مشارق الأحكام

- الشيخ محمد بن احمد النراقي المزيد...
510 /
259

الشخصية الموجودة، و موضوعية كلّ منها إنما هي بوجود نفسه من حيث كونه مصداقا لهذا العنوان الكلّي، فيشترط في بقاء موضوعيته أمران:

أحدهما: وجود نفسه. و ثانيهما: بقاء وصف العنوان له.

و حيث إنّ كل شيء موجود، فتشخّصه و بقاء نفسه إنّما هو بحقيقته النوعية، دون مجرّد مادّته الهيولائية، كما دلّت عليه الحكمة العقلية، و يساعده الصدق العرفيّ، فارتفاع الموضوع الذي تدور به الحكم في كل فرد، إمّا بارتفاع عنوان الموضوع الكلّي، و إن لم يتبدّل به حقيقة الفرد، كصيرورة الخمر خلّا، أو تبدّل الحقيقة الفردية، و إن كان العنوان الكلّي باقيا، كصيرورة الحطب المتنجّس رمادا، أو الغذاء المتنجّس لحم الحيوان الطاهر.

و أمّا إذا لم يتبدّل الحقيقة، و لا العنوان المذكور، و إن انقلب له وصفا آخر إلى غيره، كصيرورة اللبن النجس إقطا أو سمنا، و الحنطة النجسة دقيقا، فالموضوع باق و الحكم تابع له.

و من هذا يظهر وجه الفرق بين الاستحالة و الانقلاب المطهّرين، فإنّ المقصود من الأوّل تبدّل الحقيقة، و من الثاني تبدّل الوصف الدخيل في الموضوعية.

و ينقدح من هذا- أيضا- وجه الفرق في الحكم ببقاء النجاسة في تبدّل لبن نجس العين سمنا، و زوالها بتبدّل عظمه رمادا، كما عليها الاتفاق، و ليس الفارق إلّا تبدّل الحقيقة، و إلّا فعنوان خصوص اللبنية أو العظمية غير دخيل في العنوان الكلّي من غير فرق بينهما.

و لعلّ قولهم: الأحكام تابعة للأسماء، كان ناظرا إلى خصوص تغيّر الموضوع، بالاعتبار الأوّل، أعني اسم ما جعل عنوانا للموضوع الكلّي. و كيف كان، فهو غير مناف لتبعية الحكم للجهة الثابتة أيضا، و القاعدة الجامعة لهما، ما اتّفقوا عليه من

260

اشتراط عدم تغير الموضوع في الاستصحاب، و عدم جريانه عند تغيّره، فإنّه يأتي في القسمين.

261

[المشرق الثالث عشر] [في تداخل الأسباب الشرعية]

مشرق: اختلفوا في أنّ الأصل تداخل الأسباب الشرعية أو عدمه، بمعنى أنّه إذا جعل الشارع أمرا واحدا مسبّبا لسببين مستقلين أو أكثر، فهل يكتفي به مرّة عند ورود تلك الأسباب المتكثّرة دفعة أو بالتعاقب، أم لا؟

حكى الأوّل عن جماعة (1)، و اختاره والدي العلّامة (2)، و نسب الثاني إلى غيرهم، و لعلّه الأكثر (3).

و ربما فصّل بين اتحاد السببين نوعا، كوقوع كلبين في بئر، فالأوّل. و اختلافهما بوقوع كلب و انسان فيه، فالثاني.

و ليعلم أنّ الكلام في هذا المقام، غير البحث عن تكرر الأمر بتكرر الشرط، فإنّ

____________

(1) منهم: المحقق الخوانساري في المشارق: 61.

(2) مستند الشيعة 1: 110، الفرع العاشر من فروعات الوضوء.

(3) العلّامة في قواعد الأحكام 1: 3؛ و تحرير الأحكام 1: 12؛ و إرشاد الأذهان 11:

22؛ ابن فهد في الموجز (الرسائل العشر): 54؛ المحقق الكركي في جامع المقاصد 1: 87؛ الشهيد الثاني في روض الجنان: 18؛ الفاضل الهندي في كشف اللثام 1: 12.

262

الكلام ثمة في أمر لفظيّ هو اقتضاء القضية الشرطية استمرار السببية و عدمه، و الحقّ فيه اقتضاؤها الاستمرار، إذا كانت الأدوات مما يقتضي العموم و الدوام، نحو مهما و أنّى و حيثما و كيفما و أشباهها، و عدمه إذا كانت من أداة الإهمال نحو إن و لو و إذا و ما في معناه من الأسماء المتضمّنة لمعنى الشرط، نحو من و ما و غيرهما.

و أما هنا، ففيما علم استمرار السببية إن كان واحدا، و تعدّد السبب إن كان مختلفا.

و كذا الخلاف فيما لم يتخلّل المسبّب بين السببين، و إلّا فعدم التداخل اتفاقيّ، كما إذا وقع الكلب في البئر، فنزح، ثم وقع فيه ثانيا.

و كذا الظاهر: اختصاص الخلاف بما كان المسبّب فعل المكلّف، كالكفارات و الأغسال و المنزوحات و نحوها لا من قبيل الأوصاف الشرعية، كالزوجية و الملكية و الرقّية و الطهارة و النجاسة و أمثالها، فإنّه إذا حصل مثل ذلك بسبب، يمتنع تأثير السبب اللّاحق فيه، فإذا تملك بالبيع مثلا، لا يملك بالصلح ثانيا، بل يكون اللاحق لاغيا.

فالمسبّب هو الوصف عن عدمه لا عن وجوده، فإنّ البول ينجّس الطاهر لا المتنجّس، كما أنّ الغسل يطهر النجس لا الطاهر. فالسببية- حينئذ- يتبعه شرعا، و لا هكذا الفعل، كما سننبّه عليه.

و إذا علمت ذلك، فقد استدلّ على التداخل بالأصل و البراءة عن الإتيان بفعل المسبّب ثانيا. و فيه: أنّ الأصل قد يقتضي التكرّر، كما إذا كان وجوب المسبّب لرفع أمر واقع، كما في المنزوحات، على القول بكونها لتطهير البئر، فالدليل أخصّ من المدّعى، مع أنّ الأصل لا يقاوم الدليل، و الخصم مستظهر به.

263

و احتجّ الآخرون بوجوه:

الأوّل: أنّ المتبادر من السببية عدم التداخل، و اختصاص كل سبب بمسبّب لخصوص نفسه. و فيه: أنّ التبادر- لو سلّم- ففيما كان دليل السببية قضية شرطية، و المقصود في المسألة ما يعمّ ذلك، فقد يكون الدليل غير اللفظ، كالإجماع و نحوه، أو اللفظ، و هو غير القضية الشرطية، مع أنّ دعوى اطّراد التبادر في أمثال القضايا الشرطية ممنوع جدا، بل لا يبعد تبادر التداخل فيما إذا كانت الأسباب مختلفة و تواردت دفعة، كما إذا قال: إن جاء زيد فصم، و إن جاء عمرو فصم.

نعم، دعوى التبادر فيما إذا اتّحد السبب و تكرّر بالتعاقب- كما إذا قال: كلّما جاء زيد فأعطه درهما، أو صم يوما- غير بعيدة.

الثاني: أنه لو تداخل السببان، كإفطار يوم رمضان، و مخالفة النذر في وجوب الكفارة، فالسبب الثاني، إمّا يوجب الكفارة التي أوجبها الأوّل بعينها، فيلزم إيجاب الواجب، و هو باطل، أو لا يوجب سببا، فهو خروج عن سببيته المعلومة، أو يوجبان معا كفّارة واحدة، فهو خلاف مقتضى السببية التامّة المستقلّة لكلّ منهما.

و فيه اختيار الأوّل، و لا استحالة فيه، فإنّ الأحكام الشرعية المسبّبة عن أسبابها ليست بمثابه المعلومات المترتبة على العلل العقلية التي يمنع تواردها على معلول واحد، لجواز أن يكون شيء مطلوبا من جهتين متعلّقتين (1)، كما في نذر الواجب، أو مبغوضا كذلك، كحرمة وطء الأجنبية في نهار رمضان، و نجاسة دم الكلب.

الثالث: أنّ مقتضى كل سبب الإتيان بمسبّبه، لأجل أنّه سببه، أي: لقصده، و لازمه عدم التداخل. و فيه منع اللازم، لإمكان جمع القصدين في فعل واحد، و حصول الامتثالين به، كما في تداخل الأغسال، و هو جائز اتفاقا.

____________

(1) كذا.

264

الرابع: اتفاق الفقهاء بحيث ربما تركوا لسببه الظواهر. و فيه: منع الاتفاق على الكلّية، و إن عملوا بمقتضى عدم التداخل في موارد كثيرة.

و منه يظهر ضعف التمسّك باستقراء الشرعيات، و كون المدار فيها على تعدّد المسبّبات بتعدّد الأسباب، كما في أسباب الصلاة و الصوم و الزكاة و الحجّ و الديات و الحدود و غيرها.

و إذا عرفت ضعف أدلّة الطرفين، فمقتضى النظر: أنّ مقتضى السببية ترتّب المسبّب على السبب، فالمسبّب إن كان من الأحكام الطلبية- و في حكمها ما يؤول إليها من الأحكام الوضعية، من الشرطية و المانعية و غيرهما- أمكن حصول هذا المقتضى للسببين بمسبّب واحد، و يكفى في الترتّب عليهما تعدّد الجهة، كما في نذر الواجب، و تداخل الغسلين لإمكان مطلوبية فعل واحد و مبغوضيته من جهتين. و كذا مانعيته أو شرطيته، فالأصل فيه التداخل، لإمكان الامتثال لهما بفعل واحد، و أصالة البراءة عن الزائد، و لا يوجب التداخل إسقاط المؤثّر عن التأثير، فكان على خلاف الأصل، كما توهّمه بعض الأجلّة.

و إن كان من غيرها، فلم يكن موضوعه من فعل المكلّف، بل من قبيل الأوصاف الشرعية، كالملكية و الزوجية و الرقّية، و اشتغال الذمّة بحقّ الغير، و نحوها مما يمتنع توارد العلل المتكثرة عليه، و لا يتعقّل تعدّد السببية و التأثير إلّا بتعدّد الموضوع، فالأصل فيه عدم التداخل تحقيقا لمعنى السببية المستقلّة لها، فإن قلنا بالتداخل فيه، كان هذا إسقاطا للمتأخّر عن التأثير، و هو محتاج إلى دليل، لكونه خروجا عما دلّ على سببية كلّ واحد منهما مستقلا.

265

[المشرق الرابع عشر] [في بيان قاعدة نفي الضرر]

مشرق: في بيان قاعدة نفي الضرر (1)، و هي من الأصول المهمّة الاجتهادية المعمولة بين الفقهاء، يستدلّون بها على أحكام كثيرة، طلبية و وضعية، نفيا و إثباتا، كحرمة السحر و الغشّ و التدليس، و الاحتكار مع حاجة الناس، و تفريق الأمّ عن الولد، و ثبوت خيارات الغبن و العيب و التدليس و التصرية و تبعّض الصفقة، و شرعية التقاص، و أمثال ذلك مما لا تحصى.

و قد كثر الكلام بين كثير من الأعلام، في اندراج خصوص بعض الأحكام في تلك القاعدة، و في تعارض المضارّ، و تعارض القاعدة مع قاعدة تسلّط الناس على أموالهم.

و نحن نبيّن أوّلا مدرك القاعدة، ثمّ ما يصحّ الاستدلال عليه بها من الأحكام و ما لا يصحّ، ثمّ تعارض الضررين، و تعارض قاعدة نفى الضرر لقاعدة الناس مسلطون.

____________

(1) قد جاء هذه القاعدة في نسخة «م» بعد المشرق الرابع مع اختلاف كثير، و نحن التزمنا بالنسخة المطبوعة و قابلناها مع نسخة «س».

266

فهنا أبحاث ثلاثة:

البحث الأوّل: في مدرك القاعدة،

و بيان معناه المراد. و هو- بعد إجماع الأمة عليها في الجملة، بين الخاصّة و العامّة- الأخبار المستفيضة، بل عن فخر الإسلام (1) دعوى تواتر الأخبار على نفي الضرر و الضرار.

منها: ما اشتهر عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في حكاية سمرة بن جندب، و روى عنه بألفاظ مختلفة في أسانيد متكثرة.

ففي موثقة ابن بكير (2)، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إنّ سمرة بن جندب كان له عذق (3) في حائط لرجل من الأنصار، و كان منزل الأنصاري بباب البستان، و كان يمرّ به إلى نخلته، و لا يستأذن، و كلمه الأنصاري أن يستأذن إذا جاء فأبى سمرة، فلما أبى، جاء الأنصاري إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فشكى إليه، فأخبر الخبر، فأرسل إليه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و خبر بقول الأنصاري و ما شكاه، و قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «إذا أردت الدخول فاستأذن!» فأبى، فلما أبى، ساومه حتى بلغ من الثمن إلى ما شاء اللّه، فأبى أن يبيعه، فقال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «لك بها عذق مذلّل في الجنّة» فأبى أن يقبل، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) للأنصاري: اذهب، فاقلعها و ارم بها، فإنّه لا ضرر و لا ضرار».

و في رواية ابن مسكان (4)- و هي قريبة من الموثقة- قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «إنّك رجل مضارّ، و لا ضرر على مؤمن».

و في رواية الحذاء (5)، عن أبي جعفر (عليه السلام)، مثل ذلك، إلّا أنّه ليس فيها لفظ الضرر

____________

(1) إيضاح الفوائد 2: 48.

(2) وسائل الشيعة 25: 428، الباب 12 من أبواب إحياء الموات، الرواية 32281.

(3) العذق: النخلة بحملها.

(4) الفقيه 3: 59، ح 208.

(5) وسائل الشيعة 25: 427، الرواية 32279.

267

و الضرار، بل فيها: «أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: «ما أراك إلّا مضارّا، اذهب يا فلان، فاقطعها و اضرب بها وجهه».

و في أمره (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بقلع العذق إشكال معروف، لأنّه خلاف ما يقتضيه القواعد، و نفي الضرر لا يوجبه، مع أنه لو أوجبه يتعارض الضرران، فما وجه الترجيح؟

و ذكروا في توجيهه وجوها لا يخلو عن المناقشة. و ما أظنه سالما عنها أن يقال: [دار] الأنصاري، و إن كانت طريق عذقه، و له حق الاستطراق، إلّا أنّه يحرم على ذي الحقّ تصرفا مضرّا للجار لم يكن في تركه ضرر على نفسه، كما سننبّه عليه.

و من الظاهر أنّ في الإعلام بالدخول، لتوقي أهل الدار عن الأجنبي، لا ضرر على سمرة، و يضرّ على أهل الدار، فلا يجوز له هذا التصرف، و حيث أبى بعد أمر النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إلّا على هذا الوجه المحرّم، فقطع عنه ما بعثه على هذا التصرف بقلع العذق و غرسه في موضع آخر، كما يشعر به بعض الروايات، دفعا لتضرر الأنصاري. و كيف كان، فهذا الإشكال لا يخلّ بالاستدلال.

و منها: ما رواه عن النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- مرسلا- في التذكرة (1) و النهاية الأثيرية: «لا ضرر و لا ضرار في الإسلام».

و منها: رواية هارون بن حمزة الغنوي (2)، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، رجل يسمد بعيرا مريضا يباع، فاشتراه رجل بعشرة دراهم، فجاء و أشرك فيه رجلا بدرهمين بالرأس و الجلد، فقضى أنّ البعير برئ، فبلغ ثمنه دنانير. فقال: «لصاحب الدرهمين خمس

____________

(1) الفقيه 4: 243 و 277؛ تذكرة الفقهاء 1: 522؛ النهاية لابن الأثير 3: 81.

(2) الكافي 5: 293، الحديث 4؛ التهذيب 7: 79، الحديث 341؛ و 80، الحديث 351؛ وسائل الشيعة 18: 275، الباب 22 من أبواب بيع الحيوان، الرواية 23659.

268

ما بلغ، فإن قال: أريد الرأس و الجلد، فليس له ذلك هذا الضرار، قد أعطى حقّه إذا أعطى الخمس».

و منها: رواية عقبة بن خالد (1)، عن الصادق (عليه السلام): «قضى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بالشفعة بين الشركاء في الأرضين و المساكن، و قال: لا ضرر و لا ضرار».

و منها: روايته الأخرى عنه (عليه السلام) (2)، فيما قضى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، قال في آخره: «لا ضرر و لا ضرار».

و منها: مكاتبة محمد بن الحسين (3)، و فيها فوقع (عليه السلام): «يتّقى اللّه عزّ و جلّ، و يعمل في ذلك بالمعروف، و لا يضارّ بأخيه المؤمن».

و منها: صحيحة البزنطي (4): «من أضرّ بطريق المسلمين شيئا فهو ضامن».

و منها: صحيحة الكناني (5): «من أضرّ بشيء من طريق المسلمين، فهو له ضامن».

____________

(1) الكافي 5: 280، الحديث 4؛ الفقيه 3: 45، الحديث 154؛ التهذيب 7: 164، الحديث 727.

(2) الكافي 5: 263، الحديث 6؛ وسائل الشيعة 25: 420، الباب 7 من أبواب إحياء الموات، الرواية 32257.

(3) الفقيه 3: 150، الحديث 659؛ الكافي 5: 293، الحديث 5؛ التهذيب 7: 146، الحديث 647؛ وسائل الشيعة 29: 241، الباب 7 من أبواب إحياء الموات، الرواية 32258.

(4) التهذيب 9: 158، الحديث 651؛ وسائل الشيعة 19: 238، الباب 6 من أبواب أحكام الهبات، الرواية 24497.

(5) الكافي 7: 350، الحديث 3؛ الفقيه 4: 115، الحديث 395؛ التهذيب 10: 231، الحديث 911، و 230، الحديث 905؛ وسائل الشيعة 29: 243، الباب 7 من أبواب موجبات الضمان، الرواية 35540.

269

ثمّ إنّ معنى الضرر معلوم عرفا، و يوافق المعلوم فيه ما ذكره اللغويون، كما في الصحاح (1)، الضرر خلاف النفع. و قد ضرّه و ضارّه بمعنى. و الاسم: الضرر.

و في القاموس (2): ضرّ به و أضرّه و ضارّه مضارة و ضرارا.

و في المصباح (3): الضرّ- بالفتح- مصدر ضرّه يضرّه، من باب قتل، إذا فعل به مكروها و أضرّ به، يتعدّى بنفسه ثلاثيا و رباعيا. و الاسم: الضرر. و قد يطلق على نقص في الأعيان. و ضارّه مضارة و ضرارا بمعنى ضرّه.

و في النهاية الأثيرية (4): لا ضرر و لا ضرار في الإسلام. الضرّ: ضدّ النفع،- إلى أن قال:- فمعنى قوله لا ضرر، أي: لا يضرّ أخاه، ينقصه شيئا من حقّه. و الضرار:

فعال من الضرّ، أي: لا يجازيه على إضراره. و الضرر: فعل الواحد، و الضرار: فعل الاثنين. و الضرر: ابتداء الفعل، و الضرار: الجزاء عليه. و قيل: الضرر ما تضرّ به صاحبك، و تنتفع أنت به، و الضرار أن تضرّه من غير أن تنتفع. و قيل: هما بمعنى.

و التكرار للتأكيد. انتهى.

و التباس الفرق بين الضرر و الضرار و الإضرار، لا يخلّ بالمقصود في المسألة، بل المستفاد من مجموع ذلك كون الضرر ما يقابل النفع، فكما أنّ النفع حصول الفائدة، فالضرر فوتها، من نقص في المال، عينا أو منفعة، أو في حق انتفاع، أو في البدن، من مرض أو بطوئه أو ألم، أو في العرض، من هتك حرمة محترمة في نفسه أو عياله أو من ينتسب إليه، بحيث كان إيذاء عليه و استخفافا له عرفا، و أشباه ذلك.

____________

(1) صحاح اللغة 2: 719.

(2) القاموس المحيط 2: 77.

(3) المصباح المنير 2: 360.

(4) النهاية لابن الأثير 3: 81.

270

و هل يصدق على عدم حصول منفعة متوقعة، أو على ضرر يتوقع منه منفعة أو دفع مفسدة؟

أما الأوّل: فالتحقيق أنها إن كانت من توابع الملك عادة، كثمرة البستان و ماء البئر المتجدّد و نحوهما، فنقصها ضرر قطعا، و يصدق عليه، فإنّه فوات أمر موجود، هو قابلية النفع، و يعدّ مانعه مضارا، سواء كان منعه بإثبات اليد على الملك، أو إحداث حدث فيه مانع عن النفع، كهدم بئر القنات، أو سدّ مجراها، أو منعه عن تعمير ملكه الدائر كإصلاح خرابه الغير المنافي لصدق كونه ذا منفعة عرفا و أما إذا لم يصدق عليه- لخرابه- كونه ذا منفعة، كقناة بائرة، فليس منعه عن تعميره ضررا، لعدم كونه تفويتا للمنفعة، كما لا يعدّ منه حبس المالك عن الانتفاع بملكه، كحبسه عن الزرع و سكنى الدار إضرارا، فإنّه تفويت لمنفعة المالك لا الملك.

نعم، لو حبسه من تسقية سنبله حتى فسد، أو ترك زرع ملكه المعدّ له، الذي فات به استعداده الفعليّ، فالظاهر كونه ضررا أو إتلافا، كمنفعة الملك، بل لا يبعد صدقه على حبسه عن ترك الزرع، قصدا لفواته، بل مطلقا، إذا كان المالك قادرا و عازما عليه، و عدم امكان الاستنابة له عند حبسه عنه، لصدق تفويت نماء ملكه.

و بالجملة: المناط الصدق العرفيّ في تفويت نفع ملكه التابع له عادة.

و منه يظهر أنّ نقصان القيمة السوقية، أو ذهاب المشتري لحبسه، أو تغرير، أو تدليس، ليس إضرارا من الحابس، لعدم نقص في شيء موجود، و لذا لا يضمنها الغاصب.

و أمّا الثاني: أي ما في مقابله نفع أو رفع ضرّ، ففي صدق الضرر عليه وجهان، بل قولان. و الذي يشهد به الاعتبار، أنّ العوض الذي في مقابل الضرر، إن كان من الآثار القهرية، كظهور الماء لحفر البئر، و خروج السنبل لزرع البذر، أو كان الضرر

271

مقدمة لتحصيله، كالمسافرة للتجارة و نحوها، مما يرتكبه العقلاء في معاشهم و مكاسبهم، فلا يعدّ تلف المال أو تحمل المشاق فيه من أصله ضررا، و خارج عن موضوعه عرفا، و إن لم نقل بخروج العسر عن موضوعه حينئذ و به يفترق العسر عن الضرر.

و إن كان العوض تداركا و جبرا للضرر الواقع، فالظاهر عدم خروجه به عن موضوع الضرر، و لو بعد درك العوض لظهور الفرق بين المنع عن الضرر و جبره، كيف و إلّا لم يبق مورد لتحريم الإضرار عند تعلّق الضمان، فلا تغفل.

ثم لا شك في أن قوله (عليه السلام): «لا ضرر و لا ضرار» ليس على معناه الحقيقيّ، ضرورة وقوع الضرر فوق ما لا يحصى، فهو مقيّد بما يرجع إلى الدين، كما يرشد إليه قوله (عليه السلام): «في الإسلام» في بعض الروايات. و توجيه الخبر- حينئذ- بأحد احتمالات، قال بكلّ قائل.

أحدها: إرادة التحريم بحمل النفي على النهي أو نفي الجواز الأقرب إلى الحقيقة. قيل به لكون الخبر في مقام الحكم، لا الإخبار عن صفة الإسلام.

و ثانيها: إرادة نفي الضرر المجرّد عن التدارك الخارج به عن صدق الضرر عرفا، تنزيلا لإلزام الشارع بتداركه منزلة وقوعه الرافع لصدق الضرر، فالمعنى لا ضرر، لم يلزم الشارع تداركه.

و ثالثها: إرادة نفي ماهيّة الضرر في دين الإسلام، بمعنى أنه لم يشرع فيه حكم يوجب الضرر، فكان الإسلام ضارّا أو مضارّا. و بعبارة أخرى: نفي الحكم الشرعي الذي يوجب الضرر على العباد، أي: يلزم من العمل به ضررهم، سواء كان طلبيا أو وضعيا، كما أنّ حكم الشارع بلزوم البيع مع الغبن ضرر على المغبون، فهو منفيّ في الشريعة في حقّ الجاهل، و أمّا العالم به، فليس منشأ الضرر حكم الشارع.

272

و الأوّل: فيه تجوّز أو تقدير، لا دليل عليه. مع أنّ النهي لا يناسب قوله: «في الإسلام» المذكور في بعض الروايات، الذي يصلح لكونه قرينة لتقييد غيره من المطلقات به، مضافا إلى منافاته- سيما على النهي- لاستدلال الفقهاء، بحيث يظهر منهم الاتفاق بنفي الضرر على ما يعمّ إضرار العباد بعضهم على بعض، كعدم وجوب الحجّ مع خوف الطريق، و نحوه.

و توهّم تعميم التحريم بما يشمل صدقه على فعل اللّه سبحانه غير معقول، سيما إذا قلنا بكون الخبر في مقام بيان الحكم لا الإخبار، كما زعمه المتوهّم. و كذا ينافي استدلالهم به على الأحكام الوضعية المجرّدة عن الحكم التحريميّ، كثبوت الخيار للمغبون. و توجيه التحريم فيه بحرمة امتناع الغابن عن الردّ بعد فسخ المغبون غير صحيح، إذ ليس هو للضرر، بل لكونه من لوازم صحّة الفسخ، و إلّا كان إقدام الغابن على البيع مع علمه بالتفاوت، و عدم إعلامه المغبون الجاهل أولى بالتحريم. مع أنه لا قائل به.

و كذا الثاني، بل هو أبعد من الأوّل، في اشتماله على التقييد البعيد، فالمعنى الأخير أظهر المحامل، كما نصّ به والدي العلّامة (1) و تبعه غيره، بل لعلّه يوافق الحقيقة. و لا تجوّز فيه أصلا، لأنّ جعل الإسلام ظرفا للضرر المنفيّ ليس إلّا لعدم كون الإسلام مضرا، و عدم تشريع حكم ضرريّ فيه، فهو المتعيّن لما فيه نفي الضرر من الأخبار.

نعم، قد يستلزم هذا المعنى الحكم التحريميّ و قد يستلزم الحكم بالضمان خاصة، كما ستسمع. و أما سائر الأخبار، فظاهر بعضها التحريم كالمكاتبة: «يتّقي اللّه، و يعمل في ذلك بالمعروف، و لا يضارّ بأخيه المؤمن» و بعضها تدلّ على مجرّد

____________

(1) عوائد الأيام: 49.

273

الضمان، كالصحيحين الأخيرين.

البحث الثاني: في بيان موارد صحّة الاستدلال بقاعدة نفي الضرر،

من الأحكام الشرعية و الوضعية، نفيا و إثباتا.

قد علمت أنّ معنى نفي الضرر نفي الحكم الإضرارى في الإسلام، و عدم تشريعه، و صدق هذا المعنى المنفيّ مشروط بأمور ثلاثة:

الأوّل: أن لا يكون الحكم الإضراري مسببا عن فعله الجائز مع علمه بالضرر، أو عن فعله المحرّم مطلقا، إذ عليها كان الضرر بتقصيره، لعلمه به في الأوّل، و عصيانه في الثاني، فلا اضطرار عليه من الشرع ابتداء، لاستناد المعلول إلى الجزء الأخير من العلة، و هو فعل نفسه، فضرر المغبون مع علمه بالغبن صادر عن اختياره، و إن كانت السببية للزوم بحكم الشارع. نعم، مع الجهل يضعف المباشر، و يقوّي السبب، و كذا ضرر الجاني بالقصاص أو الدية، و الغاصب بالعوض، مع علمها بحرمة الفعل، عن فعله المقصّر فيه، لا بإضرار الشارع، فحكمه حكم الضرر السماوي. و الاشتغال الفعلي بحق الغير، الذي هو المناط في صدق الضرر، حصل بفعله و اختياره، مع علمه به.

و منه يظهر خروج أحكام القصاص و الديات و الحدود و الضمانات و الكفّارات و أشباهها عن قاعدة نفي الضرر، بل يمكن إخراج الأحكام الإضرارية الجزائية عن موضوع القاعدة بالشرط الآتي أيضا، أعني عدم كون الإضرار الحكميّ لرفع ضرر أقوى، نظرا إلى أنّ الحكم بتلك المضار لرفع مفسدة العصيان، أو تحقيقها الواقعة من نفسه على نفسه، وَ مٰا كٰانَ اللّٰهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَ لٰكِنْ كٰانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (1).

الثاني: أن لا يقصد من الضرر جلب منفعة، أو رفع مضرّة، مساوية أو أقوى،

____________

(1) العنكبوت (29): 40.

274

كما تقدّم و النفع المقصود يعمّ المنفعة الأخروية المتوقعة بمقتضى وعده سبحانه:

مَنْ أَوْفىٰ بِعَهْدِهِ* (1) منه، بل النفع الأخرويّ أهمّ من الدنيوية، و أجلّ و أبقى، و ببذل المال في تحصيله أحقّ و أحرى، و مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّٰهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضٰاعِفَهُ لَهُ* (2)، مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوٰالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنٰابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ (3) فلا يعد مثله ضررا و إتلافا للمال.

و بهذا تصدّى والدي (قدّس سرّه) للتفصّي عن النقض بالتكاليف الكثيرة الضررية الثابتة في الإسلام، كالجهاد و الحجّ و الزكاة و الخمس و الصوم و غيرها، حيث إنّها في مقابل المثوبات الأخروية، فلا يكون ضررا (4).

و أورد عليه بعض أفاضل المعاصرين (5) بأنّ المراد بالضرر المنفيّ: الضرر الدنيويّ، لا غير. و أمّا النفع الحاصل في مقابل الضرر الدنيويّ، فهو إنّما يوجب الأمر بالتضرّر، لا خروجه عن كونه ضررا، فالأمر به مختصّ و مخصّص لعموم الضرر، لا دافع لموضوعه، فجميع ما أثبت التكاليف الضررية مخصّص لهذه القاعدة، كيف و لو كان الأمر كذلك، لغت القاعدة، لأنّ كلّ حكم شرعيّ ضرريّ لا بدّ أن يترتّب على موافقته الأجر، فإذا فرض تدارك الضرر و خروجه بذلك من الضرر، فلا وجه لنفيه في الإسلام. إلى أن قال بعد تخصيصه الضرر بالدنيويّ:- و قد رفع الشارع الحكم في موارده امتنانا، فيكون القاعدة حاكمة على جميع العمومات المثبتة للتكليف. نعم، لو قام دليل خاص على وجوب خصوص تكليف ضرري، خصّص به عموم القاعدة.

____________

(1) آل عمران (3): 76.

(2) البقرة (2): 245.

(3) البقرة (2): 261.

(4) عوائد الأيّام: 55.

(5) هو الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) في رسالة لا ضرر؛ راجع المكاسب (الطبعة الحجرية): 373؛ و أيضا رسائل فقهية من منشورات المؤتمر المئوي للشيخ الأعظم الأنصاري: 121.

275

أقول: لا يخفى ما فيه، أمّا أوّلا: فلأن تخصيص الضرر بالدنيوي، مع عموم اللفظ و صدقه على الأخرويّ لغة و عرفا، يستدعي الدليل، فكما يخرج الضرر المطلق عن موضوعه لداعي النفع الدنيويّ، فلا يعدّ ضررا بعنوان الإطلاق عرفا، كذا يخرجه عنه لداعي النفع الأخرويّ، و لا يعدّ ضررا عرفا، و إن صدق عليه الضرر الدنيويّ، كما يصدق على الأوّل الضرر الأخرويّ و المطلق يتبع الغالب في صحّة النفي و الإثبات في مثل ذلك.

قوله: لو كان كذلك لغت القاعدة، فيه: أنّ مورد القاعدة لا ينحصر فيما بإزائه الأجر الأخروي، كما في المعاملات الضررية و الضمانات و الغرامات، بل غير العبادات من الواجبات.

و أمّا ثانيا: فلأنّ التكاليف الشاقّة الدينية التي عليها أساس الإسلام، على حدّ من الكثرة، يبعد- غاية البعد- أن يكون نسبتها إلى قاعدة نفي الضرر المسلمة على التعارض و الترجيح و التخصيص، بل يستلزم خروج أكثر أفراد العامّ، سيما إذا قلنا بدخول التكاليف الاستحبابية الضررية التي أفضلها أحمزها في عموم النفي. و ما أبعد هذا التخصيص- على كثرتها- عن دعواه، و ورود حديث نفى الضرر حاكما على عمومات التكاليف الضررية الشاقّة من غير حاجة إلى المرجّح.

و أمّا ثالثا: فلكونه خلاف ما جرت عليه طريقة الأصحاب في الاستدلال بتلك القاعدة، فإنه لم يعهد من أحد أن تمسّك بنفي الضرر على عدم وجوب العبادة في محلّ الخلاف، كعدم تعلّق الزكاة بالتمر و الزبيب، أو في مقدار النصاب، أو في طهارة عرق الجنب من الحرام، و أمثال ذلك. كما أنّك تريهم يستدلّون به على سقوط العبادة، فيما كان الضرر بغير نفس العبادة أو جزئها الذي في مقابله- من حيث كونه واجبا- نفع أخرويّ، كمقدّمة خارجة أو خصوصية زائدة، في مثل

276

سقوط الحجّ بخوف الطريق، و الصوم بحدوث المرض، و وجه الفرق ما ذكرنا.

و إن شئت تفصيل ذلك نقول: ربما يستصعب الأمر في جليل النظر، بأنا نرى الشارع لم يرض لنا في بعض التكاليف بأدنى مشقّة أو ضرر، كما في الرخصة في التيمّم بخوف طريق الوصول إلى الماء، و سقوط الحجّ كذلك، و إفطار المريض بأدنى مشقة أو طول برء، و القعود و الاضطجاع في الصلاة، و الرخصة في التقية بأدنى ضرر، و يرضى بالمضارّ الكثيرة الشاقّة في مثل الزكاة و الخمس، و الحجّ و صرف المال فيه، و الصوم في الصيف الحارّ، و الجهاد الذي فيه مظنّة تلف النفس، و كفّ النفس عن المعاصي مع تزاحم دواعيها، و التولّي عن أديان الآباء، و إنفاق الأقارب و غير ذلك مما لا يحصى.

و البناء على التعارض و التخصيص في الثاني دون الأوّل- كما زعمه الفاضل المعاصر- مع ما فيه مما مرّ- لا يحسم مادة الإشكال، و لا يظهر منه سرّ فرقهم بين القسمين، مع أن الضرر الخارج بالتخصيص أفحش و أكثر من الثاني.

و ربما تكلّف بعض الأجلّة في حلّه، بأنّ المراد بنفي العسر و الضرر، نفي ما هو زائد على ما هو لازم طبائع التكليفات، بالنسبة إلى طاقة أوساط الناس المبرّئين عن المرض، و العذر الذي هو معيار مطلقات التكليف. و لا يخفى ما فيه من النظر- أيضا- من وجوه.

و الذي يختلج ببالي في وجه الفرق، هو دقيقة لطيفة يرجع إلى ما ذكرناه، من اختلاف جهات الوجوب في قسمي التكاليف الضررية، فإنّ الضرر إن كان نفس العبادة الموضوعة التي يستحق بها الأجر الأخرويّ، فهو خارج عن موضوع الضرر المنفيّ، و إن كان غيرها، كالمقدمات الخارجة و المقارنات و اللواحق الغير الموضوعة، فداخل في عموم النفي.

277

و توضيح ذلك: أنّ الواجب قسمان: ما لا يشترط فيه نية القربة و لا المباشرة، بل المقصود منه التوصّل إلى غيره، كردّ الوديعة، و إنقاذ الغريق، و مقدمات الواجب النقلية، و نحوها. و ما يشترط فيه القربة، و هو العبادة.

أمّا الأوّل: فلا يخرج عن صدق الضرر عرفا. فينفيه القاعدة إذا كان متضمّنا للضرر، إذ ليس له بما هو واجب عوض مقدّر و أجر مقرّر، إذ الثواب فيه في مقابل القربة، و هي غير واجبة على الفرض، و وجوبه لأمر غير الثواب الأخرويّ، و إلّا لم يحصل الغرض بأيّ وجه حصل، مع أنّه يحصل به، فليس تشريعه بما هو واجب معوّضا بأجر أخرويّ، فيكون حكما ضرريا ينفيه القاعدة، مثلا: مقدّمة الواجب، من حيث كونها واجبة ليس في مقابلها نفع أخرويّ، بل وجوبها للتوصّل إلى ذيها، و لذا يحصل بدون القربة. و كذا ردّ الوديعة و إنقاذ الغريق، حيث إنّ المقصود من وجوبها وصول الوديعة إلى المالك و نجاة الغريق، فلا يعصى بفعلهما على غير جهة القربة، و إن لم يكن له أجر أخرويّ. فهما بما هما واجبان، ليس في مقابلهما نفع أخرويّ.

فإن قلت: تركه حرام يوجب العذاب، و دفع العذاب- أيضا- منفعة يقابل الضرر، كجلب النفع، فيخرج الموضوع عن صدق الضرر.

قلت: حرمة الترك فرع وجوب الفعل، و حيث إنّه منفيّ، لكونه حكما ضرريا ليس في مقابله ثواب، كما عرفت- فلا عذاب على تركه.

و الحاصل: أنّ الواجبات التي لا يشترط فيها القربة يسقط وجوبها إذا تضمّنت الضرر، كمقدمة الواجب و نحوها، و لازمه سقوط وجوب ذي المقدمة أيضا، إذا انحصرت مقدّميته في الضرريه، لاستلزام جواز تركها جواز تركه، و إلّا لما استلزم وجوبه وجوبها.

278

نعم، لو أتى بها المكلّف إقداما على ضرر نفسه، و لو محرما، تعلق الوجوب بذي المقدمة، لعدم توقفه- حينئذ- عليها.

فإن قلت: المقدّمة وسيلة إلى ذيها، و هي إلى النفع الأخروي، فهي موصلة إليه، و لو بالواسطة. قلت: المقدمة موصلة إلى التمكن من ذيها، لا إلى نفس فعله، و الثواب للفعل لا للتمكن عنه، و مجرد التمكن ليس نفعا مانعا عن صدق الضرر، و تحمل العقلاء مثله في معاشراتهم، كضرر المسافرة للتمكن من التجارة، إنّما يخرج به من موضوع الضرر إذا قصد بها التجارة و فعلها، و ما نحن فيه ليس كذلك، لعدم اشتراط قصد الواجب من المقدّمة، و لا فعلية الواجب بعد الوصول اليه في وجوبها، فليس لها ثواب مقرّر إلّا بنيّة القربة، و هي بهذا الوجه ليست بواجبة، بل حكمها حكم سائر المستحبات الضررية التي لا تقتضي نفيها قاعدة الضرر، كما سنشير إليه.

و أمّا الثاني: أي: العبادة الواجبة الضررية، المشروطة بالقربة، فلاستتباع فعله الثواب يخرج عن موضوع الضرر، و إن تضمّن الضرر الدنيويّ، و اللّه سبحانه رضي به لعباده، لما في مقابله من المثوبات، فلا يكون وجوبه حكما ضرريا كما عرفت، بل للّه المنّة عليهم، بما أعدّ لهم مما تقرّ به أعينهم من النعيم الباقي.

نعم، إذا اقترنه أمر يتضرر به، من وصف أو حال خارج عن ماهيّة العبادة الواجبة و أوصافها اللازمة، كمرض أو مشقّة شديدة، عرضية أو نفسية، صحّ الاستدلال بقاعدة الضرر على سقوط أصل الواجب المقترن بتلك الحالة، التي ليس في مقابلها ثواب مقرّر، لأنّ وجوب العبادة بعين ما تقدّم في المقدّمة التوصّلية الضررية، و ترتّب الثواب على تحمل هذا الضرر، زائدا على ثواب أصل العبادة، إنما هو على تقدير قصد القربة به، و هو غير واجب، و إنما الواجب قصدها في نفس العبادة بما

279

هي واجبة خاصة، فالصوم الواجب- مثلا- له من حيث كونه واجبا ثواب مقرّر ليس لحالة المرض مدخل فيه، فإذا اقترنه المرض، فالضرر الزائد الحاصل لأجل المرض من الصوم ليس له أجر مقرّر مقتض لوجوب تحمّله و إلّا لاشترط [في] تحمّله قصد القربة أيضا زائدا على القربة المشترطة في ماهيّة نفس الصوم، مع قطع النظر عن الخصوصيات العارضة اللاحقة، فصحّ نفي وجوب تحمل هذا الضرر المسبّب عن المرض بالقاعدة، و بانتفائه ينتفي وجوب نفس الصوم. و هكذا الحال في الخوف للتقيّة و نحوها، فتدبّر جيدا، و اجعلها ضابطة كلّية تقتضيها القاعدة و يوافقها عمل الفقهاء في مثل استدلالهم بنفي وجوب إخراج الزكاة عن المؤون، دون نفي وجوب أصلها في الأجناس الخلافية و نحوه، إلّا إذا دلّ دليل خاصّ في مورد على خلافه في كلّ من القسمين، كما في وجوب شراء ماء الوضوء بأضعاف قيمته، مع ما فيه من الضرر، مع أنه لا يجب تحصيله مع خوف ضرر أقلّ في طريق الوصول إليه، لصدق وجدان الماء في الأوّل، فيخرجه النصّ عن القاعدة، دون الثاني.

الثالث من شرائط صدق الحكم الإضراري: كونه بإضرار الشارع، أو بتجويزه ضرر بعض العباد على بعض من غير جابر له. و أمّا الضرر الحاصل من غير الوجهين، فليس عدم رفعه حكما ضرريا يقتضي القاعدة نفيه بإثبات حكم رافع له.

و لا يتوهّم أنّ تجويزه للمكلّفين عدم رفعه حكم ضرري، لأنّ منشأ الضرر- حينئذ- ليس من جانب الشارع، و بقاؤه ليس ضررا متجدّدا مستندا إلى الإسلام.

غاية الأمر عدم إفادته النفع له.

و اذ علمت ما يصدق به الحكم الضرريّ، نقول: كلّيات الأحكام الوجودية و العدمية التي تقتضيها قاعدة نفي الضرر، و صحّ الاستدلال بها عليها، خمسة

280

الأوّل: عدم حكم إلزاميّ يتضرّر بامتثاله المكلّف، من غير أجر أخرويّ مقرّر له، من وجوب ما في فعله [ضرر]، أو حرمة ما في تركه ضرر، و لا عوض، لأنّ الضرر- حينئذ- و إن كان مستندا إلى فعله الاختياريّ، إلّا أنّ إلزام الشارع بجعله محصورا بين ضرريّ المخالفة و الامتثال، يوجب استناد الضرر إلى الشرع.

و من خصّ الضرر بالدنيويّ، يلزمه عدم نفيه بقاعدة الضرر، و هو لا يقول به، لأنّه بفعل المكلّف نفسه، لا من حكم الإسلام، إلّا بتعميم الضرر بما يشمل العقوبة الأخروية، فيجعل العذاب الأخروي ضررا، و لا يجعل الثواب الأخروي نفعا جابرا، و هو تحكّم و مجازفة صرفة.

و هل يشمل القاعدة نفي الطلب التنزيهيّ الضرريّ؟

فيه وجهان: من عموم النفي، و استناد الضرر- حينئذ- إلى اختيار المكلّف، من غير إلزام الشارع، فلا يقع به محصورا بين ضررين و لعل الثاني أوجه.

و هل يعمّ الحكم الضرريّ المنفيّ ما صار المكلّف نفسه سببا له، كما إذا أحدث بنفسه مرضا مضرّا لصومه، أو عدوا في طريق حجّه؟

الظاهر: نعم، لأنّ إيجاده السبب لا يوجب الضرر، بل فعل الواجب بعده، و اضطراره بجعل الشارع.

الثاني: نفي حكم وضعيّ يتضرّر به، كلزوم بيع المغبون الجاهل و نحوه.

الثالث: نفي جواز ما يتضرر به الغير، سواء قصد به إضراره أم لا، لأنّه حكم ضرريّ ينفيه القاعدة.

و ربما يتوهّم أنّ تضمين الشارع يمنع عن صدق الضرر. و هو خطاء، لأنّ الضمان جابر للضرر الواقع، لا كاشف عن عدم وقوعه، مع أنّ الجابر بذل العوض، لا الحكم بالضمان، فلا يكون مجرّد الحكم رافعا لكون التجويز حكما ضرريا. و أيضا

281

كلّ ضرر ليس مما يقابله ضمان المال.

و يدلّ على نفي الجواز أيضا، الأخبار الناهية عن الإضرار، كقوله (عليه السلام): «لا يضارّ المؤمن أخاه المؤمن» (1) و قوله في مقام تهديد سمرة: «أنت رجل مضارّ. فاقلعه و اضربه على وجهه» هذا إذا لم يعارضه ضرر نفسه، و إلّا فهو من تعارض الضررين، و يأتي حكمه.

الرابع: نفي حكم وضعيّ يتضرّر به غيره، لتساويهما في نفي الضرر عند الشارع، كمعاملة إضرارية للغير، كهبة المديون جميع ما يملكه لغيره، فرارا عن أداء دينه، فيما إذا لم يتمكّن عنه بطريق آخر، من استقراض و نحوه كما بيّناه مفصّلا في بعض مباحثنا (2).

الخامس: ضمان المضارّ بما أضرّ بغيره صرّح به بعضهم، قائلا: بأنّه يقتضيه قاعدة الضرر، كما يقتضيه قاعدة الإتلاف. بل الظاهر اتفاقهم على ضمان من أجّج نارا، أو أرسل ماء في ملكه، زائدا على قدر الحاجة، مع ظنّ التعدي، كما سيأتي فهو في غير التصرف في ملكه أولى.

و اختصاص الضمان عندهم بصورة حرمة الفعل غير معلوم، و عن بعضهم اختصاصه بما إذا كان الفعل محرّما و خصّه آخر بما إذا كان ظلما و ربما يدّعى إفادة القاعدة نفي الضمان، لأنّه ضرر على المضارّ. قال به بعض الفحول.

و مقتضى التحقيق- ثبوت الضمان، لكن لا على إطلاقه، بل التفصيل: أنّ المضارّ

____________

(1) ورد ذلك في مكاتبة محمد بن الحسين عن أبي محمد (عليه السلام)؛ وسائل الشيعة 25: 422، الباب 15 من أبواب إحياء الموات، الرواية 32286؛ في نقل الوسائل: «لا يضرّ»، و لكن في الفقيه (2: 150، الحديث 659): «لا يضارّ».

(2) راجع المشرق الخامس في المعاملات الإضرارية.

282

إمّا يعلم أو يغلب على ظنّه ضرر الغير بفعله، أو يعلم عدمه، أو لا يعلم شيئا منهما.

فإن علم، فهو إضرار محرّم عليه، كما علمت، سواء كان بالمباشرة أو بتوليد الفعل بالتسبيب، بإيجاد ما يوجد معه عليه الضرر عادة، و مضمون عليه، لو لا يعارضه مباشر أقوى، لأنّ بقاء الضرر- كحصوله- أثر فعل المضارّ أيضا، و يدفعه بذل العوض، فتجويز الشارع عدم رفعه به حكم ضرريّ على المتضرّر، ينفيه القاعدة، كما هو المتفاهم منها عرفا.

و أما إلزام المضارّ برفعه، و إن كان ضررا عليه أيضا، إلّا أنّه من أثر فعل نفسه عالما به، و قد [لا] يقتضي القاعدة نفيه، من قبيل الدية على الجاني، و لزوم البيع على المغبون العالم، مضافا إلى صحيحة الكناني، و ما في معناها، المصرّحة بضمان المضارّ بطريق المسلمين، الشامل بعمومها بالإضرار الواقع منه بالطريق، من غير تصرّف له فيه، المتعدي إلى غير الطريق، بعدم القائل بالفصل.

و إن لم يحتمل الضرر، فعدم حرمة الفعل من جهة الضرر- حينئذ- ظاهر.

فإن كان محرّما من جهة أخرى، ككونه تصرّفا في ملك الغير، فلا يبعد الضمان للمتضرّر أيضا، لوقوع الضرر بعصيانه و تقصيره في مخالفة النهي، و إن لم يكن جهة النهي علمه بالضرر، لعدم الفرق بذلك بينهما في نسبة الضرر إلى تقصيره، و عدم اغتفاره في الحكم الضرريّ.

و إن لم يكن محرّما، فمقتضى قاعدة نفي الضرر- مضافا إلى الأصل- عدم ضمانه، لكونه معذورا في الحكم التكليفيّ بالجهل المقتضي للجواز، و في الوضعيّ بعدم التقصير، فإثبات الضمان عليه حكم ضرريّ منفيّ بالقاعدة، إلّا إذا خرج بدليل، كما في تلف النفس، و تضرّر المتضرّر، حيث لم يكن بحكم شرعيّ، و لا بتقصير مضارّ لا يلزم على الشارع رفعه، كما تكرّر ذكره. و لا يقتضيه عموم: «من

283

أضرّ بطريق المسلمين» لظهوره في العلم بالضرر.

و إن شكّ في الضرر، فهو في جواز الفعل كالسابق، للأصل.

و أما الضمان، ففيه وجهان. و الأوجه ثبوته، لعدم اقتضاء الجهل- مع فرض الاحتمال- معذوريته، فوجب عليه رفعه ببذل العوض، بقاعدة الضرر، كما مرّ، و أصل عدم الضرر لا ينفي الضمان على تقدير ثبوته في الواقع، لأنّ المناط في صدق اللفظ المقتضي للضمان هو الواقع، فيما لا مانع لصدقه، فإنّ ترخيص الشارع إضرار الغير من غير ضمان مع عدم كونه غافلا حكم ضرريّ على المتضرّر، و جواز الفعل لا ينافي الضمان، لتوقف الحرمة على العلم، دون الضمان.

فإن قلت: تجويز الفعل بمقتضى الأصل ليس مقيّدا بالضمان في الأوّل، على تقديره، و تضمينه بعد ظهوره رفع ضرر لا يقتضيه القاعدة، إذ ليس عدم تضمينه حكما ضرريا، بل عدم حكم.

قلت: تقييد الجواز بالضمان على تقدير الضرر لا يستدعي العلم بالضرر و لا بالضمان، بل يكفي الاحتمال في ثبوته واقعا. هذا كلّه إذا لم يتضرّر المضارّ بترك الفعل، و إلّا فيأتي حكمه.

البحث الثالث: فيما إذا تعارض قاعدة الضرر مثلها،

فتعارض الضرران أو تصرف المالك في ملكه المسلّط عليه، بقوله (عليه السلام): «الناس مسلّطون على أموالهم» (1).

فهنا مقامان:

المقام الأوّل: في تعارض الضررين، بأن دار الأمر بين حكمين ضرريين، بحيث كان الحكم بأحدهما مستلزما للحكم بثبوت الآخر.

فنقول: الضرران إمّا يكونان بالنسبة إلى شخص واحد، فمع التساوي في مقدار

____________

(1) بحار الأنوار 2: 272؛ عوالي اللآلي 1: 457، الحديث 198.

284

الضرر، و عدم المرجّح، يحكم بالتخيير و مع الاختلاف في القلّة و الكثرة، فمقتضى القاعدة نفي الأكثر، لحصول الضرر الأقلّ على التقديرين، سواء كان داخلا في الأكثر، كما في الشكّ في مقدار الدية على العاقلة أنّه عشرة دنانير أو خمسة، أو مباينا له، كالشكّ في كونه عشرة دنانير أو عشرة دراهم.

فإن قلت: لا مرجّح للأقلّ مع التباين، مع صدق القاعدة عليهما.

قلت: المنفيّ هو ماهيّة الضرر من حيث هو ضرر، لا خصوصيات المضارّ، فالاعتبار في القلّة و الكثرة بنفس الماهيّة دون الخصوصيات، و الأقلّ بهذا الاعتبار داخل في الأكثر، و إن باينه بحسب الخصوصية.

فإن قلت: المنفيّ في الحديث الأفراد، لكونه عاما أفراديا، فالعبرة بها دون الماهيّة، و هي في الفرض متباينة.

قلت: الجنس الصادق على الجزء و الكلّ من الأعيان، كالماء الصادق على حوض، و على كلّ غرفة و قطرة منه، أو من الأوصاف، كالمرض و الضرر و نحوهما، يكون فرض أفراده بالاعتبار، فإنّ كلّ فرد فرد منه يمكن فرض جزئه فردا أيضا، فكثرة أفراده و قلّتها يرجع إلى كثرة الجنس و قلّته، فالعبرة فيهما به لا بالخصوصيات الزائدة.

أو يكون الضرران بالنسبة إلى شخصين، بأن دار الحكم الضرريّ بينهما.

فكلماتهم فيه مختلفة، بل لا يخلو كثير منها عن اضطراب، قال في التذكرة (1): لو غصب دينارا، فوقع في محبرة الغير بفعل الغاصب أو بغير فعله، كسرت لردّه، و على الغاصب ضمان المحبرة، و إن كان كسرها أكثر ضررا من تبقية الواقع فيها ضمنه الغاصب، و لم يكسر. انتهى.

و وجه التفصيل بأكثرية الضرر و عدمها، مع فرض الغصب غير ظاهر.

____________

(1) تذكرة الفقهاء 2: 391.

285

و قال في الدروس (1): لو أدخل دينارا في محبرته، و كانت قيمتها أكثر، و لم يمكن كسره، لم يكسر المحبرة، و ضمن صاحبها الدينار مع عدم تفريط مالكه، انتهى.

و حمل على كون إدخال الدينار بإذن المالك، على وجه يكون مضمونا، إذ لو كان بغير إذنه تعيّن كسر المحبرة، و إن زادت قيمتها. و إن كان بإذنه على وجه لا يضمن، لم يتّجه تضمين صاحبها الدينار.

و قال بعض أجلّة من عاصرناه (2) في خصوص المثال المذكور و غيره مما تعارض فيه الضرران: «يمكن أن يقال: بترجيح الأقلّ ضررا، إذ مقتضى نفي الضرر عن العباد في مقام الامتنان، عدم الرضا بحكم يكون ضرره أكثر من ضرر الحكم الآخر، لأنّ العباد كلّهم متساوون في نظر الشارع، بل بمنزلة عبد واحد. إلى أن قال:- لكن مقتضى ذلك ملاحظة الضررين الشخصيين المختلفين، باعتبار الخصوصيات الموجودة في كلّ منهما، من حيث المقدار و من حيث الشخص، فقد يدور الأمر بين ضرر درهم و دينار، مع كون ضرر الدرهم أعظم بالنسبة إلى صاحبه من ضرر الدينار بالنسبة إلى صاحبه. و قد يعكس حال الشخصين في وقت آخر. انتهى.

و لا يخفى ضعفه، أما أوّلا: فلأنّ هذا لا يتمّ فيما إذا كان الضرر الحكميّ من مجرّد تشريع الشارع، فدار في أنّ المحكوم عليه به هذا أو ذاك، كما إذا شكّ في العاقلة الملزمة بالدية شرعا، هل هو هذا أو ذاك بدرهم (3)، فإنّه لا يختلف الحكم حينئذ قطعا باختلاف الأزمان و الأحوال المتجدّدة، بل إذا رجّح أحدهما بدليله لا يتعاكس فيه الضرر، و لا يختلف باختلافها الحكم الضرريّ.

____________

(1) الدروس الشرعية 2: 110.

(2) هو الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) في رسالة لا ضرر؛ راجع المكاسب (الطبعة الحجرية): 374؛ و أيضا رسائل فقهية من منشورات المؤتمر المئوي للشيخ الأنصاري: 125.

(3) كذا.

286

و أما ثانيا: فلأنّ مقتضى تساوي العباد في نظر الشارع، التعديل بينهما، و ينافي تعيّن الضرر الأقلّ، لأنّ جعل الضرر كلّه على صاحب الأقلّ دون صاحب الأكثر خلاف التسوية، بل مقتضى العدل تشريكهما في القدر الأقلّ، و نفي الزائد، مثلا: إذا وقع ديناره في مجرّة غيره، فإن كان ضرر الكسر نصف الدينار، فهذا النصف يقسم بينهما، و يكسر المجرة، و إن كان بالعكس يتعاكس. إلّا أن يقال: تجزئة الضرر عليهما إحداث قول ثالث.

و لكن الإنصاف: إنّ عدم القول بالفصل في أمثال ما ليس له عنوان مخصوص في المدارك الشرعية غير معلوم، بل كلّ من حكم فيه بشيء يدخله تحت قاعدة و أصل شرعي بزعمه، كيف و ليس هو أولى في إخراجه عن مقتضى القواعد، بدعوى عدم الفصل، من البناء على اختلاف الحكم الضرري و التعاكس فيه باختلاف الأحوال و الأشخاص و الخصوصيات المتجددة، بملاحظة قاعدة نفي الضرر.

و أما ثالثا: فلأنّه لا يتمّ في المثال المتقدّم الذي جعله من أمثلة المقام، مما يتعارض فيه الضرر الواقع لأحدهما و المتوقع للآخر عند دفعه، فإنّ تجويز كسر المجرّة- مضافا إلى كونه تصرفا في مال الغير- ينفى بقاعدة الضرر، دون دفع ضرر صاحب الدينار، لعدم وجوبه على الشارع، كما تقدّم. بل اعترف الفاضل المذكور في مقام آخر بذلك، حيث قال: لا يجوز لأحد إضرار انسان لدفع الضرر المتوجه إليه.

ثمّ أقول: الذي يقتضيه النظر، أنّ تعارض الضررين بالنسبة إلى شخصين، إن كان في الضرر الحكمي الناشئ عن الشرع، المخصّص لقاعدة الضرر، كما في الترديد في العاقلة، فظاهر عدم الترجيح باعتبار قاعدة الضرر، و إن كان أحدهما أقلّ، لتباينهما بتباين المتعلّقين.

287

إلّا ان يقال: مقتضى حديث نفي الضرر نفيه من حيث هو في الإسلام، من غير ملاحظة خصوص من يتضرّر به، فإنّ الأقلّ بهذا الاعتبار داخل في الأكثر، و إن تباين المتعلّقات، و هو مشكل.

و إن كان باعتبار ضرر خارجي، دار الحكم بإلزامه بين شخصين، فهو على وجهين:

أحدهما: أن يكون الضرر المفروض واقعا على إنسان، و أمكنه دفعه عن نفسه بإضرار غيره.

و ثانيهما: أن يكون متوجّها إلى أحدهما لا بعينه، فدفع عن نفسه ما يوجبه، فتوجّه إلى الآخر.

أمّا في الأوّل: فالظاهر أنّه لا يجوز له إضرار الغير، بل عليه تحمل الضرر، لأنّ تجويزه حكم ضرريّ، فينفيه القاعدة. و أمّا ضرر نفسه الواقع عليها ليس من حكم الشرع، بل حكمه ترك ضرر الغير، و استلزامه بقاء الضرر ليس بسبب حادث، و لا هو ضرر متجدّد، و لا مدخل للشرع فيه. غاية الأمر عدم حكمه بما يدفعه، و علمت أنّه ليس بواجب. و من ذلك ما في المشهور، من عدم جواز إسناد الحائط المخوف وقوعه على جذع الجار، خلافا للشيخ. و حمل على ما إذا خاف من وقوعه تلف نفس محترمة، لوجوب حفظها. غاية الأمر لزوم أجرة المثل، للاستناد كأخذ الطعام لسد الرمق.

و أما في الثاني: فالظاهر جوازه، و لا ضمان عليه، لأن منعه الضرر عن نفسه ليس شيئا محدثا لضرر الآخر، بل هو مستند إلى علّته الخارجة التي لا دخل له فيها، و إنّما فعله منع ما يحدث الضرر عن نفسه، كما إذا سدّ طريق السيل عن داره، فمال إلى دار جاره.

288

نعم، لو أطرقه إليها، سيما إذا كان طريقه أوّلا إلى دار نفسه، فهو من التسبيب المحرّم المتقدّم بيانه، و ظهر من ذلك: أنه لا يجب على الإنسان دفع ضرر الغير بإضرار نفسه، و لعلّه لا خلاف فيه.

المقام الثاني: في تعارض قاعدة الضرر مع قاعدة التسليط، الثابتة بالحديث النبويّ المشهور المرويّ في كتب الأصحاب، المعمول به عندهم. و هو قوله:

«الناس مسلّطون على أموالهم» كما إذا تصرف المالك في ملكه فاستلزم تضرّر جاره، فالمشهور جوازه. صرّح به الشيخ في المبسوط (1)، في باب إحياء الموات في حفر المالك بالوعة أو بئر كنيف يقرب بئر الجار، و إن أدّى إلى تغيّر ماء البئر.

و في السرائر (2) في باب حريم الحقوق، قائلا: بجواز حفر الإنسان في ملكه بئرا يقرب بئر الغير، و إن نقص به ماء الغير.

و الفاضل في التحرير (3) و القواعد فيه، و في اتخاذ ملكه حماما أو موطنا للقصار و الحداد و المدبغ و أمثالها، قائلا: بأنّ لكلّ أحد أن يتصرف في ملكه على العادة ما شاء، و إن تضرر صاحبه، و لا ضمان، و الشهيد في الدروس (4) نافيا للضمان. و اختاره في الرياض (5)، بل في الأوّل نفي الخلاف فيه. و في الكفاية (6) نسبه إلى الأصحاب، مؤذنا بدعوى الإجماع، إلّا أنّه استشكل في الضرر الفاحش.

و الظاهر أنّ إطلاق كلامهم، سيما كلام النافي للخلاف، محمول على صورة حاجة

____________

(1) المبسوط 3: 272.

(2) السرائر 2: 374.

(3) تحرير الأحكام 2: 136.

(4) الدروس الشرعية 3: 60.

(5) رياض المسائل 2: 320.

(6) كفاية الأحكام: 340.

289

المالك، و تضرّره بترك التصرّف، و لو بفوات المنفعة المقصودة منه عادة، فإن منعه منه أيضا ضرر عظيم، كما ذكره العلّامة (1) و غيره.

و يشعر به تقييد العلّامة و الشهيد التصرف بما جرت به العادة، و تصريح الشهيد (2)- في غير الموضع- بالضمان في تأجيج النار زائدا على قدر الحاجة، مع ظنّ التعدّي، و إن كان منافيا للتصريح السابق.

و أصرح من ذلك كلام المحقّق الثاني (3) قائلا: فإذا دعت الحاجة إلى إضرام نار أو إرسال ماء جاز فعله، و إن غلب على ظنّه التعدّي إلى الإضرار.

و كيف كان، فهذا أحد الأقوال في المسألة.

و الثاني: تقديم قاعدة الضرر مطلقا، يظهر من المحقّق القمّي (4)، و بعض آخر.

و الثالث: تقديم الضرر إذا كان فاحشا، و التسليط في غيره، مال إليه في الكفاية (5).

الرابع: منع التصرّف المتضمّن لضرر الغير في ماله، إذا كان فعله توليديا للتصرّف في مال الغير و إتلافه، بمعنى أن يسري فعله في ملكه إلى ملك صاحبه، كإرسال الماء في ملكه، الموجب لسراية النداوة أو الهدم في حائط الجار، أو تأجيج النار الموجب لاحتراق متاعه، لا في مثل رفع جدران داره المانع عن الشمس و القمر في دار الجار. مال إليه بعض مشايخ من عاصرناه.

____________

(1) تذكرة الفقهاء 2: 414.

(2) الدروس الشرعية 3: 107.

(3) جامع المقاصد 7: 26.

(4) جامع الشتات 2: 561.

(5) كفاية الأحكام: 340.

290

الخامس: البناء على التعارض، و الرجوع إلى ما يقتضيه الأصل، و هو المعروف من جماعة.

و أقول: و التحقيق في المقام، بعد بيان مقدّمة، هي: أنّ تعارض الأحكام الشرعية التي لا يجتمع منها اثنان في موضوع، و لو بعنوانين مختلفين بينهما عموم من وجه، إنما هو إذا كان تشريعهما في رتبة واحدة، بحيث كان عموم أحدهما منافيا لعموم الآخر، كقوله: يجب إكرام العلماء، و لا يجب إكرام الفساق، المتعارضين في العالم الفاسق. و أما إذا كان أحدهما واردا على الآخر، و سببا مزيلا لمقتضاه، فلا تعارض بينهما حقيقة، بل يعمل بالمزيل، نظير تعارض المزيل و المزال في الأصول العملية، على ما بيّناه مستوفى في محلّه، و سيجيء مزيد بيان فيه، كما إذا لاقى اليد المستصحبة النجاسة للماء الطاهر، فحصل الشكّ في طهارته، فإنّه يقدم استصحاب نجاسة اليد على استصحاب طهارة الماء [و] يحكم بزوال طهارته بسبب التلاقي، بل هو مقتضى سببية الأسباب الشرعية، سواء كانت من الأصول الظاهرية، أو الأحكام الواقعية، كعروض النجاسة للطعام المزيل لإباحته، أو وجود مرض أو شبع- كذلك- و غليان العصير الموجب لحرمته، و صيرورة المباح واجبا إذا صار مقدمة، و إباحة الميتة بحصول المخمصة، و أمثال ذلك.

و قد يتوارد على موضوع واحد أحكام مختلفة متعاقبة، فلا تعارض بين دليليهما، لعدم اجتماع الحكمين في وقت واحد.

نعم، قد يحصل الإشكال في اختلاف المدلولين: أنه من باب التعارض أو السببية، فإن دلّ على السببية دليل، أو كان هو المنساق من دليل السبب، فهو، و إلّا يلتمس الترجيح لأحدهما، ثمّ يرجع إلى الأصول.

و إذ علمت ذلك نقول: المنساق من حديث نفي الضرر كونه واردا على قوله

291

«الناس مسلّطون» و ورود الثاني في مقام بيان مجرّد السلطنة المالكية الغير المنافية (1) لعروض سبب مانع لبعض التصرّفات، مزيل للرخصة اللازمة للسلطنة، سيما بملاحظة نظائره من الأسباب المحرّمة الطارية على الجواز الأصليّ، كأمثال ما ذكر، و بملاحظة استدلالات الفقهاء، فإنّهم يستدلّون بنفي الضرر على خيار الغبن، في مقابل عموم: «الناس مسلّطون» الدال على لزوم العقد، و عدم تسلّط المغبون على إخراج ملك الغابن عن ملكه، فالضرر يوجب تحريم الفعل الجائز، كاقتضاء الواجب وجوب مقدّمته المباحة، و الإسراف حرمة ماله المباح.

كيف و إضرار الغير ليس بأهون في نظر الشارع من إضرار الشخص نفسه، فكما لا يعارض عموم: «الناس مسلّطون» دليل حرمة تضييع مال نفسه، كذا لا يعارض دليل حرمة تضييع مال الغير.

ثمّ نقول لتفصيل صور المقام: تصرف المالك في ملكه الموجب لضرر الغير، إمّا لا يوجب تركه ضررا على نفسه، و لو بفوات منفعة ملكه المقصودة منه عادة، فإنّه ضرر أيضا، كما مرّ. أو يوجبه.

فإن لم يوجبه و كان من قبيل اللغو، فهو على وجهين:

أحدهما: أن يعلم أو يغلب على ظنّه ضرر الغير، فالمتّجه- حينئذ- حرمة التصرّف، و تعلّق الضمان، كما صرّح به جماعة، و يظهر من العلّامة (2) و الشهيد (3) و المحقّق الثاني (4)، حيث قيّدوا جواز التصرّف المضرّ بالجار بما جرت به العادة، أو

____________

(1) غير منافية (ظ).

(2) تذكرة الفقهاء 2: 413.

(3) الدروس الشرعية 3: 60.

(4) جامع المقاصد 7: 25.

292

دعاء الحاجة، بل هو المستفاد من ظهور اتفاقهم على ضمان من أجّج نارا زائدا على قدر الحاجة مع ظن التعدّي.

و الدليل عليه: ما تبين من تقدّم قاعدة الضرر المقتضية للحرمة و الضمان- حسب ما مرّ- على قاعدة التسليط، و ورودها عليها.

فان قلت: مع الضمان لا ضرر، فلا تحريم.

قلت: بذل العوض- فضلا عن مجرّد الحكم بالضمان- جبر للضرر الواقع، فلا يخرج الفعل عن صدوره إضرارا، فيكون محرما، كما أشرنا إليه فيما تقدّم، مضافا إلى أنّ مقاصد الناس غير منضبطة، فقد يكون عين ما فاته أعود له من عوض المثل. مع أنّه يمكن أن نقول: إطلاق قوله «الناس مسلّطون»، في مقام بيان حكم جهة المالكية، فلا ينصرف إلى تعميم الجواز باعتبار سائر الجهات.

و يدلّ عليه أيضا، أنّه على تسليم التعارض، فحديث نفي الضرر- أيضا- أخصّ مطلقا من عموم الثاني، لاختصاص مورد حديث سمرة بالضرر الناشئ عن التصرّف في ملكه، فيخصّص به.

و ما قد يتوهّم من أنّ الضرر المنفيّ فيه ليس لتصرف سمرة في ملكه، بل لتعديه بدخوله من غير إخبار و استيذان، و لا مدخل له في التصرف في الملك، ضعيف، لأنّ دار الأنصاري طريق عذقه، فهو تصرّف في حقه، غير أنه تصرّف إضراريّ، و لو لا ذلك لما تمسّك للمنع بالإضرار، بل بدخول ملك الغير بغير إذنه.

و يؤيّد ترجيح حديث الضرر- بل يدلّ عليه- أظهريته دلالة، فإنّه بالعموم الاستغراقيّ الوضعيّ، و الآخر بالإطلاق الحملي، فهو من باب تعارض النصّ و الظاهر الموجب لحمل الظاهر على ما يوافق النصّ بقرينة النصوصية.

و ربما يعلّل تقديم نفي الضرر بظهور الفتاوى، و دلالة الاستقراء على غلبة الحرام

293

على الحلال، و بأنّ قاعدة الضرر سارية مسرى العقليات الغير القابلة للتخصيص.

و يضعف الأوّل بمنع الاتفاق، مع تصريح جماعة من أعيان الأصحاب بجواز تصرف المالك حيث شاء على ما مرّ، الظاهر في عموم الحكم، بل قد يشعر من بعضهم دعوى الإجماع عليه.

و الثاني: بمنع غلبة الحرمة عند التعارض إذا لم يكن واردة على الحلّ، بل يعمل- حينئذ- بمقتضى الترجيح، كما إذا قال: يحرم إكرام الناس، و يجوز إكرام العالم.

و الثالث: بمنع كون قاعدة الضرر من قبيل العقليات. و كفاك شاهدا ورود التخصيص عليها في موارد كثيرة إجماعية، و لا ينبّئك مثل خبير.

و ثانيهما: أن لا يعلم و لا يغلب على ظنّه ضرر الغير بتصرّفه في ملكه، فاتّفق فيه الضرر، فلا إشكال في جواز التصرف، كما مر، للجهل المقتضي لنفي التكليف بالأصل.

و أمّا الضمان، ففيه تفصيل ما تقدّم، من أنّه إن لم يحتمل الضرر أوّلا، فلا ضمان عليه، لأنّ تضمينه مع جواز الفعل و عدم تقصيره عرفا في إضرار الغير، حكم ضرريّ منفيّ بالقاعدة، كما علمت، مضافا إلى الأصل، فلا يخرج عنها إلّا بدليل.

و بفرض استيفائه المنفعة بهذا التصرف، لا يجبر ضرر الضمان، لأنها نفع ملكه الغير المضمون عليه، مع أنه قد يكون عوض الضرر أضعاف المنفعة المستوفاة، كإرسال الماء في ملكه الموجب لانهدام عمارة عالية للجار.

و لا يعارضه ضرر الغير، لعدم كونه مستندا إلى تقصيره، و لا واقعا من الشرع، فليس على الإسلام رفعه، بل حكمه حكم سائر المضارّ الاتفاقية السماوية.

و إن احتمل الضرر، فالظاهر ضمانه، مثل ما تقدّم، و كون فعله تصرّفا في ملكه لا يتفاوت به الحال، بعد ما علمت من ورود قاعدة الضرر على عموم «الناس

294

مسلّطون»، و اقتضاءها الضمان بما أشرنا إليه، من أنّ ترخيص الشارع في إضرار الغير من غير ضمان- مع صدق التقصير العرفيّ باعتبار عدم غفلته و عدم تضرّره بتركه- حكم ضرريّ على المتضرّر.

و إن كان تصرّف المالك لدفع ضرر يتوجّه إليه، و لو هو فوات المنفعة المقصودة منه عرفا، فالظاهر جوازه، بل لعلّه لا خلاف فيه، لأنّ حبسه عن ملكه و إلزامه بتحمّل الضرر لئلا يتضرر الغير حكم ضرريّ، مضافا إلى عموم «الناس مسلّطون».

فإن قلت: قد تقدّم في تعارض الضررين، أنّ مقتضى قاعدة الضرر عدم جواز إضرار الغير لدفع الضرر عن النفس.

قلت: ما ذكر ثمّة كان باعتبار صدق الحكم الإضراريّ على تجويز إضرار الغير و عدم صدقه على بقاء ضرر الآخر، لعدم حصوله بحكم الشارع، و عدم وجوب دفعه عليه، و هذا يتمّ في غير صورة التصرّف في ملكه، و أمّا فيها، فمنعه عن التصرّف في حقه لدفع الضرر عن نفسه، و حبسه عن ماله ضرر عظيم، و حكم إضراريّ منفيّ بالقاعدة. غاية الأمر تعارض الضررين فيها، و سقوط قاعدة الضرر من البين، لاستلزامها التدافع، فيرجع إلى عموم «الناس مسلّطون»، مضافا إلى أصل الإباحة.

و ما قيل: يعارضه أصل إباحة المنع، يدفعه ما مرّ، من كون الأوّل مزيلا للثاني.

و عن بعضهم: وجوب ملاحظة مراتب ضرر المالك و الغير، فإن أريد به في حكم جواز التصرف و إباحته، فيخالف كلمات الفقهاء، و لعلّ اتفاقهم عليه، إلّا إذا كان ضررا فاحشا يجب تحمل الضرر لدفعه على كلّ أحد، ما لم ينجرّ إلى الحرج، كإهلاك النفس المحترمة.

و إن أريد به في الضمان فغير بعيد، و لعلّه مراد القائل به و عليه يحمل إطلاق قول الشهيد في موضع من الدروس، بالضمان في تأجيج النار في ملكه على قدر الحاجة، مع ظنّ التعدّي.

295

و استظهره الفاضل القمّي و رجّح أقوى الضررين مطلقا، إلّا أنّ ترجيح جانب الغير في نفي الضرر مطلقا، إذا كان ضرره أكثر- و تحميل الأقلّ كلّه على صاحب الملك، مع كونه تصرفا في ملكه- ترجيح بلا مرجّح.

فما تقدّم من أنّ مقتضى العدل توزيع الأقلّ عليهما، و نفي الزائد، و قسمة المتساويين عليهما. فإن لم يثبت الإجماع على خلافه، كما لعلّه الظاهر في أمثال تلك المسائل الراجعة إلى الأصول و القواعد، و لا نصّ عليها بخصوصها، فهو المتبع، و إلّا فترجيح أقوى الضررين في الضمان لا يخلو عن قوة، و لا ينبغي ترك الاحتياط، عصمنا اللّه سبحانه عن الزلّة في الصراط.

296

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

297

[المشرق الخامس عشر] [في بيان قاعدة نفي الغرر]

مشرق: من القواعد المسلّمة بين الفقهاء، قاعدة نفي الغرر، يستدلّون بها على فساد البيع الغرريّ، بل ربما يستدلّ بها على فساد سائر المعاملات الغررية.

و لتحقيق مدرك القاعدة و معنى الغرر و سائر ما يتعلق بها نذكر أبحاثا:

البحث الأوّل: في دليل القاعدة و معنى الغرر المنهي عنه.

أمّا الأوّل: فالأصل فيها الخبر المشتهر بين الخاصّة و العامّة، المرويّ عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، أنّه نهى عن بيع الغرر (1)، بل قال بعض الأجلّة (2): إنّه المتفق عليه بين

____________

(1) و من طريق الخاصّة: وسائل الشيعة 12: 330، الباب 40 من أبواب آداب التجارة، الرواية 22965، و 17: 358، الباب 12 من أبواب عقد البيع، الرواية 22747؛ مستدرك الوسائل 13: 283، الباب 33 من أبواب آداب التجارة، الرواية 15363؛ دعائم الإسلام 2: 19؛ عيون أخبار الرضا 2: 45، الرواية 168.

و من طريق العامّة: ما رواه البيهقي في سننه 5: 338؛ و الترمذي في سننه 3: 532؛ و مسلم في صحيحه 5: 3؛ و أبو داود في سننه 3: 254، كتاب البيوع، الرواية 3376؛ و الدار قطني في سننه 3: 15؛ و أحمد بن حنبل في مسنده 1: 302، و الدارمي في سننه 2: 251؛ و النسائي في سننه 7: 262؛ و مالك في الموطأ 2: 664، الرواية 75؛ و ابن ماجة في سننه 2: 739، الرواية 2194.

(2) لعلّه صاحب الجواهر في جواهر الكلام 22: 386.

298

العلماء كافّة، و أنت تراهم في مقامات غير عديدة يتمسّكون و يعملون به من غير نكير، بحيث إنّه مقبول عند الكلّ (3) فلا يقصر عن الخبر الصحيح، بل في العوائد (4):

أنّه أقوى منه.

ثمّ النهي- لتعلقه بنفس المعاملة الظاهر في المانعية، في قبال الأمر بما يتعلّق بها الظاهر في الشرطية- يوجب الفساد، على ما قررناه في محلّه، فهو الدليل عليها.

مضافا إلى الإجماع على نفس القاعدة الظاهر من استدلال أصحابنا- بل الفريقين- بنفي الغرر على بعض شروط المعاملة كالقدرة على التسليم في البيع و نحوها، فإنك تراها قاعدة مسلّمة عند الجميع.

و قد صرّح بخصوص الإجماع عليه بعضهم (5)، بل عن كلام الشهيد في شرح الإرشاد، الإشعار بكونه من الضروريات.

و أمّا الثاني: ففي كلمات كثير من أهل اللغة و الفقهاء، تفسيره بعبارات متقاربة و معان متوافقة.

ففي الصحاح: «الغرّة: الغفلة، و الغارّ: الغافل». و قال: اغترّ بالشيء، أي: خدع به. و الغرر: الخطر. و نهى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) عن بيع الغرر، و هو مثل بيع السمك في

____________

(3) فإنّ ابن إدريس الحلّي مع أنّه لم يعمل بالخبر الواحد، قد قبل هذا الحديث و ردّ روايات معتبرة أخرى لمخالفتها مع مضمون الحديث؛ راجع السرائر 2: 325.

(4) عوائد الأيّام: 85.

(5) لعلّه ابن زهرة في كتاب غنية النزوع 1: 211.

299

الماء، و الطير في الهواء.

و في القاموس (1): غرّه غرّا و غرورا و غرّة بالكسر فهو مغرور و غرير، خدعه و أطمعه في الباطل، إلى أن قال: غرّر بنفسه تغريرا و تغرّة، أي: عرّضها للهلكة.

و الاسم: الغرر، محركه.

و عن النهاية (2): بعد تفسير الغرّة- بالكسر- بالغفلة: أنّه نهي عن بيع الغرر، و هو ما كان له ظاهر يغرّ المشتري و باطن مجهول. و قال الأزهريّ: بيع الغرر ما كان على غير عهدة، و لا ثقة، و يدخل فيه البيوع التي لا يحيط بكنهها المتبايعان من كلّ مجهول، و قد تكرّر في الحديث.

و حكي- أيضا- عن المصباح و المغرب و الأساس و المجمل و المجمع: تفسير الغرر بالخطر (3)، و يمثّله الأكثر ببيع السمك في الماء، و الطير في الهواء.

و في التذكرة (4): أنّ أهل اللغة فسّروا بيع الغرر بهذين، و مراده من التفسير- كما قيل- التوضيح بالمثال.

و فيها أيضا الاستدلال على اشتراط القدرة على التسليم في البيع، و عدم صحة بيع الطير في الهواء، للنهي عن الغرر.

و في موضع آخر: يجب العلم بالقدرة ثمنا كان أو مثمنا، للغرر.

و في آخر: نهى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) عن بيع الغرر، كبيع عسيب الفحل و بيع ما ليس

____________

(1) القاموس المحيط 2: 100.

(2) النهاية 3: 355.

(3) المصباح المنير: 445، مادّة «الغرّة»؛ المغرب: 338؛ أساس البلاغة: 322، مادّة «غرر»؛ مجمل اللغة (لابن فارس): 532، مادّة «غرّ»؛ مجمع البحرين 3: 423، مادّة «غرر»، و الحاكي هو صاحب الجواهر في الجواهر 22: 386.

(4) تذكرة الفقهاء 1: 485.

300

عنده و بيع الحمل في بطن أمّه، لأنه غرر، لعدم العلم بسلامته و صفته.

و فيها أيضا: و من الغرر جهالة الثمن، و تقدّم عليه الصدوق، في معاني الأخبار:

نهى (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) عن بيع حبل الحبلة و معناه ولد ذلك الجنين الذي في بطن الناقة، و ذلك غرر.

و السيد في الانتصار، مصرّحا فيه بصحة بيع العبد الآبق مع غيره، لخروجه عن الغرر، و جعله مما انفردت به الإمامية، خلافا لباقي الفقهاء، حيث ذهبوا إلى أنه لا يجوز بيع الآبق على كلّ حال، تعويلا على أنّه بيع غرر.

و ابن ادريس في السرائر (1)، قال بعد ذكر حلب بعض اللبن و بيعه مع ما في الضروع أو يجعل عوض اللبن شيئا من العروض: و الأقوى عندي المنع من ذلك كلّه، لأنّه غرر و بيع مجهول، و الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) نهى عن بيع الغرر (2).

و قال الشهيد في قواعده (3): يشترط كون المبيع معلوم العين و القدر و الصفة، فلو قال: بعتك عبدا من عبدين، بطل، لأنّه غرر.

و عنه في شرح الإرشاد: التصريح بما يعترف بذلك في مواضع منه، و في بعضها:

الغرر احتمال مجتنب عنه في العرف، بحيث لو ترك وبّخ عليه.

و قال المحقّق الثاني في شرح القواعد (4) في بيان صحّة بيع الصاع من الصبرة المجهول الصيعان: و ذلك لأنّ البيع أمر كلّي و الأجزاء متساوية فلا غرر، بخلاف ما لو باع النصف، فإنّه مع الجهالة لا يعلم قدره، فيلزم الغرر.

____________

(1) السرائر 2: 322.

(2) وسائل الشيعة 17: 448، الباب 40 من أبواب ما يكتسب به، الرواية 22965.

(3) القواعد و الفوائد 1: 294.

(4) جامع المقاصد 4: 105.

301

و من التنقيح، بعد نقل عدم صحة بيع ما يراد طعمه و ريحه من غير اختبار عن أبي الصلاح و القاضي و سلّار: لأنه مجهول، فهو بيع غرر، و قد نهى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) عن بيع الغرر، إلى غير ذلك من كلمات المتقدّمين و المتأخرين في موارد مختلفة.

و يظهر من كلمات هؤلاء الأعلام و اللغويين و غيرهم: أنّهم متّفقون على أخذ الجهالة و الخطر في معنى الغرر، بل لولاه وجب الوقوف (1) عليهما أيضا، أخذا بالمتيقّن من النهي، مضافا إلى تبادره فيهما. إذ لا غرور و لا خداع مع الأمن من الضرر أو العلم به فيما علم البناء على التغابن فيه.

فإن قلت: فعلى هذا يلزم صحة بيع الضال و الآبق و الطير في الهواء عند العلم بعدم حصولها، مع أنّ الظاهر اتفاق كلماتهم الشاملة بإطلاقها لصورة العلم في اشتراط القدرة على تسليم المبيع، استنادا إلى نفي الغرر.

قلت: بطلان البيع فيما ذكر مسلّم، و لكنّه مع العلم ليس لكونه غررا، بل لأنّه من باب أكل المال بالباطل، فإنّ مع العلم بعدم الحصول يخرج عن كونه مالا و إن كان ملكا، و يكون في حكم عدمه و خلوّ الثمن عن العوض. نعم، لو فرض له منفعة كعتق الآبق للكفارة، فلا نسلّم بطلانه مع العلم.

و أمّا إطلاق تمسّكهم بنفي الغرر فيما ذكر، فهو مبنيّ على الغالب من عدم انسداد باب الاحتمال.

و بالجملة: فلا غرر مع العلم بالضرر، و لا مع الجهل بالمبيع و عدم المخاطرة، كبيع أحد عبدين متساويين في القيمة و الصفة، و إن كان باطلا باعتبار الجهالة الواقعية، و الإطلاق في بطلان المجهول بنفي الغرر في بعض الكلمات مبنيّ على الغالب أو الغفلة و التسامح.

____________

(1) كذا.

302

و من هذا يظهر صحّة بيع صاع حنطة معيّنة مردّدة بين كونها من إحدى القريتين مع عدم اختلافهما في الوصف و القيمة. نعم، إذا كان المبيع المعيّن مردّدا بين جنسين مختلفين و إن تساويا في القيمة، كحنطة و حمص أو دهن و عسل، فيشكل الحكم بالصحة، لحصول الغرر، لعدم انحصار الخطر في اختلاف القيمة، بل يحصل- أيضا- باختلاف النوع و الصنف و صفاتهما المقصودة باختلاف الأغراض و الأعراض.

و بالجملة: لا إشكال في اشتراط الجهل و الخطر في حصول الغرر،

و إنّما يجب التنبيه على تفصيله في أمور:

الأوّل: في متعلّق الجهل

و الظاهر أنّه يعمّ الجهل بوجوده، كبيع الغائب المتردّد في وجوده و بيع الحمل، أو بحصوله في يد من انتقل إليه، كالآبق و الضال و المجحود و المغصوب، أو بصفاته كمّا و كيفا، لصدق الغرر في جميع ذلك.

و ربما يحكى عن بعضهم اختصاصه بالجهل بصفات المبيع و مقداره، لا مطلق الخطر الشامل له في تسليمه، لحصوله في بيع كلّ غائب، بل هو أوضح في بيع الثمار و الزرع و نحوهما.

و يضعّف: بأن تقييد الخطر في كلام أهل اللغة بما ذكر، مع أنّ الخطر أظهر بالنسبة إلى عدم الحصول مما لا وجه له، سيما مع اشتهار التمثيل ببيع الطير في الهواء و السمك في الماء، و خصوصا مع شيوع استدلال الخاصّة و العامّة باشتراط القدرة على التسليم بنفي الغرر كما عرفت.

و عن الشهيد في قواعده (1) عكس ذلك، فخصّه بمجهول الحصول دون مجهول

____________

(1) القواعد و الفوائد 2: 137، القاعدة 199؛ غاية المراد في شرح الإرشاد 4: 31.

303

الصفة المعلوم الحصول، و قال: و ليس من الغرر كحجر لا يدري أنّه ذهب أو فضّة أم نحاس أم صفر. و هو- أيضا- ضعيف و تقييد بلا دليل عنه غريب. و عن شرحه على الإرشاد ما يظهر منه التعميم.

الثاني: في كيفية الخطر

فيظهر من بعض الأساطين: أنّه باعتبار نقصان ما انتقل إليه عما يقابله من حيث ذاتهما بحسب القيمة، فلو باع المتردّد بين الزائد و الناقص قدرا أو صفة أو قيمة، كالمجهول المردّد بين كونه ذهبا أو نحاسا بقيمة النحاس، أو اشترى العبد الآبق بثمن قليل للعتق في الكفّارة، لم يكن غررا، لخلوّه عن المخاطرة للجاهل.

و لا يخفى أنّ إطلاق كلماتهم في بطلان بيع مجهول الصفة أو القدر أو العبد الآبق تمسكا بلزوم الغرر يعمّ بطلان جميع ذلك، فضلا من مجهول الجنس، كبيع ما في الصندوق المتردّد بين أجناس مختلفة متفاوته القيمة بقيمة الأقلّ. بل الظاهر عدم الخلاف في فساده و كونه غرريا، فالتحقيق في توجيه المقام و سرّه أنّ مناط الخطر ليس نقصان ما بإزاء المنتقل إليه من العوض قدرا و قيمة، بل العبرة بهما من حيث تعلّق العقد بهما و قصد المتعاقدين من عقد المعاوضة. و لا شكّ أنّه إذا اشترى ما يتردّد بين الجيّد و الرديّ أو القليل و الكثير و لو بأقلّ من الثمن، فهو من حيث كونه مبيعا و مقصودا من العقد محلّ الخطر لجهالة قدره و صفته، و إن كان الثمن الذي يبذله يكون أقلّ المحتملات و سالما عن الضرر من حيث هو، مع قطع النظر عن تعلق القصد به من العقد، فلا يخرج به عن الغرر، كما أن الجهل بالقيمة مع العلم بالقدر و الصفة لا يوجب الغرر، و لا يبطل به البيع، و إن كان متضمّنا للغرر فيجبر بالخيار، لدليل آخر يقتضيه لعدم كونه من حيث القيمة متعلقا للعقد. فتفطّن و لا تغفل.

304

الثالث: في مقدار الخطر من جهة العرف

و اختلف في المعيار المعتبر في صدقه عرفا، ففي المحكيّ عن الشهيد في شرح الإرشاد: أنّ الغرر احتمال مجتنب عنه في العرف، بحيث لو تركه وبّخ عليه.

و اعترض عليه: أنّ مقتضاه أنّه لو اشترى الآبق و الضال المرجو الحصول بثمن قليل لم يكن غررا، لأنّ العقلاء يقدمون على الضرر القليل رجاء للنفع الكثير، و كذا لو اشترى المجهول المردّد بين النحاس و الذهب بقيمة النحاس و مجهول المقدار بثمن المتيقن منه، فإنّ ذلك كلّه مرغوب فيه عند العقلاء، مع إطباق كلماتهم و إطلاق عباراتهم في كونه غررا منهيّا عنه، إلّا أن يحمل كلامه على الاجتناب الراجح (1) باعتبار الجهل به في نفسه لا الفعلي المرغوب فيه أحيانا لجهة خاصة به، و لا عبرة بمسامحة العرف في بعض المقامات و إقدام العقلاء عليه أحيانا، و لذا لا يغتفر شرعا في مدة الخيار الجهل و لو بساعة و ساعتين المعلّل عندهم بنفي الغرر، مع أن العرف لا يداقّون في مثل تلك الجهالات غالبا.

و ربما يظهر من بعضهم أنّ الجهالة التي لا يرجع الأمر معها غالبا إلى التشاحّ، بحيث يكون النادر كالمعدوم لا يعدّ غررا، كتفاوت المكاييل و الموازين، و هو- أيضا- لا يخلو عن إجمال و إبهام.

و التحقيق: أنّ معيار الغرر في العرف هو الخطر الذي يجتنب عنه مطّردا أو غالبا كان خلافه نادرا في حكم المعدوم، فلا عبرة بمجرّد المسامحة في بعض المقامات لجهة عارضة شخصية.

و توضيح ذلك: أنّ تسامح العرف بالجهل على وجوه:

أحدها: أن يكون متعلّقه أمرا يسيرا لا يتعلّق به قصد يقيني به، و لا يترتّب عليها فائدة معتدّة كتفاوت الكيل و الوزن.

____________

(1) في الأصل الرابع و هو تصحيف ظاهرا.

305

و ثانيها: أن يكون مما يتعذّر أو يتعسّر معرفته إلّا نادرا، فلا يعتبرها العرف في معاملاتهم و مكاسبهم، كتفاوت أساس الجدران و بواطن العمارات في كونها من الطين أو الجصّ و الساروج، و أعماق منابت الأشجار و البساتين في كونها حجرا أو ترابا.

و ثالثها: أن يكون التسامح دائرا مدار عدم فائدة مهمّة، و هذا يختلف باختلاف الأغراض و المصالح، كتفاوت يوم- بل ساعة- في اختلاف مدّة الخيار، فقد يداقّون فيه بملاحظة لزوم البيع و عدمه به و المتسامح به المغتفر في الشرع، فهو الأوّلان دون الأخير، لما عرفت. و من ذلك اتّفاقهم على اشتراط تعيين مدّة الخيار، بحيث لا يحتمل زيادة و لا نقيصة و لو بزمان قليل تمسّكا بنفي الغرر.

البحث الثاني: كما أنّ الغرر يحصل في البيع الجزئيّ الشخصيّ،

يحصل في الكلّي- أيضا- إذا كان مبهما في أنواعه و أقسامه و أفراده المختلفة قيمة أو صفة يختلف بها الأغراض و الفوائد، فيفسد به البيع، كما صرّح به غير واحد، لعموم الدليل.

فإن قلت: الكلّي الطبيعيّ إذا كان متعيّنا بمفهومه فمشخّصاته النوعية أو الفردية غير داخلة في المبيع، فلا يحصل بعدم تعيّنها الغرر في البيع، و لزوم التخصّص بواحد فيها عند الإقباض من باب المقدّمة، و هي على اختيار البائع، و إلّا لم يصحّ بيع الكلّي مطلقا.

قلت: المبيع الكلّي و إن كان متعيّنا في نفسه، إلّا أنّ تعلّق القصد ببيعه و شرائه لا ينفكّ عن تعيّنه بمشخصاته الخارجية المقوّمة لوجوده الخارجيّ، ضرورة أنّ الموجود الخارجيّ هو مقصود المتبايعين بالمعاوضة حقيقة، فلا يتسامح بتفاوته الفاحش لسائر أفراد الكلّي، و إن كان بحسب الدلالة اللفظية مدلولا تبعيا، فيصدق عليه الغرر و الخطر عرفا إذا لم يتعيّن الشخص، كما في بيع فرس كلّي صادق على

306

ما يسوى العشرة و ما فوقها إلى مائة و نحوها.

نعم، إذا كانت الكلّي خصوصياته الفردية متشابهة لا يختلف بها الأغراض و الأوصاف المختلفة بها القيمة و الرغبات يصحّ بيعه بإطلاقه، لانتفاء الخطر، و يكون التعيين- حينئذ- باختيار البائع من باب المقدّمة.

البحث الثالث: قد عرفت أنّ صدق الغرر مشروط بثبوت الخطر و الجهل به،

و مجرد الجهل من غير خطر غير كاف في صدقه. نعم، إذا كان الجهل واقعيا، بمعنى عدم تعيّن المبيع في الواقع، كان العقد باطلا و لو مع عدم الخطر، لا لأجل الغرر، بل لعدم إحراز الموضوع و المبيع و عدم تعلّق الإنشاء- حينئذ- بمبيع معيّن، فلا يؤثر العقد في مقتضاه كالملك في البيع، و تفويض تعيينه بعد العقد إلى اختيار العاقد ينافي سببية العقد المستقلّة بأدلّته.

لا يقال: إنّ مفهوم أحدهما الصادق على كلّ واحد معيّن منهما أمر كلّي متعيّن في نفسه، فصحّ بيعه كسائر الكليات.

لأنّا نقول: الخصوصية غير داخله في بيع الكلّي، بخلاف محلّ الفرض، فإنّها داخلة فيه مردّدة بين فردين مبهمين.

و صرّح بذلك المحقق الثاني في شرح قوله في القواعد: و لو قال: بعتك صاعا من هذه الصيعان مما يتماثل أجزائه صحّ. و لو فرّق الصيعان و قال: بعتك أحدهما لم يصحّ. و الفرق بين هذين الصورتين: أنّ المبيع في الثانية واحد من الصيعان المتميّزة المتشخصة غير معيّن، فيكون تعيينه مشتملا على الغرر، و في الأولى المبيع أمر كلّي غير متشخص و لا متميّز بنفسه يتشخّص بكلّ واحد من صيعان الصبرة و يؤخذ به.

و مثله ما لو قسم الأرباع و باع ربعا منها من غير تعيين، و لو باع ربعا قبل القسمة

307

صحّ، و نزّل على واحد منها مشاعا، لأنّه- حينئذ- أمر كلّي.

فإن قلت: المبيع في الأولى- أيضا- أمر كلّي. قلنا: ليس كذلك، بل هو واحد من تلك الصيعان المتشخّصة منها، فهو بحسب صورة العبارة يشبه الأمر الكلّي، و بحسب الواقع جزئي غير متعيّن و لا معلوم، و المقتضي لهذا المعنى هو تفريق الصيعان و جعل كلّ واحد برأسه، فصار إطلاق أحدها منزّلا على شخص منها غير معلوم، و لو أنه قال: بعتك صاعا من هذه، شائعا في جملتها، لحكمنا بالصحّة.

انتهى.

و هو في غاية الجودة، إلّا أنّ جعله الصورة الثانية من الغرر- مطلقا- ليس في محله، بل لما أشرنا إليه من إبهام الموضوع.

البحث الرابع: و حيث علمت أن مناط الخطر و الجهل بالضرر في الغرر إنما هو من حيث المعاملة و المعاوضة

و إن كان مأمونا عنه بحسب الخارج، يتضح لك أن اشتراط الخيار في مجهول الصفة الذي لم يبتن العقد فيه على الوصف لا ينتفي به الغرر، كما هو ظاهر كلماتهم، فيبطل به البيع و إن كان ضرره مجبورا بالخيار، و لا يلام عليه عرفا. و مثله الخيار بعد ظهور العجز عن تسليم المبيع و الانفساخ بالتلف قبل القبض، فلا يدفع بهما الغرر المبطل.

و توهّم سقوطه بالخيار و عدم لوم العرف بعد اطّلاعهم على الحكم الشرعي اللاحق للبيع من ضمان البائع و عدم التسلط على مطالبة الثمن، مدفوع، بأنّه حكم شرعيّ عارض للبيع الصحيح الذي لم يكن في نفسه غررا، و لا يندفع به الغرر الذاتيّ المشتمل عليه البيع، و لذا لا يصحّ شرط عدم هذا الخيار، و لا يصحّ الإلزام (1)

____________

(1) الالتزام (خ).

308

بالخطر و الضرر الغرريّ، كما في بيع الضال، و كلّما لا يقدر على تسليمه.

و يظهر- أيضا- عدم انتفاء الغرر بوجود مصلحة أخرى في بيع المجهول الجابر لخطره و ضرره على تقدير وجوده.

و كذا يظهر عدم الغرر في مجهول القيمة، فلا يبطل به البيع، لعدم كونه متعلّقا للبيع كما مرّ، و الضرر الحاصل متبعّضا بها يجبر بخيار الغبن بعد ظهوره، و كذا عدم الغرر في مجهول الوصف مع البناء على الوصف في البيع، فيجبر بالخيار- أيضا- بعد ظهور المخالفة، لأنّ متعلق البيع متعيّن- حينئذ- لا جهالة فيه من حيث كونه مبيعا.

البحث الخامس: هل يلحق بالبيع في بطلانه بالغرر غيره من عقود المعاوضات؟

فيه وجهان: من عموم أدلّتها الدالّة على صحّتها و اختصاص الغرر المنفيّ في الخبر بالبيع، و من أنّ الدائر في ألسنة الأصحاب و كلماتهم نفي الغرر على سبيل الإطلاق من غير اختصاص بالبيع، و به يستدلّون على اشتراط تعيين العوض و المدة في الإجارة و المزارعة و الجعالة و غيرها. بل قد ترسل في كلماتهم عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أنّه نهى عن الغرر، و قد بحثوا بالخصوص عن الخلاف في ذلك في الصلح، و لعلّه إشعار بعدم الخلاف في غيره و اختصاصه به، لكونه أوسع من غيره.

و لا إشكال في بطلانه إذا كان الجهل واقعيا كصلح أحد الحقّين أو أحد العبدين و إن لم يكن فيه غرر كما مرّ، سواء كان فيه خطر أم لا. و أمّا إذا كان الجهل ظاهريا و عند المصطلحين أو أحدهما فما وقع عليه الصلح و كان من الحقوق السابقة، و تعذّر العلم به فلا خلاف ظاهرا- تحقيقا و نقلا- في صحّة وقوعه مورد الصلح ظاهرا و باطنا مع استحقاق المدّعى و ظاهرا خاصة مع كونه مبطلا، سواء كان