مشارق الأحكام

- الشيخ محمد بن احمد النراقي المزيد...
510 /
309

المجهول المصالح عنه أو المصالح به أو كلاهما، و يدلّ عليه عمومات الصلح و الوفاء و التجارة.

و عن التذكرة: الإشكال فيما كان المصالح به مجهولا. و لعلّه في غير مقام التجاذب، بل صدق الغرر عرفا مع تعذّر العلم مشكل، و كذا إذا تعسّر العلم أو لم يمكن العلم في الحال مع الحاجة الحالية في قطع الدعوى، كما عن صريح الشهيدين، لعمومات الصلح بل نفي الغرر، و في بعض المعتبرة ما يدلّ عليه أيضا، كالمرويّ في الرجلين كان لكلّ واحد منهما طعام عند صاحبه و لا يدري كلّ واحد منهما كم له عند صاحبه، لك ما عندك ولي ما عندي، فقال: «لا بأس بذلك إذا تراضيا و طابت به أنفسهما» (1) و هو بإطلاقه يعمّ الدين، بل لعلّه فيه أظهر من العين، و ظاهر أنه لا يستقيم ذلك في العين إلّا بالصلح، مضافا إلى ما في الصحيح في الرجل يكون عليه الشيء فيصالح، فقال: «إذا كان بطيب نفس من صاحبه فلا بأس» (2).

و إن أمكن المعرفة بالفعل من غير عسر، ففيه إشكال، من إطلاق أدلّة الصلح المقتضي للصحّة، منها الخبر المتقدّم، و من لزوم الغرر.

و لا يبعد ترجيح الأوّل، كما صرّح به بعض المحقّقين، لعدم انصراف إطلاق كلماتهم في نفي الغرر إلى الدعوى القديمة، سيما بملاحظة تصريحهم بالصحة عند تعذّر العلم أو الحاجة، مع أنّهم لا يفرّقون في البطلان بينهما في غير ذلك، و ضعف إطلاق المرسل في المورد مع عدم الجابر.

و إن كان مورد الصلح ابتدائيا، سواء كان العوضين معا كصلح قبة من الحنطة

____________

(1) وسائل الشيعة 18: 445، الباب 5 من أبواب أحكام الصلح، الرواية 24012.

(2) نفس المصدر: الرواية 24014.

310

مجهول القدر بقبة مجهولة من الحمص، أو أحدهما كالصلح من دعوى حقّ سابق بقبة مجهولة، ففي اشتراط معلومية ما وقع عليه الصلح الابتدائيّ وجهان، و أقوالهم فيه مختلفة، بل بظاهرها متدافعة، فإنّك تراهم يحكمون بصحّة الصلح الابتدائيّ في المجهول الذي لا يجوّزونه في البيع، كالصلح عن لبن غنم في مدّة معلومة بغير اللبن و البعض فعلا كما أفتى به الشيخ، مع أنّه غير معلوم المقدار، سيما إذا كانت المدة طويلة تختلف مقاديره في أحيانها.

و مال إليه الشهيد في الدروس، حاكيا عن الحلّي المنع عنه، و جوّز فيه أيضا الصلح على سقي زرعه أو استيجاره بشرط معلومية المدّة، و الصلح عن إبقاء أغصان شجرة و أصوله في ملك الغير بعوض معيّن، مع أنّه يختلف في إحاطة هواء صاحب الأرض بحسب قوّة نمائه و عدمها.

و قال العلّامة في الإرشاد: و يصحّ الصلح على الإقرار و الإنكار ما لم يغيّر المشروع، و مع علم المصطلحين و جهلهما بقدر المال المتنازع عليه دينا كان أو عينا، لا ما وقع عليه الصلح، و يكفي المشاهدة في الموزون، و هو ظاهر في عدم تجويزه الجهالة في وجه المصالحة.

و قال المحقق الأردبيلي في شرحه: «و أمّا معلومية ما يقع عليه الصلح، فالظاهر أنّه لا نزاع فيه إذا لم يكن هو مما يصالح عنه، مثل ما تقدّم في صحيحتي محمد و منصور، لأنّه طرف لعقد مقدور المعلومية فلا بدّ أن يكون معلوما ليندفع به الغرر كما في سائر العقود» قال: «و لكن الظاهر أنّه يكفي العلم في الجملة إمّا بوصفه أو مشاهدته و لا يحتاج إلى الكيل و الوزن و معرفة أجزاء الكرباس و القماش و الثياب و ذوق المذوقات و غير ذلك مما هو معتبر في البيع و نحوه للأصل و عدم دليل واضح على ذلك و عموم أدلة الصلح المتقدّمة، و لأنّ الصلح شرّع للسهولة و الإرفاق بالناس

311

لتسهيل إبراء ذمّتهم، فلا يناسبه الضيق، و لأنّه مبنيّ على المسامحة و المساهلة، و إليه أشار بقوله: (و يكفي المشاهدة في الموزون)، و إن خالف فيه البعض، قال في الدروس: و الأصحّ أنه يشترط العلم في العوض إذا أمكن و قال في موضع آخر: و لو تعذّر العلم بما صولح عليه جاز، إلى قوله: و لو كان تعذّر العلم لعدم المكيال و الميزان في الحال، و مساس الحاجة إلى الانتقال، فالأقرب الجواز. و هو مختار شارح الشرائع أيضا، و لا نعرف له دليلا، و ما تقدّم ينفيه، و يؤيّده التجويز عند التعذّر، فإنّ ذلك لا يجوز في البيع عندهم، فتأمّل». انتهى كلام الأردبيلي (1).

قوله: إذا لم يكن هو مما يصالح عنه، مثل ما تقدّم في صحيحتي محمد و منصور، مراده: الحقّ السابق المجهول، كما هو مورد الصحيحين، و عرفت أنّه لا إشكال و لا خلاف ظاهرا في صحّة الصلح عنه، و إلّا فلا فرق في الصلح الابتدائيّ بين المصالح عنه و المصالح به.

ثم أقول: الظاهر من تتبّع كلمات الفقهاء و صريح المحقّق المذكور في عدم الخلاف و عدم تخصيصهم اشتراط تعيين المدّة بالبيع و أمثال ذلك عدم الخلاف منهم في اشتراط العلم في الجملة في الصلح الابتدائيّ، و بطلانه بالجهل المطلق، و إن اختلفوا في حدّ العلم المشروط فيه.

و سمعت من الشهيد، اشتراطه على حدّ البيع، إلّا إذا تعذّر، مع مسيس الحاجة في الحال، فهو الدليل عليه، مضافا إلى نفي الغرر المطلق فيما قد يرسل عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، المنجبر في المورد بالشهرة المذكورة لو لا الإجماع المخصّص لعمومات الصلح، لوروده عليها كورود دليل نفي الضرر على أدلّة المباحات الشرعية.

و تجويز الشيخ و غيره الصلح عن لبن الغنم في مدة معلومة مع جهالة مقداره و لو

____________

(1) مجمع الفائدة و البرهان 9: 338.

312

بالمشاهدة و إبقاء الأغصان و نماءها في هواء الغير و أمثال ذلك، فليس من المجهول المطلق من قبيل الصلح عن لبن عشرة أغنام من قطيعة غنم، و ما أظنّ أن يجوّزه أحد، بل هو مما يناط بالاستعداد و القوة الممكنة معرفتها بالعرف و لو تقريبا، كمعلومية قوّة الشجرة في الأرض المستأجرة.

و أما اشتراط العلم التفصيليّ كما في البيع، فلا دليل عليه و إن تمكّن عن تحصيله، لضعف المرسل المزبور، و عدم الجابر له في المقام، و عدم الإجماع لو لا على خلافه، فيتعيّن العمل بعمومات الصلح و نحوها، و خصوصا الأخبار الخاصّة الشاملة لمحلّ الفرض كما صرّح به جمع من المحقّقين.

فرعان:

الأوّل: هل يصحّ الصلح عما يملك مع جهل المصطلحين أو أحدهما بقدره أو جنسه أو صفته كما قد تداول بين الناس أم لا.

مقتضى ما ذكرنا من اشتراط العلم الإجماليّ و إن كان الثاني، إلّا أنّ الظاهر كونه في غير مقام المحاباة، إذ لا دليل على الاشتراط- حينئذ- مخصّص لعمومات الصلح و الأخبار الخاصّة المشار إليها، بل عدم صدق الغرر العرفيّ- حينئذ- و إن قلنا ببطلانه في البيع للإجماع، بل صدق الغرر فيه بالخصوص لوضعه على المعاوضة المحضة و التبادل المبنيّ على التعادل، و أما في غير مقام المساهلة و المحاباة، فالظاهر عدم الصحة، كصلح ما في الصندوق بما قصد به المعاوضة المالية.

الثاني: هل يلحق بالصلح الشرط الواقع في قيمته، فدار مداره في الصحة كما في فساده أم لا؟

فيه وجهان: من كونه تابعا له، بل هو على ما اشتهر في ألسن الفقهاء قسط من العوض، فحكمه في ذلك حكمه، و من إطلاق كلماتهم في وجوب تعيين المدّة

313

المشترطة و لو في ضمن الصلح المحتمل لتلك الجهالات.

و الأشبه البطلان، لأن الشرط و إن كان في حكم قسط من العوض الذي ربما يغتفر فيه الغرر، إلّا أنّه بنفسه معاملة شرعية غير تابع في جميع أحكامه للعقد المشترط في ضمنه، و لا هو شرّع للسهولة و الإرفاق، فيلاحظ فيه بنفسه الغرر كسائر المعاوضات الممنوعة عنه، لإطلاق الرواية النافية الجابر في المورد بإطلاق كلماتهم.

و مسامحة العرف في عدم تعيّن فرد من موارد الشرط لا يقتضي الاطّراد، بل قد يتفق وقوعه مثارا للتشاجر المؤدّي إلى الفساد، و إن كان المشروط صلحا عن الحقّ السابق أو مبنيّا على المحاباة، فتأمل جيّدا و لا تترك الاحتياط.

تتميم: و حيث علمت أنّ دليل عموم المنع عن الغرر فيما يمنع هو الإجماع،

و المرسل المطلق فيما حصل فيه الانجبار، فيلاحظ ذلك في غير الصلح من عقود المعاوضات، فكلّ معاملة غررية دلّ على المنع فيه أحدهما بطل، و لعلّ الشهرة متحقّقة في أكثرها، و إلّا فإن كانت المعاملة ممّا اقتضى شرعيته دليل يعمّه يحكم بصحّته، و إلّا بفساده، عملا بالأصل.

314

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

315

مشارق في نبذ من مهمات مباحث الخيارات و معضلاتها

[المشرق السادس عشر] [في خيار المجلس]

مشرق: من الخيارات خيار المجلس، أي موضع العقد، و يختصّ بالبيع، و يرتفع بانقضائه، و انعقد عليه الإجماع، إلّا فيما استثنى، كالبيع المنعتق على المشترى.

و مع ذلك فالنصوص به مستفيضة، كالمتضمّنة لقوله (عليه السلام): «البيعان بالخيار حتى يفترقا» (1).

و في بعضها: «فاذا افترقا فلا خيار بعد الرضا منهما» (2).

«و المتبايعان بالخيار ثلاثة أيام في الحيوان، و فيما سوى ذلك من بيع حتّى يفترقا» (3).

و قوله (عليه السلام): «أيّما رجل اشترى من رجل بيعا، فهما بالخيار حتّى يفترقا، فإذا افترقا فقد وجب البيع» (4).

ثمّ لا إشكال في ثبوت الخيار إذا كان المالكان متبايعين، و أما إذا باع وكيلهما،

____________

(1) وسائل الشيعة 18: 5، الباب 1 من أبواب الخيار، الرواية 23011؛ الكافي 5: 170.

(2) نفس المصدر 18: 6، الباب 1، الرواية 23014؛ الكافي 5: 170.

(3) نفس المصدر 18: 10، الباب 3، الرواية 23025؛ التهذيب 7: 23.

(4) نفس المصدر 18: 6، الباب 1، الرواية 23014؛ الكافي 5: 170.

316

فهل يكون الخيار لهما، أو للمالكين، أو للجميع، أو ليس لأحدهم؟ فيه أقوال، و منشأ الخلاف غالبا، الاختلاف في مصداق المتبايعين، هل هما الوكيلان اللذان أجرى منهما العقد، أو المالكان.

و لعلّ الخلاف فيما اجتمع الجميع في المجلس، و إلّا فلا خلاف ظاهرا في عدم ثبوته للمالكين عند غيابهما، لقوله (عليه السلام): «حتى يفترقا» المستلزم للاجتماع.

و قد يقال: الخيار تابع للملكية، و إرفاق للمالك، و لا حقّ لوكيل مجرّد العقد حتى كان له الخيار أصالة إلّا بتوكيل المالك، فهذا قرينة لإرادة المالكين من المتبايعين، و إن قلنا بكون البائع حقيقة مجري العقد، غاية الأمر اشتراط حضورهما، لظاهر النصوص.

و لا يخفى أنّ مقتضى ذلك نفي الخيار عن الوكيل، لا إثباته للمالك، مع عدم تلبّسه بالعقد، و تسليم ظهور البائع في المتلبّس.

و التحقيق أنّ ما يمكن إرادته من البائع أحد المعاني الأربعة:

الأوّل: العاقد من حيث تلبّسه بالصيغة.

الثاني: المالك من حيث كونه مالكا.

الثالث: من بيده البيع، و دار على مشيئته أمره، وجودا و عدما و بقاء و زوالا، سواء كان بالملك أو الولاية أو الوكالة المطلقة المستقلة، نظير العامل في المضاربة.

الرابع: من له الوكالة في مجرّد المعاوضة، و لو مع تعيين الثمن و المثمن، و توكيل الغير في إجراء العقد، كما إذا قال: اشتر لي فرسا (1).

ثمّ الظاهر: عدم كون الأوّل مرادا، بل لعلّه لا ينصرف لفظ البائع إليه، لظهوره فيمن له سلطنة النقل الشرعيّ، و مجرّد التلفظ بالعقد من حيث التلبّس غير كاف

____________

(1) كذا.

317

فيه، و إنّما هو من قبيل الآلة دون المؤثّر، كالقلم للكاتب و المنشار للنجّار، فلا ينسب الفعل المؤثر للانتقال الشرعيّ إليه، كما لا ينسب المكتوب إلى القلم و هيئة السرير الى المنشار إلّا توسعا، و يرشد بذلك ملاحظة بعض أخبار الباب المقترن هذا الخيار فيه بخيار الحيوان الذي ليس للعاقد قطعا.

و كذا الثاني، لأنّ مجرّد المالكية الصادقة على مثل المولّى عليه و المفلس، لا يوجب ملك البيع الذي يناط به- بحكم التبادر- صدق البائع.

و من هذا يظهر بعد إرادة الرابع أيضا، لعدم استقلال الوكيل بالمعنى المذكور في البيع، مع أنّ الخيار لو كان له، فالظاهر كونه من باب النيابة أيضا، إذ لا سلطنة له فيه من حيث نفسه. و كون تلك النيابة تابعة لنيابة البيع ممنوع جدّا.

فتعيّن المعنى الثالث، فإنّ الظاهر صدق البائع عليه، و إن لم يجر الصيغة، فإنّ من بيده زمام البيع، و على اختياره أمره و تعيينه و القبض و الإعطاء و نحوها، فهو قائم مقام المالك المتصرف، في صدق ما يصدق عليه من النقل عرفا، و أمّا بدون ذلك فيشكل صدقه، كما صرح به والدي العلّامة (1). و لذا لا يقال لمن كان ماله بيد عامله في بلد آخر و يبيع و يشتري، أنّه باع ملكه و اشتراه، بل ينسب البيع و الشراء إلى العامل، و يتبادر هو من البائع، و إن لم يجر الصيغة و وكّل غيره فيه. فالمناط في الصدق العرفيّ، السلطنة في التصرف في النقل و الانتقال و الردّ و الإبقاء و غيرها، سواء كان مالكا أو وكيلا أو وليّا.

نعم، يشترط اجتماعهما في المجلس، لما مرّ، و معه لا خيار للمالك، و إن حضر المجلس، لاستقرار الأمر على يده خاصة، و المالك- حينئذ- في حكم الأجنبيّ.

ثم إنّه ليس للمالكين فيما ليس لهما الخيار، توكيل العاقد من قبل العقد أو بعده

____________

(1) مستند الشيعة 14: 366.

318

في الفسخ، لأنّه فرع ثبوت الخيار لهما.

تتميم: يسقط هذا الخيار بأمور:

أحدها: اشتراط عدمه في ضمن العقد.

و لا خلاف فيه ظاهر. و عن الغنية (1):

الإجماع عليه، لعموم أدلّة الشرط.

و اعترض على الاستدلال بها، أوّلا: بمعارضتها لأدلّة الخيار، و ثانيا: بكون هذا الشرط مخالفا للسنّة، فيدخل فيما استثنى من الشروط. و ثالثا: بكونه خلاف مقتضى العقد، أعني الخيار. و رابعا: باستلزامه الدور، لتوقّف لزوم الشرط على لزوم العقد، فيدور على العكس. و خامسا: بأنّه إسقاط ما لم يجب، إذ لا خيار قبل تمام البيع. نقل هذا عن بعض الشافعية.

و الجواب عن الأوّل: ما مرّ في بحث الشرط، من أنّه ليس هذا من التعارض، بل من باب السببية الطارية المزيلة للخيار.

و منه يظهر ما في الثاني: فإنّ مقتضى السنّة، التسلط على الفسخ عند الإطلاق، و هو لا ينافي إلزام عدم الفسخ على نفسه، لشرط الذي هو من الأسباب الشرعية الواردة عليه.

و عن الثالث: بما حققناه في البحث المذكور أيضا، من أنّ الممنوع الشرط المنافي لماهيّة العقد أو لازمه الذي علم من الشرع عدم انفكاكه عنه بالأسباب الملحقة، بل كان في حكم الجزء.

و عن الرابع: بأنّ لزوم الشرط ينافي بقاء العقد على الجواز، حيث إنّهما لا يجتمعان، و هذا إذا كان متعلّق الشرط غير نفس اللزوم، و أمّا إذا كان نفس اللزوم

____________

(1) غنية النزوع 1: 217.

319

الثابت وجوب الوفاء به بأدلّته، فلا يبقى الجواز الذي ينافيه، فلا دور.

و عن الخامس: بأنّ فائدة الشرط إبطال المقتضي، لا إثبات الموانع بعد تمام العلّة، كما هو حال أكثر الشروط.

و ثانيها: الإسقاط بعد العقد،

اتفاقا، له، و لعموم العلّة في بعض أخبار خيار الحيوان، بقوله: «فإن أحدث المشتري فيما اشترى حدثا قبل الثلاثة، فذلك رضا منه، فلا شرط له» (1).

و يمكن الاستدلال عليه- أيضا- بأنّ صحّة إسقاطه و الالتزام به بالشرط يقتضي جوازه له و تسلّطه عليه، و الإسقاط تستلزم السقوط، فلا يعود لمنافاة بقائه للإسقاط. و بالجملة بعد ملاحظة أمثال ذلك و الإحاطة على أقوال العلماء و سيرهم، لا يبقى شبهة في أنّه من الحقوق القابلة لإسقاطها من ذي الحقّ، لا من الأحكام، فيصحّ وقوعه مورد الشرط و الصلح عليه، بما دلّ عليهما و تقتضيه القاعدة المسلمة، من أنّ لكل ذي حقّ إسقاط حقّه.

و ثالثها: التصرّف على النحو الآتي في خيار الحيوان.

ذكره جمع من أعيان الأصحاب، بل عن المتأخرين اتفاقهم عليه، لعموم العلّة المشار إليها.

و رابعها: افتراق المتبايعين،

و إن لم يظهر منه رضاهما بالبيع، بما يسمّى افتراقا، و ربما يعبّر عنه بخطوة و لو لإحداهما. و في بعض المعتبرة ما يدلّ عليه بالخصوص، لإطلاق الأدلّة. و لا اعتبار بافتراق لا عن اختيار، لظهور الفعل المستند إلى الفاعل في كونه بالاختيار.

نعم، الإكراه بالاختيار لا ينافيه، فمع عدم المنع من التخاير يقوى السقوط. و أما

____________

(1) وسائل الشيعة 18: 13، الباب 4 من أبواب الخيار، الرواية 23033؛ الكافي 5:

169.

320

مع المنع منه ففيه إشكال، و لعل عدمه أقوى.

و تفصيل فروع المسألة، كسقوط خيارهما بإكراه أحدهما و عدمه، و امتداد الخيار بامتداد المجلس، فخيارهما لا يسقط (1)، أو كونه على الفور، و غير ذلك ليس مما نقصده هنا، بل هو موكول إلى كتب الفقه.

____________

(1) في الأصل: فهما لا يسقط.

321

[المشرق السابع عشر] [في خيار الحيوان]

مشرق: و منها خيار الحيوان: و هو ثابت في كل ذي حياة، حتى الجراد و الزنبور و العلق و السمك و دود القز و نحوها، ثلاثة أيام إجماعا.

و في اختصاصه بالمبيع المعيّن، أو شموله للكلّي الذي في الذمة وجهان: من أنّ المنساق من الإطلاقات و المناسب للحكمة التي ذكرها في التذكرة (1)، و هي كون الخيار للاطّلاع على خفايا الحيوان، الأوّل، و من إطلاق النصوص و الفتاوى الشاملة للقسمين.

و المشهور اختصاصه بالمشتري. و عن الغنية (2) الإجماع عليه اقتصارا في الخروج من عموم الوفاء بالعقود الدال على اللزوم، مما ليس فيه خيار المجلس و ما فيه، بعدم القول بالفصل، بالقدر المتيقّن، و استنادا إلى ظهور النصوص في الاختصاص، كصحيحة الفضيل، قال: قلت: ما الشرط في الحيوان؟ قال: « [إلى] ثلاثة أيّام للمشتري». قلت: و ما الشرط في غير الحيوان؟ قال: «البيعان بالخيار ما

____________

(1) تذكرة الفقهاء 1: 591.

(2) غنية النزوع 1: 219.

322

لم يفترقا، فإذا افترقا فلا خيار بعد الرضا (1) [منهما]».

و التعميم للخيار في غير الحيوان فيها بالنسبة إلى المتبايعين، و التخصّص في الحيوان بالمشتري، كالنصّ في الاختصاص. مع أنّ القيد مع إطلاق الحكم فيما ليس فيه نكتة جلية قبيح.

و نحوها سائر الأخبار من الصحاح و غيرها. بل في صحيحة ابن رئاب، المروية في قرب الإسناد (2)، التصريح بنفيه عن البائع، خلافا للسيد المرتضى (3)، و المحكيّ عن ابن طاوس (4)، فثبوته للبائع أيضا.

و عن الانتصار (5): الإجماع عليه، لصحيحة ابن مسلم (6): «المتبايعان بالخيار ثلاثة أيام في الحيوان، و فيما سوى ذلك من بيع حتى يفترقا»، و المحكيّ عن جماعة من المتأخّرين، فثبوته لمن انتقل إليه الحيوان ثمنا أو مثمنا، لعموم صحيحة محمد بن مسلم: «المتبايعان بالخيار ما لم يفترقا، و صاحب الحيوان بالخيار ثلاثة أيام».

أقول: مقتضى الصحيحة الأخيرة، أنّه لو كان العوضان حيوانين، كان لهما الخيار. و دعوى ظهورها في اتحاد صاحب الحيوان، فيتعين المشتري لكونه المتيقن، ممنوعة، لظهور المفرد المضاف في العموم الجنسيّ، مضافا إلى أنّه يتعيّن المشتري فيما فرض كون الثمن حيوانا. و كذا الاعتراض بمعارضتها للأخبار

____________

(1) الكافي 5: 170؛ التهذيب 7: 24؛ وسائل الشيعة 18: 5، الباب 1 من أبواب الخيار، الرواية 23011.

(2) قرب الإسناد: 261.

(3) الانتصار: 207.

(4) لم نقف عليه و لكن حكاه عنه الشهيد في غاية المراد 2: 97.

(5) الانتصار: 433.

(6) وسائل الشيعة 18: 10، الباب 3 من أبواب الخيار، الرواية 23025.

323

المستفيضة المشار إليها، الظاهرة بالتقريب المتقدم في اختصاص الخيار بالمشتري، الراجحة عليها بالأكثرية و الأشهرية، بل الأصرحية، بملاحظة ما في موثقة ابن فضال، من تقييدها الحيوان بكونه للمشتري، لظهورها بحكم الغلبة في كون صاحب الحيوان المشتري، خصوصا بملاحظة الصحيحة المثبتة لصاحب الحيوان، و الموثّقة المصرّحة بكون المشتري صاحب الحيوان، بل نقول: لو لا تنزيل الموثقة على مورد الغالب، مع دعوى اختصاص الخيار فيه بصاحب الحيوان المشتري، لزم نفيه رأسا، حيث لم يكن هو صاحب الحيوان، بل كان الثمن حيوانا، و هو إحداث قول حادث.

مضافا إلى إمكان دعوى ظهور سياق الأخبار المتقدّمة المثبتة للمشتري، في كون جهة الخيار انتقال الحيوان إليه، لا مجرّد كونه مشتريا. و بهذا يظهر ضعف القول المشهور، مضافا إلى تعارض أخباره الصحيحة.

و أمّا القول الثاني، فمع ندرة قائله، يضعّف بأنّ إطلاق قوله: «المتبايعان بالخيار ثلاثة أيّام» منساق إلى بيان مدة الخيار، في مقابل خيار المجلس، فشموله لجميع موارد الإطلاق غير ظاهر، بل غايته الدلالة على الخيار لهما في الجملة، الذي يتحصّل ثبوته لهما، فيما كانا كلاهما صاحبي الحيوان، أو هو خاصّة صاحبه، فلا ينافي القول الثالث. نعم ينافي القول الأوّل، لاقتضائه عدم بقاء مورد لخيار البائع أصلا، مضافا إلى أنّ تلك الصحيحة أعمّ مطلقا من الصحيحة الأخيرة، فيخصّص بها. و إذن، فالأظهر القول الثالث، و إن كان الأسلم رعاية الاحتياط، بملاحظة عمومات اللزوم و غيرها.

تتميمات:

الأوّل: مدّة هذا الخيار مقدار ساعات ثلاثة أيّام من النهار و لو ملفّقا،

للتبادر، كما

324

في نظائره، و يتبعها الليالي المتوسّطة و ليلة العقد، لا لاستعمال اليوم فيما يتركب منهما في النصوص، حتى يلزم اختلاف مفردات الجمع في استعمال واحد عند صدور العقد أوّل النهار، بل للإجماع على عدم انقطاع الخيار بالليل في خلال الأيّام الثلاثة، و اتصاله بالعقد.

الثاني: يسقط هذا الخيار- أيضا- بالشرط، و لو بالنسبة إلى بعضه،

و بالإسقاط بعد العقد، و بالتصرّف في الحيوان إجماعا في الجملة، مضافا إلى النصوص، ففي صحيحة ابن رئاب (1): «و إن أحدث المشتري فيما اشترى حدثا قبل ثلاثة أيام، فذلك رضا منه، و لا شرط له، قيل: و ما الحدث؟ قال: «أن لامس أو قبل أو نظر إلى ما كان محرّما عليه قبل الشراء».

و صحيحة الصفار (2)، كتبت إلى أبي محمد (عليه السلام) في الرجل اشترى دابّة من رجل، فأحدث فيها من أخذ الحافر أو نعلها أو ركب ظهرها فراسخ، له أن يردّها في ثلاثة الأيام التي له فيها الخيار بعد الحدث الذي يحدثها، أو الركوب الذي يركبها، فوقّع (عليه السلام): «إذا حدث فيها حدث فقد وجب الشراء إن شاء اللّه، و في الصحيحة المروية في قرب الإسناد (3)، قلت: أ رأيت إن قبّلها المشتري أو لامس أو نظر منها إلى ما يحرم على غيره فقد انقضى الشرط و لزم البيع.

و هل التصرف المسقط مطلقة أي كلّما لا يجوز لغير المالك إلّا برضاه، فيعمّ الدال على الرضا باللزوم و غيره، كما هو ظاهر إطلاق أكثر الفتاوى و صريح التذكرة (4) في

____________

(1) وسائل الشيعة 18: 13، الباب 4 من أبواب الخيار، الرواية 23023؛ الكافي 5:

169.

(2) نفس المصدر.

(3) قرب الإسناد: 261.

(4) تذكرة الفقهاء 1: 519.

325

بيان تصرّف المسقط للردّ بالعيب الذي هو مع ما في المقام من باب واحد، حيث جعل استخدامه بشيء خفيف مثل: اسقني، أو ناولني الثوب، أو أغلق الباب، مسقطا للردّ. و ضعّف قول الشافعي بعدم المنع من الرد، معلّلا بأن مثل هذه الأمور قد يؤمر به غير المملوك، بأنّ مطلق التصرف مسقط، تعليلا له في موضع آخر بأنّه استعمال و انتفاع.

أو المسقط التصرّف الدال على الرضا باللزوم فعلا و شخصا، كما عن الدروس (1) و ظاهر بعض كلمات الآخرين أو نوعا، بمعنى اختصاص التصرف المسقط بما دلّ بنوعه غالبا على التزام العقد، و إن لم يدلّ في شخص المقام، مقيّدا بعدم قرينة يوجب صرفه عن الدلالة، كما إذا دلّ الحال أو المقال على وقوع التصرف للاختبار أو اشتباهها بعين أخرى. صرّح به بعض أفاضل من عاصرناه. أو مطلق التصرف الذي كان لمصلحة نفسه دون ما للاختبار أو الحفظ، كما عن المحقّق (2) و الشهيد الثانيين (3). و ربما يظهر من الأوّل التردّد في مورد الاستثناء و في التعدّي عنه.

و منشأ الخلاف وقوع الاختلاف في مفاد الأخبار.

من إطلاق لفظ الحدث المنوط به الحكم في الصحاح المتقدّمة الشامل لجميع التصرفات، سيما بملاحظة الأمثلة المذكورة فيها الدالّة على الرضا بمطلق الملك دون اللزوم كلمس الجارية و نحوه، و خصوصا ما في صحيحة ابن رئاب، من التفسير بما كان محرما عليه قبل الشراء، فيفيد كون السقوط بالتصرف حكما شرعيا تعبديا، و إن لم يكن التزاما عرفا.

____________

(1) الدروس الشرعية: 272/ 3.

(2) جامع المقاصد 4: 291.

(3) مسالك الأفهام 3: 200.

326

و من ظهور التعليل في الصحيحة بأن ذلك رضى منه في تقييد إطلاق الحكم بما دلّ عليه، كما في قوله: لا تأكل الرمان لأنّه حامض، نظرا إلى بعد كونه من باب إبداء الحكمة التي لا يجب فيها الاطّراد، بل ظهوره في العلّية المتعيّنة (1)، فيفيد إناطة السقوط بما يدلّ على الالتزام.

و من حمل التعليل على الدلالة الذاتية النوعية، أي: لو خلى و طبعه، و إن لم يدلّ في شخص المقام، حذرا عن مخالفة معاقد الإجماع و عموم الأمثلة المذكورة في النصوص و كلمات القوم، فلا يشترط الدلالة على الالتزام الفعليّ، إلّا أنّه يجب التقييد بما لا يدلّ دليل على وقوع التصرف بغير الرضا باللزوم، بل لاختبار و نحوه، كما سمعته ممن أشرنا إليه، نظير حمل الألفاظ على معانيها الحقيقة الظاهرة فيها لو خلّيت و طبعها، فلا يصرف عنها إلّا بدليل.

و عليه حمل قولهم بسقوط الخيار بما أحدث حدثا يدلّ على الرضا، كما صرّح به كثير من الفحول، نظرا إلى عدم اقتضاء أكثر الأمثلة التي ذكرها هؤلاء الأعلام في المقام العلم بالرضا الفعليّ، فيكون المعتبر عندهم الدلالة النوعية على الرضا.

و الأقرب عندي، القول الأوّل الموافق لإطلاق كلام الأكثر، و سقوط الخيار بمطلق التصرف الغير المجوّز لغير المالك، كما هو صريح النصّ، إلّا ما تعارف للاختبار في مقام المساومة قبل العقد الذي يشهد الحال برضى البائع به، لعموم النصوص و إطلاق الحديث. و لا ينافيه التعليل، سيما بملاحظة التمثيل فيه بالتصرّفات الغير الدالّة على الالتزام بوجه، بل غايتها الدلالة على التملك الأعمّ من اللزوم، فإنّ التنافي مبنيّ على جعل متعلّق الرضا اللزوم، و لا دليل عليه، بل إناطة الحكم فيه بمطلق الحدث و تفسيره المذكورات يشهد بخلافه، فالظاهر كون متعلّق

____________

(1) في الأصل كلمة يمكن أن تقرأ هكذا.

327

الرضا الملك، إذ لولاه لما جاز له التصرف، و هو من باب الإمضاء الفعليّ للملك بعد العقد اللفظيّ الدال عليه.

بيان ذلك: أنّ العقد يفيد الملك المطلق الشامل لما يكون للمشتري فسخه و رفع اليد عنه، و لا بقائه [و] استعمال لوازم الملك و إجراء آثاره و تقبّل أحكامه، و التصرف المذكور من آثار الملك، فهو إمضاء فعليّ و قبول عمليّ للملك بعد العقد، فهو التزام بأحد طرفي الخيار، من قطع الملك و إبقائه، و لو في حال هذا التصرف الذي لا يجوز لغير المالك، فهو ملتزم بالملك، بل لزومه في يده في حال هذا التصرف المقصود، فلا يعود التزلزل.

أو نقول: جعل الشارع هذا الالتزام بالملك الذي فسّره بالتصرف المحرم على غير المالك قبل العقد مزيلا للخيار، من قبيل إجازة الفضولي التي لا يعود بعدها التزلزل، فالمعيار في التصرف المسقط للخيار ما لا يجوز لغير المالك إلّا برضاه، و أما ما جاز له و لو بشاهد الحال بإذنه و رضاه من غير جهة الملك، فلا يسقط به، لعدم كونه من آثار الملك، فليس إمضاء له و لا رضى بالملك. و من الثاني: التصرف للحفظ و التعليف مع الضرورة و الحاجة، و ما وقع اشتباها بدابة نفسه، و نحو ذلك.

و هل يسقط بعرضه على البيع؟ الأقرب لا، لعدم وقوع التصرف إلّا إذا دلّ على الالتزام باللزوم، فيكون من قبيل إسقاطه الخيار باللفظ.

328

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

329

[المشرق الثامن عشر] [في خيار الشرط]

مشرق: و من الخيارات خيار الشرط، أي الثابت بسبب العقد لأحدهما أو لكليهما أو لأجنبيّ عن أحدهما أو عنهما، مع أحدهما أو معهما.

و فيه مسائل:

المسألة الأولى: لا خلاف في صحّة هذا الشرط في العقود في الجملة،

بل عليه الإجماع، محقّقا و محكيا مستفيضا، لعموم أدلة الشرط، كقوله (عليه السلام): «المؤمنون عند شروطهم» (1).

و ربما استشكل في الاستدلال به، بأنّه من باب شرط حكم يخالف الكتاب و السنة، و يحلّل الحرام، و هما مستثنيان عن أخبار الشروط، لأنّه تسليط على نقض سببية العقد الثابتة في الشرع.

____________

(1) التهذيب 7: 371 و 3: 150؛ الاستبصار 3: 232، الحديث 835؛ وسائل الشيعة 21: 276، الباب 20 من أبواب المهور، الرواية 27081؛ سنن البيهقي 6: 79 و 7:

249؛ كنز العمال 4: 364؛ بداية المجتهد 2: 296؛ البحر الزخار 5: 76، باب الضمان.

330

و يندفع بأنّ هنا أمرين: الأوّل: قبول العقد للفسخ شرعا، و قابليته له بالتراضي و التقايل.

الثاني: تراضي المتعاقدين في العقد على سلطنة أحدهما أو كليهما على الفسخ بمعنى الالتزام بكون أمره بيده، و ما لا يصحّ الاستدلال عليه بأدلة الشرط هو الأوّل، لأنّه تشريع حكم ليس بجعلهما (1)، فلا يقع مورد الشرط، كجعل الخيار في النكاح- إجماعا- و الوقف- على المشهور- و الإيقاعات، و أما الثاني فحيث علم من الخارج شرعية التقايل فيه بالتراضي، و صحته بعد العقد، جاز بالشرط الالتزام به بجعله باختيار أحدهما، كما في أمثال البيع و الإجارة و نحوهما القابلة للتقايل.

و الحاصل: أنّ مشروعية الفسخ لا بدّ له من دليل خارج من أدلّة الشرط، و حيث علم مشروعية الفسخ فيه بالمراضاة بعد العقد، صحّ التراضي في العقد بجعله باختيار أحدهما بأدلّة الشرط.

و من هذا سيظهر أنّ الاستدلال بأدلّة الشرط على صحّة شرط الخيار في مطلق العقود إلّا ما خرج بدليل، ليس كما ينبغي، لاختلاف العقود في قابليتها للفسخ بالتقايل، فمنها ما يمتنع فيه شرعا، كالنكاح و غيره مما أشرنا إليه، فلا يصحّ الشرط فيه، و منها ما ثبت فيه و جاز قطعا، و منها ما اختلف فيه، كالوقف- على قول- و الصلح المتضمّن لمعنى الإبراء و نحوهما. و لا يصحّ الاستدلال بأدلة الشرط فيه أيضا، إلّا بإثبات (2) قبوله الفسخ اختيارا.

المسألة الثانية: يشترط في صحة شرط الخيار ضبط المدّة،

فلو تراضيا بمدّة مجهولة بطل، بلا خلاف، بل نقل عليه الإجماع غير واحد، فهو الحجّة. مضافا إلى

____________

(1) كذا.

(2) لعلّ الصحيح: أيضا لإثبات قبوله.

331

لزوم الغرر و صيرورة المعاملة غررية، بل نفس الشرط مع قطع النظر عن غرر المعاملة يشمله دليل نفي الغرر أيضا، كما تقدّم.

و لا عبرة بمسامحة العرف في بعض المعاملات، كتحديدهم إلى الحصاد و نحوه، إذ ليس هو على الكلّية، و لذا يداقّون في مقام الحاجة و حصول الفائدة بساعة و ساعتين، و لا إشكال في ذلك.

و إنّما يختلط الأمر في حدّ انضباط المدّة، فإنّك تريهم يجوزون التحديد بشهر أو سنة، كما هو مدلول أخبار بيع الخيار، و لا خلاف فيه ظاهرا، مع أنّها يحتمل الزيادة و النقيصة بيوم أو أكثر، و لا يجوّزون التحديد بقدوم زيد. و لو كان التفاوت المحتمل فيه هذا المقدار، فما الفارق بينهما؟ بل الظاهر عدم تجويزهم التحديد بيوم معيّن لا يعرف، كعيد المولود، و يوم دحو الأرض، مع اشتراك الجميع في التعين الواقعي و الجهل الظاهري الذي يناط به الغرر.

و يمكن دفعه: بأنّ ضبط المدّة لا ينحصر في تعيّن الامتداد الزمانيّ، و إلّا لزم أن لا يصحّ التقدير باليوم إذا لم يعلم عدد ساعاته، بل بمطلق ما يقدر به المدة عرفا و يضبطونها به، سواء كان من الساعات أو الأيام أو الشهور أو الأعوام، فإنّ كلّ ذلك من مقادير المدة عرفا، و يتسامحون في التفاوت الذي قد يتّفق بينها، و به ينتفي الغرر الذي مناطه العرف أيضا.

و أمّا تعيينها بسائر الأحوال، كالعيد و وقت الكسوف و نحوهما، فلا يصحّ إلّا مع العلم بوقتها من الشهر، إذ لا فرق بينها و بين ما وقع الاتفاق على المنع فيه بقدوم حاج البلد و إدراك ثمراته.

ثم إنّه كما لا يصحّ ذكر المدّة المجهولة لا يصحّ إهمال المدّة أيضا على الأظهر الأشهر بين من تأخر، لاشتراكهما في الغرر، خلافا لكثير من القدماء، تنزيلا لها

332

بثلاثة أيام، لوجوه قاصرة.

و كما يشترط تعيين آخر المدة يشترط تعيين مبدأها أيضا، و لو مع الفصل عن العقد الذي يقتضي صحّته عموم الأدلّة. و إن أطلق، كان مبدأ الخيار من حين العقد، لكونه المتبادر من الإطلاق. و عن الشيخ (1) و الحلّي (2): أنّ مبدأه في البيع من حين التفرق، و لا دليل عليه، مع كونه مجهولا مؤدّيا إلى جهالة المدّة.

و ثبوت خيار المجلس قبله غير مانع من ثبوته أيضا، كما في اجتماع الخيارين في الحيوان المتفق عليه، مضافا إلى أنّه حكم على المتعاقدين على خلاف قصدهما.

المسألة الثالثة: يجوز تقييد الفسخ المشروط خياره بالمدّة المعيّنة بشيء يقترن به،

و إن جهل وقت حصول القيد في أثناء المدة، و لا يتوهّم استلزامه الجهل بمدّة الخيار، إمّا بدوا كشرط الخيار إلى سنة عند وقوع أمر كذا فيها، أو غاية كشرطه إليها إذا لم يتفق الأمر فيها، فلا يعلم متى يحصل الخيار أو ينقضي فيها، لعدم الجهل بالمدة المقدّرة على حسب الشرط.

نعم، يكون متعلّقه المختار فيه فسخ مقيّد بوصف مخصوص، فمتى حصل الوصف في المدّة صحّ فسخه، بخلافها على الأوّل. و فرق بين المقامين. و كم يختلف الأحكام الشرعية بموضوعاتها باختلاف العنوانات، و يكفيك شاهدا على صحّته، أخبار بيع الخيار بردّ الثمن إلى مدّة سنة و نحوها، مع أنّ الظاهر عدم الخلاف في بطلان تعليقه بأداء الثمن من غير ضبط المدّة، و تصريحهم ببطلان جعل مبدأ الخيار من حين التصرف إلى سنة، مع أنّه لا ينبغي التأمل في صحّة جعله من

____________

(1) الخلاف 3: 33.

(2) السرائر 2: 247.

333

حين العقد إلى سنة بشرط التفرّق أو كون الفسخ بمحضر زيد الغائب الذي لا يعلم وقت حضوره فيها.

و كون القيد في مثل ردّ الثمن المنصوص علي صحّته في الفتاوى و الأخبار، و نحوه فعل ذي الخيار نفسه، لا يتفاوت به الحال، لإمكان عدم علمه بزمان قدرته، و عدم تعيينه من الأزمنة المقدورة، مع أنّه غير مقدور للمشروط عليه الذي هو أحد طرفي العقد، و لا يعلم متى تؤدّيه المشروط له.

و من هذا يظهر الفرق بين تقييد الفسخ بقدوم الحاجّ في المدّة المضبوطة كسنة، و بين ضبط المدة بقدومهم، فيصحّ الأوّل دون الثاني.

و ينقدح- أيضا- عدم صحّة جعل الخيار إلى حياة المشروط له، و يصحّ جعله إلى عشرة أو عشرين بشرط حياته، و لازمه عدم انتقال الخيار- حينئذ- إلى الوارث.

فإن قلت: منشأ البطلان في عدم ضبط المدة كقدوم الحاجّ مثلا حصول الغرر، و هو بعينه حاصل مع الجهل بوقت حصول قيد الفسخ، كقدومه في السنة.

قلت: المنهيّ عنه هو البيع الغرريّ، و هو فيما تعلّق بالمجهول، و لو هو شرطه في الجهل بالمدة، كما في الأوّل. و في الثاني تعلق بأمر معلوم و شرط معلوم بوصف معيّن، فلا غرر في نفس البيع و شرطه المقرّر، و إن لم يعلم حصول أصل هذا الوصف، فضلا عن وقت حصوله في المدة المعيّنة المعلومة. ألا ترى أنّه لا يصحّ بيع الفرس الشارد، و يصحّ بيع فرس موصوف بمثل وصف هذا الفرس، و إن لم يعلم قدرة البائع على تحصيله أو زمان حصوله له.

المسألة الرابعة: يصحّ أن يبيع شيئا و يشترط الخيار لنفسه مدّة معيّنة،

بأن يردّ فيها الثمن، أو في آخرها، و يرجع المبيع. و يسمّى البيع المضاف إليه مع الخيار، لما

334

أشرنا إليه من العمومات (1)، مضافا إلى خصوص النصوص (2) المستفيضة الناطقة برجوع المبيع بردّ الثمن في المدّة المعيّنة إذا اشترط ذلك في العقد.

و الأخبار المصرّحة (3) بهذا الشرط لا يخلو في جليل النظر عن إجمال في حملها على كون الردّ شرطا لحصول الخيار، فيتوقف الرجوع إلى المبيع على الفسخ بعد الردّ، أو فسخا فعليا، أو قيدا للفسخ، بمعنى أنّ له الخيار في المدة المقرّرة على وجه مقارنة الفسخ لردّ الثمن أو تأخّره عنه.

و لعلّ ظاهرها الأخير كما فهمه أكثر الأصحاب. و حملها بعضهم على الثاني (4)، استظهارا لدلالة عود المبيع بمجرّد ردّ الثمن الذي هو مدلول الأخبار، على كونه فسخا فعليّا. و هو غير بعيد، بل على جعل الردّ شرطا لحصول الخيار يمكن القول بتحقق الفسخ بالفعل أيضا، و هو قبض المبيع بعد الردّ.

و كيف كان، فقيل: لا يكفي مجرّد ردّ الثمن في الفسخ في بيع الخيار. بل ربما نسب ذلك إلى ظاهر الأصحاب (5)، فإن أريد به الخيار المشروط بالردّ، فله وجه، إلّا أن يختصّ ذلك بما إذا جعل ثبوت الخيار مشروطا بالردّ. و أمّا إذا جعل قيدا مقترنا بالفسخ، فلا، لحصول الفسخ- حينئذ- بنفس الردّ الذي هو فسخ فعليّ، فيتحقّق المقيد و القيد بوجود واحد، كما عرفت، سيما مع التصريح بذلك في شرط الخيار، بأنّه من بيع الخيار قطعا.

____________

(1) التهذيب 7: 371، الحديث 1503؛ الاستبصار 3: 232، الحديث 835.

(2) جواهر الكلام 23: 36.

(3) وسائل الشيعة 18: 18، كتاب التجارة، الباب 7 من أبواب الخيار، الرواية 23045، و الباب 8 من هذه الأبواب.

(4) جواهر الكلام 23: 38.

(5) نفس المصدر.

335

و إن أريد أنّ مجرّد الردّ لا يدلّ على الفسخ مطلقا، فهو من أغرب الأقاويل، سيما مع دعوى ظهور اتّفاقهم عليه، لاعترافهم بحصول الفسخ بفعل أخفى منه دلالة عليه، فكيف يدعى النفي مطلقا، سيما إذا اقترن الحال بما يشهد بقصده الفسخ منه.

و مع ذلك يدلّ عليه الأخبار المشار إليها، كرواية معاوية بن ميسرة (1)، الناطقة بعود الملك بمجرّد ردّ الثمن، فإنّه لا يصحّ توجيهه إلّا بجعله فسخا فعليا.

نعم، إذا كان المقام مما لا يدلّ فيه مجرّد الردّ على الفسخ عرفا أمكن منع حصول الفسخ به، بل و إن علم قصده الفسخ به من غير دلالة ظاهرة عرفية له عليه، لاشتراط كون الفعل الفاسخ كاشفا عنه بالقرينة الظاهرة، و إلّا لاكتفى في الفسخ بالنيّة، إذا علم منه ذلك، من غير توقّف على الفعل الكاشف عنه، و هو خلاف ما اتفقوا عليه.

و بالجملة: حكم الفعل في ذلك حكم ألفاظ العقود و الإيقاعات التي صرّحوا باشتراط كونها دالة على المعاملة المقصودة و كاشفا عنها دلالة ظاهرة لغوية أو عرفية، و لا يكفي مجرّد القصد بمطلق الألفاظ، و إن علم ذلك، و بالجملة: المانع عن حصول الفسخ بغير ما ذكر من الفسخ الفعليّ ستظهر (2)، كما هو كذا في الفسخ القوليّ.

المسألة الخامسة: إذا لم يقبض البائع الثمن في بيع الخيار حتى انقضت المدة،

معيّنا كان الثمن أو كلّيا في الذمّة، فهل له الخيار في المدّة أو مطلقا، أو ليس له خيار؟

فيه وجهان: من كون عدم القبض في حكم الردّ، لاشتراكهما في الفائدة المقصودة، فله الخيار، و من أنّ الخيار شرط على تقدير الردّ المستلزم للقبض

____________

(1) وسائل الشيعة 18: 20، الباب 8 من أبواب الخيار، الرواية 23049.

(2) كذا في النسخ.

336

و معلّق عليه، و حيث لم يتحقّق حتى انقضت المدة فلا خيار له.

و يشكل الوجهان بأنّ لازم الأوّل ثبوت الخيار منجّزا للبائع من حين وقوع العقد، حيث لم يقبض الثمن بعد، فيكون مسلطا على عدم قبول المثمن، و فسخ البيع و إن أقبضه المشتري، و هو خلاف التعاهد منهما المعقود عليه، و استلزم الثاني كون ثبوت الخيار للبائع بعد العقد بيد المشتري، لاستلزامه لزوم البيع على البائع إذا لم يقبضه المشتري، و هو كما ترى.

و الأوجه: أنّ له الخيار، لكن لا خيار الشرط بل خيار الاشتراط بعد انقضاء المدّة، نظرا إلى أنّ المتبادر- بل المعلوم- من قصد المتبايعين من إثبات الخيار للبائع بعد ردّه الثمن إرفاقا له التزام المشتري بهذا الشرط على إعطاء الثمن إيّاه في المدّة المقرّرة التي يتوقّف عليه الخيار، و دلالته عليه التزاما لفظيا و مع عدم وفاء المشتري به كان للبائع بعد المدة خيار تخلفه عن الشرط.

المسألة السادسة: إذا امتنع في بيع الخيار ردّ الثمن في زمانه إلى المشتري بنفسه أو وكيله أو وليّه لغيبته اختيارا أو اضطرارا أو نحوها،

فهل يحصل الشرط بردّه إلى الحاكم، كما يظهر من المحقق القمّي، في أجوبة مسائله، أم لا- كما عن بعض معاصريه في المناهل (1).

و ربما يظهر من بعضهم كونه أمانة في يد البائع، بل ادّعى اتفاقهم عليه. و الأقوى أنّه إن صرّح في الشرط بردّ الثمن إلى بدل المشتري كوكيله المطلق أو الحاكم أو عدول المؤمنين، فهو، و يحصل الفسخ بردّه إليه، و إن لم يصرّح به، فالمعتبر قصد المتبايعين بملاحظة قرائن المقام و شواهد الحال، فإن كان خصوص المشتري بنفسه، كما عند التصريح به، فلا يقوم غيره مقامه في حصول الشرط بردّه إليه،

____________

(1) المناهل: 324.

337

و تضرّر البائع بسقوط خياره- حينئذ- حصل بإقدامه عليه، و إن كان المقصود رجوع الثمن إلى ملك المشتري كيف اتّفق، كما هو الظاهر من حال الناس في المبايعات الخياريّة غالبا، فيقوم الوليّ مقامه عند تعذّر الردّ إليه، إذ له التصرّف في حفظ مال الغائب.

قيل: إنّ الحاكم إنما يتصرّف في مال الغائب على وجه المصلحة، و قبض الثمن الموجب لرفع تسلّط الغائب خلاف مصلحته.

و أجيب عنه: بأنّ هذا ليس تصرّفا اختياريا من قبل الوليّ حتى يناط بالمصلحة، بل البائع حيث وجد من هو منصوب شرعا لحفظ مال الغائب صحّ له الفسخ إذ لا يعتبر فيه قبول المشتري أو وليّه للثمن، حتى يقال: إنّ ولايته في القبول متوقفة على المصلحة، بل المعتبر تمكين المشتري أو وليّه منه إذا جعل الفسخ.

و يمكن المناقشة فيه بأنّ الفسخ لا يحصل إلّا بقبض الوليّ الذي هو في حكم الردّ المتوقف عليه الفسخ، و ما لم يتحقّق لا يصير الثمن مال الغائب، حتى كان على الوليّ حفظه بصيرورته ملكا له بعد تمكين الوليّ من قبضه، و هو خلاف مصلحة الغائب.

اللهم إلّا أن يقال: إن قيام الحاكم مقام الغائب في اختيار قبضه ليس من باب ولايته على مصلحة الغائب و حفظ ماله، حتى كان باختياره اللازم عليه رعاية المصلحة فيه، بل لنفي الضرر عن البائع، فكما وجب على المشتري التمكين من القبض، كذا يجب على الحاكم عند غيبته. و اختصاصه بتلك النيابة الشرعية القهرية لكونه المتيقّن ممن احتمل نفوذ عمله شرعا في أمثال ذلك.

و منه يظهر أنّه مع عدم التمكن من الحاكم يصحّ من غيره من عدول المؤمنين، حذرا عن المحذور المذكور.

338

المسألة السابعة: يجوز شرط البائع في بيع الخيار الفسخ في كل جزء بردّ ما يخصّه من الثمن كما صرّح به بعض الأجلّة،

لعموم أدلّة الشرط.

و لا يتوهّم عدم تجزي العقد فلا ينفسخ بعضه و يبقى بعض آخر، لأن العقد و إن كان واحدا إلّا أن متعلقه أمور متعدّدة غير ارتباطية، يستقلّ كلّ منها في حصول أثر العقد فيه، كما أشرنا إليه آنفا و بسطنا الكلام فيه سالفا، عند بيان عدم فساد العقد بفساد بعضه و حصول التبعّض منه، فلا يستلزم حلّ العقد بالنسبة إلى بعض حلّ الكلّ، فيصحّ وقوع الشرط عليه.

نعم، عند إطلاق الشرط ينصرف إلى فسخ الكلّ، فالتجزئة- حينئذ- خلاف مقتضى الشرط. و الظاهر صحّة التجزئة بالنسبة إلى شروط سائر العقود، إلّا إذا منعه مانع.

339

[المشرق التاسع عشر] [في خيار الغبن]

مشرق: و من الخيارات خيار الغبن، و فيه مسائل:

المسألة الأولى: الغبن، تمليك ماله بما يزيد على قيمته عادة مع جهل الآخر.

و يسمّى المملّك غابنا، و الآخر مغبونا.

فيشترط في تحقّقه أمران:

الأوّل: صدق الزيادة عرفا و عادة، بحيث لا يتسامح به في العرف، بل كان التفاوت فاحشا، كما صرّحوا به. و فرع عليه أنّ الواحد بل الاثنين في العشرين لا يوجب الغبن، و وجهه، أنّ المناط فيه الغرر، و هو غير منضبط في الأغراض و المعاوضات عرفا باختلافات يسيرة فما يتسامح الناس فيه لا يبني عليه الغبن.

و قد يختلف القيم بلحوق بعض العوارض المتجدّدة في أشخاص الوقائع، فهي أيضا معتبرة في تشخيص الغبن و عدمه، كشرط خيار أو ضرورة ملجئة للمغبون و لو كانت شرعية، كشراء ماء الوضوء بأضعاف قيمته، و العبرة في ذلك بالضرر العرفيّ.

الثاني: عدم علم المغبون بالقيمة، فلا خيار- بل لا غبن- مع العلم، لكونه فيما فيه الانخداع، كما هو مفهومه لغة، و هو منتف إذا أقدم على ضرر نفسه.

340

و لا يتفاوت فيه الجهل البسيط و المركّب و الغفلة مع سبق العلم به. و قد يستشكل في الشاك، لأنه إذا أقدم كان بانيا على تحمله، فهو في حكم العالم.

و فيه- مضافا إلى منافاته لإطلاق كلماتهم- أنه إذا أقدم عليه رجاء التساوي أو النفع، واثقا بثبوت الخيار له على ظهور الخلاف، فليس مثل العالم. نعم، لو صرّح في العقد بالإلزام- و لو على ظهور الغبن- كان هذا إسقاطا للغبن.

و المعتبر: القيمة حال العقد، فلا عبرة بالزيادة بعده، و لا يسقط بها خياره، و لو قبل اطلاعه بالغبن.

و احتمال سقوطه لحصول تدارك الضرر الموجب للخيار قبل الردّ مدفوع: بأنه حصل في ملكه، لا من تمليك الغابن الذي هو منشأ الخيار.

ثمّ الجهل يثبت بإقرار الغابن، و البيّنة، و بقول مدّعيه مع احتماله، و لو بيمينه:

لأصالة عدم العلم، و لا يعارضه أصل اللزوم، لكونها موضوعية، فهي واردة عليه و مزيلة له، و هو حكمي كما قررناه في محلّه.

المسألة الثانية: يثبت الخيار مع الشرطين على المعروف بين الأصحاب و المحكيّ عليه الإجماع مستفيضا.

و في التذكرة احتجّ عليه بقوله تعالى إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ (1).

و فيه تأمّل لكونه حقيقة في التراضي الفعليّ الحاصل عند العقد.

و ربما يستدلّ بقوله تعالى وَ لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ (2) و هو مشكل أيضا، بل الأصل في المسألة- كما علّل به في التذكرة (3) و غيره- لزوم الضرر المنفيّ

____________

(1) النساء (4): 21.

(2) النساء (4): 29.

(3) تذكرة الفقهاء 1: 552.

341

لولاه فإنّ لزوم المعاملة الغبنية مع جهل المغبون حكم ضرريّ منفيّ في الإسلام، و نفيه وارد على حكم لزوم البيع، حسب ما تقرّر في مقامه و ليس له إلزام الغابن بردّ الزائد، لأنه ضرر عليه مع تمكنه الردّ. و إمكان نقض البيع و هل هو إلّا كإجبار الإنسان على بيع ماله و رفع تسلطه عنه؟

نعم، مع بذله الأرش اختيارا يشكل الحكم بثبوت الخيار للمغبون، لانجبار ضرره به، كما عليه جماعة منهم والدي العلّامة (1).

و ما في الإيضاح (2) و جامع المقاصد (3) من الاستدلال على عدم سقوط خياره مع الأرش، بالاستصحاب، و بأنّ بذل التفاوت لا يخرج المعاملة عن كونها غبنية، لأنها هبة مستقلّة، حتى أنّه لو دفعه على وجه الاستحقاق لم يحلّ أخذه، يضعّف بمنع ثبوت الخيار أوّلا حتّى يستصحب، لأن الضرر الموجب له يختصّ بصورة امتناع الغابن عن بذل التفاوت، فالشكّ يرجع إلى المقتضى الثانويّ الممنوع عنه الاستصحاب، و يمنع كون البذل هبة مستقلة، كما ليس جزء للعوض، بل كما قيل يمكن كونه غرامة لما فات على المغبون و تداركا لما فات عنه، لئلا يحصل الخيار الناشئ منه.

المسألة الثالثة: الظاهر: أنّ الخيار منوط بالغبن واقعا

و إن كان قبل ظهوره للمغبون و توقف سلطنته الفعلية، و تدارك هذا الحقّ الواقعي على ظهوره.

و ما يظهر من بعض العبارات من أنّ ثبوته بعد ظهور الغبن، يمكن حمله على التسلط الفعلي المشروط بالعلم، من قبيل العلم بحكم خيار الحيوان، و يشعر به

____________

(1) مستند الشيعة 2: 385.

(2) إيضاح الفوائد 1: 484.

(3) جامع المقاصد 4: 295.

342

تعليلهم المنع من التصرفات الناقلة قبل ظهور الخيار بكونها مفوتة لحق ذي الخيار.

و يظهر الثمرة في صحّة إسقاطه في ضمن العقد.

المسألة الرابعة: يسقط خيار الغبن بأمور:

الأوّل: التصرف، بلا خلاف فيه في الجملة.

و تفصيله: أنّ التصرف إمّا من الغابن، فيما وصل إليه، أو من المغبون.

أمّا تصرف الغابن: فالظاهر بقاء خيار المغبون معه و لو مع تلف العين، للاستصحاب، و لنفي الضرر الذي هو مناط الأصل. و لا ينافيه التلف، لما سيأتي في البحث الآتي.

و دفع الضرر بإجبار الغابن على الأرش ضرر عليه، كما مرّ، فلا يصار إليه.

ثمّ تصرفه إمّا بإخراجه عن ملكه، أو بتغيره العين، أو بإتلافه، أو بتلفه بآفة في يده.

فإن كان بإخراجه عن ملكه، كالوقف و العتق و البيع اللازم و نحوها، ففي تسلّط المغبون بخياره على إبطال المعاملة المتجدّدة، كما في الرهن و الشفعة، نظرا إلى تعلّق حقّ الغير بالعين، فيوجب تزلزله من رأس أو من حين ظهور الخيار، أو على رجوعه إلى البدل، وجهان: أجودهما الثاني، لوقوع العقد الثاني في ملكه.

و تعلّق حقّ الغير بالعين إنما هو مع بقاءها على ملكه عند الفسخ، و مع عدمه يتعلق حقه بالبدل الذي لا ينافيه الخيار، كما أشرنا إليه، و يأتي بيانه.

و لا يتوهم: أن حقّه إعادة العين إلى ملكه، لأنه لو سلم ذلك، فهو في الخيارات التعبدية، لا الغررية، مع أنه فيها على الإطلاق محل كلام أيضا.

و أما في الخيار الذي منشأه نفي الضرر، كما في الفرض فلا يقتضيه، لحصول جبره بالبدل، فلا يعارض دليل الخيار أدلّة لزوم تلك المعاملات اللاحقة، مع أن

343

لازم الخيار رجوع العين عن ملك الغابن إلى المغبون لا المشتري الثاني.

نعم، عند بقاء العين، لا يجبر ضرر المغبون بالبدل، لأنّه ضرر على الغابن، إلّا إذا أقدم نفسه عليه، فيجبر بالأرش لا بالخيار، كما سمعت.

و من هنا يظهر احتمال قويّ للرجوع إلى البدل أيضا، فيما إذا خرج بالعقد الجائز عن ملك الغابن، و إن أمكن له تحصيل الغبن بفسخ الجائز و ردّها إلى المغبون، نظرا إلى عدم اقتضائه الخيار عند خروجه عن ملكه، و ملكه البدل.

و يحتمل وجوبه عليه- حينئذ- باعتبار دلالة شرط الخيار عليه دلالة التزامية عرفية، فكان من قبيل الشرط الضمنيّ. نعم، قبل فسخ المغبون [لا] يتعين عليه ردّ العين بلا إشكال.

و إن كان تصرّف الغابن بتغيّر العين، فإن لم يكن له أرش يردّ العين، و وجهه ظاهر، و إن تغيّرت بنقيصة أو زيادة أو مزج، ففي النقيصة يردّ العين بالفسخ و يعوض النقص؛ لأنّ العين تردّ إلى المالك بالفسخ الموجب للتمليك. و الفائت مضمون على الغابن، لأنّه الجزء الفائت، كما كان عليه عوض الكلّ عند تلف الكلّ.

و هل من ذلك ما لو آجره قبل فسخ المغبون؟ يظهر من بعض الأفاضل عدمه، و لزوم الصبر على الفاسخ إلى انقضاء بقية مدة الإجارة، من غير وجوب بذل عوض المنفعة المستوفاة بالنسبة إلى بقية المدة بعد الفسخ، مستدلّا عليه بأنّ المنفعة من الزوائد المنفصلة المتخلّلة بين العقد و الفسخ، فهي ملك للمفسوخ عليه، و المنفعة الدائمة تابعة للملك المطلق، فإذا تحقق في زمان ملك منفعة العين بأسرها، انتهى.

و يظهر من المحقق القمّي انفساخ الإجارة بفسخ البائع بخياره المشروط له في البيع، لأنّ ملك منفعة الملك المتزلزل متزلزل، و منعه الأوّل بمنع تزلزل ملك المنفعة.

344

و عن العلّامة في القواعد (1)، فيما إذا وقع التفاسخ لأجل اختلاف المتبايعين: أنه إذا وجد البائع مستأجرة كانت الأجرة للمشتري الموجود، و وجب عليه للبائع أجرة المثل للمدّة الباقية بعد الفسخ.

و عن شراح الكتاب تقريره.

أقول: يمكن دفع الأوّل بأنّه لو سلّم تبعية ملك المنفعة الدائمة للملك المطلق، لا يستلزم عدم وجوب بذل عوض المنفعة المتجدّدة بعد الفسخ، بل غاية ذلك صحّة تمليكها، كما صحّ تمليك العين، و كون متعلّق الإجارة بالنسبة إلى منافع بقية المدّة، من المنافع المتخلّلة بين العقد و الفسخ، التي هي غير مضمونة على الغابن ممنوع جدا، كيف و خلوّ العين من المنفعة بعد الفسخ من النقص الحكميّ للعين، فيكون مضمونا على الغابن، و يقتضيه ما يقتضي ضمان نفس العين من نفي الضرر حسب ما مرّ.

نعم، بما ذكره يمكن المناقشة على ما أفاده الثاني من بطلان الإجارة للغابن و ضمانه للمغبون بأجرة المثل للمدّة الباقية.

و أمّا الزيادة: فإن كانت حكمية محضة، كقصارة الثوب و تعليم الصنعة، فقال الفاضل المتقدّم: الظاهر ثبوت الشركة فيه بنسبة تلك الزيادة، بأن يقوّم معها و لا معها، و يؤخذ النسبة.

و لا يخفى أنّه، إن أراد الشركة في العين على حسب النسبة، يرد عليه: أنّ الزيادة في الفرض ليست جزءا عينيا، بل هي من أوصاف العين. و إن أراد الشركة في القيمة، فله وجه.

و يحتمل قويا كون الوصف تابعا للموصوف، فيملكه المغبون بالفسخ، من قبيل النماء المتصل.

____________

(1) قواعد الأحكام 1: 143.

345

نعم، إن كان ذلك بعمل الغابن لا يبعد استحقاقه الأجرة، لنفي الضرر، كما احتمله والدي العلّامة (1).

و إن كانت عينية فهي للغابن، و عليه تخلية العين عنها. فإن استلزم تفكيكها عنها ضررا عليه في عين الزيادة، كالغرس، ففيه وجوه بل أقوال:

من تسلّط المغبون على القلع بلا أرش، كما عن المختلف (2) في الشفعة، نظرا إلى أن صفة كونه منصوبا المستلزمة لزيادة قيمته عبارة عن كونه في مكان صار ملكا للغير، فلا حقّ للغارس، مضافا إلى أنّ الفائت لما حدث في ملك معرض للزوال، لم يجب تداركه.

و من عدم تسلطه عليه مطلقا، كما عن المشهور، فيما إذا رجع بائع الأرض المغروسة بعد تفليس المشتري استنادا إلى أنّ الغرس المنصوب الذي هو للمشتري مال مغاير للمقلوع عرفا.

و من تسلّط عليه مع الأرش، كما عن المسالك (3)، لكون الغرس وقع في ملك متزلزل، و لا دليل على استحقاق الغارس البقاء على الأرض.

أقول: لا شبهة في أنّ مال الغارس هو الغرس بهيئته المنصوبة، لأنه ملكه شرعا بتلك الهيئة قبل الفسخ، فلا وجه لخروج الهيئة الموجبة لزيادة القيمة عن ملكه بعد الفسخ، و كذا الظاهر أنّ الأرض الفارغة عن الغرس مال صاحب الأرض، لأنها بتلك الهيئة ملكه سابقا الذي يعود إليه بالفسخ، و لا تنافي بين الملكين، لأنّ استحقاق البقاء المنافي لملكية الأرض الفارغة غير الهيئة المنصوبة، كما في البناء

____________

(1) مستند الشيعة 2: 385.

(2) مختلف الشيعة 5: 93.

(3) مسالك الأفهام 3: 207.

346

المستحدث عدوانا في أرض الغير، فإن هيئة البناء مال الثاني، و إن كان صاحب الأرض مسلّطا على تخريبه و إعدامها، غير أنّه فيما نحن فيه إحداث الهيئة بإذن الشرع، و يكون كغرس المستأجر في العين المستأجرة المالك لمنفعتها عند انقضاء مدة الإجارة، فهو من باب تداخل شيئين يكون تخليص أحدهما من الآخر من غير بذل الأرش موجبا للضرر، فيتعارض الضرران، فلا بدّ من الحكم ببذل صاحب الغرس أجرة المغرس لصاحب الأرض و إبقائه لهيئة المنصوبة، أو بذل صاحب الأرض أرش القيمة و قلع الغرس، إلّا أنّ إلزام الثاني بالأرش ضرر عليه، لا نفع له في مقابله، لاستحقاقه الأرض الفارغة كما كانت قبل البيع، و لا هكذا الأوّل، لأنّ الأجرة عوض المنفعة التي يستوفيها بإبقاء ملكه، أعني الهيئة المنصوبة، لما عرفت أنها لا يستلزم استحقاق البناء، و عدم التنافي بينهما، فلازم ذلك تخيير صاحب الأرض في القلع مع تحمل ضرر الأرش، و أخذ الأجرة و إبقاء الغرس.

و التخيير بين الحكم الضرري و غيره ليس ضررا منفيا، لأنّه منوط باختياره و إقدامه.

و هل على صاحب الغرس قبول الأرش إن بذله صاحب الأرض؟

الظاهر: نعم، لحصول جبر ضرره- حينئذ- بالأرش، و رجوع منفعة البقاء إلى المالك بالفسخ، فلا خيرة له في الإبقاء.

و إن كان التغيّر بالامتزاج، فإن كان بغير الجنس مع الاستهلاك في مال الغابن، كامتزاج ماء الورد بالسمن، فالظاهر: أن حكمه حكم التلف، و مع عدم الاستهلاك، فلا يبعد كونه كذلك أيضا، كما قال والدي العلّامة (1)، لأنّه طبيعة ثانية، و يحتمل الشركة بنسبته القيمة على إشكال.

____________

(1) مستند الشيعة 2: 385.

347

و إن كان بالجنس، فبالمساوي يثبت الشركة، و بالأردإ يحتملها و يحتمل التسلط على الأرش قيمة أو مثلا، و بالأجود يثبت الشركة، و على المغبون ما سيأتي في تصرفه بالزيادة.

و إن كان تصرف الغابن بالإتلاف، أو حصل التلف عنده بآفة، فالظاهر بقاء الخيار و الرجوع إلى القيمة، و إن كان بإتلافه الأجنبيّ، فللمغبون الفسخ بعد ظهور الغبن، سواء أتلفه قبله أو بعده، و له الرجوع إلى الغابن، و للغابن الرجوع إلى المتلف، و يرد ما أخذه المغبون من المتلف، و يرجع الغابن عليه بقيمة يوم التلف أو يوم الفسخ.

و إن كان المغبون أبرأه من العوض قبل الفسخ، فلا يبعد كونه مضمونا عليه للغابن- أيضا- بعده، لأنّ إبرائه في حكم القبض.

و هل يعتبر في البذل قيمته يوم التلف أو الفسخ.

لعل الأوّل أظهر، كما عن الأكثر.

و أمّا تصرف المغبون: فإن كان بعد العلم بالغبن و الخيار، فيسقط خياره، كما صرّح به غير واحد، لعموم العلّة المستفادة من النصّ في خيار الحيوان، من كون التصرف رضى فيه (1) و لو بمجرّد الملك، على ما عرفت وجهه و بيانه، و به يرتفع الاستصحاب.

و الاستدلال عليه بأنّ دليل هذا الخيار إن كان الإجماع، فليس هنا، أو نفي الضرر فلا يجري مع الرضا به، كما لا يجري مع الإقدام، مع أنّه يعارضه ضرر الغابن فيما يوجبه ضمان البدل: مخدوش بأن الخلاف لا ينافي انسحاب حكم الإجماع بالاستصحاب، كما تقرّر في الأصول. و دلالته على الرضا بلزوم العقد يتمّ كما تقدم،

____________

(1) لعلّ الصحيح: رضى به.

348

فليس كالإقدام على الضرر، سيما بالنسبة إلى التصرفات الغير المتلفة و المغيرة و غير الموجبة لاختلاف القيمة. و حصول الضرر على الغابن بعد الفسخ يجبر بضمان المغبون المتصرف له بالتفاوت الذي حصل التصرف (1) او العوض عند التلف.

و إن كان تصرفه قبل العلم بالغبن فلا يسقط به خياره، و إن كان بإتلافه العين، لما عرفت من عدم استلزام الخيار التدارك بردّ العين، فعند الفسخ- حينئذ- يأخذ ماله من الغابن و يردّ على الغابن بدل التالف أو العين مع أرش النقص إن نقصت، و مع الزيادة فحكمه ما مرّ في حصول الزيادة بتصرّف الغابن.

الثاني: من مسقطات خيار الغبن إسقاطه بعد العقد،

و هو على وجوه، لأنّه إمّا بعد العلم بالغبن أو قبله، و على التقديرين فإسقاطه إمّا لا بعوض أو بعوض صولح به.

فإن كان بعد العلم لا بعوض، فلا إشكال في سقوطه مع العلم بمقداره أو إسقاطه بجميع مراتبه كيف ما كان من درجات الغبن، و مع الجهل بالمقدار و الإطلاق، زعما بكونه عشرة فظهر مائة، فاحتمل فيه الوجهان: من كونه بغير طيب نفسه و من كون الخيار أمرا واحدا مسببا عن مطلق التفاوت الغير المتسامح به، و لا تعدد فيه، فيسقط بمجرّد الإسقاط.

و الأشبه: الأوّل، فلا يسقط لنفي الضرر الموجب لأصل الخيار ابتداء، بل يمكن القول بعدم تعلق الإسقاط به واقعا؛ لأنّ الغبن الذي تعلق به العقد و وقع عليه إنشاء الإسقاط في الإطلاق- حينئذ- هو العشرة، باعتقاد كونها الغبن الواقعي المصروف إليه الإطلاق بزعمه، القابل لكونه محمولا عليه لغة و عرفا. و بعبارة أخرى تعلّق بالغبن الواقعي على كونه عشرة، فإذا انكشف الخطاء و ظهر كونه مائة تبيّن عدم قصده.

____________

(1) بالتصرف (خ).

349

و بالجملة: المقصود من اللفظ المطلق و إن كان هو الغبن الواقعي، لكن بوصف كونه عشرة، لا على كون الوصف تعليليا، من قبيل الدواعي التي لا أثر لها في العقد، بل على جهة كونه قيدا للواقع، فلا يسقط به باقيه و ذلك بخلاف ما إذا صرّح بالمائة أو بما يشمله صريحا، و إن كان اعتقاده أنه عشرة، بحيث لولاها لما أسقط، كقوله: أسقطت الغبن و إن كان مائة، أو: و إن بلغ أعلى المراتب، فإن ما استعمل فيه اللفظ- حينئذ- هو الكثير أو ما يشمله قطعا، فتعلق به الإنشاء، و إن كان إقدامه عليه من جهة اعتقاد كونه الأقل، فإنّه- حينئذ- من باب الداعي الغير المعتبر في القصد.

و ما قيل: إنّ الخيار أمر واحد مسبّب عن مطلق التفاوت الغير المتسامح به، فيسقط بمجرّد الإسقاط، فهو كذلك بحسب الحكم الكلّي الشرعي، و أما في خصوص الموارد، فهو منوط بالتفاوت المنظور للعاقد.

ثم لو وقع التشاجر و تنازعا، فادّعى ذو الخيار: أسقطت خياري لعشرة قصدته، فظهر كونه عشرين مثلا، فإن كان هذا المقدار داخلا في المقادير المحتملة من الغبن في تلك المعاوضة، بحسب المتعارف بين الناس، قدم قول الغابن، عملا بإطلاق الإسقاط المقتضي للسقوط، و إن كان زائدا عن الحدّ المتعارف لم ينصرف إليه الإطلاق، فيقدم قول المغبون.

و إن كان الإسقاط بعد العلم بالغبن بعوض صولح عنه به، فإن علم مقدار التفاوت، أو صرّح بعموم المراتب، فلا إشكال في السقوط و لزوم المصالحة، و إن لم يعلمه و لم يصرّح بالعموم، فإن لم يتجاوز عن الحدّ المتعارف في صلح خيار مثل هذا الغبن بهذا العوض، يلزم الصلح، كما إذا وقع الصلح عن الخيار بدرهمين، و ظهر التفاوت ثلاثة. و إن كان أزيد من الحدّ المتعارف في مثله، كما إذا كان التفاوت

350

عشرين و وقع الصلح بأربعة، فالظاهر ثبوت خيار الغبن في تلك المصالحة أيضا، لعين ما دلّ عليه في خيار أصل المعاملة.

و إن كان إسقاط الغبن عند العقد قبل ظهور الغبن، فالظاهر جوازه أيضا، كما صرّح به غير واحد.

و لا يتوهّم كونه من إسقاط ما لم يجب، لما أشرنا و سنشير إلى أنّ ظهور الغبن كاشف عن الخيار، لا محدث له. و لا هو من باب التعليق الممنوع في العقود و الإيقاعات، لأنّ الممنوع ما كان من ألفاظ العقود و الإيقاعات و صيغها، سواء كان على أمر واقع أو متوقع، و لا مانع منه في غيرها، كطلاق مشكوك الزوجية، و إعتاق مشكوك الرقّية، و بيع مشكوك الملكية، ما لم يوقع الصيغة فيها بصورة التعليق، بل لا نسلم المنع أيضا في اللفظي في مثل الإسقاط و الإبراء و الإذن، بل الفسخ و نحوها، مما كان اشتراطها من جهة الإخبار عما في الضمير و الإرادة القلبية، لا من باب الأسباب التعبّدية، و لذا يصحّ الإبراء بقوله: أبرأت ذمّتك إن كانت مشغولة لي، و لا يصحّ أن يقال: بعتك إن كان ملكي، و سرّه ما ستعرف [من] أنّه لا يعتبر في أمثال ما ذكر الإنشاء اللفظي، كما يشترط في الصيغ الشرعية، بل مطلق ما يكشف عن الإرادة الفعلية القلبية التي هي السبب المؤثر، غاية الأمر اشتراط مقارنتها بقول أو فعل دال عليها، و هذا هو التوجيه الصحيح لحصول الفسخ و التمليك معا بلفظ واحد في مثل بيع ذي الخيار، كما مضى و ستعرفه مما يأتي.

ثمّ الكلام في شمول الإسقاط لجميع مراتب الغبن حيث لم يصرّح بها، مثل ما تقدّم في صورة الإسقاط بعد ظهور الغبن.

و إن كان إسقاط الخيار قبل العلم بالصلح عنه بعوض، فقد يستشكل فيه بأنّ المصالحة العوضية لا بدّ لها من ثبوت شيء بإزاء المصالح بها و هو غير معلوم.

351

و يمكن دفعه بأنّ الغبن المحتمل الموجب للخيار على تقدير كونه مما يبذل في مقابله عرفا، فالمقابل للعوض هو الحقّ المحتمل، و هو بهذا الاعتبار حقّ محقق، فيصحّ الصلح عنه، بل لو تبيّن بعده عدم الغبن لا يسترد العوض أيضا، لأنّه حين المصالحة كان مما يبذل عنه، و لم يكن مراعى، فتفطن.

نعم، لو ضمّ شيء إلى المصالح عنه المجهول، أو ضمّ سائر الخيارات إليه، كان أولى، و يكون دخول المجهول- حينئذ- على تقدير ثبوته، لا متنجزا باعتبار الوجود.

الثالث من المسقطات: إسقاط حق الخيار بالشرط في ضمن العقد.

و الإشكال في كونه مخالفا للسنّة، و العدول عنه إلى شرط عدم الفسخ، لئلا يرجع الشرط إلى نفي الحكم الشرعي، قد تقدّم دفعه في بحث الشروط، مع أنّ سقوطه بشرط عدم الفسخ مبنيّ ظاهرا على اقتضاء النهي في المعاملة الفساد، و هو محلّ الكلام فيما لم يكن متعلّق النهي نفس المعاملة، فتأمل.

و عن الصيمري في غاية المرام (1): بطلان العقد و الشرط و عن المحقق الكركي (2) التردّد فيه مستظهرا للصحّة.

و استظهر الشهيد في الدروس (3) بطلان العقد: للزوم الغرر، و فيه: أنّ الجهل بالقيمة لا يوجب الغرر، لأن الغرر المنفيّ إنما هو فيما إذا رجع الجهل بنفس المعاوضة في المتعاوضين، كالبيع (4) وجودا أو صفة أو حصولا و إلّا كان الجهل بالقيمة مبطلا للبيع

____________

(1) غاية المرام 2: 33.

(2) جامع المقاصد 4: 302.

(3) الدروس الشرعية 3: 275.

(4) كالمبيع (ظ).

352

من أصله، مع أنّه لو كان غرريا لم يخرجه الخيار عن موضع الغرر حتى كان اسقاطه موجبا لثبوته، و لعلّه لذا احتمل ثانيا الصحة.

المسألة الخامسة: اختلفوا في كون هذا الخيار فوريا،

كما عن المشهور، لعموم أدلّة اللزوم، فيقتصر على المخرج بالقدر المتيقّن، أو على التراخي، للاستصحاب.

و نظر بعض أفاضل من عاصرناه في مستندي القولين: أما في الأوّل: فبأنّ الاقتصار على المتيقّن عند الشكّ إنّما هو إذا كان الشكّ في عدد الأفراد المخرجة. لا في كيفية افراد الخارج، و ما نحن فيه من الثاني، لأنّ الزمان ليس من أفراد العموم، بل هو ظرف لحكم الفرد الخارج، فلا يعلم كونه آنيّا أو مستمرّا فيستصحب، و ليس من تعارض الاستصحاب و العموم.

نعم، لو فرض إفادة الكلام العموم الزماني على وجه يكون الزمان يتكثر أفراد العام، كقوله: أكرم العلماء في كلّ يوم، بحيث كان إكرام كلّ عالم في كلّ يوم واجبا مستقلا غير إكرام ذلك العالم في اليوم الآخر، فيقتصر في إخراج عالم على اليوم المعلوم من خروجه، فيرجع الشكّ في المورد في استمرار حكم واحد و انقطاعه، فيستصحب. و في الثاني إلى خروج أحكام مستقلّة متكثّرة، فعمل بالعموم.

و فيه نظر، لأن أفراد العموم إن كانت متعيّنة بحسب المعنى اللغويّ و العرفيّ فهو، و يقتصر في تخصيصه على المتيقّن منها، كما في إكرام العلماء، فإنّ أفراد العلماء:

زيد و عمرو، لا زيد في يوم و زيد في يوم آخر، و لا مدخل للزمان في فردية أفرادها، أو تكون اعتبارية، بمعنى صلاحية العام بحسب مدلوله تشخيص الأفراد له بعنوانات، كما في كلّ ماء طاهر، فإنّ أفراد الماء قد تعتبر بعنوان المقدار، كصاع و صاعين و ثلاثة أصوع، و هكذا الماء الكثير و القليل، و قد تعتبر باعتبار الاجتماع و الاتصال في محلّ، كماء حوض كذا و غدير كذا و هكذا، و بهذين الاعتبارين يكون

353

الأفراد متداخلة. و قد تعتبر باعتبار بعض الصفات العارضة، كماء البئر و الماء الجامد و الجاري و ماء البحر و هكذا.

و الجهات التي يصحّ اعتبار الفردية بها تختلف باختلاف العمومات، فلفظ العام بحسب مدلوله قد يكون صالحا لاعتبار العموم له بجهات كثيرة، كما في عموم الخيار، فقد يعتبر باعتبار السبب و أفراده خيار الغبن و خيار العيب و خيار الشرط، و هكذا. و قد يعتبر باعتبار الزمان، فالخيار الفوري فرد منه، و الخيار المستمرّ فرد.

و قد يعتبر باعتبار أشخاص ذوي الخيار، فخيار البائع فرد و خيار المشتري فرد، و هكذا.

و المناط في ذلك كلّه ملاحظة دليل العموم في الجهة الصالحة للعموم فيه، من أنّها واحدة أو أكثر بحسب مدلوله المستعمل فيه اللفظ.

و إذ عرفت ذلك فنقول: دليل عموم اللزوم فيما نحن فيه: إمّا مثل أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (1) فلا مدخل للزمان في تكثير الأفراد، بل هي أشخاص العقود، أو مثل قوله (عليه السلام): «البيّعان بالخيار ما لم يفترقا» بعموم مفهومه الدال على اللزوم، كما يصلح بالنسبة إلى الأسباب من خيار الغبن و الرؤية و العيب و نحوها، و بالنسبة إلى البيع، كبيع الحيوان و الصرف و الثمرة و ما يفسد ليومه و نحوها، كذا يصلح عمومه بالنسبة إلى الزمان المشخص للأفراد من الخيار الفوريّ و الاستمراريّ، و إن كان أحد الفردين داخلا في الآخر، كما في عموم الماء بالنسبة إلى أفراده باعتبار الاتصال و الانفصال حسب ما مرّ.

و اتحاد السبب كظهور الغبن لا ينافي تعدّد المسبّب باعتبار الجهات المذكورة.

و أما اعتراضه على مستند القول الثاني. أعني: الاستصحاب، فحاصله: أن

____________

(1) المائدة (5): 1

354

الاستصحاب يتبع بقاء الموضوع، فلا بدّ من تشخيصه أوّلا حتى يستصحب حكمه، و المتيقّن سابقا فيما نحن فيه ثبوت الخيار لمن يتمكن من تدارك ضرره بالفسخ، فلا ينسحب في الآن اللاحق، مع كون الشخص قد يتمكن من التدارك و لا يفعل، فإنّ هذا موضوع آخر.

و فيه: أنّ هذا مسلم فيما كان الموضوع مشخصا بحدوده و قيوده في دليل الحكم، فلا ينسحب بالاستصحاب بعد تغيّر بعض قيوده، لرجوع الشكّ- حينئذ- إلى المقتضى الثانوي، كما إذا قال، الماء المتغيّر نجس، فإنّه لا يجري استصحاب النجاسة بعد زوال هذا القيد، مع عموم أدلّة حجيته. و إن علم اشتراط هذا القيد في حدوث الحكم أوّلا، مع فرض الشكّ في اشتراطه للبقاء، كما إذا قال: إذا تغيّر الماء فهو نجس، فزال التغير من قبل نفسه، فإنّه يصحّ الاستصحاب- حينئذ- و قد بيّنا ذلك مستوفى في الأصول، و مورد البحث من الثاني، إذ للقائل منع كون العجز عن تدارك الضرر شرطا لبقاء الخيار، و إن كان شرطا لحدوثه.

نعم، يمكن المناقشة في الاستصحاب لو كان مستند الحكم بالخيار في الأوّل مجرّد أدلّة الضرر، إذ مدلولها نفي الضرر الواقع بحكم الشارع، فالدليل مقيد بالضرر الشرعيّ لا الاختياريّ، فحيث لم يتدارك المغبون ضرره بالفسخ مع تمكّنه عنه، كان بقاؤه باختياره، فالشكّ في بقائه كان في المقتضى الثانوي. و لعلّه إلى هذا ينظر ما في الرياض (1) من أنّ المستند في هذا الخيار: إن كان الإجماع المنقول، اتّجه التمسّك بالاستصحاب، و إن كان نفي الضرر، وجب الاقتصار علي الزمان الأوّل، إذ به يندفع الضرر. انتهى. فتأمّل.

و كيف كان، فالاستصحاب- و لو سلّم جريانه- لا يعارض عموم دليل اللزوم

____________

(1) رياض المسائل 5: 425.

355

الذي قد تبيّن تقريبه و تحريره، فيقتصر في التخصيص على مورد اليقين. فإذا المعتمد كون الخيار فوريا.

و الاستدلال عليه بأصالة فساد الفسخ و بقاء الملك كما قاله الفاضل المتقدّم، صحّ لو لم يصحّ الاستصحاب كما زعمه، حسب ما مرّ، و أمّا على صحّته فلا يبقى استصحاب الفساد لزواله باستصحاب السبب أعني: الخيار.

تتميمان:

الأوّل: هل الفور محمولة على الفورية الحقيقية،

اقتصارا على المتيقّن، أو العرفية، دفعا للحرج الحاصل على الاقتصار على الحقيقية، أو ما هو أوسع من العرفي، كما يستفاد من التذكرة في خيار العيب، حيث وسّعه فيما لو اطّلع عليه حين دخل وقت صلاة أو أكل أو قضاء حاجة، فاشتغل بها إلى أن يفرغ عنها إجماعا، أو اطّلع على العيب ليلا، فله التأخير إلى أن يصبح، و إن لم يكن له عذر؟

إشكال: إذ الإناطة بالأولين كلّية مخدوشة بإمكان عدم الحرج و الضرر في بعض الموارد، و بالثالث بعدم دليل عليه، فان تمّ الإجماع الذي ذكره في التذكرة فهو، و إلّا فمقتضى الاعتبار: الاقتصار على الأوّل إلّا لحرج أو ضرر أو عذر آخر.

و منه: إعلام الخصم بوقوع الاختلاف و قضاء المصلحة تقديم المحاكمة على الفسخ أو لاحتمال بذله الأرش المتقدّم على الخيار على المختار و منه التروي و الاختيار من غير تفكر و تدبر منه ينافي التخيير، بل يؤدّي إلى ضرره.

الثاني: لا شكّ أنّ الجاهل بالخيار معذور في ترك المبادرة،

فله الخيار متى علم، لنفي الضرر: و ترك الفحص عن الحكم ليس منافيا للمعذورية، كما ليس منافيا لها في الجهل بالغبن.

و هل الجاهل بالفورية معذور في تركه المبادرة أيضا. الظاهر: نعم، كما عن بعضهم.

356

و الاستشكال بعدم جريان نفي الضرر هنا لتمكّنه من الفسخ و تدارك الضرر:

مدفوع، بأنّ الاغترام بعدم العلم بالفورية من الأعذار، و أيّ عذر أقوى من الجهل.

و لو ادّعى الجهل بالخيار، فالظاهر: القبول، إلّا أن يكون مما لا يخفى عليه هذا الحكم الشرعيّ إلّا لعارض. و لو ادّعى النسيان ففيه إشكال.

المسألة السادسة: يثبت خيار الغبن في غير البيع من المعاوضات أيضا،

كما عن فخر الإسلام (1) و التنقيح (2) و إيضاح النافع و جامع المقاصد (3) في الإجارة، لعموم المدرك، أعني: نفي الضرر، و إن اختصّ الإجماع المحكيّ بالبيع.

و عن المهذّب (4) عدم جريانه في الصلح.

و عن غاية المرام (5): التفصيل بين الصلح الواقع على وجه المعاوضة، فيجري فيه، و بين الواقع على إسقاط الدعوى أو على ما في الذمّة، ثم ظهر الغبن فيهما.

و عن بعضهم: التفصيل بين عقد وقع على وجه المسامحة و عدم الالتفات إلى النقص و الزيادة، بيعا كان أو صلحا أو غيرهما، و لعلّه لكون المعاملة- حينئذ- مبنية على عدم المغابنة و المكايسة.

و الذي يقتضيه الاعتبار: أنّ صور الفرض أربع، إذ المعاملة: إمّا وقعت على وجه المعاوضة، أو على إسقاط الدعوى في مقام التشاجر.

و على الأوّل: فإمّا على محض المالية، أو على التغابن و المحاباة، أو على

____________

(1) إيضاح الفوائد 2: 48.

(2) التنقيح الرائع 2: 47.

(3) جامع المقاصد 7: 86.

(4) المهذب البارع 2: 53.

(5) غاية المرام 2: 221.

357

المسامحة، و إن لم يعلمه المغبون، حيث علم من الخارج أنّ بناء المغبون عليه، و إن فرض علمه بالغبن، لحاجة عظيمة منه.

ففي الأوّل: يثبت الخيار. و في الثانية: لا يثبت، و إن كان الغبن زائدا عن المعلوم، لأنه في حكم الإسقاط، إلّا إذا كان فاحشا زائدا عن المتعارف في مثله في مقام المحاباة، كما مضى في حكم الإسقاط.

و كذا في الثالثة على إشكال: من كونه إقداما على الضرر، لبنائه عليه و لو على فرض علمه، إلّا إذا كان زائدا عن المتعارف في مثل مصلحته المقصودة، و من عدم القول بالفصل عند الجهل بالغبن.

و في الرابعة: لا خيار مع عدم ظهور الغبن، و معه فيه وجهان: من عدم كونه معاوضة مالية، بل هو إسقاط على عوض، فلا تزلزل لظهور الغبن، و من كونه ضررا منفيا. و لا يبعد التفصيل بين ما فيه الغبن زائدا على المتعارف في الإسقاط عند الجهل في مقام التشاجر، فيجري فيه الخيار، و بين ما لا يزيد عليه، فلا خيار. و اللّه العالم.

358

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}