مشارق الأحكام

- الشيخ محمد بن احمد النراقي المزيد...
510 /
59

[المشرق الثاني] [في بيان حكم العقد الفضولي]

مشرق: في بيان حكم العقد إذا صدر عن غير المالك و من في حكمه أعني الفضولي و بعض ما يتعلّق بالمقام، و اختلفوا في صحّته و لزومه بالإجازة على قولين:

المشهور جوازه في النكاح، بل عن المرتضى (1) و غيره الإجماع عليه و الأخبار فيه مستفيضة، و هو الأشهر في البيع بين من تأخر، بل عن جماعة مطلقا، بل قيل كاد أن يكون إجماعا.

و في التذكرة (2): عندنا، مشعرا بالإجماع، و قيل به في سائر العقود أيضا، بل يظهر من الشهيد في الروضة (3) عدم القائل بالفرق حيث قال: و لا قائل باختصاص الحكم بهما أي بالبيع و الشراء و النكاح فإذا ثبت فيهما ثبت في سائر العقود. نعم، قيل باختصاصه بالنكاح و له وجه لو نوقش في حديث عروة. انتهى. و قيل باختصاصه بالنكاح و حيث إنّ غرضنا بيان ما تقتضيه القاعدة في عموم العقود، فلا

____________

(1) الانتصار: 122.

(2) تذكرة الفقهاء 1: 486.

(3) الروضة البهية 5: 141.

60

بحث لنا هنا عن خصوص عقد إلّا فيما صحّ التعدي عنه بعدم القول بالفصل، فنقول: الأظهر صحّته في العقود مطلقا، لوجوه:

أحدها: أنّه لا شكّ في عدم توقف صدق اسم المعاملة على مباشرة المالك بنفسه للعقد، بل يكفي النيابة كما في الوليّ و الوكيل. غاية الأمر اشتراط إذنه في الصحة أو في الصدق و هو حاصل بالإجازة و لا فرق في صدق الماهية على فعل النائب في تقدم الإذن و تأخره، و حيث ثبت صدق الماهية عليه و لو بعد الإجازة كان مقتضى الأصل المتأصّل فيما سبق صحّته إلى أن يخرج عنه بدليل دلّ على الاشتراط.

و ثانيها: أنه يصدق عليه تجارة عن تراض فيندرج تحت عموم الآية (1)، و يتمّ المطلوب في غير عقود التجارة بالإجماع المركب، لظهور عدم قائل بالفصل و إن قلنا به في خصوص البيع، بل عرفت من كلام الشهيد عدمه مطلقا. و الإيراد عليه بأنّ مدلول الآية كون التجارة ناشئة عن التراضي فيلزم سبقه عليها، بل ربما يجعل الآية باعتبار الحصر المستفاد من الاستثناء دليلا على البطلان مردود، بمنع ذلك و صدق التجارة عن تراض على العقد بعد لحوق الإجازة عرفا؛ إذ نقول التجارة هي مجموع العقد و الإجازة، لكونها من أجزاء علّة الانتقال و إن كانت مؤثرة له بعد حصولها من حينه لا من حينها، كما تقف عليه عند بيان معنى الكشف، و لا شك أنّ المجموع المركّب مسبوق بالتراضي و منه يظهر فساد الاستدلال بالحصر على الفساد مع أنّ الاستثناء منقطع فلا يفيد الحصر.

و ثالثها: خبر عروة البارقي (2) المنجبر ضعف سنده بالشهرة رواية و فتوى تحصيلا و نقلا، و هو أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أعطاه دينارا ليشتري به شاة، فاشترى شاتين، ثم باع

____________

(1) النساء (4): 29.

(2) سنن الترمذي 3: 559، الحديث 1258؛ سنن أبي داود 3: 256، الحديث 3384؛ مستدرك الوسائل 13: 245، الباب 1 من أبواب عقد البيع، الرواية 15260.

61

أحدهما بدينار في الطريق. قال: فأتيت النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بالدينار و الشاة فقال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم):

«بارك اللّه لك في صفقة يمينك» و تجويز كون الشراء لنفسه و الدينار مأخوذا على وجه القرض اتكالا على الفحوى كما في الإقباض، أو كون عبارة التوكيل ما يفيد الوكالة العامّة و لم ينقل إلينا مع أنّ الفحوى مجزية في الوكالة مردود، بظهور كون الشراء بالوكالة سيما بملاحظة تفريع شرائه على توكيل النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

و لو لا الاستناد بأمثال هذا الظهور لانسدّ باب الاستدلال بظواهر الكتاب و السنّة، إذ لا يمكن استقصاء الاحتمال، و به يظهر ما في الثاني أيضا، فإنّ الظاهر كون المحكي تمام ما وقع بين النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و عروة، مع أنّا لو أغمضنا عنه في البيع الأوّل أو الاكتفاء بالفحوى في التوكيل فالبيع الثاني لا يحتمله، و العلم بالرضا لا يخرجه عن الفضولي على ما هو المعروف بين الأصحاب، و إن استشكله بعضهم. نعم، يكتفى به في جواز الإقباض، و أما قبض عروة الدينار فهو من جهة استنمائه المشتري.

و ربما يناقش بظهور وقوع تلك المعاملة على جهة المعاطاة، و المناط فيها مجرّد المراضاة و وصول كل من العوضين إلى صاحب الآخر بإقباض المالك أو غيره و لو كان صبيّا أو حيوانا. و إذا جعل التقابض بين فضوليين أو فضوليّ و غيره مقرونا برضى المالكين، ثم دخل كل من العوضين الى صاحب الآخر، كفي في صحّة التصرف، و ليس هذا من معاملة الفضولي، لأنّ الفضولي صار آلة في الإيصال، و العبرة برضى المالك المقرون به.

و فيه أنّ وصول العوض إلى صاحب الآخر جزء السبب الناقل في المعاطاة، كما اعترف به المناقش قبل حصول العوض إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) مع المعاطاة، لم يتحقّق بيع (1)، و هو ينافي قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «بارك اللّه لك في صفقة يمينك» الظاهر في حصوله قبل

____________

(1) في العبارة إبهام كما لا يخفى.

62

الوصول، و عدم كون عروة مجرّد آلة الإيصال، بخلافه على البناء على الفضولي، سيما على القول بكون الإجازة كاشفة فيه، كما هو الحق المشهور.

ثمّ هذا الدليل يختصّ بالبيع، إلّا أن يعمّم بالفحوى، سيما مع ما تقدّم من الروضة من عدم القائل بالفرق بينه و بين سائر العقود مؤيّدا بما دلّ عليه النصوص و الفتاوى في النكاح.

و يدلّ على البيع أيضا ظاهر الموثق أو الصحيح في قضاء أمير المؤمنين (عليه السلام) في وليدة باعها ابن سيّدها، خلافا للمحكيّ عن الشيخ في المبسوط (1) و الخلاف (2) و الحلّي (3) و الحلبي (4) و ابن زهرة (5) و فخر الإسلام (6) و مولانا الأردبيلي (7) و الحرّ العاملي (8) و صاحب الحدائق (9) و والدي العلّامة (10) و غيرهم للأصل و الإجماع المنقول عن الخلاف (11) و الغنية، و قبح التصرف في ملك الغير، و اشتراط القدرة على التسليم في البيع المنتفية هنا، و الظواهر الناهية عن بيع ما ليس عنده و عن ما لا يملك.

____________

(1) المبسوط 2: 150.

(2) الخلاف 2: 168.

(3) السرائر 2: 274.

(4) الكافي في الفقه: 354.

(5) غنية النزوع 1: 207 و 208.

(6) إيضاح الفوائد 1: 416.

(7) مجمع الفائدة و البرهان 8: 158.

(8) حيث ذكر في عنوان الباب الأوّل من أبواب عقد البيع و شروطه: «اشتراط كون المبيع مملوكا أو مأذونا في بيعه و عدم جواز بيع ما لا يملكه».

(9) الحدائق الناضرة 18: 377.

(10) مستند الشيعة 2: 366.

(11) الخلاف 2: 168.

63

و خصوص صحيح صفار، كتب إلى أبي الحسن (عليه السلام) رجل باع قرية فيها قطاع أرضين، فهل يصلح للمشتري ذلك و قد أقرّ له بكلّها؟ فوقّع (عليه السلام): «لا يجوز بيع ما ليس عندك و قد وجب الشراء على ما يملك».

و صحيح محمد بن القاسم: «سألت أبا الحسن الأوّل (عليه السلام): رجل اشترى من امرأة من آل فلان بعض قطائعهم، و كتب عليها كتابا بأنّها قد قبضت المال و لم يقبض فيعطيها المال أم يمنعها؟ قال: قل له ليمنعها (1) أشدّ المنع، فإنها باعت ما لم تملكه (2)» (3). و المستفيضة الناهية عن شراء السرقة و الخيانة.

و حيث ثبت بتلك الأدلّة فساد الفضوليّ في البيع، ثبت في غيره بالإجماع المركب.

و يضعّف الأوّل بما مرّ.

و الثاني بندرة القائل، بل انحصاره في الناقل، و قليل ممّن تأخّر عنه، بل الشيخ نفسه على خلافه في النهاية (4)، كجماعة ممن تقدم عليه من عظماء الطائفة كالمفيد (5) و الإسكافي (6) و غيرهما.

و الثالث بمنع كون مجرّد الصيغة المعلّقة على إذن المالك تصرفا في ملك الغير، مع أنّ التحريم، حيث لم يتعلّق بنفس المعاملة من حيث هي، كما في الفرض غير مقتضى للفساد على الحقّ.

____________

(1) يمنعها (خ).

(2) ما لا يملك (خ).

(3) وسائل الشيعة 17: 134، الباب 1 من أبواب عقد البيع و شرائطه، الرواية 22693.

(4) النهاية في مجرّد الفقه و الفتاوى: 385.

(5) المقنعة: 591.

(6) مجموعة فتاوى ابن الجنيد: 170.

64

و الرابع بوجود القدرة على التسليم بالقوّة القريبة بتحصيل الإجازة فيما إذا علم إمكانه، و هي كافية، كبيع الطائر المعتاد عوده، و يتمّ بعدم القول بالفصل، مع أنّ القدرة إنّما يشترط في البائع الذي بيده السلطنة و الإقباض، لا في من يجري العقد، و إلّا لزم بطلان عقد الوكيل المجمع على صحّته، و عليه ينزّل النهي عن بيع ما ليس عنده.

و يجاب به عن الخامس، فيحمل على بيع ما قطعت عنه يد مالكه، أو على عدم كونه ملكا لمن له البيع، سواء كان عينا شخصيا أو كليا غير مقدور التحصيل عادة، كما هو ظاهر أكثر ما اشتمل على تلك العبارة، كالصحيح المتقدم، و بالجملة المشروط له بحكم التبادر و ملاحظة مظانّ الأخبار و سياقها هو من له السلطنة و الإقباض، لا من يصدر عنه لفظ العقد، فلا يشمل الفضولي المتوقف على إجازة المالك.

و به يضعف السادس أيضا لقوّة ظهوره في اشتراط الملك لمن له البيع، لا للعاقد عنه، بل لا يبعد اختصاص بعضه كقوله (عليه السلام): «و لا بيع إلّا فيما يملك» (1) في بيع مثل الخمر و الخنزير، مع احتمال بعضه نفي اللزوم، لا مجرد استعداد الصحة.

و منه يظهر ضعف دلالة الصحيحين و النهي عن شراء السرقة و نحوها عن إفادة المنع في محلّ الفرض، فإنّها ظاهرة في منع بيع مال الغير لنفسه، مع أن الممنوع في صحيح محمد دفع المال قبل الإجازة، و لا كلام فيه.

تتميمات:

الأوّل: قد اختلفوا في أنّ الإجازة على صحتها، هل هي كاشفة عن الانتقال من حين العقد، أو ناقلة من حينها.

____________

(1) كنز العمال 9: 641، الحديث 27779؛ مستدرك الوسائل 13: 230، الباب 1 من أبواب عقد البيع و شرائطه، الرواية 15209 و 15210.

65

المحكيّ عن الأكثر الأوّل، لأنها رضى بمقتضى العقد الذي قصده الفضولي، و هو النقل من حينه لا حينها، فلو كان النقل يحصل بالإجازة لما كانت إمضاء لمقتضى العقد.

و حاصله: أنّ حكم الإجازة اللاحقة حكم التوكيل السابق، و السبب الناقل هو ما تعلّقت به الإجازة، أعني العقد، كما في التوكيل، فالانتقال يحصل من حينه لا من حينها، و يكشف بالإجازة كون العقد تام الشرائط مؤثرا حين ما وقع، فيكون كاشفة عن وقوع النقل لا ناقلة.

و اعترض عليه بتوقّف التأثير عليها، فهي جزء السبب الناقل، و أنّه لو لا الرضا جزئه لزم العلم بالصحّة بدون الرضا.

أقول: الاستدلال و الاعتراض كلاهما محل نظر؛ لإمكان المناقشة في الأوّل بأنّ كون الإجازة رضي بمقتضى العقد لا ينافي كونها جزء علّة للانتقال و حصول الأثر من حينها، فلا يمنع عن كونها ناقلة، كما أنّ القبول رضي بمقتضى الإيجاب، مع أنّه جزء السبب.

و الحاصل أنّ مقتضى العقد إنشاء النقل، و هو لا يستلزم حصول الانتقال شرعا، لجواز اشتراطه في التأثير بشرط متوقّع، فإذا وقع يترتّب عليه الأثر، كما في قبض الوقف، فإنّه شرط الانتقال، مع أن العقد قبله صحيح في نفسه.

و في الثاني بأنّ توقّف تأثير العقد على الإجازة لا يستلزم حصول الأثر من حينها، لإمكان توقف تأثيره من حينه على حصولها بعده، فإذا حصلت حصل الأثر من حينه، و لا استحالة في تأخّر شرط التأثير في الأسباب الشرعية، كما في اشتراط صحّة غسل المستحاضة بأغسالها الليلية الآتية، و تقديم غسل الجمعة قبلها عليها، فالكشف هنا ليس كشفا علميا كما توهمه كلام بعضهم، ضرورة مدخلية الإجازة في حصول الانتقال في نفس الأمر، و لا خلاف فيه، بل هو كشف وجوديّ.

66

و حيث علمت إمكان اعتبار كلّ من المعنيين في الإجازة، مع توقّف تأثير العقد عليها، فلا يصحّ الاستناد لإثبات أحدهما بما ذكر في إبطال الآخر، بل اللازم طلب الدليل على المطلوب.

و الذي يظهر من مطاوي الأخبار كونها كاشفة، كما عليه المعظم، لا لاطلاقات حلية البيع و جواز النكاح- كما قيل- لأنها مع عدم انصرافها إلى الفضولي قاصرة عن إفادته، إذ لا كلام في مدخلية الإجازة في الانتقال من العقد على القولين، و لا إشعار في الإطلاقات بشيء منهما.

و منه يظهر عدم صحّة التمسك بعموم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ مع ما فيه من الإجمال في المقام، بل لظهور خبر عروة فيه؛ فإنّه على كونه ناقلة من حينها لما حصل له ملك الشاة قبلها، فكان بيعها الثاني الذي هو قبل إجازة الأوّل باطلا فإنّه من بيع ما لا يملكه من له البيع، بل يشعر به خبر الوليدة أيضا، حيث لم يرجع السيّد عليه بعد الإمضاء بأجرة خدمتها.

و يدلّ عليه أيضا صحيحة أبي عبيدة في نكاح الصغيرين المشتملة على أنه لو بلغ أحدهما و أجاز و مات، ثم بلغ الآخر و أجاز ورث منه، و عمل بها الأصحاب، و لا يتمّ التقريب إلّا على القول بالكشف.

ثمّ إنّ فائدة الخلاف يظهر في النماء المتخلّل، و فيما لو ترتّب العقود على أحد العوضين أو كليهما فضولا، فإنّه يختلف حكم الصحة و البطلان على الكشف و النقل بتنجيز الكلّ أو البعض أو بإجازة المبيع أو الثمن.

و قيل: يظهر الثمرة في عدم جواز فسخ الآخر قبل إجازة المالك على الكشف دون النقل. و ردّ بوروده على النقل أيضا؛ استصحابا لقابلية العقد على وجه لا يرتفع بفسخه.

67

و الظاهر جواز الفسخ على تقديري الكشف و النقل معا، لاختصاص دليل صحّة الإجازة، أعني الخبرين المسطورين بصورة عدم الفسخ، فغيرها يطالب دليلا آخر، و يرجع الشكّ إلى وجود المقتضى الثانوي، و لا يجري (1) فيه الاستصحاب.

و منه يظهر المناقشة أيضا فيما قيل من ثمرة الخلاف، فيما إذا انسلخت قابلية الملك من أحدهما بموته قبل إجازة الآخر، أو بعروض ارتداد إذا كان المبيع مسلما أو مصحفا، و صحّته على الكشف دون النقل، و فيما إذا انسلخت قابلية المبيع بنقله أو انتقاله (2) إلى النجاسة و تنجّسه مائعا و نحو ذلك، و فيما إذا تجدّدت القابلية قبل الإجازة بعد فقدانها حال العقد، كتجدّد الثمرة بعده و قبلها، لمنع شمول دليل الصحّة لذلك كلّه.

نعم، صحيح أبى عبيدة يفيد الأوّل، إلّا أنّه يختصّ بالنكاح، و عدم القول بالفصل غير معلوم.

و قال بعضهم: يظهر الثمرة أيضا في تعلّق الخيارات و الشفعة و مبدأ زمان الخيار و مفترقه في مجلس الصرف و السلم، و أنت خبير بأنّ أمثال تلك الثمرات مبنيّة على جعل مبدأ تلك الأحكام مبدأ الملك، و أما على كونه مبدأ حدوث الانتقال فلا يختلف الحال ظاهرا، لأنّه بعد الإجازة على القولين.

الثاني: لا يكفي في الإجازة السكوت مع الحضور،

و في التذكرة الإجماع عليه، إلّا في سكوت البكر في إجازة النكاح، كإذنها فيه، لدليل يختصّ به، و كذا مع الغياب لو علم به، و لا يكفي فيهما العلم بالرضا، بل يجب اللفظ، وقوفا فيما خالف الأصل على مورد النصّ، فلا يخرج بالعلم بالرضا قبله من الفضولي.

____________

(1) الذي لا يجري (خ).

(2) في الأصل: إلقائه.

68

و هل يشترط اللفظ في الفسخ، صرّح به بعض الأجلّة، و فيه إشكال. نعم، لا يبعد عدم الاكتفاء بمجرّد العلم بالكراهة الباطنية، ما لم يفدها قول أو فعل.

و لو فسخ المعقود له بعد الاطلاع بطل العقد، و لا ينفع إجازته ثانيا للأصل و عدم الخلاف ظاهرا و لا يفسخها الترديد و لا تأخير الإجازة، كما هو ظاهر خبر الوليدة، و خلاف بعضهم في الأخير ليس بشيء.

الثالث: إذا باع الغاصب لنفسه فأجاز المالك لنفسه.

فالمحكيّ في الإيضاح (1) عن الأكثر صحّته إمّا مطلقا كما عن الدروس (2) و شرح القواعد (3)، أو مع جهل المشتري كما عن المختلف (4) و الإيضاح (5) و الشهيد في حواشي القواعد (6) و العلّامة الرازي (7). و عن القواعد (8) و التذكرة (9) التردّد في العالم، و عن ظاهر جماعة منهم صاحب المدارك في كتاب الزكاة (10) البطلان، و هو لا يخلو عن قوّة للأصل و اختصاص أخبار الصحة بغير محلّ الفرض، و ظهور آية التجارة في تجارة المالك، إذ المتبادر منها وقوع العقد للمالك من حينه، و لعموم النهي عن بيع ما لا يملك، الظاهر بما مرّ في وقوعه لغير المالك، كما في الفرض، و نحوه النهي عن بيع

____________

(1) إيضاح الفوائد 1: 417.

(2) الدروس الشرعية 3: 192.

(3) جامع المقاصد 4: 69.

(4) مختلف الشيعة 5: 55.

(5) إيضاح الفوائد 1: 417.

(6) حاشية القواعد المعروفة بالحاشية النجّارية للشهيد الأوّل (مخطوطة): 57.

(7) لم نقف عليه، و في نسخة: العلّامة الراضي.

(8) قواعد الأحكام 2: 242.

(9) تذكرة الفقهاء 1: 486.

(10) مدارك الأحكام 5: 5، كتاب الزكاة.

69

السرقة و الخيانة، فيكون فاسدا لتعلّق النهي بنفس المعاملة، و لو لوصف خارج، كتعلّقه ببيع الغرر، فمنعه بملاحظة كون الوصف خارجا غفلة واضحة، مضافا في صورة علم المشتري إلى قصده تمليك الثمن للغاصب دون المالك، فكيف يقع في ملك ربّ العين بإجازته.

نعم لو جهل أمكن تصويره بأنّ غرض المشتري تمليك البائع من حيث هو مالك باعتقاده، فالمالك هو المقصود بالملك حقيقة، كما في بيع الوكيل إذا زعمه المشتري مالكا، فإنّ الظاهر عدم الخلاف في صحّته، بل الظاهر أنّ مع العلم لا قصد للمشتري بالتمليك مطلقا، و إنّما قصده مجرّد التسليط على التصرف دون الملك، لأنّه غير معقول مع العلم بعدم وقوعه، فما تصدى به بعض العلماء للتوفيق بين تسليط المشتري الغاصب على الثمن، و بين حصول المعاوضة على الثمن في مقابل العين المتوقّف عليه تأثير الإجازة، من أنّ تسليط المشتري عليه لا ينافي كونه عوضا عن المبيع بمقتضى البيع، فإنّ المراد بالعوضية هو العوضية بمقتضى ظاهر العقد لا يصحّحه الإجازة (1).

و من هنا يظهر اشتراط كون البيع بقصد النقل عن المالك في بيع ملك الغير مطلقا و لو في غير الغصب، كما أنه إذا باع باعتقاد كون المبيع لنفسه، فظهر أنّه لغيره، فلا يفيد صحّته إجازة المالك، إذا انتقل إلى البائع الفضولي قبل الإجازة، ثمّ أجازه البائع أو مات المعقود له قبلها و أجازه الوارث.

و هل يشترط قصد المشتري للمعقود له أيضا.

الظاهر لا، كما لا يشترط في بيع الوكيل علم المشتري بكونه للموكّل و قصده إيّاه، و لعلّه لا خلاف فيه، و يدلّ عليه السيرة القطعية. نعم، لو علم أنّ المبيع للغير

____________

(1) في «م»: فلا يصحّحه الإجازة.

70

يعتبر قصده نقل الثمن إليه و لو إجمالا لا إلى الفضولي أو الوكيل، و على هذا لو سكت البائع عن تسمية الغير مع جهل المشتري بما قصده، يقع البيع له باطنا مع الإجازة، و لنفسه ظاهرا مع عدمها، إلّا إذا صدقه المشتري فيقع باطلا، بل نقل عنهم في باب الوكالة أن الوكيل لو اشترى بنية الموكّل بدون تسميته، ثم أنكر الموكّل الوكالة، يقع على الوكيل ظاهرا و باطنا، و إن كان فيه إشكال، كما نبّه عليه بعض الأجلّة.

الرابع: إذا لم يجز المالك فله أن يرجع إلى المشتري بعين ماله و نمائه،

متصلا أو منفصلا، مع بقائهما، أو بمثلهما أو قيمتهما مع التلف بنقل أو غيره، و بعوض منافعها المستوفاة و غيرها، و بأرش النقص و العيب، عالما كان المشتري أو جاهلا، إجماعا ظاهرا في جميع ذلك، تحقيقا و نقلا له و لمستفيضة الأخبار في خصوص أكثر تلك الأحكام، مضافا في غير عوض المنافع إلى عموم «الناس مسلّطون» (1) مع بقاء العين، و إلى قوله (عليه السلام): «على اليد ما أخذت حتى تؤدّي» (2) مطلقا.

و لا كلام في ذلك كله، إنما هو في رجوع المشتري بما أغرم على البائع، و تحقيقه أنّ المشتري، إن كان عالما بكونه مغصوبا في يده، لم يرجع بما اغترم بغير الثمن إلى البائع، قولا واحدا؛ للأصل و وقوع التلف في يده العادية، مع أنّ من الفرض ما لم يسبق بتصرّف البائع فيه و إثبات يده عليه، و أمّا بالثمن؛ فإن كان موجودا بعينه رجع به، وفاقا لجماعة منهم الفاضل في المختلف (3) و التذكرة (4)

____________

(1) عوالي اللآلي 1: 222، الحديث 99.

(2) مستدرك الوسائل 13: 303، الباب 9 من أبواب الخيار، الرواية.

(3) مختلف الشيعة 5: 56.

(4) تذكرة الفقهاء 1: 486.

71

و الشهيدان (1) و المحقق الثاني (2)؛ لعدم موجب للانتقال بعد فرض بطلان البيع و استصحاب الملك، فيتسلّط عليه؛ للعموم المشار إليه، مع أنّه لم يدفع إليه مجانا، بل عوضا عن شيء لم يسلم له؛ و إن لم يكن موجودا؛ فإن دفعه المشتري ليسلم [إلى] المالك توقعا لإجازته، فله الرجوع أيضا بعوضه، و وجهه ظاهر؛ و إلّا كما في بيع الغاصب لنفسه، فالمشهور عدم الرجوع، بل في المختلف (3) و التذكرة (4) الإجماع عليه ظاهرا، و ربما يتأمّل في كونه إجماعيا، و ينسب الرجوع إلى المحقق في بعض تحقيقاته، و قوّاه في الروضة (5)، و في المسالك (6)، لو لا الإجماع على خلافه، و علّل بتحريم تصرّف البائع فيه لأنّه أكل مال بالباطل، فيكون مضمونا عليه.

و في المسالك (7) جمع بين تحريم التصرف في الثمن و عدم جواز الرجوع على تقدير وقوع الإجماع، بأنّه «من الجائز أن يكون عدم جواز رجوع المشتري العالم عقوبة له، حيث دفع إليه ماله معاوضا له على محرّم، فلم يجز له مطالبة العوض و إن كان له في ذمّة البائع، و وجبت عليه دفعه إليه، نظير ما لو حلف المنكر على عدم المال في ذمّته»، انتهى.

و فيه من البعد غايته، بل التحقيق منع استلزام حرمة التصرف في محل الفرض الضمان؛ فإنّ حرمة التصرف في مال الغير قد يكون منشأها عدم إذن المالك، و قد

____________

(1) الشهيد الأوّل في الدروس 3: 192؛ و الشهيد الثاني في الروضة 5: 141.

(2) جامع المقاصد 3: 69.

(3) مختلف الشيعة 5: 56.

(4) تذكرة الفقهاء 1: 486.

(5) الروضة البهية 3: 226.

(6) مسالك الأفهام 3: 161.

(7) نفس المصدر.

72

يكون عدم إذن الشارع، و إن كان مأذونا من قبل المالك، كمن أذن في صرف ماله في المعصية و أكل طعامه في نهار رمضان، و الضمان إنّما يحصل في الأوّل، و أمّا على الثاني، فغير مسلم، بل مقتضى الأصل مع إذن المالك البراءة عن العوض، و صرفه على الوجه المحرم لا يوجب الضمان، و المفروض من الثاني، لحصول الأذن من المشتري في التصرف في ماله و إتلافه على هذا الوجه، غاية الأمر كونه مشروطا بالمعاوضة المحرّمة، و قد أتي بها و إن كانت معصية، فحصل به شرط الإذن، فلا ضمان، و إن لم يحصل به الملك الشرعي و الآية لا تدلّ على الضمان، بل على مجرّد حرمة الأكل بالباطل.

و ما قيل من أنّ المشتري أذن في التصرف بشرط عدم استرداد العوض منه و لو من قبل غير البائع، و حيث انتفى الشرط ينتفي المشروط و يتحقّق الضمان، مدفوع بمنع هذا الشرط، فإنّ غرض المشتري العالم بالغصب و بعدم حصول الملك الشرعي له من دفع الثمن إلى البائع هو مجرد تسليط البائع إياه على المبيع و رفع يده عنه من غير رجوع منه إليه، لا من المالك، إذ التقدير علمه بعدم رضى المالك و انتظاره الفرصة، و بالتمكن عن أخذه، فكيف يكون شرطه الضمني عدم رجوعه عند التمكن.

و كون إذنه مشروطا بالضمان على تقدير رجوع المالك إليه- لو سلّم صحّة مثل هذا الضمان- غير معهود بينهما، مع فرض العلم، مع أنّ الأصل ينفيه.

فالأقوى عدم الضمان مع التلف في الصورة المزبورة.

و إن كان المشتري جاهلا فله الرجوع إلى البائع بالثمن، عينا مع بقائه، و عوضا مع تلفه، قولا واحدا، و له الرجوع عليه بكل ما اغترم، و لم يحصل في مقابله نفع من نقص القيمة، و عوض النماء التالف، و الأجرة، و قيمة الولد المستولد من الأمة- حيث يجب على والده فكاكه ببذل قيمته إلى المالك- و ما صرفه في المبيع.

73

و جاز له كلّ ذلك بظهور الإجماع و موثقة جميل (1) في الرجل يشتري الجارية من السوق، فيولدها، ثم يجيء مستحقّ الجارية، فقال: يأخذ الجارية المستحقّ، و يدفع إليه المبتاع قيمة الولد، و يرجع على من بايعه بثمن الجارية و قيمة الولد التي أخذت منه، و قريب منهما خبر زرارة (2).

و يتمّ المدّعى بالإجماع المركب، بل يدلّ عليه عموم التعليل للرجوع بالتدليس في رواية رفاعة (3)، المطابق لقاعدة رجوع المغرور إلى من غرّه، المعروفة بينهم في أبواب كثيرة.

و أمّا ما اغترمه بما حصل له في مقابله نفع، كعوض الثمن و أجرة السكنى، فالرجوع به عليه لا يخلو عن قوة أيضا، للتغرير في الانتفاع و الإتلاف مجانا، كما في إطعام الغاصب الضيف المالك بما له مع جهله، وفاقا للمحقق في تجارة الشرائع (4) و التنقيح (5) خلافا للشيخ في جملة من كتبه (6)، و الحلّي (7) للأصل المقدوح بما ذكر.

نعم، لا يبعد تخصيص الرجوع بما إذا كان البائع عالما، كما استظهره بعض المحققين، لظهور اختصاص صدق التغرير و التدليس به، و عدم ثبوت الإجماع المركب.

و في حكم جهل المشتري علمه إذا ادّعى البائع إذن المالك و كان متصرّفا فيه،

____________

(1) وسائل الشيعة 21: 205، الباب 88 من أبواب نكاح العبيد و الإماء، الرواية: 26904.

(2) نفس المصدر 21: 204، الباب 88، الرواية: 26903.

(3) نفس المصدر 18: 72، الباب 1 من أبواب عقد البيع و شروطه، الرواية 23178.

(4) شرائع الإسلام 2: 14، كتاب التجارة.

(5) التنقيح الرائع 4: 75.

(6) المبسوط 3: 88.

(7) السرائر 2: 486.

74

لكونه مسموعا منه شرعا، فيحصل به التغرير، بل يشمله عموم الأخبار المتقدمة، فيرجع عليه بجميع ما اغترمه.

و في رجوعه بغير عوض الثمن في هذه الصورة إذا لم يكن في تصرّف البائع إشكال. نعم، إذا حصل العلم للمشتري من قوله كان له وجه.

ثم إنّ المالك له أن يرجع إلى البائع في جميع ما ذكر من الغرامات إذا كان غاصبا و لو في مجرّد دفعه إلى المشتري، و وجهه ظاهر، و لو لم يكن الدفع منه بل كان بتغريره، ففيه وجهان، و الرجوع إليه مع حصول العلم للمشتري من تغريره بكونه المالك أو مأذونا فيه غير بعيد، و حيث رجع المالك إلى البائع فيما له أخذه منه، فالمشتري إن كان عالما بالحال رجع البائع إليه بالمبيع عينا أو عوضا، و بعوض النماء و النقص و غيرهما مما كان للمالك الرجوع إليه لكون التلف في يده العادية، فيغرم البائع المغترم مقام المالك فيما اغترمه؛ و إن كان جاهلا بالحال لم يرجع البائع إليه، لما تقدم، إلّا في عوض المنافع المستوفاة، ففيه قولان.

بقي الكلام في كيفية الغرامة و تقدير القيمة. و تفصيله: أنّ التالف، إن كان مثليا، فلا خلاف في ضمان المثل إلّا باتفاقهما على القيمة.

و هل يعتبر زمان الغصب و مكانه في دفع المثل إذا اختلف بهما القيمة، له وجه قوي إذا كان الاختلاف معتدّا به، كما إذا غصب الماء في فلاة قفر، و الثلج في الصيف، فلا يدفع مثل الماء في شاطئ البحر، و مثل الثلج في الشتاء، إذ المقصود من المثل عوض التالف، و لا يعدّ ذلك عوضا عرفا، و عموم حكم الإجماع الشامل لمثل المقام غير معلوم و لا مظنون، و إن أعوز المثل فلم يوجد في البلد و ما حوله يبدّل بالقيمة. و في كونها قيمة يوم البذل، أو يوم الإعواز، أو أعلى القيم من حين الغصب إلى دفع العوض، أو من حينه إلى وقت الإعواز، أو من حين الإعواز إلى

75

الدفع، أقوال: أشهرها و أقواها الأوّل، إذ بالإعواض إلى القيمة تبرأ الذمّة عن المثل، و يعدل إليها فقيمة حال الإعواض و التبديل تكون معتبرة.

و القول بأنّ التبديل يحصل وقت الإعواز، فهو المعتبر، مردود، بأنّ الإعواز لا يوجب البراءة عن المثل، و إنّما يبيح مطالبة عوض المثل، فمتى طلبه يعاوض بالقيمة، و هو وقت الدفع.

و إن كان قيميا ففي القيمة المعتبرة أقوال أيضا، المحكيّ في الشرائع (1) عن الأكثر اعتبار قيمة يوم الغصب، و هو لموضع من المبسوط (2) و النافع (3)، و اختاره والدي العلّامة في المستند (4)، و عن القاضي (5) و المختلف (6) اعتبار قيمة يوم التلف، و في الدروس (7) عزّاه إلى الأكثر، و قوّاه المحقق القمي (8) و اختار الشهيدان في الدروس (9) و اللمعة و الروضة (10)، و السبزواري أعلى القيم من التصرف إلى التلف و نسبه في

____________

(1) شرائع الإسلام 2: 189.

(2) المبسوط 3: كتاب الغصب، حكم في الصفحة 60 بضمان القيمة يوم التلف و في الصفحة 88 و 85 و 70 حكم بأكثر ما كانت من حين الغصب إلى حين التلف.

و في كتاب الإجارة، الصفحة 225، قال: «و إن تلفت فإنّه يضمن بالغا ما بلغ من وقت التعدّي إلى حين التلف».

(3) المختصر النافع: 256.

(4) مستند الشيعة 2: 368.

(5) المهذب البارع 4: 251.

(6) مختلف الشيعة 6: 81.

(7) الدروس الشرعية 3: 113.

(8) جامع الشتات 3: 469.

(9) الدروس الشرعية 3: 113.

(10) الروضة البهية 7: 44.

76

المختلف (1) إلى الأكثر، و عن بعض المتأخرين أعلاها من التصرف إلى الدفع، و الأظهر الأوّل، لصحيح أبي ولّاد (2) في حكاية كراية البغل، و فيها أنّ أبي ولّاد بعد تعيين كري البغل و المسافة خالف و جاوز الحد، سأل مولانا الصادق (عليه السلام) عن حكمه، فقال (عليه السلام): إنّه ضامن للكري، فقال: أ رأيت لو عطب البغل أو لغى أ ليس كان يلزمني؟ قال: نعم، قيمة بغل يوم خالفته. فقلت: إن أصاب البغل كسرا أو دبرا أو عقرا. قال: عليك قيمة ما بين الصحة و العيب يوم تردّه عليه. قلت: فمن يعرف ذلك. قال: أنت و هو إمّا أن يحلف على القيمة فيلزمك، و إن ردّ اليمين عليك فحلفت على القيمة لزمك ذلك، أو يأتي صاحب البغل بشهود يشهدون أنّ قيمة البغل حين أكرى كذا و كذا، الحديث.

موضع الدلالة قوله (عليه السلام): نعم، قيمة بغل يوم خالفته.

و استشكل بأنّ ذلك إنّما يتمّ لو كان المراد من القيمة قيمة يوم المخالفة، و أمّا إن جعلنا الظرف لغوا متعلّقا بقوله (عليه السلام) يلزمك المستفاد من قوله: نعم، يعني أنّ اللزوم في يوم المخالفة، فلا يتمّ التقريب، لأنّ حدّ القيمة على هذا غير معين يجب الرجوع فيه إلى ما يقتضيه الدليل.

و يندفع بأنّ الضمان بالقيمة لم يتحقق يوم المخالفة، بل هو بعد التلف، و اعتبار التعلق به فيه ينافي إطلاق اللفظ، فلا يلائم الإجمال، مع أنّه على احتمال المستشكل يلزم حمل الضمان في الجواب على الضمان التعليقي المسبب عن المخالفة، أي عليه يوم المخالفة قيمته متى حصل بعده التلف، و هو مع بعده في نفسه لا يطابق

____________

(1) مختلف الشيعة 6: 81.

(2) وسائل الشيعة 19: 17، الباب 17 من أبواب الإجارة، الرواية 24272؛ و 25: 391، الباب 7 من أبواب الغصب، الرواية 32199.

77

السؤال عن الضمان التنجيزي بعد التلف، بل قوله: قيمة بغل، مبيّن لقوله (عليه السلام): نعم، المصدّق للمسئول عنه الآن من الضمان بعد التلف، فلا يلائم ما ذكره على أنّ تنكير بغل على جعل يوم ظرفا لغوا ركيك في الغاية، بل بعيد عن المقصود، إذ المعتبر قيمة البغل المكتري بخصوصه، بل الظاهر أنّه مضاف إلى يوم، من باب التخصيص، إشارة إلى اختلافه بحسب القيمة في الأزمان، و إنّ المعتبر قيمة بغل يوم المخالفة دون سائر الأحوال، و الأوقات.

و يدلّ على المطلوب أيضا قوله (عليه السلام) أخيرا، أو يأتي صاحب البغل بشهود يشهدون أنّ قيمة البغل حين اكترى كذا و كذا، فيلزمك؛ فإنّه يفيد لزوم حين الكري دون وقت التلف أو الدفع أو أعلى القيم، و الاعتماد عليه مع كونه قبل المخالفة الغير المعتبر إجماعا، إنّما هو باعتبار عدم فاصلة معتدّ بها بين وقتي الإكراء و المخالفة، كما يومئ إليه صدر الحديث، و يقضي العادة و المشاهدة بعدم تفاوت قيمة سوقية لمثل البغل في هذه المدة القليلة غالبا، خصوصا مع التأيد بالاستصحاب.

و حجج سائر الأقوال وجوه ضعيفة، عدا ما يقتضيه الاعتبار للثاني، إلّا أنّه كغيره محجوج بالخبر الصحيح المذكور هذا.

ثم إنّ ما ذكرناه من اعتبار القيمة السوقية على الخلاف المزبور، إنما هو في تلف العين، و أمّا مع بقاءها، فالواجب ردّ العين من غير ضمان للتفاوت إجماعا. و كذا قيمة يوم الغصب على ما اخترناه مع التلف، إنّما هو إذا لم يتفاوت القيمة باعتبار زيادة عينية كسمن، أو وصفية كتعلم صنعة، و لو هي بفعل الغاصب، و أمّا معها، فيضمن قيمة الأصل يوم الغصب، و إن كانت أقلّ من قيمة يوم التلف (1) أو الدفع،

____________

(1) الغصب (صح).

78

و قيمة الزيادة معا، فلو كان فرسا مهزولا، قيمته يوم التلف ثلاثون، فسمن و تلف، و كان قيمته السوقية عند التلف عشرين، عشرة منها للسمن، لزمه أربعون.

79

[المشرق الثالث] [في حكم العقود المتبعّضة الصادرة بصيغة واحدة]

مشرق: في تحقيق العقود المتبعّضة.

إذا انتقل ماله و لغيره صفقة، ببيع أو نحوه.

قالوا: يقف البيع أو نحوه في غير مملوكه على الإجازة، على القول بصحّة الفضولي، و هو بإطلاقه على اشتراط قصد الفضولي كما مرّ غير سديد، بل يقتصر على صورته.

و الظاهر عدم الإشكال و الخلاف في صحّته في المملوك، على تقدير الإجازة، و صحّة الفضولي.

و هل يصحّ في المملوك على تقدير بطلانه في غير المملوك، لعدم الإجازة، أو ظهور فساده لجهة أخرى؟ الظاهر عدم الخلاف فيه في خصوص البيع، و إن تأمّل فيه أيضا بعض من تأخر، و عن الغنية (1) و التذكرة (2) الإجماع عليه، و عن بعضهم نفي الخلاف فيه.

____________

(1) غنية النزوع 1: 209.

(2) تذكرة الفقهاء 2: 463.

80

و يدلّ عليه صحيح صفار (1)، في رجل له قطاع من أرضين، و عرف حدود القرية، فقال للشهود: اشهدوا أنّى قد بعت من فلان جميع القرية، و إنّما له بعض هذه القرية، و قد أقرّ له بكلّها، فوقّع (عليه السلام): لا يجوز بيع ما لا يملك، و قد وجب الشراء على البائع على ما يملك، الدال على صحّة البيع فيما يملك، و لو بعموم ترك الاستفصال.

و أمّا في سائر العقود، فلم أر من تعرّض بقول صريح يشمل الجميع، و إن تعرّضوا لبعض، كوقف ما يملك و ما لا يملك، و يظهر من الأكثر الحكم بالصحة فيه، و لعلّ مأخذه يعمّ الجميع، و كيف كان فلنبيّن ما يقتضيه الأصل و عموم الدليل على وجه كلي ينضبط به حكم التبعّض في جميع العقود.

فنقول: العقد إمّا يكون مما لا يقبل أثره التجزّي، كالنكاح و الطلاق، فلا تبعيض، أو يقبل التجزّي، بأن يتعلق أثره بكلّ جزء من المتعلّق، كالبيع و الصلح و الهبة و الإجارة و أمثالها، حيث إنّ الانتقال بها يتعلّق بكلّ جزء من متعلقاتها، فمقتضى النظر الدقيق فيه عدم استلزام فساد بعضه فساد الآخر، لوجود مقتضى الصحّة و عدم المانع. أمّا الأوّل، فلدلالة عموم دليل شرعية المعاملة عليه، كقوله تعالى أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (2) و تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ (3) و أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ (4) و «كلّ صلح جائز» (5) و «الوقوف بحسب ما يوقفها أهلها» (6)، و غير ذلك، لصدق معنى المعاملة على كلّ

____________

(1) وسائل الشيعة 17: 339، الباب 2 من أبواب عقد البيع، الرواية 22704.

(2) المائدة (5): 1.

(3) النساء (4): 29.

(4) البقرة (2): 275.

(5) وسائل الشيعة 18: 443، الباب 3 من أبواب الصلح، الرواية 24011 و 24010؛ «الصلح جائز بين المسلمين إلّا صلحا أحلّ حراما أو حرّم حلالا».

(6) نفس المصدر 19: 175، الباب 2 من أبواب الوقوف و الصدقات، الرواية 24387.

81

جزء، فيقال: إنّه باع أو وهب أو وقف، فإنّ البيع مثلا ليس إلّا نقل الملك، و هو يحصل بالنسبة إلى كلّ جزء، و إلّا لم يحصل له به الانتقال. و أمّا الثاني، فلأنّ ما يتصوّر كونه مانعا، انضمام غير المملوك إليه، و هو لا يصلح للمنع، فإنّ ما يستظهر به للمنع لا يكاد أن يتمّ و هو وجوه:

منها: أنّ دلالة العقد على الجزء دلالة تبعية، و هي فرع بقاء المتبوع، أعني الكلّ و حيث انتفى ينتفي التابع.

و منها: أنّ العقود تابعة للقصود، و القصد تعلّق بالعقد على المجموع دون الجزء.

و منها: أنّ التراضي الذي هو شرط الصحّة حصل على المجموع، و هو لا يستلزم حصوله في الجزء.

و منها: أنّ الجزء لم يقع عليه المعاملة، فلا يوصف بها.

و منها: أنّ اللفظة الواحدة، أعني العقد لا يمكن تبعيضها، فإمّا يغلب الصحيح على الفاسد، أو بالعكس، و الثاني أولى، لأنّ تصحيح العقد في الفاسد ممتنع، و إبطاله في الصحيح غير ممتنع.

و منها: أنّ أسماء العقود موضوعة للمعاني الشرعية، و هي توظيفية لا نعلم دخول المركّب من الصحيح و الفاسد فيها، فيجب الاقتصار في تحققها على ما علم كونه منها شرعا.

و يرد على الأوّل: إنّ التبعية في الدلالة اللفظية لا يستلزم التبعية في تعلّق الحكم، كما إذا قال: أكرم عشرة، أو صم شهرا، فالدلالة على كلّ واحد تبعية، و الحكم الثابت منها له أصلي، لا ينتفي عنه بانتفاء الكلّ، إلّا لدلالة خارجة دلّت على قصد الارتباط، و مثله ما إذا قال: اكنس الدار، و تعذّر كنس بيت منها، فلا يتأمّل في الباقي، و يصحّ أن يقال: بعت داري، و إن باع كلّ جزء منها ببيع مستقلّ، مع أنّ من

82

الفرض ما كان الدلالة اللفظية على الأبعاض مطابقة، كما إذا قال: بعت أو وهبت أو وقفت هذا و هذا.

و على الثاني: أنّ المراد إن كان عدم تعلق القصد بالجزء مطلقا، ففساده ظاهر، و إن كان عدم تعلّقه به أصالة، بل على الوجه الجزئية و الارتباط، فهو غير معلوم، لا من اللفظ، كما عرفت، بل هو أوفق لعدمه نظرا إلى صدق نسبة اسم المعاملة كالبيع و الصلح و غيرهما حينئذ إلى الأجزاء، و لا من غيره، لفرض عدم القرينة.

و لا يتوهم أنّ إيقاع العقد كالبيع مثلا على المجموع صفقة، مقتضاه إنشاء نقل واحد متعلق بالمجموع بما هو مجموع بحيث يعد في العرف بيعا واحدا فاللفظ يدلّ على قصد إنشاء بيع المجموع بالأصالة، و يجب حل قصد المتكلم على ما يقتضيه اللفظ، فيبنى على قصد البائع إنشاء النقل كذلك، و لازمه قصد الجزئية في أجزاء البيع.

لاندفاعه بتسليم كون اللفظ دالّا على إنشاء واحد متعلق بالمجموع، و أنّه يعدّ في العرف بيعا واحدا، و لكن إنشاء نقل الكلّ و بيعه يتحلل إلى إنشاءات و بيوع متعددة، بالنسبة إلى أجزاء البيع، و وحدته وحدة نوعية بالنسبة إليها، لا تأبى عن صدقه على كلّ فرد، و تعلّق حكم هذا الواحد النوعي بآحاد الأفراد، تعلّقا أصليا استقلاليا ارتباطيا تبعيّا، لا وحدة شخصية، من قبيل المركب الشخصي بالنسبة إلى أجزائه، فهو كسائر الصفات أو الأفعال التي يصحّ نسبتها إلى كلّ جزء من أجزاء متعلّقاتها، كالغصب مثلا، فإنّ من غصب دارا و لو بغصب واحد، يصحّ نسبة الغصب إلى كلّ بيت منها، و يقال: إنّه مغصوب، و يترتّب عليه آثار الغصب و أحكامه، أصالة و استقلالا، لا ارتباطا بسائر البيوت، بحيث إذا خرج بعضها عن الغصبية خرج الكلّ، و نحوه الطهارة و النجاسة و التطهير و التنجيس و غيرها.

83

نعم، وحدة اللفظ الدال على الإنشاء شخصية لا تصدّق على أبعاضه، و أين هو من المدلول بالنسبة إلى مصاديقه.

و من هذا يظهر إمكان التجزئة في أحكام إنشاء واحد، فيما علم فيه فساد البعض، و إن كان اللفظ الدال على إنشاء الكلّ واحدا غير قابل للتجزئة.

فإن قلت: قصد إنشاء الكلّ كيف يتصور مع فرض العلم بفساد البعض.

قلت: قصد الإنشاء لا يستلزم العلم بالصحة الشرعية و ترتّب الأثر، و لا ينافي العلم بعدمه، كما في إنشاء الفضولي الذي يجب أن يقع على البتّ و الجزم دون التعليق، و إلّا كان باطلا اتفاقا، مع احتمال عدم إجازة المالك، و بالجملة الإنشاء فعل العاقد، و ليس هو إلّا إيقاع اللفظ بالقصد و الالتفات إلى معناه على وجه السببية، و الانتقال أمر شرعي، و لا يلزمه العلم بحصوله غاية الأمر علمه حينئذ بكونه عبثا.

و على الثالث: أنّ ما يناط به العقد هو الرضا بما تعلّق به الإنشاء الذي دلّ عليه لفظ العقد، و قد سمعت أنّه تعلّق بكلّ بعض على وجه الاستقلال، تعلّق حكم الكلّي و أمّا الرضا الخارج عن ذلك، فهو من الدواعي، لا يؤثر في بطلان العقد، مع أنّ وقوع التراضي على المجموع من حيث هو مطلق. ممنوع، فقد يعلم من مساومة المعاملة أو شاهد الحال أو اعتراف العاقد خلافه.

و على الرابع: ما عرفت مفصّلا، و كفاك شاهدا ما تكرّر ذكره من صحّة توصيف كلّ جزء باسم المعاملة و نسبتها إليه، كمن باع قطيعة غنم يصدق على كلّ غنم أنّه باعه و اشتراه المبتاع.

و على الخامس: أنّ وحدة اللفظ لا يستلزم وحدة المدلول، و وحدانية السبب لا يستلزم وحدانية الأثر، كما مضى، فوجود المانع عن تأثيره في بعض المسبّبات لا يمنع عن تأثيره في غيره.

84

و على السادس: بأنّه مبنيّ على ثبوت الحقيقة في أسماء العقود ثمّ كونها موضوعة للمعاني الصحيحة، و الأوّل غير معلوم، و الثاني خلاف التحقيق.

ثم مما ذكرنا يتضح حكم ما إذا كان فساد بعض المعقود عليه لا لعدم الملك، بل لجهة أخرى في نفسه، كما لو باع مع ماله ما لا يملكه المسلم كالخمر، أو مطلقا كالحرّ، و ما لا يصحّ بيعه كالمنفعة، أو في متعلقه كما لو وقف على حرّ و مملوك أو حيّ و ميّت، فإنّه يحكم في جميع ذلك بالصحة في البعض الصحيح، دون الفاسد، ممّا صدق اسم المعاملة بمعناه الأعمّ على الجملة، و إلّا فيتّجه فساد الكلّ لعدم تناوله حينئذ مقتضى الصحّة من الأدلّة.

85

[المشرق الرابع] [في شروط ضمن العقد]

مشرق: في البحث عن شروط ضمن العقد و فيها مطالب:

المطلب الأوّل: في بيان معنى الشرط.

اعلم أنّ للشرط في العرف إطلاقين:

أحدهما: ما ينتفي المشروط بانتفائه، و توقف عليه وجود المشروط، سواء استلزم وجوده الوجود أيضا كما هو مفاد القضية الشرطية، أم لا، كما هو مصطلح أصحاب الأصول.

و ثانيهما: ما يلزم و يلتزم به، كما هو معناه المعروف من اللغة، قال في القاموس:

الشرط إلزام الشيء و التزامه في البيع و نحوه، و المراد به في المقام- على ما نصّ به جمع من المحققين- هو المعنى الثاني، فإنّه المناسب لاستدلالهم عليه بمثل:

«المؤمنون عند شروطهم» (1) و لأنّ الأوّل يوجب التعليق في العقد، بخلاف الثاني، و إن قلنا فيه بتوقّف لزوم العقد على الوفاء بالشرط، و ثبوت الخيار للمشروط له مع عدمه، كما في المشهور، إلّا أنّه غير التعليق في نفس العقد، فلا محذور فيه، و أمّا

____________

(1) وسائل الشيعة 21: 276، الباب 20 من أبواب المهور، الرواية 27081.

86

التعليق في نفسه، كما يرد على الفرض، فهو مبطل له بلا خلاف في أكثر فروضه، و تفصيله أنّ التعليق إن كان بصفة متوقعة، و إن كانت متيقّن الحصول، كمجيء رأس شهر، فالظاهر من كلامهم الاتفاق على بطلانه، و إن أنكر الدليل عليه في المسالك (1) و الكفاية (2)، و إن كان على أمر واقع، كقوله: بعت إن كان اليوم الجمعة، ففيه الخلاف، و في الكفاية (3) و بعض آخر صحّته إذا كان عالما بوقوعه، و الحقّ أنّه مبطل أيضا مطلقا، كما صرح به بعضهم.

بيانه: أن هنا أمورا ثلاثة، مقتضى النظر اشتراط الجميع في صحة العقود.

أحدها: استقلال العقد في سببية الأثر المترتب عليه من حين وقوعه، و وجهه- بعد الأصل المقتضي للاقتصار على معلوم الصحّة، و الإجماع عليه، محققا (4) و منقولا (5)- كونه مفاد الأدلة الدالّة على سببيته للآثار، و لازم ذلك بطلان تعليقه على أمر متوقع بعد حين، و إن كان معلوم الوقوع، لأنّه خروج عن مقتضى السببية المستفادة من تلك الأدلّة، و لا ينافيه قولهم بأنّ الشرط بمعنى الالتزام بما سيوجد المتفق على صحّته في حكم جزء العقد، لأنّ الجزء هو الالتزام و الإلزام، و هو أمر واقع حين العقد، و إن كان متعلقه أمرا خارجا عنه، بل ينقدح من ذلك- مضافا إلى الأمرين الآتيين- عدم صحّة التعليق على أمر واقع أيضا، لاستلزامه إدخال ما ليس من العقد في السببية، في غير ما دلّ على صحته دليل، كالتدبير و النذر و نحوهما.

____________

(1) مسالك الأفهام 5: 239.

(2) كفاية الأحكام: 88.

(3) نفس المصدر.

(4) المبسوط 2: 399؛ الخلاف 2: كتاب الوكالة، المسألة 23: تحرير الأحكام: 232؛ تذكرة الفقهاء 2: 114.

(5) مسالك الأفهام 5: 239؛ المكاسب للشيخ الأنصاري: 99.

87

و ثانيها: قصد إنشاء أثر العقد، كإنشاء النقل في البيع، و التزويج في عقد النكاح، و غيرهما، لكونه جزء السبب المؤثّر إجماعا، و لازم ذلك اشتراط البتّ و القطع في العقد، و الترديد يضاد الإنشاء القطعي، فلا يصحّ التعليق على أمر واقع غير معلوم الوقوع، لمنافاته الإنشاء البتّي، و به صرّح جماعة كثيرة من أساطين الفقه، مضافا إلى كونه معقد الإجماع.

و ثالثها: دلالة لفظ العقد على هذا الإنشاء القطعيّ، لغة و عرفا، و لا يكفي مجرد القصد الخالي عن اللفظ الدال عليه، ضرورة وجوب مطابقة صورة اللفظ للمعنى المقصود و لازم ذلك عدم صحّة التعليق على أمر واقع و إن كان معلوم الوقوع للعاقد لأنّ مدلول اللفظ على ما يتبادر منه عرفا و لغة (1)، الترديد و عدم القطع في الإنشاء.

المطلب الثاني: في بيان مشروعية الشرط الواقع في ضمن العقد و صحته،

بمعنى استحقاقه المشروط له، و لزوم الوفاء به على المشروط عليه إلّا ما استثنى.

و الأصل فيه- بعد الإجماع عليه، المتظافر نقله (2) في الجملة [الأخبار] المعتبرة المستفيضة.

منها الصحيح (3): «من اشترط شرطا مخالفا لكتاب اللّه عزّ و جلّ، فلا يجوز له، و لا يجوز على الذي اشترط عليه و المسلمون عند شروطهم فيما وافق كتاب اللّه عزّ و جلّ».

و نحوه الصحيح الآخر (4): «المسلمون عند شروطهم إلّا كل شرط خالف كتاب

____________

(1) في بعض النسخ: و لغة فلا يكفي إلّا بعد القطع بل مفاده الترديد.

(2) جامع المقاصد 4: 431: كفاية الأحكام: كتاب البيع، الفصل الخامس في الشروط:

عوائد الأيام: 125.

(3) وسائل الشيعة 18: 16، الباب 6 من أبواب الخيار، الرواية 23040.

(4) نفس المصدر: الرواية 23041.

88

اللّه تعالى فلا يجوز».

و الحسن (1) عن الشرط في الإماء أن لا يباع و لا يوهب، قال: «يجوز ذلك في غير الميراث، فإنّها يورث، و كل شرط خالف كتاب اللّه عزّ و جلّ فهو ردّ».

و مرسل جميل (2): في رجل اشترى جارية و شرط لأهلها أن لا يبيع و لا يهب و لا يورث، قال: «نعم، ذلك لهم إلّا الميراث».

و نحوه مرسل آخر منه (3).

و موثق ابن عمار (4): أنّ عليا (عليه السلام) كان يقول: «من شرط لامرأته شرطا، فليف لها به، فإنّ المسلمين عند شروطهم، إلّا شرطا حرّم حلالا أو أحلّ حراما».

و موثق منصور (5): المتضمن لوجوب الوفاء بشرط الرجل للمرأة على عدم طلاقها و عدم التزويج عليها، معلّلا بأنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: «المسلمون عند شروطهم».

و خبر عمّار (6): قلت: جاء رجل إلى امرأة، فسألها أن يزوّجها نفسه، فقالت:

أتزوّجك على أن تلتمس منّي ما سألت من نظر أو التماس، و تنال: منّي ما ينال الرجل من أهله، إلّا أنّك لا تدخل فرجك في فرجي، و تلذّذ بما شئت، فإني أخاف الفضيحة، قال: «لا بأس، ليس له إلّا ما شرط».

و المصرحة بأنّه لا يخرج الرجل امرأته من بلدها إذا شرط لها.

و الدالّة على وجوب الوفاء بالوعد.

____________

(1) وسائل الشيعة 18: 267، الباب 15 من أبواب بيع الحيوان، الرواية 23646.

(2) نفس المصدر 21: 300، الباب 40 من أبواب المهور، الرواية 27128.

(3) نفس المصدر 18: 17، الباب 6 من أبواب الخيار، الرواية 23044.

(4) نفس المصدر 21: 300، الباب 40 من أبواب المهور، الرواية 27129.

(5) نفس المصدر 21: 73، الباب 36 من أبواب المتعة، الرواية 26565.

(6) نفس المصدر 21: 295، الباب 36، الرواية 27117.

89

و المستفيضة (1) المصرّحة بأنّ رسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) نصّ بأنّ من باع نخلا قد أبره، فثمرته للّذي باع، إلّا أن يشترط المبتاع.

إلى غير ذلك.

وجه دلالة تلك الأخبار من وجهين:

أحدهما: إنها تدلّ على مشروعية كل شرط على حسب ما اشترط، و منه المأخوذ في ضمن العقد، لصدقه عليه، و حيث إنّه مأخوذ فيه على وجه الاستحقاق، و انعقد العقد عليه، فحكمه حكم أحد العوضين، لعدم رضى المشروط له بما يعطى عوضا عن متاعه إلّا مع هذا الشرط، و وقع إنشاء العقد على كونه منه و جزءا لما هو بإزاء متاعه، و لا فرق في ذلك بين ما إذا باع بدينارين، أو بدينار و شرط عليه دينارا، أو أن يفعل كذا. نعم، يفترق عن الثمن و المثمن في أحكام أخر، كجواز كونه منفعة في البيع دونهما، و اغتفار بعض الجهالات، و نحو ذلك.

و بالجملة، فلازم مشروعيته في ضمن العقد- على حسب ما اشترط- كونه لازما كنفس العوضين لعين ما دلّ على لزوم العقد بأجزائه، كالأمر بالوفاء به، و خصوص العموم الوارد في كلّ عقد.

و من هذا يظهر ما في كلام بعض الأفاضل، من كون الشرط بمنزلة الداعي، و قسم من الملزمات مستقلّ برأسه، و إن اعتبر في إلزامه وقوعه في ضمن عقد لازم، و العجب منه استدلاله- مع ذلك- على وجوب ضبط المدّة، بحيث لا يحتمل الزيادة و النقصان، كقدوم الحاجّ في الخيار المشترط، بأنّ للشرط قسطا من الثمن، فيدخل فيما نهي عنه من الغرر.

____________

(1) وسائل الشيعة 18: 92، الباب 32 من أبواب أحكام العقود، الرواية 23223 و 23224.

90

و ثانيهما: إنها تدلّ على وجوب الوفاء بما التزم به المسلم، إلّا ما استثنى، للتبادر المعتضد بفهم العلماء في جميع الأعصار، في أبواب الفقه، من غير نكير، و لكونها جملة خبرية مستعملة في الإنشاء بقرينة الاستثناء، و لزوم الكذب لولاه، و ظاهرها الوجوب، و لاستدلال الإمام (عليه السلام) على وجوب الوفاء، بكون المسلمين عند شروطهم، في جملة منها، و تصريح بعضها بالوجوب، كما في قوله (عليه السلام) في موثق عمار: «فليف به»، فالاستشكال في دلالتها على الوجوب لا وجه له.

المطلب الثالث: في أنّ انعقاد الشرط يختصّ بالمذكور في متن العقد،

لا بما لا يقع في العقد أصلا، أو المذكور في أحد طرفيه قبله أو بعده.

أمّا الأوّل: فلاختصاص دلالة الأخبار بالوجهين المذكورين به دون غيره.

أمّا بالوجه الأوّل: فلأن الاستحقاق له عليه من جهة جزئية العقد، فلا يتناول الفاقد للعقد.

و أمّا بالثاني: فلأنّ مقتضاه مجرد وجوب الوفاء، و هو حيث لا يتعلق بما في ضمن المعاملة لا يفيد غير مطلق التكليف و العصيان في الترك، لا اشتغال الذمة بحقّ الغير، على سبيل سائر الحقوق المالية التي يمكن استيفاؤها من ماله مع المخالفة، و هذا غير المبحوث عنه في المقام، بل الظاهر الاتفاق على أنّ وجوب الوفاء في باب الشرط من القسم الثاني، مضافا إلى إمكان منع صدق الشرط على مجرّد القول الخالي عما يوجب اللزوم من سبب شرعي أو عرفي، و لا أقلّ من الشكّ في صدقه القادح في الاستدلال بها على مطلق الوجوب أيضا، بل القدر المتيقّن في الصدق كونه مقترنا بعقد و نحوه، و معه يحصل الاستحقاق للمشروط له- أيضا- بما مرّ من وقوع الالتزام على هذا الوجه. و الظاهر أنّ هذا سرّ تخصيصهم الشرط بما في ضمن العقد، دون الواقع في خارجه، و منه ينقدح وجه عدم لزوم الوفاء بالشرط الواقع في ضمن العقد الفاسد أو المنفسخ بالتقايل؛ لانتفاء حكم الجزئية الموجب للزوم بانتفاء الكلّ.

91

و أمّا الثاني: أي المذكور في أحد طرفي العقد، فعدم لزومه ظاهر عبائر الأكثر، من التعبير عنه بالمذكور في ضمن العقد، و قد يصرح بما يذكر بين الإيجاب و القبول، فلا يعتدّ بما ذكر قبله، و إن بني العقد عليه أو بعده، بل نفي عنه الخلاف- ظاهرا- بعض الأجلّة.

نعم، يظهر من بعض من عاصرناه الاعتداد بما بنى عليه، و إن لم يذكر في العقد، و من الشيخ في النهاية (1) الاكتفاء بما ذكر بعد العقد.

و كيف كان، فوجه عدم الاعتداد به ما ذكرنا آنفا و سابقا، من أنّ انعقاد الشرط و لزومه باعتبار جزئيته للعقد و تقريب دلالة الأخبار، فلا يتناول الخارج عن العقد، و وجه القول بشموله للبعد غير معلوم، خصوصا مع الاختصاص دون القبل، و لذا ربما يتكلّف في توجيهه بتنزيله بما بعد الإيجاب خاصّة، و للقول بما قبل العقد بأنّه في حكم المذكور في العقد، فلا يصحّ بدونه.

و يضعف بأن ما يحصل به الرضا بالعقد على وجهين:

أحدهما: ما هو مجرد الداعي، بحيث لو لم يثق به لم يبادر بالعقد.

و ثانيهما: ما تعلّق به إنشاء العقد، مضافا إلى كونه داعيا.

و ما يختلف به صحّة العقد و فساده هو الثاني لتعليق إنشاء العقد عليه، من قبيل العوضين بخلاف الأوّل، فإنّه ليس متعلق الإنشاء إيجابا و قبولا، فلا تأثير له في العقد، و تقدّم البناء عليه لا يوجب جزئيته له (2)، مع عدم دلالة لفظ العقد عليه بوجه،

____________

(1) النهاية و نكتها 2: 135.

(2) و لا يتوهّم أنّ المراضاة و المساومة فيهما وقع على الشرط و إقدام المشروط له إنّما حصل لوعد الشرط و تقرير المشروط عليه فمع التخلّف يحصل الضرر، و هو منفيّ في الشريعة، فيجب عليه الوفاء به أو ثبوت الخيار للآخر. لاندفاعه بأنّ التقرير الموجب للضرر، إنما يحصل عند اعتقاد المشروط له لزوم الوفاء على المشروط عليه و هو غير معلوم له، فإقدامه على ما لا يؤمن ضرره حصل بتقصيره و هو غير منفيّ كما سننبّه عليه في بعض المشارق الآتية. منه- دام ظله.

92

غاية الأمر كونه قرينة لوقوع التراضي لغة بوفائه عليه، و مجرد ذلك بدون المراضاة الإنشائية بينهما، الحاصلة بنفس العقد، غير كاف في التأثير على وجه الجزئية.

نعم، لو أشعر به في العقد على وجه صحّ تعلّق إنشائه بما يتركب منه، كان دخيلا في العقد، و مجرد النيّة الخالية عما دلّ على إنشاء المنويّ في عقد المعاملة غير مفيد.

المطلب الرابع: في حكم الشرط إذا امتنع عنه المشروط عليه،

و فيه أقوال:

الأوّل: وجوب الوفاء به على المشروط عليه، و إن امتنع أجبر عليه، كسائر أجزاء العقد، و ليس لأحدهما الفسخ قبل تعذّر الشرط و فواته، إلّا برضى الآخر، و الظاهر أنّه المشهور، و اختاره في السرائر (1) و الغنية (2) و المسالك (3) و الكفاية (4)، بل في الأوّلين الإجماع عليه.

الثاني: وجوب الوفاء، و إن امتنع فللمشروط له التخيير بين الإجبار و لو بالرفع إلى الحاكم، و الفسخ.

الثالث: وجوبه، و إن امتنع فللمشروط له الفسخ، دون الإجبار، نقل عن ظاهر الدروس (5) بقوله: يجوز اشتراط سائغ في عقد البيع، فيلزم الشرط من طرف المشروط عليه، فإن أخلّ به، فللمشترط الفسخ؛ و هل يمكن إجباره عليه؟ فيه نظر. انتهى.

____________

(1) السرائر 2: 243.

(2) غنية النزوع 1: 97.

(3) مسالك الأفهام 3: 274.

(4) كفاية الأحكام: 97.

(5) الدروس الشرعية 3: 214.

93

الرابع: عدم وجوب الوفاء على أحد منهما، و إنما فائدة الشرط جعل العقد عرضة للزوال عند فقد الشرط و لزومه عند الإتيان به.

الخامس: التفصيل المنقول عن الشهيد و هو أنّ الشرط الواقع في العقد اللازم، إن كان العقد كافيا في تحققه، و لا يحتاج بعده إلى صيغة، فهو لازم لا يجوز الإخلال به، كشرط الوكالة في عقد الرهن و نحوه، و إن احتاج بعده إلى أمر آخر، كشرط العتق فليس بلازم، بل يقلب العقد اللازم جائزا.

و الأظهر الأوّل، لتعلّق الحقّ عليه، بل لوقوعه جزء العقد، فحكمه حكم أحد العوضين، فعلي المشروط عليه أداؤه لذي الحقّ، و على المشروط له مطالبة حقه، و لو بالإجبار عليه و رفع الأمر إلى الحاكم، و ثبوت الخيار مع كون العقد لازما يحتاج إلى دليل ينفيه الأصل، و يحتاج إلى دليل، مع كون الفرض لزوم العقد من أصله، و يتضح من ذلك ضعف سائر الأقوال.

و الاستدلال الأخير بأنّ اشتراط ما العقد كاف في تحققه، كجزء من الإيجابين، فهو تابع لهما في اللزوم و الجواز، و اشتراط ما سيوجد أمر منفصل من العقد، و قد علّق عليه العقد، و المعلّق على الممكن ممكن، مخدوش بمنع التعليق، بل هو التزام في نفس العقد بأمر مقدور، و إن كان الملتزم به منفصلا، فله الإجبار عليه.

المطلب الخامس: في حكم ما إذا تعذر الشرط لفوات وقته و نحوه،

و إن لم يكن بتقصير من المشروط عليه، كما اذا شرط تسليم العوض في يوم معين، و لم يف به، أو سكنى دار في مدّة معينة، فانهدمت قبلها، أو منفعة ملك آخر، فانطمس بالسيل و نحو ذلك.

و المشهور تخيير المشروط له بين فسخ العقد و إمضائه، بل عن جماعة الإجماع عليه، بل بلا خلاف فيه يعرف، و هذا الذي سمّوه في الخيارات بخيار الاشتراط، و صرّحوا به في كثير من صور التدليس في النكاح، كتزويج المرأة على أنّها بنت

94

مهيرة (1) فبانت بنت سرية، و على أنّها بكر فبانت ثيّبة، و غير ذلك.

و استدلّوا عليه بأنّ الخيار مقتضى الشرط، و لعلّ وجهه أنّ التراضي على سبيل اللزوم وقع على هذا الشرط، فإذا انتفى كان له الرجوع إلى ماله.

و منعه بأنّ الظاهر من العقد الرضا بالانتقال مع التزام الشرط، و قد وقع الالتزام، و أمّا تحققه فهو أمر خارجيّ لا دخل له بالعقد، بل قد لا يلتفت في العقد على عدم تحققه، و إن كان باعثا على العقد، فهو من قبيل سائر دواعي العقد المتخلفة عنه، مخدوش بأنّ تقييد العقد بالشرط- أي الإلزام- يدلّ ظاهرا على تعليق رضى المشروط له عليه.

و حيث إنّ مقصود المشروط له من الإلزام ليس مجرده، بل إيجاد الملتزم به و حصوله، فلفظ الشرط المقيد به العقد يدلّ بالدلالة العرفية الالتزامية على تعليق رضاه على تحقق الملتزم به، و لما كان تعليق رضاه بنفس العقد على تحققه غير معلوم، لحصول الغرض بالتعليق في مجرد اللزوم و استمرار العقد، على أنّه لو لم يحصل كان له الفسخ، فهو القدر المحقق من التعليق، سيما بملاحظة أن التعليق في نفس العقد يوجب البطلان، فلا موجب لحمل اللفظ على المعنى الفاسد، مع عدم ما يقتضيه، بل يتعين الحمل على تعليق اللزوم الذي لا يوجب البطلان، و يعمل بمقتضاه، لأدلّة جواز الشرط المقتضي لصحة لوازمه التي منها انتفاء اللزوم بانتفاء الملتزم به، فإذن، فالمعتمد ما عليه المعظم من ثبوت الخيار بتعذّر الشرط، مضافا إلى أدلّة نفي الضرر المقتضي للخيار في غالب موارد الفرض، كما استدلّوا بها على كثير من الخيارات.

____________

(1) بنت مهيرة على فعيلة بمعنى مفعولة: بنت حرّة تنكح بمهر و إن كانت متعة على الأقوى، بخلاف الأمة فإنّها قد توطأ بالملك.

95

المطلب السادس: في بيان الشروط الفاسدة.

قد استثنيت من الشروط الجائزة شرائط، اختلفت كلماتهم في تحريرها، و جملة ما ذكروه خمسة: الشرط المنافي لمقتضى العقد، و الشرط المخالف للكتاب و السنة، و الشرط الذي أحلّ حراما أو حرّم حلالا، و الشرط المؤدّى إلى جهالة أحد العوضين، و الشرط الغير المقدور.

و ربما يرجع بعضها إلى بعض، فيقتصر به عن ذكره، كما يقال: إن المخالف للكتاب و السنة، يغني عن المؤدّى إلى الجهالة، لكونه معاملة غررية منهيّ عنها في السنة، و كما عن جماعة من تفسير المخالف لهما بما يخالف مقتضى العقد، نظرا إلى مخالفته لما جعله الشارع مقتضاه.

و نحن نبيّن جليّة الحال في كلّ منها بعنوانه، و نكشف حجاب الارتياب عما هو المعنى المقصود منه، الذي وقع فيه الإشكال و الخلاف بين الأصحاب. فنقول:

أمّا الأوّل: فالمراد به الشرط المنافي لمدلول العقد لذاته، أي لما هو ماهيّته عرفا أو شرعا، أو لماله مدخلية في صحّته شرعا، أو لما يلزمه كذلك، بحيث لا ينفكّ منه، فإنّ جميع ذلك مناف لما هو مقتضى العقد بذاته الغير المتخلف عنه.

و وجه بطلانه ما سمعت من أنّ استحقاق الشرط و لزومه إنّما هو باعتبار وقوعه جزء العقد، و هذا فرع بقاء العقد على مقتضاه الذي هو معنى صحّته و ترتّب الأثر الموضوع له عليه، فإذا كان الشرط مخالفا له، كانت صحّة الشرط مقتضية لفساد العقد المقتضي لفساد الشرط، فيلزم من صحته عدمها، فيكون باطلا، فعلى هذا لو شرط عدم تملك العوضين، أو عدم تسليمه، كان باطلا، لأن العوض من أركان ماهيّة البيع، فإذا انتفى ينتفي.

و من أمثلته ما ذكروه من شرط عدم الانتفاع به أو كون المنفعة للبائع، و ربما

96

يناقض ذلك بما اتفق على صحته من شرط المنفعة، كسكنى الدار للبائع في مدّة معينة، و شرط المرأة على زوجها أن لا يخرجها من بلدها، كما هو المنصوص عليه، مع أنّ مقتضى البيع ملك المنفعة مطلقا، و مقتضى الزوجية تسلط الزوج على السكنى.

و منه اشتراط سقوط خيار المجلس و خيار الحيوان، مع أنّ عقد البيع يقتضيهما.

و اختلفوا في بعض الشروط، كشرط أن لا يبيع المبيع، أو لا يعتقه، أو لا يطأها، فقد يذكرونها في أمثلة كون الشرط منافيا لمقتضى العقد، لأن مقتضاه الملك و هو يقتضي جواز أنحاء المتصرفات، فالملك الذي هو مقتضى العقد ينافي هذا الشرط.

و استشكله في التذكرة (1) في شرط عدم البيع و عدم العتق، بل في جملة من الصحاح (2)- بعد السؤال عن الشرط في الأمة لا يباع و لا يوهب، فقال: يجوز ذلك غير الميراث، فإنّها تورث، لأنّ كلّ شرط خالف الكتاب باطل- كما في بعضها- و مردود، كما في آخر.

و ربما يذبّ عن هذه الإشكالات بوجوه قاصرة غير حاسمة لمادة الإشكال، و الذي يختلج ببالي في تحقيق المقام أن مقتضى العقد على قسمين:

أحدهما: ما كان داخلا في حقيقته و ماهيته، بحيث لا يتحقق العقد بدونه، شرعا أو عرفا، من غير توسط جعل آخر في ترتبه عليه، كالعوضين للبيع و النقل بالمعاوضة.

و ثانيهما: ما ليس داخلا في حقيقته، و لكن رتّبه الشارع على مقتضاه بتوسط دليل غير دليل شرعية العقد، بواسطة أو وسائط، كالتسلط على المبيع الذي جعله

____________

(1) تذكرة الفقهاء 1: 489.

(2) وسائل الشيعة 18: 16، الباب 6 من أبواب الخيار، الرواية 23042؛ و 267، الباب 15 من أبواب بيع الحيوان، الرواية 23646.

97

الشارع أثر الملك الذي هو مقتضى البيع، بقوله (عليه السلام): «الناس مسلطون على أموالهم»، و نحوه، و خيار المجلس الذي رتبه على النقل الحاصل بالبيع، و جواز الوطء المترتب على الزوجية الحاصلة من النكاح، و التسلط على سكنى الزوجية المترتب عليها، و نحو ذلك.

فما كان من الأوّل فلا شبهة و لا خلاف في بطلان المنافي له، و وجهه ظاهر مما مرّ. و أمّا الثاني، فاللازم فيه ملاحظة الدليل المقتضي لترتّبه على مقتضى العقد، فإن علم بإجماع أو نحوه عدم انفكاكه و عدم تخلفه عنه مطلقا، كحرمة أمّ الزوجة اللازم للزوجية و نحوها، فالشرط المنافي له باطل أيضا، لعين ما مرّ، و إن علم تخلفه بسبب الشرط، و إن لزمه عند الإطلاق، كخيار المجلس و خيار الحيوان الذي دلّ الإجماع على تخلفه عنه بالشرط، كما يتخلّف عنه بغيره أيضا، كإسقاطه بعد العقد و التصرف، فلا كلام فيه أيضا، و يصحّ الشرط، و إن لم يعلم شيء منها، سواء علم إمكان التخلّف بسبب غير الشرط لدليل دلّ عليه بخصوصه، أو لم يعلم ذلك أيضا، فهو على حسب نظر الفقيه، فإن لم يثبت له دليل عامّ على سببية العقد لهذا الأمر، و احتمل اختصاص اقتضاء العقد خلافه بالمجرد عن الشرط، فيحكم بصحّة الشرط عملا بعموم أدلّة الوفاء به، و إن ثبت له دليل كذلك، فمقتضى النظر بطلان الشرط، خصوصا مع اعتضاده بأصل الفساد، مضافا إلى كون الشرط- حينئذ- مخالفا للسنة المقتضية للترتب و السببية، و لا يلاحظ فيها التعارض مع أدلّة الشرط، لاختصاص الأخيرة بما لا ينافي مقتضى العقد، حسب ما مرّ، و على الفقيه تدقيق النظر في كلّ مجال، لكي لا يشتبه عليه حقيقة الحال.

و بهذا يرتفع الإشكال عن الأمثلة التي ذكروها، من عدم جواز شرط عدم انتفاع المشتري بالمبيع، و جوازه في زمان معين، و عدم جواز شرط عدم الوطء في

98

النكاح الدائم، و جوازه في المتعة، و جواز أن لا يخرج الزوجة عن بلدها، و أمثال ذلك، لكون الإجماع هو الفارق بينهما.

و يشبه أن يكون مبنى الإجماع ما يقتضيه الاعتبار، من أنّ غرض الشارع من البيع حصول الملك، و الغرض منه الانتفاع به و لو في الجملة، فشرط عدمه مطلقا ينافي الغرض من وضعه، و منه النهي عن بيع الغرر، ممّا يعدّ سفها، بخلاف شرط في زمان معيّن، و به يوجه المنع فيما ذكروا من اشتراط أن لا يبيعه و لا يعتق و لا يطأها و استشكله في التذكرة، و ورد جوازه في الإماء، و كذا الغرض من وضع النكاح الدائم التوالد و التناسل، فشرط عدم الوطء ينافيه، بخلاف المتعة، فإنّ المقصود من وضعها مطلق التمتع، و هو يحصل بغير الوطء أيضا، و لذا لا يجوز شرط عدم التمتع مطلقا فيها.

فإن قلت: قوله (عليه السلام): «الناس مسلطون على أموالهم» (1)، يدلّ على جواز جميع التصرفات في جميع الأحوال في الملك الذي هو مقتضى البيع، فلا يصحّ شرط عدم التسلط و لو على بعضها، كعدم العتق أو سكنى الدار في زمان معين، و هو خلاف ما ذكروه.

قلت: صحة الإلزام و الالتزام بالشرط في ترك بعض التصرفات من مقتضى عموم: «الناس مسلطون على أموالهم»- أيضا- و لسبقه يقدم، كمن أوجب على نفسه بنذر أو شبهه أن يبيع أو لا يبيع ملكه، مع أنّ دلالة الإطلاق المذكور على جواز جميع أنحاء التصرفات في جميع الأحوال غير ظاهرة، و لذا لا يستدلّ به على جواز الوطء في دبر الأمة، في مقابل أدلّة المنع (2) و كيف كان فلس المقصود في

____________

(1) عوالي اللآلي 1: 457، الحديث 118؛ بحار الأنوار 3: 272، الحديث 7.

(2) و أيضا مدلول خيار الشرط وارد و مزيل لمدلول قاعدة التسليط على الملك، فإنّ الثاني في مقام بيان الحكم الأصليّ، و الأوّل في بيان تشريع السبب المزيل لبعض السلطنة، من قبيل ما ورد من حرمة الأكل من ماله في التخمة في مقابل القاعدة المذكوره و سننبّه على تفصيل ذلك في بعض المشارق الآتية منه- دام ظلّه.

99

المقام خصوص الموارد، بل تعيين المناط فيما ليس له دليل خاصّ، و هو ما بيّنا.

و أمّا الثاني: أي الشرط المخالف للكتاب و السنة، فلا خلاف في عدم الاعتداد به،- أيضا- و استفاضت عليه النصوص:

منها، مضافا إلى كثير مما تقدم رواية ابن فضّال (1)، في امرأة نكحها رجل، فأصدقته المرأة، و اشترطت عليه أن بيدها الجماع و الطلاق، قال: «خالف السنة، و ولّى الحقّ من ليس أهله، و قضى أنّ على الرجل الصداق، و أنّ بيده الجماع و الطلاق، و تلك السنة».

و قريب منها رواية محمد بن قيس (2)، و مرسلة مروان بن مسلم (3)، عن الصادق (عليه السلام) قال: قلت له: ما تقول في رجل جعل أمر امرأته بيدها؟ قال: فقال: «ولّى الأمر من ليس أهله، و خالف السنة، و لم يجز النكاح».

و في الصحيح (4): قضى عليّ (عليه السلام) في رجل تزوّج امرأة، فإن جاء بصداقها إلى أجل مسمّى فهي امرأته، و إن لم يجيء بالصداق فليس له عليها سبيل، شرطوا بينهم حيث أنكحوا، فقضى أنّ بيد الرجل بضع امرأته، و أحبط شرطهم.

و غير ذلك من مستفيضة الأخبار، فلا شبهة في عدم جواز هذا الشرط، و إنّما الكلام فيما يراد منه، فإنّه لا يكاد يسلم ظاهره عن مناقشة و مناقضة بأمثلة اتفاقية،

____________

(1) وسائل الشيعة 22: 98، الباب 42 من أبواب مقدمات الطلاق، الرواية 28122.

(2) نفس المصدر 22: 93، الباب 41 من مقدمات الطلاق و شرائطه، الرواية 28107.

(3) نفس المصدر 21: 265، الباب 40 من أبواب المهور، الرواية 27052.

(4) المصدر السابق مع اختلاف في العبارة، فراجع.

100

فإنّه إن أريد بمخالفته مخالفة لزومه، فالشروط السائغة كلّها غير لازمة، قبل الشرط بمقتضى الكتاب و السنة، و لزمت من جهة الأمر بالوفاء بعد الشرط، فلا معنى لاستثنائها، و إن أريد مخالفة متعلق الشرط، لما ثبت من الكتاب و السنة، سواء كان ثبوته منهما بأصل الشرع، كما قيل، كشرط استرقاء الحرّ، و استباحة بضع محرّم و شرب الخمر و ترك التزويج و التسري و نحوها، أو بتوسّط العقد، كشرط عدم انتفاع المشتري من المبيع، و عدم انتقاله بالإرث، و كون الطلاق بيد الزوجة، و أمثالها، فينتقض بشروط أخرى جائزة، إجماعا و نصّا، كشرط سقوط خيار الحيوان و المجلس، و ثبوت الخيار و المنفعة للبائع إلى زمان معلوم، و عتق المبيع، و عدم إخراج الزوجة عن بلدها، و غير ذلك مما لا يحصى، فلا يتحصّل مناط التفرقة بذلك بين الشرط الجائز و غير الجائز، و لم يتّضح الفرق بين تعيين المدّة و عدمه في شرط المنفعة.

و قد تصدّى جمع من المحقّقين دفعا لهذه الإشكالات، و ضبطا لمناط الفرق بينهما لتوجيه الحديث و تنزيله إلى محامل بعيدة، و هي- مع بعدها- غير حاسمة لمادّة الإشكال.

فمنهم من جعل الضابط في الشرط الجائز ما لا يخالف مقتضى السنة بأصل الشرع، لا بتوسّط العقد، استشهادا له باتفاقهم على صحة شرائط يخالف مقتضى السنة بتوسّط العقد، كشرط عدم الانتفاع مدّة معينة، و شرط سقوط خيار المجلس، و نحوهما.

و هو منتقض بصحة شرط عدم الانتفاع من مال آخر له غير المبيع مدّة معلومة، و عدم تزويج امرأة معينة، و نحوهما المتفق على صحته مما لا يحصى.

و قال آخر: الفارق بين الجائز و غير الجائز ورود النصّ بخصوصه على جواز

101

خلاف الشرط، فلا يجوز شرط عدمه، كتزويج الزيادة على الواحدة، بقوله تعالى:

فَانْكِحُوا مٰا طٰابَ لَكُمْ مِنَ النِّسٰاءِ مَثْنىٰ وَ ثُلٰاثَ وَ رُبٰاعَ (1)؛ أو بالعموم، فيجوز، كتزويج المرأة الفلانية، و هو كما ترى مجازفة صرفة.

و قال المحقق القمي (2): المناط في مخالفة السنة اشتراط ترك مباح على وجه القاعدة الكلّية دون خصوصية فرد، نظرا إلى أنّ متعلّق الحكم الشرعي هو الكلّي، و تعلّقه بالجزئيات باعتبار تحقق الكلّي في ضمنها، فشرط ما يخالف الكلّي يخالف السنة، مثل ترك التزويج و التسري و جعل الخيرة في الطلاق و الجماع بيد الزوجة، المخالف لقوله تعالى الرِّجٰالُ قَوّٰامُونَ عَلَى النِّسٰاءِ (3)؛ و أما ما يخالف الجزئي، كعدم تزويج امرأة معينة، فليس مخالفا لما تعلّق به الكتاب و السنة.

و فيه المناقشة- أيضا-: أمّا أوّلا، فلأنّه لا شاهد للفرق بهذه الاعتبارات مع التساوي في صدق تعلّق الحكم الشرعي بهما لغة و عرفا، و لو هو بواسطة الكلّي أيضا، و أمّا ثانيا فلأنّ انتفاء الحكم عن الجزئى بالشرط ينافي كلّية الحكم الشاملة له الثابتة بالشرع، فيخالف الشرط الحكم الكلّي- أيضا-، و أمّا ثالثا، فلأنّ كلّ شرط لا ينفكّ عن خصوصية لم يعتبر في الحكم الكلّي، و لو هي خصوص المشروط له، فلم يبق مورد للاستثناء، و التفرقة بين الخصوصيات تحكّم.

و قال والدي العلّامة (4): إنّ المراد بالشرط المخالف للكتاب و السنة أن يشترط حكما خالف حكمها، سواء كان من الأحكام الطلبية أو الوضعية، و ذلك كما أنّه

____________

(1) النساء (4): 3.

(2) رسالة الشروط المطبوعة مع غنائم الأيّام: 732.

(3) النساء (4): 34.

(4) عوائد الأيام: 144.

102

ثبت منهما أنّ أمر المرأة ليس بيدها، فشرط كونه بيدها، و ثبت أن الطلاق بيد الزوج، فيشترط أن لا يكون بيده، و ثبت أنّ الناس مسلطون على أموالهم، فيشترط أن لا يكون مسلطا على أمواله أو على مال معيّن، و ثبت أنّ الخمر حرام، فيشترط أن يكون حلالا، إلى غير ذلك، و أمّا اشتراط أن لا يتصرّف المشتري في المبيع مدّة معلومة، فهو ليس مخالفا للكتاب أو السنة، إذ لم يثبت منهما تصرّفه، بل إنّما ثبت جواز تصرّفه، و المخالف له عدم جواز تصرّفه، فلو شرطه كان باطلا.

فإن قلت: شرط عدم تصرّفه يستلزم عدم جواز تصرّفه، فيخالف السنة- أيضا.

قلت: لا نسلّم أنّ الشرط يستلزم عدم جوازه. نعم، إيجاب الشارع للعمل بالشرط يستلزم عدم جواز التصرف، و ليس المستثنى شرطا خالف إيجابه أو وجوبه الكتاب أو السنة، انتهى خلاصة ما أوردناه.

و حاصله: أنّ المراد من الاستثناء بطلان شرط كان متعلّقه حكما طلبيا أو وضعيا خالف ما ثبت قبله من الكتاب و السنة، لا نفس الفعل، و إن صار بعد إنفاذ الشرط مخالفا لحكمه السابق، و به فسّر الشرط الآتي- أيضا- أي، ما حلّل حراما أو حرّم حلالا، كما سنشير إليه، و هذا التفسير و إن كان أقرب بالاعتبار، و أوفق بأكثر الأخبار من غيره، إلّا أنّه غير مسلم عن بعض المناقضة أيضا، لانتقاضه طردا بمثل شرط سقوط خيار المجلس أو الحيوان، و ثبوت الخيار مدّة معلومة، المجمع على صحّته، و نحو ذلك، مما ليس بفعل العبد، و عكسا بشرط فعل ثبت حرمته بالكتاب أو السنة، أو ترك ما ثبت وجوبه، كشرط شرب الخمر، و استرقاق الحرّ، و ترك فريضة، و أمثالها، و بشرط فعل مباح أو ترك مباح كان لزومه و لو بالشرط مخالفا للسنة، كشرط عدم التزويج و التسري، فإنّه غير جائز على ما تكرّر عليه نقل الإجماع.

103

و دفعه بأن شرط فعل الحرام و ترك الواجب ليس من جهة مخالفة السنة أو تحليل الحرام و عكسه، بل بوقوع التعارض- حينئذ- بين ما دلّ على حرمة الفعل أو الترك، و بين أدلّة وجوب الوفاء بالشرط.

يمكن المناقشة فيه بأنّ هذا التعارض واقع غالبا في المباحات- أيضا- كشرط عدم تزويج امرأة مدّة معيّنة، دلّ على إباحته قوله تعالى فَانْكِحُوا مٰا طٰابَ لَكُمْ، و نسبة التعارض بين أدلّة وجوب الوفاء بالشرط و بينه مثل النسبة بينها و بين أدلة الوجوب و الحرمة في الأوّل، و كون الإجماع مرجّحا في الأوّل لا ينضبط به القاعدة الكلّية، بل يقتصر به على مورد اليقين، فلا يرتفع به الإشكال، بل وجب الرجوع في الثاني في غير ما علم صحّته بالخصوص بالإجماع إلى ما يقتضيه الأصل، لكون التعارض بين الدليلين بالعموم من وجه، فلا يحصل بذلك الضابط الكلّي في الشروط الجائزة و غير الجائزة، و التفرقة بين الأمور المحرّمة، إلّا أن يجعل الإجماع مناطا فيهما، و هو- مع كونه منافيا لمقتضى الخبر- غير مطرد في موارد الخلاف و الشبهة، و مع ذلك كلّه فحمل المخالفة للكتاب أو السنة على معنى اشتراط حكم يخالف حكمها مما يستدعي الدليل.

هذا ما وقفت عليه من كلماتهم في توجيه الحديث، و هو- مع بعده غالبا- لا يهتدي إلى أمر محصّل مضبوط حاسم لمادّة الإشكال، و الذي يختلج ببالي و أظنّه أسلم، بل سالما عن النقض و الإيراد، أنّ فائدة الشرط المقصود من قولهم:

المؤمنون عند شروطهم، ما تعاهد عليه المشترطان، و حيث إنّ هذا يعمّ جميع ما تعلّق به الشرط و وقع عليه الإلزام، استثنى (عليه السلام) منه ما يخالف مقتضى الشرع من الأفعال و الأحكام.

و تفصيل ذلك: أن ما يلتزم به بالشرط: إمّا من باب الأفعال و التروك، أو من قبيل

104

الأحكام الطلبية أو الوضعية. و الأوّل: إمّا عمل سائغ شرعا أو محرّم، من فعل معصية كشرب الخمر، أو ترك فريضة كترك الصوم، أو تشريع حكم يلتزم بفعله بعد الشرط، و نحو ذلك، و الثاني: أي اشتراط الحكم إمّا يكون مما يتحقّق شرعا باشتراط الفعل الجائز، و يلزمه كاشتغال الذمة بالمبلغ للمشروط له اللازم للالتزام بإعطائه، و عدم تسلط الزوج على إخراج الزوجة من بلدها اللازم للالتزام بعدم إخراجها، و سقوط الخيار اللازم بشرط عدم الفسخ، و الخيار اللازم بشرط الفسخ متى شاء، و وجوب الكون اللازم بشرط ترك الحركة، و حرمة الإقامة اللازمة للالتزام بالسفر، و أمثال ذلك، من الأحكام التي يكفي في تحققها شرعا مجرد الالتزام بالفعل الجائز، أو لا يترتّب شرعا على مجرد الإلزام بالفعل السائغ، بل هو إمّا لا يتغيّر عما هو في أصل الشرع باختيار من المكلّف، كالتوريث و الطهارة و النجاسة و نحوها، أو يتغيّر بسبب اختياري من المكلّف في الكتاب و السنة، غير مجرد الشرط، كحرّية الرقّ المسببة شرعا عن تحريره بالعتق، و الرقية المسببة عن الاختلاس من دار الحرب، و الوقفية المسببة عن صيغة الوقف، و أمثال ذلك.

فهذه اقسام أربعة لا شك في دخول الأوّل- أي الفعل السائغ- في المستثنى منه، و كونه شرطا جائزا. نعم، إذا كان الفعل واجبا كصلاة الفريضة، كان الشرط يؤكّد وجوبه، و لا ضير في الواجبات الشرعية، كما في نذر الواجب، و لا ينافي لزوم الشرط مقتضى الكتاب و السنة الدال على عدمه قبل الشرط، كقوله تعالى:

فَانْكِحُوا مٰا طٰابَ لَكُمْ مِنَ النِّسٰاءِ (1)؛ المنافي للزوم عدم تزويج امرأة بالشرط، و الرِّجٰالُ قَوّٰامُونَ عَلَى النِّسٰاءِ (2)؛ المنافي لشرط عدم إخراجها من البلد و نحو

____________

(1) النساء (4): 3.

(2) النساء (4): 34.

105

ذلك. لأن لزومه ليس متعلّق الشرط، بل هو مقتضى دليل وجوب الوفاء به، و المفروض هو ترجيحه على ما ينافيه، و الفراغ عنه بما مرّ في المطلب السابق، بل لا تعارض بينهما حقيقة؛ فإنّ الأحكام الشرعية يتغيّر بتجدّد الأسباب، كحكم إباحة الفعل قبل الشرط، فإنّه كان حكمه الأصلي، و صار لازما بسبب الشرط، و هل النسبة بينهما إلّا كنسبة «الناس مسلّطون على أموالهم»، و «أحلّ اللّه البيع»، الرافع للتسلط، فلا يلاحظ الترجيح في خصوص الموارد، بل هما من باب الوارد و المورود.

و كذا لا شكّ في دخول الأخير في المستثنى، أي المخالف للكتاب أو السنة، كشرط عدم الإرث، و رقّية الحرّ، و حرّية العبد.

و الظاهر أنّه لا ينبغي الشك في دخول الثاني- أي شرط فعل الحرام- في المستثنى- أيضا-، و لكونه المتبادر بالأذهان و متفاهم الأصحاب، فإنّه يصدق على شرب الخمر المتعاهد فعله و الإلزام به كونه مخالفا لمقتضى الكتاب و السنة.

و أمّا الثالث: أي شرط نفس الحكم المترتّب على إلزام فعل جائز، كشرط اشتغال الذمّة و سقوط الخيار و نحو ذلك، فالظاهر جوازه- أيضا-؛ لعموم أدلّة الشرط، و عدم مخالفته للكتاب أو السنّة، بل هو موافق للسنة الواضعة لحكم الشرع بالسببية الرافعة للحكم السابق، كما علمت، و منع اشتراط القدرة على نفس متعلّق الشرط، بل يكفي القدرة على سببه الذي هو الإلزام الذي هو المقدور له، فهو من قبيل التعبير عن الملزوم باللازم، فلا يخرج الحكم المشروط عن قدرته حقيقة.

و لا يتوهم أنّ اشتغال الذمّة إنّما يحصل بعد الشرط و الإلزام و اعتبار المتعلّق قبله، فجعله متعلّقا لا يخلو عن دور، لأنّ ذلك يستحيل فيما كان من باب الأخبار و القضايا، دون ما هو من الإنشاء الذي يعتبر في العقود الشرعية، فإنّ تحقق المتعلّق إنّما هو بنفس الإنشاء كما في الرهن بنحو جعلته مرهونا، و في الطلاق بقوله هي

106

طالق، و في الضمان بأنا ضامن، و غير ذلك، و الشروط الشرعية من باب الإنشاء أيضا.

و أمّا الشرط الثالث، أي الذي أحلّ حراما أو حرّم حلالا، فقد وقع التصريح بعدم الاعتداد به في موثق إسحاق بن عمّار (1)، بل لا كلام في عدم جوازه، و الإشكالات الواردة في الشرط السابق يتأتّى هنا أيضا، نظرا إلى أنّ بناء الشرط على تحريم ما استبيح و إباحة ما حرّم، لكونه مقتضى الإلزام، فإنّه يحلّ للمشروط له المطالبة بالشرط و لو جبرا، و يحرم على المشروط عليه الامتناع عنه على عكس حكمهما قبل الشرط، و كذا يرد عليه ظاهرا النقض بكثير من الأمثلة المتقدمة، و تكلّفوا في تفسيره بما تكلّفوا به في الشرط السابق، و لا يخلو شيء منه عن النقض و الإشكال. و الصواب ما حقّقنا فيه من أنّ المراد به الإلزام بفعل محرّم كاسترقاق الحرّ و شرب الخمر و تزويج الخامسة، أو بترك حلال لا يجوز في الشرع الإلزام بتركه، كترك وطء الزوجة، أو الالتزام بحكم يستلزم العمل بأحد هذين المحذورين، و يظهر لك بالتأمل الصادق تطبيق ذلك على التفصيل السابق في فقه الحديث.

و أمّا الرابع: أي الشرط المؤدّى إلى جهالة أحد العوضين، و في حكمها الجهل الغير المغتفر في العقد و إن لم يؤدّ إليها، فالتحقيق فيها أنّ الجهل المتعلّق بالشرط على وجوه:

أحدها: كونه مؤدّيا إلى جهالة أحد العوضين، بمعنى تردّده بحسب الواقع في أحد الأمرين أو أكثر سواء كانت في عينه، كأن يبيع بدينار عراقي و شرط: «إن حدث كذا كان الثمن فرس كذا»، أو في قدره، كأن شرط: «إن حدث كذا كان الثمن دينارين»، أو في صفة، كأن شرط: «إن حدث كذا، كان الدينار روميا»،

____________

(1) وسائل الشيعة 18: 17، الباب 6 من أبواب الخيار، الرواية 23034.

107

و هذا الشرط باطل اجماعا، و وجهه- مضافا إلى استلزامه في الأكثر الغرر المنهيّ عنه غالبا- أمران:

أحدهما: كونه منافيا لمقتضى العقد، و قد عرفت فساده.

و الثاني: أنّه يوجب عدم تعيّن العوض حال العقد، و توقف تعيينه على أمر سيوجد، و هو ينافي استقلال العقد في السببية، الذي هو مقتضى الأدلة، حسب ما تقدّم.

و منه ما إذا باع إلى سنة و شرط: «إن حدث كذا كان الثمن معجّلا عنده» لمدخلية المدّة في العوض، و لا يذهب عليك أنّه أن شرط هبة بعض الثمن أو إعطاء دينار مضافا إليه إذا حدث كذا، أو إعطاؤه معجّلا عنده، ليس هو مما يؤدّى إلى جهالة العوض.

و لا يتوهم اتحاد مآل الشرطين بما تقدّم بيانه في تفصيل الشرط المخالف للكتاب، فلازمه بطلان الثاني- أيضا.

لأنّ وجوب الإعطاء أو الإبراء بالشرط في الثاني، لازمه اشتغال الذمّة بالمشروط به أو التزامه عنه، لا صيرورة الثمن زائدا أو ناقصا، و المبطل هو التردد و التعليق في الثمن، لا في حصول المشروط به.

و كون الشرط قسطا من العوض لا يوجب الجهل به، إذ القسط منه هو الاشتراط، و هو الإلزام بالمبلغ أو نحوه عند حدوث كذا، لا نفس المبلغ، و شتّان ما بينهما.

و ثانيها: كون الجهل مستلزما للغرر المنهيّ عنه، و إن لم يرجع إلى الجهل بأحد العوضين بعينه، بل إلى ما يتعلّق بالعقد، مما يتفاوت به النفع و الضرر، و يختلف فيه الأغراض عرفا المجهول (1) عند المتعاقدين، و إن تعيّن بحسب الواقع، و سيجيء تحقيق القول في الغرر و الشرط الغرري، و دليل فساده في بعض المشارق الآتية-

____________

(1) في نسخة: عرفا أو المجهول.

108

إن شاء اللّه تعالى- (1).

و من هذا الباب ما اتفقوا على بطلانه من شرط الخيار في مدّة مجهولة أو محدودة بحدّ غير مضبوط يحتمل الزيادة و النقيصة، كقدوم الحاجّ و إدراك الثمرات، و نحوه التحديد بما لم ينضبط به مبدأ الخيار، كإتيانه إلى سنة من حين التفرق. نعم، إذا كانت المدّة مضبوطة، و لكن علّق الخيار على اقتران الفسخ بأمر لا نعلم وقت حصوله في أثناء المدّة المعينة، سواء كان من فعل المشروط له أو غيره، صحّ الشرط، كقسط (2) المدّة إلى سنة و نحوها، بشرط أداء الثمن فيها، كما ورد في النصوص المستفيضة (3).

و منه يظهر الفرق بين تعليق الفسخ على قدوم الحاجّ إلى سنة، أو على حياة المشروط له فيها فصحّ الشرط، و بين تحديد المدّة بقدومه أو حياته و نحوها فبطل، و إن اشتركا في الجهل بزمانه، و سنذكر وجه الفرق بينهما في البحث الآتي- إن شاء اللّه تعالى- و أنّ الجهالة في أصل المدّة يرجع الغرر فيه إلى نفس العقد، بخلاف الثاني، فانتظر.

و ثالثها: كون الجهل واقعيا، بمعنى عدم تعين المشروط المجهول في نفس الأمر، و إن لم يرجع إلى أحد العوضين، كأن يبيع بمائة و شرط له سكنى هذا الدار، من غير تعيين المدّة.

____________

(1) عبارات هذا المشرق مختلفة في النسختين في بعض المواضع و ما أثبتناه في المتن موافق لنسخة «س».

(2) كبسط (خ).

(3) كرواية سعيد بن يسار؛ أنظر وسائل الشيعة 18: 18، الباب 7 من أبواب الخيار، الرواية 23045.