مشارق الأحكام

- الشيخ محمد بن احمد النراقي المزيد...
510 /
159

العامّة كالغزالي و الحاجبي و العضدي و الآمدي (1).

و ثانيها: نفس الأفعال و التروك، بأن لا يكون مرتكبا للكبائر و لا مصرّا على الصغائر، و هو ظاهر أكثر المتقدّمين. و في البحار أنّه الأشهر في معناها و هو ظاهر الكفاية (2).

و ثالثها: المعروفية بتلك الأوصاف و التروك ظاهرا. فسّرها به الشيخ في النهاية (3)، و الحلّي في السرائر (4)، و عزّى إلى أكثر متأخري المتأخرين (5).

و فرقه مع سابقه اعتبار الواقع فيه، و المعروفية الظاهرية هنا.

و هذا القول هو المعروف بحسن الظاهر، على كون الظاهر في مقابل الواقع، فهو في مقابل القول الثاني.

و لو أريد به المحسوس في قبال الباطن، أي السريرة و الملكة النفسانية، يرجع إلى الثاني، و كان في مقابل القول الأوّل.

و رابعها: عدم ظهور خلاف المذكورات مع ظهور الإسلام.

نسب إلى المفيد في الإشراف (6) و الإسكافي (7)، و الشيخ في المبسوط (8) و الخلاف (9).

____________

(1) الغزالي في المستصفى 1: 157؛ العضدي في شرح المختصر: 167؛ الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 1: 308.

(2) كفاية الأحكام: 278.

(3) النهاية: 325.

(4) السرائر 4: 118.

(5) الهداية (الجوامع الفقهية): 52؛ المقنعة: 752.

(6) حكاه عنهم السبزواري في ذخيرة المعاد: 305.

(7) المصدر السابق.

(8) المبسوط 8: 217.

(9) الخلاف 6: 218.

160

ثمّ الظاهر أنّ مراد القائلين بالأخير الحكم بالعدالة من باب الأصل، لا أنّه نفس حقيقتها، كما نبّه عليه في البيان (1) و الدروس (2) و الذكرى (3) و الجعفرية (4) و المسالك (5) و الكفاية (6)، و جدّي الأمجد في المعتمد، و والدي العلّامة في المستند (7)، و غيرهم (8)، فإنّ كلمات القائلين به في غاية الظهور، بل الصراحة في مغايرة حقيقة العدالة لذلك، كقول الشيخ في المبسوط عند ذكره أقسام المعرفة و الجهل بالعدالة:

«الثاني: أن يعرف إسلامهما دون عدالتهما، لم يحكم بشهادتهما حتى يبحث من عدالتهما»، إلى أن قال [ما ملخصه]: و به قال قوم إن كان في قصاص أو حدّ، و إن كان غير ذلك حكم بشهادتهما بظاهر الحال، و لم يبحث عن عدالتهما بعد أن تعرف إسلامهما.

و قوله في الخلاف (9): الأصل في المسلم العدالة، فإنها لو كانت نفس ظاهر الإسلام لم يصحّ جعلها أصلا فيه، بل كان نفسها. و يؤمي إلى المغايرة أيضا كلام المفيد (10) و الإسكافي (11).

____________

(1) البيان: 131.

(2) الدروس الشرعية 1: 218.

(3) ذكرى الشيعة 4: 391.

(4) رسائل المحقق الكركي 1: 126.

(5) مسالك الأفهام 2: 321.

(6) كفاية الأحكام: 278.

(7) مستند الشيعة 2: 611.

(8) بحار الأنوار 88: 25؛ ذخيرة المعاد: 304؛ الكافي في الفقه: 435؛ الوسيلة: 230؛ و حكاه السيد العاملي في مفتاح الكرامة 3: 81؛ جواهر الكلام 13: 281.

(9) الخلاف 6: 218.

(10) حكاه عن المفيد في الحدائق الناضرة 10: 18؛ و رياض المسائل 2: 390.

(11) مجموعة فتاوى ابن الجنيد: 328.

161

و كذا الظاهر أنّ القول الثالث أيضا مبنيّ على أنّ التعويل على حسن الظاهر و المعروفية بالستر و العفاف، من باب الكشف عن العدالة و الدلالة عليها، لا كونه نفسها تنزيلا لحسن ظاهر الحال في المعاشرات منزلة الواقع، أعني الاجتناب الواقعي عن القبائح الذي هو القول الثاني، كما لا يخفى على المتأمل في كلام القائلين به. فيبقى الاحتمال في أصل معنى العدالة و حقيقتها بين أحد الأوّلين، أعني الملكة النفسانية المشتهرة بين المتأخرين، و نفس تقوى الجوارح من الأفعال و التروك المعروفة بين المتقدّمين.

ثمّ من الظاهر أن ليس المراد من الثاني مجرّد الفعل و الترك من حيثهما، و لو لعدم المقتضي أو وجود المانع، كالعنين التارك للزنا و اللواط، و الأخرس و الأعمى و الأصمّ بالنسبة إلى معاصي تلك الجوارح، و غيرهم ممّن لم يتمكّن من آلات المعاصي، بل المراد كونه لتقوى اللّه عزّ و جلّ و غرض ديني، لا للرياء و السمعة أو الخوف من الناس أو مصلحة دنيوية أخرى، لعدم كونه ممدوحا- حينئذ- فليس من العدالة المأمور بها المثاب عليها إجماعا، بل العمل- حينئذ- في بعض تلك الوجوه بنفسه معصية يخالف العدالة، فلا بدّ أن يكون العمل المزبور منوطا بنيّة خالصة و فضيلة نفسانية.

و كذا ليس المراد مجرّد التلبس بهذه الأوصاف الصادق على مثل ساعة أو يوم أو على زمان الشهادة، بل مرادهم التلبّس بها دائما أو في زمان طويل، كشهر بل أكثر، من غير تخلّف عنه فيه.

و لعلّه إجماعيّ أيضا، بل هو مدلول كلمات القائلين به، فإنّه لا يصدق عرفا تلك الأوصاف التي ذكروها على الإطلاق إلّا على المواظب المداوم عليها.

162

ألا ترى أنّ من قال: اشتر لي عبدا عفيفا ورعا مجتنبا عن مجالسة الأراذل، أو عابدا مصلّيا ساعيا إلى المساجد، و أمثال ذلك من التروك و الأفعال، لا يفهم منه عرفا إلّا المواظب الملازم لها.

و حيث إنّ المواظبة على تلك الأوصاف في المدة الكثيرة بالنيّة الخالصة، لا بدّ و أن يكون لها مبدأ في النفس باعثة على النية و استعمال الجوارح أو كفّها، فلا ينفكّ عن صفة حسنة ثابتة نفسانية يمنع ما دام وجودها عن التخلف عن تلك الآثار، سواء بلغت تلك الصفة الكامنة حدّ الملكة بالمعنى المذكور في القول الأوّل أم لا.

فبين هذين القولين عموم من وجه؛ لاختصاص الأوّل بكون تلك الملكة مما يقتدر به على ترك المعاصي و ملازمة التقوى بسهولة، و لكن لا ينافيها التخلّف أحيانا بفعل معصية دفعة أو أكثر، فإنّ تلك الملكة مما لا يحصل إلّا بمجاهدة و تكرير و مزاولة، و بعد حصولها لا تزول بفعل خلافها مرّة أو مرّات عديدة، و اختصاص الثاني بكون الصفة النفسانية الباعثة على التقوى بحيث لم يتخلّف عنها الأثر، فينافيها المعصية، كأن يكون خوفا من اللّه عزّ و جلّ أو طمعا في ثوابه أو إجلالا له، فإنّها يزول عند المعصية، و إلّا لم يتخلّف عن أثرها الذي هو ترك المعصية، و إن عادت ثانيا، و لكن لا ينافيها كون ترك المعصية بمشقة و مجاهدة، حيث لم يحصل بعد التكرار للبالغ حدّا يوجب حصول الملكة و سهولة التقوى، نظير الخوض في الأحوال و المعارك المنبعث عن غيرة أو حميّة أو حبّ شخص أو بغضه، لا عن ملكة الشجاعة و الجراءة.

فيشترك القولان في كون الآثار منبعثة عن صفة راسخة في النفس، و يختلفان في أنّ العدالة هل هي نفس تلك الآثار المنبعثة عن الهيئة النفسانية، فينقضها التخلّف في الآثار، أو هي نفس الملكة الباعثة على سهولة الآثار، فلا ينقضها

163

المخالفة أحيانا على حدّ لا تزول به الملكة بل ينقضها زوال نفسها.

فالاختلاف في القولين من وجهين.

و هل الترجيح للأوّل أو الثاني؟

مقتضى عدّها في فنّ الأخلاق من الصفات و الملكات- بل عرفوها فيه بما يناسب الملكة المذكورة كقولهم إنّها ملكة لزوم الاقتصاد في كلّ شيء من الأعمال و الصفات من غير ميل إلى طرفي الإفراط و التفريط، أو هي ملكة يقتدر بها العقل العمليّ على ضبط جميع القوى تحت إشارة العقل النظريّ- كونها الأوّل، إلّا أنّ الملكة- كما عرفت- لا ينافيها التخلّف مرّة في العمل أو مرّتين، و لا تزول به، و هو مناف للعدالة المعتبرة في الشرع إجماعا، و جعل عدم التخلّف شرطا زائدا عن نفس العدالة ينافيه ظاهر كلماتهم بل صريحها، من سقوط العدالة بفعل الكبيرة إلى أن يحصل العلم بعودها بالتوبة. و هذا يقوى كون الثاني عدالة، مع أنّه أيضا يرجع إلى صفة راسخة نفسانية هي منشأ ظهور الآثار في الجوارح- كما سمعت- مع أنّه يستبعد في العقول إسقاط من تحمل نفسه على ترك محارم اللّه تعالى بالجهد و المشقّة طول السنة خوفا من اللّه سبحانه بحيث لا يبادر إليها، عن حكم العدالة، و جعله من عداد الفسّاق، مع أن مثله قد يعدّ أعلى مرتبة و أكثر ثوابا و أعظم درجة من ذي الملكة المذكورة، على أنّ الأخبار الواردة في الباب مفسّرة بها بنفس الأفعال و التروك، ككلمات أكثر القدماء.

و قول الصادق (عليه السلام) في صحيح عبد اللّه بن أبي يعفور، في جواب قول السائل: بم يعرف عدالة الرجل؟: «أن تعرفوه بالستر و العفات و كفّ البطن و الفرج و اليد و اللسان» (1) و قوله: «يعرف باجتناب الكبائر» (2) لا ينافي كون حقيقة العدالة نفس

____________

(1) بحار الأنوار 88: 37، الباب 2، الحديث 1.

(2) نفس المصدر.

164

العمل، بل دلالته على المطلوب أشبه، فإنّه من قبيل أن يقال: نعرف الكتاب الفلانيّ بالمسائل الفلانية.

و بالجملة بملاحظة الشواهد المذكورة تقوى القول الثاني.

و يوافقه في المعنى التفسير بالصفة الراسخة في النفس المقرونة بتلك الأعمال و التروك، كما عرفت، فمعنى العدالة مركّب منهما.

و كيف كان، فهو غير الملكة، و القول بها لا شاهد له من لغة أو حديث، و التبادر العرفيّ الذي ادّعاه جمع من القائلين له ممنوع.

و إن سلّم كونها من الصفات في المتفاهم العرفيّ، فغايته كونها صفة راسخة باعثة على التقوى، و لو هي الخوف من اللّه سبحانه.

نعم، يستلزم ذلك بعد تكرّر العمل حصول الملكة غالبا.

تتميم: لا خلاف في أنّ الفسق ضدّ العدالة الشرعية،

كما أنّ العدالة بالمعنى المصطلح عند أئمة الحكمة- أعني تعديل الملكات النفسانية- ضدّها الجور بمعنى الميل إلى أحد طرفي الإفراط و التفريط، فلا يجتمعان.

و هل بينهما واسطة؟

و التحقيق أنّ الفسق إن فسّر بما يخالف العدالة، فلا واسطة بينهما، لكون التقابل بالوجود و العدم، و إن فسّر بالخروج عن طاعة اللّه سبحانه و ارتكاب الكبيرة و الإصرار على الصغيرة، أو بملكة ذلك و إن لم يتّفق له المعصية لمانع، من تعذر أسباب المعصية أو خوف أو مرض و نحوها لا لورع دينيّ، فعلى القول بكون العدالة ملكة، ففاقد الملكتين المجتنب عن الذنوب و لو طاعة للّه واسطة بينهما.

165

و كذا على القول بحسن الظاهر يكون غير ذي ملكة الفسق، المجتنب عن الذنوب و المعاصي لعذر، واسطة.

و حيث إنّ الظاهر المتبادر من الفسق أحد الأخيرين، بل الأوّل منهما، فالظاهر وجود الواسطة هذا بحسب الواقع، و أمّا بحسب الحكم في الظاهر فسيأتي الإشارة إلى ما يقتضيه الأصل منهما.

البحث الثاني: قد علمت أنّ اجتناب المعصية جزء العدالة أو لازمها.

و اختلفوا في أنّ المعتبر هو الاجتناب عن جميع المعاصي من الكبائر و الصغائر، أو من الكبائر فقط. و هذا الخلاف بعد اختلافهم في تقسيم الذنوب إليهما.

و المعروف بين أكثر المتأخّرين بل عامتهم الانقسام إليهما. و إليه ذهب كثير ممّن تقدم، بل عن الصيمري و البهائي الإجماع عليه. و عن جماعة من القدماء كالحلبي و القاضي و الشيخ في العدّة و الطبرسي أنّ الذنوب كلّها كبائر، بل عن الأخير نسبته إلى الأصحاب، مشعرا بدعوى الإجماع عليه (1).

و الظاهر أنّ مراد هؤلاء أن ليس للذنوب معيارا معيّنا محدّدا يعدّ به الكبائر و الصغائر على الإطلاق و يختلف بهما الأحكام الشرعية، كالقدح في العدالة و نحوه، لا أن ليس لها اختلاف في الشدة و الضعف و زيادة العقاب و نقصانه، فإنّ من الضروريّ أن ليس عقاب ترك ردّ السلام كقتل النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و هدم الكعبة.

و بهذا يختلف الذنوب في الكبر و الصغر بإضافة بعضها إلى بعض، كما نبّه به

____________

(1) الحلبي في الكافي: 435؛ و القاضي في المهذب البارع 3: 552؛ و الشيخ في العدّة:

379؛ و الطبرسي في مجمع البيان 3: 31.

166

الحلّي (1) بعد نفيه التقسيم و دعواه عدم الخلاف فيه بقوله: لأنّه لا صغائر عندنا في المعاصي إلّا بالإضافة إلى غيرها.

و عن بعضهم جعل الإضافة على أقسام ثلاثة:

أحدها: الإضافة إلى الطاعة، فإن زاد عقابها على ثواب تلك الطاعة فهي كبيرة بالنسبة إليها، و إن نقص فهي صغيرة.

و ثانيها: بالإضافة إلى معصية أخرى، فهي كبيرة بالنسبة إلى ما هي أشدّ عذابا منه، و صغيرة بالنسبة إلى ما هي أقلّ منه.

و ثالثها: بالنسبة إلى فاعلها، فإن صدرت عن شريف عالم فهي كبيرة، و إن صدرت عمن دونه فهي صغيرة.

و ربما قيل: إنّ الصغيرة لا تطلق على الذنوب إلّا على القول بحبط الطاعة الكبيرة (2)، و أنت خبير بأنّ القسمة معروفة بين أصحابنا، و القول بالإحباط خلاف المعروف بينهم، فكيف يناط به عند أرباب القسمة؟

و الحقّ في المسألة ما عليه المعظم، لظاهر الآيتين إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبٰائِرَ مٰا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئٰاتِكُمْ (3) و وَ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبٰائِرَ الْإِثْمِ وَ الْفَوٰاحِشَ (4).

و النصوص المستفيضة المتضمّنة للتقسيم بهما، و إيعاده للكبائر بطائفة من

____________

(1) السرائر 2: 118.

(2) في «م» هكذا: و ربما قيل: إنّ الصغيرة قد يطلق على الذنب إلّا على القول بالإحباط، و هو موازنة العمل الصالح و المعصية، فكلّ ذنب يحبط بالطاعة فهي صغيرة و كلّ ذنب يحبط الطاعة فكبيرة.

(3) النساء (4): 31.

(4) الشورى (42): 37.

167

المعاصي، و المصرّحة ببعض الأوصاف للكبائر، كمرسلة الفقيه: «من اجتنب الكبائر كفّر اللّه عنه جميع ذنوبه» (1).

و في خبر آخر: «الأعمال الصالحة يكفّر الصغائر» (2) و في ثالث: «لا صغيرة مع الإصرار و لا كبيرة مع الاستغفار» (3). و أمثال ذلك ممّا دلّ على القسمة على الإطلاق.

و استدلّ النافون باشتراك الجميع في مخالفة أمره سبحانه و نهيه، و بالاستشهاد بظهور بعض الأخبار فيه، مثل ما دلّ على أنّ كلّ معصية شديدة، و ما دلّ على أنّ كلّ معصية قد توجب لصاحبها النار، و ما دلّ على التحذير من استحقار الذنب و استصغاره (4)، و نحو ذلك.

و يضعّف الأوّل بأنّه مبنيّ على كون الكبر و الصغر باعتبار مجرّد المخالفة التي هي غير قابلة للشدّة و الضعف، و ليس كذلك، بل مناط الافتراق بهما المفسدة التي أوجب النهي، و هي قابلة للشدّة و الضعف بتفاوت العقاب كما أشرنا إليه- و إن اشتركا في النهي- كما يشاهد هذا الفرق في النواهي العرفية.

و الثاني بعدم دلالة شيء من تلك الأخبار على الاشتراك فيما عنوا به من معنى الكبيرة، و هو كونه غير مكفّر بالأعمال الصالحة، أو ما يوعد عليه النار مطلقا، أو قادحا في العدالة.

و حيث تبيّن أنّ الذنوب ينقسم إلى الكبائر و الصغائر، على ما سننبّه على تفصيل

____________

(1) وسائل الشيعة 15: 16، الباب 5 من أبواب جهاد النفس، الرواية 20622.

(2) لم نقف عليه بهذه العبارة.

(3) وسائل الشيعة 15: 338، الباب 8 من أبواب جهاد النفس، الرواية 20681.

(4) الكافي 2: 269، الحديث 7؛ وسائل الشيعة 15: 299، الباب 40 من أبواب جهاد النفس، الرواية 20567؛ و 310، الباب 43، الرواية 20604.

168

كلّ منهما، فاعلم أنّه لا خلاف في توقّف العدالة على اجتناب الكبائر.

و اختلفوا في توقّف اجتناب غيرها أيضا و ترك الجميع. اختاره المفيد (1) و الحلّي (2) و الحلبي (3) و القاضي (4) و الشيخ في العدّة (5) و الطبرسي (6) في المحكيّ عنهم، بل عن ظاهر الثاني و الأخيرين كونه مجمعا عليه بين الطائفة.

و ذهب جمهور المتأخّرين، بل عامّتهم و أكثر المتقدّمين- بل قيل عليه اتفاق كلّ من قسّم الذنوب إلى قسمين- إلى عدم قدح فعل الصغيرة فيها إلّا مع الإصرار الموجب لصيرورتها كبيرة، و هو الحقّ، لدلالة صحيح ابن أبي يعفور الآتي عليه في قوله: «و يعرف باجتناب الكبائر التي أوعد اللّه سبحانه عليها النار» (7) الظاهر في عدم توقفها على غيرها، باعتبار كونه في مقام التحديد و التعريف، بل لو لا الاختصاص كان التخصيص به إغراء قبيحا، مع أنّ مقتضى الأصل عدم تقييده بوصف غيره.

فإن قلت: قوله (عليه السلام) في جواب السائل: بم يعرف عدالة الرجل؟ «أن تعرفوه بالستر و العفاف و كفّ البطن و الفرج و اليد و اللسان» يعمّ جميع الذنوب، و حصول القدح في العدالة، سيما الصادرة عن الجوارح الأربعة، و إن كانت صغائر، و نحوه قوله (عليه السلام) بعده، و الدلالة على ذلك كلّه أن يكون ساترا لجميع عيوبه الشامل للصغير.

قلت: كلامه (عليه السلام) مقتض للمتعلّق، ضرورة أن ليس المراد ما صدق عليه الستر

____________

(1) مختلف الشيعة 8: 498.

(2) السرائر 2: 118.

(3) الكافي في الفقه: 435.

(4) المهذب البارع 2: 556.

(5) عدّة الأصول: 379.

(6) مجمع البيان 3: 31.

(7) وسائل الشيعة 27: 391، الباب 41 من أبواب الشهادات، الرواية 34032.

169

و كفّ الأعضاء، فلا عموم له.

و الحمل على العموم عند حذف المتعلّق فيما يحمل عليه، إنّما هو لدليل الحكمة، من عدم المرجّح و لزوم الإغراء لولاه، و هي هنا منتفية، لأنّ قوله (عليه السلام) عقيب ذلك:

«و يعرف باجتناب الكبائر التي أوعد اللّه عليها النار» قرينة ظاهرة بل صريحة مبيّنة للمتعلّق، و إلّا لما صحّ التخصيص، خصوصا مع ما فيه من التفصيل.

مضافا إلى أنّ فعل الصغيرة مرّة أو مرتين لا ينافي صدق وصف المعروفية بالستر و العفاف و الكفّ على وجه الإطلاق، كما سنشير إليه.

و لعلّ هذا وجه تخصيص اجتناب الكبائر بالذكر ثانيا، تنبيها على قدحها في العدالة مطلقا و لو مرّة، مع أنّه جعل في الصحيحة الستر و الكفّ معرفا لاجتناب الكبائر، و المعرّف يعتبر حيث لم ينكشف المعرّف- بالفتح- فلو فرض العلم بالاجتناب عن الكبائر لم يكن المعرّف معتبرا، و لو مع صدور الصغيرة.

مضافا إلى أنّ اشتراط ستر العيب و لو كان صغيرة لا يستلزم قدح فعل الصغيرة، فإنّهم جعلوا من أسباب صيرورة الصغيرة كبيرة عدم المبالاة بإعلانها، و استدلّوا على المطلوب- أيضا- باستلزام قدح الصغيرة في العدالة للحرج العظيم، و سقوط الشهادات، و تعطيل الأحكام المسبّبة لوجود العدل، و تضييع الحقوق.

و ردّه الحلّي (1) بإمكان الرفع بالتوبة. و اعترض عليه في المختلف (2): بأنّ من شرط التوبة العزم على ترك المعاودة، و لا شكّ أنّ الإنسان لا ينفكّ عن الصغائر، فلا يصحّ هذا العزم منه غالبا.

و أورد عليه بأنّه ينافي وجوب التوبة عنها على كلّ أحد.

____________

(1) شرائع الإسلام 2: 118.

(2) مختلف الشيعة 8: 484.

170

أقول: إمكان العزم و صحّة التكليف به لا يرفع المحذور، فإنّ المعترض مستظهر بعدم وقوعه غالبا، و المحذور ناش عن عدم الوقوع في الغالب، لا عن عدم التكليف به، إلّا أن يمنع غلبة عدم وقوع العزم على الترك، و إن لم ينفكّ الإنسان غالبا عن الصغائر، فإنّ حالة حصول العزم المصحّح للتكليف بالتوبة ممكن الوقوع للإنسان كثيرا، و إن كان النقض له متكثر الوقوع أيضا.

كيف و إلّا لم يقع التكليف بترك الصغائر، و بطلانه ظاهر.

و كيف كان، فالاستدلال المذكور لا يخلو عن تأييد و اعتضاد للأوّلين من وجوه:

منها: الأصل و الاستصحاب.

و فيه الخروج عنهما بما مرّ من الدليل، مع أنّ في جريان الأصل مطلقا، تأمّل.

و منها: فحوى ما دلّ على اشتراط المروّة التي لا إثم فيها.

و فيه منع الأولوية، لعدم العلم بالعلّة.

و منها: أنّ فعل المعصية خروج عن طاعة اللّه سبحانه، و هو فسق، كما في مجمع البيان (1) و كنز العرفان (2) و القاموس (3)، و الفاسق يضادّ العادل، للاتفاق على عدم صدقه على من صدق عليه العادل.

و فيه منع كون الفسق مطلق الخروج عن الطاعة، و احتمال إرادة من ذكر [ه] الخروج المطلق، لا مطلق الخروج، بل لعلّه الظاهر، لظهور العبارة المطلقة في الاستمرار، كما أشرنا إليه في نحو الستر و الاجتناب، مع أنّ التعويل في المقام على ظاهر كلام من ذكر، مع معارضته بتخصيص غيره الفسق بفعل معصية مخصوصة

____________

(1) مجمع البيان 3: 31.

(2) كنز العرفان 2: 384.

(3) القاموس المحيط 3: 399.

171

كظاهر السيوري و الشهيد الثاني غير مقبول، سيما بملاحظة مصير المعظم إلى عدم كون الصغيرة قادحة، مع كونها منافية عندهم للفسق، خصوصا بملاحظة تبادر الغير و صحّة سلب الفاسق عن المطيع الصالح الصادر عنه صغيرة في عرض سنة.

و منها: أنّ فعل الصغيرة تعدّ عما حدّه اللّه تعالى، و المتعدّي عنها ظالم، و الظالم غير مقبول الشهادة، فهو غير عادل.

أمّا الأوّل، فظاهر.

و أمّا الثاني، فلقوله تعالى وَ مَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّٰهِ فَأُولٰئِكَ هُمُ الظّٰالِمُونَ (1).

و أمّا الثالث، فلقوله تعالى وَ لٰا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا (2)، و الركون مطلق الاعتماد.

و أمّا الرابع، فللاتفاق عليه.

و فيه منع كون كلّ متعدّ ظالما، و الآية تدلّ على صدق الظالم بالتعدّي عن جميع حدود اللّه سبحانه، فهو بالمفهوم دلّ على خلاف المدّعى، و منع صدق الركون على مجرّد قبول الشهادة ما لم يتضمّن الميل و الرضا بالفعل الغير المرضي، كما نصّ به بعض اللغويين.

و منها: أنّ المقصود من جعل العدالة شرطا ليس إلّا حصول الاطمئنان، و هو لا يحصل مع ظهور المعصية.

و فيه منع اطّراد القضيتين.

و منها: مفهوم ما روي في عرض المجالس: «من لم تره بعينك يرتكب ذنبا، و لم يشهد عليه بذلك شاهدان، فهو من أهل العدالة و الستر، و شهادته مقبولة، و إن كان

____________

(1) البقرة (2): 229.

(2) هود (11): 113.

172

في نفسه مذنبا» (1).

و فيه ضعفه سندا، مع خلوّه عن الجابر، سيما مع تضمّنه لما ليس له قائل، و دلالة، لأنّها بالمفهوم و هو نكرة مثبتة غايتها الإطلاق، و هو في المقام غير مفيد للعموم، لظهوره في بيان حكم آخر، و هو عدم العلم بالذنب، فتأمّل.

و مع التسليم فهو أعمّ مطلقا من الصحيح المتقدّم، فيخصّص به.

تتميمات:

الأوّل: اختلفوا في تفسير الكبائر تحديدا و تعديدا على مذاهب شتّى،

أكثرها خال عن الدليل. و المشهور بين أصحابنا: أنّها ما توعّد عليه بالخصوص.

و النصوص الواردة في المقام بين قسمين:

أحدهما: المفسّر بها بالوصف، و هو ما أوعد اللّه سبحانه عليه بالنار، كصحيح ابن أبي يعفور (2) الآتي، و فيه: «يعرف باجتناب الكبائر التي أوعد اللّه عزّ و جلّ عليها بالنار، من شرب الخمر و الزنا و عقوق الوالدين و الفرار من الزحف و غير ذلك».

و رواية الحلبي (3) في قوله تعالى إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبٰائِرَ مٰا تُنْهَوْنَ عَنْهُ الآية.

قال: «الكبائر التي أوجب اللّه عليها النار».

و صحيح أبي بصير (4) في بيان من يؤتي الحكمة، قال: «معرفة الإمام (عليه السلام) و اجتناب الكبائر التي أوعد اللّه سبحانه عليها النار».

____________

(1) بحار الأنوار 70: 2، الباب 39، الحديث 4.

(2) وسائل الشيعة 27: 391، الباب 41 من أبواب الشهادات، الرواية 34032.

(3) نفس المصدر 15: 326، الباب 46 من أبواب جهاد النفس، الرواية 20648 (الرواية عن عليّ بن جعفر).

(4) نفس المصدر 15: 315، الباب 45، الرواية 20619.

173

و صحيح السرّاد (1) عن الكبائر كم هي و ما هي؟ فكتب: «الكبائر ما أوعد اللّه عزّ و جلّ عليها النار، و كفّر عنه سيّئاته إذا كان مؤمنا، و السبع الموجبات: قتل النفس الحرام، و عقوق الوالدين، و أكل الربا، و التعرّب بعد الهجرة، و قذف المحصنة، و أكل مال اليتيم، و الفرار من الزحف».

و صحيح محمّد (2): «الكبائر سبع: قتل المؤمن متعمّدا، و قذف المحصنة، و الفرار من الزحف، و التعرّب بعد الهجرة، و أكل مال اليتيم ظلما، و أكل الربا بعد البيّنة، و كلّما أوجب اللّه سبحانه عليه بالنار».

و رواية عباد (3) عن الكبائر قال: «كلّما أوعد اللّه تعالى عليه بالنار».

و ثانيهما: ما اشتمل على عدّها من غير تحديد بوصف، كصحيح عبيد (4): و فيه أنّها الكفر و القتل و العقوق و أكل الربا و أكل مال اليتيم و الفرار من الزحف و التعرّب.

و موثق أبي بصير (5) و رواية عبد الرحمن (6)، على اختلاف يسير في بعض المعدودات. و نحوها رواية مسعدة (7)، إلّا بزيادة القنوط من رحمة اللّه تعالى و الأمن من مكر اللّه. و فيما رواه الصدوق في العيون (8) عن الفضل بن شاذان، فيما كتب به مولانا الرضا (عليه السلام) للمأمون في عدّ الكبائر ما يزيد عن ذلك إلى ما بلغ ثلاث و ثلاثين

____________

(1) نفس المصدر 15: 318، الباب 46، الرواية 20628.

(2) وسائل الشيعة 15: 315، الباب 45 من أبواب جهاد النفس، الرواية 20620.

(3) نفس المصدر: الرواية 20619.

(4) نفس المصدر: الرواية 20628.

(5) نفس المصدر: الرواية 20654.

(6) نفس المصدر.

(7) نفس المصدر: الرواية 20640.

(8) نفس المصدر: الرواية 20663.

174

آخرها الإصرار على الصغائر، و خبر عبد العظيم (1) المشتمل على ما تجاوز العشرين، و نحوهما.

و يمكن الجمع بين القسم الأوّل و الأوّل من الثاني، بحمل الأخير على إرادة أعظم الكبائر، بشهادة الأخبار الأخيرة المعتضدة بصحيحي السرّاد و محمّد المتقدّمين المصرّحين للسبع بالخصوص، بعد ذكر تعريف الكبيرة أو قبله، بما أوعد اللّه سبحانه عليه النار، و صحيح عبيد المصرّح بأنّ هذا السبع أكبر المعاصي، نظرا إلى ظهوره في الأكبرية الإضافية.

و يدلّ على ذلك صريحا رواية أبي الصامت (2): «أكبر الكبائر سبع: الشرك باللّه العظيم، و قتل النفس التي حرّم اللّه عزّ و جلّ إلّا بالحقّ، و أكل مال اليتيم، و عقوق الوالدين، و قذف المحصنات، و الفرار من الزحف، و إنكار ما أنزل اللّه تعالى».

و يخصّص (3) عموم النفي المستفاد من الحصر في تلك الأخبار بالأخبار المفسّرة بما أوعد اللّه، و بإيعاده لها بأزيد من ذلك، و بهذا يرتفع التعارض، و يكون المناط في الكبيرة ما عليه المعظم، من كونه ما أوعد اللّه عزّ و جلّ عليه.

نعم، يبقى الإشكال فيما هو المراد من هذه العبارة، و في شموله لجميع ما ذكر في رواية العيون و غيرها من الذنوب. و كلماتهم مختلفة في بيان كيفية هذا الإيعاد.

ففي النهاية (4) و القواعد (5) و الإرشاد (6) و المسالك (7): إنّها ما أوعد اللّه عليها بالنار.

____________

(1) نفس المصدر: الرواية 20629.

(2) وسائل الشيعة 9: 536، الباب 2 من أبواب الأنفال، الرواية 12661.

(3) في «م»: أو بتخصيص.

(4) نهاية الإحكام: 325.

(5) قواعد الأحكام 1: 224.

(6) إرشاد الأذهان 2: 156.

(7) مسالك الأفهام 2: 321.

175

و في التنقيح (1)- نفلا عن الأكثر- إنّه ما يوعد عليه بعينه و بخصوصه. و في الدروس (2): كل ذنب يوعد عليه بخصوصه العقاب. و في قواعد الشهيد (3)؛ كلّما توعّد الشرع عليه بخصوصه. و قريب منه ما في الروضة (4).

و في الكفاية: إنّها كلّ ذنب أوعد اللّه عزّ و جلّ عليه بالعقاب في الكتاب العزيز، و نسبه إلى المعروف بين أصحابنا، قائلا بعدم وجدان اختيار قول آخر في كلامهم.

و عن بعض المحقّقين أنّ ما ذكره في الكفاية هو مراد الكلّ.

و ظاهر تلك الكلمات يشير إلى الاختلاف في اشتراط كون الإيعاد منه- سبحانه- أو بما يعمّ إيعاد الحجج.

و على الأوّل، هل يعتبر إيعاده بما في كتابه العزيز خاصة، أو بما يعمّ كلامه مطلقا، أو به و بإخبار الحجج (عليهم السلام)- عنه سبحانه و تعالى- بأنّ اللّه أوعد كذا؟

و على الأوّل، هل يعتبر إيعاده فيه- سبحانه- بالخصوص، أو بما يعمّ العموم مثل قوله تعالى وَ مَنْ يَعْصِ اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نٰارَ جَهَنَّمَ خٰالِدِينَ فِيهٰا (5).

و على التقادير، هل يعتبر الإيعاد بالنار أو بمطلق العقاب أو مطلقا؟

و التحقيق: أنّ ما في الأخبار المفسّرة بالإيعاد هو ما أوعد اللّه سبحانه عليه النار، فهو المناط في ذلك. اللازم بيان ما يصدق عليه تلك العبارة.

فنقول: الظاهر منها الإيعاد بالخصوص، كما هو المتبادر المتفاهم للأصحاب فلا

____________

(1) التنقيح الرائع 4: 219.

(2) الدروس الشرعية 2: 124.

(3) القواعد و الفوائد 1: 224.

(4) الروضة البهية 3: 129.

(5) الجنّ (72): 23.

176

يشمل ما أوعد عليه عموما، كيف و جميع المعاصي من الكبائر و الصغائر داخل في عموم قوله تعالى وَ مَنْ يَعْصِ اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ. و كذا الظاهر أنّ الإيعاد بالنار يعمّ الإيعاد بها صريحا أو التزاما و ضمنا، فيشمل ما دلّ عليه بالالتزام، كما جعل اللّه سبحانه و تعالى العاق جَبّٰاراً شَقِيًّا (1) و أوعد الشقيّ بالنار في قوله عزّ و جلّ فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النّٰارِ لَهُمْ فِيهٰا زَفِيرٌ وَ شَهِيقٌ (2). أو بالظهور الإطلاقيّ، كالعذاب و العقاب و نحوهما.

بل لا يبعد جعل أكثر إيعادات الكتاب في الآخرة من هذا الباب، كاللعنة و سوء الدار و الخسران و بئس المصير و نحوها، إذ الغالب على ما يستفاد من مطاوي الأخبار كون الجزاء بالسوء في الآخرة بالنار، فينصرف إليه الإطلاق.

و يشهد به الاستشهاد في رواية عبد العظيم إيعاده للكبائر التي هي بالنار في حدّ الكبائر على ما في مستفيضة الأخبار بالآيات الدالّة على مطلق الذمّ عليها.

نعم، مثل قوله تعالى وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقٰالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (3) غير ظاهر في الإيعاد.

و أما كون الموعد هو اللّه تعالى، فالظاهر أنّه لا يصدق هذا على إيعاد.

الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أو الإمام (عليه السلام) و لو بالإخبار عن اللّه عزّ و جلّ، أو في السنّة المتواترة- كما عن بعضهم- أو مطلق الحديث الصحيح، كما عن آخر. إذ المتبادر من تخصيص ذلك به سبحانه، مع أنّ جميع الشرائع صدرت منه، كون الإيعاد بالنار مذكورا في كلامه، بل في كتابه فارقا بذلك بين الكبائر و الصغائر، كيف و الصغيرة كثيرا ما يوعد بالنار في كلام النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أو الإمام (عليه السلام)، بل هو لازم العصيان، غاية الأمر كونها

____________

(1) مريم (19): 32.

(2) هود (11): 106.

(3) الزلزال (99): 8.

177

مكفّرة بترك الكبائر.

و من هذا صار المعظم إلى ذلك، و في الكفاية (1) ظهور الاتّفاق عليه، و عرفت من بعضهم إرجاع الكلّ إليه.

ثمّ إنّ ما ذكرنا من كون الإيعاد بالنار يلزم أن يكون على الوجه الذي بيّناه من التصريح به في الكتاب أو التعريض، إنّما هو على التعويل على متفاهمنا منه، و إلّا فإذا استنبطه الإمام (عليه السلام) منه على وجه لا نعلمه ظاهرا و دلّ عليه خبر معتبر فهو المتبع، و يعمل به، كشرب الخمر المعلّل في رواية عبد العظيم، لكونه كبيرة بأنّ اللّه سبحانه نهى عنها كما نهى عن عبادة الأوثان، استنباطا له من مقارنته لها في النهي موافقته لها في العقوبة، و حيث إنّها النار في الشرك في موضع آخر من الكتاب، فكانت له أيضا.

بل لو دلّ حديث معتبر على أنّ الذنب الفلاني كبيرة، من غير ذكر علّة، و لم نجد مصرّحا عليه بالإيعاد بالتدبّر في الكتاب، لزم اتّباعه تعويلا على ثبوت الوعيد بها فيه على وجه لا نعلم، للتوفيق بينه و بين الأخبار المتقدمة المعرّفة للكبائر بالتوعيد بالنار في الكتاب، أو تخصيصا به بعموم مفهوم حصر تلك الأخبار النافي للكبيرة عن غير ما أوعد اللّه تعالى.

و على هذه الجملة، فالصواب جعل المتّبع في معرفة الكبائر ما عدّ في حديث الفضل الذي أشرنا إليه، المرويّ في عيون الأخبار بأسانيد متعدّدة، فيما كتب به مولانا الرضا (عليه السلام): أنّ الكبائر هي: قتل النفس التي حرّم اللّه تعالى، و الزنا، و السرقة، و شرب الخمر، و عقوق الوالدين، و الفرار من الزحف، و أكل مال اليتيم ظلما، و أكل الميتة و الدم و لحم الخنزير و ما أهلّ لغير اللّه به من غير ضرورة، و أكل الربا بعد

____________

(1) كفاية الأحكام: 278.

178

البيّنة و السحت، و الميسر و هو القمار، و البخس في المكيال و الميزان، و قذف المحصنات، و اللواط، و شهادة الزور، و اليأس من روح اللّه، و الأمن من مكر اللّه، و القنوط من رحمة اللّه، و معونة الظالمين، و الركون إليهم، و اليمين الغموس (1)، و حبس الحقوق من غير عسر، و الكذب، و الكبر، و الإسراف، و التبذير، و الخيانة، و الاستخفاف بالحجّ، و المحاربة لأولياء اللّه سبحانه، و الاشتغال بالملاهي، و الإصرار على الذنوب (2).

و في بعض النسخ (3): و الإصرار على الصغائر من الذنوب، فإنّ هذه الرواية أكثر جمعا من غيرها، فيخصّص بها عموم النفي المفهوم من الحصر في غيرها، أو يبنى على كون الجميع مما أوعد عليه بالنار في القرآن، و إن لم نعلمه. و في رواية أبي خديجة (4) المعلّلة للكبائر بذكر آيات التوعيد لها، بعض ما ليس في تلك الرواية، و هو السحر، معلّلا بقوله تعالى وَ لَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرٰاهُ مٰا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلٰاقٍ (5) و ترك الصلاة متعمّدا، أو شيئا مما فرض اللّه سبحانه، و كتمان الشهادة.

و في مرسلة الفقيه (6): إنّ الحيف في الوصية من الكبائر.

فيعتدّ (7) بذلك كلّه.

الثاني: قد علمت من خبر الفضل أنّ من الكبائر الإصرار على الصغائر.

و يدلّ

____________

(1) اليمين الغموس (بفتح الغين)، أي الكاذبة التي يتعمّدها صاحبها.

(2) وسائل الشيعة 15: 329، الباب 46 من أبواب جهاد النفس، الرواية 20660.

(3) نفس المصدر 15: 324، الرواية 20640.

(4) نفس المصدر 15: 318، الرواية 20629.

(5) البقرة (2): 102.

(6) نفس المصدر 15: 327، الرواية 20650.

(7) فيعتمد (خ).

179

عليه- أيضا- ما في رواية الحسين (1): لا كبيرة مع الاستغفار، و لا صغيرة مع الإصرار.

و صرح به كثير من أعيان الطائفة، بل قال مولانا الأردبيلي (2): لا خلاف فيه. و به يجبر قصور سند الخبرين.

و اختلفوا في حدّ الإصرار، فعن بعضهم: أنّه المداومة على نوع واحد.

و عن الذخيرة (3) و البحار (4) و الرياض (5): أنّه المناسب للمعنى المفهوم من الإصرار.

و عن آخر: أنّه الإكثار من جنس الصغائر بلا توبة، سواء كان من نوع واحد أو أنواع مختلفة، و به صرّح في المسالك (6) و الروضة (7) و كشف الرموز (8)، قائلين بتحقق الإصرار به.

و في الكفاية (9) و الروض (10)، و عن الذخيرة (11) و البحار (12)، و كونه قادحا في العدالة، بل في المحكيّ عن الأوّل، الإجماع عليه.

و عن الثاني: عدم الخلاف فيه.

____________

(1) بحار الأنوار 88: 30؛ أصول الكافي 2: 288، كتاب الإيمان و الكفر،

(2) مجمع الفائدة و البرهان 2: 351، كتاب القضاء، الشروط العامة للشاهد.

(3) ذخيرة المعاد: 304.

(4) بحار الأنوار 88: 30.

(5) رياض المسائل 2: 390.

(6) مسالك الأفهام 2: 321.

(7) الروضة البهية 3: 130.

(8) كشف الرموز 3: 517.

(9) كفاية الأحكام: 279.

(10) روض الجنان: 289.

(11) ذخيرة المعاد: 304.

(12) بحار الأنوار 85: 25.

180

و كلام هؤلاء لا يدلّ على كونه داخلا في معنى الإصرار، بل في التحرير (1): ما يدلّ على التغاير و اشتراكهما في القدح، حيث قال: و عن الإصرار على الصغائر و الإكثار منها.

و عن ثالث: حصوله بالعزم على فعل الصغيرة بعد الفراغ. صرّح بتحقّق الإصرار به المحقق الأردبيلي (2)؛ حاكيا إياه عن الأكثر. و صرّح بدخوله فيه في المسالك (3) و الروضة (4) و الكشف (5)، و قواه في البحار (6).

و عن رابع: تحقّق الإصرار بالثلاثة، ذهب إليه الشهيد في قواعده (7)، جاعلا للأوّلين إصرارا فعليا، و الأخير حكميا.

و عن خامس: أنّ المراد بالإصرار عدم التوبة، نقله في الذخيرة (8) و غيره عن بعضهم.

للأوّل، تصريح أهل اللغة. قال في الصحاح: صررت على الشيء: أي أقمت و دمت عليه، نحوه ما في النهاية الأثيرية (9) و القاموس.

و للثاني صدق الإصرار عليه عرفا، بل صدق المداومة على الإكثار.

____________

(1) تحرير الأحكام: 208.

(2) مجمع الفائدة و البرهان 2: 351.

(3) مسالك الأفهام 2: 321.

(4) الروضة البهية 3: 130.

(5) كشف الرموز 3: 517.

(6) بحار الأنوار 88: 29.

(7) القواعد و الفوائد 1: 227.

(8) ذخيرة المعاد: 304.

(9) النهاية لابن الأثير 2: 22.

181

و للثالث تبادره من الإصرار. و في البحار: و يقال في العرف: فلان مصرّ على هذا الأمر، إذا كان عازما على العود إليه، مضافا إلى فحوى خبر الجابر الآتي.

و للرابع ما للثلاثة.

و للخامس رواية جابر عن الباقر (عليه السلام) في قول اللّه عزّ و جلّ وَ لَمْ يُصِرُّوا عَلىٰ مٰا فَعَلُوا (1) قال: «الإصرار أن يذنب و لا يستغفر و لا يحدث نفسه بالتوبة» (2)، مضافا إلى أنّ ترك التوبة معصية أيضا، فيتحقق به الإصرار بعد المعصية.

أقول: و للنظر في الكلّ مجال:

أمّا الأوّل: فلمنع انحصار الإصرار به، و منع لزوم كون متعلّق الإصرار نوعا واحدا، حيث لا يساعده عرف و لا لغة، بل مقتضى كون المتعلق جنسا، أي مطلق الصغيرة حصول الإصرار على الجنس بأفراده، و لو من أنواع مختلفة.

و أمّا الثاني: فلمنع صدق الإصرار على مطلق ما يصدق عليه الإكثار، و لذا جعله في التحرير (3) مغايرا للإصرار.

نعم، إن أريد من الإكثار حدّا كاملا من الكثرة، كما لعلّه الظاهر من ظاهر لفظ الإكثار من الذنوب. و جعل تحديده في الذخيرة (4) و الكفاية (5) و البحار (6) و الرياض (7)،

____________

(1) آل عمران (3): 135.

(2) وسائل الشيعة 15: 339، الباب 48 من أبواب جهاد النفس، الرواية 20682؛ بحار الأنوار 6: 32، الباب 20، الرواية 40.

(3) تحرير الأحكام: 208.

(4) ذخيرة المعاد: 304.

(5) كفاية الأحكام: 280.

(6) بحار الأنوار 88: 30.

(7) رياض المسائل 9: 447.

182

فيما لم يكن من نوع واحد، بكون ارتكابه للذنب أغلب من اجتنابه عنه من غير توبة، لم يكن بعيدا.

و أمّا الثالث: فلأنّ صدق الإصرار عليه عرفا غير معلوم، كما يظهر التأمّل فيه من الذخيرة و الرياض و المستند، و لو قلنا بقدحه في العدالة، فليس من جهة صدق الإصرار. و منه يظهر ما في الرابع.

و أمّا الخامس: فلما في الحجة الأولى من مخالفة الرواية للشهرة العظيمة و ندرة القول به، بل قيل بعدم معلومية القائل به، فيسقط به عن الحجيّة، و مع ذلك مخالف للعرف و العادة، بل في الحديث المشهور (1): «لا صغيرة مع الإصرار و لا كبيرة مع الاستغفار» إيماء بأنّ الإصرار لا يحصل بعدم الاستغفار، و بقرينة المقابلة، فلعلّ الخبر في تفسير الآية و الإشارة باللّام إلى خصوص الإصرار المذكور فيها.

و في الثانية، فإن ترك التوبة بنفسه معصية أخرى، لا دخل له بفعل الصغيرة، و صيرورتها كبيرة. مع أنّ الظاهر المتبادر من الإصرار على الذنوب أو الصغائر المذكور في الرواية تكرّر فعلها و تجدّده، فلا يصدق على الاستمرار على ترك التوبة عن ذنب، لعدم صدق تعدّد الترك على الترك المستمرّ، كما لا تعدّ ترك إزالة النجاسة عن المسجد في كلّ آن ذنبا على حدّة، فكان استمراره في نصف يوم مثلا كبيرة باعتبار كونه إصرارا.

و بالجملة: الظاهر اعتبار تعدّد متعلّق ترك التوبة من الذنوب المتعدّدة في صدق التعدّد و التكرّر على الترك، لا مجرّد الاستمرار على ترك واحد، و هذا هو المستفاد من كلمات القوم.

نعم، لا يبعد القول به في الأفعال الوجودية، كلبس الرجل الحرير المحض طول

____________

(1) بحار الأنوار 88: 30.

183

النهار، و إدامة النظر على أجنبية في ساعة أو أكثر، و إن كان فيه تأمّل أيضا، لاحتمال عدّه في العرف فعلا واحدا، إلّا إذا انقطع ثم فعل ثانيا، و لذا لو ورد أن عقاب لبس الحرير كذا، أو النظر إلى الأجنبية كذا، فالظاهر عدم تعدّد الجزاء بفعل أحدهما ممتدا في زمان، فلا يجعل فعله في كل آن معصية مستقلة، بخلاف ما إذا انقطع و تجدّد.

و اختلاف الأمر الشرعي بأمثال تلك الاعتبارات غير مستبعد، كما في غسل الثوب مرّتين، فإنّه لا يعدّ امتداد وقوعه في الماء بقدر المرّتين غسلتان، و لا يحصل به التطهير فيما يشترط فيه التعدّد.

و كيف كان، فلا يحصل الإصرار بامتداد فعل صغيرة واحدة، فلا يصير لأجل الإصرار كبيرة.

نعم، لا يبعد كونه- حينئذ- قادحا للعدالة و صيرورتها كبيرة، إذا كان البقاء عليه ناشئا عن عدم المبالاة، و استصغار الذنب، و العزم على بقائه، كما عسى أن يظهر دعوى الاتفاق من بعض الكلمات.

و في الذخيرة (1) و الرياض (2)، بعد منع كون العزم على العود إلى فعل الصغيرة إصرارا، قالا: ففي كونه قادحا تأمّل، إن لم يكن اتفاقيا.

و قال بعض الأجلّة: و يستفاد من جماعة حصول القدح ببعض ما لا يصدق عليه الإصرار حقيقة، و يستفاد من بعضهم دعوى الإجماع عليه، انتهى.

و التحقيق: أنّ مناط معرفة معنى الإصرار العرف و اللغة، و الظاهر منهما أنّ مطلق الإكثار غير كاف في صدقه، فلا يكتفي بمجرّد فعلها مرات عديدة كثلاثة، بل

____________

(1) ذخيرة المعاد: 304.

(2) رياض المسائل 9: 447.

184

يشترط فيه الملازمة و المداومة العرفية في الإكثار، بل الظاهر اعتبار بقاء الحالة الباعثة على الملازمة له في النفس أيضا، أي النيّة الحكمية الكائنة فيها، و إن لم نقل باشتراط العزم الفعليّ على العود إليه، فلا يصدق ظاهرا مع العزم على الترك، و إن لم يكن توبة شرعية، كما إذا كان لمصلحة دنيوية.

و كذا الظاهر عدم اشتراط كون الإصرار على نوع واحد على ما أشرنا إليه من صدق الإصرار على الصغار أو الصغيرة على المداومة على جنسها، و مراعاة الاحتياط في مطلق الإكثار، بل في المرّة مع العزم على العود أولى، بل جعل الشهيد في قواعده (1) الثاني إصرارا، و إن كان فيه تأمّل.

البحث الثالث: اختلفوا في توقّف العدالة الشرعية على المروة على قولين.

و مرادهم من التوقف عليها، يحتمل كونه على وجه الجزئية و دخولها في الماهيّة، كالمعاصي، أو على الشرطية، لا بمعنى كونها شرطا لمشروط العدالة، فكانت شرطا آخر لقبول الشهادة في قبال العدالة، كما ربما يحكى عن بعضهم، بل شرطا لمقبولية العدالة، و ترتّب الأثر عليها في مشروط العدالة. و جعلهم الفسق في مقابل العدالة، و اتفاقهم على عدم كون التخلّف عن المروّة فسقا يوافق الثاني.

و على الجملة، فالقول الأوّل للشيخ في المبسوط (2)، و الحلّي (3) و الفاضل (4) في كتبه

____________

(1) القواعد و الفوائد 1: 227.

(2) المبسوط 8: 217.

(3) السرائر 2: 117.

(4) مختلف الشيعة 7: 71.

185

في الفروع و الأصول، و الشهيد الأوّل (1)، و المحقّق الثاني (2)، و صاحب المعالم (3)، و عن البحار (4) و الرياض (5): أنّه المشهور.

بل عن الكشف (6) أنّه المشهور بين الفريقين، و عن الذخيرة (7) و المدارك (8) نسبته إلى المتأخرين، مشعرة باتفاقهم عليه، و عن كنز العرفان (9) إلى الفقهاء.

و القول الثاني للمحكيّ عن المفيد (10)، و الشيخ في العدّة (11)، و الروض (12)، و المحقّق الأردبيلي (13)، و الذخيرة (14)، و المدارك (15)، و البحار (16)، و الرياض (17).

____________

(1) القواعد و الفوائد 1: 227.

(2) جامع المقاصد 2: 372.

(3) معالم الأصول: 204.

(4) بحار الأنوار 85: 30.

(5) رياض المسائل 2: 492.

(6) كشف اللثام 2: 374.

(7) ذخيرة المعاد: 305.

(8) مدارك الأحكام 4: 68.

(9) كنز العرفان 2: 384.

(10) المقنعة: 725.

(11) العدّة: 379.

(12) روض الجنان: 363.

(13) مجمع الفائدة و البرهان 12: 312.

(14) نفس المصدر: 304.

(15) مدارك الأحكام 4: 68.

(16) بحار الأنوار 85: 30.

(17) رياض المسائل 2: 492.

186

و قوّاه والدي العلّامة (1) و بعض من عاصره، بل قيل: يمكن استفادته من نهاية الشيخ (2) و الحلّي (3) و القاضي (4).

ثمّ المراد بالمروّة على ما هو المتحصّل من عباراتهم المختلفة المتقاربة في تفسيرها، كونه مجتنبا عمّا لا يليق بأمثاله، مما يؤذن بخسة النفس و الدناءة، من المباحات و الصغار من المحرّمات التي لا يبلغ حدّ الإصرار المسقطة للعزّة من القلوب، و منه ما يستهزء و يستسخر به لأجله.

استدلّ الأوّلون بالأصل و الشهرة و توقف المقصود من اشتراط العدالة عليها، إذ عدمها إمّا لخبل أو ضعف عقل أو لقلّة حياء، و عدم الوثوق مع الأوّل ظاهر. و مع الثاني، فلأنّ من لا حياء له يصنع ما يشاء، كما في الخبر المرويّ (5) عن الكاظم (عليه السلام):

«لا دين لمن لا مروّة له، و لا مروّة لمن لا عقل له».

و يضعف الأوّل بإطلاق ما مرّ من إطلاق الأخبار المفسّرة للعدالة بما ليس فيه إشعار بمدخلية المروة فيها، لا شطرا و لا شرطا.

و الثاني بعدم الحجّية، سيما مع خلو الأخبار عنه، مع وجود الداعي، و قبح تأخير البيان الموجب لقوة الظن بعدم الاشتراط المنافي للظنّ الحاصل من الشهرة الذي هو مناط الحجّية عند القائل بها.

و الثالث بمنع كلّية المقدّمة الأولى، و منع الثانية، إذ المفروض وجود ما يقتضي

____________

(1) مستند الشيعة 2: 629.

(2) النهاية: 325.

(3) مختلف الشيعة 7: 71.

(4) المهذب البارع 2: 556.

(5) بحار الأنوار 1: 141؛ و 78: 303.

187

التكليف من العقل و الورع عن المعصية المانع عن الكذب، و إلّا فأصل العدالة كان منتفيا.

و الرابع بضعفه سندا و دلالة، لعدم العلم بما هو المراد من المروّة فيه، بل قيل: إنّ استعمال المروّة بالمعنى الذي ذكره الأصحاب غير معروف في كلامهم، و حينئذ فالأظهر حمله على بعض المعاني المرويّة عنهم في تفسيرها. انتهى.

قال والدي العلّامة (1): ورد تفسيرها في الأخبار بغير هذا المعنى، ففي مرسلة الفقيه (2) عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «إنّ المروّة استصلاح المال».

و في أخبار أخر (3): إنّها إصلاح المعيشة. و في ثالث (4): إنّها ستّة، ثلاثة في الحضر: تلاوة القرآن، و عمارة المساجد، و اتّخاذ الإخوان، و مثلها في السفر، هي:

بذل الزاد، و حسن الخلق، و المزاح في غير معاصي اللّه سبحانه.

و في رابع (5): إنّها أن يضع الرجل خوانه بفناء داره، إلى غير ذلك. و ليس في شيء من هذه المعاني المروية ما يوافق ما ذكره الأصحاب في معنى المروّة. انتهى.

نعم، روي في الموثّق (6): «من عامل الناس فلم يظلمهم، و حدثهم فلم يكذبهم، و وعدهم فلم يخلفهم، فهو ممن كملت مروّته، و ظهرت عدالته، و وجبت أخوته، و حرمت غيبته» إلّا أنّ غايته الدلالة على توافق العدالة و كمال المروة في حصولهما باجتناب تلك المعاصي الثلاث.

فإن قلنا: بكونها جميعا من الكبائر، فهي من تلك الجهة قادحة في العدالة، و أين

____________

(1) مستند الشيعة 2: 629.

(2) وسائل الشيعة 11: 436، الباب 49 من أبواب آداب السفر، الرواية 15193.

(3) روضة الكافي: 241، معنى الشرف و المروة و العقل، الحديث 331.

(4) وسائل الشيعة 11: 320، الباب 49، الرواية 15184.

(5) نفس المصدر: الرواية 15196.

(6) نفس المصدر 8: 116، الباب 11 من أبواب صلاة الجماعة، الرواية 10772.

188

هو من معنى المروّة الذي ذكره الأصحاب.

و إن لم نقل به فمقتضى مفهومه أنّ من لم يجمع الثلاثة لا يجمع الأربعة و منها كمال المروّة، و أين هو من اشتراطها في العدالة؟

و استدلّ الآخرون بوجوه:

منها: الأصل. قال في مجمع الفائدة (1): دخول المروة في العدالة غير بيّن؛ للأصل، و لعدم ثبوتها معها، لا شرعا و لا لغة.

و منها: خلوّ الأخبار عن بيان توقّف العدالة على المروّة.

أشار اليه في مجمع الفائدة (2)، و المدارك (3)، و الذخيرة (4)، و الكفاية (5)، و الرياض (6).

و منها: أن عدم قدح ارتكاب الصغائر في العدالة يستلزم عدم قدح ارتكاب خلاف المروّة فيها بطريق أولى.

أقول: حقّ المقام أنّ مراد القائلين بتوقّف العدالة على المروّة، إن كان بحسب نفس الأمر، فهو مجرّد دعوى لا دليل عليها، و إطلاق الأدلّة حجّة عليها، بل عدم الدليل مع توفر الدواعي و قبح ترك البيان في الأخبار المفسّرة مع تكثر الحاجة يؤمي إلى عدمه واقعا.

مضافا إلى الفحوى المشار إليها في الدليل الأخير، في أقل ما يصدق عليه خلاف المروّة بالمعنى الذي ذكروه، الذي يتعدّى عنه إلى غيره بعدم القول بالفصل.

____________

(1) مجمع الفائدة و البرهان 12: 312.

(2) نفس المصدر.

(3) مدارك الأحكام 4: 68.

(4) ذخيرة المعاد: 305.

(5) كفاية الأحكام: 279، كتاب الشهادات.

(6) رياض المسائل 9: 452.

189

و إن كان مرادهم كون المروّة متوقّفا عليها في طريق معرفة العدالة، فعلى القول بحصول الكشف بحسن الظاهر أو عدم ظهور الفسق، فعدم التوقف ظاهر، و على القول بالاختبار الباطني العلمي عن الملكة، فاطراد التوقف- أيضا- ظاهر العدم.

نعم، يمكن التوقف في بعض الموارد باعتبار عدم حصول العلم بملكة الاجتناب عن المعاصي مع عدم المبالاة، فلأنّ المروّة و [عدم] ارتكاب القبائح العرفية المنافية للحياء ممدوح في الشريعة، كما أنّه يقدح خلافها على الأوّلين- أيضا- إذا بلغ حدّا يوجب ارتكاب ما هو مخالف للشرع أو ينبئ عن جنون، أو يقدح في معرفة صفة الستر و العفّة.

و كيف كان، فالتوقّف ليس كليا، فلا يناط العدالة بها، بل بعدم العلم بالفسق، أو بما ينافي حسن الظاهر على الأوّلين، و بما يزول معه العلم بالملكة على الأخير، فإذن فالمعتمد عدم اشتراط المروّة في العدالة، و مراعاة الاحتياط أولى.

تتميمات:

الأوّل: عدّوا من منافيات المروّة الموجبة لسقوطها أمورا كثيرة،

كالأكل في الطرقات، و مدّ الرجلين في مجالس الناس، كما عن المبسوط (1) و المدارك (2).

و لبس الثياب المصنعات للنساء، كما عن الأوّل.

و الأكل في السوق، كما عن الفاضل في القواعد (3) و فخر الإسلام (4) و الشهيدين (5)

____________

(1) المبسوط 8: 27.

(2) مدارك الأحكام 4: 68.

(3) قواعد الأحكام 1: 237.

(4) إيضاح الفوائد 4: 321.

(5) الدروس الشرعية 2: 125؛ الروضة البهية 3: 130.

190

و الكركي (1) و الأردبيلي (2) و الخراساني (3) و المجلسي (4) على اختلاف في التقييد له بالغالب، أو في أكثر البلاد، أو بغير سوقي أو بدوي، إلّا إذا غلبه العطش.

و الأكل في المجامع، كما عن الروض (5).

و اللعب بالحمام، كما في القواعد (6).

و لبس الفقيه لباس الجندي أو بالعكس مطلقا، أو بحيث يستسخر منه، أو في البلاد التي لم تجر عادة الفقهاء لبس هذا النوع من الثياب، كما في الدروس (7) و المسالك (8) و الذخيرة (9) و البحار (10).

و لبس التاجر لباس الحمالين و نحوهم، بحيث يصير مضحكة، كما في المسالك (11).

و في القواعد (12): لبس الفقيه من القباء (13) و القلنسوة غالبا في غير محلّ العادة.

____________

(1) جامع المقاصد 2: 372.

(2) مجمع الفائدة و البرهان 12: 312.

(3) ذخيرة المعاد: 303.

(4) بحار الأنوار 85: 30.

(5) روض الجنان: 363.

(6) قواعد الأحكام 1: 237.

(7) الدروس الشرعية 2: 125.

(8) مسالك الأفهام 2: 321.

(9) ذخيرة المعاد: 304.

(10) بحار الأنوار 85: 30.

(11) مسالك الأفهام 2: 321.

(12) قواعد الأحكام 1: 237.

(13) العباء (خ).

191

و كشف الرأس بين جمهور الناس، أو عند من ليس كذلك، كما في الإيضاح (1) و الروض (2) و المسالك (3) و الروضة (4) و مجمع الفائدة (5).

و السخرية أو كثرتها، كما في الدروس (6) و التنقيح (7) و الروضة (8).

و كشف العورة التي يتأكّد استحباب سترها في الصلاة، كما في الدروس (9) و المفاتيح.

و البول في الشوارع وقت سلوك الناس، كما في جامع المقاصد (10) و الروض (11) و الذخيرة (12) و البحار (13) مطلقا، أو فيمن يوجب انحطاط مرتبته عادة.

و كثرة الحكايات المضحكة، كما في المسالك (14) و الروضة (15) و الذخيرة (16)

____________

(1) إيضاح الفوائد: 421/ 4.

(2) روض الجنان: 363.

(3) مسالك الأفهام 2: 321.

(4) الروضة البهية 3: 130.

(5) مجمع الفائدة و البرهان 12: 312.

(6) الدروس الشرعية 2: 125.

(7) التنقيح الرائع 4: 329.

(8) الروضة البهية 3: 130.

(9) الدروس الشرعية: 190.

(10) جامع المقاصد 2: 372.

(11) روض الجنان: 363.

(12) ذخيرة المعاد: 304.

(13) بحار الأنوار 85: 30.

(14) مسالك الأفهام 2: 321.

(15) الروضة البهية 3: 130.

(16) ذخيرة المعاد: 304.

192

و مجمع الفائدة (1).

و تقبيل أمته و زوجته في المحاضر و بين الناس أو حكاية ما يجري بينه و بينها في الخلوة للناس، كما في أكثر الكتب المذكورة.

و المضايقة في اليسير الذي لا يناسب حاله، كما في الذخيرة (2).

و أن يخرج من حسن العشرة مع الأهل و الجيران و المعاملين، كما في المسالك (3) و مجمع الفائدة (4)، و في الثاني مثل ذلك مع مخالطيه و معامليه، بأن يضايق معهم في الطعم القليل، و يأكل وحده أطعمة طيّبة يطعمهم أقلّ ما يجزي شرعا و له مال كثير و لا يلتفت إلى الجيران بإطعام و ماء و نار و يضايقهم في الأمور المشتركة، و يضايق معامليه في الشيء الدون الذي لا ينبغي المسامحة عن مثله من مثله. و نحو ذلك أن يفعل مالا يليق بأمثاله بالنسبة إلى الناس. انتهى.

و أن يبتذل الرجل المعزّ بنقل الماء و الأطعمة إلى بيته، إذا كان ذلك عن شحّ و ظنّة، و لو كان عن استكانة أو اقتداء بالسلف لم يقدح ذلك في المروّة، كما في المسالك (5) و مجمع الفائدة (6).

ثم إنّ سقوط المروّة بأمثال ذلك على ما صرّح به جماعة و يشير إليه كلام جمع من هؤلاء الأجلّة يختلف باختلاف الناس، و تفاوت مراتبهم و أزمنتهم و أمكنتهم، و عادات البلاد و الأعصار، فقد يكون شيء مطلوبا في وقت، مرغوبا عنه في وقت

____________

(1) مجمع الفائدة و البرهان 12: 312.

(2) ذخيرة المعاد: 304.

(3) مسالك الأفهام 2: 321.

(4) مجمع الفائدة و البرهان 12: 312.

(5) مسالك الأفهام 2: 321.

(6) مجمع الفائدة و البرهان 12: 312.

193

آخر، و كذا بالنسبة إلى شخص دون غيره و في بلد دون غيره فالمناط هو استهجان الفعل في نظر أهل الشرف و الديانة و ذوي العقول الصافية.

نعم، بعض ما ذكروه مما اتفقت عليه العادات في جميع الأحوال، فيسقط به المروة مطلقا، إلّا إذا كان لعذر، كتقبيل الزوجة في المحاضر، و حكاية الخلوة فيها، و نحو ذلك.

و مما يختلف به الحال، اختلاف القصد و النية، كما سمعت في بعض ما ذكر، مثل نقل الماء و الأطعمة إلى بيته إذا كان ذلك عن شحّ دون الاستكانة و الاقتداء بالسلف.

قال المقدّس الأردبيليّ بعد ذكر عدم منافات قصد الاستكانة فيه للمروة، فذلك ليس من ترك المروّة في شيء، بل من الطاعات و القربات و الامتياز بالقصد، و يعرف ذلك من أفعال الناس و أعمالهم و أخلاقهم، مثل أن يكون عادته أن يأكل ما يجد و يلبس كذلك، و يفعل ما تيسّر، و يجلس على الأرض و التراب، و يأكل عليها من غير سفرة، و يجلس جلسة العبيد، و يأكل أكلهم، كما نقل عن فعل النبيّ (1) و قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في جواب من سأل عن ذلك: «ويحك من أولى منّي بالعبودية حتّى لا أفعل أنا فعل العبيد، و لا أجلس جلستهم، و لا آكل أكلهم» (2)، انتهى.

و من هنا يظهر ما في تعليل المحدّث المجلسي لنفي اشتراط المروة مطلقا، بظهور خلافه من الأخبار، بقوله: و من كان أشرف من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و كان يركب الحمار العاري، و يردف من خلفه، و يأكل ماشيا إلى الصلاة، كما روي (3)، انتهى.

فإنّ فعله المنزّه عن القبائح لا يقاس عليه فعل غيره، مع إمكان الاختلاف في الحسن و القبح عن مثله مطلقا.

____________

(1) وسائل الشيعة 24: 372، الباب 68 من أبواب آداب المائدة، الرواية 30811.

(2) مجمع الفائدة و البرهان 12: 314.

(3) بحار الأنوار 16: 285، الباب 9، الحديث 136؛ و 88: 30، الباب 2، الحديث 1.

194

الثاني: قال في الروضة (1)، و الروض (2)، و الذخيرة (3): لا يقدح في المروة فعل السنن و إن استهجنها الناس،

كالكحل و الحناء و الحنك في بعض البلاد، و إنّما العبرة بغير الراجح شرعا.

أقول: هذا مع قصد الامتثال و القربة، كما لعلّه ظاهر كلامهم لا شبهة فيه و أمّا إذا قصد بها غيره، فالظاهر أنّه كذلك أيضا، لوجوب اشتمالها للحسن الخالي عن القبح و المهانة قبل تعلّق الأمر و حصول القربة به.

و اختلاف الحسن و القبح باختلاف النيّات في غير السنن- كما سمعت- لا يقاس به السنن، لوجوب ثبوت الحسن فيها قبل النية، بل قبل الأمر، و إلّا لزم الدور.

نعم، إذا كان معه نية زائدة قبيحة ظاهرة يستهجن معها، كالرياء في الحنك مثلا، أمكن القول بكونه معها خلاف المروّة.

الثالث: ترك جميع المستحبّات ما لم يبلغ حدّ التهاون ليس منافيا للمروّة من حيث ترك الاستحباب،

فلا يسقط بها العدالة عند مشترطها، كما نصّ به جماعة، بل عليه ظاهر الإجماع، كما في الكفاية و غيره له (4)، و لإطلاق الأدلّة و فحوى ما دلّ على أنّ الصغيرة ليست قادحة و عموم أدلّة قبول الشهادة و إن بلغ حدّ التهاون، فعن صريح الشرائع (5) و التحرير (6) و الدروس (7)

____________

(1) الروضة البهية 3: 130.

(2) روض الجنان: 363.

(3) ذخيرة المعاد: 305.

(4) في الأصل: الإجماع، كالكف و غيره له.

(5) شرائع الإسلام 4: 129.

(6) تحرير الأحكام 2: 208.

(7) الدروس الشرعية 2: 125.

195

و الروضة (1) و الكشفين (2) قدحه فيها، بل عن المسالك (3) قدح ترك صنف منها كالنوافل منها أيضا، استنادا إلى كونه خلاف المروّة، كما في الروضة (4)، بل ربما يحتمل كونه معصية، لدلالته على قلة المبالاة بأمر الدين، فيكون قادحا، و فيه نظر. و الأمر سهل، إذ لا يتّفق عادة ترك جميع المستحبّات، كما نبّه عليه بعضهم.

و من هذا يظهر عدم قدح ترك خصوص الجماعة في العدالة أيضا، إلّا إذا بلغ حدّ الاستهانة و الاحتقار و الاستخفاف.

و عن السبزواري و الأردبيلي و المجلسي قدحه فيها للخبرين:

أحدهما: رواية ابن أبي يعفور (5) عن الصادق (عليه السلام) قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «لا غيبة لمن صلّى في بيته و رغب عن جماعتنا، و من رغب عن جماعة المسلمين وجب على المسلمين غيبته، و سقط عندهم عدالته، و وجب هجرانه، و إذا رفع إلى إمام المسلمين أنذره و حذره، فإن حضر جماعة المسلمين، و إلّا أحرق عليه بيته، و من لزم جماعتهم حرمت عليهم غيبته، و ثبتت عدالته».

و الآخر المرويّ في البحار (6) عن الشهيد الثاني عن الباقر (عليه السلام): قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «من سمع النداء فلم يجبه من غير علّة فلا صلاة له» (7)، و قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): لا صلاة لمن لا يصلّي في المسجد مع المسلمين، إلّا من علّة، و لا

____________

(1) الروضة البهية 3: 130.

(2) كشف اللثام 2: 19؛ و كشف الغطاء 1: 266.

(3) مسالك الأفهام 2: 321.

(4) الروضة البهية 3: 130.

(5) وسائل الشيعة 8: 319، الباب 11 من أبواب صلاة الجماعة، الرواية 10778.

(6) بحار الأنوار 85: 5.

(7) وسائل الشيعة 8: 291، الباب 11، الرواية 10694.

196

غيبة إلّا لمن صلّى في بيته، و رغب من جماعتنا و من رغب عن جماعة المسلمين سقطت عدالته، و وجب هجرانه، و إن رفع إلى إمام المسلمين أنذره (1)، الحديث.

و هما مدفوعان: أوّلا بضعف السند، مع عدم الجابر، سيما مع ندرة القائل، و اشتمالها على ما لم يقل به أحد.

و ثانيا بضعف الدلالة، ضرورة أنّهما ليسا على ظاهرهما، للإجماع على عدم كون ترك الجماعة فسقا و مجوّزا للغيبة و سببا يوجب الهجران، مضافا إلى ما في الأوّل من التعذيب و الحرق في جوف بيته المنافي للاستحباب، و في الثاني من نفي الصلاة عن من لم يجب النداء و لم يصلّ في المسجد مع المسلمين من غير علّة.

فلا بدّ من تنزيلهما، إما على الاستهانة و الإعراض و الاحتقار، كما أشار إليه الشهيد في الذكرى (2)، و يشعر به سياق الخبرين، من قوله: «رغب عن جماعتنا و عن جماعة المسلمين» و ظهور ذيلهما سيما الأوّل- في المداومة على الترك الناشئة غالبا عن الاستهانة و التبغّض، أو تقييدهما بترك الجماعة الواجبة، كالجمعة و العيدين. و حمل الأخير على مجرّد المداومة على الترك، و حمل نفي الصلاة على نفي الكمال، و وجوب الهجران و الإنذار على مجرد المبالغة، لا يخرجه عن الإجمال المنافي للاستدلال.

و ثالثا بمعارضتهما لبعض ما تقدّم، كموثق سماعة (3): «من عامل الناس فلم يظلمهم»، الحديث، بالعموم من وجه، و الترجيح للأخير بوجوه شتّى.

____________

(1) وسائل الشيعة 8: 317، الباب 11 من أبواب صلاة الجماعة، الرواية 10776.

(2) ذكرى الشيعة 4: 372.

(3) وسائل الشيعة 8: 319، الباب 11، الرواية 10778.

197

البحث الرابع: يتوقّف العدالة الشرعية على صحّة المذهب، فيشترط فيها الإسلام و الإيمان،

كما صرّح به العلّامة (1)، و صاحب المعالم في المنتقى (2)، و والدي العلّامة (3) و غيرهم، و إن لم نقل بتوقّف معناها المعروف في علم الأخلاق- أعني تعديل القوى النفسانية- عليه، مع أنّ فيه كلاما أيضا، إذ من القوى القوّة العاقلة، و تعديلها بحصول ملكة العلم الذي هو الاعتقاد المطابق. و الدليل عليه من وجوه:

منها: الأصل، فإنّ العدالة بهذا المعنى أمر توقيفيّ يقتصر فيه على موضع الاتفاق و النصّ، و الأوّل ظاهر الاختصاص بالمسلم و المؤمن، و كذا الثاني، لاختصاص الأخبار المتقدّمة- باعتبار تضمّنها لوجوب الأخوة و قبول الشهادة- بأهل البصيرة في الدين، و يمكن إجراء الأصل في المشروط له أيضا.

و منها: أنّ فعل الكبيرة قادح في العدالة، و أيّ كبيرة أعظم من الكفر، أو متابعة الإمام الجائر، و الردّ على المنصوب من قبل اللّه سبحانه، مع تواتر الكتاب و السنة في خلود المتّصف بهما في النار، بل يدلّ عليه خصوص ما في جملة من الأخبار من عدّ الشرك و الكفر باللّه سبحانه من الكبائر التي أوعد اللّه تعالى عليها النار، بل من أكبر الكبائر، و ما في روايتي أبي الصامت المروية في التهذيب (4)، و عبد الرحمن بن كثير المروية في الفقيه (5)، من عدّ إنكار حقوقهم، من الكبائر السبع.

____________

(1) مختلف الشيعة 8: 498.

(2) منتقى الجمان 1: 5 و أيضا في معالم الأصول: 204.

(3) مستند الشيعة 2: 226.

(4) التهذيب 4: 150، الباب 1، الرواية 39.

(5) الفقيه 3: 561، الباب 2، الرواية 4931؛ و رواه في الوسائل 15: 326، الباب 46 من أبواب جهاد النفس، الرواية 20649.

198

و ما يقال: إنّ كونه معصية كبيرة، إنما هو على فرض التقصير في التحقيق و عدم حصول العلم، و إلّا فلا يكلّف اللّه نفسا فوق معلومها، مدفوع، بأنّ قول الإمام (عليه السلام) بكونها على الإطلاق كبيرة أوعد اللّه سبحانه عليها النار، و استفاضة الآيات و الأخبار على عقوبة المتّصف بهما و خلوده في النار، مع ضرورة العقل بعدمه عند عدم التقصير و العلم بالخلاف، منبئ عن عدم تخلف البصيرة في الإيمان و حصول الاعتقاد الصحيح عن بذل المجهود في تحقيق الدين، و لا ينبّئك مثل خبير، سيما مع اعتضاد ذلك بمثل قوله تعالى وَ الَّذِينَ جٰاهَدُوا فِينٰا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنٰا (1) و سائر الاعتبارات العقلية و الشواهد الذوقية، فليس لتعرض عدم التقصير و حصول الجزم بالخلاف الخالي عن شبهة الترديد، مع تذكر الخلاف مورد أصلا. و ثانيا بما ذكره والدي العلّامة (2) بأنّه لا يقول أحد بعدالة غير المؤمن أو الكافر الذي لم يعلم في حقّه بذل الجهد في تحقيق الدين، بحيث لم يمكن فوق ذلك، و حصول العلم لنا في حقّ المخالف أو الكافر أنّه باذل جهده و سعيه، و حصل له العلم بحقّية دينه، إمّا غير ممكن، أو نادر جدّا.

و منها: أنّ مقتضى كثير مما تقدّم من الأخبار، سيما صحيح ابن أبي يعفور، في قوله (عليه السلام) (3): «و يعرف باجتناب الكبائر التي أوعد اللّه تعالى، عليها النار و كفّ الجوارح» الظاهر في الكفّ عن محرّمات دين الإسلام «و بتعاهد الصلوات الخمس و حفظ مواقيتها» اشتراط الإسلام، لعدم شموله للكافر و قوله (عليه السلام) فيه: «و إذا سئل عنه في قبيلته و محلّته قالوا ما رأينا منه إلّا خيرا» اشتراطه و اشتراط الإيمان أيضا

____________

(1) العنكبوت (29): 69.

(2) مستند الشيعة 2: 626.

(3) بحار الأنوار 88: 37، الباب 2، الحديث 1.

199

ضرورة أن ليس الكفر و الردّ على الإمام و متابعة الإمام الغاصب خيرا قطعا.

البحث الخامس: قالوا: لا يقدح الذنب إذا تاب عنه، و هذا في قبول الشهادة لعلّه لا خلاف فيه،

بل عليه الإجماع عن غير واحد. و يدلّ عليه المعتبرة المستفيضة المصرحة بقبول شهادة القاذف و السارق و المحدود بعد التوبة. و يتمّ المطلوب بعدم القول بالفصل، بل قال المولى الأردبيلي (1) بإمكان التعميم بتنقيح المناط.

و قد يستدلّ عليه بالصحيح المزبور و نحوه مطلقا، حتّى في الساعة التي تاب فيها. و فيه تأمّل، لما أشرنا إليه من توقّف صدق الاجتناب عن الكبائر و الستر و العفاف و نحوها على الإطلاق على تمادي زمان و استمرار مدّة عليه.

و أمّا في حصول العدالة فصرّح به- أيضا- جماعة، بل في مجمع الفائدة (2) لا يبعد أن يكون إجماعيا. و في إطلاقه على القول بكون العدالة ملكة راسخة إشكال، لأنّ التائب إن كان مسبوقا بالملكة، فإن لم يزل ملكته بالذنب لا يسقط عدالته، إلّا بجعل عدم المفارقة للذنب شرطا زائدا، كما أنّ الظاهر كونه إجماعيا، و سنشير إليه. و إن لم يسبق بالملكة، أو سبق و زالت بالتمادي في الذنب، فلا يحكم بمجرّد التوبة بعود العدالة مطلقا، إلّا بعد مزاولة الآثار و تكريرها إلى أن تمدّدت و عادت الملكة. و حيث إنّ ظاهر كلماتهم الاتفاق على عود العدالة بمجرّد التوبة، فهذا حجّة أخرى على القائل بالملكة، كما أشار إليه في مجمع الفائدة (3) و المستند (4). إلّا أن

____________

(1) مجمع الفائدة و البرهان 12: 321.

(2) نفس المصدر.

(3) نفس المصدر.

(4) مستند الشيعة 2: 634.

200

يقال باختصاص الاتفاق المذكور بصورة سبق الملكة، كما يشعر به قولهم في المقام بعود العدالة و قضاء العادة بعدم زوالها بمجرّد الذنب، و لكن يتّجه عليه ظهور الإجماع على قبول الشهادة بعد التوبة مطلقا، و تفكيكه عن أصل العدالة ينافي إطلاق كلماتهم. و أمّا على القول بحسن الظاهر، فيصحّ القول به.

و توقّف صدق الأوصاف المذكورة في الصحيحة على وجه الإطلاق، كالاجتناب عن الكبائر و الستر و العفاف على الاستمرار، حسب ما ذكر و سنذكر، فلا يصدق بمجرّد التوبة، غير متّجه هنا، إذ الظاهر صدقه عرفا، مع العلم بالتوبة الصحيحة، و حصول الهيئة الصالحة في النفس الباعثة على العزم على الاستمرار على تلك الأوصاف، كما نبّه عليه المقدّس الأردبيلي، و والدي العلّامة و هذا هو الدليل على ثبوت العدالة بالتوبة، على القول بحسن الظاهر، المختار عندنا فيما سيأتي، لكونه المعيار لها في الصحيحة.

ثمّ إنّه هل يكتفى في ثبوت التوبة بمجرّد إظهاره، كقول المذنب: تبت، أو أستغفر اللّه و أتوب إليه، أم يشترط العلم بتحقّق شرائطها القلبية، من الندامة عن المعاصي (1) و العزم على الآتي و غيرهما بظهور آثارها في الخارج في مدّة أمكن العلم بها و الاجتناب عنها؟

الظاهر الثاني، و حمل فعل المسلم على الصحة لا يكتفي به في مثل المقام، و إلّا اكتفى في الشاهد بقوله: أنا عادل، بل لم أجد مصرّحا به، فإنّ السبب المتوقّف عليه العدالة هو التوبة، و هي الندامة و العزم القلبيان، فيجب العلم بهما، دون قوله: تبت أو أستغفر اللّه.

المطلب الثاني: في بيان ما يكشف عن العدالة و كيفية البحث عن ثبوتها.

قد

____________

(1) في «م»: عن الماضي.

201

علمت اختلافهم في حقيقة العدالة في أنّها الملكة أو نفس التقوى. و أشرنا إلى أنّه على الأوّل يشترط مقارنة الملكة لعدم التخلّف في العمل عن الاجتناب عن الكبيرة أيضا. ثم اختلفوا ثانيا فيما يكشف شرعا عن ثبوت هذا المعنى على أقوال ثلاثة:

أحدها: أنّه البحث عن الباطن و المعاشرة التامّة، و الصحبة المتأكّدة الموجبة لمعرفة الحقيقة، حتّى أنّه على القول بالملكة يلزم الاختبار العلمي عنها المميّز بين الخلق و التخلّق، و الطبع و التكلّف، أو ثبوتها بالشياع العلمي أو شهادة العدلين، اختار ذلك أكثر المتأخّرين، بل نسبه في المسالك (1) إلى المشهور.

و ثانيها: الاكتفاء في ذلك بحسن الظاهر؛ ذهب إليه جمع من المتأخرين، و في الذكرى (2) عن بعض الأصحاب، و حكي عن الشيخ (3) أيضا. و المراد به كما عرفت ما هو في قبال الواقع، فلا يلزم البحث عن الباطن، كما على الأوّل، بل يكتفي بمعرفة الظاهر المشهود للناس.

و ثالثها: الاقتصار فيه على ظهور الإسلام، و عدم ظهور الفسق؛ حكي عن الإسكافي (4) و المفيد في الإشراف (5) و الشيخ في الخلاف (6) و المبسوط (7) و الاستبصار (8).

و الظاهر أنّ مراد هؤلاء أن ظهور الإسلام و عدم ظهور الفسق من الأمارات التعبّدية

____________

(1) مسالك الأفهام 4: 165.

(2) ذكرى الشيعة 4: 372.

(3) المقنعة: 730.

(4) مجموعة فتاوى ابن الجنيد: 328.

(5) المقنعة: 726.

(6) الخلاف 6: 217.

(7) المبسوط 8: 217.

(8) الاستبصار 2: 14، كتاب الشهادات، الباب 9، الحديث 3.

202

التي جعلها الشارع دليلا للعدالة، من قبيل اليد للملك، لا من باب الأصل و الاستصحاب، كما اشتبه الأمر على بعضهم من نسبة أصالة العدالة إلى الشيخ في الخلاف (1)، لأنّ الكلام فيما يقتضيه الأصل من العدالة أو الفسق بحث آخر، و مقتضى النظر فيه كونهما على خلافه، لتوقّف كلّ منهما على صفة وجودية.

و كيف كان، فالأوسط القول الوسط، لا لما استدلّ عليه من النصوص الدالّة على ثبوت العدالة بوجود الأوصاف العملية ككونه خيرا و معلوما بخير و عفيفا أو عدم الخلف عن الوعد و عدم الكذب، أو عدم الظلم في المعاملة، كما في الموثّق المصرّح بأنّ من له تلك الأوصاف الثلاثة كان ممّن حرمت غيبته و ظهر عدله و وجبت أخوّته، لأنها ظاهرة في الأوصاف و الأعمال النفس الأمرية، و إن كانت من أعمال الجوارح، فيجب العلم بها، و لا يحصل العلم إلّا باختبارها الواقعيّ، مضافا إلى عدم انحصار الوصف المعتبر في العدالة بما وصف في أكثرها إجماعا، و عدم دلالة الموثّق على توقّف العدالة خاصّة عليها، بل هي مع وجوب الأخوة، بل للمعتبرة المصرّحة بالاكتفاء في ثبوت العدالة بمأمونية الظاهر، كمرسلة يونس (2):

«خمسة أشياء يجب على الناس أن يأخذوا فيها بظاهر الحال: الولايات، و المناكح، و المواريث، و الذبائح، و الشهادات، فإذا كان ظاهره مأمونا جازت شهادته، و لا يسأل عن باطنه» أو بالمعروفية بالصلاح في نفسه، كصحيحة ابن المغيرة (3): «كلّ من ولد على الفطرة و عرف بصلاح في نفسه جازت شهادته» أو بالمعروفية بالستر

____________

(1) الخلاف 6: 218.

(2) وسائل الشيعة 27: 289، الباب 22 من أبواب كيفية الحكم و أحكام الدعوى، الرواية 33776.

(3) نفس المصدر 27: 398، الباب 41 من أبواب الشهادات، الرواية 34052.

203

و العفاف، و كفّ الأعضاء، و الساترية للعيوب، و التعاهد لأوقات الصلاة، كصحيحة ابن أبي يعفور.

و يؤيّد بل يدلّ على المطلوب ما رواه مولانا العسكري (عليه السلام) (1)، عن آبائه، عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، في كيفية قضاء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و اكتفائه في استركاء الشاهدين إذا لم يعرفهما بالرجوع إلى قبائلهما، فإن أثنوا عليهما بجميل ذكر صالح، قضي بشهادتهما، فلم يكتف بمجرّد الإسلام، و لم يبالغ في معرفة الحقيقة الواقعية و الاختبار الباطني، لظهور أنّ مجرّد هذا النبأ لا يوجب العلم بالواقع و وجود الملكة.

استدلّ الأوّلون بوجوه:

أحدها: أنّ العدالة أمر واقعيّ، و وصف نفس أمري، و مقتضى تعلّق الحكم عليه لزوم مراعاته، و البحث عن ثبوته و عدمه في نفس الأمر.

و ثانيها: أنّ العدالة خلاف الأصل، و كذا المشروط بها، فلا يكتفي فيها بغير العلم.

و ثالثها: أنه لا يجوز الاتّكال على شهادة من لا يفيد قوله العلم، للعمومات المانعة عن العمل بغير علم، خرج معلوم العدالة بالإجماع، و لا دليل على خروج غيره.

و رابعها: ما رواه محمّد بن هارون (2): «إذا كان الجور أغلب من الحقّ، لا يحلّ لأحد أن يظنّ بأحد خيرا حتّى يعرف ذلك منه».

و الجواب عن الأوّل: أنّ هذا يصحّ، لو لا الدليل على الاكتفاء في المعرفة بالصلاح

____________

(1) الاستبصار 3: 240، كتاب القضاء، الباب 6 من أبواب كيفية الحكم، الرواية 33678.

(2) وسائل الشيعة 19: 87، الباب 9 من أبواب الوديعة، الرواية 24216.

204

الظاهري، و قد سمعته. و تعليق الحكم على العدالة النفس الأمرية لا ينافيه، إذ الاكتفاء بالظاهر فيما دلّ عليه ليس من حيث هو، حتّى ينافيه التعليق بالواقع، بل من حيث كونه طريقا له، كما لا ينافي الاكتفاء في معرفة العدالة بشهادة العدلين.

غاية الأمر أنّ الأوّل يقتضي التعليق على نفس الأمر مطلقا، و الثاني بما إذا أصاب الطريق المذكور، و يطابقه الصلاح الظاهري، فيقيّد به للزوم تقديم المقيّد على المطلق عند التعارض.

و عن الثاني: بالخروج عن الأصل بما مرّ من الدليل.

و عن الثالث: بعد الإغماض عن بعض ما يرد عليه: أنّ النصوص المتقدّمة ظاهرة في عدم حصول العلم بما يكتفي به فيها من دليل العدالة، بل بعضها صريحة فيه، كمرسلة يونس، فيخصّص بها العمومات المانعة عن غير العلم.

و عن الرابع: أنّ النهي عن الظنّ في مثل مورد الرواية، إنّما هو للإرشاد و التنبيه على عدم الاغترار بموجب الظنّ في بدو النظر عند غلبة الجور، حملا لفعل المسلم على الصحّة، و إلّا فليس متعلق الاختبار عند موجبه، و لزم الانتقال من سبب الشك إلى سبب العلم، و هو كما ترى.

و احتجّ الآخرون بالإجماع المحكيّ في الخلاف (1)، و المستفيضة من الأخبار المكتفية في معرفتها بظاهر الإسلام، كصحيحة حريز، و فيها: «و على الوالى أن يجيز شهادتهم، أي المسلمين، إلّا أن يكونوا معروفين بالفسق» (2) و حسنة العلاء،

____________

(1) الخلاف 6: 218؛ انظر في الأخبار الكافي 7: 395، باب ما يردّ من الشهود؛ الفقيه 3: 25، باب ما يجب ردّ الشهادة؛ التهذيب 6: 242، الحديث 598؛ دعائم الإسلام 2: 509، الحديث 1820.

(2) وسائل الشيعة 27: 397، الباب 41 من أبواب الشهادات، الرواية 34049.

205

من شهادة من يلعب بالحمام: «لا بأس إذا لا يعرف بفسق» و رواية سلمة (1): «و اعلم أنّ المسلمين عدول بعضهم على بعض، إلّا مجلودا في حدّ لم يتب عنه، أو معروفا بشهادة زور، أو ظنينا».

و المرويّ في عرض المجالس: «كلّ من كان على فطرة الإسلام، جازت شهادته» إلى أن قال: «فمن لم تره بعينك يرتكب ذنبا»، أو لم يشهد عليه بذلك شاهدان، فهو من أهل العدالة و الستر، و شهادته مقبولة» و ما في الأخبار المتكثرة من الأمر بوضع أمر أخيك على أحسنه، و عدم اتّهام أخيك.

و الجواب عن الإجماع المحكيّ: كونه موهونا بمصير المعظم على خلافه، بل يظهر من أكثر من نسب هذا القول إليهم ما يوافق المشهور، بحيث يمكن دعوى شذوذه.

و أمّا الأخبار: فهي مع ضعف أكثرها سندا، و عدم الجابر، و دلالة بوجوه لا يخفى على المتدبّر، يعارضها ما تقدّم من المعتبرة المستفيضة المشترطة لأوصاف صالحة وجودية في تعريف العدالة، و هي أخصّ مطلقا منها، فيخصّص بها. و على فرض تساوي النسبة، فهي أرجح بكونها أكثر عددا، و أصحّ سندا، و أظهر دلالة و أشهر فتوى، و لأهل الخلاف خلافا، و للأصل وفاقا. و مع فرض التكافؤ و عدم الترجيح، فلموافقته الأصل يتعيّن العمل به أيضا.

تلخيص و تتميم:

الأخبار الدالّة على الاكتفاء في معرفة العدالة بحسن الظاهر على ما تراه مختلفة في الأوصاف المعتبرة فيه زيادة و نقصانا، و المشتمل على الأكثر لما كان أخصّ من المكتفى بالأقلّ، يقدّم الأوّل، و يخصّص غيره به، و حيث إنّه صحيح عبد اللّه بن أبي يعفور المشتمل على قيود ليست في غيره، و اشتهر الاعتماد عليه في الباب عند

____________

(1) وسائل الشيعة 27: 399، الباب 41 من أبواب الشهادات، الرواية 34054.

206

الأصحاب، فهو المعوّل عليه، و المناط في معرفة العدالة و دليلها.

و ربما يظهر منهم الاختلاف في فهم الضابط المستفاد منه. و الذي أراه على ما هو ظاهر سياق الحديث و ذيله، أنّه لمّا سأله الراوي عن طريق معرفة عدالة الرجل التي هي هيئة راسخة نفسانية غير محسوسة، و أجاب (عليه السلام): بمعرفته بالستر و العفاف، و كفّ الجوارح الأربع، و اجتناب الكبائر، تعويلا على لازمها في الأعمال الحسنة، ثم هي- أيضا- لما كانت أمورا واقعية نفس أمرية يصعب العلم بها، و إن كان طريق دركها الحسّ، فأخذ في بيان الاكتفاء في معرفة هذا اللازم بظاهر الحال، و عدم لزوم البحث عن العلم بها بقوله (عليه السلام): «و الدلالة على ذلك كله: أن يكون ساترا لجميع عيوبه، على حدّ يحرم التفتيش لما ورائه على المسلمين، و كونه بحيث إذا سئل عنه في قبيلته و محلته، قالوا: ما رأينا فيه إلّا خيرا، فلم يطّلعوا على ظاهر معاشرتهم له على فسق منه» مضافا إلى تعاهده و مواظبته للصلوات و حفظ مواقيتها، تعليلا له بأنّها ستر و كفارة للذنوب.

و جعل السبيل إلى معرفة التعاهد لها كذلك الحضور إلى جماعة المسلمين، و عدم التخلّف عنها إلّا من علّة، مشيرا إلى وجهه، بأنّ تشريع الجماعة و الاجتماع للصلاة لمعرفة من يصلّي ممّن لا يصلّي، و من يحفظ مواقيتها ممّن يضيع.

فحاصل مدلول الصحيح في دليل عدالة مجهول الحال بحسب الواقع اجتماع أمور ثلاثة:

أحدها: الساترية للعيوب على حدّ يحرم التفتيش لما ورائه.

و ثانيها: كونه بحيث إذا سئل عن قبيلته و محلّته، قالوا: ما رأينا منه إلّا خيرا، أي كان معروفا بالصلاح و التقوى في المعاشرة الظاهرية.

و ثالثها: التعاهد للصلوات الخمس و المواظبة عليها.

207

فيجب العلم بتلك الثلاثة في معرفة العدالة. و أمّا عدم التخلّف عن الجماعة، فالظاهر من سياق الخبر الموافق لظاهر الإجماع: أنّ لزومه إنّما هو عند توقّف العلم بالمواظبة على الصلاة و حفظ المواقيت عليه، لا لدرك فضيلة الجماعة من حيث هي، فلو علم بها من حال شخص لا من جهته، يكتفى به. نعم، لو ترك الجماعة على حدّ ينبئ عن الإعراض و الاستخفاف، فهو كما أشرنا إليه فيما تقدّم معصية موبقة.

و هل يشترط الساترية لجميع العيوب أو الكبائر؟ الظاهر الأوّل، وفاقا لصريح والدي العلّامة في المستند (1). و المراد بها عدم رضاه بظهور معصية منه، و اتصافه بصفة الحياء، و هو أمر غير ترك المعصية في الواقع، فلا يوجب نقض الصغيرة إيّاها.

و ربما يظهر من الرياض (2) عدم التنافي بين القول باشتراط المعرفة بالمعاشرة الباطنية، و القول بالإناطة بحسن الظاهر، لعدم حصول المعرفة بكونه ساترا مواظبا إلّا بعد نوع معاشرة و اختبار يطلع على باطن الأحوال، و هو كذلك إن أراد الغالب، و إلّا فهو غير مطرد، و يمكن التخلّف.

فالظاهر- حيث لا ينكشف الواقع- حصول الظنّ بالهيئة النفسانية الباعثة على استمرار التقوى بحسن الظاهر بالمعنى المتقدّم.

ثمّ إنّ البحث عن خصوص المعاصي القادحة في العدالة لما كان خارجا عن مقصودنا من الكتاب، فلنطوه طيّا. نعم، لما كان الغناء كثيرا ما مما يشتبه حقيقة الأمر فيه حدّا و حكما، و زلّت فيه أقدام أقوام، و لم أر من الأعلام من استوفي فيه المرام، رأيت البحث عنه في مشرق، لكشف الحجاب عن مشكلاته، مع ما له من عموم البلوى أهمّ و أحرى.

____________

(1) مستند الشيعة 2: 628.

(2) رياض المسائل 2: 392.

208

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}