البنت المقيّدة بذلك القيد؛ غاية الأمر أنّ القيد المذكور في النسب من اللوازم للمقيّد، و في الرضاع ممّا قد يكون و قد لا يكون، فإذا كان فتثبت النظارة، و إلّا فلا نظارة فلا حرمة.

و إن أريد الثاني منهما، فالمقدّمتان مسلّمتان، و يستنتج منهما أنّ الأمّ النسبيّة لولد البنت مطلقا محرّمة من جهة النسب، و لو باعتبار بعض أفرادها، و هي الأم النسبيّة لولد البنت النسبيّة فيصحّ أن يضمّ إليه قوله (عليه السلام): «كلّ ما يحرم من النسب يحرم من جهة الرضاع» (1)، فيصير حاصل هذا: أنّ الأمّ النسبيّة لولد البنت مطلقا عنوان كلّي مشترك بين أمّ ولد البنت النسبيّة و أمّ

____________

(1) الوسائل 14: 281، الباب 1 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 5، و فيه:

«ما يحرم من النسب فهو يحرم من الرضاع».

332

ولد البنت الرضاعيّة، و هذا العنوان الكلّي يصدق عليه أنّه يحرم من جهة الرضاع كما يحرم من جهة النسب، و حينئذ فلا يستفاد من الحديث حكم مرضعة ولد البنت بوجه من الوجوه.

و بهذا تقدر على دفع ما يورد في نظائر هذا العنوان؛ و إن كان تقرير الدفع مخالفا له في الجملة.

فإذا قيل مثلا: «أمّ الأخ للأبوين أمّ، و كلّ أمّ محرّمة، فأمّ الأخ للأبوين محرّمة»، ثمّ يضمّ إلى ذلك قولنا: «كلّ ما يحرّم من جهة النسب يحرم من جهة الرضاع» أجبنا عنه: بأنّ «أمّ الأخ» لا يخلو من أن يراد به الاحتمالات التسعة المذكورة، و على فرض إرادة ما عدا احتمالين منهما (1) تكون الصغرى ممنوعة، فإنّ التي يصدق عليها «الامّ» ليس إلّا الأمّ النسبيّة للأخ النسبي، أو مرضعة الأخوين الرضاعيّين.

فإن أريد ب«أمّ الأخ» في الصغرى خصوص الأوّل، دفع بما دفع به الاحتمال الأوّل في أمّ ولد البنت. و إن أريد به الأعمّ من الأوّل- أعني العنوان الكلّي الملازم لصدق الامّ- فلا تدلّ النتيجة الحاصلة بعد ضمّ الحديث إليها على تحريم مرضعة الأخ.

و يمكن الجواب عن أصل الإيراد بمنع كون الموصول للعموم، بل المتبادر منه الإشارة إلى العنوانات المعهودة المتداولة على لسان الشارع، و تعلّق التحريم بها في كلامه.

ثمّ اعلم أنّ المراد في الحديث ليس خصوص النسب الحاصل بين المحرّم و المحرّم عليه، حتّى يخصّ الحديث بتحريم نظائر العنوانات السبع

____________

(1) كذا في ظاهر «ق» أيضا، و الصحيح «منها».

333

النسبيّة من الرضاع، بل المراد به هو الأعمّ منه و من الحاصل بين المحرّم و زوج المحرّم عليه أو ما الحق بزوجة- كالمزنيّ بها (1) و الموطوءة بالشبهة، أو الغلام الموطوء، و نحو ذلك- لأنّ التحريم في العنوانات السبع كما أنّها متوجّهة بجهة النسب، كذلك في هذه العنوانات، مثلا قوله تعالى وَ أُمَّهٰاتُ نِسٰائِكُمْ (2) دالّ على تعلّق التحريم بأمّ الزوجة من حيث امومتها للزوجة، فإذا حصل نظير هذه الجهة من الرضاع حرّمت.

و الحاصل: أنّه لا فرق بين تحريم الامّ و تحريم أمّ الزوجة في تعلّق التحريم في كلّ منهما بعنوان النسبيّ، فيحرم نظيره من الرضاع، و سيأتي زيادة توضيح لذلك إن شاء اللّٰه تعالى.

____________

(1) لا يخفى أنّ المناسب لسياق الكلام: التمثيل بالفاعل، و العبارة لا تخلو من إغلاق.

(2) النساء: 23.

334

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

335

[تفاصيل المسائل المتقدمة]

إذا عرفت هذا فلنرجع إلى بيان تفاصيل المسائل المذكورة، فنقول:

المسألة الاولى لا شكّ في تحريم المرتضع على المرضعة

بالإجماع و الكتاب و السنّة؛ لأنّها امّه.

[المسألة] الثانية لا تحرم أصول المرتضع المذكور على المرضعة من جهة إرضاعها إيّاه

سواء في ذلك أبوه، و أجداده لأب كانوا أم لام.

أمّا عدم التحريم على الأب: فظاهر؛ لأنّ المرضعة لم تزد على أن صارت امّا لولده، و أمّ الولد أولى بالتحليل من كلّ أحد.

و أمّا على أجداده لأبيه: فلأنّها لم تزد على أن صارت أمّا لولد ابنه،

336

و أمّ ولد الابن إنّما تحرم على الجدّ لأنّها زوجة ابنه، و الزوجيّة للابن لا تحصل بإرضاع ولد الابن، لأنّ الزوجيّة لا تثبت بالرضاع. و بتقرير أوضح:

أنّ التحريم تعلّق على حليلة الابن، و لا شكّ أنّ مرضعة ولد الابن ليست حليلة للابن.

و أمّا على أجداده لأمّه: فلأنّ غاية ما حصل بالرضاع كون المرضعة أمّا لولد بنته، و أمّ ولد البنت إنّما تحرم إذا كانت بنتا بالنسب أو الرضاع، و هذه لم تصر إحداهما. و قد مرّ (1) مشروحا في تفسير الحديث النبوي: أنّه لا يدلّ إلّا على تحريم ما صدق عليه- بعلاقة الرضاع- أحد العناوين المحرّمة على لسان الشارع، فيجب الرجوع في غيرها إلى أدلّة الحلّ.

و الحاصل: أنّه إذا حصل بالرضاع عنوان مستلزم في النسب لأحد العناوين المعلّق عليها التحريم غير ملازم له في الرضاع، لا يثبت له التحريم، لأنّ ذلك العنوان النسبيّ الملزوم إنّما حرم لتقيّده باللازم و إن كان هذا القيد غير منفكّ عنه، فإن حصل هذا القيد في العنوان الرضاعي- حتّى يتمّ كونه نظيرا للعنوان النسبي و كونهما تحت عنوان كلّي ينتزع من الحاصل بالنسب و الحاصل بالرضاع- حصلت الحرمة، و إلّا فلا.

ثمّ إذا لم تحرم أصول المرتضع نسبا على المرضعة، لم تحرم أصوله الرضاعيّة عليها بطريق أولى.

[المسألة] الثالثة تحرم فروع المرتضع على المرضعة

لأنّهم أحفادها؛ و لا فرق بين

____________

(1) في الصفحة: 286.

337

الفروع النسبيّة و الرضاعيّة. نعم يأتي على قول العلّامة و المحقّق الثاني (رضوان اللّٰه عليه)ما في القواعد (1) و شرحه (2) عدم تحريم فروع المرتضع الرضاعيّة على المرضعة، حيث حكما بأنّ مرضعة المرضعة لا تحرم على المرتضع، فإنّ المرتضع من الفروع الرضاعيّة للمرتضعة من المرضعة، و قد عرفت ضعف هذا القول و متمسّكه (3).

[المسألة] الرابعة حواشي المرتضع

- أعني من في طبقته من الإخوة- لا يحرمون على المرضعة من جهة ارتضاع أخيهم منها؛ لأنّها لم تزد على أن صارت أمّا رضاعيّة لأخيهم، و لا دليل على تحريم أمّ الأخ. نعم، هي محرّمة في النسب من جهة كونها امّا أو زوجة أب، و لم يحصل شيء منهما بالرضاع.

و أمّا الإخوة من الرضاع للمرتضع فهم أولى بعدم التحريم عليها.

و قد يزيد في الاستدلال على ما ذكرنا: بأنّ أمومة الأخ غير ملازمة للأمومة، لتفارقهما في زوجة الأب و الامّ التي ليس لها إلّا ولد واحد.

و فيه: أنّ لمتوهّم التحريم أن يقول: إنّ الأمّ النسبيّة للأخ من الأبوين محرّمة، لأنّها لا تنفكّ عن كونها إمّا، فالامّ الرضاعيّة له أيضا محرّمة.

فالأجود الاقتصار على ما ذكرناه، و أنّ الملازمة بين العنوانين في النسب و إن كانت مسلّمة، إلّا أنّ التحريم هناك من جهة أحد المتلازمين

____________

(1) قواعد الأحكام 2: 13.

(2) جامع المقاصد 12: 257 و 258.

(3) راجع الصفحة: 326.

338

الغير الحاصل بسبب الرضاع.

ثمّ إنّ حكم فروع حواشي المرتضع حكم نفس الحواشي في عدم التحريم على المرضعة، لأنّ الفرع لا يزيد على الأصل في الحرمة.

[المسألة] الخامسة يحرم المرتضع على أصول المرضعة من النساء و تحرم المرتضعة على أصولها من الذكور

لأنّ المرتضع من أحفادهم، و لا فرق بين أصولها بالنسب و أصولها بالرضاع؛ و لا إشكال فيه و لا خلاف ظاهرا.

و حكم حواشي أصول المرضعة من العمومة و الخؤولة حكم نفس الأصول في التحريم، سواء كانت من النسب أو من الرضاع.

[المسألة] السادسة لا تحرم أصول المرتضع على أصول المرضعة

لما تقدّم في المسألة الثانية.

[المسألة] السابعة تحرم فروع المرتضع على أصول المرضعة

لأنّهم جدودتهم.

[المسألة] الثامنة لا تحرم حواشي المرتضع و فروعهم على أصول المرضعة و حواشيهم

لما تقدّم في المسألة الرابعة.

339

[المسألة] التاسعة يحرم المرتضع على فروع المرضعة نسبا

و هم المتولّدون منها- و إن نزلوا، سواء كان أبوهم فحلا للمرتضع أم لا، لثبوت الأخوة من قبل الامّ بينه و بينهم من جهة الرضاع.

و لا يشترط اتّحاد الفحل هنا، بلا خلاف على الظاهر المصرّح به في كلام غير واحد (1)، لإطلاق الكتاب و السنّة؛ مضافا إلى خصوص موثّقة جميل بن درّاج- بأحمد بن الحسن [بن عليّ] بن فضّال- عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): «قال: إذا رضع (2) الرجل من لبن امرأة حرم عليه كلّ شيء من ولدها، و إن كان الولد من غير الرجل الذي كانت أرضعته بلبنه» (3).

و يؤيّدها رواية محمّد بن عبيدة الهمداني المتقدّمة (4) في استدلال الطبرسي (قدّس سرّه).

و أمّا فروع المرضعة من حيث الرضاع- و هم أولادها من الرضاع- فيشترط في تحريم المرتضع عليهم اتّحاد الفحل على المشهور، خلافا للطبرسي (قدّس اللّٰه روحه) و قد مرّ ضعفه، لورود الخبر الصحيح و ما في حكمه على خلافه (5).

____________

(1) صرّح به في الحدائق 23: 375، و الجواهر 29: 304.

(2) كذا في الوسائل و «ق»، و في سائر النسخ و هامش «ق»: ارتضع.

(3) الوسائل 14: 306، الباب 15 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 3.

(4) تقدّمت في الصفحة: 321.

(5) تقدّم في الصفحة: 321.

340

[المسألة] العاشرة تحرم أصول المرتضع على فروع المرضعة من النسب

على الأظهر و إن كانت القاعدة لا تقتضي ذلك؛ نظرا إلى أنّ فروع المرضعة لا تزيد على أن تكون إخوة لولد أصول المرتضع، و أخ الولد أو أخته لا دليل على تحريمه من حيث اخوّة لولد، و إنّما يحرم حيث يحرم إمّا من حيث كونه ولدا، و إمّا من حيث كونه ولدا لأحد الزوجين؛ و لذا حكي عن جماعة- منهم الشيخ في المبسوط- عدم التحريم (1)، إلّا أنّه قد دلّ غير واحد من الأخبار المعتبرة على التحريم.

مثل ما رواه في التهذيب عن أيّوب بن نوح في الصحيح: «قال: كتب عليّ بن شعيب إلى أبي الحسن (عليه السلام): امرأة أرضعت بعض ولدي، هل يجوز أن أتزوّج بعض ولدها؟ فكتب (عليه السلام): لا يجوز ذلك (2) لأنّ ولدها صارت بمنزلة ولدك» (3).

و مثل ما رواه الكليني (قدّس سرّه) عن محمّد بن يحيى، عن عبد اللّٰه بن جعفر: قال: «كتبت إلى أبي محمّد (عليه السلام): امرأة أرضعت ولد الرجل، هل يحلّ لذلك الرجل أن يتزوّج ابنة هذه المرضعة أم لا؟ فوقّع (عليه السلام):

لا يحلّ» (4).

____________

(1) المبسوط 5: 305.

(2) في المصدر: لا يجوز لك ذلك.

(3) التهذيب 7: 321، الحديث 1324.

(4) الكافي 5: 447، الحديث 18؛ و فيه: «لا، لا تحلّ له».

341

و اعلم أنّه قد يتفرّع على [هذا] (1) القول: أنّه لو أرضعت ولدا جدّته لأمّه بلبن جدّه أو غيره، حرمت امّه على أبيه، لأنّ امّه من أولاد المرضعة، فتحرم على أصول المرتضع.

و أمّا تحريم الجدّة المرضعة على جدّه من غير جهة صيرورتها امّا لولد بنته، فقد تقدّم في المسألة الثانية: أنّه لا وجه له.

هذا كلّه من فروع المرضعة نسبا، و أمّا فروعها بالرضاع: فلا دليل على تحريمهم على أصول المرتضع، لأنّ «الولد» و «البنت» في الخبرين المتقدّمين (2) ظاهران في خصوص النسبيّ، فيبقى حكم الرضاعي بأقسامه تحت أصالة الإباحة.

اللّٰهم إلّا أن يقال: إنّه إذا ثبت التحريم في الولد النسبيّ للمرضعة، ثبت في الولد الرضاعي لها؛ لأنّه «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب».

و فيه: أنّ الإمام (عليه السلام) حكم بتحريم ولد المرضعة على أب المرتضع لا من حيث هو ولدها حتّى يحرم ولدها الرضاعي أيضا، بل لأجل كونها بمنزلة ولد أب المرتضع نسبا، و هذا المعنى غير معلوم في ولدها الرضاعي؛ فتأمّل.

مع أنّ هذا الكلام لا يصحّ في ولدها الرضاعي الذي ارتضع بلبن فحل غير فحل المرتضع الذي يكون الكلام في أصوله، لعدم الاخوّة بين ذلك الولد و بين المرتضع على قول غير الطبرسي؛ و من الظاهر- بل المقطوع- أنّ كون ولد المرضعة بمنزلة ولد أب المرتضع فرع الاخوّة الرضاعيّة للمرتضع

____________

(1) ليس في «ق».

(2) أي خبري التهذيب و الكافي.

342

المفقودة مع تعدّد الفحل؛ و إنّما يصحّ هذا الكلام- لو صحّ- في صورة اتّحاد الفحل و حدوث الاخوّة بين ذلك الولد و بين المرتضع، و حينئذ فيكون هذا الولد من أولاد الفحل رضاعا؛ و سيأتي الكلام فيه في مسألة تحريم أصول المرتضع على فروع الفحل.

و اعلم أنّ الخبرين المذكورين (1) و إنّ دلّا على تحريم أولاد المرضعة نسبا على أب المرتضع، لكن الظاهر تحريمهم على أمّ المرتضع أيضا، لأنّ كونهم بمنزلة ولد أبيه يستلزم كونهم بمنزلة ولد امّه، و لذا استفيد من تحريم البنات على الآباء تحريم الأبناء على الأمّهات.

[المسألة] الحادية عشرة فروع المرتضع و إن نزلوا نسبا أو رضاعا يحرمون على فروع المرضعة في المرتبة الأولى

لأنّهم خئولة لفروع المرتضع؛ و لا فرق بين فروع المرضعة نسبا و فروعها رضاعا مع نشر الرضاع بينهم و بين نفس المرتضع. و أمّا فروع المرضعة في غير المرتبة الاولى فلا يحرمون على فروع المرتضع مطلقا، لأنّهم أولاد خئولة لهم.

[المسألة] الثانية عشرة من في حاشية نسب المرتضع أو رضاعه- أعني إخوته أو أخواته النسبيّة أو الرضاعيّة- لا يحرمون لأجل ارتضاع أخيهم على فروع المرضعة الرضاعيّة

بلا إشكال و لا خلاف، لأنّهم لم يزيدوا على أن صاروا إخوة

____________

(1) تقدّما في الصفحة: 340.

343

لأخي أولئك الحواشي، أو أولادا لأمّ أخيهم، و لم يتعلّق التحريم في الشريعة بأحد العنوانين. و كذا فروع المرضعة النسبيّة- و هم المتولّدون منها- لا تحرم عليهم حواشي المرتضع الرضاعيّة، لما ذكر.

و أمّا تحريم حواشي المرتضع من النسب على فروع المرضعة النسبيّة فاختلف فيه، فالأشهر- كما قيل (1)- عدم التحريم لما ذكر، و هو الأظهر.

و قيل بالتحريم (2)، لأنّ فروع المرضعة إذا صاروا بمنزلة ولد أبوي المرتضع- بحكم ما تقدّم في المسألة العاشرة- فقد صاروا إخوة لأولادهما الذين هم حواشي المرتضع.

و فيه: منع استلزام صيرورتهم أولادا للأبوين صيرورتهم إخوة لأولادهما، إذ لا مستند له إلّا تلازم عنواني النبوّة للأبوين مع الاخوّة للإخوة، و هو مسلّم إذا حدثت بالرضاع نفس البنوّة للأبوين، كما إذا ارتضع شخص بلبنهما، فإن بنوّته لهما تستلزم اخوّته لأولادهما. و أمّا إذا حدث به شيء آخر حكم الشارع بكونه بمنزلة البنوّة للأبوين في أحكامها الشرعيّة، فلا يلزم ثبوت الاخوّة للإخوة.

و الحاصل: أنّ العنوان الحاصل بارتضاع ولد الأبوين من امرأة ذات أولاد ليس إلّا كون أولادهما إخوة للمرتضع؛ و من المعلوم- ممّا سبق في

____________

(1) قاله الشهيد الثاني في المسالك 1: 377، و المحدّث البحراني في الحدائق 23:

399.

(2) النهاية: 462، و انظر الخلاف، كتاب النكاح، المسألة 73 و المسألة الاولى من كتاب الرضاع.

344

المسألة الثانية- أنّ بمجرّد هذا العنوان لا يحرم هؤلاء الأولاد على أبوي المرتضع و لا على إخوته، لكن لمّا دلّ الدليل على كون الأولاد بمنزلة أولاد الأبوين في جميع الأحكام الشرعيّة- التي من جملتها تحريمهم عليهما- حكم به، لكن لا يستلزم ذلك كونهم (1) بمنزلة الإخوة لأولادهما حتّى يحرموا عليهم.

و كذا ليس من الأحكام الشرعيّة لأولاد الأبوين تحريم بعضهم على بعض، فإنّ التحريم في آية المحرّمات (2) إنّما علّق على عنوان الأخ و الأخت، لا على ولد الأبوين أو أحدهما.

و من هنا ظهر ما في استدلال صاحب الكفاية على التحريم بأنّ كونهم بمنزلة الولد يقتضي أن يثبت لهم جميع الأحكام الثابتة للولد من حيث الولديّة، و من جملة أحكامه تحريم أولاد الأب عليه (3) إذ لا يخفى أنّ تحريم أولاد الأب على الولد ليس من حيث الولديّة للأب، بل من حيث اخوّته للأولاد.

اللّٰهم إلّا أن يقال: إنّ الاخوّة التي نيطت بها الحرمة في آية المحرّمات ليس مفهومها العرفي- بل الحقيقي- إلّا كون الشخصين ولدا لواحد، فكونهم أولادا لأبيه أو لأمّه عين كونهم إخوة له، لا أنّه عنوان آخر ملازم له.

و يشهد لذلك تعليل تحريم المرتضعة من لبن ولد على أخيه من

____________

(1) في «ق»: كونهما، و الظاهر أنّه سهو.

(2) النساء: 23.

(3) كفاية الأحكام: 161.

345

أبيه في صحيحة صفوان- المرويّة في الكافي- بصيرورة أبيه أبا لها و امّه أمّا لها (1).

و ليس هذا إلّا لأنّه إذا ثبتت أبوّة الرجل لشخص و أمومة المرأة له ثبتت اخوّة أولادهما له، فيحرمون عليه من هذه الجهة.

فالقول بالتحريم في المسألة لا يخلو عن قوّة، وفاقا للمحكيّ عن الشيخ (2) و بعض المتأخّرين (3).

[المسألة] الثالثة عشر يحرم المرتضع على من في حاشية نسب المرضعة

- أعني إخوتها و أخواتها- و كذا من في حاشية رضاعها- و هم إخوتها و أخواتها من الرضاع- بلا إشكال و لا خلاف.

و يدلّ على تحريم إخوتها من الرضاع- المستلزم لتحريم إخوتها من النسب بالأولويّة و عدم القول بالفصل- صحيحة الحلبي المرويّة في الكافي و التهذيب: «قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل يرضع من امرأة و هو غلام، أ يحلّ له أن يتزوّج أختها لأمّها من الرضاع؟ فقال: إن كانت المرأتان رضعتا من امرأة واحدة من لبن فحل واحد فلا يحلّ، و إن كانت المرأتان رضعتا من امرأة واحدة من لبن

____________

(1) الكافي 5: 444، الحديث 3.

(2) تقدّم في هامش الصفحة: 343 عن النهاية و الخلاف.

(3) محكيّ عن الشهيد في بعض تحقيقاته، كما في الجواهر 29: 317، و قوّاه المحقّق السبزواري في كفاية الأحكام: 161.

346

فحلين فلا بأس» (1).

و نحوها موثّقة عمّار المتقدّمة معها (2) في أدلّة القول المشهور باعتبار اتّحاد الفحل في مقابل الطبرسي (قدّس سرّه)، فتأمّل.

و في حكم أولئك الحواشي فروعهم، فيحرم المرتضع عليهم.

[المسألة] الرابعة عشر لا تحرم أصول المرتضع على من في حاشية نسب المرضعة

فيجوز لآباء المرتضع- و إن علوا- التزويج في أخوات المرضعة، و لإخوتها التزويج في أمّهات المرتضع.

و لا يتوهّم في الأوّل كون المرضعة في حكم الزوجة فلا يجوز العقد على أختها؛ لعدم ثبوت الزوجيّة بالرضاع، و لا في الثاني كون أمّ المرتضع امّا لولد أخت إخوة المرضعة و أمّ ولد الأخت محرّمة لكونها أختا؛ لما مرّ من أنّ الحرمة إنّما تعلّقت على عنوان «الأخت» لا على «أمّ ولد الأخت» و إن تلازم العنوانان في النسب.

[المسألة] الخامسة عشر تحرم فروع المرتضع على حواشي نسب المرضعة و رضاعها

لكونهم خئولة لأبيهم بلا إشكال و لا خلاف، و لا يحرمون على فروع أولئك الحواشي.

____________

(1) الكافي 5: 443، الحديث 11. و التهذيب 7: 321، الحديث 1323.

(2) تقدّمت في الصفحة: 323.

347

[المسألة] السادسة عشر لا يحرم من في حاشية نسب المرتضع على من في حاشية نسب المرضعة

فيجوز لإخوة المرتضع التزويج في أخوات المرضعة، و لإخوة المرضعة التزويج في أخوات المرتضع؛ لما مرّ في المسألة الرابعة: من عدم تحريم حواشي المرتضع على نفس المرضعة، فعدم تحريمهم على حواشيها أولى، و المستند في الكلّ عدم الدليل، إذ لم يحدث بينهم بالرضاع عنوان من العناوين المتعلّقة بها التحريم في النسب.

[المسألة] السابعة عشر يحرم المرتضع لو كانت أنثى على الفحل

إجماعا؛ لأنّها بنته من الرضاع.

[المسألة] الثامنة عشر لا تحرم أصول المرتضع الإناث- أعني أمّهاته، و إن علون- على الفحل

أمّا أمّة: فواضح. و أمّا جدّاته: فكذلك على الأشهر؛ لأنّ غاية ما حصل بالرضاع كونهنّ جدّات لولده، و جدّات الولد لا يحرمن على الأب إلّا من جهة كونهنّ جدّات لنفس الأب، أو أمّهات أزواجه، و لم يحصل بالرضاع شيء من العنوانين في المقام.

و نسب إلى ابن إدريس تحريم جدّة المرتضع على الفحل (1).

____________

(1) السرائر 2: 555.

348

و هو ضعيف.

ثمّ إذا لم تحرم أصول المرتضع على الفحل، لم تحرم فروع تلك الأصول عليه؛ فعمّة المرتضع و خالته لا تحرمان على الفحل، لأنّ الفرع لا يزيد على الأصل.

[المسألة] التاسعة عشر تحرم فروع المرتضع و إن نزلوا على الفحل

لكونهم بمنزلة أحفاده، من غير فرق بين فروعه الرضاعيّة و النسبيّة، بلا خلاف و لا إشكال في ذلك.

[المسألة] العشرون لا تحرم من في حاشية نسب المرتضع- أعني أخواته- على الفحل

على الأشهر، لعدم الدليل على التحريم، عدا ما يتخيّل من كونها أخوات لولده، و لا يخفى أنّ التحريم لم يتعلّق بهذا العنوان، و إنّما تعلّق بعنوان «البنت» أو «الربيبة» اللذين لا ينفكّ أحدهما عن عنوان «أخت الولد» في النسب.

و نسب إلى الشيخ في الخلاف و ابن إدريس: تحريم أخت المرتضع على الفحل (1)، و هو ضعيف.

[المسألة] الحادية و العشرون يحرم المرتضع على أصول الفحل

لكونهم جدودة له بلا خلاف

____________

(1) الخلاف، كتاب الرضاع، المسألة: 1، السرائر 2: 555.

349

[المسألة] الثانية و العشرون لا تحرم أصول المرتضع على أصول الفحل

فيجوز لآباء المرتضع أن يتزوّجوا في أمّهات الفحل، و كذا لآباء الفحل أن يتزوّجوا في أمّهات المرتضع، لعدم الدليل إلّا بتخيّل كون أمّهات الفحل بمنزلة جدّات المرتضع، فيحرم على أبيه و على بعض أجداده؛ و كذا أمّهات المرتضع بالنسبة إلى آباء الفحل.

[المسألة] الثالثة و العشرون تحرم فروع المرتضع على أصول الفحل

لأنّهم جدودة له؛ و قد مرّ تحريمهم على الفحل، لكونهم أحفادا له؛ فيحرمون على آبائه أيضا، لأنّ المحرّم على شخص لأجل النسب محرّم على آبائه أيضا، فكذلك في الرضاع.

[المسألة] الرابعة و العشرون لا يحرم من في حاشية نسب المرتضع على أصول الفحل

لما تقدّم من عدم حرمتهم على نفس الفحل، و يجري هنا الخلاف المنسوب إلى ابن إدريس في تلك المسألة.

[المسألة] الخامسة و العشرون يحرم المرتضع على فروع الفحل نسبا و رضاعا و إن نزلوا

لأنّهم إخوة

350

أو أولاد إخوة بلا خلاف في ذلك، و يدلّ عليه بعد الإجماع أخبار كثيرة (1).

و لا فرق في الفروع بين كونهم من مرضعة المرتضع أو من غيرها، فلو كان لرجل عشر نساء و كان له من كلّ منها بنت و ابن من الولادة، و أرضعت كلّ واحدة منهنّ غلاما و جارية بلبن ذلك الفحل، حرم الذكور العشرون على البنات العشرين.

[المسألة] السادسة و العشرون تحرم أصول المرتضع على فروع الفحل

- أعني المتولّدين [منه] (2)- و إن لم تقتضه القاعدة، من جهة أنّ فروع الفحل لم يزيدوا على أن صاروا إخوة لولد أصول المرتضع، و لا دليل على تحريم إخوة الولد من حيث هم إخوة الولد؛ و لهذا قيل هنا بعدم التحريم (3).

إلّا أنّ الأظهر التحريم؛ لصحيحة عليّ بن مهزيار: «قال: سأل عيسى ابن جعفر بن عيسى أبا جعفر الثاني (عليه السلام): أنّ امرأة أرضعت لي صبيّا، هل يحلّ لي أن أتزوّج ابنة زوجها؟ فقال لي: ما أجود ما سألت! من هاهنا يؤتى أن يقول الناس: حرمت عليه امرأته من قبل لبن الفحل، هذا هو لبن

____________

(1) الوسائل 14: 305، الباب 15 من أبواب ما يحرم بالرضاع، و يدلّ عليه أيضا أخبار من الباب 6 و 8 منها.

(2) لم ترد في «ق».

(3) نسبه الشهيد الثاني في المسالك إلى جماعة من الأصحاب منهم الشيخ في المبسوط، لكن لم نقف فيه على كلام ظاهر في ما نسب إليه، انظر المبسوط 5: 292 و 305؛ و قد نبّه على ذلك المحدّث البحراني في الحدائق 23: 391، و ممّن قال هنا بعدم التحريم القاضي في المهذب 2: 191.

351

الفحل لا غيره. فقلت له: الجارية ليست ابنة المرأة التي أرضعت لي، هي ابنة غيرها؛ فقال: لو كنّ عشرا متفرّقات ما حلّ لك شيء منهنّ، و كنّ في موضع بناتك» (1).

و الرواية و إن اختصّت بتحريم ولد الفحل على أب المرتضع، إلّا أنّ تحريمهم على امّه أيضا ثابت بالإجماع المركّب ظاهرا؛ مع أنّ كونهم بمنزلة بنات أب المرتضع يستلزم كونهم بمنزلة بنات (2) امّه.

ثمّ إنّ ظاهر الرواية- كما ترى- مختصّ بفروع الفحل نسبا، و يلحق بهم فروعه رضاعا، و لعلّه لقاعدة: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»، فإذا حرم ولد الفحل نسبا على أصول المرتضع حرم ولده رضاعا، و لأنّ منشأ صيرورتهم أولادا لأصول المرتضع اخوّته لولدهم، و لا فرق بين الاخوّة النسبيّة و الرضاعيّة.

[المسألة] السابعة و العشرون يحرم فروع المرتضع نسبا و رضاعا و إن نزلوا على فروع الفحل نسبا و رضاعا في المرتبة الأولى

لأنّهم عمومة لفروع المرتضع، و أمّا فروع الفحل في غير المرتبة الاولى فلا يحرمون على فروع المرتضع.

[المسألة] الثامنة و العشرون لا يحرم من في حاشية نسب المرتضع- و هم إخوته و أخوته- على فروع الفحل

____________

(1) الوسائل 14: 296، الباب 6 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 10.

(2) كذا جرى بقلم المصنّف (قدّس سرّه). و المناسب: «أبناء امّه» كما في «ش».

352

لأنّهم لم يزيدوا على أن صاروا بالرضاع إخوة لأخي أولئك، و اخوّة الأخ ليست موجبة للتحريم؛ إذ قد يتزوّج أخ الرجل لأبيه أخته من امّه، و لو قيّد بالأخ من الأبوين فلا يوجب التحريم، و إنّما يحرم إخوة الأخ للأبوين من جهة كونهم إخوة، و لم يحصل بالرضاع هذا العنوان؛ فالحاصل بالرضاع غير موجب للتحريم، و الموجب للتحريم غير حاصل، خلافا للشيخ (1) و جماعة (2) فحكموا بالتحريم، لأنّ صيرورة الفروع بمنزلة الأولاد لأصول المرتضع- بحكم صحيحة ابن مهزيار المتقدّمة (3)- يستلزم كونهم إخوة لإخوة المرتضع، فيحرمون عليهم، و قد سبق في المسألة الثانية عشرة أنّ هذا القول لا يخلو عن قوّة.

[المسألة] التاسعة و العشرون يحرم المرتضع على من في حاشية نسب الفحل أو رضاعه

لأنّهم عمومة له؛ و هذا ممّا لا إشكال فيه و لا خلاف.

[المسألة] الثلاثون لا تحرم أصول المرتضع على من في حاشية نسب الفحل

إذ لم يحدث بينهم بالرضاع رابطة من الروابط المحرّمة.

____________

(1) النهاية: 462. و انظر الخلاف 4: 302، كتاب النكاح، المسألة 73، و المسألة الاولى من كتاب الرضاع.

(2) محكيّ عن الشهيد في بعض تحقيقاته، كما في الجواهر 29: 317، و قوّاه المحقّق السبزواري في الكفاية: 161.

(3) تقدّمت في الصفحة: 350.

353

[المسألة] الحادية و الثلاثون يحرم فروع المرتضع نسبا و رضاعا و إن نزلوا على من في حاشية نسب الفحل نسبا أو رضاعا

لأنّهم عمومة لأبيهم، و يحلّ لهم فروع أولئك الحواشي.

[المسألة] الثانية و الثلاثون لا يحرم من في حاشية نسب المرتضع على من في حاشية نسب الفحل

لأنّ حواشي المرتضع لا تحرم على نفس الفحل، فأولى بأن لا تحرم على حواشيه، و يجيء على القول المنسوب إلى ابن إدريس (رحمه اللّٰه) في تحريم أخت المرتضع على الفحل (1) تحريمها على إخوته. لكنّه لا دليل عليه.

____________

(1) السرائر 2: 555.

354

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

355

و ينبغي التنبيه على أمور:

[الأول الرابطة النسبية المحرمة على نحوين]

الأوّل: حيث قد عرفت أنّ الضابط في حصول الحرمة بالرضاع ملاحظة الرابطة النسبيّة التي علّق عليها التحريم، فإن حصل بالرضاع نظيرها تثبت الحرمة، و إلّا فلا، إلّا ما خرج بالدليل، كما عرفت في المسألة العاشرة و السادسة و العشرين.

و لا عبرة بأن يحصل بالرضاع رابطة مغايرة للرابطة المعلّق عليها التحريم، مقارنة معها في الوجود دائما أو في بعض الأحيان.

و ما دلّ على خروج المسألتين السابقتين أو نحوهما عن هذه الضابطة لا يعطي ضابطة كلّيّة لتحريم كلّ عنوان ملازم في النسب لعنوانات التحريم، بل يقتصر على مورده؛ إذ التعدّي قياس لا نقول به.

فاعلم أنّه لا فرق في الرابطة النسبيّة- التي يكون نظيرها الحاصل بالرضاع محرّما- بين أن يكون التحريم المعلّق عليها لأجل وجودها بين نفس المحرّم و المحرّم عليه، و يسمّى بالمحرّم النسبي- كما في المحرّمات السبع

356

النسبيّة- و بين أن يكون التحريم لأجل وجودها بين المحرّم و زوج المحرّم عليه أو من في حكمه، و يسمّى بالمحرّم لأجل المصاهرة، و هي عبارة: عن علاقة تحدث بين كلّ من الزوجين و أقرباء الآخر، كأمّ الزوجة مثلا؛ فإنّ التحريم علّق على أمومة الزوجة، و هي رابطة نسبيّة بين المحرّم- و هي الأمّ- و بين زوجة المحرّم عليه، و كأمّ المزني بها، و الموطوءة بالشبهة و غيرهما.

و تسمية الأوّل ب«المحرّم لأجل النسب» و الثاني ب«المحرّم لأجل المصاهرة» باعتبار ملاحظة العلاقة الكائنة بين نفس المحرّم و المحرّم عليه.

و أنّها قد تكون نفس الرابطة النسبيّة المعلّق عليها التحريم- كما في المحرّمات السبع- و قد يكون أمرا حاصلا منها- كما في المحرّمات بالمصاهرة- و لكن التحريم في الكلّ معلّق على الرابطة النسبيّة.

أمّا في المحرّمات السبع: فظاهر.

و أمّا في المحرّمات بالمصاهرة: فلأنّ تحريم أمّ الزوجة لم يعلّق في الكتاب و السنّة على علاقة المصاهرة التي بينها و بين الزوج، و إنّما علّق على الرابطة النسبيّة التي بينها و بين زوجة الزوج، و هي الأمومة، و كذا غيرها.

و من هنا ظهر فساد ما ربّما يسبق إلى الوهم من أنّ قوله (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم): «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» (1) إنّما يدلّ على تحريم نظائر المحرّمات السبع الحاصلة بالرضاع، و لا يدلّ على تحريم نظائر المحرّمات بالمصاهرة إذا حصلت بالرضاع، كمرضعة الزوجة و رضيعتها و نحوهما؛ لأنّ هؤلاء لا يحرمن من النسب حتّى يحرم نظائرها من الرضاع، و إنّما يحرمن أجل المصاهرة.

____________

(1) الوسائل 14: 280 و 282، الباب 1 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 1 و 7.