مشارق الأحكام

- الشيخ محمد بن احمد النراقي المزيد...
510 /
109

و التحقيق فيه: أنّ الجهل- حينئذ- إن كان مؤدّيا إلى العوض أو الغرر، فحكمه ما مضى من البطلان، و إلّا فالمشروط: إمّا نفس الفعل الملتزم به، كإعطاء دينار أو إسكان دار و نحوهما، فالمتّجه فيه الصحّة، لعموم الأدلّة، و عدم احتمال مانع سوى لزوم تعين متعلق الشرط على ما سيجيء، و هو مدفوع بتعيّنه على الوجه الكلّي، و هو ما صدق عليه فعل الشارط على حسب ما تعلّق به لفظ الشرط، و لزوم تعيينه بالفرد عند الوفاء به من باب المقدمة، و هو موكول بحسب دلالة اللفظ إلى خيرة الفاعل.

و بالجملة متعلّق الشرط- حينئذ- غير متعلق الفعل، و الأوّل متعين، و الثاني غير لازم التعيّن في الشرط، و الفرق بينهما ظاهر، و لذا لا يصحّ الرهن بما يعادل من ماله الدين من غير تعيين، و يصحّ ذلك في الشرط، كأن يقول: بعتك هذا بعشرة دنانير، و شرطت عليك أن تجعل لى مرهونا يعادلها من مالك.

أو يكون متعلّق الشرط غير فعل الشارط، و هو: إمّا كلّي تساوت أفراده، كأن يشترط له دينارا عراقيا أو رطلا من الحنطة، فالوجه فيه الصحة- أيضا- لتعيين الحقّ الذي تعلّق به الشرط، و هو الكلّي بما هو كلّي، و عرفت أنّ لزوم التعيين بالفرد عند الوفاء به إنّما هو من باب المقدمة، و حيث لا اختلاف في خصوصيات الأفراد المختلف به الأغراض، لا يضرّ عدم تعيّنه في الشرط، بل على الشارط الواجب عليه الوفاء تعيينه بواحد منها، كما لا يضرّ عدم تعيينه في العقد إذا كان أحد العوضين، كبيع رطل من الحنطة بهذا، أو بيع هذا بدينار.

أو هو كلّيّ مختلف الأفراد، كأن يشترط له فرسا، فلا يبعد فيه البطلان، فمتعلّق غرض المتعاقدين في مثل ذلك إلى الخصوصية- أيضا- عادة، و هي غير متعينة، و ليس في لفظ الشرط ما دلّ على كونه بتعيين الشارط، فيستحيل تعلّق الحقّ بها.

نعم، لو فرض كون المقصود مجرّد الماهيّة بأي فرد تحققت و لو على تفاوت مراتبها،

110

لم يبطل بذلك، و إن بطل من جهة الغرر.

أو جزئيّ مردّد بين شيئين أو أكثر، كأن يشترط له أحد هذين العبدين، فإنّه ظاهر في عدم تعلّق الشرط بالمفهوم الكلّي، بل بالخصوصية الغير المتعينة، فيتّجه فيه البطلان لما ذكر، كما يبطل العقد إذا جعل ذلك أحد العوضين.

و رابعها (1) أن يكون الجهالة بغير ما ذكر من الوجوه الثلاثة مقتضى عموم الأدلّة صحة الشرط حينئذ و عدم بطلانه بها إلّا إذا ثبت بطلانه بها بدليل فيقتصر على مورده كما في وجوب ضبط آخر المدّة في خيار الشرط بما لا يحتمل الزيادة و النقصان الثابت بالإجماع و بطلانه بالتحديد بقدوم الحاجّ و ادراك الثمرات و نحوهما و لا هكذا ضبط أوّل المدّة كما في شرط حصول اختيار للبائع بردّ الثمن و دلّ عليه النصوص كالموثّق عن رجل مسلم احتاج إلى بيع و لو لا مشى إلى أخيه فقال: أبيعك داري هذه و تكون لك أحبّ إليّ من أن يكون لغيرك على أن تشترط لي أن جئتك بثمنها إلى سنة أن تردّها عليّ. قال: لا بأس بهذا إن جاء بثمنها إلى سنة ردّها عليه.

و نحوه الصحيح.

و ينقدح من هذا أنّه لو شرط الخيار إلى مدّة حياة أحدهما أو ثالث بطل و لو شرط إلى عشرين سنة بشرط حدوث كذا أو بشرط موت فلان يصحّ و لو شرط إلى عشرين بشرط حياته ففيه إشكال لوقوع (2) الجهل إلى آخر المدّة حقيقة حيث يفيد تحديد الغاية بأمرين:

أحدهما مجهول هو ثبوت المشروط له، و الأخرى معيّن هو انقضاء العشرين.

____________

(1) ليس في النسخة المطبوعة و نسخة «س» قوله: «رابعها» إلى قوله: «و أمّا الخامس»، و أوردناه من نسخة «م» في المتن.

(2) لرجوع (خ).

111

نعم، إن قصد من شرط الحياة عدم الانتقال إلى الوارث يبطل من جهة أخرى هي مخالفته للسنّة. و لو شرط الفسخ بلفظه إلى عشرين ففيه وجهان: من انقطاع اللفظ بالموت الذي هو مجهول فرجع الجهل إلى الغاية و من عدم تقييد المدّة به، بل هو قيد للشرط. و لعلّ الأوجه فيه الصحة و مراعاة الاحتياط أولى، بل ينبغي الاحتياط بالاحتراز عما كان الجهل فيه مثار النزاع مطلقا و إن لم يكن منع الغرر فيه ثابتا، بل قيل بالمنع، لأنّه لم يعهد نظيره في الشرع بل المعلوم منه خلافه.

و أمّا الخامس: أي الشرط الغير المقدور، فلا خلاف في بطلانه و اشتراط القدرة عليه و لو في بعض المدّة بقدر ما أمكن الوفاء به. و وجهه- مضافا إلى الإجماع و ظهور الأخبار فيه- أنّ المراد بالشرط- كما عرفت- هو الإلزام و الالتزام، و معنى شرعيته تحقّق اللزوم، و وجوب الخروج عن عهدته مطلقا، أو إنشاء بقاء لزوم العقد على المشروط له، كما ربما يظهر عن بعضهم، من أنّ فائدته جعل العقد اللازم جائزا، كما سيجيء، و هو فرع القدرة عليه أو على سببه، كان يكون فعلا مقدورا أو حكما يكفي في ثبوته مجرد الالتزام به حسب ما مرّ، فلا ينعقد اللزوم بما ليس بمقدور.

ثمّ عدم المقدورية إمّا من جهة تعذّر الفعل مطلقا، أو بالنسبة إلى المشروط عليه، أو من جهة كونه فعل الغير، كمجيء زيد يوم كذا، من غير أن يكون سببه مقدورا لمن شرط عليه، و منه بيع الزرع على أن يجعله اللّه تعالى أو المشتري سنبلا، و الرطب على أن يجعله تمرا، إلّا أن يقصد به إبقائه إلى بلوغه سنبلا أو تمرا، مع أنّه لا يخلو عن شناعة- أيضا-، لخروجه عن صورة الشرط المقدور، و عن المطابقة بين اللفظ و المقصود، على ما أشرنا اليه في بعض ما تقدّم، و لا بأس به مع وضوح المراد، أو كونه من الأحكام المخالفة للكتاب و السنة، أو المتوقّفة على سبب خارج من الشرط، كاشتراطه حلية بضع أو فرقة زوجته أو حرّية عبده،

112

من غير قصد سبب إيجاد سببهما من الشرط، فهذه كلّها من الشروط الغير المقدورة، و تكون باطلة.

و يقع الإشكال في بعض الأمثلة، إلا أنّه بعد ما اتضح المناط يمكن دفعه بتأمّل دقيق فيه، كما إذا اشترط البيع من ثالث باعتبار توقّفه على رضاه، فهو من غير المقدور، و الظاهر أنّه يبنى على الخلاف في معنى البيع، فإن قلنا أنّه نفس العقد المركّب من الإيجاب و القبول، لم يصحّ الشرط، لأنّ المركّب من فعله و فعل الغير ليس من فعله، فليس مقدورا، و تنزيله على الإيجاب خاصّة خروج عن حقيقة اللفظ، و إن قلنا بأنّه نقل الملك بعوض معلوم- كما هو المشهور- صحّ، لكونه من فعله، و إن كان من شرط تحققه قبول الغير. نعم، يتوقّف صدق القدرة على العلم أو الظنّ بحصول القبول من الغير مطلقا، إن لم يعيّن المشتري أو خصوص شخص إن عيّنه، فإذا اتّفق أن لا يرضى بالقبول كان للمشروط له الخيار.

المطلب السابع (1) في حكم العقد إذا فسد الشرط

و فيه قولان: الصحة و البطلان، و الحقّ الثاني، وفاقا للمحكيّ عن الأكثر.

و لنبيّن:

أوّلا لتحقيق المرام، ما تداول بينهم من أنّ العقود تابعة للقصود، و ما اشتهر من أنّ الأصل في المعاملات الصحة، و التوفيق بينه و بين أصل الفساد الذي هو معقد الإجماع.

فنقول: العقود أسباب شرعية لآثار مخصوصة جعلها الشارع مترتّبة عليها، و اللازم على الفقيه في ذلك معرفة أمور ثلاثة: العقد الذي هو السبب و الأثر المسبّب له، و شرائط تأثيره و كيفية ترتّبه عليه، فإن علم الثلاثة بدليل خاص، أو عام فهو،

____________

(1) في الأصل: المطلب الثامن، و الصحيح ما أثبتناه.

113

و إلّا يجب الاقتصار في كلّ منها على المعلوم، عملا بأصل الفساد المتّفق عليه، و استصحاب عدم ترتّب الأثر، و قد يكون الأثر الثابت من الشرع مما يختلف كيفيته باختلاف إطلاق العقد، أو تقييده بشرط، أو خصوصية للعوضين أو أحدهما، ككونه حيوانا أو نقدا و نحوهما، كما أن نقل الملك الذي هو أثر البيع يختلف لزوما و تزلزلا إلى مدّة من طرف أو الطرفين، و مستتبعا للمنافع أو مجردا عنها إلى مدّة معينة، إلى غير ذلك من الوجوه و الاعتبارات، و اللازم في جميع ذلك الاقتصار في الصحة على القدر الثابت بالأدلّة الشرعية.

ثمّ إنّه مما ثبت بالإجماع و يطابقه الأصل المذكور، اشتراط قصد إنشاء الأثر الذي رتّبه الشارع عليه، فلو صدر بلا قصد، أو بقصد الإخبار أو إنشاء أثر آخر، كان باطلا.

و يعتبر في هذا القصد أمران:

أحدهما: أن يكون من لفظ العقد، فقصد به إنشاء الأثر المترتّب عليه، فلا أثر لقصد لم يتعلّق بإنشاء العقد به، و إن كان الرضا بالعقد معلقا عليه، و كان من العلل الداعية عليه، سواء كان هو من بعض الأحكام المترتبة على أثر العقد، كأن يكون غرضه من التزويج مجرد حلّية النظر إلى أمّ الزوجة، أو من الأمور الخارجة، كأن تزوّجها طمعا في مالها أو استخدامها، أو من بيع داره شراء دار المشتري باعتقاد كونه وسيلة له، بل و إن وقعت المساومة بينهما عليه، فأمثال هذه الأغراض و القصود لا دخل لها بقصد الإنشاء المعتبر في العقود، و لا يتبعها العقد، و إن كان الرضا معلقا عليها، بل لا يؤثر في العقد، و إن كان اعتقاد المتعاقدين أو أحدهما ترتّبه على العقد شرعا، على خلاف الواقع، كما إذا رضيت المتمتعة بعقد الانقطاع، بظنّ استحقاقها القسم و النفقة كالدائمة، بحيث لو لا هذا الاعتقاد لما رضيت بالتمتع.

114

و لعلّه لم يتأمل في ذلك أحد من أهل العلم، فما قد يستشكل- بأنّ العقود تابعة للقصود، و ما قصد به هو التزوّج حال كونها مستحقة للقسم و النفقة، فلا يصحّ العقد- مردود، بأنّ مرادهم من تلك العبارة، هو المقصود من العقود، أي القصد المعتبر في لفظ العقد الذي يتحقّق به الإنشاء، لا مطلق القصد.

و توهّم أنّ الرضا بالعقد يتوقف عليه، فمع عدمه لا مراضاة، و لا هو تجارة عن تراض، و لأجله يكون باطلا، مدفوع بأنّ الرضا الفعليّ حاصل على الفرض، و هو كاف في صدق التراضي المشروط في العقد، و حصول الإنشاء على الرضا، و ما ليس فيه هو الرضا الفرضي، و حصول الضرر في بعض الفروض غير مانع عن الصحة، بل عن اللزوم أيضا، لإقدام نفسه عليه، و مثله غير منفيّ، و إن كان للجهل بالمسألة، كما في نظائر الفرض من موارد الأحكام، و قد أشبعنا الكلام فيما يتعلّق بذلك في مسألة نفي الضرر، في بعض الفوائد الآتية.

و ثانيهما: قصد إنشاء الأثر الذي جعله الشارع بالأصالة مسبّبا له، فلو قصد إنشاء غيره بالعقد- و إن كان من لوازم هذا الأثر- كان العقد باطلا، لخروجه عن السببية الشرعية التي وضعها الشارع، و هو من مقتضى قولهم: العقود تابعة للقصود، فإن المراد عموم السببية في الصحة و البطلان، فلو قصد بعقد النكاح إنشاء محرّمية أمّ الزوجة، و بعقد البيع استحقاق المنفعة، كان باطلا و بالجملة صحة العقد تابعة لما قصد إنشاؤه.

و لو كان العقد بإطلاقه سببا لأثر شرعا، و بتقيّده بشيء سببا لأثر يخالف الأوّل نوعا أو وصفا (1)، و إطلاقا و تقييدا، أو بغير ذلك من الاعتبارات وجب تطبيق العقد (2)

____________

(1) في «م»: وضعا.

(2) في النسخة المطبوعة: القصد.

115

عليه، و مع تخلفه لم يكن صحيحا، كأن يقصد بالنكاح المجرد عن ذكر المدّة الزوجية المنقطعة، أو بالعكس، و بالبيع المطلق إنشاء الملك المتزلزل بالخيار، و في بيع الحيوان إنشاء الملك اللازم، من غير ذكر الخيار في الأوّل، و سقوطه في الثاني، فمقتضى قاعدة السببية الموافق للأصل المتقدّم فساد العقد إلّا فيما خرج بدليل، لأن الأثر المقصود غير ما يقتضيه العقد شرعا.

ثمّ العقد إن كان مدلوله اللغويّ و العرفيّ متعيّنا و لو بتوسط القرائن المنضمّة، لزم كونه المقصود بالإنشاء، و لا يصحّ لو قصد به غيره، للأصل المذكور، و لعلّه لا خلاف فيه أيضا، و إن لم يكن متعيّنا، بل قابلا بحسب الدلالة اللفظية لوجوه أو أفراد مختلفة، كان تعيّن أحدهما منوطا بقصد العاقد، فترتّب الأثر الشرعيّ للعقد عليه- حينئذ- موقوف على تعيّنه في القصد، و إلّا بطل العقد، لاستحالة تعلق الحقّ بغير المعيّن و بطلان الترجيح بلا مرجّح، كما إذا قال: زوّجتك ابنتي، و لم يعيّنها من بين بناتها، و إن عيّنه فهو المتعيّن، و يلزم عدم التدافع بين قصدي المتعاقدين.

و هل يشترط اطلاع القابل على ما قصده الموجب؟

لا شك في الاشتراط فيما يكون الغرر فيه منهيا عنه، و أمّا في غيره ففيه إشكال، من كون القبول واقعا على ما قصده الموجب، و هو متعيّن و إن لم يعلمه بعينه، و من كونه مثار النزاع المرغوب عنه في الشريعة في أكثر نظائر الفرض، و على الجملة فمما بيناه في المقامين تبيّن ما هو المراد من قولهم: العقود تابعة للقصود.

و إذا اختلف المتعاقدان في ما قصدا به، فالمعتبر، و إن كان قول القاصد، لأنّ القصد من الأمور القلبية التي لا يطّلع عليها غيره، إلّا أنّ اللفظ إن كان له دلالة ظاهرة بحسب العرف و اللغة، و لو لأجل القرينة، كما في القسم الأوّل، نقدم قول من يطابق دعواه مدلول اللفظ، لأنّ الشارع أقام الألفاظ الظاهرة في معانيها مقام العلم

116

به إجماعا، و إن كان مقتضى أصل الفساد فيما يخالفه عدم ترتّب الأثر إلّا مع العلم بقصده ذلك الأثر، و إلى هذا ينظر قولهم: الأصل في المعاملات الصحة، فلو قال:

بعتك هذا و ادّعى قصد الإجارة، لم يسمع دعواه بمجردها إلّا بقرينة شاهدة عليه، مثله ما إذا قال: بعتك هذا بدرهم على أن تكريني دابّتك هذه يوما، فظهرت الدابّة مستحقّة للغير، فمقتضاه نقل الملك منضمّا مع الإكراء، فيبطل باستحقاق الدابّة للغير، فلو ادّعى قصده إطلاق البيع لم يسمع، و إن احتمل صدقه إلّا إذا فرض تساوي الاحتمالين بحسب الدلالة، و القول بعدم سماع دعواه مع فرض التساوي- أيضا- مدفوع بما ذكرناه.

و اذا عرفت هذا، فلنرجع إلى المقصود، أعني بطلان العقد بفساد الشرط، و نقول:

قد عرفت أنّ الشرط المأخوذ في ضمن العقد جزء له، و العقد هو المركّب منه، و عرفت أنّ اللفظ يحمل على مدلوله، و كونه مقصود اللافظ، فهذا التركيب ظاهر في قصد إنشاء الأثر، مقيّدا بالالتزام بالشرط، فالالتزام جزء الأثر المقصود بالإنشاء في هذا التركيب، فإذا ظهر فساد الجزء فسد الكلّ، لتعلّق القصد على وجه الجزئية، فلم يبق الباقي مقصودا بالانفراد، فلا يترتّب على العقد التركيبي أثر شرعيّ، بل على ما سمعت، من لزوم تطابق المدلول للقصد لو قصد الصحيح منفردا من مثل هذا التركيب، لقلنا بفساده أيضا (1).

فإن قلت: ذكرت في بعض ما تقدم عدم فساد العقد بفساد بعض العوض، بل لعلّه المتّفق عليه في البيع، مع أنّ متعلّق القصد فيه المركّب أيضا.

قلت: ما ذكرنا ثمة، لا تتأتّى في الشرط، لأنّ وجهه فيما مرّ أنّ دلالة لفظ العقد

____________

(1) عبارات هذا المشرق مختلفة في النسختين في بعض المواضع و ما أثبتناه في المتن موافق لنسخة «س».

117

على الأبعاض- و إن كانت تبعية ارتباطية- إلّا أنّها لا يستلزم التبعية في الحكم المدلول بها، كما في قولنا: أكرم عشرة، فإنّ دلالة العشرة على الوحدات بالتبعية التضمّنية، و لا هكذا تعلّق وجوب الإكرام بها، بل كلّ واحد منها مقصود بإنشاء الحكم عليه منفردا مستقلا، و لذا لا ينتفي حكم الكلّ بانتفاء البعض، و هو من قبيل قول الآمر: اكنس الدار، و هي موضوعة للماهية المركبة من البيوت، فلا يسقط الحكم عن بعضها بانهدام بعض، إلّا مع قرينة ظاهرة.

و كون المراضاة على الكلّ- لو سلّم- لا يستلزم قصد الجزئية في إنشاء نفس النقل و الانتقال- مثلا- في مثل البيع و الصلح و نحوهما، غاية الأمر حصول المقصود بوقوع الخيار عند ظهور التبعض، لا بطلان العقد، و كيف كان، فلا يبطل البيع- مثلا- بالنسبة إلى الجزء الصحيح بما يقابله من العوض.

و أمّا الشرط، فإنّ الإلزام بما اشترط ليس مقصودا بالانفراد قطعا، و ليس (1) في مقابله للمشروط عليه عوض، فكيف يلتزم به مجانا، و بالجملة ظاهر اللفظ كون المعاوضة مقيدة و مرتبطة بالإلزام بالشرط فينتفي بانتفاء القيد، و لو قصد منه إنشاء النقل لا على وجه التقييد، فهو خروج عن مقتضى اللفظ. و به يحصل إشكال آخر في صحة العقد.

فالفرق بين جزء العوض و الشرط كالفرق بين قولنا: أكرم زيدا و عمروا، و قولنا أكرم زيدا بشرط أن يكون معه عمرو، فإنّه لا ينتفي حكم إكرام زيد بفقدان عمرو في الأوّل، بخلافه في الثاني.

و اتضح مما ذكرناه فساد الاحتجاج للقول الأوّل، بأنّ كلّ واحد من العقد و الشرط مستقلّ في إفادة معناه.

____________

(1) في نسخة: كيف و ليس ..

118

ثمّ إنّ ما ذكرناه من فساد العقد و الشرط إنّما هو من باب الأصل و القاعدة، فلا ينافيه ما إذا ثبت في مورد صحة العقد مع فساد شرطه، كما هو المشهور في شروط عقد النكاح، مثل أن لا يتزوّج عليها، أو لا يتسري، أو شرط تسليم المهر إلى أجل، عدم كون العقد باطلا مع التخلّف، بل في المسالك ظاهرهم- هنا- الاتفاق على صحة العقد، و ورد فيه أخبار معتبرة، و قيل لا يتمّ في النكاح أيضا قاعدة يعتمد عليها في هذا المطلب، و اللّه العالم بحقائق أحكامه.

119

[المشرق الخامس] [في بيان حكم المعاملات الإضرارية]

مشرق: في بيان حكم المعاملات الإضرارية، و أعني بها الانتقالات المحاباتية الصادرة عمّن له دين لا يفي ماله به، و إن كان الدين من قبيل المظالم.

فنقول: لا إشكال في صحّة تمليكاته بعوض المثل، لعدم المانع مع وجود المقتضي، و هو الملك. و كذا تمليكه بأقلّ منه أو مجانا، إذا تمكّن من تحصيل ما يؤدّي به دينه و لو بالاستدانة، إنّما الكلام في تمليكه كذلك، أو إباحته، مع عدم العلم أو الظنّ المعتدّ به بالتمكن منه، و لو بعد حين.

و تحقيق المقام، أنّ الكلام إمّا في جواز إتلاف المالك ماله بنفسه زائدا على قدر مئونته، أو إباحته للغير و تسليطه على الإتلاف، أو في حصول الحلّية للغير بإباحة المالك، و جواز قبول جائزته و تصرّفاته و إتلافه له، أو في صحّة العقد الناقل و حصول الانتقال الشرعي به، فهنا مطالب ثلاثة:

أمّا الأوّل: فلا ينبغي الريب في حرمته، لوجوب أداء الدين عليه، و انحصار مقدمته على الفرض بصرف ما في يده من المال فيه، و ما لا يتمّ الواجب إلّا به واجب، فيحرم ضدّه، و هو إتلافه و صرفه في غيره، و كونه ضدّا خاصّا و لا يقتضي

120

الأمر النهي عنه،- على ما هو المختار المشهور- غير نافع، لاندفاعه باختصاص ذلك بما إذا لم يكن الضدّ الخاصّ رافعا للتمكّن من فعل المأمور به ثانيا مع بقاء وجوبه، و إلّا- كما في محلّ الفرض- فمقتضى التحقيق حرمته، كما بيّناه في الأصول، و لا يعارضه عموم الناس، لأنّ حرمته عقلية لا ينفكّ عن وجوب أداء الدين، فلا ينتفي إلّا بانتفائه الباطل بالإجماع القطعي، فلا يخصّص به، و مع ذلك فالعموم المذكور ظاهر في الجواز الذاتيّ الأصليّ، و هو لا ينافي الحرمة العرضية المسببة عن سبب متجدّد، كما في نظائر المقام مما لا يحصى، و يأتي بيانه فيما سيأتي.

و أمّا الثاني: فتفصيله أنّ من أباح له المالك، إمّا يعلم عدم تمكّن المالك عن أداء الدين من غير هذا المال، و مع هذا يحتمل صرفه فيه إن لم يقبل منه، أو أخذ الدائن عنه جبرا أو تقاصّا، أو لا يعلم ذلك، و إن علم لا يحتمل صرفه في الدين أو اقتدار صاحب الدين عن استيفائه منه.

فعلى الأوّل: فالظاهر أنّه لا يحلّ له قبوله و إتلافه من غير التزام عوضه للدائن، لا لما استدللنا به على المنع على المالك، لعدم وجوب ذي المقدّمة على غيره حتى يحرم عليه ضدّ مقدّمته، بل لصدق كونه مضارا على الدائن- حينئذ- بإتلاف ما ينحصر أخذ حقّه فيه، و تفويت تمكّنه من وصول الحقّ، و تمكّن المالك عن إيصاله، و شهادة العرف بكون ذلك ضرر الدائن، و الضرر منفيّ و محرّم بعموم أدلّته.

نعم، لو عصى- حينئذ- و أتلف بإذن المالك فمقتضى النظر عدم ضمانه، لعدم اقتضائه نفي الضرر، كما يأتي تفصيله في قاعدة نفي الضرر، و لأنّ قاعدة الإتلاف بعدم الضمان مع إذن المالك، و إن كان التصرف محرّما، كما في أكل طعامه بإذنه في نهار رمضان.

121

فإن قلت: في الأخبار الكثيرة تجويز أخذ جوائز السلطان و مظالمه مستوعبة لما له عادة، و لا أقلّ من شموله له، و كذا دلّت عليه السيرة المستمرّة المعلومة في قبول الناس جوائز السلاطين و الحكام و أضرابهم من غير نكير، و بهما يخصّص عموم نفي الضرر، لكونهما أخصّ منه مطلقا.

قلت: أوّلا، تلك الأخبار منساقة لبيان حلّية أموالهم و جوائزهم باعتبار الشبهة في أعيانها، و لا دخل له بمحلّ الفرض الذي يرتفع المانع عنه بالتزام العوض، و ثانيا أنّ موارد تلك الأخبار و السيرة من القسم الثاني الذي نذكر حلّيته.

و على الثاني: فمقتضى النظر حلّيته له بإباحة المالك، و له إتلافه حيث يشاء، أمّا مع عدم علمه بعدم تمكن المالك فظاهر، و احتماله غير كاف، إذ غايته احتمال الضرر و هو غير منفيّ، و أمّا مع عدم احتماله صرف المالك إيّاه في الدين و لا تمكن صاحب الدين عن أخذه، فلعدم استناد الضرر- حينئذ- إليه بل إلى المالك، فلا يتوجّه إليه النهي، و غالب موارد الفرض سيما بالنسبة إلى أرباب المظالم من هذا القسم.

و لا يتوهّم حرمة الإتلاف من جهة كونه تفويتا للواجب أو عدم تأثير إباحة المالك في الحلّ، لعدم جواز تسليطه الغير عليه و ترخيصه كما مرّ، لاندفاع الأوّل بعدم دليل على حرمة تفويت الواجب عن الغير، بل عليه وزره إن كان بتقصيره، كما في الفرض، و الثاني بأنّ الموجب للحلّية في المقام رضي المالك و إذنه في التصرف المتلف، نظرا الى كونه صاحب المال و عدم حقّ للدائن فيه بعد لا جواز إباحته و ترخيصه، و لا ملازمة بينهما، كما في من شرط على نفسه بنذر و شبهه أن لا يأذن زيدا في أكل طعامه فأذنه، فإنّه يعصى بالإذن دون المأذون فيه في الأكل.

و أمّا الثالث: فلم أر من تعرّض لبيانه و تحقيقه عدا والدي العلّامة في بعض

122

إفاداته (1)، حيث حكم ببطلان العقود الناقلة بأقلّ من عوض المثل عمّن له دين مستوعب، و هو مقتضى التحقيق، لا لما استدلّ به على مختاره من اقتضاء النهي في المعاملة الفساد، نظرا إلى حرمة صرف المال في غير الدين- حينئذ- على المالك على ما عرفت، لعدم استقامته- على ما اخترناه (2)- من اختصاص الاقتضاء بما إذا تعلّق النهي بنفس المعاملة أو جزئه أو وصفه لأجل المعاملة الظاهر في المانعية دون غيره، كما في محلّ البحث، حيثما (3) يتعلّق بها كذلك، بل بمطلق الإضرار أو سببية الحرام، مضافا إلى أنّ الفساد- على هذا التقدير- يختصّ بصورة العلم و العمد، لعدم العصيان في غيرهما.

بل لأنّ صحة العقود المملّكة بغير عوض كالأوقاف و الهبات و نحوهما، أو بأقلّ من العوض كالعقود المعوّضة المحاباتية، ممن استوعب دينه ماله الغير المتمكن عن أدائه بغيره، إضرار على صاحب الدين، و تفويت لما يمكن له أدائه، و يصدق عليه أنّه ضرر عرفا على صاحب الدين، لزوال تمكّنه به عن أداء حقّه، و هو ضرر على ذي الحقّ قطعا، ألا ترى أنّ صاحب الفاقة إذا استدان ألف دينار ليكتسب به فوهبه لغيره يقال في العرف أنّه أضرّ بصاحب المال، و هبته ضرر عليه، و الضرر منفي في الإسلام، بمعنى عدم تشريع حكم يتضمّنه، وضعيا كان أو طلبيا، كما يأتي بيانه، و لا يعارضه عموم «الناس مسلّطون» لما ستعرف من تقدّم نفي الضرر. نعم، يعارضه إطلاق أدلّة تلك العقود، و هو بالعموم من وجه، فيرجع إلى الأصل و مقتضاه الفساد.

و يشعر بما قلناه بعض النصوص المعتبرة الواردة في صدقة من استوعب دينه

____________

(1) مستند الشيعة 2: 363.

(2) في «م»: لعدم تمامية هذا القول عندي و اختصاص الاقتضاء ..

(3) حيث لا (خ).

123

ماله، الدال على عموم المدّعى، لعدم القول بالفصل، كمكاتبة أحمد بن حمزه (1) إلى أبي الحسن (عليه السلام): مدين أوقف، ثم مات صاحبه و عليه دين لا يفي ماله، فكتب (عليه السلام):

«يباع وقفه في الدين». و نحوها مكاتبة أخرى، رواها ابن محبوب (2) إلّا أنّه فيها إذا وقف، بعد قوله: و عليه دين لا يفي ماله.

و في رواية أخرى في عتق من عليه دين (3).

و أمّا ما في خبر عجلان (4)، من صحّة عتق من عليه دين، فهو أعمّ من استيعاب الدين، فيخصّص بما سبق.

فإن قلت: تعليق الفقهاء ممنوعية المفلس عن التصرف في أمواله على حجر الحاكم يقتضي جوازه قبله، بل هذا فائدة الحجر.

قلت: الأحكام الشرعية تختلف باختلاف العنوانات، فلا يدافع بعضها بعضا، و ما ذكره الفقهاء في باب الحجر إنّما هو للمنوعية من جهة منع الحاكم عن التصرف و رفع سلطنته مطلقا، و هو يعمّ جميع التصرفات، سواء كانت من العقود المعوّضة بعوض المثل أو بأقلّ منه، بل و بما زاد عنه أو غيرها، كدفع المال إلى بعض الديان أو إلى الجميع، من غير ملاحظة النسبة، و كذا لا يحلّ معه تصرّف الغير بإباحة المالك مطلقا.

و أما الممنوعية فيما ذكرناه إنّما هي من جهة الضرر على الديان، من قبيل منع المالك من التصرف المضرّ بالجار، فلا يمنع به عن مطلق التصرف، و لا عن مطلق

____________

(1) وسائل الشيعة 19: 189، الباب 6 من أبواب الوقوف و الصدقات، الرواية 24411.

(2) نفس المصدر.

(3) نفس المصدر 19: 354: الباب 39 من أبواب أحكام الوصايا، الرواية 24752.

(4) نفس المصدر 23: 90، الباب 54 من أبواب العتق، الرواية 29170.

124

النقل، و لا عن الإباحة، و لا يمنع عن صرفه في بعض الديون دون بعض، كما سننبه عليه، فلا يختصّ فائدة الحجر بما يفيده نفي الضرر.

تتميمات:

الأوّل: هل له صرف جميع ماله في بعض الديون أو في الكلّ من غير رعاية النسبة؟

الظاهر: نعم، لأنّ وجوب أداء كلّ دين غير مرتبط بالآخر، فلا منع له عن امتثال بعضه، سيما مع عدم إمكان امتثال الجميع، كما على الفرض، و إيجابه الضرر على الآخر يعارضه ضرر الأوّل، فيتعارض الضرران، و يبقى السلطنة المالكية بلا معارض. نعم، مقتضى ما سنذكر في تعارض الضررين من ترجيح الأخفّ، منعه عن اختيار الأكثر، فهو الأشبه لو لا- الإجماع على خلافه- قبل الحجر، و كيف كان فالأولى بل الأحوط ملاحظة النسبة.

الثاني: هل يلحق بالعقود الناقلة الإبراء،

فلم يجز إن كان عليه دين يستوعب إبراء حقّه على من عليه و لم تبرأ ذمّته؟

فيه إشكال، و لا يبعد الإلحاق، لاتحاد المناط و أصالة بقاء الحقّ.

الثالث: إذا أقرّ المديون المذكور بدين آخر أو بما في يده للغير فالظاهر قبوله

قبل الحجر لظهور الإجماع، و لأنّ الإقرار ليس سببا ناقلا بل إخبار عن الواقع، و هو مسموع بالأدلّة القطعية فيما يتعلّق بالضرر على النفس أصالة، و إن كان من لوازمه ما يؤدّى إلى ضرر الغير، كما في نظائر المقام من الأقارير النافذة.

الرابع: هل يختصّ ما ذكرناه بالديون العاجلة، أو يعمّ الآجلة؟

الظاهر: الثاني، إذا علم عدم التمكن من أدائه عند الأجل، لصدق الضرر على المدين بإتلافه عرفا، كما إذا استدان من له بضاعة مائة ألف دينار إلى شهر أو سنة،

125

فوهب المجموع لغيره، فيشمله أدلّة نفي الضرر، بل تقتضيه دليل المقدّمة بالتقريب المتقدّم أيضا، لوجوب إبقاءها لعين ما دلّ على وجوب إتيانها إذا كان ذو المقدّمة واجبا مطلقا، كما في الفرض، فإنّ اشتغال ذمّة المديون بالدين غير مشروط بحلول الأجل، بل و لا وجوب أدائه، فإنّه واجب مطلق، و إنّما الأجل وقت امتثال الفعل، لا وقت تعلّق الوجوب، و فرق بيّن بينهما، كما في قول الآمر: أوجبت عليك أن تفعل غدا كذا، و قوله: سأوجبت عليك أو يجب غدا عليك أن تفعل كذا.

و ما نحن فيه من الأوّل، حسب ما يقتضيه الأدلّة، فيجب عليه بعد تعلّق الوجوب قبل حلول الوقت تحصيل مقدّمات الفعل في وقته، أو إبقاء المقدّمة الموجودة مما يعلم فوته في الوقت و لم يتمكّن منه، فهو من قبيل الأمر بضيافة زيد في المساء، المتوقّفة على تحصيل القرى أو إبقاءها في النهار، و اللّه العالم.

126

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

127

[المشرق السادس] [في بيان حكم المال المجهول مالكه]

مشرق: في بيان حكم المال المجهول مالكه.

اعلم أنّ المال إن كان له مالك معروف فهو، و أسباب الملك كثيرة، كالإحياء و الحيازة، و الإرث، و العقود الناقلة و الاختلاس من أهل الحرب، و الاغتنام، و الاصطياد، و الوصية، و الوقف، و الصدقة، و النذر، و قبض الزكاة، و الخمس، و الدين، و تحليل الإمام (عليه السلام) و إقطاعه، و غير ذلك. و لا يجوز التصرّف فيه إلّا بإذنه، إلّا فيما ورد الإذن فيه من الشرع قهرا، كالشفعة، و المقاصّة للمماطل، و بيع مال الممتنع عن الحقّ الواجب، و رجوع البائع في عين ماله للتفليس مقدّما على سائر الديان، و نحو ذلك، و إن لم يكن له مالك معروف فله أقسام كثيرة أكثرها مضبوطة في كتب الفقهاء بعنواناتها الخاصّة، لها أحكام مخصوصة، كاللقطة، و الكنز و المال المختلط بالحلال و الحرام و غيرها، و لا كلام لنا هنا فيها، بل المقصود هنا بيان ما ليس له عنوان خاصّ من تلك العنوانات، و هو الذي يعبّر عنه بالمجهول المالك على وجه الإطلاق. و النظر إمّا في من يملكه، أو في مصرفه.

أمّا الأوّل: ففي بقائه على ملك مالكه المجهول، أو كونه للفقراء، أو للإمام (عليه السلام)

128

وجوه بل أقوال، أوجهها الأوّل؛ للاستصحاب و عدم الدليل المخرج، و الأخبار الآمرة بالتصدّق به غير منافية له، كما لا ينافيه في اللقطة مع بقاءها على ملك مالكها على المعروف بينهم، بل في رواية عليّ بن حمزة (1) الآمرة بالتصدّق للمالك إشعار ببقائه على ملكه كأكثر كلمات القوم، و دلالة ظاهرة على عدم كونه للإمام (عليه السلام).

و القول بأنّ الأمر بالتصدق لا يلزمه، لاحتمال كونه من باب التصرف بالمالكية، لأنّ له أن يضع ملكه حيث يشاء- مع ما فيه من أن الاحتمال لا يرفع حكم الاستصحاب- مخدوش بأنّ الأصل في الأوامر و تصرّفات النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و الحجج في الخطابات الشرعية، سيما في أمثال أجوبة المستفتين كونها على سبيل التبليغ و الفتوى، دون الإمامة و الرئاسة أو القضاء و الحكومة، كما صرح به الشهيد في قواعده (2)، لأنّه الأغلب في الخطابات، و قلّ ما يتّفق خلافه فيها، و هو المعهود من طريقة السلف من أصحابهم و تابعيهم و من لحقهم من العلماء في فهم مرادهم و بناء عملهم عليه فالأغلبية- خصوصا بملاحظة طريقة الحاضرين و سيرة العلماء- قرينة ظاهرة على إرادة التبليغ، فحيث لا قرينة بالخصوص يحمل الخطاب عليه. و كون القرينة ظنّية لا ضير فيه، لصدق كونه ظنا مستفادا من كلام المعصوم (عليه السلام)، و صلاحية الغلبة المذكورة لاستناده إليها في تفهيم مراده، و هو حجّة. بل لا يبعد القول بأنّ إرادة خلافه مع ظهوره في الفتوى إغراء قبيح.

____________

(1) الظاهر أنّه رواية عليّ بن أبي حمزة الذي استأذن من أبي عبد اللّه (عليه السلام) لصديق له من كتّاب بني أميّة؛ راجع الوسائل 17: 199، الباب 47 من أبواب ما يكتسب به، الرواية 22343.

(2) القواعد و الفوائد 1: 215.

129

و لأمر ما أفرط بعضهم (1) و قال: قوله (عليه السلام): «من أحيا أرضا ميتة فهي له» (2)، تبليغ أو إفتاء، فيجوز الإحياء لكلّ أحد في زمان الحضور، أذن الإمام (عليه السلام) فيه أم لا.

و أجيب عنه بأنّ اشتراط الإذن يعلم من دليل خارج، لا من هذا الدليل. و قال آخر:

قوله (عليه السلام) لهند بنت عتبة امرأة أبي سفيان- حيث قالت له: إنّ أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني و ولدي ما يكفيني-: «خذي لك و لولدك ما يكفيك بالمعروف» (3). افتاء.

فيجوز المقاصّة للمماطل و لو بغير إذن الحاكم.

و مما يؤيّد بل يدلّ على عدم كونه مال الإمام (عليه السلام) عدم ذكره في كلماتهم في عداد الأنفال، المشعر باتفاقهم عليه، سيما مع عدم إشعارهم في الحكم بالتصدّق به لكونه له (عليه السلام)، كما ذكروه في إرث من لا وارث له، و منه ينقدح ظهور النصوص الحاصرة للأنفال بغير المال المجهول في خروجه عنها.

و ما في جملة منها من الأرض التي جلى أو باد أهلها، فالمراد به ما من الأرضين التي انقطعت عنها أيدي الكفار، كما يدلّ عليه سوق الأخبار، فإنّ منها ما يعمّ المسلمين، و هي المأخوذة عنهم قهرا و عنوة، و منها من الأنفال المختصّ بالنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و الإمام (عليه السلام)، و هي ما لم يكن فيها هراقة دم و لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب، بأن جلى أهلها أو صولحوا و أعطوا بأيديهم. فمقتضى النصوص أنّ تلك الأرض بهذا العنوان من الأنفال، لا من حيث كونه مجهول المالك، و لذا اختصّت

____________

(1) كذا، و الظاهر: و لهذا الأمر أفرط بعضهم؛ و القائل على ما في حاشية القواعد و الفوائد (المصدر السابق) هو ابن سعيد الحلّي في الجامع.

(2) وسائل الشيعة 25: 411: الباب 1 من أبواب إحياء الموات، الرواية 32240 و 32244.

(3) بحار الأنوار 75: 231.

130

بالأرض، و يعمّ معروف المالك، و يومئ إليه تقييدها بعدم حمل خيل و لا ركاب عليها، أو بعدم هراقه دم فيها، و العطف عليها في أكثرها بقوله: «أو قوم صولحوا و أعطوا بأيديهم»، و نحو ذلك مما هو ظاهر بل صريح في كون المقصود منها أرض الكفار، فلا يتمّ الاستدلال بتلك الأخبار على كون مال المجهول المالك من الأنفال.

و نحوه التمسّك عليه برواية داود بن أبي زيد (1) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): إني قد أصبت مالا، و إنّي قد خفت فيه على نفسي، فلو أصبت صاحبه دفعته إليه و تخلّصت منه، فقال (عليه السلام): «لو أصبته كنت تدفعه إليه»؟ قلت: أي و اللّه، فقال (عليه السلام): «و اللّه ما له صاحب غيري»، قال: فاستحلفه أن يدفعه إلى من يأمره، قال: «فحلف» قال:

«فاذهب و قسّمه في إخوانك و لك الأمن مما خفت فيه»، قال: فقسّمه بين إخوانه، نظرا إلى عمومه بترك الاستفصال الشامل لمجهول المالك.

و يضعف بشموله اللقطة أيضا، و هي ليست للإمام (عليه السلام) اتفاقا، فيحتمل قريبا أن يكون المراد منه ما هو العائد إليه من ديوان السلاطين و الولاة الذين كانوا في عصر الإمام (عليه السلام)، أو كان ينتهي إليه على ما يقتضي الاعتبار من شيوعه في أزمنتهم، و هو غالبا للإمام (عليه السلام) لكونه من الأخماس أو الأنفال أو مال الخراج الذي ولايته له (عليه السلام) بل في عدّة من المعتبرة أنّ كلّما في يد الناصب مال الإمام (عليه السلام).

و أمّا الثاني: فالمعروف بين الأصحاب أنّه يتصدّق به على فقراء الشيعة بعد الجهد في طلب المالك و اليأس عنه، للمستفيضة من الأخبار (2).

و منها صحيحة يونس؛ كنّا مرافقين لقوم بمكّة و ارتحلنا عنهم و حملنا ببعض متاعهم بغير علم، و قد ذهب القوم و لا نعرفهم و لا نعرف أوطانهم و قد بقى المتاع

____________

(1) وسائل الشيعة 25: 450، الباب 7 من أبواب اللقطة، الرواية 32331.

(2) الكافي 5: 309، الرواية 22.

131

عندنا فما نصنع به؟ قال: فقال: «يحملونه حتّى يلحقوهم بالكوفة». قال يونس:

فقلت له: لست أعرفهم و لا ندري كيف نسأل عنهم، فقال (عليه السلام): «نعم و أعط ثمنه أصحابك» قال: فقلت: جعلت فداك، أهل الولاية؟ قال: «نعم».

و رواية على بن حمزه (1)، و فيها: إنّي كنت في ديوان هؤلاء القوم- يعني بني أميّة- فأصبت من دنياهم مالا كثيرا، و أغمضت من مطالبه- إلى أن قال (عليه السلام)-: «فاخرج من حيث اكتسبت من ديوانهم، فمن عرفت منهم رددت عليه ماله، و من لم تعرف تصدقت له» الحديث. و غيرهما.

و ما في جملة من الأخبار من الأمر بتركه على حاله، فهو ظاهر فيما لم يعلم له مالك، و هو للإمام (عليه السلام) من باب ميراث من لا وارث له، يفعل به ما يشاء، أو فيما لم يحصل اليأس عن مالكه بعد عادة، و تلك الأخبار و إن اختصّت بغير الأرض و لكن يتمّ العموم بالإجماع المركّب في جواز التصدّق.

و هل يشترط التصدّق في زمان الغيبة بإذن الحاكم و تعيينه المستحقّ؟

مقتضى الأصل و إطلاق الأمر في غير الأراضي عدمه، كما في اللقطة، و إن كان الأحوط كونه بتعيينه أو إذنه مطلقا، بل لا يبعد المصير إليه فيما ليس عليه يد أحد، لخروجه عن موارد الأمر.

و مستحقّه جنس الفقير، كما في الزكاة و الوقف العامّ، لا الكلّ على الإشاعة، فلا بدّ من تعيينه للدفع إليه، و لا دليل على جوازه للفقير نفسه، و لا لأحد آخر غير الفقيه المأمون، لكونه المتيقّن، فيقتصر عليه.

و من هذا يظهر قوّة احتمال اشتراط إذن الحاكم في الأراضي العامرة المجهول مالكها مطلقا، و إن كانت في تصرّف غيره، لخروجه عن موارد الأخبار، و عدم

____________

(1) وسائل الشيعة 17: 199، الباب 47 من أبواب ما يكتسب به، الرواية 22343.

132

ثبوت الإجماع المركّب هنا، فيقتصر على موضع اليقين، و هو التصدّق بإذن الحاكم.

و هل للحاكم أو المتصرّف استرباح المال و إجارته و التصدّق بالمنفعة؟

مقتضى النظر عدم جوازه في غير الأراضي و العقار، بل يجب المبادرة بالتصدّق بالعين، بعد بذل الجهد في طلب المالك و حصول اليأس عنه، إلّا لضرورة، كعدم وجود المستحقّ و نحوه، لا للأمر بالتصدّق، لعدم اقتضائه الفور، بل لأنّ إبقاء اليد على مال الغير و التصرف فيه زائدا على قدر ما يتصدّق به من المدة يحتاج إلى إذن المالك أو الشارع، و الأوّل متعذّر، و الثاني غير ثابت.

و أمّا الأرض المجهول المالك فالأخبار خالية عن ذكرها، و الإجماع البسيط أو المركب لم يثبت إلّا على جواز التصدّق به دون وجوبه، فما لم يتصدّق به كان للحاكم، بل عليه حكومة أو ولاية إجارتها و نحوها من وجوه الاستنفاع و التصدق بالمنفعة، صونا عن فوتها، و حفظا عن ضياع المال المحترم.

ثمّ إن تصدّق بالعين و ظهر المالك، فإن رضي بما فعل فهو، و إلّا ففي الضمان و عدمه قولان، أحوطهما الأوّل، و أشبههما الثاني.

133

[المشرق السابع] [في أحكام الأراضي الخراجية]

مشرق: في أحكام الأموال الخراجية، و هي من مهمّات المسائل و فروعها سيما بالنسبة إلى زمان الغيبة كثيرة، و الحاجة إليها شديدة، و وقع في كثير منها الخلاف بين أصحابنا، و قلّ منهم من استقصاها، فرأيت أن أبيّن جلية الحال فيها.

فنقول: المراد بالخراج ارتفاع تلك الأراضي، و كثيرا ما يطلق و يراد به خصوص ما يضرب عليها من المال، كالطسق و القبالة، و بالمقاسمة الحصّة المعينة من الحاصل، كالعشر و نحوه، و هما بمنزلة الأجرة يضربان على الأرض الخراجية و أشجارها.

و في المقام أبحاث:

البحث الأوّل: في بيان المعنى المقصود من الأرض الخراجية و شرائطها،

و هي المفتوحة أي المأخوذة عنوة و قهرا عن الكفار، أو المأخوذة بالصلح من أيديهم، بأن يكون الأرض للمسلمين و لهم السكنى، و حكمها أنّها من المسلمين قاطبة، يصرف ارتفاعها في مصالحهم، كما سيأتي. و يشترط في المفتوحة عنوة أمران

134

أحدهما: كون الأرض عامرة وقت الفتح، صرّح به أكثر الأصحاب، و لعلّ من أطلق أراد العامرة، تعويلا على بيان الباقين، أو تنزيلا على الغالب مما في اليد، و عن بعضهم نفى الخلاف عنه و وجه التخصيص أنّ البائرة من الموات، فلا هي قبل الفتح ملك الكفار، و لا بعده للمسلمين، بل هي من الأنفال المختصّة للإمام (عليه السلام) مطلقا، حلّلها لمن أحياها.

و ثانيهما: كون القتال و الاستغنام بإذن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أو الإمام الحقّ، و إلّا فهي من الأنفال. حكي عن المبسوط (1) و الفاضل و نجله لرواية مرسلة (2).

و استشكله في الكفاية (3) لضعف المستند، مع أنّه لو سلّم أنّ المفتوح بغير إذنه للإمام، فهو أباحه لشيعته.

و قال والدي العلّامة (4): إنّ الأصل فيما فتح بغير إذن الإمام، و إن كان كونه من الأنفال، إلّا أنّ الإمام (عليه السلام) المالك للأنفال، أجرى على الأراضي المفتوحة عنوة بعد زمان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بأجمعها حكم المفتوحة بإذنه، كما في الصحيح عن سيرة الإمام (عليه السلام) (5) في الأرض التي فتحت بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فقال: إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قد سار في أهل العراق بسيرة، فهي إمام لسائر الأرضين بضميمة ما في صحيح الحلبي عن السواد: ما منزلته؟ فقال: هو لجميع المسلمين، لمن هو اليوم، و لمن

____________

(1) المبسوط 2: 34.

(2) قال في المبسوط (نفس الموضع): «و على الرواية التي رواها أصحابنا أنّ كلّ عسكر أو فرقة غزت بغير أمر الإمام فغنمت يكون الغنيمة للإمام خاصّة ..» و نقل رواية بهذا المضمون في التهذيب 4: 135، الرواية 378.

(3) كفاية الأحكام: 75، كتاب الجهاد.

(4) مستند الشيعة 2: 354.

(5) وسائل الشيعة 15: 153، الباب 69 من أبواب جهاد العدوّ، الرواية 20193.

135

دخل في الإسلام بعد اليوم، و لمن لم يخلق. الحديث (1).

و ربما ينزّل على هذا قولهم بأنّ أرض السواد مفتوحة عنوة، أي في حكمها بترخيص الإمام و إباحته، لا أنّها مفتوحة بإذنه.

و استظهر في الكفاية كون الفتح بإذنه (عليه السلام)، لأنّ الفتوح التي وقعت في زمن عمر، كان بإذن أمير المؤمنين (عليه السلام)، فإنّ عمر كان يشاور الصحابة- خصوصا أمير المؤمنين (عليه السلام)- في تدبير الحروب و غيرها، و كان لا يصدر (2) عن رأي علي (عليه السلام)، و نقل مصاحبة الحسنين (عليهما السلام) للعسكر. و كيف كان، فالظاهر بمقتضى النصّ الصحيح، أنّ حكم تلك الأراضي المفتوحة بغير إذن الإمام (عليه السلام) حكم المفتوحة عنوة، سواء قلنا باشتراط إذنه في صدق العنوان أم لا.

البحث الثاني: لا خلاف في أنّ قبالة الأراضي الخراجية لعموم المسلمين، و لا يختصّ بها المقاتلين،

بل يشاركهم غيرهم، يصرف في مصالحهم العامّة، أي الجهة الغير المقصورة على أحد أو طائفة منهم، و إن لم يستوفها الجميع، كسدّ الثغور و تقوية المجاهدين و بناء القناطر و المساجد و مئونة القضاء و تعمير المدارس و أمثال ذلك، مما لم يتعلّق الغرض فيه بمصلحة أعيان طائفة دون أخرى.

و به صرّح مرسلة حماد (3) الطويلة، و هذا هو المراد من قولهم: يختصّ تلك الأراضي بالمسلمين في الأخبار المستفيضة و كلمات الطائفة، كما صرّح به بعضهم قائلا بأنّ المراد بكونها للمسلمين أنّ الإمام (عليه السلام) يأخذ ارتفاعها و يصرفه في مصالحهم على حسب ما يراه، لا أنّها ملك الجميع بالإشاعة ضرورة بطلانها، و لا أنّها من قبيل

____________

(1) وسائل الشيعة 17: 369، الباب 21 من أبواب عقد البيع و شرائطه، الرواية 22767.

(2) الظاهر كلمة «لا يعدو» بدل كلمة «لا يصدر».

(3) التهذيب 4: 128.

136

ملك الزكاة للفقراء فيملكها من عيّنه الإمام (عليه السلام)؛ لمنافاته لظاهر الإجماع و ظواهر الأخبار، و لا من قبيل الوقف على الفقراء الذي يملكها الجنس، فتعيينه للناظر في ضمن من شاء من الأفراد، لجواز تخصيصه المنفعة للبعض كيف شاء، و لا هكذا مورد البحث، بل يشبه أن يكون نظير الوقف على الجهة، كالوقف على المسجد و على المشاهد المقدّسة و نحوهما، على ما هو مختارنا فيه، من عدم كونه ملكا لأحد، بل هو محبوس على صرف منفعته على الجهة الموقوفة عليها العائدة لعامّة المسلمين.

و هل يجب الخمس في ارتفاع تلك الأراضي، كما في المحكي عن ظاهر جماعة و صريح الحلّي (1) و خمس الشرائع (2) و الفاضل في المنتهى (3) و المحقق الأردبيلي (4) و والدي العلّامة (5) فيه وجهان.

البحث الثالث: تولية أرض الخراج و النظر فيها مع ظهور الإمام (عليه السلام) و استقلاله،

له (عليه السلام) يصنع فيها على حسب ما يراه، و يقبلها من يريد بالإجماع و النصوص، كصحيحي البزنطي و محمد (6)، و رواية صفوان (7) و غيرها.

____________

(1) السرائر 1: 477.

(2) شرائع الإسلام 1: 205.

(3) المنتهى 2: 938.

(4) مجمع الفائدة و البرهان 7: 471.

(5) مستند الشيعة 2: 359.

(6) وسائل الشيعة 15: 157، الباب 72 من أبواب جهاد العدوّ، الرواية 20204؛ و 156، الباب 71: الرواية 20198.

(7) نفس المصدر: الرواية 20203.

137

و أمّا في زمان الغيبة أو عدم استقلال الإمام الحقّ (عليه السلام)، ففي توقّف التصرف على إذن السلطان الجائر مطلقا، كما قيل، بل في الكفاية (1) عن بعضهم اتّفاق الأصحاب عليه، و على تولّي الجائر لأخذ الخراج و المقاسمة و التصرف فيهما، أو عليه مع عدم الإمكان و التمكّن بدون إذنه كما في المسالك، أو جواز التقبيل بإذنه مطلقا كما هو ظاهر الأكثر، أو جوازه كذلك مع عدم الإمكان بدون إذنه، بحيث لا يمكن الاستنقاذ من أيديهم و التخلّص من ذمّتهم، و إلّا فيحرم، كما عن بعضهم، أو عدم جواز ذلك في حال، كما مال إليه مولانا الأردبيلي (2).

ثمّ على القول بعدم التوقّف على إذنه أو عدم جوازه مطلقا، أو مع عدم الإمكان ففي توقّفه على إذن الحاكم نيابة عن الإمام (عليه السلام) مطلقا أو مع تمكّنه في صرفها على وجهها، كما ذهب إليه الشهيد الثاني (3) و غيره، أو عدم التوقّف عليه، و لكن جاز له و لكلّ من الشيعة خاصّة التصرف فيها و تقبيلها مع الإمكان و إلّا فللشيعة التقبيل من الجائر أيضا، كما اختاره والدي (4)، و نقل جواز تصرّف الشيعة مطلقا عند استتار الإمام (عليه السلام) عن ظاهر الشيخ في التهذيب (5)- أقوال.

و حقّ المقال في تحقيق الحال: أنّه لا شكّ و لا خلاف في أنّ النظر و التولية لهذه الأملاك حقّ الإمام الحقّ (عليه السلام) أصالة. و يدلّ عليه- مضافا إلى الإجماع- ما في المعتبرة، كصحيح البزنطي (6): «ما أخذ بالسيف، فذلك للإمام (عليه السلام)، يقبله بالذي يرى،

____________

(1) كفاية الأحكام: 75.

(2) مجمع الفائدة و البرهان 7: 488.

(3) مسالك الأفهام 3: 142.

(4) مستند الشيعة 2: 354.

(5) التهذيب 4: 143.

(6) وسائل الشيعة 15: 157، الباب 72 من أبواب جهاد العدوّ، 20204.

138

كما صنع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بخيبر قبّل سوادها و بياضها»، و غيره.

و كذا لا شك، بل لا خلاف- ظاهرا- في أنّ الأصل فيما فيه الولاية للإمام (عليه السلام) إذا دعت الضرورة إلى مداخلة غيره في غيبته، كونها للفقيه العدل بحقّ النيابة، إلّا ما خرج بدليل، بل في تضاعيف كلمات أكثرهم عدم الاستثناء.

و يدلّ عليه- مضافا إليه- عمومات النيابة و لو بتراكمها و تعاضد بعضها بعضا، ككونه وارث الأنبياء (1) و أمين الرسل (2) و خليفة الرسول (3)، و حصن الإسلام (4) و مثل الأنبياء و بمنزلتهم (5) و الحاكم (6) و القاضي (7) و الحجة من قبلهم (8)، و أنّه المرجع في جميع الحوادث (9)، و أنّ على يده مجاري الأمور و الأحكام (10)، و أنّه الكافل لأيتامهم (11)، و أمثال ذلك. كلّ ذلك في الروايات المتكثرة التي أكثرها معتبرة، و الباقي بالشهرة منجبرة.

فينقدح من هذين الأمرين: أنّ الأصل كون التولية و التقبيل للنائب العامّ في غيبة

____________

(1) وسائل الشيعة 27: 78، الباب 8 من أبواب صفات القاضي، الرواية 33247.

(2) الكافي 1: 46، الحديث 5.

(3) وسائل الشيعة 27: 139، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الرواية 33422.

(4) بحار الأنوار 82: 177، الباب 20، الحديث 18.

(5) «علماء أمّتي كأنبياء بني إسرائيل»؛ عوالي اللآلي 4: 77، الحديث 67؛ و عنه البحار 2: 22، الحديث 67؛ و نقله في المستدرك 17: 320، الحديث 21468؛ نقلا عن العلّامة الحلّي في التحرير.

(6) وسائل الشيعة 27: 136، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الرواية 33416.

(7) نفس المصدر: 139، الرواية 33421.

(8) نفس المصدر: 140، الرواية 33424.

(9) نفس المصدر.

(10) تحف العقول: 238؛ و عنه البحار 100: 80، الحديث 37.

(11) مستدرك الوسائل 17: 318، الرواية 21461؛ و 320، الرواية 21466.

139

الإمام (عليه السلام)، إلّا إذا ثبت الإذن لغيره بدليل، و من يحتمل له الإذن بملاحظة أقوال المسألة، إمّا آحاد الشيعة أو السلطان الجائر، و الأوّل غير ثابت لعدم دليل معتبر عليه، و إن قلنا بكون من في يده أحقّ من غيره كما سيجيء. و به صرّح في المسالك (1) قائلا: و ليس هذا من باب الأنفال التي أذنوا لشيعتهم في التصرف فيها حال الغيبة، لأنّ ذلك حقّهم، فلهم الإذن فيه مطلقا، بخلاف المفتوحة عنوة، فإنّها للمسلمين قاطبة، و لم ينقل منهم الإذن في هذا النوع.

و الاعتراض عليه بأنّ ما للمسلمين هو منافع هذه الأرضيين أو مع رقبتها، و أمّا التصرف و التقبيل فحقّ الإمام (عليه السلام)، و يكون له الإذن في هذا الحقّ للشيعة، و ثبت الإذن منهم بالعمومات الدالّة على أنّ ما كان لنا فهو لشيعتنا (2)، و أنّ كلّ من والى آبائي فهم في حلّ ممّا في أيديهم من حقّنا، و أنّا أحللنا شيعتنا من مظلمتنا التي يعيش الناس في فضلها (3)، و نحو ذلك، حيث إنّ التصرف في تلك الأراضي كان لهم و حقّ لهم، و تقبيل الناس بها مظالم للأئمة (عليهم السلام)، فيكون حلالا للشيعة بمقتضى تلك النصوص.

يندفع بأنّه لو سلّم جواز الإذن لهم لجميع آحاد الشيعة في مثل هذا الأمر الذي هو من باب الرئاسة و الولاية العامّة، فيما يتعلّق بمصلحة جميع المسلمين، فتلك العمومات قاصرة عن إفادة هذا الإذن، لظهورها بحكم التبادر في الحقوق المالية من الأعيان و المنافع، لا فيما يشمل حقّ الولاية و الرئاسة.

____________

(1) مسالك الأفهام 1: 122.

(2) الكافي 1: 409، الرواية 5.

(3) وسائل الشيعة 9: 539، الباب 3 من أبواب الأنفال، الرواية 12668؛ و 549، الباب 4، الرواية 12681 و 12682.

140

و أمّا السلطان الجائر، فلا ينبغي الريب في حرمة تصرّفه و تقبيله، و لعلّه إجماعي، كما حكاه بعضهم، كيف و هو حقّ الإمام، و قد تولّاه غصبا و عدوانا، مانعا لمستحقّه و أهله عنه، فما في الكفاية- من منع الحرمة بعدم ثبوتها إذا كان غرضه جمع حقوق المسلمين- في غاية الحزازة، فإنّ أصل الجمع حقّ إمام المسلمين أيضا، لا يجوز لغيره التصدّي له إلّا بإذنه، بل لو سلّم الإذن، فالحكم بجواز عمل الجائر مشكل أيضا، لاختلاف وجوه العمل و أحكامه باختلاف النيّات، و من الظاهر أنّ عمل الجائر ليس من باب الوكالة و الرخصة من صاحب الحقّ، بل من جهة الاستحقاق و الاستخلاف، فهو متفرّع على الخلافة المغصوبة، و جواز التقبّل منه في غير صورة الاستنقاذ و تخليصه من يد الغاصب غير مسلّم، و لو سلّم فهو لا يستلزم جواز التقبيل له، كما في إطعام الغاصب الطعام المغصوب لمالكه مع جهله به، فهو خارج عن عموم حرمة المعاونة على الإثم، مع أنّ إبقاء الجائر يده عليه إثم أيضا، فالإثم واقع على كلّ حال.

و أمّا التقبّل من الجائر مع إمكان التصرّف لمن له الحقّ أو لنائبه، فالحكم بجوازه مشكل أيضا، بل الظاهر عدمه، للأصل و عدم ثبوت المخرج، كما قاله جمع من الأجلّة، و في بعض الصحاح حرمة كسب غير الشيعة ممّا في يده من الأرض (1). و ما في عدّة من الروايات (2) من جواز أخذ الخراج منه بالبيع و الشراء و الحوالة و غيرها، المشعر بجواز التقبّل منه، ظاهر الاختصاص بصورة عدم التمكّن، كما ستعرف.

و مثلها الأخبار المجوّزة المطلقة ظاهرا بشهادة الواقع في زمن الأئمة، بصورة عدم تمكّن الغير، مع أنّ في دلالة أكثرها على العموم تأمّل، لعدم كون الإطلاق فيها

____________

(1) التهذيب 4: 137.

(2) نفس المصدر 6: 336، الرواية 932 و 933؛ و 375، الرواية 1092 و 1094.

141

منساقا لبيان جواز التقبّل من السلطان، بل وقع في جواب السؤال عن حكم الإجارة بعد الاستيجار من السلطان و نحوه، فلا يفيد العموم.

و بالجملة ما دلّ على عموم التقبّل من الجائر و لو مع الإمكان عن أهله غير معلوم الثبوت، فلا يجوز المصير إليه، مع مخالفته للأصول القطعية، سيما مع ما فيه من المعاونة على المعصية و إعانة الظالم و قبح إقامة الباطل.

و أمّا مع عدم إمكان التصرّف بدون التقبّل منه فالظاهر أنّه جائز، بل لعلّه معقد الإجماع، و في الأخبار المتكثرة عليه دلالة ظاهرة.

و دلّ عليه تقريرهم عليه المعلوم من الآثار، بل صحيح الحلبي (1) و رواية عبد اللّه بن محمد (2) تدلّان عليه بتقرير الإمام (عليه السلام). و يؤيّده، بل يدلّ عليه أنّه لولاه لوقع الشيعة غالبا في الحرج و ضاع حقوقهم، كما ذكروه.

فالمعتمد في المسألة أن تولية هذا الأراضي و النظر فيها حال الغيبة للنائب العامّ مع تمكّنه و إمكان التصرّف بدون إذن الجائر، فيتوقّف التصرّف على إذنه، و للجائر مع عدم التمكّن بدون إذنه فيمضى- حينئذ- تقبيله، و حكم تصرّفه فيها حكم تصرّف الإمام العادل (عليه السلام) بالنسبة إلى الرعية.

البحث الرابع: المعروف بين الأصحاب أنّ ما يأخذه السلطان الجائر باسم الخراج و المقاسمة و الزكاة يحلّ أخذه

و تناوله و شراؤه منه، و إن كان ظالما في أخذه و محرما عليه التصرّف فيه. و هو في الجملة لا خلاف فيه ظاهرا، كشفا و نقلا فاستشكال المحقّق

____________

(1) التهذيب 7: 147، الرواية 652.

(2) عبد اللّه بن محمد هو أبو عبيدة الحذّاء و الرواية في التهذيب 6: 375، الرواية 1093.

142

الأردبيلي (1) مندفع به، مضافا إلى لزوم العسر و الحرج للشيعة لولاه، و ظهوره من فحاوي الأخبار و مطاوي الآثار و خصوص النصوص.

منها: صحيح الحذّاء (2) عن الرجل منّا يشتري عن السلطان من إبل الصدقة و غنمها، و هو يعلم أنّهم يأخذون منهم أكثر من الحقّ الذي يجب عليهم، قال: فقال:

«ما الإبل و الغنم إلّا مثل الحنطة و الشعير و غير ذلك، لا بأس به حتى تعرف الحرام بعينه» قيل له: فما ترى في مصدّق يجيئنا فيأخذ صدقات أغنامنا، فنقول بعناها فيبيعناها، فما ترى في شرائه منه؟ قال: «إن كان قد أخذها و عزلها فلا بأس» فقيل له: فما ترى في الحنطة و الشعير، يجيئنا القاسم فيقسم لنا حظنا فيأخذ حظّه فيعزله بكيل، فما ترى في شراء ذلك الطعام منه فقال: «إن كان قد أقبضه بكيل و أنتم حضور ذلك فلا بأس به منه بغير كيل».

و الإيراد: بعدم دلالة قوله: «لا بأس حتى تعرف الحرام بعينه» (3) على جواز شراء الصدقة، بل غايته جواز شراء غير معلوم الحرمة فلا يفيد المطلوب، مدفوع؛ بظهور رجوع الضمير إلى شراء إبل الصدقة المسؤول عنه، مع أنّه لولاه لم يطابق الجواب السؤال.

و ربما يناقش أيضا، باختصاصها بالزكاة، فلا يشمل الخراج، و منع ظهور لفظ القاسم في المقاسمة، سيما بقرينة المقابلة للمصدق، لتحقّق القسمة في صدقات الغلّات أيضا، و احتمال اختصاص لفظ المصدّق عندهم بمن أخذ صدقات الأنعام،

____________

(1) مجمع الفائدة و البرهان 7: 47.

(2) وسائل الشيعة 17: 219، الباب 52 من أبواب ما يكتسب به، باب جواز شراء ما يأخذه الظالم، الرواية 22376.

(3) الكافي 5: 228، الرواية 2.

143

أو كون المأخوذ مال مقاسمة مالك الأرض، حيث قاسمها الزارع لا السلطان، و السؤال باعتبار البيع، اعتمادا على الكيل السابق، و باحتمال كون المصدّق من قبل الإمام العدل أو هو الفقير المستحقّ.

و يضعف الأوّل: بأنّه لو لم نقل بتبادر القاسم سيما في أزمنة المعصومين (عليهم السلام)، بحكم الحدس و الاعتبار في المنصوب من قبل السلطان لأخذ المقاسمة، فيشمله قطعا، فيعمّه الحكم بترك الاستفصال، مع أنّ الظاهر عدم القائل بالفصل بين الزكاة و الخراج.

و الثاني: بكونه بعيدا- كما قيل- بملاحظة حال الأئمّة (عليهم السلام) في زمان صدور الرواية، لاشتداد التقيّة، مع أنّ عموم اللفظ كاف في الدلالة.

و منها: الحسن (1) «و ما منع ابن أبي سمان أن يخرج شباب الشيعة فيكفونهم ما يكفي الناس و يعطيهم ما يعطى الناس» ثمّ قال للراوي: «لما تركت عطاءك»؟

قلت: مخافة على ديني، قال: ما منع ابن أبي سمان أن يبعث عليك بعطائك، أما علم أنّ لك في بيت المال نصيبا»؟ (2) دلّ على جواز أخذ الراوي من بيت المال الذي في أيديهم، الغالب فيه اجتماع وجوه الخراج و المقاسمة، و إنكاره على ابن أبي سمان من منعه عنه.

و منها: ما دلّ على احتساب ما يأخذه السلطان من الزكاة الدال على حكم الخراج بعدم القول بالفصل، كصحيح يعقوب بن شعيب (3)، عن العشور التي يؤخذ من الرجل أ يحتسب به من زكاته؟ قال: «نعم، إن شاء اللّه».

____________

(1) التهذيب 6: 336، الباب 22، الرواية 54.

(2) وسائل الشيعة 17: 214، الباب 51 من أبواب المستحقين، الرواية 22361.

(3) نفس المصدر 9: 251، الباب 20 من أبواب المستحقين، الرواية 11952.

144

و صحيح الحلبي (1): عمّا يأخذه السلطان من صدقة المال، فقال: «لا أمرك أن تعيد».

و مرسل محمد (2): عن الرجل يؤخذ منه هؤلاء زكاة ماله أو خمس غنيمته أو خمس ما يخرج له من المعادن، أ يحسب ذلك في زكاته و خمسه؟ قال: «نعم».

و غير ذلك من النصوص.

و منها: موثق سماعة (3)، عن شراء الخيانة و السرقة، قال: «إذا عرفت أنّه كذلك فلا، إلّا أن يكون شيئا تشتريه من العمال».

و خروج أفراد معلوم السرقه و الخيانة من العمل أيضا غير ضائر للباقي، بل الظاهر أنّ مفروض البحث هو الفارق الموجب للتفصيل، و إلّا كان الفصل خاليا عن التحصيل، و منع صدق الخيانة على المفروض سخيف، فإنّه لا خيانة أعظم من التصرّف في حقّ الإمام بغير حقّ و مال جميع المسلمين.

و منها: حسن محمّد و أبي بصير (4)، قالا له: هذه الأرض التي تزارع أهلها، ما ترى فيها؟ فقال: «كلّ أرض دفعها إليك سلطان فما حرثته لها، فعليك فيما أخرج اللّه تعالى منها الذي قاطعك عليه، و ليس على جميع ما أخرجه اللّه سبحانه فيها العشر، إنّما العشر عليك، فيما تحصل في يدك بعد مقاسمته لك».

و منها: رواية محمد (5) عن الرجل يتكاري الأرض من السلطان بالثلث أو

____________

(1) وسائل الشيعة 9: 253، الباب 20 من أبواب المستحقين، الرواية 11956.

(2) نفس المصدر: 254، الرواية 11958؛ و 508، الباب 12، الرواية 12599.

(3) الفقيه 3: 227، الباب 2، الرواية 3841.

(4) وسائل الشيعة 9: 188، الباب 7 من أبواب زكاة الغلات، الرواية 11806.

(5) التهذيب 7: 202، الباب 22، الرواية 35.

145

النصف، هل عليه في حصّته زكاة؟ قال: «لا»، دلّ على خروج ما قاطعه عليه السلطان من ملكه، و إلّا كان عليه زكاته.

و منها: صحيح الحلبي (1): لا بأس أن يتقبّل الرجل الأرض و أهلها من السلطان.

و قريب منه ما رواه الثلاثة مسندا إلى إسماعيل بن فضيل و غيره.

و قد يستدلّ أيضا بإطلاق ما دلّ على جواز الشراء من الظلمة، و خصوص الموثّق: عن الرجل يشتري من العامل و هو يظلم، فقال: «يشتري منه ما لم يعلم أنّه ظلم فيه أحدا» (2) حملا للظلم على الزائد عن المتعارف عرفا، و إطلاق المستفيضة (3) الدالّة على إباحة جوائز الظلمة.

و يضعّف بأنّ الحمل المذكور و الصرف عن الظاهر، مع ما فيه من الركاكة، لا وجه له، فهي ظاهرة في غير معلوم الحرمة.

ثم إنّ المستفاد من تلك الأدلّة حلّية المأخوذ من الجائر من مال الخراج في الجملة. و يقع الإشكال في مقامات:

منها: أنّ جواز رفع المالك مال الخراج إلى الجائر، هل هو مخصوص بصورة عدم التمكّن من المنع، أو يجب عليه مطلقا، فلا يجوز له جحد شيء منه، و لا منعه و لا سرقته.

نقل المحقّق الثاني في الرسالة الخراجية (4): القول بالإطلاق عن كثير من معاصريه،

____________

(1) التهذيب 7: 201، الرواية 34.

(2) نفس المصدر 6: 375، الباب 22، الرواية 214.

(3) وسائل الشيعة 17: 214، الباب 51 من أبواب المستحقين، الرواية 22359 و 22360.

(4) رسائل المحقق الكركي 1: 267.

146

و هو ظاهر جمع آخر.

و في الكفاية (1) عن بعضهم: الاتفاق عليه، و تأمّل هو فيه.

و عن آخرين براءة الذمّة بالدفع إجبارا، و مقتضاه عدم جوازه مع التمكّن، و به صرّح الشيخ إبراهيم القطيفي فيما نقل عنه، و اختاره والدي العلّامة و المحقّق القمّي؛ اقتصارا فيما خالف الأصل و النقل على ما ثبت فيه الإجماع و النصّ، و هما في الفرض غير معلومين، بل معلوم العدم.

أمّا الأوّل: فظاهر، بل عن ظاهر الشيخ المتقدّم دعوى الضرورة الدينية على خلافه. و إطلاق كثير من الفتاوى محمول على صورة عدم التمكّن بحكم الغلبة بل الاطّراد، و لا أقل من عدم ثبوت الاتفاق به، سيما مع مخالفة هؤلاء.

و أمّا الثاني: فلعدم الدلالة إلّا باعتبار ظاهر العموم المستفاد من ترك الاستفصال في بعضه، و إفادته في المقام بعد ظهور المسؤول عنه في صورة الخوف و عدم التمكّن، بل انحصار الواقع فيها ممنوعة، مع أنّ صحيح العيص (2) في الزكاة الدالّة على حكم الخراج بعدم القول بالفصل على ما ذكره بعض الأجلّة «ما أخذ منكم بنو أميّة فاحتسبوا به و لا تعطوهم شيئا ما استطعتم» يخصّصه بها على فرض العموم، كما يخصّص به عموم صحيح الشحام (3) المانع عن الاحتساب- مطلقا- بصورة التمكّن.

و هل يجوز الأخذ من الجائر بعد دفع المالك إليه اختيارا؟ فيه إشكال، و إن كان مقتضى ما ذكر عدمه ظاهرا، و لعلّه لا إشكال في جوازه إذا كان المالك متديّنا بدين

____________

(1) كفاية الأحكام: 75.

(2) وسائل الشيعة 9: 252، الباب 20 من أبواب المستحقين، الرواية 11954.

(3) نفس المصدر: الرواية 11957.

147

الجائر، أو لم يعلم حال المالك من الاختيار و الاضطرار و التمكّن من الجحد و عدمه.

و منها: أنّه هل يشترط رضى المالك و الاستيذان منه؟

الظاهر لا فيما يحتسب لخروجه عن ملكه في مال الخراج، و إلّا لم يحصل له البراءة منه.

و منها: أنّه هل يختصّ جواز الأخذ و الحلّ بغير الشراء لمستحقّ الخراج، كما هو صريح الوالد و الفاضل المتقدّم و محتمل بعضهم، أو يعمّ غيره كما هو ظاهر جماعة؟ (1) المعتمد الأوّل، للأصل و عدم الدليل، و الحسن المتقدم ليس بذلك الصريح، بل و لا الظاهر في العموم في مقابل ما دلّ على خصوص مصارفه، و أمّا بالشراء فيعمّ المستحقّ و غيره من غير خلاف.

و منها: أنّه هل يقتصر في الحكم بالصحّة بالشراء من الجائر الذي هو مورد النصوص و بما بعد قبضه أو قبض وكيله الذي اشترطه في صحيح الحذاء المخصّص لإطلاق غيره، و احتمله المولى الأردبيلي، و توقف فيه بعضهم، أو يعمّ غير الشراء من المعاوضات و ما قبل القبض، كما هو ظاهر جماعة؟

مقتضى الأصل الأوّل، إلّا إذا ثبت الإجماع على العموم، كما عزّاه بعضهم إلى الأصحاب من غير خلاف، و آخر إلى إجماع علمائنا و روايات أصحابنا.

و كيف كان فالأحوط الأوّل، نعم، في حكم القبض الحوالة و الدلالة على المالك في الإعطاء بغير معاوضة، لإطلاق الحسنة الأولى و غيرها، لكن بشرط استيلاء الجائر و عدم تمكّن المالك من منعه عنه.

و منها: أنّه هل يجوز أخذ الزائد على القدر المعتاد في ذلك الزمان أو المعتبر في

____________

(1) مستند الشيعة 2: 358.

148

أصل الشرع أم لا، بمعنى حرمة الجميع، كما يظهر من جماعة، لخروجه بالزيادة عن المسمّى فيحرم الجميع أو يحرم القدر الزائد خاصة، و هو الأشبه.

و منها: أنّه هل يشترط أن يكون الجائر مخالفا لمذهب الحق، كما مال إليه الشهيد الثاني (1) و جماعة أو يعم الموافق كما للآخرين؟

الأصحّ الأوّل، اقتصارا فيما خالف الأصل على مورد النصوص، و هي مخصوصة بالمخالف، لأنّه المسؤول عنه و المدلول عليه بالقرائن التفاتا إلى ما وقع في الواقع أو الغالب.

البحث الخامس: اختلفوا في جواز بيع الأراضي الخراجية على أقوال:

أحدها: صحّته للمتصرّف مطلقا، حكي عن الشيخ في التهذيب (2)، لتحقّق القسمة فيها للبائع، لأنّها أراضي المسلمين.

و ثانيها: عدمها كذلك، نسب إليه في المبسوط (3) قائلا فيه: لا يصحّ بيع شيء من هذه الأرضين و لا هبته و لا معاوضته و لا تمليكه و لا وقفه و لا رهنه و لا إجارته و لا إرثه و لا يصحّ أن يبنى عليها دور و منازل و مساجد و سقايات و غيرها من أنواع التصرف الذي يتّبع الملك، و متى فعل شيء من ذلك كان التصرف باطلا و هو باقيا على الأصل.

و ثالثها: صحّته في بنيانها و حقّ تصرّفها لا في نفس رقبتها، لا مستقلة و لا تبعا لآثار المتصرف، اختاره الحلّي و يظهر من الفاضلين، و اعتمده والدي العلّامة (4)، إلّا

____________

(1) مسالك الأفهام 3: 141.

(2) التهذيب 7: 147، الحديث 652.

(3) المبسوط 3: 34.

(4) السرائر 1: 478؛ المنتهى 2: 934؛ إيضاح الفوائد 1: 365؛ الشرائع 1: 181؛ مستند الشيعة 2: 358.

149

أنّه قال: يملك المشتري بتبعيّة بيع الآثار حقّ التصرف فيها إذا تبعت (1) الآثار كائنة فيها، و كان مقصودهما بقاء الآثار فيها.

و رابعها: صحّته في نفس الرقبة تبعا لآثار المتصرّف من بناء أو غرس أو زرع و نحوها، لا مستقلة بل مستدامة بدوامها فإذا ذهبت انقطع حقّ المشتري في البيع و الموقوف عليه في الوقف و غيرهما، استقواه الشهيد الثاني (2) و نسبه إلى جمع من المتأخّرين.

و خامسها: منع البيع و الوقف و غيرهما فيها حال ظهور الإمام (عليه السلام) و جوازها في الغيبة. ذهب إليه الشهيد في الدروس (3).

و يظهر من تلك الأقوال وقوع الخلاف في جواز وضع الآثار فيها أيضا، و منشأ اختلاف الأقوال اختلاف الروايات و إجمال كثير منها ظاهرا.

و الذي يظهر لي من تضاعيف الأخبار أنّ تلك الأراضي و إن كانت للمسلمين كافة، إلّا أنّه يملكها المتصرف بالتعمير و القيام عليها و وضع الآثار فيها، نظير أرض الموات التي هي ملك الإمام (عليه السلام) و يملكها المحيي، لكن ملكيتها للمتصرف ليست على حدّ ملكية سائر الأملاك، بل هي ممتدّة إلى زمان العمارة، فإذا زالت انقطع حقّه، و هو ما صرّح به شيخنا الشهيد، و عليه خراجها ما دام في يده و لو بعد التملك، فيجوز له بيعها و شراءها.

____________

(1) بيعت (خ).

(2) مسالك الأفهام 3: 56.

(3) الدروس الشرعية 2: 41؛ و أيضا جامع المقاصد 7: 10.

150

فمن الأخبار الظاهرة في ذلك صحيح محمد (1) عن الشراء من أرض اليهود و النصارى فقال: «ليس به بأس، و قد ظهر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) على أرض أهل خيبر فخارجهم على أن يترك الأرض في أيديهم يعملونها و يعمرونها، و ما بها بأس إذا اشتريت شيئا منها، و أيّما قوم أحيوا شيئا و عملوها فهم أحقّ بها و هي لهم».

و صحيح آخر (2) عن شراء أرضهم فقال: «لا بأس أن يشتريها، فيكون إذا كان ذلك بمنزلتهم يؤدّى منها كما يؤدّون منها».

و عن أبي بصير (3) في الصحيح عن شراء الأرضين من أهل الذمّة، فقال: «لا بأس أن يشتري منهم إذا عملوها و أحيوها فهي لهم، و قد كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) حين ظهر على خيبر و فيها اليهود و خارجهم على ترك الأرض في أيديهم يعملونها و يعمّرونها».

و رواية محمد بن شريح (4) عن شراء الأرض من أرض الخراج فكرهه، و قال:

«إنّما أرض الخراج للمسلمين»، فقالوا له: فإنّه يشتريها الرجل و عليه خراجها، قال: «لا بأس إلّا أن يستحيي من عيب ذلك».

و عن محمد بن مسلم و عن عمر بن حنظلة (5) قال: سألته عن ذلك فقال: «لا بأس بشرائها، فإنّها إذا كانت بمنزلتها في أيديهم يؤدّى عنها كما تؤدّى عنها».

____________

(1) وسائل الشيعة 15: 156، الباب 71 من أبواب جهاد العدوّ، الرواية 20199، مع اختلاف يسير في الألفاظ.

(2) نفس المصدر 17: 369، الباب 21 من أبواب عقد البيع و شرائطه، الرواية 22770.

(3) نفس المصدر 25: 416، الباب 4 من أبواب إحياء الموات، الرواية 32248.

(4) نفس المصدر 17: 370، الباب 21، الرواية 22772.

(5) نفس المصدر 15: 156، الباب 71، الرواية 20199.

151

و عن حريز (1) رفع إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) رجل مسلم اشترى أرضا من أراضى الخراج، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): «له ما لنا و عليه ما علينا، مسلما كان أو كافرا، له ما لأهل اللّه سبحانه و عليه ما عليهم».

و رواية أبي بردة (2): كيف ترى في شراء أرض الخراج؟ قال: «و من يبيع ذلك و هي أرض المسلمين؟» قال: قلت: يبيعها الذي في يده؛ قال: «و يصنع بخراج المسلمين ما ذا؟» ثم قال: لا بأس أن يشتري حقّه منها و يحول حقّ المسلمين عليه، و لعلّه يكون أقوى عليها و أملى بخراجهم للّه تعالى».

و رواية الهاشمي (3) المتضمّنة لتقرير الإمام (عليه السلام) عن رجل اشترى أرضا من أراضي الخراج، فيبنى فيها أو لم يبن غير أنّ أناسا من أهل الذمّة نزلوها أله أن يأخذ منهم أجور (4) البيوت إذا أدّوا جزية رءوسهم؟ قال: «يشارطهم فما أخذ بعد الشرط؛ فهو حلال».

و صحيح الحلبي (5) عن السواد ما منزلته، فقال: «هو لجميع المسلمين لمن هو اليوم و لمن يدخل في الإسلام بعد اليوم و لمن لم يخلق بعد»، فقلنا: الشراء من الدهاقين، قال: «لا يصلح إلّا أن يشترى منها على أن يجعلها للمسلمين، فإن شاء وليّ الأمر يأخذها أخذها»، قلنا: فإن أخذها منه، قال: «يردّ إليه رأس ماله و له ما أكل من ثمنها».

____________

(1) وسائل الشيعة 15: 157، الباب 71 من أبواب جهاد العدوّ، الرواية 20202.

(2) نفس المصدر: الرواية 20194.

(3) نفس المصدر 17: 369، الباب 21 من أبواب عقد البيع و شرائطه، الرواية 22767.

(4) في الوسائل: أجرة البيوت.

(5) نفس المصدر 17: 371، الباب 21، الرواية 22773؛ و 25: 435، الباب 18 من أبواب إحياء الموات، الرواية 32293.

152

و المناقشة في الصحيح الأخير و أمثاله بل جعلها دليلا للمنع بأنّ المستثنى ليس شراء حقيقيا مملّكا للرقبة و إلّا لم يجز لوليّ الأمر أخذها منه، و لم يجب جعلها للمسلمين، فهما قرينتان على عدم إرادة الشراء الحقيقيّ؛ مخدوشة بأنّ الشراء الشرعيّ لا ينافي سلطنة الإمام (عليه السلام) على أخذه منه و قطع ملكه عنه، فإنّ له السلطنة الكبرى يتصرّف كيف يشاء، و في النصوص ما له أعظم من ذلك من السلطنة و الاستيلاء على تمام الأرضين و خصوص الأرض المحياة.

و يظهر من الأخبار أنّ للقائم- (عجّل اللّه تعالى فرجه)- بعد ظهوره أن يأخذ الأراضي التي أحياها الناس من أيديهم و يأخذها (1) من أيدي المخالفين و يترك ما في أيدي الشيعة تفضلا عليهم، مع أنّها لهم بالإحياء، كما في النصوص و الفتاوى، فلا يصلح ذلك قرينة لصرف الشراء عن معناه الحقيقيّ، و كذا قوله (عليه السلام): «على أن يجعلها للمسلمين» لظهوره بعد التصريح بجواز شراء الرقبة في كون المراد منه قصد أداء خراج المسلمين منها، سيما بملاحظة موافقته لروايات كثيرة أخرى.

البحث السادس: إذا علم أنّ الأرض مفتوحة عنوة حال عمارتها بخبر متواتر أو مقترن بقرينة علمية فهو،

و إلّا فالطريق في إثباته منحصر في الخبر المعتبر أو شهادة عدلين.

و منه إقرار ذي اليد نظرا إلى أنّ من أقرّ له في حكم ذي اليد عرفا و شرعا بمقتضى المستفيضة الدالّة على أنّ من أقرّ بعين لأحد فهو له (2).

و قول ذي اليد في دعواه الاختصاص لنفسه ملكا أو ولاية معتبر.

____________

(1) مستند الشيعة 2: 359.

(2) لم نقف عليه بهذه العبارة و لكن هناك روايات يمكن الاستدلال بها، راجع وسائل الشيعة 19: 326، الرواية 24701؛ و 23: 184، الرواية 29341 و 29342.

153

و ذكر بعضهم من طرق الثبوت ضرب الخراج من الحاكم و إن كان جائرا، حملا لتصرّف المسلم على الصحّة، و ردّ بأنّ هذا يتمّ إذا كان الحكم بكونه خراجيا مصحّحا لتصرّفه و أخذه، و ليس كذلك.

و قال والدي العلّامة (1): الحمل على الصحّة- لو سلّم- فإنّما هو في أفعال الشيعة خاصّة، و مع تسليم المطلق لا يثبت إلّا كون الأراضي خراجية عند من يأخذ الخراج أو مع من تقبّله عنه، و هذا غير كاف للثبوت عند مجتهد آخر أو معتقد طائفة غير معتدّ به لغيرهم.

نعم، لو كانت الأرض في يد السلطان يتقبّلها أو يوجرها لمن يشاء، فهذا من باب اعتراف ذي اليد بكونها خراجية، و هو كاف في الثبوت، و لا حاجة الى تحمل الحمل على الصحّة، و كذا إذا كانت في يد الرعية و يعطون الخراج معترفين بكونها حقّا، و أمّا إذا أعطوا كرها من غير اعتراف منهم بالحقّيّة، فالحمل على الصحّة في عمل السلطان يعارض حمل كراهة الرعية عليها.

أقول: و هاهنا أمر آخر غير حمل الفعل على الصحّة و إقرار ذي اليد، و هو استمرار العمل في ظاهر الحال و لو من السلطان المخالف في الأرض، على وجه كونها خراجية من تقبيلها لمن يشاء على هذا الوجه، و أخذ طسقها و إقدام الرعية على تقبّلها منه، و بالجملة: جريان الأمر و استمراره على آثار الخراجية، فإنّه دليل للخراجية. و إن لم يظهر من ذي اليد إقرار أصلا، بل هو نفس الخراجية الظاهرة كما في غيرها من الأوصاف الشرعية كالملكية و الزوجية و الوقفية.

فإنّها قسمان: واقعية؛ و هي الثابتة في نفس الأمر مسبّبة عن أسبابها الواقعية، و ظاهرية؛ و هي الحالة الظاهرة بحسب الآثار و الأعمال، و الجري عليها مع عدم

____________

(1) مستند الشيعة 2: 359.

154

العلم بمخالفتها للواقع، و عدم كونها ناشئة عن أسبابها النفس الأمرية، نظير الحكم الظاهري في مقابل الحكم الواقعي في الأحكام الشرعية.

و تلك الظاهرية في أمثال ذلك متّبعة في ظاهر الشرع، بل هي مناط الشهادات غالبا في الأملاك و المناكح و الأنساب و الأوقاف و الولايات و غيرها، فيشهد بالزوجية بالاطّلاع على كونها في حبالة الزوج و توافقهما في آثار الزوجية مدة طويلة، و يقطع الدعوى و حقّ الحلف بمثل تلك الشهادة، و إلّا فكيف يمكن للشاهد غالبا الشهادة مع عدم علمه بأسبابها الواقعية، فضلا عن كونها منتهية إلى حسّه المشروط في الشهادة. و معلوم أنّ هذا غير مجرّد اليد الموجبة، لتقدّم القول الغير المسقط للدعوى و حقّ الحلف، و إن علمها، بل و إن علم منه الجهل بالحال.

و قد يجعل مطلق الظنّ- كالحاصل من كتب السير و التواريخ- من طرق الثبوت أيضا؛ لدوران الأمر بين كونها مفتوحة عنوة أو صلحا على كونها للمسلمين أو لمن في أيديهم من الكفار، فإمّا يحكم- حينئذ- بانتفاء الخروج و كونها على سبيل الثاني فيما يخالف الظنّ، ففيه ترجيح حكم بلا مرجّح، أو يرجع الى الظنّ فهو المتعيّن.

و فيه أنّ هنا احتمالا ثالثا هو كونها مواتا أحياها المسلمون إذا أسلم (1) أهلها طوعا و نحو ذلك، و أنّ الأصل فيما يقتضي عدم كونها خراجية دليل شرعيّ مقدّم على الظاهر في أمثال تلك الموضوعات.

نعم، فيما انتفى فيه الأصل و انحصر الأمر في الاحتمالين المزبورين أمكن الترجيح بالظن.

ثمّ إذا انتفى الطريق المعتبر لإثباتها، فإن كان على الأرض يد تملّك من مسلم أو

____________

(1) في «م»: أو أسلم.

155

مسالم يلزمها حكمها، و إن كان ذو اليد غير عالم بحقيقة الحال كما في غيرها.

و في الكفاية (1) المنع من اقتضاءها الاختصاص الملكي في أمثال تلك الأراضي، حيث لا يعلمه المتصرّف و لا يدّعيه، بل لو ادّعى العلم، مع علمنا بعدم علمه لا يصدق.

و يضعّف بأنّه إن أراد نفي الاقتضاء رأسا فعموم أدلّة اليد يدفعه، و إن أراد نفيه ملكا لكون اليد أعمّ منه، فمع فرض وقوع التصرّفات المالكية فيها كالمعاملات الاستقلالية لا وجه للمنع، و علم المتصرّف بالواقع غير لازم في الاقتضاء، و إلّا لما دلّت اليد على الملك إلّا في نادر.

و إن لم يكن عليها يد كذلك، فصور الشك ثلاث:

إحداها: أن لا يعلم وقوع الفتح عليها مطلقا و حينئذ يعمل بالأصل و يلزمها حكم مجهول المالك أو بلا مالك.

و ثانيتها: أن يعلم كون البلده مفتوحا عنوة و هذه الأرض منه، و شك في كونها عامرة حين الفتح، و يلزمه حكم ما تقدّم أيضا لأصالة تأخّر الحادث.

و ثالثتها: الصورة بحالها و اشتبه العامر المعلوم وجوده إجمالا حين الفتح بين موضع هذه الأرض و غيره من الأراضي التابعة أو القرينة إلى البلد، و الحكم- حينئذ- بكونه مجهول المالك مشكل؛ لتعارض أصل تأخّر الحادث مع أصالة بقاء العامر و عدم تغيّره بما عليه حال الفتح، فإن كان- حينئذ- مرجّح ظنّيّ فهو كما مرّ، و إلّا فالوجه التوقف و الاحتياط ببذل الخراج، و لعلّ كثيرا من الأراضي العامرة اليوم في البلاد المفتوحة عنوة من هذا القبيل.

فإن قلت: مقتضى تعارض الأصلين فيه الجهل بمالكه، فيلزمه حكم مجهول المالك أيضا.

____________

(1) كفاية الأحكام: 76.

156

قلت: أخبار مجهول المالك لا ينصرف إلى مثل هذا المتردّد بين كونه مفتوحا عنوة أو لمالك معيّن، لظهورها فيما له مالك مخصوص و لم يعلم به.

157

[المشرق الثامن] [فيما يتعلّق بالعدالة الشرعية]

مشرق: فيما يتعلّق بالعدالة الشرعية التي اشترطها الشارع في الشهادة و الإمامة و غيرهما. و النظر إمّا في معناها و حقيقتها و ما يتألف منه من الأجزاء و الشروط، أو في كيفية البحث عن ثبوتها و ما يكشف عن حصولها شرعا، فهنا مطلبان:

المطلب الأوّل: في بيان حقيقتها و ما يعتبر فيها،

و فيه أبحاث:

البحث الأوّل: اختلفت كلمات العلماء في بيان حقيقة العدالة،

أي فيما هو المقصود منه في الشرع في المقامات المذكورة، لا في أمر وضعيّ ضرورة أنّ ليس هو وضعا لغويا أو عرفيا فإنّه بمعزل عن مختلف الفقهاء في المقام و مطرح آرائهم و أقوالهم، و لا الوضع الشرعي، لأنّه فرع ثبوت الحقيقة الشرعية، و هي غير معلومة، و على الجملة فتفاسيرهم و تعاريفهم للعدالة الشرعية مختلفة الأجناس، و جملتها أربعة:

أحدها: أنّها الملكة الراسخة النفسانية الباعثة على ملازمة التقوى و المروّة.

158

ذكرها في المختلف (1) و القواعد (2) و الإرشاد (3) و التحرير (4) و المهذّب (5) و نهاية الأصول (6) و المنية (7) و الدروس (8) و الذكرى (9) و التنقيح (10) و الروضة (11) و الروض (12) و جامع المقاصد (13) و الرياض (14)، و نسبه مولانا الأردبيلي إلى المشهور في الفروع و الأصول (15)، و الفاضل الهندي (16) إلى المشهور بين العامّة و الخاصّة، و الذخيرة (17) إلى المتأخرين، و في التنقيح (18) إلى الفقهاء، مشعرا بدعوى إجماعهم عليه و بها عرفها جماعة من محقّقي

____________

(1) مختلف الشيعة 8: 484.

(2) قواعد الأحكام 2: 236.

(3) إرشاد الأذهان 2: 156.

(4) تحرير الأحكام 1: 208.

(5) المهذب البارع 2: 556.

(6) لم نقف عليه.

(7) غنية النزوع 1: 289.

(8) الدروس الشرعية 1: 218.

(9) ذكرى الشيعة 4: 391.

(10) التنقيح الرائع 4: 289.

(11) الروضة البهية 3: 128.

(12) روض الجنان: 363.

(13) جامع المقاصد 2: 362.

(14) رياض المسائل 2: 386.

(15) مجمع الفائدة و البرهان 12: 311.

(16) كشف اللثام 2: 192.

(17) ذخيرة المعاد: 305.

(18) التنقيح الرائع 4: 289.