مشارق الأحكام

- الشيخ محمد بن احمد النراقي المزيد...
510 /
209

[المشرق التاسع] [في أحكام الغناء]

مشرق: في أحكام الغناء، و الكلام إمّا في ماهيته، أو في حرمته. فهنا بحثان:

البحث الأوّل: في بيان حقيقته و موارده.

اختلفت كلمات الفقهاء و اللغويين في تفسير الغناء.

و هو بالكسر و المدّ، ككساء. فعن بعضهم (1): أنّه هو مدّ الصوت.

و في محكي النهاية (2): أنّ كلّ من رفع صوتا و والاه، فصوته عند العرب غناء.

و عن الشافعي: أنه تحسين الصوت، و في معناه ما عن جماعة: أنه تزيين الصوت.

و في شهادات القواعد (3)، و بعض كتب اللغة، أنه ترجيع الصوت و مدّه، و قريب منه ما عن آخر: أنه الصوت المشتمل على الترجيع.

____________

(1) لم نظفر على قائله و جعله المحقق النراقي ثامن الأقوال من دون إسناد إلى قائل معين، انظر المستند 2: 34.

(2) النهاية 3: 391.

(3) قواعد الأحكام 2: 236.

210

و عن التحرير (1) و الإيضاح (2): أنه الصوت المطرب. و نحوه ما في القاموس (3): أنّه من الصوت ما طرب به.

و قال جماعة (4): إنّه الصوت المشتمل على الترجيع المطرب، أو مدّه المشتمل عليهما. و عزاه مولانا الأردبيلي (5) إلى الأشهر. و قيل ما يسمّى في العرف غناء، و اختاره الشهيد الثاني (6)، و استحسنه بعض المحققين.

و ربما اعتبر في صدق الغناء لهو الكلام، فقيل: من يقرء القرآن أو المرثية لا يقال: إنّه يغنّي، بل يقال: إنه يقرء القرآن، أو يقرء المرثية.

و التحقيق: أنّ شيئا من هذه التفاسير غير واف لحقيقة المعنى، بل لا يخلو عن إيراد و إشكال أو إجمال، لظهور أنّ مجرد مدّ الصوت و رفعه ليس غناء، فضلا عن كونه محرّما، و كذا مطلق تحسين الصوت المتناول لمثل حسن الجوهر و الرعونة و حسن اللحن و طيب اللهجة، كيف و كان الأئمة أحسن الناس صوتا بالقرآن.

ففي رواية النوفلي (7) عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: ذكرت الصوت عنده، فقال: «إنّ عليّ بن الحسين (عليهما السلام) كان يقرء القرآن، فربما يمرّ به المارّ، فصعق من حسن صوته» و عن الصادق (عليه السلام) (8): «كان عليّ بن الحسين (عليهما السلام) أحسن الناس صوتا بالقرآن، و كان

____________

(1) تحرير الأحكام 1: 160.

(2) لم نجد هذا التعبير فيه و لكنه بحث عن الغناء في المجلّد الأوّل: 404.

(3) القاموس المحيط 4: 372.

(4) مفاتيح الشرائع 2: 12.

(5) مجمع الفائدة و البرهان 8: 57.

(6) الروضة البهية 3: 212؛ و مسالك الأفهام 3: 126.

(7) بحار الأنوار 46: 70، الحديث 45.

(8) نفس المصدر.

211

السقّاؤون يمرّون، فيقومون ببابه يسمعون قراءته» و نحوه عنه في أبي جعفر (عليه السلام).

و ورد في الأخبار مدح الصوت الحسن و الترغيب فيه في قراءة القرآن، كما في رواية عبد اللّه بن سنان (1) عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «إنّ من أجلّ الجمال الشعر الحسن، و نغمة الصوت الحسن» و في رواية (2): «لكلّ شيء حلية، و حلية القرآن الصوت الحسن» و في أخرى (3): «ما بعث اللّه نبيا، إلّا حسن الصوت» و في أخرى (4) عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في قوله سبحانه وَ رَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (5) قال: «أن تمكث فيه، و تحسن به صوتك» و عن الرضا (عليه السلام): قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «حسّنوا القرآن بأصواتكم، فإنّ الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا» إلى غير ذلك.

فلا ينبغي تعريف الغناء المشتهر حرمته مطلقا بتحسين الصوت و تزيينه، إلّا أن يراد به تحسينا خاصّا موكولا إلى ما هو المعهود في العرف.

و نحوه مطلق الترجيع الحسن، فإنّ الحكم بكونه غناء مما لا شاهد له، و لا دليل يساعده من لغة أو عرف أو حديث، بل في قوله (عليه السلام) في رواية ابن سنان (6): «اقرءوا القرآن بألحان العرب و أصواتها، و إياكم و لحون أهل الفسق و الكبائر، فإنه سيجيء بعدي أقوام يرجّعون القرآن ترجيع الغناء» دلالة ظاهرة على أنّ مطلق الترجيع ليس غناء، بل هو كيفية خاصة من الترجيع و الألحان يستعملها أهل الفسوق.

كيف و قد اشتهر حرمة مطلق الغناء عند العلماء، بل ربما ادّعى عليه الإجماع،

____________

(1) و مثله في البحار 59: 155، الباب 23.

(2) وسائل الشيعة 6: 211، الباب 24 من أبواب قراءة القرآن، الرواية 7756.

(3) بحار الأنوار 11: 66، الحديث 12.

(4) وسائل الشيعة 6: 207، الباب 21، الرواية 7746.

(5) المزّمّل (73): 4.

(6) وسائل الشيعة 6: 210، الباب 24، الرواية 7754.

212

مع عدم خلوّ غالب الأصوات في قراءة القرآن و الخطب و المناجاة و تعزية الحسين (عليه السلام)، في جميع الأعصار و الأمصار، من العلماء و غيرهم، عن تحسين و ترجيع في الجملة، بل هو من المهيّج غالبا لما يقصد منها من الشوق إلى العالم الأعلى، و الاستشعار لعظمة ربّه و توحيده، و الرغبة إلى الخيرات و الجنّة و الحزن و البكاء، فيظهر من ذلك أنّه ليس كلّ ترجيع و تحسين صوت عندهم غناء.

و أما الترجيع المطرب: فإن أريد به مطلق التلذّذ و الملائمة للطبع، فهو لازم مطلق حسن الصوت، و قد سمعت فساده. و إن أريد به ترجيع خاصّ و طرب مخصوص، فلا بدّ من بيانه.

و أما التفسير بما يسمّى في العرف غناء، فلا يفيد معنى محصّلا، إذ لا عرف للعجم فيه، و مرادفه في لغة الفرس غير معلوم، و لو كان كالتعبير عنه ب«سرود» كما في الصحاح (1)، أو «خوانندگى و آوازه و دو بيتى» و نحو ذلك، فهو كعرف العرب فيه غير مضبوط. غاية الأمر حصول القطع بالصدق العرفي في بعض الموارد، كبعض الألحان الذي يستعمله أهل الفسوق غالبا في المعازف و الملاهي.

و أمّا ما قيل أخيرا من اختلاف صدق ماهيّة الغناء باختلاف الكلام، كالقرآن و غيره، فلا محصّل له، فإنّ الغناء من مقولة الأصوات باعتبار كيفياتها من الألحان، لا متعلّقاتها من الألفاظ و أنواع الكلام، كما يشهد به كلام أهل اللغة و الفقهاء. و كفاك شاهدا ما مرّ من الأمر بقراءة القرآن بألحان العرب، دون ترجيع الغناء الذي هو من لحون أهل الفسق و الكبائر. فلا مدخل لخصوص الألفاظ الباطلة في ماهيّة الغناء، و إن قلنا بإباحته في بعض الكلمات، كما لا مدخل لخصوص مجالس الملاهي و اقترانه بمحرّم خارجي، كضرب العود و التكلّم بالباطل فيه، و إن احتمله كلام بعضهم.

____________

(1) صحاح اللغة: 172.

213

فالتحقيق في المقام، أنّه لا شكّ و لا خلاف ظاهرا في مدخلية الترجيع المطرب في حقيقة الغناء و دخوله فيها، كما سمعت، بل لا ينفكّ حسن الصوت عنهما غالبا، كما ذكره في الكفاية، و كذا الظاهر، بل لا ينبغي الشك فيه، أنّ كلّ ترجيع حسن ليس غناء، كما أشرنا إليه أيضا، بل هو كما نبّه عليه بعض المحقّقين: كيفية خاصّة من التراجيع و الألحان، مثيرة لسرور و وجد و انشراح أو حزن و انقباض، و هي غالبا متداولة بين أهل الطرب في العصيان، يستعملونها في الملاهي و العيدان.

ثم هذا الأثر الحاصل منها في القلوب يختلف غالبا، صلاحا و فسادا، خيرا و شرا، باختلاف الكلمات و النيّات و المقامات، فإذا كان متعلّقها من غير الفضائل سيما من الأباطيل، و مثل ذكر القدود (1) و الخدود و وصف النساء يهيّج القوى الحيوانية، و يثير وجدا شهوانيا، و يفسد القلب، و ينبت النفاق، و ينجذب النفوس إلى الميل إلى اللهو و العشرة (2)، و يضمر خواطر السوء، سيما بالنسبة إلى البواطن المملوّة بالهوى، من قبيل حالة السكر الذي يفعله المسكر، و يشتدّ تلك الحالة إذا كان مقترنا بمحرّم خارجيّ من الخمور و الفجور و ضرب الدفّ و القصب و المزامير، بل لاختلاف أوزان الكلام، و بحور العروض من قبيل التصانيف المتداولة بين أهل الطرب، و الأوزان التي يستعملها الناس في المعازف مدخل تامّ فيها أيضا.

و إن كان متعلقه من الفضائل، كذكر توحيده سبحانه، و نعوت جلاله و جماله، و تذكير قربه و حبّه و أنسه، و وصف الجنة و النار و الكلمات المشوقة إلى دار القرار، و توصيف نعم الملك الجبار، و الترغيب بالخيرات و العبادات، يثير غالبا ما لم يبلغ هذا الترجيع حدّ الإفراط بحيث يستهلك فيه المقروّ حزنا دينيا و شوقا إلهيا و فرحا

____________

(1) القدود بضمّ القاف جمع القدّ بالفتح، أي قامة الرجل.

(2) العثرة (خ).

214

روحانيا لأهل الإيمان و أرباب القلوب و الإيقان، فإذا أثار هذه الصفات و أصاب حرارتها برد اليقين، فتارة يظهر أثره في الجسد و يقشعرّ منه الجلد، قال اللّه تعالى:

تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ (1) و تارة يعظم وقعه، و يتصوّب أثره إلى الدماغ، فيندفق منه العين. و تارة يتصوّب أثره إلى الروح، فيتموّج منه الروح موجا يكاد يضيق عنه يطاق (2) القلب، فيكون من ذلك الصياح و الاضطراب، و يختلف هذه الأحوال شدة و ضعفا باختلاف مراتب الإيمان و صلاح القلب.

و حاصل الكلام، أن الألحان على وجوه ثلاثة:

منها: ما يعلم أنّه من تلك الكيفية الخاصّة من الترجيع، فيعلم كونه غناء و يصدق عليه عرفا، فلا كلام في حرمته في غير ما اختلف فيه من المستثنيات من الفضائل أو غيرها، كما سيأتي.

و منها: ما يعلم عدمه، فلا بحث في إباحته.

و منها: ما يضطرب فيه متفاهم العرف، فيشكّ في كونه من الكيفية المخصوصة، لاشتباه بينه و بين غيره من الصوت الحسن، و هو يلحق بالثاني أيضا، فيكون مباحا.

البحث الثاني: في بيان حكمه.

و لا خلاف بين أصحابنا، بل بين المسلمين، في حرمته في الجملة، بل عدّ من ضروريّ الدين. و يدلّ عليه الآيات و الأخبار المستفيضة التي سننبّه على جملة منها، بل عليه الإجماع ظاهرا، تحقيقا و نقلا مستفيضا، فيما عدا المستثنيات الخلافية، و هي الحداء للإبل، و غناء المغنية لزفّ العرائس، و التغنّي بالفضائل، سواء اقترن باللعب بالملاهي و ضرب العيدان و نحو ذلك من المحرّمات، أم لا.

____________

(1) الزمر (39): 23.

(2) نطاق (خ).

215

و تخصيص الحرمة بالأوّل، كما يظهر من المحدّث الكاشاني في الوافي (1)، بل فيه استفادة ذلك من عبارة الاستبصار (2)، شاذّ جدّا، و الإجماع منعقد قبله، و كلام الاستبصار غير دال عليه، بل الظاهر منه: اختصاص حرمة الغناء بالمقترن بالملاهي في خصوص زفّ العرائس، لا مطلقا، فإنّه قال بعد نقل أخبار حرمة الغناء و كسب المغنّية: و الوجه في هذه الأخبار، الرخصة فيمن لم يتكلّم بالأباطيل، و لا يلعب بالملاهي و العيدان أو أشباهها، و لا بالقصب و غيره، بل كان ممن يزفّ بالعروس، و يتكلّم عندها بإنشاد الشعر و القول البعيد عن الفحش و الأباطيل، و أمّا ما عدا هؤلاء ممن يتغنى بسائر أنواع الملاهي، فلا يجوز في حال، سواء كان في العرائس و غيرها. انتهى.

و أما في المستثنيات المذكورة فظاهر جماعة كالمفيد (3) و الحلبي (4) و الديلمي (5):

التحريم مطلقا، من غير استثناء، بل عن ظاهر الأوّل: دعوى الإجماع عليه، و المشهور سيما بين من تأخر ذلك فيما عدا الأوّلين، خلافا فيهما لجماعة، بل في الكفاية نسبة الخلاف في الحداء إلى المشهور، و عن غيره في زفّ العرائس.

و ممّن صرّح بالإباحة في الثاني، ما سمعت من كلام الشيخ في الاستبصار، و نحوه ما في النهاية (6)، و أحلّ فيه أجرة المغنّية فيه، اذا لم يقرء فيه بالباطل، و لا

____________

(1) الوافي 7: 218- 223.

(2) الاستبصار 2: 62.

(3) المقنعة: 518.

(4) الكافي في الفقه: 281.

(5) المراسم: 170.

(6) النهاية: 367.

216

يدخلن على الرجال، و لا الرجال عليهنّ. و المحقق في النكت (1)، و الفاضل في المختلف (2) و كرهه ابن البراج. و قال ابن إدريس (3): لا بأس بأجر المغنّيات في الأعراس، إذا كان لم يتغنّ بالباطل، على ما روى، و هو مختار جمع آخر.

و أمّا في غيرهما مما استثنى، فيظهر من بعضهم: دعوى الإجماع على الحرمة، و من آخر وقوع الخلاف فيه أيضا. قال في الكفاية (4) بعد نقل كلام عن الشيخ الطبرسي في مجمع البيان: إنّ هذا يدلّ على أنّ تحسين الصوت بالقرآن و التغنّي به مستحبّ عنده، و أنّ خلاف ذلك لم يكن معروفا عند القدماء، و قال: كلام سيّد المرتضى في الغرر و الدرر لا يخلو عن إشعار واضح بذلك، و يظهر منه نسبة عدم التحريم في القرآن إلى الكليني أيضا.

و في مجمع الفائدة (5)، جعل ترك الغناء في مراثي الحسين (عليه السلام) أحوط، مشعرا بميله إلى الجواز. و في كفاية الأحكام: و في عدّة من الأخبار الدالّة على حرمة الغناء (6) إشعار بكونه لهوا باطلا، و صدق ذلك في القرآن و الدعوات و الأذكار المقروءة بالأصوات الطيبة المذكرة للآخرة المجتمعة للأشواق إلى العالم الأعلى، محل تأمّل- إلى أن قال:- فإذن، لا ريب في تحريم الغناء على سبيل اللهو و الاقتران بالملاهي و نحوها.

ثمّ إن ثبت الإجماع في غيره، كان متبعا، و إلّا ففي حكمه على أصل الإباحة.

____________

(1) النهاية و نكتها 2: 99.

(2) مختلف الشيعة 5: 49.

(3) المراسم: 170.

(4) كفاية الأحكام: 85.

(5) مجمع الفائدة و البرهان 8: 61- 63.

(6) وسائل الشيعة 6: 210، الباب 24 من أبواب قراءة القرآن، الرواية 7754.

217

و قال في موضع آخر: و استثنى بعضهم مراثي الحسين (عليه السلام) إلى أن قال: و هو غير بعيد.

و قال صاحب الوافي (1) في باب كسب المغنّية و شراءها: لا بأس بسماع التغنّي بالأشعار المتضمّنة ذكر الجنّة و النار، و التشويق إلى دار القرار، و وصف نعم اللّه الملك الجبار، و ذكر العبادات، و الترغيب في الخيرات، و الزهد في الفانيات، و نحو ذلك.

بل ربما يظهر منه اختصاص الحرمة بما اقترن على فعل محرّم، دون ما سوى ذلك، كما أشرنا إليه.

و اختار والدي العلّامة (2)؛ إباحته في جميع ما ذكر من المستثنيات، من القرآن و الذكر و المناجاة و الدعاء و الرثاء.

و نحن نبحث أوّلا عما استدلّوا به على حرمة مطلق الغناء، ثمّ عما هو حقّ القول في المستثنيات، فقد استدلّوا على حرمة الغناء مطلقا بوجوه:

منها: الإجماع المحكيّ عن المفيد (3) و غيره.

و منها: قوله تعالى وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللّٰهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَ يَتَّخِذَهٰا هُزُواً أُولٰئِكَ لَهُمْ عَذٰابٌ مُهِينٌ (4) بضميمة ما ورد في تفسير القمي (5) عن الباقر (عليه السلام): أنّه الغناء، و شرب الخمر، و جميع الملاهي. و في معاني الأخبار (6) عن جعفر بن محمد (عليهما السلام): عن قول اللّه تعالى وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ

____________

(1) الوافي 7: 218- 223.

(2) مستند الشيعة 2: 344.

(3) المقنعة: 588؛ قال: «و كسب المغنّيات حرام و تعلّم ذلك و تعليمه محظور في شرع الإسلام».

(4) لقمان (31): 6.

(5) تفسير القمي 2: 161.

(6) معاني الأخبار: 349، الحديث 1.

218

. قال: الغناء. و في صحيح محمّد (1): الغناء ممّا قال اللّه تعالى وَ مِنَ النّٰاسِ*. الحديث. و نحوها رواية مهران بن محمد (2)، و رواية الوشاء (3)، عن الغناء، قال: هو قول اللّه عزّ و جلّ وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يَشْتَرِي و رواية الحسن بن هارون:

«الغناء مجلس لا ينظر اللّه تعالى إلى أهله، و هو ممّا قال اللّه وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يَشْتَرِي الآية و في الكافي (4)، عن الباقر (عليه السلام): «الغناء مما أوعد اللّه سبحانه عليه النار» و تلى هذه الآية. و قريب منه الرضوي (5).

و منها: قوله تعالى وَ اجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (6) و المراد به الغناء، كما في رواية أبي بصير (7) و الشحام (8)، و ابن أبي عمير (9).

و منها: قوله تعالى وَ الَّذِينَ لٰا يَشْهَدُونَ الزُّورَ (10) و فسّر بالغناء في صحيح محمد (11).

و منها: الأخبار المستفيضة المانعة عن بيع المغنّيات و شرائهنّ و تعليمهنّ، كرواية

____________

(1) وسائل الشيعة 17: 305، الباب 99 من أبواب ما يكتسب به، الرواية 22599.

(2) نفس المصدر: الرواية 22600.

(3) نفس المصدر: الرواية 22604.

(4) نفس المصدر: الرواية 22599؛ و في الكافي 6: 431، الحديث 5.

(5) نفس المصدر: الرواية 22604.

(6) الحجّ (22): 30.

(7) نفس المصدر: الرواية 22602.

(8) نفس المصدر: الرواية 22594.

(9) نفس المصدر.

(10) الفرقان (25): 72.

(11) نفس المصدر: الرواية 22598.

219

الطاطري (1)، عن بيع الجوار المغنّيات، فقال: بيعهنّ و شراؤهنّ حرام، و تعليمهنّ كفر، و استماعهنّ نفاق. و قريب منها خبر ابن أبي البلاد (2)، و في معناه ما ورد من اللعن على المغنّية، و على من أكل من كسبها أو ثمنها (3).

و منها: الروايات الدالّة على ذمّ فاعل الغناء و مستمعه و بيته و مجلسه، كصحيح الشحام (4): بيت الغناء لا يؤمن فيه الفجيعة، و لا يجاب فيه الدعوة، فلا يدخله الملك» و مرسلة المدني (5): سئل عن الغناء و أنا حاضر، فقال: «لا تدخلوا بيوتا اللّه معرض عن أهلها» و رواية الشحام (6): «الغناء مثير النفاق» و الخبر (7): «استماع الغناء ينبت النفاق في القلب» و في الخصال (8): «الغناء يورث النفاق و يعقّب الفقر» و في جامع الأخبار، عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «يحشر صاحب الغناء من قبره أعمى و أخرس و أبكم» و فيه عنه (عليه السلام): «ما رفع أحد صوته بغناء إلّا بعث اللّه سبحانه شيطانين على منكبه، يضربون بأعقابهما على صدره حتّى يمسك» و رواية يونس (9): أنّ العياشي

____________

(1) وسائل الشيعة 17: 124، الباب 16 من أبواب ما يكتسب به. الرواية 22155.

(2) نفس المصدر: الرواية 22152.

(3) نفس المصدر.

(4) نفس المصدر 17: 305، الباب 99 من أبواب ما يكتسب به، الرواية 22594.

(5) نفس المصدر.

(6) نفس المصدر.

(7) نفس المصدر.

(8) الخصال: 24، الحديث 84؛ و رواه في الوسائل 17: 309، الرواية 22616.

(9) و نقل في حاشية الوسائل عن عيون الأخبار هكذا: إذا جمع اللّه تعالى بين الحقّ و الباطل مع أيّهما يكون الغناء؟ فقال الرجل: مع الباطل، فقال أبو جعفر (عليه السلام): حسبك فقد حكمت على نفسك، فهكذا كان قولى له. (وسائل الشيعة 12: 227 و 228- طبع تهران، المكتبة الإسلامية-).

220

ذكر أنّك ترخّص الغناء، قال: كذب الزنديق، ما هكذا قلت له، سألني عن الغناء، فقلت له: إنّ رجلا أتى أبا جعفر (عليه السلام)، فسأله عن الغناء، فقال: يا فلان إذا ميّز اللّه تعالى الحقّ من الباطل، فأين يكون الغناء؟ فقال: مع الباطل، فقال: قد حكمت.

و مرسلة الفقيه (1): سأل رجل عليّ بن الحسين (عليهما السلام) عن شراء جارية لها صوت، فقال:

«ما عليك لو اشتريتها، فذكرت الجنة، يعنى بقراءة القرآن و الزهد و الفضائل التي ليست بغناء، و أمّا الغناء فمحظور» و رواية ابن سنان (2): «اقرءوا القرآن بألحان العرب و أصواتها، و إيّاكم و لحون أهل الفسق و الكبائر، فإنّه سيجيء بعدي أقوام يرجّعون القرآن ترجيع الغناء و النوح و الرهبانية لا يجوز تراقيهم قلوبهم مقلوبة» الحديث.

أقول: في دلالة تلك الأدلّة على حرمة الغناء مطلقا نظر:

أمّا الإجماع، فالمحقّق منه غير ثابت في المستثنيات المذكورة، بل كلام المقدّس الأردبيليّ (3)، و المحقق الخراساني (4)، و والدي العلّامة (5) كما عرفت، يشعر بل يدلّ على وقوع الخلاف فيها، بل سمعت نقل الشهرة في إباحته في الحداء، و مخالفة جمع من أعيان الطائفة في زفّ العرائس، و اشتهار فعله في مراثي سيّد الشهداء، في جميع الأعصار و الأمصار من غير نكير غالبا، حدّا يحصل الجزم بعدم وقوع مثل ذلك الاشتهار، مع عدم الاستنكار في خلاف الإجماعيات، بل كان ينبغي أن يكون في الاستنكار مثل ضرب العيدان و القصب و المزامير في مجالس المؤمنين

____________

(1) الفقيه 4: 60، الباب 2، الرواية 5097.

(2) الكافي 2: 614، الحديث 3؛ كان في الأصل: «فقلوبهم مقلوبة» و في الكافي كما أثبتناه و في بعض المصادر: «قلوبهم مفتونة» مكان «قلوبهم مقلوبة».

(3) مجمع الفائدة و البرهان 8: 61.

(4) كفاية الأحكام: 86.

(5) مستند الشيعة 2: 344.

221

و المساجد و المنابر.

و كيف كان، لا يحصل- بملاحظة جميع ما ذكر- العلم بالاتّفاق على حرمته في مثل المراثي و الفضائل و غيرهما، إلّا إذا بلغ حدّا خرج عن هذا العنوان، و صدق عليه اللهو المستعمل عند أهل الفسوق و الطرب.

و منه يعلم حال المنقول من الإجماع، على تسليم حجيته أيضا، مع أنّ نقله غير معلوم، و على ثبوته فمع ما عرفت من وقوع الإجمال و الخلاف في معنى الغناء، لا يعلم مراد القائل الناقل منه، بحيث يشمل جميع موارد الكلام. و أما الآية الأولى، فمع تعارض الأخبار المفسّرة لها بالغناء، مع ما روي في مجمع البيان (1)، عن الصادق (عليه السلام): إنّ لهو الحديث في الآية: الطعن بالحقّ، و الاستهزاء به بقوله تعالى:

لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللّٰهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَ يَتَّخِذَهٰا هُزُواً (2) يدلّ على كون الفعل بقصد الإضلال و الاتخاذ هزوا، فلا يدلّ على حرمة ما يتّخذ لترقيق القلب، لتذكر الجنة، و تهييج الشوق إلى العالم الأعلى، و تأثير الدعاء و القرآن و المناجاة في القلوب.

و لا ينافيه التفسير بالغناء- مطلقا- في الأخبار المتقدّمة، لأنّه إمّا تفسير للمقيّد، فلا ينافيه التقييد في الحكم أو للمجموع، فالتقييد إمّا مأخوذ في أصل المعنى، فيكون مطلق الغناء ما استعمل في مقام اللهو، كما عسى يلوح من بعض الأقوال أو في المعنى المراد في الآية، فيكون مأخوذا في الغناء المحرّم، و يكون التفسير مخصوصا به.

مضافا إلى أنّ لهو الحديث لا يصدق لغة و عرفا على التغنّي بالقرآن و الدعاء و مراثي سيّد الشهداء (عليه السلام) و أمثالها، إذا اتّخذ للتشويق إلى اللّه سبحانه، و الترغيب

____________

(1) مجمع البيان 4: 162.

(2) لقمان (31): 6.

222

للخيرات، و الإبكاء، لأنّ الإضافة إن كانت بمعنى من، كما قيل، أي: باطل الحديث، و ما يلهى عن ذكر اللّه تعالى، فظاهر أن القرآن و نحوه ليس منه مطلقا، أو بمعنى في، أي: اللهو الواقع فيه، أعني الغناء، فإطلاق اللهو الذي هو بمعنى الغفلة و التشاغل عن اللّه سبحانه و الآخرة، على ما يوجب التذكر لهما، مجاز قطعا. و نحوه ما إذا أريد بلهو الحديث مطلق الأفعال الملهية، كما في تفسيره فيما رواه القمّي (1) بالغناء و شرب الخمر و جميع الملاهي.

و هذا التجوّز ليس بأدنى من تخصيص الغناء في الأخبار المفسرة ببعض أفراد، و هو المستعمل في الباطل، بل الترجيح للثاني، لشيوع استعماله في زمن المعصومين، فيما استعمله بنو أميّة و بنو العبّاس و أتباعهم و أذنابهم في مجالس الخمور و الفجور، حتى أنّ المغنّي و المغنّية كانا ظاهر الاختصاص في من اتّخذ شغله و حرفته التغنّي في أمثال تلك المحافل، من الجواري و الغلمان، و لأنّ مدلول أكثر الأخبار المفسّرة كون الغناء فردا من لهو الحديث، و أنّه بعض المراد ممّا قال سبحانه، كروايات القمّي، و محمّد، و مهران، و الحسن بن هارون.

و في هذا إشعار بأنّ المراد من لهو الحديث معناه اللغوي و العرفيّ الذي فرد منه الغناء المستعمل فيه، بل في الأخيرة زيادة إيماء به، لظهوره في أنّ الغناء الذي أريد من لهو الحديث مجلس، و هو ظاهر في محافل المغنّيات.

و نحوه الأوّل المفسّر بالغناء و شرب الخمر و جميع الملاهي، الظاهر في كون الأخير من باب عطف العام على الخاصّ، و كون الأوّلين من أفراده مع ما في رواية الوشّاء من احتمال كونها تفسيرا لمعنى الغناء، لا بيانا لحكمه، فلا يتناول ما لا يصدق عليه لهو الحديث عرفا. و لما في رواية أبي بصير، في كسب المغنّيات،

____________

(1) التفسير القمّي 2: 161.

223

فقال: «التي دخل عليهنّ الرجال حرام و التي تدعى إلى الأعراس ليس به بأس و هو قول اللّه عزّ و جلّ وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يَشْتَرِي- الآية- من كونه قرينة مرجّحة للثاني، فإنّها ظاهرة في أنّ لهو الحديث هو غناء المغنّيات التي يدخل عليهنّ الرجال» (1) لا مطلقا.

و من هذا يظهر ضعف التمثّل بإطلاق ما في المرويّ في الكافي، المذكور أخيرا، على حرمة مطلق الغناء، لكونه منزلا على ما فيه من التعليل بالآية، حسب ما عرفته.

مضافا إلى قوة احتمال نفي إطلاقه بظهوره في بيان حكم كون المحرّم من الغناء كبيرة أوعد اللّه سبحانه عليها النار، لا في بيان تحريمه. و نحوه الكلام في الرضويّ.

و أمّا الآية الثانية: فمع أنه لا يبعد كون الغناء المقصود من قول الزور على التفسير به هو الغناء بالباطل أيضا، كما يشعر به لفظ الزور الذي هو بمعنى الكذب و الباطل، يعارض المفسّرة لها بالغناء، مع ما تفسيرها بشهادة الزور المعتضد باشتهاره بين المفسرين، و مع ما رواه الصدوق في معاني الأخبار (2) عن الصادق (عليه السلام)، قال: سألته عن قول الزور، قال: «منه قول الرجل للّذي يغنّي أحسنت» فإنّه ينافي ما دلّ على اختصاصه بالغناء، بل فيه إشعار بكون المراد منه معناه اللغوي، أي:

الكذب و الباطل الغير الصادقين على مثل القرآن و الخطب و الدعاء و الرثاء.

و أمّا الأخبار: فالروايات المانعة عن بيع المغنّيات و شرائهنّ غير دالة على حرمة مطلق الغناء. ضرورة أن ليس مطلق بيع من يقدر على التغنّي- و إن علم وقوع التغنّي منه- حراما، إلّا بتقييد البيع بقصد التغنّي، استظهارا بإشعار وصف الموضوع بالغلبة، و هو ليس دلالة وضعية، بل مجرّد ظهور عرفيّ، و هو ليس بأكثر من ظهور

____________

(1) فقه القرآن 2: 25، باب المكاسب المحظورة.

(2) معاني الأخبار: 349، باب المغنّي.

224

المغنّي و المغنّية بحكم الغلبة في أزمنة الخطاب، على ما سمعت في من يعدّ للتغنّي بالباطل من الجواري و الغلمان في مجالس اللهو من الأعراس و غيرها، بل كان تداول فيها دخول الرجال على النساء، و تعارف فيها التكسب بها، كما يظهر من الآثار و الأخبار، و خصوص الصحيح: «أجر المغنّية التي تزفّ العرائس ليس به بأس، ليست بالتي تدخل عليها الرجل» المشعر بمعهودية دخول الرجال عليهنّ.

فالكلام ظاهر في بيع من ذكر، بقصد تغنّيه بالباطل في مجالس اللهو.

و أما سائر الأخبار الذامّة للغناء، فغير الثلاثة الأخيرة بكثرتها، خالية عما دلّ على الحرمة، و أمثال ما فيها من الذم يذكر كثيرا ما في المكروهات.

و أمّا الثلاثة: فأمّا رواية يونس، فوجه الدلالة: إمّا تكذيب الإمام (عليه السلام) نسبة الرخصة في الغناء إليه، أو جعله الغناء من قسم الباطل، و الأوّل لا يستلزم المنع، لاحتماله عدم الإذن، و الإجمال في الجواب لمصلحة، و لو سلّم، فغايته الدلالة على المنع في الجملة، فإنّ نقيض الإيجاب الكلّي السالبة الجزئية، و الثاني غير صريح في الحرمة، لصحّة إطلاق الباطل على مطلق الهزل، بل اللغو.

و أما مرسلة الفقيه، فمدلول ذيله و إن كان حرمة المطلق، إلّا أنّ قوله (عليه السلام) قبله:

«و الفضائل التي ليست بغناء» الظاهر في كون الوصف سيما باعتبار تعبيره بلفظ الماضي- توضيحيا، خصوصا مع عدم وجه لتخصيص التجويز بالفضائل لولاه، قرينة على أن المراد بالغناء الذي في مقابله هو الغناء بالباطل، لا مطلقا.

و منه يظهر ما في رواية ابن سنان (1)، فإنّها ظاهرة في أنّ المراد بالغناء المنهيّ عنه في القرآن، بعض أفراده، و هو لحون أهل الفسق و الكبائر، المتداولة في الملاهي الغير المذكّرة للآخرة، بل المخرجة لها عن صدق التلاوة، و يشعر به آخر الحديث،

____________

(1) الكافي 2: 614.

225

سيما بملاحظة ما ورد من استحباب الترجيع بالقرآن، بل يدلّ عليه الأمر بالقراءة بألحان العرب، فإنّ اللحن كما في اللغة هو التطريب و الترجيع و الغناء. قال في النهاية الأثيرية: اللحون و الألحان جمع اللحن، و هو التطريب و ترجيع الصوت، و تحسين القراءة و الشعر، و الغناء (1).

و قال في الصحاح: و منه الحديث «اقرءوا القرآن بلحون العرب»، و قد لحن في القراءة، إذا طرب و غرّد. و هو ألحن الناس، إذا كان أحسنهم قراءة و غناء (2).

و فيه: الغرد بالتحريك، التطريب في الصوت و الغناء (3).

فالنهي في الرواية عن لحون أهل الفسق، و ذمّ أقوام يرجعون القرآن ترجيع الغناء و الرهبانية، تحذير عن الغناء المتداول بين أهل الطرب و الفسق لا مطلقة. فالرواية أشبه بخلاف المدّعى.

فتبيّن من جميع ما ذكرناه، أنّ القدر الثابت من تلك الأدلّة حرمة الغناء في الجملة، و أنّه لو سلّم إطلاق بعضها، فشيوع استعمال الغناء في الأخبار، فيما يستعمله الفسّاق في أزمنتهم في الملاهي و التغنّي بالباطل في مجالس الفجور، كما نبّهنا عليه، و قال في الكفاية (4) و المفاتيح و يشعر به بعض الصحاح، حسب ما أشرنا إليه، و أمثال ذلك مما يمنع التمسّك بإطلاقه.

و إنّها لو لم يكن قرينة لحمل الغناء،- حيث يستعمل مطلقا- على المستعمل في الملاهي، فهي مانعة لا محالة عن جريان أصل الحقيقة في الإطلاق.

____________

(1) النهاية لابن الأثير 4: 202.

(2) صحاح اللغة 6: 2193.

(3) صحاح اللغة 2: 316.

(4) كفاية الأحكام: 86.

226

نعم، الظاهر ثبوت الحرمة من تراكم الجميع في غير الفضائل، و القرآن، و المراثي، و نحوها، مما يذكّر الآخرة، و يرغّب في الخيرات مطلقا، و إن لم يقترن بمحرّم خارجي، و لم يكن تكلّما بالأكاذيب و الأباطيل. و أما فيها فلا، سيما مع معارضة أدلّة الحرمة، مع ما رواه الحميري في قرب الإسناد- الذي نفى البعد في الكفاية عن إلحاقه بالصحيح- عن عليّ بن جعفر، عن أخيه، قال: سألته عن الغناء، هل يصلح بالفطر و الأضحى و النوح؟ قال: «لا بأس، ما لم يعص به» (1) و ما دلّ على جوازه في بعض المستثنيات، كما سننبّه عليه.

و أمّا الكلام في حرمة ما استثنى من الغناء، فتفصيله: أنّ ما وقع الخلاف في استثنائه أمور:

منها: غناء المرأة في زفّ العرائس. و الحقّ جوازه للأصل، و الصحيح المتقدّم في حلّية أجر المغنية التي تزفّ العرائس، و الخبرين: أحدهما عن كسب المغنّيات.

فقال: «التي يدخل عليهنّ الرجال حرام، و التي تدعى إلى الأعراس، ليس به بأس» (2) و الآخرة: «المغنّية التي تزفّ العرائس لا بأس بكسبها» (3).

و الإيراد عليها بالمعارضة بإطلاق أدلّة الحرمة، و نفي الملازمة بين الإباحة و ثبوت الأجرة، مدفوع، بتخصيص الإطلاق بتلك الأخبار المشتملة على الصحيح و غيره، و الملازمة ثابتة بعدم القول بالفرق مع أنّ المنفيّ عنه البأس في الأخيرين، نفس الكسب، و هو عين المدّعى.

____________

(1) قرب الإسناد: 294، ح 1158.

(2) التهذيب 6: 358، الحديث 1024؛ وسائل الشيعة 17: 120، الباب 15 من أبواب ما يكتسب به، الرواية 22144.

(3) التهذيب 6: 357، الحديث 1023: وسائل الشيعة: نفس الموضع.

227

هل يتعدّى الحكم إلى المغنّي؟ الظاهر لا، كما هو ظاهر كلمات المجوزين، لاختصاص أدلّة الاستثناء بالمغنّية. و التمسّك بعموم العلّة في الصحيح مخدوش، باختصاصها بالمرأة المسؤول عنها و إلّا جاء (1) تفصيل الحلّ و الحرمة في الرجل أيضا في عدم دخوله على الرجال (2) دخولهم (3) عليه، و هو كما ترى.

و منه يظهر اختصاص الحكم بالزفاف أيضا، كما هو ظاهرهم، نظرا إلى ظهور العلّة في أفراد المسؤول عنها، التي هي من تزفّ العرائس، فمفادها تقسيم من يزفّ إلى من يدخل عليها الرجال و من لم يدخل، بل الظاهر الإجماع على الحرمة في غير الأعراس.

و منها: الحداء، و هو سوق الإبل بالغناء، و اشتهر استثناؤه، إلّا أنّي لم أقف على دليل دلّ عليه، سوى الخبر العامّي (4) المرسل، و هو غير صالح للحجّية، فلا موجب للخروج عن الإطلاق في حرمته، وفاقا لصريح جماعة.

و منها: الغناء في مراثي سيد الشهداء، و غيره من الحجج (عليهم السلام) و أولادهم، و أصحابهم و الحقّ فيه الإباحة، ما لم يخرج عن حدّ الرثاء، و صدق المرثية، و قصد الحزن و البكاء، و التحزين و الإبكاء، بوقوعه في الملاهي، و الإفراط في الترجيع، حدّا يخرج عن الإعانة على البكاء، و صدق الرثاء للأصل و قصور أدلّة الحرمة عن الإطلاق الشامل له، حسب ما مرّ مع معارضتها للمرويّ في قرب الإسناد (5) و مرسلة

____________

(1) كذا في النسخة المطبوعة و في نسخة «م»: «و الأخبار» بدل «و إلّا جاء».

(2) النساء (خ).

(3) و دخولهنّ (خ).

(4) عوالي اللآلي 1: 261؛ مستدرك الوسائل 13: 215، الباب 78 من أبواب ما يكتسب به، الرواية 15159.

(5) قرب الإسناد: 121؛ وسائل الشيعة 17: 122، الباب 15 من أبواب ما يكتسب به، الرواية 22148.

228

الفقيه (1)، مضافا إلى كونه إعانة على البرّ، و رجحانها ثابت بالكتاب و السنة.

و الاعتراض عليه أوّلا: بمنع كون الغناء معينا على البكاء، و إن سلّم إعانة الصوت عليه، و لو لاشتماله عليه، لكونه غير الغناء.

و ثانيا: لو سلّم فكونه على البكاء على شخص معيّن غير مسلّم، و إنّما هو لأجل تذكر أحواله، و لا دخل للغناء فيه.

و ثالثا: لو سلّم، فعموم رجحان الإعانة على البرّ- و لو بالحرام- غير ثابت.

و رابعا: لو سلّم، فيعارض أدلّته أدلّة حرمة الغناء، و الترجيح للثانية بالأظهرية و الأكثرية، بل ربما يظهر من بعض أفاضل معاصرنا، نفي أضل التعارض، و بقاء دليل الحرمة سالما عما يعارضه، قائلا بعدم وقوع المعارضة في أمثال تلك العنوانات المختلفة، و لذا لا يتعارض ما دلّ على استحباب قضاء حاجة المؤمن، لما دلّ على حرمة الزنا و اللواط، إذا طلبه المزني بها.

مدفوع، أمّا الأوّل: فلمخالفته الوجدان، و ظهور الفرق في الإبكاء بين الأصوات و الألحان. و وجه ما أشرنا إليه من أنّ الغناء في مثل ذلك يثير حزنا، إذا أضاءت أثره إلى الدماغ، يدمع العين، و يحصل البكاء، و إذا أضاءت الى الروح، يتموّج و يظهر منه الصياح و الاضطراب. فالغناء له مدخل في البكاء، و هو كاف في صدق الإعانة عليه، و إن لم يكن سببا تامّا.

و منه يظهر ما في الثاني: فإن تذكر الشخص الخاصّ، و إن لم يكن لأجل الغناء، و لكن كونه تذكرة موجبا للبكاء، قد يحصل بإعانة الغناء المرقّق للقلب، المهيّج للحزن على من يرثى عليه.

و أمّا الثالث: فرجحان الإعانة على البرّ أمر معلوم الإجماع و الكتاب و السنة،

____________

(1) وسائل الشيعة 17: 122، الباب 15 من أبواب ما يكتسب به، الرواية 22150.

229

عموما و خصوصا، في المقام، بما ورد في متظافرة الأخبار، من استحباب البكاء و الإبكاء على الحسين (عليه السلام)، غاية الأمر، يعارض دليله دليل الحرمة، حيث وقع معينا، فيرجع إلى الراجح.

و أمّا الرابع: فقد عرفت منع وجود دليل على عموم الحرمة الشامل لمحلّ البحث، فضلا عن الأظهرية و الأكثرية بالنسبة إلى ما استفاض من استحباب الإعانة على البرّ، عموما و خصوصا.

و أما ما قاله الفاضل المعاصر، فهو من الغرائب. و التمثيل بما ذكره غير صحيح.

بيان ذلك: أنّ اختلاف العنوان في الأمر و النهي، لا يرفع التعارض، إلّا إذا كان الرجحان توصليا تبعيّا، من باب المقدمة لواجب أو مندوب، فهو لا يعارض الحرمة الأصلية، كما في العبور عن ملك الغير إلى المسجد.

و وجهه: أنّ رجحان المقدّمة من باب التوقف العقلي للمأمور به بحكم العقل، و هو يكون حيث لم يكن المقدّمة مع إمكان حصول الغرض لغيرها، لعدم الدليل- حينئذ- على رجحانها. و أمّا إذا كان الحكمان أصليين فالتعارض حاصل في مورد التخالف، و إن اختلف العنوان، لعدم إمكان الجمع بين الامتثالين.

و التعارض بالعموم من وجه، كلّه من هذا الباب، سواء كان مورد التعارض فردا لموضع كلّ من الدليلين المتعارضين، أو لأحدهما و لازما للآخر، كالأمر بالذهاب إلى المسجد، و النهي عن التصرف في ملك الغير.

نعم، إذا كان إطلاق الأمر منساقا لبيان حكم آخر، تقدّم جانب الحرمة، كالأمر بالمسافرة، و النهي عن ركوب الدابّة المغصوبة، و الأمر بالإفطار، و النهي عن أكل المتنجّس أو مال الغير، فلا تعارض- حينئذ- أيضا-، لعدم انصراف إطلاق الأمر إلى محلّ النهي، فلا يحصل امتثال الأمر بالإتيان بالمنهيّ عنه، إلّا إذا كان المقصود

230

من الأمر مجرّد حصول الأثر، كالأمر بتطهير الثوب، و إنقاذ الغريق، فيسقط الأمر بفعل المحرّم، لحصول الغرض، و إن لم يترتّب عليه الثواب.

و كيف كأن، فمن البيّن: أنّ محلّ البحث ليس من صورتي عدم التعارض، بل هو من باب تعارض الحكمين الأصليين بالعموم من وجه، إذ الأمر بالإعانة على البرّ، هو الأمر بإيجاد ما توقّف عليه، و هو في الفرض من أفراد الغناء المعين على البكاء أو الإبكاء، فيحصل التعارض.

نعم، لا يبعد الفرق بين الأمر بالإبكاء و الإعانة، بكون النظر في الأوّل حصول الأثر، فلا ينصرف الإطلاق إلى خصوصيات أفراد السبب، بخلاف الثاني، لظهوره في كون المقصود منه الأمر بإيجاد أسباب البرّ و شرائطه، و لا أقلّ من عدم ظهوره في غيره الكافي في صحّة التمسّك بإطلاقه.

و أمّا التنظير بالزنا، في حصول قضاء حاجة المؤمن، به فلا مناسبة له بالمقام، فإنّ أصل الحاجة- و هي الزنا- محرّمة على المحتاج، فكيف يحسن قضاؤها؟ بل يحسن من الغير الإعانة على منعها، بخلاف البكاء.

و منها: الغناء في قراءة القرآن، و هو كسابقه دلّ على جوازه ما مرّ، من الأصل، و قصور الأدلّة المانعة من شمولها له، مضافا إلى المعتبرة المستفيضة المتقدّمة. جملة منها المعتضدة بالأصل الآمرة بقراءة القرآن بالصوت الحسن، الشامل للغناء، بل هو أظهر أفراده أو بخصوص الترجيع، كرواية أبي بصير الصحيحة (1)، عن السرّاد، المجمع على تصحيح ما يصحّ عنه، و فيها: «و رجّع بالقرآن صوتك، فإنّ اللّه سبحانه يحبّ الصوت الحسن، يرجّع به ترجيعا».

و الإيراد على الأوّل: بأنّ الغناء هو الترجيع، و هو وصف عارض للصوت الحسن،

____________

(1) الكافي 2: 616، باب ترتيل القرآن بالصوت الحسن، الحديث 13.

231

يوجد بإيجاد مغاير لإيجاد الصوت، فلا يدلّ الترغيب به على الترغيب به. و على الثاني: بمنع كون مطلق الترجيع غناء. و عليهما: بمعارضتهما للأخبار المانعة، كخصوص رواية عبد اللّه بن سنان المتقدّمة، الناهية عن لحون أهل الفسوق، الذامّة لترجيع الغناء و الرهبانية في القرآن (1).

مدفوع بما في الأوّل، من أنّ الغناء في كلام جماعة من أصحاب اللغة، هو الصوت المشتمل على الترجيح. و لو سلّم، فتحسين الصوت غالبا بالترجيع، و لا أقلّ من كون المشتمل عليه من أفراده، فالأمر بالصوت الحسن أمر بالمركّب من العارض و المعروض، و هو ينافي حرمة العارض، مع أنّ في بعض الأخبار الأمر بتحسين الصوت، و الترجيع من أفراده.

و بما في الثاني، من شموله للغناء قطعا، لو لم يتّحد معه، و هو كاف في الاستدلال.

و بما في الثالث، أوّلا: فيما مرّ من ضعف دلالة المعارض في مورد البحث، بل دلالة الخبر المذكور على الترغيب بنوع منه، فلعلّ النهي عن نوع آخر مستعمل عند أهل المعصية، من جهة خروج القراءة به عن صدق التلاوة عرفا، كما أشرنا إليه.

و ثانيا: على تسليم دلالة العمومات المانعة من التعارض مع المجوّزة بالعموم من وجه، فيرجع إلى الأصل المقتضي للجواز أيضا.

و موافقة الأولى للكتاب، بضميمة الأخبار المفسّرة، لو أغمضنا عما فيه من المناقشات السابقة، معارضة لموافقة الثانية له- أيضا- في قوله تعالى وَ رَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (2) بضميمة تفسيره في رواية أبي بصير: بأنّه المكث فيه، و تحسين الصوت به.

و منها: الغناء في سائر الفضائل، من الخطب و المناجاة و الدعاء و غيرها من الكلمات

____________

(1) الكافي 2: 614، باب ترتيل القرآن بالصوت الحسن، الحديث 3.

(2) المزّمّل (73): 4.

232

الحقّة، مما يقصد به الترغيب إلى اللّه تعالى، و السوق الى الجنة، و مذاكرة نعم اللّه سبحانه و فناء الدنيا و أمثال ذلك. و الأوجه فيه الجواز أيضا للأصل السالم عن المعارض المعلوم، مضافا إلى ظهور مرسلة الفقيه المتقدّمة (1) فيه بالتقريب المذكور.

تتميم: كما يحرم التغني، يحرم استماعه اجماعا، له،

و للمستفيضة المانعة عن بيع المغنّيات، و شرائهن، المحمول على قصد التغنّي به، حسب ما مرّ.

و ظاهر أنّ المقصود- حينئذ- استماع الغناء منهنّ، لا التغنّي لأنفسهنّ، لحصوله قبل البيع أيضا، و خصوص رواية الطاطري (2) المتقدّمة، بما في آخرها من قوله (عليه السلام):

و استماعهنّ نفاق. و قريبة منها الأخرى، و مرسلة المدني (3)، سئل عن الغناء، و أنا حاضر. فقال: «لا تدخلوا بيوتا اللّه سبحانه معرض عن أهلها، فإنّها ظاهرة في كون النهي باعتبار استماع الغناء، في بيوت يتغنّى فيها.

و يؤيّده رواية عنبسة: «استماع الغناء و اللهو ينبت النفاق في القلب» (4) و الخبر العامّي عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «من ملأ مسامعه من الغناء، لم يؤذن له أن يسمع صوت الروحانيين يوم القيامة» قيل: و ما الروحانيون يا رسول اللّه؟ فقال: «قراءة أهل الجنة» (5).

و لا يشترط في حرمة استماع الغناء حرمته على المغنّي، فلا يجوز استماعه من غير المكلّف، و إن لم يكن عليه إثم، لصدق الغناء، فيعمّه دليله.

____________

(1) قرب الإسناد: 294، الحديث 1158.

(2) وسائل الشيعة 17: 124، الباب 16 من أبواب ما يكتسب به، الرواية 22155.

(3) نفس المصدر 17: 306، الباب 99 من أبواب ما يكتسب به، الرواية 22605.

(4) الكافي 6: 424، باب الغناء، الحديث 23.

(5) مجمع البيان 8: 314، ذيل الآية 6 من سورة لقمان.

233

[المشرق العاشر] [في صحة صلح الزوج عن حق رجوعه في العدّة الرجعية]

مشرق: قد اشتهر بين جمع من أفاضل من عاصرناه، صحّة صلح الزوج عن حق رجوعه في العدّة الرجعية، فيصير به الطلاق بائنا. و لم أر في كتب الفقهاء من تعرّض لهذه المسألة بخصوصها، عدا الفاضل الكامل القمّي (1)، حيث أفتى بصحّته، و تبعه غيره ممن جوّز. و أنكره والدي العلّامة و هو في محلّه.

و لبيان جليّة الحال، لا بدّ من بيان حقيقة الصلح و أقسامه، و تحقيق المناط لما صحّ فيه الصلح. فنقول: الصلح عقد دلّ على شرعيته إجماع المسلمين، و استفاضت عليه أخبار المعصومين (عليهم السلام)، ففي النبويّ، و المرسل من طريق الخاصّة في الفقيه (2)، المنجبرين بالشهرة العظيمة، رواية و عملا: «الصلح جائز بين المسلمين، إلّا صلحا أحلّ حراما، أو حرّم حلالا» و نحوهما الصحيح، بغير استثناء (3). و في معناها غيرها من الصحاح و غيرها.

____________

(1) جامع الشتات 3: 153.

(2) الفقيه 3: 52.

(3) وسائل الشيعة 18: 443، الباب 3 من أبواب الصلح، الرواية 24011.

234

و بيان معنى الاستثناء، و دفع ما أورد عليه من الإشكال، ليطلب مما حقّقناه في استثنائه في الشرط، فلا نعيده.

ثمّ الصلح لا يتوقّف على سبق الدعوى، و لا توقعه إجماعا منا، و إن كان في الأصل شرّع لدفع الخصومة، فاطّرد في غيره، مثل المشقّة في حكمة القصر، و نقص القيمة في الردّ بالعيب، و استبراء الرحم للعدّة، و نحوها، فيحكم به في غير مورد الحكمه، مضافا إلى الإجماع بعموم النصّ.

و ما قيل: باختصاص الإطلاقات بما تحقّق فيه التنازع، و لو متوقعا، و التعميم بعدم القائل بالفرق غير متجه، لأنّ معنى الصلح الواقع في إيجاب العقد، المحمول عليه الإطلاقات، يوافق المصطلحين، بما تسالما و اصطلحا عليه، و هو يشمل غير صورة التشاجر و التجاذب أيضا.

و كيف كان، فهو عقد لازم، يشترط فيه الصيغة الخاصّة من الإيجاب و القبول اللفظيين بشرائطهما، كسائر العقود اللازمة، كما مضى في بعض ما تقدّم، و إن قلنا بجواز المعاطاة في صلح المعاوضة، على غير وجه اللزوم.

و إيراد المحقق الأردبيلي (1) في اشتراط الصيغة، بمخالفته للأصل و ظاهر الأخبار، غير مقبول. ضرورة أن ليس المراد بالصلح فيها مجرّد التسالم على ما اتفقا عليه، الذي هو معناه اللغويّ، بل ما يعمّ الإنشاء العقديّ، و لذا كان من العقود إجماعا، فهو محمول على المعاملة المعهودة في الشرع، فلا يصحّ التمسّك في صحّة مطلق ما صدق عليه معناه لغة بالإطلاق، و إن صحّ ذلك بالنسبة إلى سائر الشرائط، حسب ما تقرر فيما مضى. مضافا إلى أنّ مدلول الإطلاقات، مجرّد الصحة، دون اللزوم.

ثم الصلح عقد مستقلّ لا يتفرّع على غيره من العقود، و إن أفاد فائدته، كما هو

____________

(1) مجمع الفائدة و البرهان 9: 335.

235

المشهور، بل عن التذكرة (1) و التحرير (2): الإجماع عليه، بل من غير خلاف بيننا، عدا المحكيّ عن الشيخ (3)، وفاقا له للشافعي، من أنّه بيع، أو اجارة، أو هبة غير معوّضة، أو عارية، أو إبراء فهو الحجّة.

مضافا إلى أنّ الاستقلال مقتضى أدلّة الصلح بضميمة الأصل، بل ظهور كثير منها فيه. نعم، هو عقد واسع يقع في موارد أكثر العقود، و مع ذلك متّسع باحتماله ما لا يحتمل غيره، مما يفاد مفاده من وجوه كثيرة.

منها: أنّه يصحّ مع الإقرار و الإنكار، ففي الأوّل ظاهرا و باطنا، و في الثاني ظاهرا، فيحرم على المبطل ما يدفعه إليه المحقّ، أو بقى من ماله عنده، و لو مقدار ما دفع إليه من العوض في المصالحة عن العين، بفساد المعاوضة واقعا.

و إنّما يحكم بالصحّة في ظاهر الشرع، إلّا على فرض رضى المحقّ بالصلح باطنا اجماعا في الجميع، مضافا إلى أدلّة الصلح المعتضدة بعموم قوله تعالى:

أَوْفُوا بِالْعُقُودِ في الصحّة الظاهرية، و خصوص صحيح عمر بن يزيد (4) و رواية علي بن حمزة (5) في الفساد الواقعي في صورة الإنكار.

و ربما يناقش تارة: في صحّته ظاهرا بأنّها غير متصوّرة، مع القطع بكون أحدهما مبطلا، فلا يكون الفساد الواقعيّ مشتبها، فكيف يحكم بصحّته ظاهرا.

و أخرى: في فساده باطنا، بأنّه إذا توجّهت الدعوى بالتهمة، يتوجّه اليمين على المنكر، من غير ردّ، و لو كانت الدعوى مستندة إلى قرينة، فصالحه على إسقاطها

____________

(1) تذكرة الفقهاء 2: 177.

(2) تحرير الأحكام 1: 229.

(3) المبسوط 2: 288 و 289.

(4) وسائل الشيعة 13: 164، الباب 3 من أبواب أحكام الصلح، الرواية 24014.

(5) نفس المصدر: الرواية 24016.

236

بمال، أو على قطع المنازعة، فاليمين حقّ للمدّعي، يصحّ الصلح لإسقاطه. و من هذا قوّى صحّته- مطلقا- في المسالك (1)، و احتمله في جامع المقاصد (2).

و يندفع الأوّل: بأنّ شرعية الصلح، أوجبت صحّته الظاهرية، عند عدم تعيّن المبطل. و الثاني: بأنّ حقّ الدعوى و حقّ اليمين، من الحقوق الظاهرية، فلا ينافي وقوع الصلح على إسقاطه الفساد باطنا، و لذا لو انكشف الحال بعد الصلح بإقرار و نحوه، يحكم بفساد الصلح ظاهرا أيضا. و لا يتوهّم ذلك في الصلح، في صورة الإقرار، إذا انكشف أحد العوضين مستحقا، كما في البيع و نحوه في المفروض، لتسليم الفساد الواقعي فيه أيضا.

نعم، في صورة التعمّد بالدعوى الكاذبة، كما هي الغالب في الصلح الإنكاري، لا يحلّ التصرّف للمدّعي عند نفسه، فيما بينه و بين اللّه أيضا، و إن جرى على الصحّة في ظاهر الحال، بخلاف صورة خروج العوض مستحقّا، مع جهل المتعاقدين.

و لعلّ هذا هو مقصودهم في المقام من الباطن في مقابل الظاهر دون الواقع.

و منها: أنّه يصحّ الصلح عن عين بعين أو بمنفعة أو عن منفعة كذلك، و عن الحقوق، كحقّ الحيازة، و حقّ التحجير، و حقّ الشفعة، بحقّ مثله أو بعين أو منفعة.

كلّ ذلك بالإجماع و العمومات، لصدق عقد الصلح على ما يفيد إنشاء ما توافقا عليه من الأمور المذكورة.

و منها: أنّه يصحّ مع العوض، فيكون عقد معاوضة، و بدونه، كما عرفت من قول الشيخ: من صحّة قيامه مقام الهبة و العارية، لصدق معنى الصلح على المجرّد عن العوض، حسب ما ذكر، فيشمله العمومات.

____________

(1) مسالك الأفهام 4: 262.

(2) جامع المقاصد 5: 437.

237

قال بعض الأجلّة: و الظاهر أن المسألة إجماعية، و يشعر بالإجماع ما في التذكرة، حيث قال: لو قال: صالحني بنصف دينك عليّ، أو بنصف دارك هذا، فيقول: صالحتك بذلك، صحّ عندنا، و هو قول أكثر الشافعية، ثم قال: و إنّما يقتضي لفظ الصلح المعاوضة، إذا كان هناك عوض، و أمّا مع عدمه فلا. و إنّما معنى الصلح الرضا و الاتفاق، و قد يصلح من غير عوض. انتهى.

و لا ينافيه الاتفاق على بطلان الصلح المعوّض، إذا بان أحد العوضين مستحقا الظاهر في كون العوض من أركان الصلح، و لذا لا يفسد النكاح بفساد المهر، نظرا إلى عدم كونه ركنا له، إذ غايته كون العوض ركنا للصلح الواقع بقصد المعاوضة، و لا يقتضي ذلك كونه ركنا لمطلق الصلح. و أما النكاح، فليس المهر ركنا له مطلقا، و لذا يصحّ بدون ذكره، و يرجع إلى مهر المثل.

و من هذا صلح الدين على بعضه أو العين كذلك، و يسمّى صلح الحطيطة، بأن يقال: صالحتك نصف ديني على أن تعطيني نصفه، أو صالحتك داري على نصفها.

و منها: أنّه يصحّ الصلح مع جهالة العوضين، بلا خلاف فيه في الجملة، بل عن المسالك (1) و غيره: الإجماع عليه لإطلاق الأدلّة، و خصوص الصحيح، في رجلين كان لكلّ واحد طعام عند صاحبه، لا يدري كلّ واحد منهما كم له عند صاحبه، فقال كلّ واحد منهما لصاحبه: لك ما عندك، و لي ما عندي. فقال: «لا بأس بذلك إذا تراضيا، و طابت به أنفسهما» (2) و في معناه غيره.

____________

(1) مسالك الأفهام 4: 263.

(2) الكافي 5: 258، الحديث 2؛ الفقيه 3: 21، الحديث 53؛ التهذيب 6: 206، الحديث 407؛ وسائل الشيعة 18: 445، الباب 5 من أبواب أحكام الصلح، الرواية 24013؛ و في المصادر: «به» محذوف.

238

و احتمال كون المراد منه الإبراء، كما قد يناقش به عليه، مدفوع، بظهوره في المعاوضة الظاهرة في الصلح، كما فهمه الأصحاب.

و مقتضى إطلاق العبائر، كعموم الأخبار: عدم الفرق بين الجهل بالقدر و الجنس و العين و الدين، بل عن التذكرة (1): نسبة عدم اشتراط العلم بشيء منهما في الصلح إلى علمائنا أجمع، بل صرّح فيها حاكيا عليه إجماع الإمامية عدم الفرق في تعذّر العلم مطلقا، أو في الحال لعدم مكيال أو ميزان أو نحوهما من أسباب المعرفة و عدمه.

و لا إشكال، بل قيل: لا خلاف في الأوّل، كما اقتضاه النصوص.

و كذا لا إشكال ظاهرا في الثاني، لما ذكر، كما عن الشهيدين (2) و الفاضل المقداد (3)، حيث تمسّكا بتعذّر العلم في الحال، مع قضاء الضرورة و الحاجة بوقوعه، و الضرر بتأخيره.

و أمّا الثالث: فقد استشكل فيه في الرياض (4)، من عموم الأدلّة المعتضدة بإطلاق كثير من العبائر، و من حصول الغرر، مع إمكان التحرّز عنه، و لذا قيّد الصحة في المسالك (5) و التنقيح (6)، بما إذا تعذّر تحصيل العلم بالحقّ و المعرفة الكلّية، ثمّ قدم الثاني، ترجيحا لعموم النهي عن الغرر على أدلّة الصلح، باعتضاده للاعتبار، و رجحانه عند الأصحاب في كثير من المعاملات، كالبيع و الإجارة و نحوهما. و مع الإغماض عنه، فالرجوع إلى أصل الفساد.

____________

(1) تذكرة الفقهاء 2: 178.

(2) مسالك الأفهام 4: 263.

(3) التنقيح الرائع 2: 199.

(4) رياض المسائل 5: 425.

(5) مسالك الأفهام 4: 263.

(6) التنقيح الرائع 2: 199.

239

و أنت خبير بأن لا عموم للنهي عن الغرر، بحيث يشمل المورد، بل هو مختصّ بالبيع، و نحوه الإجارة الملحقة به، لظاهر الإجماع. مع أنّ الصحيح المتقدّم و نحوه، يختصّ بصورة الجهل و الغرر، فيخصّص به عموم النهي لو كان. و مساس الحاجة الشامل له الصحيح بإطلاقه، لا يمنع عن صدق الغرر.

ثم على تسليم التعارض، فالترجيح لأدلة الصلح، لاعتضادها بالإجماع المحكيّ في التذكرة (1) و إطلاق الأكثر.

ثم إنّ الجهل المغتفر في الصلح، إنّما هو إذا لم يرجع إلى الواقع، و أمّا معه و إن خلى عن الغرر، كصلح أحد العبدين المتشابهين المتحدين في القيمة، فهو يمنع الصحة، لمنافاته الإنشاء التنجيزي الذي هو شرط العقود مطلقا حسب ما تقدّم في الشرط.

و منها: أنّه يصحّ الصلح عن الحقّ إسقاطا، كصلح حقّ الدعوى للمدّعى عليه، و حقوق الخيار لمن عليه الخيار، و نقلا كصلح حق التحجير، إلّا أنّه يجب الاقتصار فيما يصحّ الصلح عنه مما يطلق عليه الحق بهما دون غيرهما.

بيان ذلك: أنّ ما يطلق عليه الحقّ على أقسام:

منها: الحقّ المالي بلا واسطة، كحق الملك لعين أو منفعة أو دين، أو بواسطة، كحقّ الخيار و حقّ الشفعة و حقّ التحجير و حقّ الدعوى و أمثالها، فإنّ متعلّق الحقّ فيها ليس نفس المال ابتداء، بل هو التسلط على ما يوجب حصوله.

و منها: حقّ الانتفاع لغير المال بلا واسطة، كحقّ الزوجية و ملك البضع و حقّ الجلوس للسابق في المسجد و نحوها، أو بواسطة، كحقّ الرجوع في الطلاق الذي هو التسلط على ما يوجب الانتفاع.

____________

(1) تذكرة الفقهاء 3: 178.

240

و قد يطلق الحقّ على غير ذلك- أيضا- مما يؤول إلى هذا المعنى، كحق المؤمن و حق الجار، من التعظيم و الإحسان و الإجابة و الإعانة.

و حيث إنّ مورد الصلح- كما أشرنا إليه- يختصّ بما يصلح للإسقاط أو النقل باختيار العبد، بل لا معنى للصلح في غيره، و القدر الثابت من الإجماع و غيره، إنّ القابل لهما ما كان من الأوّلين، أي الحقوق المالية دون غيرهما، بل صرّح جمع من الفقهاء في وجه صحة صلح حق الشفعة بأنه من الحقوق المالية، فيصحّ الصلح عنه و ظاهر كلامهم هذا عدم صحّته في الحقوق الغير المالية. و دليل الصلح مع ما فيه من الاستثناء بقوله: «إلّا ما أحلّ حراما أو حرّم حلالا» غير معلوم الشمول و لا مظنونه لأمثال ذلك التي متعلّق الصلح فيها حقيقة الحكم الشرعي، بل الثابت من مدلوله، صحّته فيما ثبت من الشرع صلاحيته للنقل و الإسقاط، بأن كان للمكلّف الخيرة فيهما، لا من قبيل الأحكام الستّة الوضعية و الولايات القهرية الشرعية، فيصطلحا على عدمها. و لذا لا يصحّ صلح الوصيّ عن وصايته، و الوليّ عن ولايته، بل لا يجوز صلح المؤمن أو الجار عن حقوقهما الثابتة لهما في الشرع، من الإحسان و التكريم و المواساة و حسن المعاشرة.

و بالجملة: كلما يطلق عليه لفظ الحقّ، أو أمكن التعبير عنه به، كحقّ الصلاة في المسجد و الجلوس في الأرض المباحة و أمثال ذلك من وجوه الانتفاعات، لا يلازم صحّة الصلح عنه، بل يجب أن يكون متعلّقة ممّا يثبت من الشرع قابليته للنقل أو الإسقاط. و عموم «كلّ صلح جائز»، لا يدلّ على صلاحية مورد الشك لهما، كما لا يدلّ عموم أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ على قابلية العين للتملك و التمليك، مما يشكّ فيه ذلك. و لو أبيت عن ذلك، فالاستثناء المتعقّب له دلّ على عدم صلاحية ما يثبت له حكم شرعيّ- و لو بعموم أو إطلاق لفظيّ- لتغييره بنقل أو إسقاط بالصلح، فاللازم

241

- أوّلا- ثبوت تلك القابلية من خارج أدلّة الصلح، ثم الاستدلال بها على صحّة وقوعهما بالصلح. و من ذلك ينقدح عدم جواز الصلح عن حق الرجوع في الطلاق الرجعي، لعدم ثبوت اختيار الزوج شرعا في إسقاطه، بل يقتضي أدلّة الرجوع من الكتاب و السنة عدمه، لأنّها تدلّ على سببية رجوع الزوج في الطلاق الرجعي بأسبابه من الأفعال الدالّة عليه، كالنظر إلى الزوجة و لمسها و تقبيلها و وطيها و إنكار الطلاق و نحوها، لعود الزوجية على نحو تحقّقها بعقد النكاح، و ليس حقّ الرجوع غير هذا الحكم الوضعيّ الشرعيّ، فلا يقع مورد الصلح حسب ما عرفت. و مجرّد إطلاق لفظ الحقّ لا يصحّح صلحه، و لا يؤثر في الحكم الشرعيّ.

و هل تسلط الزوج على الرجوع إلّا كالتسلط على إحياء أرض الموات؟ فكما لا يصحّ صلح حقّ الإحياء قبل فعله، و نحوه غيره من الأفعال التي جعلها الشارع أسبابا لآثار عائدة إلى الفاعل، كذا لا يصحّ صلح حقّ الرجوع.

و إلحاقه بحقّ الخيار و حقّ الشفعة و نحوهما، مما يصحّ الصلح عنه إجماعا، قياس مع الفارق، لما سمعت من كونهما من الحقوق المالية دونه، مضافا إلى الإجماع الفارق بينهما.

242

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

243

[المشرق الحادي عشر] [في بيان تعارض الاستصحابين و أقسامه]

مشرق: في بيان تعارض الاستصحابين و أقسامه، و حيث إنّ المقام من مزلات أقدام، و اختلاف سهام نقض و إبرام من أقوام، و منشأ ذلك- غالبا- عدم تنقيح مناط التعارض، فينبغي أن نفصّل الكلام فيما يضبط به محلّ التعارض و ما يرجح به أو يعمل بهما، أو يتساقطان.

و لنبيّن أوّلا: ضابطة في بيان ما يتبع استصحاب المستصحب من الأحكام و الآثار و ما لا يتبعه.

فنقول: ما يستلزم الحكم المستصحب الواقعي- وجوديا كان أو عدميا- على وجوه ثلاثة، لأنّه إمّا يكون من توابعه و لوازمه في الوجود عقلا أو شرعا أو عادة، فكان المستصحب مقدّما عليه ذاتا و ملزوما له، كأن يكون علّة له أو جزء علة أو تتميما لعلّته، أو يكون عكس ذلك. فكان المستصحب لازما و مسبوقا له، أو هما متلازمان في الصدق، لجهة خارجة عن ذاتهما، أو لكونهما لازمين لملزوم واحد.

فإن كان الأوّل، فإذا أثبت الملزوم بالاستصحاب، فالظاهر- بل لا ينبغي الريب فيه- وجوب الحكم به بتبعية اللوازم للملزوم، و المستصحب يستتبعه، سواء كان

244

الاستصحاب جاريا في نفس اللازم أيضا، أم لا.

ففي استصحاب الملكية يحكم بتوابعها، كصحّة البيع و الإجارة و الإعادة و الانتقال إلى الوارث، و غير ذلك مما يترتّب على الملك. و باستصحاب طهارة الماء، بجواز شربه و صحّة الوضوء منه و تطهر ما يغسل به، و غيرها من آثار الطهارة و توابعها الشرعية.

و الظاهر وقوع الإجماع عليه، كما يستفاد من سيرة العلماء في الفقه و الأصول، و إن غفل عنه بعضهم في بعض صور تعارض الاستصحابين، كما سننبّه عليه.

و من تتبع كتب الأصحاب و روال طريقتهم في استنباط الأحكام، لم يبق له تأمّل في اتفاقهم عليه. و وجهه- مضافا إلى الإجماع- أنه إذا علم سببية شيء لأمر و استتباعه له و ترتّبه عليه، فعند الحكم بثبوته شرعا- و لو بدليل تعبديّ- يحكم بالسبب- و لو تعبّدا- أيضا، تحقيقا لمعنى السببية و المتبوعية، بل معنى استصحابه تعبّدا ليس إلّا ترتيب آثاره و لوازمه عليه، بناء على بقائه.

ألا ترى أنه إذا قال الشارع: الماء الطاهر يرفع الحدث، و إذا شككت في طهارة الماء و نجاسته فابن على طهارته، يفهم منه كل أحد ثبوت الرافعية المذكورة له عند البناء على بقاءها.

و يدلّ عليه- أيضا- جملة من أخبار الاستصحاب، كالمتضمّن لصحة الصلاة مع الثوب الذي شكّ في نجاسته بعد العلم بطهارته، مع أن مقتضى الاستصحاب بقاء اشتغال الذمة بالصلاة، و سيجيء مزيد بيان فيه إن شاء اللّه.

و إن كان الثاني، فالذي يقتضيه النظر عدم ثبوته باستصحاب اللازم، فلا يحكم بالملزوم بمجرّده، إلّا إذا أمكن الاستصحاب في نفس الملزوم- أيضا- فإذا نذر أن لا يجلس فاسقا، صحّ استصحاب جواز المجالسة مع مجهول الفسق، و لكن لا

245

يحكم به بكونه عدلا مقبول الشهادة، و جائز الاقتداء في الإمامة، و إن دار الاحتمال في حقّه في كونه عادلا أو فاسقا في الواقع. و الظاهر كونه إجماعيا أيضا. و سرّه:

أنّ وجود التابع اللازم ليس سببا لوجود المتبوع، حتى يترتّب عليه، بل دلالة اللازم على الملزوم، إنّما هي باعتبار تابعيّته له في الوجود، و كون وجوده مسببا عن وجوده و فرعا له، تحقيقا لمعنى الملازمة و التابعية المقتضية للدلالة، فيكشف وجوده عن سبق وجوده كشف الأثر عن سبق وجود المؤثّر.

و هذا يستقيم في الوجود النفس الأمريّ، لا في وجوده الظاهريّ الاستصحابيّ المسبب عن دليل تعبديّ، فإنّه بهذا الاعتبار ليس وجوده باعتبار لزومه و تبعيته للملزوم و ترتّبه على وجوده، بل هو محكوم في الظاهر بثبوته استقلالا، تعبّدا شرعا، بملاحظة نفسه من حيث هي مع قطع النظر عن لوازمه.

فجهة اللزوم النفس الأمريّ مرتفعة بينهما باعتبار هذا الوجود التعبديّ، و لا دليل على ملازمة أخرى بينهما في هذا الوجود، فلا يكشف وجوده التعبّديّ الاستقلاليّ عن وجوده، ففي المثال المذكور، جواز مجالسة الناذر لمجهول الفسق، ليس باعتبار عدالته النفس الأمرية، و لا لعدالته التعبّدية، حتّى يكشف عنها، بل لكونه غير معلوم الفسق. و الجواز بتلك الجهة ليس لازما للعدالة، فلا يكشف عنها.

و نحو الحكم الاستصحابيّ ما ثبت بأصل البراءة، فلا يثبت به ملزومه الواقعيّ، فلا يحكم بأصالة طهارة ما يشكّ في كونه ماء أو خمرا، بصحّة الوضوء منه و التطهير به، فإنّ تلك الطهارة ليست لازمة لمائيته، بل يعمّ الماء و المشتبه بالخمر، فلا يكشف عنه، لعدم دلالة العام على الخاص، بخلاف الطهارة الواقعية.

فإن قلت: الموضوع لا يخلو، عن كونه ماء أو خمرا، فحيث يحكم بكونه طاهرا يلزمه الحكم بعدم كونه خمرا، لمنافاته الطهارة، فيكون ماء لعدم احتمال ثالث.

246

قلت: لا يلزمه الحكم بعدم كونه خمرا، بل يلزم عدم الحكم بكونه خمرا، و هو يجتمع مع عدم الحكم بكونه ماء أيضا، و ما هو كذلك محكوم بالطهارة شرعا بحكم الأصل، لا من جهة كونه ماء.

و إن كان الثالث، أي كانا متلازمين في الوجود من غير ترتب و سببيّة بينهما، فإن تلازما بحسب المفهوم، بحيث لم يتعقّل انفكاك أحدهما عن الآخر مطلقا، حتى في الوجود التعبديّ الظاهريّ، كعدم المنع من الترك المدلول عليه بالأصل للاستحباب، فيما دار الأمر بينه و بين الوجوب الذي يعلم فيه مطلق الرجحان، أو ثبت التلازم في الوجود بينهما بدليل خارجي واقعا و ظاهرا، كما في القصر و الإفطار، يحكم بثبوت أحدهما باستصحاب ثبوت الآخر، لفرض الدليل على التلازم بينهما بحسب الوجود الظاهريّ أيضا.

و إن لم يثبت ذلك، فلا يحكم به، كما في الثوبين المشتبهين بالنجاسة، فلا يحكم باستصحاب طهارة أحدهما بنجاسة الآخر. و كما في جواز مجالسة مجهول الفسق في المثال المذكور، فلا يحكم به بقبول شهادته، لعدم دليل على الملازمة في الوجود الاستصحابيّ التعبديّ أيضا.

و إذا تحقّق ذلك نقول: التعارض بين الاستصحابين يقع حيث كان مقتضى أحدهما مستلزما لخلاف الآخر، إمّا لذاتها شرعا أو عقلا أو عرفا، أو بسبب خارجيّ، كما إذا علم إجمالا زوال أحد المستصحبين المشتبهين و بقاء أحدهما، كنجاسة الثوبين.

ثم الاستلزام: إمّا بالسببية من جانب، كاليد القذرة إذا شك في زوال نجاستها و لاقت ثوبا طاهرا يحصل الشك به في نجاسة الثوب، فيعارض- حينئذ- استصحاب طهارة الثوب استصحاب نجاسة اليد، أو بالسببية من الجانبين، كما إذا

247

وقع الكرّ تدريجا على الماء القليل المتنجّس، فشكّ في حصول الطهارة للثاني أو النجاسة للأوّل، نظرا إلى الخلاف في اشتراط الدفعة العرفية، فإنّ طهارة الكرّ التي هي مقتضى استصحابها، يزيل بعد اتصال المائين نجاسة القليل التي هي مقتضى الاستصحاب المعارض، و بالعكس، أو بالتلازم من غير سببية من الجانبين. فوجوه التعارض ثلاثة:

أمّا على الأوّل، فالاستصحابان إمّا حكميان، أي: متعلقهما أمر شرعيّ كالمثال المتقدّم، أو أحدهما حكميّ و الآخر موضوعيّ، كما في الذبابة القذرة الرطبة التي طارت على الثوب الطاهر، إذا شكّ في جفافها حين الملاقاة، فيعارض- حينئذ- استصحاب الرطوبة مع استصحاب الطهارة، و الصيد المجروح إذا وقع في الماء القليل، و علم موته، و لم يعلم أنّه قبل الوقوع، فكان مستندا إلى الجرح، أو بعده فمستند إلى الماء. و منه استصحاب عدم التذكية، و استصحاب الطهارة في الجلد المطروح، لو قلنا بجريان استصحاب الطهارة.

نسب إلى بعض الفضلاء القول بالعمل بالاستصحابين في الصورتين. و يظهر من الفاضل القمّي، ذلك في الصورة الثانية ساكتا عن الأوّل، و عن بعضهم التوقف فيها.

و عن آخر دعوى الإجماع على العمل بالموضوعيّ.

و اختار والدي العلّامة تقديم استصحاب الملزوم مطلقا، و عبّر عنه باستصحاب المزيل، و وافقه جمع من المحقّقين. و هو مقتضى التحقيق، لوجوه:

الأوّل: ما سمعت من ثبوت اللوازم و المسبّبات باستصحاب الملزوم دون العكس، فيكون استصحابه دليلا شرعيا على خلاف مقتضى الآخر. و معه لا يجري فيه الاستصحاب، لانتقاضه باليقين الشرعي. و لا ينعكس لعدم ثبوت الملزوم باستصحاب اللازم، فلا ينتقض به.

248

فإن قلت: لا نسلم حجّية استصحاب الملزوم حينئذ، فلا يكون دليلا شرعيا، لاستلزامه نقض اليقين بالشك في اللازم، فلا يشمله أخبار الاستصحاب، إذ يلزم- حينئذ- من ثبوت مدلولها عدمه، و هو باطل.

قلت: المنهيّ عنه في قوله (عليه السلام): «لا تنقض اليقين بالشكّ» نقض اليقين، استنادا إلى الشكّ، أو بشيء باعتبار الشكّ في مزيليته، لا باعتبار دليل شرعي دلّ على مزيليته و لو تعبّدا.

فإن قلت: من الأخبار ما دلّ على المنع عن النقض عند الشك مطلقا، و لو بغيره، كقوله (عليه السلام) في رواية ابن عمار: «إذا شككت فابن على اليقين» (1) و هو يشمل النقض بسبب استصحاب المزيل.

قلت: أوّلا سياق الكلام ظاهر و متبادر في النهي عن هدم اليقين بسبب الشك، كما في مثل قوله: «إذا سافرت للصيد فلا تفطر أو ابن على الصوم» أي: لا تجعل سفر الصيد ناقضا للصوم، فلا يدلّ على حرمة الإفطار فيه لمرض و نحوه.

فلا يدلّ الخبر على البناء على اليقين عند الشكّ بسبب تعبديّ آخر، سيما بملاحظة سائر أخبار الباب، الناهية عن النقض بسبب الشكّ أو عدم الاعتناء بالشكّ، كصحيح زرارة (2)، و رواية الخصال (3)، و غيرهما (4).

و ثانيا: أنه لو سلّم فيه الإطلاق، فهو يعمّ ما إذا كان هنا مزيل مسبوق بالعلم

____________

(1) الفقيه 1: 351، الرواية 1025.

(2) وسائل الشيعة 1: 245، الباب 1 من أبواب نواقض الوضوء، الرواية 631.

(3) الخصال 1: 160 و 165 (في حديث الأربعمائة)؛ و رواها عنه في الوسائل، نفس الموضع، الرواية 636.

(4) وسائل الشيعة 4: 222، الباب 8 من أبواب القبلة، الرواية 5240.

249

بمزيليته أم لا، فيخصّص بسائر الأخبار، كالصحيح المزبور الدال على استصحاب المزيل دون المزال، بالتقريب المذكور في مورد التعارض.

و ثالثا: أنّ غاية الأمر عدم شمول هذا الخبر لشيء من الاستصحابين المتعارضين، لئلا يلزم التناقض و التدافع في مدلوله، و حمله على غير صورة التعارض، فيرتفع من البين في الفرض، و يبقى ما أشرنا إليه من الصحيح و غيره، الدال على استصحاب المزيل دون المزال، عن المعارض.

الثاني: الاتفاق الظاهر من طريقة الأصحاب لمن جاس خلال الديار، على العمل بمقتضى المزيل، كما تقدمت الإشارة إليه.

و خلاف بعض من تأخّر في مورد أو موارد عديدة، كمسألة الصيد و الجلد المطروح، لشبهة حصلت له فيه، غفلة عن القاعدة الاستنباطية الاتفاقية، غير قادح.

ألا ترى اتفاقهم على حصول الامتثال بالصلاة مع الطهارة الاستصحابية، و التطهّر من الحدثين بالماء الطاهر الاستصحابي، و البراءة عن العبادة في الوقت الاستصحابيّ، و صحّة التصرفات الناقلة التي على خلاف الاستصحاب في الملك الاستصحابيّ إلى غير ذلك مما لا يحصى من موارد مثل هذا التعارض.

فمن تتبّع في أمثال ذلك، يحصل له القطع بأن تقديم استصحاب الملزوم قاعدة مسلمة بينهم، و سرّه ما أشرنا إليه في المقدّمة.

الثالث: أنّ كثيرا من الأخبار الدالّة على حجّية الاستصحاب متضمّنة لتقديم المزيل، كما أشرنا اليه، كصحيح زرارة (1) الذي هو العمدة في الباب، المصرّح لصحّة الصلاة باستصحاب الطهارة، مع أنّ الشكّ في الطهارة يوجب الشكّ في صحّة الصلاة المنافية لاستصحاب الاشتغال. و نحوها صحيحته الأخرى، و صحيح ابن سنان،

____________

(1) وسائل الشيعة 1: 245، الباب 1 من أبواب نواقض الوضوء، الرواية 631.

250

و موثق ابن بكير. و التفريق بين الموارد تحكّم محض.

هذا، و يظهر مما اخترناه، و أصّلناه تقدّم استصحاب الموضوع على استصحاب الحكم، و الأصول اللفظية على الأصول الشرعية، كما هو المعمول به عندهم، لمكان المزيلية و الملزومية.

و أما على الثاني، فيسقط الاستصحابات عن الحجّية، إذا لم يكن لأحدهما مرجّح، و يبنى الحكم على ما يقتضيه أصل البراءة إن أمكن، و إلّا فعلى ما يقتضيه الاستصحاب في خصوص نفس اللوازم و الأحكام، فلا يلاحظ فيها ترتّبها على استصحاب الملزوم، بل المناط استصحاب أنفسها مستقلا.

أمّا طرحها، فلأنّ الترجيح ممتنع، و الجمع غير ممكن، و التخيير فرع الحجّية التي هي موقوفة على شمول الأدلّة لمورد الفرض، و هو مع لزوم التدافع غير متصوّر.

و أمّا العمل بمقتضى الاستصحاب في نفس اللوازم، فلخلوّه عن المعارض، و لا يثبت باثبات اللازم بالاستصحاب وجود الملزوم الممنوع بالمعارض، لما عرفت في المقدّمة.

و أما على الثالث، أي التعارض بالتلازم من غير سببية، فالظاهر الموافق لجماعة العمل بالاستصحابين فيما يترتّب على أحدهما خاصّة، أي: البناء على بقاء كل من المستصحبين في جميع الأحكام المختصّة به، دون ما يترتّب على اجتماعهما، سواء كان التنافي في موضوع واحد، كملكية المال المتردّد بين كونه لزيد أو عمرو، أو موضوعين، كطهارة أحد الثوبين المشتبهين. و سواء كان الثاني ذاتيا، كما في الأوّل، أو بسبب خارجيّ، كما في الثاني.

أما وجه العمل بهما في الأحكام المختصّة، فلانتفاء السببية و الملزومية بين

251

مدلول أحدهما و خلاف الآخر، فلا يوجب استصحاب أحدهما ثبوت الآخر، لما مرّ من منع التلازم بينهما في الوجود الاستصحابيّ التعبّديّ.

و أمّا وجه ترك العمل بالأحكام المترتّبة على ثبوتهما مجتمعا، فللعلم بانتفائها اللازم للعلم بانتفاء أحدهما في الفرض، ففي المائين المشتبهين يحكم بطهارة ما لاقى أحدهما، دون ما لاقيهما معا. و في المشتبهين بالإضافة يحكم بعدم صحّة الوضوء من أحدهما دون الجميع. و في المال المردّد بين زيد و عمرو يحكم بصحّة بيعهما معا. و هكذا.

و لا يتوهّم النقض بالحكم بالاستحباب فيما دار الأمر بينه و بين الوجوب، مع أنّ كلّا منهما خلاف مقتضى الاستصحاب، إذ ليس هو من باب ترجيح أحد الاستصحابين، بل لثبوت الرجحان المشترك بينهما، حسب ما مرّ، و يحكم بخصوص الاستحباب- حينئذ- من باب أصالة البراءة عن حرمة الترك، إذ الرجحان الغير الممنوع عن الترك هو معنى الاستحباب.

و من هذا القبيل- المتفرّع على ما ذكرناه- الحكم بوجوب الأمرين المشتبهين المردّد بينهما الواجب، فإنّه بالاستصحاب ينفي الوجوب الأصليّ المخصوص بكلّ منهما، من حيث خصوصيته في الظاهر، و لكن لا يمكن نفي وجوبه في الواقع، لعدم العلم به، و عدم كون الاستصحاب ناظرا إليه، بل المعلوم من الواقع وجوب أحدهما معيّنا فيه، غير معيّن عندنا، و ما هو المعلوم كذلك لم يثبت سقوط التكليف عنه، بل مقتضى الأدلّة الشرعية المحمولة على مدلولاتها النفس الأمرية بقاء التكليف به و وجوب الأمرين معا (1) من باب المقدّمة، تحصيلا للبراءة اليقينية عن الشغل المعلوم. و لا ينافي هذا نفي وجوب كلّ منهما أصالة، إذ الوجوب المحكوم به من

____________

(1) في الأصل: تبعا.

252

باب المقدمة ليس الوجوب الأصليّ، للعلم بأنّ الواجب الأصليّ في نفس الأمر أحدهما خاصّة، لا الأمران معا.

و تظهر الفائدة في الآثار الخاصة المترتّبة على الوجوب الأصليّ، فلا يحكم به في شيء منهما. فإذا نذر أحد أن يكرم زيدا العادل، و اشتبه بين رجلين، يجب إكرامهما معا، من باب أصالة الاشتغال لرفع البراءة اليقينية، و لكن لا يقبل شهادة واحد منهما، إلّا إذا شهدا معا، فيقبل عدلا واحدا.

تتميمات:

الأوّل: إذا تعارض استصحاب مع استصحابين أو أكثر،

فإن كان الأقل مشتركا، فهو المتعين، و هو ظاهر، و إلّا- كما إذا علم وقوع معاملة و لم يعلم أنها البيع أو الصلح أو الإجارة، أو قدوم المسافر و لم يعلم أنه زيد أو عمرو أو بكر، فظاهر جماعة ممن عاصرناه تقديم الأكثر، لأقلّية خلاف الأصل فيه، و لأنّ الأقلّ يعارض ما يساويه من الأكثر، و يبقى الزائد بلا معارض، فيعمل به.

و ضعّفه والدي العلّامة و وجهه أنّ الفرار عما يخالف الأصل (1) ليس لقبح ذاتيّ و مفسدة عقلية، حتى يقدّر بقدر الضرورة، بل لمجرّد التعبّد الثابت من أخبار الاستصحاب، و نسبتها إلى الجميع نسبة واحدة، و لا يمكن شمولها للمتعارضين الذي لا يمكن العمل بها حسب ما مرّ لاستلزامه التناقض في مدلولها، فإنّ قوله:

«لا تنقض اليقين بالشكّ»، مخصوص- قطعا- بغير ما يوجب عدم نقض يقين آخر بالشكّ يساويه في النسبة و الجهة، فلا دليل على حجّية كلّ من الأقلّ و الأكثر في محلّ الفرض، إلّا إذا كان الترجيح لأحدهما بالمزيلية، أو أمكن العمل بالجميع على ما عرفت.

____________

(1) في «م»: و هو في محلّه، لأنّ الاجتناب عما يخالف الأصل.

253

الثاني: إذا كان حكم مسبوقا بوجوده و وجوده بعدمه،

فلا شكّ في جريان استصحاب حال الموجود المتصل بزمان الشكّ، فهو استصحاب حال الشرع.

و هل يصحّ استصحاب حال العقل، أي العدم السابق عليه المنفصل من الحال، فتعارض الاستصحابان، أم لا؟

التحقيق: أنّ الفرض على ثلاثة أقسام، لأنّ العدم السابق: إمّا هو بحيث لا يعود من حيث هو في السابق، بحيث لو فرض حصوله بعد الوجود اللاحق كان أثرا لمؤثّر متجدّد، كما في الشكّ في بقاء الطهارة بخروج المذي، لأنّه لو فرض عدمها- حينئذ- فليس هو من الحدث السابق، بل أثر خروج المذي، أو يكون هو السابق على فرض حصوله، بأن علم انقطاعه في مقدار زمان، ثم كان على حالة العدم السابق.

و على الثاني، فالفرض على وجهين أيضا، لأنّ الحكم الوجوديّ المتيقّن بعد العدم السابق، إمّا يكون متقوّما و مقيّدا بالزمان الثابت فيه، كما في الشكّ في بقاء مدّة الإجارة، فإنّ الثابت في زمان اليقين بعد العدم السابق، هو ملكية منفعة تلك المدة من العين المستأجرة، بحيث لو فرض بقاء الإجارة في الحال، فالثابت في الزمان المتقدّم، غير ما هو الثابت في الحال، فإنّ الزمان جزء مفهوم المنفعة المقصودة من التمليك في الإجارة، و منفعة كل زمان متقوّمة و متشخّصة بنفس الزمان الحاصل فيه، فلا يمكن بقاؤها في الزمان المتأخر عنه، بل لو كانت ثابتة فيه كانت منفعة أخرى.

أو لا يكون متشخّصا بنفس الزمان، بل كان- على فرض بقائه في الزمان اللاحق- هو عين الموجود في السابق، كالشكّ في الخيار المردّد بين الفور و الاستمرار.

254

أمّا على الأوّل: فلا ينبغي الشك في عدم جريان استصحاب العدم المتقدم على الوجود، لانقطاعه رأسا.

و على الثاني: فالظاهر تقديم العمل باستصحاب العدم، لإمكان بقاء العدم السابق على الوجود في زمان الشكّ حسب ما ذكر، و عدم صلاحية الحكم الوجوديّ الثابت في زمان اليقين للبقاء في الزمان اللاحق، لتقومه بنفس الزمان السابق، فلا يجري فيه الاستصحاب. و على هذا، إذا وقع الخلاف بين المالك و المستأجر في مدّة الإجارة في الزيادة و النقصان، يقدم الناقص، و على مدعي الزيادة الإثبات.

و على الثالث: ففيه وجهان:

من جريان الاستصحابين، لإمكان بقاء كلّ من المستصحبين على حسب ما ثبت في زمان حصوله، فيتعارضان، فيتساقطان، لامتناع العمل بمقتضى الوجود و العدم بالنسبة إلى حكم واحد.

و من قوة احتمال عدم انصراف الأخبار إلى اليقين المنفصل عن زمان الشكّ بيقين آخر يخالفه، و ظهوره في اليقين المتّصل به، ففي الخيار المتردّد بين الفور و الاستمرار يعمل بمقتضى استصحاب الخيار بعد الفور، دون استصحاب عدمه السابق على وجوده.

الثالث: قالوا: أصل البراءة لا يعارض الاستصحاب.

و الظاهر: أنّ مرادهم منه في غير ما إذا كان الأصل مزيلا للاستصحاب على التقرير الذي ذكرناه، و إلّا فلا خلاف في البناء على مقتضى الأصل، و تقدّمه على مقتضى الاستصحاب، كما إذا حصل للمكلّف مال يوجب استطاعته للحجّ به لو لا الدين عليه، و شكّ في الدين، فإنّه يبنى- حينئذ- على أصل البراءة من الدين، و لا يعمل باستصحاب عدم الاستطاعة.

و وجهه ما تقدّم بعينه في تعارض الاستصحابين.

255

و أما في غير الصورة، فظاهرهم الاتفاق على تقديم الاستصحاب، استنادا إلى أن العمل بالأصل إنّما يكون إذا لم يعلم الشغل بدليل شرعيّ.

و فيه: أنّه يعارض بالمثل. اللهمّ إلّا بإرجاع التعارض بينهما بالمزيل و المزال، نظرا إلى أنّ مقتضى الاستصحاب- و هو بقاء شغل الذمّة- رافع للبراءة الأصلية السابقة، و لا عكس، لعدم كون البراءة الأصلية سببا لزوال الحكم و ارتفاع الشغل، بل يكشف عنه كشف اللازم عن الملزوم.

و لبعض المحققين توجيهه: بأنّ دليل الاستصحاب أخصّ من دليل الأصل، لأنّه استصحاب كل شيء بخصوصه، و عدم نقض اليقين بالشك دليل الدليل، فعموم «لا تنقض بالقياس إلى أفراد الاستصحاب» كعموم: «إِنْ جٰاءَكُمْ فٰاسِقٌ»، بالنسبة إلى آحاد الأخبار، فكما أن ذلك لا ينافي كون الخبر خاصّا إذا اختصّ مورده، لكون العبرة في العموم و الخصوص بنفس الأدلّة، لا بأدلّة الأدلّة، فكذا هذا. انتهى. و فيه نظر يظهر بالتأمل.

256

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

257

[المشرق الثاني عشر] [في أنّ الأحكام تابعة للأسماء]

مشرق: قد اشتهر بينهم: أنّ الأحكام تابعة للأسماء، بمعنى أنّ الأحكام يتبدّل بتبدّل أسماء موضوعاتها. و إلى هذا ينظر قولهم باشتراط بقاء الموضوع في جريان الاستصحاب. و فرّعوا عليه (1) طهارة الخمر إذا انقلب خلّا، و العذرة إذا صارت دودا، و الميتة ترابا، و الكلب ملحا، و نحو ذلك.

و اعترض عليه (2): بالنقض بما إذا تبدّل اللبن المتنجس بالسمن.

و أجيب عنه: بأنّ المناط تبدّل اسم الموضوع بما هو موضوع، و في اللبن المتنجّس ليس موضوع النجاسة اللبن من حيث هو لبن، بل من حيث كونه جسما لاقى النجاسة، و هو باق. و لهذا حكموا (3) بالفرق بين الأعيان النجسة و المتنجّسة، و قالوا بزوال النجاسة في الأولى بتبدّل اسم الموضوع، نظرا إلى عدم بقاء موضوع

____________

(1) منهم: المولى أحمد النراقي في عوائد الأيام: 206.

(2) السيد بحر العلوم في فوائده: 116، الفائدة 34.

(3) منهم الميرزا القمّي في قوانين الأصول 2: 74؛ و صاحب الفصول الغروية فيها 3:

387.

258

ما جعله الشارع موضوعا للحكم، دون الثانية، فيحكم بطهارة العذرة المتبدّلة بالرماد، دون الخشب المتنجّس المتبدّل به.

أقول: ما ذكره المجيب، إن صحّ في موارد، لا نسلم في أخرى، إذ للمعترض أن لا يسلم بقاء النجاسة في رماد الخشب النجس، قائلا: بأنّ موضوع تلك النجاسة في خصوص المورد هو حقيقة الخشب، و إن كان من جهة كونه جسما لاقى النجاسة، فبتبدّل الحقيقة يرتفع الحكم، بل هو معلوم البطلان في موارد كثيرة، كالغذاء المتنجّس إذا صار جزء للحيوان الطاهر كالغنم، فإنّه يصير طاهرا بالضرورة.

و كذا الماء المتنجّس إذا شربه و صار بولا. و نحوه: البقولات و المطابيخ الحاصلة من المياه المتنجّسة، فلا يحسم به مادة الإشكال، و لم ينضبط به القاعدة المشهورة المذكورة.

و قد يجعل المعيار تبدّل الحقيقة العرفية، و هو- مع كونه غير منطبق على تلك القاعدة، لعدم اطّراد كون الاسم دائرا مدار الحقيقة، بل قد يتبدّل بتبدّل الوصف، كالخمر إذا صار خلّا- غير سديد جدّا، لانتقاضه بالخمر المنقلب بالخلّ، كما ذكر، فإنّه يطهر، دون العنب المتنجّس المنقلب به، فليس تغيّر اسم الحقيقة معيارا كلّيا مطلقا، نفيا و إثباتا، إلّا أن يدّعى الكلّية في منطوق القضية دون مفهومها.

و التحقيق في المقام على وجه ينضبط به قاعدة الموضوع الذي يتبدّل به الحكم و يرجع إليها عند حصول الاشتباه في الموضوع: أنّ الشارع إذا أثبت حكما كلّيا، كقوله: الجسم الملاقي للنجاسة يتنجّس و الخمر نجس، فهذا الحكم يثبت لكل فرد شخصيّ موجود يصدق عليه هذا الموضوع الكلّي. فموضوع هذا الحكم على الوجه الكلّي- أعني المفهوم- أمر واحد، و هو العنوان الذي جعله الشارع عنوان الموضوع، ككونه جسما أو خمرا. و على الوجه الجزئي أمور كثيرة، هي الأفراد