مشارق الأحكام

- الشيخ محمد بن احمد النراقي المزيد...
510 /
459

[المشرق السادس و عشرون] [في اقتضاء اليد الملكية]

مشرق: من القواعد المتداولة بل المسلّمة عند الفقهاء: اقتضاء اليد للملكية أو الاختصاص في ظاهر الشرع، إلى أن يخرج عنها بدليل كاشف عن الواقع، من بيّنة أو إقرار و نحوهما.

و عن بعضهم: كونها إجماعية.

و عن آخر: أنّها ضرورية.

و عليها استفاضت الأخبار في موارد غير عديده. بل قيل: إنّها متواترة معنوية.

و من أدلّتها على الإطلاق و الضابطة الكلّية، رواية حفص بن غياث، المروية في الكتب الثلاثة (1)، المنجبرة بعمل الكلّ، و فيها: أ رأيت إذا رأيت في يد رجل شيئا أ يجوز أن أشهد أنّه له؟ قال: «نعم» قلت: فلعلّه لغيره: قال: «و من أين جاز لك أن تشتريه و صار ملكا لك، ثمّ تقول بعد الملك: هو لي، و تحلف عليه، و لا يجوز أن تنسبه إلى من صار ملكه إليك من قبله؟» ثم قال: «و لو لم يجز هذا ما قام سوق للمسلمين».

____________

(1) الكافي 7: 387، الحديث 1؛ التهذيب 6: 261؛ الفقيه 3: 31.

460

و منها: المرويّ في تفسير القمّي (1) صحيحا، و في الاحتجاج مرسلا، عن مولانا الصادق (عليه السلام)، في حديث فدك لمولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) قال لأبي بكر: «تحكم فينا بخلاف حكم اللّه في المسلمين»؟ قال: لا. قال: «فإن كان في يد المسلمين شيء يملكونه ادّعيت أنا فيه، من تسأل البيّنة؟» قال: إيّاك أسأل البيّنة على من تدّعيه.

قال: «فإذا كان في يدي شيء فادّعى فيه المسلمون، تسألني البيّنة على ما في يدي و قد ملّكته في حياة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و بعده، و لم تسأل المؤمنين على ما ادّعوا عليّ، كما سألتني البيّنة على ما ادّعيت عليهم».

و منها: موثّقة يونس بن يعقوب (2): المرأة تموت قبل الرجل، أو رجل قبل المرأة.

قال: «ما كان من متاع النساء فهو للمرأة، و ما كان من متاع الرجل و النساء فهو بينهما، و من استولى على شيء منه فهو له».

و لا شكّ أنّ ما في اليد يصدق عليه الاستيلاء.

و غير ذلك من الإطلاقات، و ما ورد في موارد خاصة، يعلم من تراكمها كون الجهة المقتضية للاستحقاق هي اليد.

و لا إشكال في ذلك، إنّما يقع الكلام تارة: في معنى اليد و ضبط مصاديقها التي قد يتطرق فيها الإبهام، و أخرى في شرائط اقتضاءها الملكية و ما فيه من الخلاف.

فهنا مقامان:

المقام الأوّل: في المراد من اليد.

لا شبهة أنّه ليس المراد منها العضو المخصوص، بل المعنى المتفاهم منه عرفا و ما فهمه الأصحاب، هو كونه تحت اختيار الشخص و تصرّفاته و الاستنفاع منه،

____________

(1) تفسير القمّي: 501.

(2) التهذيب 9: 302.

461

حيث إنّه المتبادر منه في العرف، و لا يصحّ السلب عنه، سيما بملاحظة القرائن المعيّنة لإرادته في الأخبار، سواء قلنا بكونه معنى مجازيا مشهورا مقترنا بالقرينة الشائعة العرفية في مثل المقام، أو كون هذا التركيب، أعني: ما في اليد حقيقة عرفية فيه.

و لعلّ الأوّل أوجه، نظرا إلى حصول الاختلاف في الظهور العرفي باختلاف المقامات و تغاير المتعلق، فيكون مستندا إلى قرينة المقام، ففي مثل كون الدار في يده يتبادر ذلك و لا يصحّ السلب، دون كون الخاتم و الدرهم في يده. و لو أمر بوضع الدرهم في يد زيد، صحّ العتاب بوضعه عنده بترك الامتثال.

و كيف كان، فالخطب في ذلك بعد ظهور المراد سهل و إنما يتأتّى البحث في صدق هذا المعنى في مواضع:

منها: ما إذا اختلفت آثار الاختصاص فيما بين اثنين، ككون المتاع في بيته و مفتاحه في يد آخر، فاشتبه كون المتاع في يد أيّهما؟

و الظاهر: أنّه إن علم أنّ صاحب البيت وضعه فيه، فهو محكوم بكونه في يده، و إن علم أنّ صاحب المفتاح وضعه، فهو في يده، و إن لم يعلم شيء منهما أشكل الأمر، إلّا إذا علم استيلاء أحدهما عليه.

و منها: ما إذا لم يشاهد التصرفات المتجدّدة فيه. فالظاهر: عدم اشتراطها في صدق اليد، كما صرّح به الوالد العلّامة، فإنّ اليد شيء و التصرّف شيء آخر، و لذا تراهم يقولون: اليد المنفردة من التصرف هل تصح الشهادة لها بالملك؟ فيجردون اليد عن التصرف، و يختلفون في صحّة الشهادة بالملك بمجرّدها، بحيث كانت هي مستند الشاهد.

نعم، قد يكون تجدّد التصرف و تكرّره دليل ظهور اليد، فيشترط- حينئذ- في

462

صدقها، كالعبور و الاستطراق في الطريق الواقع في دار الغير، فلا يحكم باليد بمجرّد عبورهم ساعة أو ساعتين، و نحوه سكنى الدار.

و منها: الاستيلاء عليه، بحيث كان تحت اختياره بتصرّف فيه كيف يشاء من البيع و الشراء و الخراب و العمارة و الانتفاع منه و نحو ذلك من وجوه التصرّفات.

فهل يشترط صدق اليد عليه أم لا؟

الظاهر عدم صدقها مع ظهور خلافه، و لكن لا يشترط العلم به، و لذا يحكم بملكية ما في يد الرجل و انتقاله الى وارثه بعد موته، و إن لم يعلم منه هذا الاستيلاء.

و منها: جزئيته و تابعيته للمتصرف فيه، و إن لم يظهر منه تصرف أو استيلاء عليه بخصوصه، كقطعة أرض في داره.

و من هذا يظهر: أنه لو كان مجرى ماء أحد في دار غيره أو طريق له فيها. لا يخرج عن صدق يد صاحب الدار، بل يد صاحب الماء، و العبور فيها لم يثبت عدا المنفعة، و غاية ما في الحال صدق يد المنفعة عليها، لا ملكية العين، فليس لهما التصرفات العينية أو استنفاع منفعة أخرى منهما.

و منها: ما إذا لم يكن المالك بنفسه مباشرا للتصرف، بل كان وكيله أو مستعيره أو أمينه أو مستأجره أو المتعدّي عليه بغصب. ففي صدق ذي اليد على ما ملكه باعتراف هؤلاء الوسائط، في مقابل دعوى الثالث إشكال. و الظاهر: قبوله باعترافهم، بكون أيديهم نيابية، و حكم يدهم يد المنوب عنه.

المقام الثاني: في بيان الشروط المعتبرة في اقتضاء اليد للاستحقاق.

و هي أمور:

الأوّل: عدم اعتراف ذي اليد بما ينافي ملكيته.

و تفصيل ذلك: أنّ صاحب اليد إمّا يدّعي استحقاقه، أو يعترف بعدمه، و يقول: لا أدري كونه لي، أو لم يظهر منه شيء منها.

463

لا إشكال في اقتضائه في الأوّل، و عدمه في الثاني، لتقدّم الإقرار على اليد إجماعا. و الظاهر: عدمه- أيضا- على اعترافه بالجهل، كما صرّح به والدي، لعدم دليل صالح على الاقتضاء حينئذ، لاختصاص تحقق الإجماع بغير الصورة، و كذا النصوص المتقدّمة، و منع صدق الاستيلاء في الموثقة على ذلك، لظهوره في الاقتدار على التصرف فيه كيف شاء و كيف جاز له، و هو لا يعلم أنه له. و لا ينافي ذلك عدم اشتراط علمه بكونه لمورّثه أو لمن اشتراه منه، لعلمه بملكيته الظاهرية لمن انتقل منه إليه، و كونه محكوما له في ظاهر الشرع كما مرّ.

نعم، لو علم اعتراف صاحب اليد الناقلة منها إليه بعدم علمه أنّه له، فالظاهر:

عدم تملّكه- حينئذ- بالإرث أو الاشتراء أيضا.

و إن لم يظهر من ذي اليد دعوى الملك أو عدمه و لا جهله به، فالظاهر: كونه محكوما له عند غيره، كما إذا كان في يد مورّثه فمات عنه، لإطلاق موثقة يونس، و كذا صدر رواية حفص، باعتبار عموم ترك الاستفصال، و إن لم يكن له ذلك الظهور، لاختصاص تعليله بفعل ما يشير باعترافه.

فرع:

الأوّل: يظهر مما بيّناه دقيقة هي: أنّه لو كان في دار أحد طريق مستحدث يعبر فيه الناس مع اعترافهم بعدم تملّكهم الطريق أو عدم علمهم بالاستحقاق الشرعي ظاهرا عدا واحد منهم، مدّعيا للملكية أو حقّ العبور، فلا يحكم له بذلك، لأنه إن ادّعى الاختصاص به، فليس يده بخصوصه عليه في جملة العابرين، و إن ادّعى الجهة العامّة للعامّة، فيتوقف على عدم اعترافهم بالجهل، كما سمعت.

نعم، إذا كانت يده منفردة بالغة في تكثّر العبور و تكرره إلى حيث صدق يده بالخصوصية عليه عرفا، يحكم له شخصا.

464

الثاني: أن لا يعارض اليد دليل كاشف عن الواقع،

فيقدم الدليل، لما علمت في المشرق السابق: أنّ الأصول العملية و الاجتهادية، بل مطلق الأحكام، بعضها وارد على بعض، و يقدّم الوارد على المورود، بل لا تعارض بينهما حقيقة، و أنّ الورود بأحد الوجهين: إمّا بكون موضوع أحدهما مرتفعا بوجود الآخر، كإباحة ما لا يعلم حرمته عند ظهور دليل حرمته الواقعية، أو بجعل الشارع أحدهما سببا رافعا للآخر، كزوال حلية العصير بالغليان، ثم زوال حرمته بعده بنقصان الثلثين.

و أشرنا ثمة إلى أنّ البيّنة و الإقرار و نحوهما كذلك بالنسبة إلى اليد، فيرتفع حكمها بوجود الرافع، كما أنّ اليد واردة على الاستصحاب، كما ستعلم.

الثالث: أن لا يعارض اليد استصحاب ما يزيل حكم اليد و رافعه.

بيان ذلك: أنّ تعارض اليد و الاستصحاب يقع على وجوه:

منها: أن يكون مقتضى الاستصحاب عدم الملكية، و لكن لم يكن في مقابل ذي اليد مدّع يدّعي خلافه، كما إذا ادّعى صاحب اليد اشتراءه أو استيجاره من مالكه و لم يكن هناك من يدعيه، فليس لأحد أن يزاحمه، و لا يجوز أخذه منه، و له التصرف فيه كيف يشاء، لصدق اليد عليه، و شمول الأخبار له.

و منها: أن يدّعي الاستيجار أو الانتقال، و في مقابله المدّعي ينكره. و الظاهر: أنه لا خلاف- حينئذ- في تقديم قول المدّعي و استصحاب عدم الانتقال و عدم اعتبار اليد، لأنه يدّعي اليد المقيده بالاستيجار أو الابتياع و هو في دعوى القيد مدّع يطالب بالبيّنة، و الاستصحاب يقتضي عدمه.

فإن قلت: اقتضاء اليد للاستحقاق ليس لقيدها المختلف فيه المطالب بالثبوت، بل لمجرد نفسها، أعني: الاستيلاء، و الاستصحاب لا يقاوم اليقين الشرعي الذي هو مقتضى اليد.

465

قلت: المقتضي للاستحقاق هو اليد المطلقة لا مطلق اليد، فإنّ اليد لا يقتضي الاستيجار، فلا يعارض استصحاب عدمه، فحيث دلّ الاستصحاب على عدمه صارت اليد يدا غير استيجارية، و هي تنافي دعوى ذي اليد، فلا يعتني بيده.

و بوجه آخر أو عبارة أخرى: تقدّم اليد على الاستصحاب إنّما هو باعتبار جعلها الشارع سببا للملكية الظاهرية، كما تقدّم، فمقتضاها يقين شرعي مزيل للحالة السابقة، و يعارضهما بالمزيلية و المزالية، و فيما نحن فيه ينعكس الأمر، فإن عدم الاستيجار الذي هو مقتضى الاستصحاب سبب لعدم حصول اليد الاستيجارية، فإنّ وجود المعلول كما هو مؤخّر بالذات عن وجود العلّة، كذا عدمه مؤخّر عن عدمه، فعدم حصول النقل سبب لعدم حصول اليد المملّكة، و لا هكذا الملكية الاستيجارية، فإنّها كاشفة عن حصول الاستيجار، و علمت كرارا: أنّ الأصل المثبت للسبب مقدّم على المثبت للكاشف.

و منها: الصورة السابقة، غير أنّ استناد اليد بالانتقال من المدّعى عليه علم من الخارج، من غير اعتراف ذي اليد به، بمعنى أنّه علم أنّه لو ملكه كان بانتقاله منه إليه.

و في تقديم الاستصحاب أو اليد- حينئذ- إشكال:

من كون اليد- حينئذ- معلوم التقيّد بسبب ينكره المدّعي، فعلى ذي اليد إثباته كالصورة السابقة.

و من أنّ صاحب اليد لا يدّعيه حتى كان مأخوذا بالإثبات، و علم الحاكم بسبب دعواه لا يوجب صدق المدّعى عليه، فاليد يبقى على اقتضائهما الملكية، فيكون من قبيل صورة تعارض الملكية السابقة و اليد الحالية، و ستعرف تقدّم اليد فيها، و لعله الأقوى.

466

فإن قلت: استصحاب عدم النقل- بضميمة العلم الخارجي بانحصار سبب المدّعي به فيه- يقتضي بطلان اليد و ورود الاستصحاب عليها كالسابق.

قلت: إنّما يعارضه و يزيله لو كان هو محل الدعوى، كما في صورة الإقرار، و إلّا فلا محلّ لهذا الاستصحاب- حينئذ- في مقابل قول ذي اليد، فلا يخرج اليد عن مقتضاه شرعا.

و منها: أن يتعارض [اليد] الحالية الملكية السابقة أو اليد السابقة، مع احتمال استناد اليد إلى غير نقل المالك الأوّل على تقدير صحّتها.

و قد اختلفوا في تقديم الحالية أو القديمة على قولين، كلاهما عن الشيخ في المبسوط و الخلاف (1).

و الأوّل عن الأكثرين: و عن الشرائع: الثاني.

و عن محتمل الفاضل في التحرير: التساوي.

و استدلّ على كلّ منها بوجوه قاصرة لا جدوى للتعرّض لها، بعد ما تبيّن لك مما تلوناه من مناط الحقّ في المقام، من أنّ اليد دليل شرعيّ وارد على استصحاب الملكية السابقة ناقض لمقتضاه من قبيل سائر الأسباب الشرعية الطارية، و لا كذلك العكس، فإنّ بقاء الملكية السابقة ليس سببا مزيلا لملكية اليد، بل على تقدير بقاءها كاشفة عن عدم اقتضاءها الملكية اللاحقة.

و الظاهر: أنّه ينظر إليه كلام بعض المحققين، من أنّ احتمال كون اليد الباقية عارية أو غيرها لا يلتفت إليه مع بقاء اليد على حالها، فإنّ المقصود الأصلي من إعمال اليد هو إبقاء تسلطها على ما فيها (2)، أو عدم جواز منعها عن التصرفات .. (3)

____________

(1) المبسوط 8: 269 و 299؛ الخلاف 6: 339، المسألة 11؛ و 345، المسألة 19.

(2) في الأصل: «باقيها» مكان «ما فيها».

(3) هنا كلمة لا تقرأ.

467

بسبب احتمال الغصب أو العارية أو غيرهما، فيحكم عليها بما يحكم على ملك الملاك، و ليس هذا معنى الحكم بأنه ملك. انتهى.

و بعد الإحاطة بما قدّمناه، تعلم صحّة الحكم بكونه ملك ذي اليد، كما هو مقتضى رواية حفص بن غياث المتقدمة الشامل للمورد.

و الظاهر: أنّ عدوله عن الحكم بالملك، إلى الحكم بلوازمه، باعتبار معارضة حكم الملك لاستصحاب ملك الآخر، و قد علمت أنّ الاستصحاب لا يعارض اليد.

و منها: أن يعارض يده الحالية إقراره أمس بأنّ الملك للمدّعي، أو شهدت البيّنة بإقراره أمس له، أو أقر بأن هذا له أمس.

قال في الكفاية (1): و في كلامهم القطع بأنّ صاحب اليد لو أقرّ بأحد الوجوه المذكورة قضي له به. و في إطلاق الحكم بذلك إشكال.

و في القواعد و السرائر (2) أيضا: فالقضاء للمدّعي، بإقرار ذي اليد له أمس، أو أقرّ أمس به، أو شهدت بإقراره البيّنة.

و في مجمع الفائدة للمحقق الأردبيلي (3) قال: في صورة إقراره بالأمس، أو بالشهادة بإقرار الأمس، و جعل الأقرب في الأوّل ذلك، موذنا بوقوع الخلاف فيه.

و قال: إنّه غير واضح الدليل، إلّا أن يكون إجماعا.

و يظهر وقوع الخلاف من شيخنا الشهيد، في تمهيد القواعد، في صورة الإقرار له أمس، و اختار الأخذ بإقراره، كما لو شهدت البيّنة بأنّه أقرّ أمس.

أقول: للنظر في إطلاق الحكم بتقديم قول المدّعي بإقرار ذي اليد بأحد الوجوه

____________

(1) كفاية الأحكام: 277.

(2) السرائر 2: 169.

(3) مجمع الفائدة و البرهان 12: 245.

468

المذكورة مجال واسع. و الإشكال فيه- كما في الكفاية و ظاهر الأردبيلي،- في مورده، إلّا أن يثبت الإجماع فيه، لأنّ إقراره بأنه كان له أمس، أو ثبوت إقراره كذا أمس بالشهادة، أعمّ من كونه اعترافا بانتقاله إليه من المدّعي، و هو الصورة الأولى التي يقدّم فيها قول المدّعي، و من انتقاله عن غيره إليه.

و لعلّ المقصود من المجمع عليه هو الأوّل، فهو من باب تعارض الملك السابق و اليد الحالية، و قد عرفت تقدم اليد فيه، فتدبّر.

الرابع: أن لا يعارض اليد الحالية استصحاب نفس اليد،

كما إذا أثبت المدّعي أنّ مبدأ يده كان يد غصب أو عارية أو إعارة، و ادّعى صاحب اليد ملكيته الحالية، فإنّه لا إشكال- حينئذ- في تقديم الاستصحاب، لأنّ يده بالاستصحاب يد غير مملّكة لا يقتضي التقديم، و استصحاب الموضوع مقدّم على الأصل الحكميّ إجماعا و اعتبارا.

الخامس: احتمال كون اليد ناشئة عن جهة مقبولة في ظاهر الشرع،

فلو علم كونها بانتزاع ما في اليد من تصرّف المالك عنفا، من غير جهة مجوزة شرعية ظاهرا، بل بمجرد ادّعاء الملكية و لو مع احتمال صدقه الواقعي- و منه ما إذا أخذه في حضورنا عنه عند ادّعاء ملكيته- لم يكن معتبرة إجماعا، و لعدم كون ملك اليد سائغة في ظاهر الشرع، و وجب الحكم بتخلية يده عنه و ردّه إلى ذي اليد الأوّل حتى أثبت حقه و أقام البيّنة.

السادس: ما أفاده في المستند، أن لا يزاحم اليد يد أخرى،

كما إذا ركب اثنان دابّة رديفين، و أكلا من إناء واحد دفعة، و جلسا على بساط كذلك، فلا أثر لليد- حينئذ- لأحدهما بالنسبة إلى الآخر لتعلق يد كلّ واحد بالجميع، حيث إنّ اليد ليست كالملك الذي لا يتزاحم فيه غير الواحد و لذا لو قطع أحدهما يده عنه، كان يد

469

الآخر عليه كما كان، فالحكم بتنصيف ملكية كل واحد خلاف مقتضى اليد، و تمامه لكلّ واحد من المحال، و لواحد ترجيح ممتنع، فإذن لا حكم ليد أحدهما لنفي الآخر.

نعم، تؤثر اليدان لنفي دعوى الثالث.

أقول: و يمكن المناقشة بمنع اليد المستقلّة لكلّ واحد منهما، فإنّه لو اعتبر فيها الاستيلاء هنا، فالتامّ منه في الكلّ ممنوع، إذ ليس له البيع و الإجارة و العارية و نحوها، و إن اعتبر فيها الانتفاع، فهو ينقسم بينهما، لأنّ المنفعة العائدة منه لكل واحد غير العائدة للآخر، و حيث إنّ يد الثالث مسلوبة عنه، فحكم اليد منقسم بينهما لا محالة.

و إطلاق قوله في الموثّقة: «و كلّ من استولى على شيء فهو له» ظاهر في الاختصاص لهما اشتراكا، لا لأحدهما منفردا، و لا لثالث، كما قلنا. فإن كان لأحدهما شاهد، و إلّا فيقف و يتحالفان.

و لعله إجماعيّ، و به اعترف الوالد الماجد في العوائد (1).

السابع: ما عسى أن يجري فيه الكلام من اختصاص الاقتضاء بكون متعلق اليد الأعيان دون المنافع،

كما أفاد والدي القمقام للأصل، و عدم ثبوت الإجماع، و ظهور الأخبار في الأعيان، حتى الموثقة، لمكان الضمير في قوله (عليه السلام): «من استولى على شيء منه- أي: المتاع- فهو له» مضافا إلى منع صدق اليد على المنافع، لأنّ الآتية غير متجدّدة بعد، و الماضية منقضية.

أقول: و للكلام فيه مجال، و الذي يقتضيه نظر العبد، أنّ اليد على المنفعة و التصرف فيها قسمان:

أحدهما: أن يكون التصرف فيها موقوفا على وقوع اليد على العين عرفا،

____________

(1) عوائد الأيّام: 749.

470

بحيث صدق عليه كون العين في يده، و لو لاستيفاء منفعته، كتصرف المستأجر في العين المستأجرة، و جريان مائه من ملك الغير و الاستطراق فيه، و حمل السقف على جداره، و أمثال ذلك.

و الثاني: أن لا يتوقف عليه، كالاستظلال بجداره، و الاستضاءة بسراجه، و الانتفاع بهواء عرصته و نحوها.

أمّا الثاني: فهو كذلك، و لا اعتبار لليد عليه، بل لم أتحقّق قائلا به و الأخبار غير شاملة له بظهورها في كون متعلق اليد العين، و لو سلم إطلاق بعضها، كحديث فدك، فهو أيضا، بحكم التبادر ظاهر في العين.

و أمّا الأوّل: فالظاهر اعتبار اليد عليها ما دام يده على العين، و ظنّي أنّه لا خلاف فيه، و لذا لو كان في يده عين بعنوان الاستيجار، فادّعى غيره الإجارة من مالكه، يقدّم قول الأوّل، و ما هو إلّا ليده عليها، و إلّا كانا سواء، و لصدق المدّعي على خارج اليد عن المنفعة، فإنّ من ادّعى على من استمرّ جريان مائه من ملك الغير في منع جريانه، يصدق عليه «أنّه لو ترك ترك الدعوى»، فيطالب البيّنة عملا بمقتضى أخبار الدعاوي، بل يشمله قوله (عليه السلام) في الموثّقة: «من استولى على شيء منه فهو له» فإنّ الضمير و إن رجع إلى المتاع و هو عين، إلّا أنّه يعمّ اللام مطلق الاختصاص، فيشمل ما إذا ادّعى المتاع، لاختصاص منفعته له باستيجار و نحوه.

471

[المشرق السابع و عشرون] [في وجوب ترتب الحواضر على الفوائت]

مشرق: اختلفوا في وجوب ترتّب الحواضر على الفوائت ما لم يتضيّق أوقاتها، و فورية وجوبها.

و ظاهر جماعة، بل صريح بعض المحققين: أنّ كلا من الأمرين مسألة منفردة في الخلاف، و إن كان قول الأكثر متوافقا فيهما نفيا و إثباتا.

و كيف كان، ففي المسألة أقوال:

الأوّل: أنّه لا يعتبر في صحّة الحاضرة تأخّرها عن الفائتة مطلقا، و لا في صحّة غيرها من العبادات، و لا يجب فعل الفائتة فورا متى ذكرها، و لا يجب العدول عن الحاضرة إليها في الأثناء، فيجوز التشاغل بسائر ما ينافيها من العبادات الواجبة و المندوبة الموسعة و المباحات و غيرها.

و هو المحكيّ عن كثير من الأجلّة الأقدمين من مشايخ الشيعة و فقهاء الطائفة، منهم: من نقل عنهم السيد الأجل رضي الدين على بن طاوس (1) كالشيخ الجليل

____________

(1) حكاه في الحدائق الناضرة 6: 359؛ و جواهر الكلام 12: 35.

472

الفقيه عبيد اللّه بن عليّ الحلبي (1) في أصله الذي أثنى عليه الصادق (عليه السلام) عند عرضه عليه، و عدّه الصدوق (2) من الكتب المشهورة التي عليها المعوّل و إليها [المرجع].

و الحسين بن سعيد الأهوازي (3)- الذي هو من أصحاب الرضا و الجواد و الهادي (عليهم السلام)- و عن المحقق في المعتبر أنه من جملة الفقهاء المعتبرين الذين اختار النقل عنهم ممن اشتهر فضله و عرف تقدّمه في نقل الأخبار و صحّة الاختبار و جودة الاعتبار.

و الشيخ النبيل أبي الفضل محمد بن أحمد بن إبراهيم بن سليمان الجعفي في كتابه الفاخر (4) الذي ذكر في أوّله أنّه لا يروى فيه إلّا ما أجمع عليه و صحّ من قول الأئمة (عليهم السلام).

و الشيخ العظيم أبي عبد اللّه الحسين بن أبي عبد اللّه الواسطي أستاد الكراجكي قال في كتابه على ما نقل عنه السيد في بعض رسائله: أن سأل سائل و قال:

أخبرونا عمن ذكر صلاة و هو في أخرى، ما الذي يجب عليه؟ قال: يتمّ الذي هو فيها و يقضي ما فاته، ثمّ ذكر خلاف المخالفين (5).

و منهم من حكاه الشهيد، عنهم كقطب الدين الراوندي و نصير الدين حمزة

____________

(1) غنية النزوع 1: 98؛ حكاه السيد بن طاوس في رسالته: 340؛ و مفتاح الكرامة 3:

386؛ و جواهر الكلام 13: 33.

(2) الفقيه 1: 355، ذيل الحديث 1029.

(3) حكاه السيّد بن طاوس في رسالته: 341؛ و كشف الرموز 1: 208.

(4) الجعفي صاحب الفاخر المعروف في كتب الرجال بأبي الفضل الصابوني، حكاه السيّد بن طاوس في رسالته: 339؛ و بحار الأنوار 88: 327؛ و مفتاح الكرامة 3 388؛ و جواهر الكلام 13: 34.

(5) انظر مفتاح الكرامة 3: 388؛ و جواهر الكلام 13: 34؛ و رسالة ابن طاوس: 343.

473

الطوسي و سديد الدين محمود الحمصيّ و يحيى بن سعيد جدّ المحقق و نجيب الدين بن يحيى بن محمد و السيد ضياء الدين بن فاخر و الشيخ أبي علي الحسن بن طاهر الصوريّ و عليّ بن عبيد بن بابويه منتجب الدين (1)، و في المصابيح عن عماد الدين محمد بن عليّ، و في رسالة ابن إدريس (2) التي عملها في المسألة عن طائفة من العلماء الخراسانيين، و عن محتمل كلام العمّاني، و اختاره السيد بن طاوس من المتأخرين و العلّامة في جملة من كتبه و والده و ولده و أكثر من عاصره، نقله في المختلف (3) و الشهيدان في اللمعة و الروضة (4)، و عن المقداد و تلميذه محمد بن شجاع القطان و أبي العباس أحمد بن فهد (5) و عليّ بن هلال الجزائري تلميذه و الصيمري و المحقق الكركي (6) و ولده و الميسي و ابن أبي جمهور الأحسائي، و الأردبيلي و صاحب المعالم في الاثنى عشرية و ولده الشيخ محمد و الشيخ أبي طالب شارح الجعفرية و شيخنا البهائي (7) و والده و تلميذه الشيخ جواد الكاظمي و المحدّث الكاشاني، و ابن أخيه الهادي و الفاضل السبزواري و السيد ماجد و الشيخ سليمان البحرانيين و العلّامة المجلسي و والده و المدقّق الشيرواني و الفاضل الماحوزي و المحقّق البهبهاني و العلّامة الطباطبائي.

و إليه ذهب والدي العلّامة و صاحب الجواهر و جماعة من مشايخه. و بالجملة هو

____________

(1) انظر مفتاح الكرامة 3: 388؛ و جواهر الكلام 13: 34؛ و رسالة ابن طاوس: 343.

(2) السرائر 1: 274.

(3) مختلف الشيعة 2: 435.

(4) مفتاح الكرامة 3: 387؛ روض الجنان: 188؛ الروضة البهية 1: 733.

(5) الرسائل العشر: 109.

(6) جامع المقاصد 2: 493.

(7) نسبه صاحب مفتاح الكرامة إلى كتاب حبل المتين 3: 387.

474

المشهور بين المتأخرين، بل عليه أكثرهم، و استفاض عليه نقل شهرتهم، بل في الذخيرة (1): أنه مشهور بين المتقدمين أيضا، و إن نسب فيه القول بالمضايقة إلى أكثرهم.

و في مصابيح السيّد الأجلّ الطباطبائي نسبه إلى أكثر الأصحاب على الإطلاق، بل المستفاد من صاحب الفاخر من قوله في خطبة الكتاب، أنّه ما روي فيه إلّا ما أجمع عليه و صحّ من قول الأئمة (عليهم السلام)، كما سمعت أنه إجماعي، بل عن الفاضلين في المعتبر و المختصر النافع و المختلف ظهور دعوى إجماع المسلمين عليه في الجملة.

الثاني: وجوب الترتيب بمعنى تقديم الفائتة على الحاضرة مطلقا ما لم يتضيّق وقتها. نسب إلى القديمين و الشيخين و السيّدين و القاضي و الحلّي (2) و الحلبي (3) و بعض المحدّثين.

و صرّح أكثر هؤلاء بل غير واحد منهم- كما قيل- بفورية القضاء، حتّى حكي عنهم المنع من الأكل و الشرب و النوم إلّا ما لا بدّ منه و التكسّب و الاشتغال بغيرها في غير ضيق وقت الأداء، بل عن الحلّي و ابن زهرة (4) الإجماع عليه.

و عن بعضهم تلازم الفورية و الترتّب.

و عن ابن فهد (5) التصريح بأنّ الترتّب هو القول بالمضايقة، و عدمه هو القول

____________

(1) ذخيرة المعاد: 384.

(2) الرسائل العشر: 109.

(3) غنية النزوع 1: 98.

(4) نفس المصدر.

(5) الرسائل العشر: 109.

475

بالمواسعة، و لذا لم يذكروا إلّا مسألة واحدة، و استدلّوا بما يدلّ على كلّ واحد منهما للآخر. و أنكره بعض المحققين، و جعلهما مسألتين، و قال: من حكم بوجوب تقديم الفائتة فإنّما هو من حيث هو مع قطع النظر عن الفورية.

و استشعر من كلام الفاضل في التذكرة (1) حيث قال: إنّ أكثر علمائنا على وجوب الترتيب، ثمّ قال: و جماعة من علمائنا ضيّقوا الأمر في ذلك و شدّدوا الأمر على المكلّف غاية التشديد. فإنّ نسبة الترتيب إلى الأكثر و التضييق إلى الجماعة مشعرة باختلاف المسألتين.

و نسب والدي العلّامة إلى بعض مشايخه القول بوجوب الترتيب مع اختياره المواسعة.

و ربما يستشعر من التفصيل بين الفائتة الواحدة و المتعدّدة و فائتة اليوم و غيرها أنّ الكلام في مسألة الترتيب غير الكلام في التضييق و الفورية.

و من هذا يظهر أنّ شهرة الترتيب- لو سلمت- لا يوجب شهرة المضايقة، بل لعلّ شهرة المواسعة لا كلام فيها بين أكثر المصنفين.

ثمّ إنّ أكثر من قال بالترتيب أو الفورية صرّحوا ببطلان الحاضرة المقدمة على الفائتة في السعة، بل عن الغنية الإجماع عليه، كالمرتضى و ابن البراج (2) و أبي الصلاح و الشيخ في المبسوط (3) و ابن إدريس. و منهم من لم يصرّح بذلك، و لكن لم يظهر منه صحتها، كالمفيد و القديمين و الشيخ في النهاية (4) و الخلاف (5).

____________

(1) تذكرة الفقهاء 1: 81.

(2) المهذّب 1: 126.

(3) المبسوط 1: 125.

(4) النهاية و نكتها 1: 363.

(5) الخلاف 1: 597.

476

و ربما قيل بتلازم بطلانها للقول بالترتيب و الفورية.

و نحوه وجوب العدول في الأثناء عند التذكّر، و عن المرتضى و الشيخ و القاضي و الحلبيين و الحلّي التصريح به، بل عن الأخير الإجماع عليه، و جعله الفاضل في المختلف (1) لازم القول بالمضايقة.

الثالث: التفصيل بالترتيب في الفائتة الواحدة و عدمه في المتعددة، اختاره المحقق في كتبه الثلاثة و صاحب الكفاية و قوّاه الشهيد في غاية المراد (2).

الرابع: الفرق بين فائتة اليوم و غيره و هو للفاضل في المختلف خاصة دون سائر كتبه، و لم ينقل عن غيره أيضا، عدا ما يحكى عن بعض شارحي الإرشاد.

الخامس: وجوب الترتيب في الفائتة الواحدة في يوم الذكر دون غيرها، نقل عن ابن أبي جمهور.

السادس: الفرق بين الفائتة نسيانا و عمدا، فيتضيّق للأولى دون الثانية، و هو المحكيّ عن ظاهر ابن حمزة في الوسيلة (3).

السابع: التفصيل بين المعيّن عدده من الفائت فالتضييق، و مجهوله فعدمه. نقل عن الديلمي (4). و ربما نقل عنه القول الثاني. و ربما استظهر منه رجوعه إلى الغالب.

و يحكى عنهم تفصيلات أخر لا عناية لذكرها.

و الحقّ هو الأوّل، لوجوه:

الأوّل: أصل البراءة.

____________

(1) مختلف الشيعة 2: 437.

(2) غاية المراد 1: 203.

(3) الوسيلة: 84.

(4) المراسم: 87.

477

و هو تارة باعتبار البراءة عن وجوب التعجيل و حرمة التأخر، لأنّه تكليف زائد على وجوب نفس الفعل، فيصحّ نفيه بالأصل.

فإن قلت: الوجوب الموسع يضادّ المضيق، و هو- أيضا- تكليف صحّ نفيه بالأصل، فيعارض الأوّل.

قلت: ليس غرضنا إثبات الوجوب الموسّع بالأصل حتى يعارض فيه الأصلان، بل المقصود نفي وجوب التعجيل و عدم حرمة التأخير، و لا معارض له في نفسه من حيث هو فعل مجهول الحكم، إلّا أنّه يفيد منضمّا إلى ما هو المعلوم إجمالا من الوجوب المردد بينهما فائدة الموسّع، من قبيل نفي حرمة الترك التي هي فصل الوجوب فيما علم الرجحان و الطلب مرددا بين الوجوب و الاستحباب، فإنّه و إن لم يثبت منه الاستحباب، لعدم كونه مقتضى الأصل، فإنّ مقتضاه ليس إلّا مجرد جواز الترك لا الاستحباب المأخوذ في ماهيّته جوازه قيدا للرجحان، إلّا أنّ جميع هاتين القضيتين و اعتبار تركيبهما يفيد فائدة الاستحباب.

و من ذلك ما إذا علم انتقال عين من أحد إلى آخر، مردّدا بين كونه بالبيع أو الإجارة، فإنّ نسبة الأصل إلى نفيهما على السواء فيتعارضان، فيرجع إلى ما يقتضيه الأصل في لوازمهما، و هو بقاء الملكيّة الموافق لعدم البيع دون الإجارة لانتقال المنفعة على التقديرين.

و أخرى باعتبار البراءة عن الواجبات المتعدّدة اللازمة للقول بالمضايقة، فإنّ القائل بالتضييق لا ينكر الوجوب في الآن الثاني عند العصيان بتركه في الأوّل، و هكذا ثالثا و رابعا و ظاهر أنّ الوجوب الثاني الذي لم يحصل المخالفة فيه بعد غير الأوّل الذي حصل فيه المخالفة و العصيان.

و أمّا على المواسعة، فالواجب واحد، و هو نفس الفعل.

478

و القول بأنّ الواجب في الموسع هو الأوّل أيضا، و التأخير من جهة إذن الشارع في البدل سخيف جدّا، كما حقّق في محلّه، فالمجعول بحكم الشرع ليس إلّا أمرا واحدا محدودا بزمان معيّن موسع يتّجه عليه.

و لا يتوهّم أنّ ترجيح الموسع به مبنيّ على ترجيح ما يخالف الأصل الأقلّ على ما يخالف الأكثر، و إن لم يكن الأقلّ داخلا في الأكثر، و هو خلاف التحقيق على ما حرّرناه في الأصول.

لاندفاعه بما سبق من عدم كون المقصود إثبات الموسّع بالأصل عند الترديد بينه و بين ما يتضيّق فورا ففورا، بل إثبات جواز التأخير و إن أفاد ضمّه إلى المعلوم الإجمالي فائدة الموسع كما عرفت.

و ثالثة باعتبار البراءة عن وجوب تأخّر الحاضرة و اشتراطها بالترتيب على الفائتة، لأنّ الحقّ ترجيح أصل البراءة على أصل الاشتغال في شروط العبادة و أجزاءها، لكونه مزيلا على ما بيّنّاه في محلّه، و هذا الأصل حجة على من يقول ببطلان الحاضرة من أصحاب المضايقة عند البدأة بها.

الثاني: الاستصحاب، فإنّ مقتضاه جواز الحاضرة المعلوم قبل تذكر الحاضرة بعده و عدم وجوب العدول عليه إذا كان الذكر في الأثناء، و يتمّ بعدم القول بالفصل.

الثالث: العمومات (1) الدالّة بإطلاقها على جواز فعل الحاضرة في سعة وقتها و إن كانت عليه فائتة، كقوله سبحانه أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ (2).

و الإيراد عليه بأنّه لو تمّ لدلّ على تقديم الحاضرة و لا قائل به، مدفوع بكون الأمر للوجوب التخييري قطعا، إذ لا معنى للوجوب العيني إلى غسق الليل.

____________

(1) وسائل الشيعة 8: 256، الباب 2 من أبواب قضاء الصلاة، الرواية 10574.

(2) الإسراء (17): 78.

479

و نحوه قوله في صحيحة سعد (1): إذا دخل الوقت عليك فصلّهما.

و الإيراد بدلالته على وجوب المبادرة بالحاضرة حين دخول الوقت، و هو خلاف الإجماع، و كذا إطلاقه على حمله على الرجحان، لأنّ القائلين بالمواسعة لا يقولون برجحان تقديم الحاضرة على من عليه فائتة، فلا بدّ من تخصيصها بغير من عليه الفائتة.

مردود أيضا، بمنع الدلالة على المبادرة، إلّا على القول بإفادة الأمر الفور، و هو ممنوع، و على تسليمه فالإجماع قرينة على عدم إرادة الوجوب و لا الندب لو سلم الإجماع على عدمه أيضا، و يكون محمولا على الوجوب التخييري، مع أنّ الإجماع على عدم رجحان الحاضرة أوّل الوقت ممنوع، بل لعلّه غير بعيد، كما نصّ عليه بعض المحققين.

و استحباب تقديم الفائتة من باب الاحتياط و الخروج عن شبهة الخلاف لا تنافي الرجحان الذاتي للحاضرة الذي ينظر إليه الأخبار، مع أنه لو سلم تساويهما في التقديم- بل و رجحان الفائتة- فلا ينافي رجحان أوّل الوقت و فضيلته من حيث هو للحاضرة دون الفائتة، ضرورة أنّ ليس لخصوص أول وقت الحاضرة فضيلة مخصوصة لفعل الفائتة فيه، فهو من قبيل ما ورد من الأعمال و الأدعية المخصوصة في أزمنة خاصة، كما في الشهور المباركة، و يزاحمها أعمال راجحة أخرى مطلقا، أو بأسباب اتفق توافقها لها في الزمان، فحينئذ إن ثبت دليل على أرجحية إحدى الجهتين فهو، و إلّا حكم بالتخيير، و لكلّ فضله المخصوص به.

و إطلاق ما دلّ على فضيلة أوّل الوقت للحاضرة و مطلوبية المبادرة إليها في أوائل أوقاتها.

و توهّم عدم الرجحان مع وجوب الفائتة، مدفوع بما علمت.

____________

(1) وسائل الشيعة 4: 119، الباب 2 من أبواب المواقيت، الرواية 4674.

480

و إطلاق ما ورد من استحباب الرواتب و قضاءها و غيرها من الصلوات الكثيرة و الأعمال المخصوصة (1)، سيما ما ورد في أزمنة خاصة (2)، و ما ورد عموما و خصوصا في قضاء الرواتب و خصوص صلاة الليل مصرّحا فيه بأيّ وقت شاء (3).

و ما ورد في جواز قضاء صلاة النهار متى شاء، كصحيحة ابن أبي يعفور و صحيحة ابن أبي العلاء (4) و غيرهما.

و قد يستدلّ أيضا بإطلاق النصوص الموقّتة للحواضر، كقوله (عليه السلام) (5): «إذا زالت الشمس دخل وقت الظهر و العصر» الدال على صحّتها في أوائل أوقاتها و لو مع اشتغال الذمّة بالفائتة.

و إطلاق ما دلّ على وجوب قضاء الحاضرة إذا مضى من الوقت مقدار ما يسع الفعل (6)، إذ على المضايقة لا يتحقّق ذلك لمن عليه فوائت، إلّا بمضيّ زمان يسع الجميع و إدراك ضيق الوقت و ترك الأداء، لأنّ صحّة الحاضرة مشروطة بفعل الفائتة، فلا بدّ من مضيّ زمان يسع الشرط [و] المشروط في تحقق القضاء.

و في الاستدلال بهما إشكال:

أمّا الأوّل: فلأنّ شرطية الوقت لا تنافي شرطية غيره و إن توقف على صرف بعض الوقت في تحصيله كالطهور و اللباس و نحوهما، أو ترتّبه على فعل موقت آخر كالظهر و العصر في الوقت المشترك.

____________

(1) وسائل الشيعة 8: 264، الباب 4 من أبواب قضاء الصلوات، الرواية 10605.

(2) نفس المصدر 8: 263، الباب 3، الرواية 10600.

(3) نفس المصدر 8: 274، الباب 10 من أبواب قضاء الصلوات، الرواية 10642.

(4) نفس المصدر 4: 243، الباب 39 من أبواب المواقيت، الرواية 5041 و 5042.

(5) نفس المصدر 4: 130، الباب 4 من أبواب المواقيت، الرواية 4713.

(6) نفس المصدر 2: 259، الباب 48 من أبواب الحيض، الرواية 2360.

481

و أمّا الثاني: فلابتنائه على مانعية القضاء لوجوب الأداء، و قد عرفت ما فيه، كما في الناسي و النائم، سيما إذا كان تأخير الفائتة إلى وقت الحاضرة بتقصيره.

الرابع: أنّ القول بالترتيب سيما على المضايقة التي هي رأي أكثر القائلين به- لو لا الجميع- يتضمّن حرجا عظيما و عسرا كثيرا مثله منفيّ في الشريعة السهلة السمحة بنصّ الآية (1) و غيرها من السنّة و أخبار الأئمة (عليهم السلام) (2)، سيما على الوجه الذي ذكره عمدهم كالسيّد و الحلّي و أضرابهما من حرمة جميع الأضداد إلّا ما يقوم به الحياة، لأنّ من عليه فوائت كثيرة لا يسعها يوم و ليلة، لزمه على الترتيب ضبط الأوقات و صرف الساعات و المرصد لآخر كل صلاة و حفظ بقية الوقت عن الزيادة بفعل الفريضة الحاضرة و ضبط أنصاف الليل و معرفتها و معرفة طلوع الشمس و غروبها و ضبطها، و على الفورية صرف جميع الوقت في القضاء و التشاغل به و حرمة تركه في كل وقت، و على حرمة الأضداد تحريم جميع المباحات من الأكل و الشرب و مجالسة الناس و زيارة الإخوان و التكسّب و السفر و أمثال ذلك مما لا يحصى إلّا بقدر الضرورة الملجئة، و كذا حرمة الأذكار و العبادات و بطلانها، كلّ ذلك مشقّة شديدة و حرج عظيم و حيث إنّ الصلوات على وجه صحّتها فائتة من أكثر الناس بل جميعهم إلّا نادرا، إذ قلّ من لم يتعلّق بذمّته فوائت كثيرة و لو لإخلال شرط و تسامح في دقائق صحّتها، أو ترك تقليد سيما في عنفوان الشباب و أوائل البلوغ، خصوصا النساء و العوامّ، كما هو المشاهد في العيان، فهذا الحرج الشديد يعمّ غالب البريّة من الرجال و النسوان و الخدام و أهل الحرف و الصناعات، و لم يبق

____________

(1) الحج: 77، و المائدة (5): 9، و البقرة (2): 185.

(2) وسائل الشيعة 1: 167، الباب 9 من أبواب الماء المطلق، الرواية 401 و 404؛ و 212، الباب 9 من أبواب الماء المضاف، الرواية 543.

482

أهل بيت و لا أهل بلد غالبا إلّا لزمهم الاشتغال دائما بفعل الفوائت و ترك المشاغل، بل ينجرّ ذلك إلى تعطيل أمور جميع الناس و اختلال معاشهم و معادهم و شرائعهم و فوات مقاصدهم، و هل يجوّز ذو بصيرة وقوع مثل تلك البليّة العامة و الداهية العظيمة في عموم الأنام، مع أنّ اللّه سبحانه يريد منهم اليسر و لا يريد بهم العسر.

و إناطة الأمر إلى قدر ما يلزم منه الحرج سخيفة بل غير معقولة، لعدم انضباطه، خصوصا باعتبار الحرج الحاصل من كثرة المشتغلين.

ثمّ يؤكّد ذلك و يعاضده بل يدلّ عليه عمل المسلمين من السلف و الخلف من غير نكير في جميع الأعصار و الأمصار من العلماء و أتباعهم و سائر الناس، مع اشتغال ذمّة أكثرهم بفوائت كثيرة بل غير محصورة، كما سمعت، و مع ذلك ينامون و يتحاورون و يكتسبون و يسافرون و يصلّون في سعة الأوقات و يقيمون الجماعات في أوائلها و يزدحم عموم الناس فيها و يتنفّلون، مع اشتهار كون الأمر يقتضي النهي عن الضدّ بينهم، و ما هذا إلّا لاشتهار المواسعة في عصر الأقدمين من أصحابنا.

و هكذا كلّ خلف عن سلف و متأخّر عن متقدّم إلى زماننا كما عرفت في تحرير الأقوال، و نصّ عليها في أصل الحلبي الذي رواه عنه جماعة كثيرة من أساطين الأصحاب و المشايخ بطرقهم المتكثرة، و لعمري أنّ دعوى بعضهم الإجماع على المضايقة مع تلك الحال من أغرب الدعاوي، كما ستسمعه، إن شاء اللّه.

الخامس: الأخبار الدالّة بالخصوص على نفي المضايقة أو الترتيب:

منها: صحيحة عبد اللّه بن سنان (1)، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): إن نام رجل أو نسي أن يصلّي المغرب و العشاء الآخرة، فإن استيقظ قبل الفجر قدر ما يصليهما كلتيهما فليصلّهما، فإن خاف أن تفوته إحداهما فليبدأ بالعشاء، و إن استيقظ بعد الفجر

____________

(1) وسائل الشيعة 4: 288، الباب 62 من أبواب المواقيت، الرواية 5182.

483

فليصلّ الصبح ثم المغرب ثم العشاء قبل طلوع الشمس.

و منها: صحيحة أبي بصير (1) عنه (عليه السلام)، و هي كالسابقة بزيادة ما في آخرها: «فإن خاف أن تطلع الشمس و تفوته إحدى الصلاتين فليصلّ المغرب و يدع العشاء الآخرة، حتى تطلع الشمس و يذهب شعاعها، ثم ليصلّها».

و المناقشة فيهما بدلالتهما على امتداد وقت العشاءين إلى الفجر و هو مذهب العامّة، فيقوّى احتمال ورودهما مورد التقيّة، و به يتطرق الوهن بما اشتملت عليه من الأحكام، و على مرجوحية قضاء الفرائض عند طلوع الشمس، و هو أيضا موافق لأكثر العامّة، و على وجوب تقديم الحاضرة في سعة الوقت، و هو خلاف الإجماع، تدفع بما في الأوّل- مضافا إلى أنّ ورود جزء من الخبر مورد التقية لا توجب خروجه عن الحجية في غيره- من أنّ القول بامتداد وقت العشاءين إلى الفجر ليس مختصّا بالعامّة، بل عليه جمع كثير من أصحابنا، و هو الأظهر في الوقت الاضطراري لها، كما في مورد الصحيحين.

و في الثاني مما عرفت، مضافا إلى أنّ ترك القضاء في الأوقات المكروهة قد يرجّح بمصلحة و هي هنا الاتّقاء عن العامّة و عدم جعله من علائم الرفض، فالكراهة مع تلك المصلحة محمولة على الواقع.

و بما في الثالث من أنّ الإجماع قرينة الاستحباب، و لو دلّ دليل على انتفاء الاستحباب أيضا، فهو قرينة على الجواز، دفعا لتوهّم الحظر.

و منها: مرسلة جميل (2) التي رواها ابن عيسى عن الوشّاء عن رجل عن الصادق (عليه السلام) قال: قلت له: يفوت الرجل الأولى و العصر و المغرب و ذكرها عند العشاء

____________

(1) وسائل الشيعة 4: 288، الباب 62 من أبواب المواقيت، الرواية 5181.

(2) نفس المصدر: الرواية 5184.

484

الآخرة، قال: «يبدأ بالوقت الذي هو فيه، فإنّه لا يأمن الموت، فيكون قد ترك صلاة فريضة في وقت قد دخلت، ثم يقضى ما فاته، الأولى فالأولى».

و الرواية معتبرة، مع أنّ مراسيله منجبرة بما حكي عن عليّ بن عبيد اللّه بن بابويه صاحب العصرة (1): أنّ ابن عيسى في نوادره- التي عن الصدوق عدّها من الكتب المشهورة التي عليها المعوّل و إليها المرجع- رواه عن رجاله عن جميل عن الصادق (عليه السلام)، بل عن البحار (2): روايته عن المحقق في المعتبر بإسناده عن جميل دلّت على عدم الترتيب و عدم المضايقة، و الأمر بتقديم الحاضرة مع عدم صراحته في الوجوب محمول في المورد بحكم الإجماع على الرجحان المحتمل في المقام كما مرّ.

و حمله على آخر وقت العشاء الآخرة لا وجه له، مع أنّه في غاية البعد، و لا يناسبه التعليل المذكور.

و مشاركة المغرب للعشاء في الوقت الاختياري ممنوع على مختارنا، من ذهاب وقت المغرب بذهاب الحمرة، كما عن جمع من أهل المضايقة، مع أنّه على الاشتراك حمل المغرب على الليلة السابقة أقرب من حمله على آخر وقت العشاء، بملاحظة التعليل حينئذ.

و منها صحيحة الحلبي عن رجل فاتته صلاة النهار متى يقضيها؟ قال: «متى شاء، إن شاء بعد المغرب و إن شاء بعد العشاء».

و تخصيصه بالنوافل مجرد دعوى لا شاهد له، و مقايستها بصلاة الليل المعروف بإرادة النافلة منها باطلة. و اختصاص النافلة ببعض النوافل الليلية دون نافلة المغرب و العشاء، لا دليل عليه.

____________

(1) راجع جواهر الكلام 13: 23.

(2) بحار الأنوار 88: 325، الباب 3، الحديث 4.

485

و نحوها صحيحة ابن مسلم، قال: سألته عن الرجل تفوته صلاة النهار، قال:

«يقضيها إن شاء بعد المغرب و إن شاء بعد العشاء».

و منها: موثقة عمار (1) عن الصادق (عليه السلام) عن رجل تفوته المغرب حتى تحضر العتمة فقال: «إذا حضرت العتمة و ذكر أنّ عليه صلاة المغرب فإن أحبّ أن يبدأ بالمغرب بدأه، و إن أحبّ بدأ بالعتمة، ثم صلّى المغرب بعد».

و تقريب الاستدلال على مختارنا ظاهر كما مرّ، و على القول بالاشتراك لا بدّ من الحمل على المغرب السابق.

و منها ما رواه السيد الجليل على بن طاوس- (رضوان اللّه عليه)- في رسالته في المسألة عن كتاب الصلاة للحسين بن سعيد ما هذا لفظه: عن صفوان عن عيص بن القاسم (2)، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل نسي أو نام عن الصلاة حتى دخل وقت صلاة أخرى، فقال: «إن كانت صلاة الأولى فليبدأ بها، و إن كانت صلاة العصر فليصلّ العشاء ثمّ يصلّى العصر».

و الرواية معتبرة، بل قال بعض الأفاضل هو في أعلى درجات الصحّة.

و عدم وجوب تقديم العشاء الحاضرة على العصر الفائتة إجماعا قرينة الاستحباب، مع ما في الفرق بين الظهر و العصر الفائتتين في وجوب التقديم و التأخير على الحاضرة من مخالفته للإجماع أيضا، و أمّا في مجرد الرجحان فالمخالفة غير معلومة.

و ربما يوجّه الفرق بتعميم الوقت الذي خرج لوقتي الفضيلة و الإجزاء، و حمل

____________

(1) وسائل الشيعة 4: 289، الباب 62 من أبواب جواز قضاء الفرائض في وقت الفريضة، الرواية 5183.

(2) مستدرك الوسائل 6: 249.

486

وجوب تقديم الأولى على الأوّل بالنسبة إلى العصر و العشاء الحاضرة على العصر الفائتة على الثاني، و فيه بعد لا يخفى، بل ركاكة من وجوه.

و قد يقال: إنّ بعض الرواية شاهد للمواسعة و بعضها للمضايقة، و الواجب بعد ملاحظة عدم القول بالفصل من الطرفين الحمل على التخيير و مآله: ابدأ بالحاضرة ابدا بالفائتة، و هو أيضا بعيد.

و ربما ذكر وجوه آخر كلّها مشتركة في جواز تقديم الحاضرة على الفائتة.

و منها: ما رواه السيد بن طاوس عن قرب الإسناد للحميري، عن على بن جعفر عن أخيه الكاظم (عليه السلام)، سألته عن رجل نسي المغرب حتى دخل وقت العشاء، قال:

«يصلّى العشاء ثمّ المغرب» و سألته عن رجل نسي الفجر حتى حضرت الظهر، قال: «يبدأ بالظهر ثم يصلّي الفجر، كذلك كلّ صلاة بعد صلاة» (1).

و الأمر محمول على الاستحباب إجماعا، مع أنّه ظاهر في الوجوب و رجحان تقديم العشاء الفائتة على الفجر خاصة، و لعلّ وجهه خوف طلوع الشمس في بعض الصور الراجح تأخّرها عنه إلى بعد شعاعها اتّقاء عن العامّة، فيفوته رجحان تعجيل الفائتة، بخلاف الفجر، إذ الفرض عدم ضيق وقته، فلا يخاف فوته، و إلّا وجب تقديمها إجماعا.

و منها: ما نقله ابن طاوس في الرسالة (2) عن أمالى السيد أبي طالب عليّ بن الحسين الحسني بسنده إلى جابر بن عبد اللّه قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «و كيف أقضي؟» قال: «صلّ مع كلّ صلاة مثلها».

____________

(1) وسائل الشيعة 8: 255، الباب 1 من أبواب قضاء الصلوات، الرواية 10573.

(2) رسالة السيد ابن طاوس: 344؛ مستدرك الوسائل 6: 429، الباب 1 من أبواب قضاء الصلوات، الرواية 7153.

487

و دلالته كما عن السيّد صريحة على المواسعة.

و منها: موثقة عمّار في حديث طويل (1) عن الرجل يكون عليه صلاة في الحضر، هل يقضيها و هو مسافر، قال: «نعم، يقضيها بالليل على الأرض، فأمّا على الظهر فلا».

و لفظة «على» ظاهرة في الوجوب فيختصّ بالفريضة دون النافلة، مضافا إلى النهي عنها على الظهر، و تبادر الفريضة قطعا من الوحدة المستفادة من التنكير عند الترديد بينها و بين النافلة، بل لعلّ وجه السؤال- كما عن بعضهم- اختلاف كيفية فريضة الحاضر الفائتة و المسافر في الإتمام و القصر، فيتخيّل حرمة إتمام الواجب عليه قضاء في السفر.

و دلالتها على المواسعة ظاهرة، لأنّه على التضييق إن كان المشي ضرورة فيجوز فعل القضاء- حينئذ- على الراحلة كالأداء، و إلّا كان وجب عليه النزول أو الإقامة حتى يفرغ عن القضاء.

و لعلّ أمره بالقضاء بالليل مطلقا- كما قاله بعض الأجلّة- لعدم تيسر النزول غالبا للمسافر في النهار، أو لأنّ في الليل من الأفعال ما ليس في غيره، فهو محمول على المرجوحيّة.

و عليها ينزل أيضا خبر آخر لعمّار (2)، الذي رواه الشيخ و السيّد من أصل محمد بن على بن محبوب، قال: سألته عن الرجل ينام عن الفجر حتى تطلع الشمس و هو في سفر، كيف يصنع؟ أ يجوز له أن يقضي بالنهار؟ قال: «لا يقضي صلاة نافلة و لا فريضة بالنهار، و لا يجوز و لا يثبت له، و لكن يؤخّرها فيقضيها بالليل».

____________

(1) وسائل الشيعة 8: 268، الباب 6 من أبواب قضاء الصلوات، الرواية 10622.

(2) نفس المصدر 4: 278، الباب 57 من أبواب المواقيت، الرواية 5159.

488

إلّا أنّه عن الشيخ بعد روايته نسبته باعتبار صراحته في الحرمة إلى الشذوذ بمخالفته الكتاب و إجماع الأمّة.

و منها: ما في صحيحة زرارة: «فإن خشيت أن تفوتك الغداة إن بدأت بالمغرب، فصلّ الغداة ثم صلّ المغرب و العشاء، ابدأ بأوّلهما، لأنّهما جميعا قضاء أيهما ذكرت فلا تصلّهما إلّا بعد شعاع الشمس». قال: قلت: لم ذاك؟ قال: «لأنّك لست تخاف فوتها» (1).

بناء على إرادة ذهاب شعاعها من تلك العبارة في الأخبار المصرّحة بكراهة التنقّل عند طلوع الشمس و قبل ذهاب شعاعها، و سمعت بعضها، إلّا أنّ المشهور- كما قيل- استثناء قضاء الصلاة بل ذوات الأسباب- مطلقا- من حكم الأوقات المكروهة، و لعلّ النهي عنها محمول على تفاوت مراتب الرجحان و أولوية التأخير كما قيل.

و منها: ما دلّ على جواز النافلة على من عليه فائتة، كصحيحة أبي بصير عن الصادق (عليه السلام) (2)، سألته عن رجل نام حتى طلعت الشمس، فقال: «يصلّى ركعتين، ثمّ يصلّى الغداة».

و في حديث رقود رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) الآتي تقديمه قضاء ركعتي النافلة على قضاء الفريضة.

و الخدش في الأوّل بعدم القائل باستحباب تقديم ركعتين على القضاء، ردّ بعدم ثبوت الإجماع على عدم استحباب ذلك، و عدم ذكره لا يدلّ على العدم، و لا استبعاد في ذلك في المندوبات.

____________

(1) وسائل الشيعة 4: 291، الباب 63 من أبواب المواقيت، الرواية 5187.

(2) نفس المصدر 4: 284، الباب 61 من أبواب المواقيت، الرواية 5171.

489

و منها: ما ورد في رقود رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في بعض أسفاره بالليل عن صلاة الفجر لغلبة النوم عليه و على أصحابه، ففي صحيحة ابن سنان (1): «إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) رقد فغلبته عيناه فلم يستيقظ حتّى آذاه حرّ الشمس، ثمّ استيقظ فعاد ناديه» أي مكانه الذي كان فيه أصحابه، «فمكث ساعة».

و في مضمرة سماعة (2): «تنحّيه عنه قبله».

و في الصحيح (3): مخاطبته قبل القضاء لبلال، و استماع جوابه و أمر الأصحاب بالتنحي عن مكان الغفلة، فإنّ فيه عند نزوله في بعض أسفاره: من يكلؤنا، فقال بلال: أنا فنام و ناموا حتى طلعت الشمس، فقال: «يا بلال ما أرقدك؟» فقال: يا رسول اللّه أخذ بنفسي الذي أخذ بأنفاسكم، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): قوموا فنحّوا عن مكانكم الذي أخذتكم فيه الغفلة، و قال: يا بلال! أذّن. فأذّن، فصلّى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ركعتي الفجر، و أمر أصحابه، فصلّوا ركعتي الفجر، ثم قام فصلّى بهم الصبح» الحديث.

و في آخر (4)، قال: تنحّوا من هذا الوادي الذي أصابتكم فيه هذه الغفلة، فإنّكم نمتم بوادي الشيطان، ثم توضّأ،- إلى آخره.

____________

(1) وسائل الشيعة 4: 283، الباب 61 من أبواب المواقيت، الرواية 5170؛ و في الاستبصار (1: 286، الرواية 1049) نقل الرواية هكذا: أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) رقد فغلبته عيناه فلم يستيقظ حتّى آذاه حرّ الشمس ثم استيقظ فركع ركعتين ثمّ صلّى الصبح فقال: يا بلال ما لك؟ فقال بلال: أرقدني الذي أرقدك يا رسول اللّه، قال: و كره المقام و قال: نمتم بوادي الشيطان.

(2) وسائل الشيعة 8: 267، الباب 5 من أبواب قضاء الصلوات، الرواية 10620.

(3) نفس المصدر 4: 285، الباب 61 من أبواب المواقيت، الرواية 5175.

(4) مستدرك الوسائل 3: 160، الباب 46 من أبواب المواقيت، الرواية 3264.

490

إلى غير ذلك، مما يظهر منه أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لم يبادر إلى القضاء زيادة على ما فيه من تقديم قضاء النافلة. و كلّ ذلك تنافي المضايقة.

و ربما يستند بأمره (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بالأذان و الإقامة أيضا.

و فيه أنّهما من مقدمات الصلاة، و لا بأس بها عند أهل المضايقة و لو ندبا.

و القدح في تلك الأخبار بأنها توجب القدح في النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فيجب طرحها، كالأخبار المتضمّنة للسهو منه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أو من أحد الأئمة (عليهم السلام) (1)، و ربما علّل ذلك- كما في الجواهر (2) و غيره- بما دلّ من الآيات (3) و الأخبار على طهارة النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و عترته (عليهم السلام) من جميع الأرجاس و القبائح و العيوب، و عصمتهم من العثار و الخطل في القول و العمل، و بلوغهم إلى أقصى مراتب الكمال، و أفضليتهم ممن عداهم في جميع الأحوال و الأعمال، و أنّهم تنام عيونهم و لا تنام قلوبهم (4)، و أنّ حالهم في المنام كحالهم في اليقظة، و أنّ النوم لا يغيّر منهم شيئا من جهة الإدراك و المعرفة، و لا يصيبهم لمّة الشيطان (5)، و أنّ ملائكة الليل و النهار كانوا يشهدون مع النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) صلاة الفجر، و أنّهم ما من يوم و لا من ساعة و لا وقت صلاة إلّا و هم ينبّهونهم ليصلّوا (6)، و أنّهم كانوا مؤيّدين بروح القدس يخبرهم و يسدّدهم و لا يصيبهم

____________

(1) وسائل الشيعة 8: 201، الباب 3 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الرواية 10424 و 10428 و 10429.

(2) جواهر الكلام 13: 70.

(3) إِنَّمٰا يُرِيدُ اللّٰهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً الأحزاب (33):

33.

(4) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 1: 213؛ و صحيح البخاري 4: 231، باب كان النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) تنام عينه و لا ينام قلبه.

(5) كشف الغمّة 3: 302.

(6) وسائل الشيعة 4: 285، الباب 61 من أبواب المواقيت، الرواية 5175.

491

الحدثان (1)، و أنّهم ليسوا أقلّ من الديكة التي تصرخ في أوقات الصلاة و في أواخر الليل، لسماعها صوت تسبيح ديك السماء الذي هو من الملائكة، و آخر تسبيحه في الليل بعد طلوع الفجر: ربّنا الرحمن لا إله غيره» إلى غير ذلك، سيما مع تضمّن بعض أخبار الرقود قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): إنّما نمتم بوادي الشيطان (2)، و قد دلّ على أنّ منشأ نومهم تسلّط الشيطان، و هو تعالى عنه علوّا كبيرا.

مخدوش جدّا، لمنع كون رقوده قدحا فيه، بل قال بعض المحقّقين هو رحمة للأمّة، كما ورد في بعض هذه الأخبار، لئلّا يعيّر العباد بعضهم بعضا، نظير تزويجه لزينب في قوله تعالى زَوَّجْنٰاكَهٰا لِكَيْ لٰا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوٰاجِ أَدْعِيٰائِهِمْ (3).

و بالجملة: إنامته سبحانه له لا يوجب قدحا فيه، سيما إذا كانت لمصلحة و طرف المصلحة كثيرة لا يحصيها، و عدم علمنا بها بعينها في المقام لا يبيح طرح الأخبار المعتبرة.

و الوجوه المذكورة غير متّجهة، لأنّ غلبة النوم الطبيعي الغير الاختياري ليست من الأرجاس و القبائح، و لا من العثار و الخطل، إذ لا تكليف معه، فلا عصيان فلا قبح و لا رجس، و هل هو إلّا كحال عدم تشريع الصلاة.

و لا ينافي رقوده بلوغهم أقصى مراتب الكمال و إلّا كان اللازم تنزّههم عن مطلق النوم المانع عن العبادات و الصلوات المندوبات، و لا أفضليتهم ممّن عداهم في مشاركتهم إيّاهم في صفة طبيعية، و قياس النوم بالسهو باطل.

____________

(1) بصائر الدرجات 2: 94.

(2) وسائل الشيعة 4: 283، الباب 61 من أبواب المواقيت، الرواية 5170.

(3) الأحزاب (33): 33.

492

و منه كما قيل ظهور الفرق عند الأصحاب بينهما بردّهم أخبار السهو و عدم تجويزه الإمامية، عدا ما في المحكيّ عن أبي علي الطبرسي عن بعضهم من تجويزه السهو و النسيان على الأنبياء في غير ما يؤدّونه عن اللّه تعالى مطلقا، ما لم يؤدّ ذلك إلى الإخلال بالعقل، كما جوّزوا عليهم النوم و الإغماء الذين هما من قبيل السهو، و لم يردّ أحد أخبار النوم عن الصلاة، و في الذكرى لم أقف على رادّ لهذا الخبر من حيث توهّم القدح في العصمة، بل عن صاحب رسالة نفي السهو و هو السيّد المرتضى التصريح بالفرق بين السهو و النوم، بل ربما يظهر منه نفي ذلك كذلك بين الإمامية، كما عن والد البهائي في بعض المسائل المنسوبة إليه أنّ الأصحاب تلقّوا أخبار نوم النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) عن الصلاة بالقبول.

و لا يستلزم تيقّظ قلبه عدم إحساسه الوقت في النوم و لا استواء حالتي النوم و اليقظة و عدم تغيّر شيء له و لو من جهة الإدراك، و إن ورد فيه خبر، فهو على معنى عدم تغيّر ما في عادة الناس من نوم قلوبهم و استيلاء الخيال الاضطراري عليها و غفلتها عن شئون تلك النشأة، فإنّ حالة النوم و لو للحجج المعصومين غير حالة اليقظة، و إلّا لم يسترح به البدن، و ليس هو مجرّد عدم إبصار المحسوسات و عدم سماع الأصوات اللذان يحصلان في اليقظة أيضا، بغضّ العينين و سدّ الأذنين، بل هو تعطيل النفس عن التصرفات البدنية و الإدراكات الحسّية، و فرقهم عن غيرهم في عدم تعطّل نفوسهم القدسية عن تصرفاتها و عدم غفلتهم عن الأعمال القلبية و الإدراكات العقلية دون غيرهم، و هو معنى: ينام عينه و لا ينام قلبه.

و الالتفات إلى وقت الصلاة من المدركات الحسّية، فلا ينافي عدم نوم قلبه عدم التفاته إليه، و إن كان على خلاف عادتهم بمشيئته سبحانه.

و ما دلّ على شهود الملائكة معهم عند وقت كلّ صلاة غايته الدلالة عليه عند

493

انتباههم، و ليس نصّا على ذلك و لو في حال نومهم في جميع الأوقات، بحيث يعارض صريح مدلول أخبار الرقود.

و النقض بحكاية الديكة أعجوبة، فإنّ كل مخلوق تيسّر لما خلق له، و إلّا لزم فضلها على المؤمنين الذين يتفق لهم ذلك أحيانا بلا كلام و لا استبعاد.

و أما قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «إنّما نمتم بوادي الشيطان» فلا يدلّ على أنّ منشأ نومهم تسلط الشيطان، مع أنّ سلطانه على الذين يتولّونه، بل هو إخباره بنحوسة هذا الوادي، لارتباط له بالشيطان، من قبيل ما ورد من نحوسة بعض البلاد كالبصرة، لعدم قبولها الولاية، و تأثير نحوسته الذاتية في أصحابه غير إغواء الشيطان لهم و تسلّطه عليهم.

احتجّ أصحاب المضايقة بوجوه:

الأوّل: الإجماع المحكيّ نقله عن الشيخ و الحلّي و ابن زهرة (1)، و أنت بعد الإحاطة على ما حرّرته من تعداد القائلين بالمواسعة من القدماء و المتأخرين و ذكر مخالفتهم بعد الاستقراء و الاستقضاء و اشتهار القول بالسعة بين الأوائل و الأواخر من أعيان الإمامية و عظماء الأصحاب، و سمعت من صاحب الذخيرة نقل الشهرة المتقدّمة كالمتأخرة المحقّقة عليه، و عن صاحب المفاتيح نسبته إلى أكثر الأصحاب على الإطلاق، و عن الفاضلين ظهور دعوى إجماع المسلمين عليه في الجملة، و عن صاحب العصرة أن ادّعاه الشيخ الإجماع العجيب تراه لم يقيّد بقول الشيخين المتقدّمين أي الصدوقين و سلفهما، إذ لم يعدّهما من الأصحاب، أو لم يبلغه قولهما أو قول سلفهما، و عن المحقق الشيخ عبد العالي في تعليق الإرشاد أنّه قال: كلام ابن إدريس غير صريح في دعوى الإجماع على المضايقة، لأنّه يحتمل أن يراد به الإجماع على أنّ الأدلّة التي ذكرها حجة، لا أنّ ما استدلّ عليه من هذه المسألة

____________

(1) راجع جواهر الكلام 13: 77.

494

انعقد الإجماع عليه، و استجوده بعض الأفاضل.

و ربما يطعن عليه أنّه مخلط لا يعتمد على تصنيفه، و ربما يدّعي الدعوى و يذكر فيها الإجماع، ثم ينقضها في مكان آخر قريب منه و يدّعي فيها الإجماع، و عدّ منه مسائل كذلك، و نحوه إجماع ابن زهرة، إذ لا يخفى على الخبير حاله و حال غيره من إجماعاته.

و بالجملة: ترى دعوى الإجماع في مثل تلك المسألة مع اختلاف من ذكرناهم، على عظم أقدارهم و شهرة آثارهم ممن تقدّم و تأخّر، من أغرب الدعاوي، بل كما قيل: كثرة القائلين بالمواسعة أقرب إلى دعوى الإجماع من المضايقة، إذ أرباب المضايقة المقطوع بفتواهم بها بالنسبة إلى الأولى نذر قليل، بل لم يعرف عن بعضهم إلّا بالنقل كالقديمين و ليس هو كالعيان، سيما مع ملاحظة السيرة الجارية في الأعصار و الأمصار على المواسعة كما مضى.

الثاني: أصالة الاشتغال و الاحتياط في البراءة في الفائتة و الحاضرة.

و الجواب أنّ أصل البراءة و عدم اشتراط العبادة (1) يزيل أصل الاشتغال على ما حرّرناه في الأصول، مع أنّ أصل الاشتغال غير جار في الفائتة على القول به أيضا.

الثالث: قوله سبحانه أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِذِكْرِي (2)، فإنّه ورد في الفائتة، حكاه في الذكرى (3) عن أكثر المفسّرين لقول النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «من نام عن صلاة أو نسيها يقضها إذا ذكرها، إنّ اللّه تعالى قال أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِذِكْرِي» (4).

____________

(1) كذا.

(2) طه (20): 14.

(3) ذكرى الشيعة 4: 205.

(4) مسند أحمد 3: 100؛ سنن الدارمي 1: 280؛ صحيح مسلم 1: 471، الحديث 680؛ سنن ابن ماجة 1: 228، الحديث 698؛ سنن أبي داود 1: 119، الحديث 435؛ سنن النسائي 1: 294؛ السنن الكبرى 2: 218.

495

و دلّت عليه صحيحة زرارة المتقدّمة في رقود النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و غيرها، فالمراد بالذكر في الآية التذكّر من النسيان، و يكون معناها: «أقم الصلاة وقت ذكر صلاتي»، على أن يكون المضاف مقدرا أو وقت ذكر الصلاة، بناء على أنّ المذكر هو اللّه، كما ورد أنّ الذكر و النسيان مما لا صنع للعباد فيهما، فدلّ على الفور، سيما مع استدلال الإمام (عليه السلام) به على الفورية، كما في صحيحة زرارة عن الباقر (عليه السلام): «إذا فاتتك صلاة فذكرتها في وقت أخرى، فإن كنت تعلم أنّك إذا صلّيت التي فاتتك كنت عن الأخرى في وقت، فابدأ بالتي فاتتك، فإنّ اللّه عزّ و جلّ يقول أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِذِكْرِي».

و الجواب: أنّ حمل الآية على المعنى المذكور، أي الذكر بعد النسيان، خلاف الظاهر و أبعد المعاني الذي ذكرها المفسّرون، ككونه بمعنى العبادة، أي لعبادتي من باب عطف الخاصّ على العامّ الذي قبله، و هو قوله تعالى فَاعْبُدْنِي، لما في الصلاة التي هي عمود الدين من شدة الاهتمام، أو لما فيها من ذكري، كقوله تعالى:

فَاسْعَوْا إِلىٰ ذِكْرِ اللّٰهِ (1)، و قوله تعالى فَإِذٰا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللّٰهَ كَمٰا عَلَّمَكُمْ (2)، و قوله تعالى يَذْكُرُونَ اللّٰهَ قِيٰاماً وَ قُعُوداً (3)، أو بمعنى القربة، أو لذكري خاصّة غير مشوب برياء، أو ليكون ذكرا لي، أو لذكري لها و أمري بها في الكتب، أو لأذكرك بالمدح و الثناء و أجعل لك لسان صدق، أو بالمغفرة، أو بالمعونة و نحوها، كما قال عزّ و جلّ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ (4)، فهو من إضافة المصدر إلى الفاعل.

____________

(1) الجمعة (62): 9.

(2) البقرة (2): 239.

(3) آل عمران (3): 191.

(4) البقرة (2): 152.

496

و عن الطبرسي (1) تعميم الصلاة في الآية للحاضرة و الفائتة، حاكيا له عن أكثر المفسرين، راويا له عن الباقر (عليه السلام)، كما حكي عن الشيخ الذي هو من أصحاب المضايقة في تبيانه (2)، و نسبته معنى التذكر بعد النسيان إلى قيل: تمريضا له.

و الاستشهاد لإرادة الفائتة بتعليل النبوي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و سائر الأخبار بها غير متّجه، لأنّه على بقاء الصلاة على عمومها بالنسبة إلى الحاضرة و الفائتة يتمّ التعليل على أحد المعاني المذكورة بإطلاق الأمر بها في الآية و لو خرج وقتها، و عدم اختصاصها بما دام الوقت.

سلّمنا اختصاصها بالفائتة، فلا يدلّ على أنّ الذكر فيها بمعنى الذكر بعد النسيان، لإمكان كون المراد بها إيجاب القضاء الذي هو بفرض جديد، فلا يدلّ على المضايقة، سلّمنا أنّه بمعنى الذكر بعد النسيان، فلا يدلّ على التوقيت، بل يمكن إرادة بيان سببية الذكر للوجوب، و ابتداء حصوله فيه، كقولهم: إذا شككت في المغرب فأعد، و إذا أفطرت اقض صومك، فلا يفيد الفور أيضا.

سلّمنا أنّه يدلّ على التوقيت، فلا يدلّ على المضايقة أيضا، بل مفادها وجوب القضاء في زمان التذكّر، لا في أوّله، بل لو سلّم أنّ التوقيت من لفظة «إذا»، و هو في قوّة أقم الصلاة إذا ذكرت، فلا يدلّ على الفورية أيضا، كما ستعرف.

قيل: التعليل بالآية في صحيحة زرارة و غيره لوجوب البدأة بالفائتة، دلّ على أنّ المراد توقيت وجوب القضاء أوّل أزمنة الذكر في الآية.

قلنا: صرف الآية عن ظاهرها ليس بأولى من حمل الخبرين على كون التعليل لمجرّد وجوب الفائتة و كونها غير موقتة بوقت خاصّ، كما ورد مثله في أخبار

____________

(1) مجمع البيان 4: 6.

(2) التبيان 7: 165.

497

كثيرة، مع أنّ صحيحة زرارة المتضمّنة لهذا التعليل مصرّحة بعدم تعجيل النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بالقضاء، و تحوّله من مكانه و تنفّله و تكلّمه ثم إتيانه بالقضاء، فهو قرينة ظاهرة للحمل المذكور.

مضافا إلى أنّ الصلاة تشمل النوافل، و تعجيل قضاءها ليس بواجب، و ليس حمل الأمر على الاستحباب مع شيوعه فيه في الكتاب و السنّة بحيث جعل مجازا مساويا للحقيقة، و إبقاء العموم على حقيقته من غير ارتكاب تخصيص بعيدا، بل و لا أبعد من التخصيص، فيحمل الأمر في الخبر المعلّل بالآية على الرخصة أو مطلق الطلب الأعمّ من الوجوب اليقيني في البدأة بالفائتة وقت الحاضرة، دفعا لتوهم منع الجواز و توهم الرجحان الحاصل من تراكم الأخبار في فضيلة أول الوقت.

الرابع: أنّ الأمر بالقضاء يقتضي الفور، كما حكى المرتضى عليه الإجماع في أوامر الكتاب و السنّة.

و الجواب منعه، كما عليه المعظم و تبيّن في محلّه، مضافا إلى أنّ أدلّة المواسعة في المقام تدلّ على إرادة المطلق.

الخامس: الأخبار المتكثرة الدالّة على وجوب القضاء عند حصول التذكّر أو التيقّظ، و في جملة منها أنّه وقته، و هو ظاهر في أوّل زمان الذكر، كصحيحة زرارة (1): أربع يصلّيها الرجل في كلّ ساعة، صلاة فاتتك [ف] متى ذكرتها أدّيتها، و صلاة ركعتي طواف الفريضة، و صلاة الكسوف، و الصلاة عن الميّت، هذه يصلّيهنّ [الرجل] في الساعات كلّها.

و صحيحة ابن عمار: خمس صلوات لا يترك على كلّ حال، إذا طفت بالبيت، و إذا أردت أن تحرم، و صلاة الكسوف، و إذا نسيت تصلّي إذا ذكرت، و صلاة الجنازة.

____________

(1) التهذيب 2: 270 بتفاوت.

498

و رواية يعقوب التي وصفها بعضهم بالصحيحة عن الرجل ينام عن الغداة حتى تبزغ الشمس، أ يصلّي حين يستيقظ أو ينتظر حتى تبسط الشمس؟ قال: يصلّي حين يستيقظ. قلت: يوتر أو يصلّي الركعتين. قال: يبدأ بالفريضة (1).

و الصحيحة الأخرى لزرارة: إذا نسي الرجل صلاة أو صلّاها بغير طهور و هو مقيم أو مسافر فذكرها. فليقض الذي وجب عليه و لا يزيد، و لا ينقص، من نسي أربعا فليقض أربعا حين يذكرها، مسافرا كان أو مقيما (2).

و صحيحته الثالثة في قول اللّه تعالى إِنَّ الصَّلٰاةَ كٰانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتٰاباً مَوْقُوتاً (3)، قال: يعني مفروضا، و ليس يعني وقت فوتها، إن جاز ذلك الوقت ثم صلّاها لم يكن صلاة مؤدّاة، و لو كان ذلك كذلك لهلك سليمان بن داود، حين صلّاها لغير وقتها، و لكنّه متى ما ذكرها صلّاها»، إلى أن قال: «فإن استيقنت فعليك أن تصلّيها في أيّ حال كنت».

و خبر نعمان الرازي (4) عن رجل فاته شيء من الصلوات، فذكر عند طلوع الشمس و عند غروبها، قال: «فليصلّ حين ذكره».

و موثقة ابن عمار (5) عن رجل صلّى بغير طهور، أو نسي صلاة لم يصلّها، أو نام عنها، قال: «يصلّيها، إذا ذكرها في أيّ ساعة ذكرها ليلا أو نهارا».

و النبويّ: «من نام عن صلاة أو نسيها فليقضها إذا ذكرها» و في بعض الروايات

____________

(1) وسائل الشيعة 4: 284، الباب 61 من أبواب المواقيت، الرواية 5173.

(2) نفس المصدر 8: 269، الباب 6 من أبواب قضاء الصلوات، الرواية 10624.

(3) النساء (4): 103.

(4) وسائل الشيعة 4: 244، الباب 39 من أبواب المواقيت، الرواية 5045.

(5) التهذيب 2: 271 بتفاوت.

499

زيادة: «فذلك وقتها»، و في بعضها (1): «من فاتته صلاة فوقتها حين يذكرها».

و الجواب عنها [أوّلا:] إنّ توقيت فعل القضاء بالتذكر، بقولهم يصلّي إذا ذكرها، أو حين ذكرها، أو حين يستيقظ، و أمثال ذلك، غايته كون أزمنة الذكر وقت الفعل، و أما أنّه أوّلها فلا، إلّا على القول بكون الأمر للفور الممنوع و هل هو إلّا كقوله تعالى وَ سَبْعَةٍ إِذٰا رَجَعْتُمْ (2). و قول الآمر: اشتر اللحم إذا دخلت السوق أو حين دخلته، و أكرم زيدا إذا جاء أو متى جاء، كيف و إلّا لزم عدم صدق الذكر على التذكّر الثاني في الآنات المتأخرة، و عدم دلالة تلك الأخبار على وجوب القضاء لو أخلّ في أوّل الأزمنة، و هو كما ترى، بل كان قوله: «فذلك وقتها» بعد قوله: «يصلّي إذا ذكرها» تحديد وقته بالآن الأوّل، و خروج وقت القضاء و انقضائه الذي هو خلاف الضرورة.

و يعارضها ما دلّ على بقاء وجوبه في جميع الأوقات، كخبر أبي بصير (3):

«خمس صلوات يصلّيهنّ في كلّ وقت: صلاة الكسوف و الصلاة على الميّت و صلاة الإحرام و الصلاة التي تفوت و صلاة الطواف من الفجر إلى طلوع الشمس و بعد العصر إلى الليل».

و المحكيّ عن أصل الحلبي (4): «خمس صلوات يصلّيهنّ على كلّ حال، متى

____________

(1) صحيح مسلم 1: 477، الحديث 315؛ سنن الدارمي 1: 280؛ مسند أحمد 3: 100؛ سنن البيهقي 2: 218 بتفاوت.

(2) البقرة (2): 196.

(3) وسائل الشيعة 4: 241، الباب 39 من أبواب المواقيت، الرواية 5033.

(4) مستدرك الوسائل 3: 148، الباب 31 من أبواب المواقيت، الرواية 3231؛ تمام الحديث هكذا: السيّد عليّ بن طاوس في رسالة المواسعة و المضايقة نقلا عن أصل عبيد اللّه بن عليّ الحلبي المعروض على الصادق (عليه السلام)، قال: «خمس صلوات يصلّيهنّ على كلّ حال، متى ذكره و متى أحبّ: صلاة فريضة نسيها، يقضيها مع غروب الشمس و طلوعها و صلاة ركعتي الإحرام، و ركعتي الطواف، و الفريضة، و كسوف الشمس، عند طلوعها و عند غروبها».

500

ذكرت و متى وجب صلاة فريضة نسيتها». الحديث.

و أصرح منها ما في آخر صحيحة زرارة (1) بطريقه الآتية الآمرة بصلاة الفجر الحاضرة و تأخير العشاءين إلى بعد شعاع الشمس، تعليلا بأنّك لست تخاف فوتها.

فالإجماع و الأخبار المتقدمة قرينة على عدم إرادة التوقيت بأوّل الزمان، و لو على فرض دلالته عليه، بل المراد جميع أزمنة الذكر، بل من تلك الأخبار الموقّتة ما تضمّن التصريح بالتوسعة، كصحيحة يعقوب (2)، فهو قرينة واضحة على إرادة خلاف ما ذكروه، و يؤكّده ما ورد في قضاء الصلاة و الصوم معا بهذه اللفظ الذي لا يمكن إرادة أوّل الزمان منه، بملاحظة قضاء الصوم الغير المعجّل إجماعا، كما روي في من أجنب في رمضان، فنسي أن يغتسل حتى خرج رمضان: أنّ عليه أن يقضي الصلاة و الصوم إذا ذكر.

و يحتمل قويا- بل لعلّه الظاهر- أنّ تلك الأخبار منساقة لبيان عدم اختصاص وقته بزمان، بل هي كسائر الصلوات الغير الموقّتة التي عدّها معها في الصحيحين الأولين كغيرهما مما أشرنا إلى بعضه.

و يؤمي إليه ما في الصحيحة الأولى، من تعميم الأوقات بالساعات كلّها. و ما في الصحيحة الثالثة: «بأيّ حال كنت»، و في موثقة ابن عمار: «بأيّ ساعة ذكرها ليلا و نهارا، و إشعار قوله: «و ذلك وقتها و وقتها حين يذكرها».

____________

(1) وسائل الشيعة 4: 291، الباب 63 من أبواب المواقيت، الرواية 5187.

(2) نفس المصدر 2: 258، الباب 39 من أبواب الجنابة، الرواية 2099؛ و 10: 65، الباب 17 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الرواية 1241.

501

مضافا إلى ظهور بعض تلك الروايات في كونه في بيان الرخصة في عموم الأوقات حتى المكروهة، دفعا لتوهّم الحظر فيها، كرواية الرازي المتضمّنة للسؤال عن فعل القضاء عند طلوع الشمس الممنوع عند أبي حنيفة على ما حكي عنه، و صحيحة يعقوب، و ظهور بعضها في بيان كيفية القضاء قصرا و إتماما، سفرا و حضرا، على مثال المقضيّ عنه، كالصحيحة الرابعة.

و ثانيا: أنّ أخبار المواسعة قرائن ظاهرة لإرادة الاستحباب من تلك الأوامر على تسليم دلالتها، كما يشهد به فهم العرف، سيما مع شمول كثير منهما لقضاء المندوبة المانع عن حمله على الوجوب، و المخصّص بالفريضة مع تمام الشواهد المقدّمة (1).

و ترجيحه على الحمل على الندب ممنوع جدّا، سيما مع ورود الطلب في جملة منها بلفظ الخبر الذي نصا في الوجوب، بل منعه مطلقا و لو ظهورا بعض المحققين.

و ثالثا: أنّ ما ذكرنا من أخبار المواسعة يعارضها، و هي راجحة عليها بوجوه سنشير إليها.

هذا، و يرد على الاستدلال بأخبار المضايقة على بطلان الحاضرة عند تقديمها على الفائتة، كما هو ظاهر أكثر أصحاب التضييق: أنّه مبنيّ على اقتضاء الأمر بالمضيّق فساد الواجب الموسّع، لو أتى به، و هو خلاف التحقيق، لا لتعارض الأمرين، بل لأنّ فورية الواجب لا ينافي طلب ضدّه موسّعا عند العصيان بترك المضيّق عرفا، ألا ترى أنّه إذا أمر السيّد عبده بشراء ثوب في سعة شهر، ثم أمر به مضيقا في يوم منه بفعل يضادّه، فيتركه و اشترى الثوب في هذا اليوم عدّ ممتثلا في المطلوب الموسّع، و إن كان عاصيا و معاقبا بترك المضيّق، و قد أشبعنا الكلام فيه في كتابنا المراصد.

____________

(1) في الأصل: «لم تعدّ به» مكان «المقدّمة».

502

السادس: الأخبار الدالّة على وجوب البدأة بالفائتة قبل الحاضرة ما لم يتضيّق وقتها، كصحيحة زرارة عن الباقر (عليه السلام) عن رجل صلّى بغير طهور أو نسي صلوات لم يصلّها أو نام عنها، فقال: «يقضيها إذا ذكرها في أيّ ساعة ذكر من ليل أو نهار فإذ دخل وقت الصلاة و لم يتمّ ما قدمه فاته، فليقض ما لم يتخوّف أن يذهب وقت هذه الصلاة التي حضرت، و هذه أحقّ بوقتها، فليصلّها، فإذا قضاها فليصلّ ما قد فاته مما قد مضى، و لا يتطوّع بركعة حتى يقضى الفريضة كلّها» (1).

و صحيحته الأخرى الطويلة (2): «إن كنت قد صلّيت الظهر و قد فاتتك الغداة فذكرتها، فصلّ الغداة أيّ ساعة ذكرتها و لو بعد العصر، و متى ذكرت صلاة فاتتك صلّيتها، و قال: إذا نسيت الظهر حتى صلّيت العصر فذكرتها و أنت في الصلاة أو بعد فراغك، فانوها الأولى ثم صلّ العصر، فإنّما هي أربع مكان أربع، فإن ذكرت أنك لم تصلّي الأولى و أنت في صلاة العصر و قد صلّيت منها ركعتين، فانوها الأولى فصلّ الركعتين الباقيتين و قم فصلّ العصر، و إن كنت ذكرت أنّك لم تصلّ العصر حتى دخل وقت المغرب و لم تخف فوتها فصلّ العصر ثم صلّ المغرب، و إن كنت قد صلّيت من المغرب ركعتين ثم ذكرت العصر فانوها العصر، ثم قم فأتمّها بركعتين، ثم سلّم، ثم تصلّ المغرب، إلى أن قال: «و إن كنت قد نسيت العشاء الآخرة حتى صلّيت الفجر فصل العشاء الآخرة، و إن كنت ذكرتها و أنت في الركعة الأولى أو في

____________

(1) وسائل الشيعة 4: 287، الباب 62 من أبواب المواقيت، الرواية 5179؛ التهذيب 2:

172، الحديث 685، 266: الحديث 1059؛ و 3: 159، الحديث 341؛ الاستبصار 1: 286، الحديث 1046.

(2) وسائل الشيعة 4: 290، الباب 62 من أبواب المواقيت، الرواية 5187؛ التهذيب 3:

158، الحديث 340؛ الكافي 3: 291، الحديث 1.

503

الثانية من الغداة فانوها العشاء ثم قم فصلّ الغداة و أذّن و أقم، و إن كانت المغرب و العشاء قد فاتتاك فابدأ بهما قبل أن تصلّي الغداة، ابدأ بالمغرب ثم العشاء، فإن خشيت أن تفوتك الغداة إن بدأت بالمغرب فصلّ الغداة ثمّ صلّ المغرب و العشاء، ابدأ بأوّلهما، لأنّهما جميعا قضاء أيّهما ذكرت، فلا تصلّها إلّا بعد شعاع الشمس، قال: قلت: لم ذلك؟ قال: لأنّك لست تخاف فوتها».

و صحيحته الثالثة المتقدّمة المتضمّنة لقوله (عليه السلام): فابدأ بالتي فاتتك (1). و رواية الحلبي (2) عن رجل نسي الأولى إلى أن قال: «و إن خاف أن يفوته فليبدأ بالعصر، و لا يؤخّرها فيفوته، فيكون قد فاتتاه جميعا، و لكن يصلّي العصر فيما بقي من وقتها، ثم ليصلّ الأولى بعد ذلك على أثرها»، حيث أمر بالأولى على أثر العصر قبل المغرب الحاضرة.

و صحيحة صفوان (3) عن أبي الحسن (عليه السلام) عن رجل نسي الظهر حتى غربت الشمس و قد كان صلّى العصر، فقال: كان أبو جعفر (عليه السلام) أو كان أبي يقول: إن أمكنه أن يصلّيها قبل أن يفوته المغرب بدأ بها، و إلّا صلّى المغرب ثمّ صلّاها.

و خبر أبي بصير (4) المرويّ في الكافي عن رجل نسي الظهر حتى دخل وقت العصر، قال: يبدأ بالظهر و كذلك الصلوات تبدأ بالتي نسيت إلّا أن تخاف أن يخرج وقت الصلاة فتبدأ بالتي أنت في وقتها، ثم تقضى التي نسيت. و في رواية التهذيب بدل «يبدأ بالظهر» يبدأ بالمكتوبة.

____________

(1) وسائل الشيعة 4: 287، الباب 62 من أبواب المواقيت، الرواية 5180.

(2) نفس المصدر 4: 129، الباب 4 من أبواب المواقيت، الرواية 4709.

(3) نفس المصدر 4: 289، الباب 62 من أبواب المواقيت، الرواية 5185.

(4) نفس المصدر 4: 290، الرواية 5186؛ و في الكافي 3: 292، الحديث 2.

504

و خبر عبد الرحمن (1) عن رجل نسي صلاة حتى دخل وقت صلاة أخرى، فقال:

إذا نسي الصلاة أو نام عنها صلّى حين يذكرها، فإذا ذكرها و هو في صلاة بدأ بالتي نسي و إن ذكرها مع إمام في صلاة المغرب أتمّها بركعة ثم صلّى المغرب ثم صلّى العتمة بعدها. الحديث.

و خبر عمرو بن يحيى (2) عن رجل صلّى على غير القبلة، ثمّ تبيّنت القبلة و قد دخل وقت صلاة أخرى، قال: «يعيدها قبل أن يصلّي هذه التي قد دخل وقتها إلّا أن يخاف فوت التي قد دخل وقتها».

و المرويّ في قرب الإسناد (3) عن رجل نسي العشاء ثم ذكر بعد طلوع الفجر، كيف يصنع؟ قال: يصلّي العشاء ثم الفجر.

و مثله (4) عن رجل نسي الفجر حتى حضرت الظهر، قال: يبدأ بالفجر ثم يصلّي الظهر كذلك كلّ صلاة بعدها صلاة.

و عن دعائم الإسلام (5): من فاتته صلاة أخرى فإن كان في الوقت سعة بدأ بالتي فاتته و صلّى التي هو فيها في وقت و إن لم يكن في الوقت إلّا مقدار ما يصلّي التي هو في وقتها بدأ بها و قضى بعدها الصلاة الفائتة.

و المرويّ عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) مرسلا في كتب أصحابنا (6): «لا صلاة لمن عليه صلاة».

____________

(1) نفس المصدر 4: 289، الباب 63 من أبواب المواقيت، الرواية 5188.

(2) نفس المصدر 4: 313، الباب 9 من أبواب القبلة، الرواية 5244.

(3) نفس المصدر 8: 255، الباب 1 من أبواب قضاء الصلوات، الرواية 10572؛ قرب الإسناد: 91.

(4) نفس المصدر 4: 313، الباب 9 من أبواب القبلة، الرواية 5244.

(5) دعائم الإسلام 1: 131، كتاب الصلاة.

(6) مستدرك الوسائل 3: 160، الباب 46 من أبواب المواقيت، الرواية 3264.

505

و الجواب: أوّلا أنّ تلك الأخبار أكثرها مختصّة بالفائتة الواحدة أو فائتة اليوم، و هما من أقوال المسألة، فلا ينتهض حجة لأصحاب الإطلاق المستدلّين بها على مدعاهم.

و ثانيا أنّها في مقابلة أخبار المواسعة المتكثرة، مع قصور جملة منها سندا أو دلالة، و اعتضاد الثانية من الشواهد و الإمارات، لا بدّ من حملها على خلاف ظاهرها مما يقرب إلى الأذهان، غير التقابل و التعارض.

فنقول: أمّا الرواية الأولى، فذيلها محمولة على الاستحباب، مع عمومها بالنسبة إلى النافلة كما مرّ، أو على أنّ المراد بها دخول وقت الحاضرة و هو في أثناء الفائتة، و يؤيّده ما في بعض مواضع التهذيب من قوله (عليه السلام): «فليمض» بدل «فليقض» (1) و صدرها غير دال أصلا، و على التسليم محمول على الندب أيضا.

و نحوها في الحمل عليه ذيل الثانية، سيما بقرينة آخرها الدال على المواسعة، و عدم دلالة صدرها كما مرّ، و خروج وسطها عن المدّعى، و كونه محمولا على نسيان الأولى عن وقت الفريضة، و إلّا تعيّن تقديم العصر إجماعا.

و منهما يظهر معنى الثالثة.

و أمّا الرابعة فقوله (عليه السلام) فيها: «على أثرها» محمول على مطلق التأخر، و لو بعد المغرب الحاضرة، بل لا دلالة له على الاتصال، و غايته التبعيّة القريبة، أو على إرادة مطلق الرجحان من الأمر، مع عدم كونه صريحا في الوجوب، بل الظاهر فيه في مثل المقام بملاحظة المعارضات في الوجوب.

و نحوه الكلام في الخامسة.

و ربما يناقش فيها بأن جعل المغرب غاية النسيان يقتضي حصول التذكّر عنده

____________

(1) التهذيب 2: 172، الحديث 685.

506

بعده قبل زوال الحمرة، لا قبيل الانتصاف الذي هو آخر الوقت، فلا يتصوّر فيه التقسيم بالقسمين، بل يؤمي إلى أنّ المراد فوات وقت فضيلتها.

و فيه أنّها ظاهرة في كون المغرب الذي به يخرج وقت الظهرين غاية الترك، لا النسيان، مع بعد كونه قرينة لصرف فوت الوقت، الظاهر في الإجزاء إلى وقت الفضيلة.

و أمّا السادسة، فعلى رواية التهذيب، يراد بالمكتوبة العصر، كما هو الظاهر، و بوقت العصر، الوقت المختصّ بها، و بقوله: «و كذلك الصلوات المشتركات في الوقت إذا نسيت أولهما» فتقدم على اللاحقة، بل هو مقتضى التشبيه.

و على رواية الكافي فالمراد بوقت العصر الذي خرج بدخوله وقت الظهر وقت الفضيلة، بل لا مناص عنه، و مفاد التشبيه ذلك أيضا.

و أمّا السابعة، فمحمولة على الندب أيضا، مع عدم صراحتها في الوجوب.

و مثلها الثامنة، مع أنّ ظاهرها خلاف ما هو الصواب من عدم وجوب القضاء خارج الوقت عند الخطاء في القبلة، إلّا أن يحمل على العمد، و هو خلاف الظاهر، و بهذا يتعيّن الحمل على الندب أيضا، و على الحاضرة بعد الفراغ و عدم خروج الوقت الخارج عمّا نحن فيه.

و ينقدح أيضا، مما ذكر وجه التأمل في التاسعة و العاشرة و الحادية عشر، مع عدم صراحتها في الوجوب.

و أما الثانية عشر، و هي النبوية، فمع إرسالها و عدم روايتها في كتب أحاديث أصحابنا و موافقتها للعامّة، محمولة على نفي الكمال، كما هو الشائع في نظائرها المصروفة عن الحقيقة التي هي نفي الحقيقة، و حمله على نفي الصحّة بقرينة القرب إلى الحقيقة ليس بأولى من حمله على نفي الكمال بقرينة ما تقدم من أدلّة المواسعة.

507

و الاعتراض بمعارضتها بالمثل مع رواية على بن جعفر لا صلاة في وقت صلاة (1)، مخدوش بالإجماع على صحة الفائتة قبل الحاضرة نعم، ربما نسب إلى ظاهر الصدوقين وجوب تقديم الحاضرة، كما مرّت إليه الإشارة، إلّا أنّ النسبة غير معلومة، و حمله بعضهم على الاستحباب.

و كيف كان، فالخبر لشذوذ القول به شاذّ لا يصلح للاستناد إليه إلّا بحمله على التطوّع، فيوافق قول من منعه وقت الفريضة، كما في النبويّ، إذا دخل وقت مكتوبة فلا صلاة نافلة حتى تبدأ بالمكتوبة.

و ثالثا مع الإغماض عن جميع ما ذكر فالتعارض واقع بينها و بين أخبار المواسعة، و هي راجحة عليها بوجوه كثيرة، كموافقتها لإطلاق الكتاب في الأمر بها في سعة الوقت الموجب للإجزاء.

و القول بموافقة الثانية، أيضا، لقوله تعالى أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِذِكْرِي المفسّر في المعتبرة بما يوافق المضايقة، مدفوع بما مرّ من عدم دلالة تلك الأخبار المفسّرة عليها، و مع تسليمها فهذا في الحقيقة موافقة للخبر الظنّي و العرض عليه لا على الكتاب المأمور به لأجل القطع به عند التعارض، لأنّ أخبار المواسعة كما تعارض أخبار المضايقة، تعارض الأخبار المفسّرة للآية المقتضية لها أيضا، و موافقتها للسنّة النبوية القطعية الدالّة على سهولة الملّة و سماحة الدين، بل يدلّ عليها الكتاب أيضا، بقوله تعالى يُرِيدُ اللّٰهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لٰا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ (2)، و مخالفتها للمحكيّ عن جمهور العامّة، كما نصّ به غير واحد من أصحابنا، و موافقتها للسيرة الجارية المستمرّة الشائعة، و أكثريتها و أصحّيتها سندا و أظهريتها دلالة و أشهريتها مقابلة.

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 124، الباب 31 من أبواب صلاة الجنازة، الرواية 3194.

(2) البقرة (2): 185.

508

و مع الإغماض و تسليم التساوي و عدم المرجّح، فالعمل إمّا بالتخيير الذي دلّ عليه قولهم: بأيهما أخذت من باب التسليم وسعك. أو بالأصل، و مقتضاهما المواسعة و عدم وجوب الترتيب. هذا حجّة أصحاب الإطلاق من أهل المضايقة المشتهر بينهم.

و أمّا الأقوال التفصيلية، فحجّة بعضها غير معلومة، و نقضها يظهر مما ذكرناه من أخبار المضايقة، كالتفصيل المحكيّ عن المحقق في الفائتة الواحدة و في المتعدّدة في فائتة اليوم و نحوها، و أنت بعد ما سمعت ضعف الكلّ دلالة و مقاومة للأخبار الأوّلة، تعلم عدم حجّة معتبرة بها، بل قال بعض الأجلة: إنّ ملاحظة سياق أخبار الترتيب تأبى عن إرادة التفصيل و كون البناء عليه، كما لا يخفى على البصير المتأمّل.

تتميمان:

الأوّل: على عدم وجوب الترتيب، كما اخترناه، فهل يرجح تقديم الفائتة، أو الحاضرة؟

المحكيّ عن أكثر القائلين بعدم الترتيب من المتأخرين الأوّل.

و عن الصدوقين و بعض من تأخر، الثاني. و مال إليه والدي العلّامة، بل ربما نسب إلى الأوّلين الوجوب، و هو كما أشرنا إليه غير معلوم.

و التحقيق: أنّه لا شكّ أنّ تعجيل كلّ منهما في نفسه له فضيلة لا تنافيه فضيلة التعجيل لضدّه، فإن درك فضيلة لا ينافي فقدان فضيلة أخرى، و إن كان سببا له، لعموم الأمر بالاستباق و المسارعة إلى الخيرات، و إنّما الكلام في مزية فضيلة تعجيل إحداهما على فضيلة الأخرى، و اختصاص الحاضرة بخصوص فضل أوائل أوقاتها، و الحثّ عليها بكونها رضوان اللّه، و آخره بأنّه غفران اللّه يوجب فضيلة خاصّة للحاضرة، مضافا إلى الفضيلة المشتركة.