مشارق الأحكام

- الشيخ محمد بن احمد النراقي المزيد...
510 /
359

[المشرق العشرون] [في الأحكام الملحقة بالخيارات]

مشرق: في جملة من الأحكام الملحقة بالخيارات. و فيه مسائل:

المسألة الأولى: الفسخ كما يحصل باللفظ يحصل بالفعل أيضا،

بلا خلاف ظاهرا، سواء كان عمليا، كتقبيل الجارية، أو قوليا كالبيع. و يشترط كون الفعل دالّا على إرادة الفسخ عرفا أو شرعا، و إلّا فلا عبرة به.

و في التذكرة (1): لو قبّل الجارية بشهوة أو باشر فيما دون الفرج أو لمس بشهوة، فالوجه عندنا أنّه يكون فسخا، لأنّ الإسلام يصون صاحبه عن القبيح، فلو لم يختر الإمساك لكان مقدما على المعصية. ثم نقل عن بعض الشافعية احتمال العدم. و يظهر من تعليله بالصون: اشتراط إرادة الفسخ، بل يشعر قوله: عندنا، بالإجماع عليه.

و قريب منه: التعليل المحكي عن جامع المقاصد (2). و لا بدّ من تقييده في الدلالة على العلم و العمد لإمكان وقوعه نسيانا عن البيع أو اشتباها بغيرها، فلا يلازم الصون عن القبيح إرادة الفسخ.

____________

(1) تذكرة الفقهاء 1: 538.

(2) جامع المقاصد 4: 304.

360

إلّا أن يقال: أمثال تلك التصرفات ظاهرة بنوعها في العمد و العلم بالغلبة العادية، فبضميمة حمل فعل المسلم على الصحة يدلّ على إرادة الفسخ، و إن كانت بأشخاصها محلّ الشك في موارد، لعروض ما يصرفها عن الظهور فيها.

و بالجملة: المعيار في الظهور هو النوعي دون الشخصي، فإنّ حكم الفعل في ذلك كاللفظ، فكما أنّ الظهور المعتبر في الألفاظ عرفا و شرعا هو الظهور الشأني، ما لم يصرفها عنه قرينة صارفة إلى ظهور شخصي، كما في حمل الألفاظ على الحقائق ما لم يظهر القرينة الصارفة، فكذا الظهور المعتبر في الأفعال بالنسبة إلى مدلولاتها العرفية فيما يتعلّق به من الأحكام الشرعية، لأن الشرع يتّبع العرف و ما جرت عليه عادة الناس في مقام التفهيم و التفاهم، و لا شكّ أنّ العرف في إظهار مقاصدهم و إعلام ضمائرهم يقفون على ما يقتضيه الدوال بأنفسها، قولا كانت أو فعلا، و لا يخرجون عنه إلّا بدليل صارف.

و كيف كان، فيشترط في الفعل الفاسخ دلالته على الرضا بالانفساخ، و لا هكذا التصرف المسقط للخيار، بل يكتفي فيه بالدلالة على الرضا بالملك دون لزومه، كما يظهر من إطلاق الفتاوى و النصوص، على ما بيّنا سرّه و توجيهه في خيار الحيوان.

فما عن جماعة كالشيخ (1) و ابني زهرة (2) و إدريس (3) و العلّامة (4) و غيرهم أنّ التصرف: إن وقع فيما انتقل عنه كان فسخا، و إن وقع فيما انتقل إليه كان إجازة، الظاهر بحكم المقابلة [في] أنّ كلّ تصرف يحصل به الإجازة يحصل به الفسخ ليس

____________

(1) المبسوط 2: 83 و 84.

(2) الينابيع الفقهية 13: 214.

(3) الينابيع الفقهية 14: 295.

(4) تذكرة الفقهاء 1: 53؛ الينابيع الفقهية 14: 535.

361

كما ينبغي. نعم، لا فرق في التصرف الفاسخ بين ما يحرم فعله لغير المالك، و بين ما لا ينفذ عن غيره، كالبيع و العتق و الإجارة و النكاح، فإنّ تلك العقود تكشف ظاهرا عن إرادة الانفساخ بها، دون وقوعها فضولا أو لغوا، بل الظاهر وقوعه بمجرد العرض على البيع و الإذن فيه و التوكيل و الرهن الغير المقبوض و الهبة الغير المعوضة. فالأقرب: أنّها من البائع فسخ و من المشتري إجازة، لدلالتها على طلب المبيع و استيفائه. انتهى. و نحوه عن جامع المقاصد (1).

المسألة الثانية: إذا باع ذو الخيار أو أعتق أو أوجد غير ذلك من الأسباب الناقلة

أو وطأ الجارية أو قبّلها بشهوة أو أكل المنتقل إليه و نحوها من التصرفات المحرّمة في ملك الغير، فلا شكّ و لا خلاف في حصول الفسخ الفعليّ بها كما مرّ.

و هل يحصل النقل بتلك النواقل، و يجوز تلك الأفعال المتوقفة على الملك أم لا.

ظاهرهم وجود الخلاف فيه، و يرجع إلى الاختلاف في كون نفس التصرف فسخا و سببا للانفساخ، فلا يحصل النقل و لا الحلّ قبله، كما هو ظاهر كلام الفاضل (2) في التحرير في وطء الأمة بقوله: يحصل الفسخ بأوّل جزء منه. و لازمه عدم وقوعه قبله، بل هو- كما قيل- لازم قول كل من قال بعدم صحّة عقد الواهب الذي يتحقّق به الرجوع، كما عن الشرائع (3) و المبسوط (4) و الجامع (5)، أو كون التصرف كاشفا عن الفسخ و حصوله قبله، كما هو ظاهر التذكرة (6) و غيره، من تعليل حصول

____________

(1) جامع المقاصد 4: 309- 312.

(2) تحرير الأحكام: 168.

(3) شرائع (الينابيع الفقهية) 14: 402.

(4) المبسوط (ينابيع الفقهية) 35: 157.

(5) جامع الشرائع (الينابيع الفقهية) 14: 484.

(6) تذكرة الفقهاء: 534.

362

الفسخ بصيانة فعل المسلم عن القبيح المستلزمة لوقوعه قبله، بل عن المحقق (1) و الشهيد الثانيين: الجزم بالحلّ، نظرا إلى حصول الفسخ قبله، و هو بالقصد المقارن له.

و في المسالك (2) و الكفاية (3): صحة هبة ذي الخيار.

و استدلّ على الأوّل: بظهور كلماتهم في كون نفس التصرف فسخا أو إجازة و أنّه فسخ فعليّ في مقابل القوليّ، و ظهور اتفاقهم. على أنّ الفسخ- بل مطلق الإنشاء، لا يحصل بالنية، بل لا بدّ من حصوله بالقول أو الفعل، و اتفاقهم على توقف الفسخ على الفعل، فالفعل إذا كان بيعا لم يحصل به النقل، لتوقفه على الملك الموقوف على الفسخ المتأخر عن البيع.

و نحوه الفعل المحرم المتوقّف حلّه على الفسخ المتأخر عنه.

و على الثاني: بأنّ الفسخ إنما يتحقّق بالكراهة و عدم الرضا ببقاء العقد، و يكشف عنه التصرف بحكم مقابلتها للرضا الموجب لسقوط الخيار، كما صرّح به في المبسوط و غيره، و دلّ عليه الأخبار المعلّلة بسقوط الخيار بالتصرف بكونه دالّا على الرضا، فالعبرة بالرضا في بقاء العقد و سقوط الخيار و عدمه في وقوع الفسخ.

أقول: و يضعّف الأوّل؛ بأنّ غاية ما يستفاد من الاتفاق، لزوم وجود الفعل في وقوع الفسخ، و لا يدلّ ذلك على كونه نفس الفسخ و سببا للملك المتجدّد، لما ستعرف من إمكان تحقّق هذا المعنى بدون سببيته. و حكم المقابلة لا يفيد أزيد من وجوب كون الفعل دالّا على الفسخ، كما يجب هذا في الإجازة، دون موافقتهما في كيفية الدلالة.

____________

(1) جامع المقاصد 4: 318.

(2) مسالك الأفهام 3: 213.

(3) كفاية الأحكام: 92.

363

و دعوى عدم حصول الإنشاء بالنية مسلّمة إذا كانت محضة غير مقارنة بفعل كاشف عنها، و إلّا فهي ممنوعة.

و الثاني: بمنع كون مجرد الكراهة الباطنية فسخا بحيث لا مدخل للفعل في تحققه واقعا، بل هو كما ستعرف شرط لوقوع الفسخ واقعا على وجه الكشف لا السببية و النقل، بخلاف الرضا المسقط للخيار، فإنّه يكفي فيه مجرد الرضا بالملك، و إن لم يدلّ على الالتزام بلزومه دائما، كما تقدم بيانه في توجيه التعليل للزوم في بعض الأخبار بالرضا بمجرد التصرفات الغير الدالّة على الالتزام باللزوم.

ثمّ إنّ بعض أفاضل من عاصرناه وافق الأوّل في سببية التصرف للفسخ و تأخر الملك الحادث في التصرف الناقل عنه، و مع ذلك قوّى صحّة النقل، قائلا بأنّ الفسخ يتحقّق بأوّل جزء منه، و الناقل هو تمام الفعل، و لا يشترط ملكية البائع للمبيع في تمام العقد، بل الممنوع وقوع تمام السبب في ملك الغير، فلا مانع من تأثير هذا العقد لانتقال ما انتقل إلى البائع بأوّل جزء منه.

و لا يخفى ما فيه من التحكّم بأنّ السبب المؤثر هو مجموع الهيئة المركّبة، و هو أمر واحد ينثلم بخروج جزء منه، و لا تفاوت بين أجزائه في المدخلية في التأثير و اعتبار الشرائط فيها، سواء قلنا بأنّ البيع نفس العقد أو النقل المسبّب عنه، فما يشترط به البيع يكون شرطا للمجموع الذي لا يصدق البيع إلّا عليه، و أيّ دليل يقتضي اختصاص الاشتراط لبعض الأجزاء؟

مضافا إلى كونه خلاف الأصل، و ظاهر كلماتهم في عدّ شرائط البيع، و ما يستفاد من ظواهر الأخبار، كقوله (عليه السلام): «لا بيع إلّا في ملك، و لا عتق إلّا في ملك» (1).

____________

(1) ورد عن طريق الإمامية، عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، بهذه العبارة: «لا بيع إلّا في ما تملك»؛ راجع عوالي اللآلي 2: 247، الحديث 16؛ و مستدرك الوسائل 13: 230، الرواية 15209؛ و عن الصادق (عليه السلام)، عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، أنّه قال: «لا عتق إلّا بعد ملك»؛ وسائل الشيعة 23: 15، الباب 5 من أبواب العتق، الرواية 28998.

364

و مع ذلك كله لا يستقيم هذا التوجيه في مثل الوطء و الأكل من التصرفات المحرمة على غير المالك، مع عدم ظهور قائل بالفرق من الحلّية و الصحّة.

و الذي يقوّى في نظري في تحقيق المقام: أنّ الفسخ يحصل بالإرادة الفعلية العرفية المتصلة بالفعل الكاشف عن تلك الإرادة، بشرط مقارنتها للفعل.

بيان ذلك: أنّ معنى خيار الفسخ على ما هو مفهومه عرفا، بل مدلوله لغة، هو التسلط على ترك مقتضى العقد و اختيار ملكه السابق و الجري عليه، و ليس للفسخ حقيقة شرعية و توقيف شرعيّ يتعبد به، بل يشعر به التعبير عنه في الأخبار بلفظ الخيار مجردا عن المضاف إليه، كقوله (عليه السلام): «البيّعان بالخيار ما لم يفترقا» (1) و لا شكّ أنّ هذا المعنى يتحقّق عرفا بالعزم القلبيّ و الإرادة الباطنية المقدمة على الفعل و الاعتبار باللفظ أو الفعل، من جهة الدلالة عليها و الكشف عنها.

نعم، لما جرت عادة الشارع في ترتيب الآثار على القصود في المعاملات إلى اعتبار ما دلّ عليها، إمّا على كونه أسبابا مجعولة، كما في أكثر العقود و الإيقاعات التي ثبت سببيتها لآثارها بالأدلّة الخارجة، كالنكاح و الطلاق و نحوهما، أو على كونها لمجرد الكشف عن الإرادة، قولا كان أو فعلا، فإنّه يكتفي إجماعا في الفسخ بمثل عقد ناقل أو فعل محرّم على غير المالك، مع أنّ مدلولهما ليس فسخ العقد، فالعبرة بهما من باب كونهما قرينة للإرادة التي هي المؤثّر، لا من باب السببية الشرعية، من قبيل الرجوع في طلاق ذات العدّة الرجعية بكشف القناع و التقبيل في حصول الزوجية، و سقوط الخيار في ركوب الدابة.

____________

(1) وسائل الشيعة 18: 6، الباب 1 من أبواب الخيار، الرواية 23013.

365

و إلى هذا أشار شيخنا الشهيد في المسالك (1) في الاستدلال على صحة بيع من له الرجوع في الهبة بقوله: العقد يدلّ على إرادة الفسخ، و الغرض من الألفاظ المعتبرة في العقود: الدلالة على الرضا الباطني، لأنه هو المعتبر، و لكن لما لم يمكن الاطلاع عليه، نصب الشارع الألفاظ الصريحة الدالّة عليه و اعتبرها في صحة العقد- و حينئذ- فالعقد المذكور يدلّ على تحقق إرادة الفسخ قبل العقد، فيكشف العقد عن حصول الفسخ بالقصد إليه قبل البيع. انتهى.

إلّا أنّ تعميمه ذلك بالنسبة إلى ألفاظ العقود التوقيفية غير جيّد، لكونها من باب الأسباب قطعا، كما عرفت. و كيف كان، فالسبب المؤثر في الانفساخ هو الإرادة المقدّمة على الفعل، فيكون الفعل الناقل صادرا عنه في ملكه.

و من هذا يظهر سقوط القول الأوّل.

و أما توجيه حصول الفسخ بالإرادة مع عدم الخلاف- ظاهرا- في توقفه على وجود الفعل، بحيث لو اتفق حصول المانع عن الشروع في الفعل اضطرارا بعد تحقق الإرادة لم يتحقق الانفساخ، فهو أنّ التوقف على التصرف ليس من باب السببية المستلزمة لتأخر الملك عنه، بل هو من قبيل الاشتراط بالشرط المتأخر، بمعنى أنّ تأثير الإرادة في الانفساخ و سببيتها مشروط باقترانها بالفعل، و هو نظير الإجازة في العقد الفضولي على القول بكونها كاشفة كما هو المشهور المنصور.

و فرعوا عليه ملك النماء المتخلل بين العقد و الإجازة للمشتري.

فرع: لو اشترى عبدا بجارية فقال: أعتقتهما فعن [بعض]: انعتاق الجارية دون العبد،

لتقدم الفسخ على الإجازة.

و ردّ بالمنع فيما وقع الفسخ و الإجازة من طرف واحد، و لو لعدم الدليل.

____________

(1) مسالك الأفهام 6: 49.

366

و عن آخر: يعتق العبد دون الجارية، لأنّ الإجازة إبقاء للعقد و الأصل بقاؤه، و يعارضه اصل عدم العتق.

و الحقّ: بقاء الخيار و عدم حصول عتق أحد منهما، كما عن الفاضل (1) و المحقّق الثاني (2)، لأنّ المعتق لا يكون مالكا لهما بالفعل، لأن ملك أحدهما يستلزم خروج الآخر عن ملكه، فلا ينفذ عتقهما، لتدافعهما، مضافا إلى استصحاب بقاء الخيار و عدم حصول العتق.

المسألة الثالثة: لا ينافي تلف العين بقاء الخيار،

بلا خلاف أجده، و إن تأمّل فيه بعض الأساطين، و به صرّح الفاضل (3) في القواعد، إلّا فيما أوجب التلف انفساخ العقد، فلا خيار، إذ لا عقد حينئذ، كما في خيار التأخير و الخيار قبل القبض.

و وجه ما ذكر: كون العقد قابلا للفسخ بعد تلف العين، و لذا قالوا بشرعية الإقالة- حينئذ- و حكي عليه الإجماع، فإنّ معنى الفسخ ليس ردّ كلّ عوض إلى مالكه الأوّل الذي يحصل بعقد جديد أيضا، بل هو حلّ العقد السابق الناقل للعوضين، و مقتضى حلّه عود العوضين مع بقائهما إلى مالكيه و استحقاقهما البدل عند تلفهما.

و لما كانت العين لتزلزلها بالخيار مضمونة على المنتقل إليه، فإذا تلف عنده يرجع الآخر إليه ببدله، و إن قلنا بعدم جواز إتلافها لغير ذي الخيار، نظرا إلى تعلق حق ذي الخيار بالعين أصالة.

و التمسك في سقوط الخيار بأصل البراءة عن العوض: مدفوع بزوال الأصل باستصحاب الخيار المقتضي لضمانه المزيل للبراءة عنه.

____________

(1) تحرير الأحكام 1: 168.

(2) جامع المقاصد 4: 313.

(3) قواعد الأحكام (الينابيع الفقهية) 14: 536.

367

نعم، إذا كان موجب الخيار مقيدا بردّ العين، كما عند اشتراطه كذلك، أمكن القول بسقوطه. و لعله لذا تردّد العلّامة في المرابحة، فيما لو ظهر كذب البائع في إخباره برأس المال بعد تلف المتاع (1).

بل عن المبسوط (2) و بعض آخر الجزم بالعدم، نظرا إلى أنّ الردّ إنّما يتحقق مع بقاء العين. و عن المسالك (3) و جامع المقاصد (4): ثبوت الخيار، لعدم المانع مع وجود المقتضي. و قد عرفت فيما تقدم خلافهم في بقاء خيار المغبون بتلف المغبون فيه.

المسألة الرابعة: اختلفوا في جواز التصرف الناقل لغير ذي الخيار،

كنقل المشتري المبيع في بيع الخيار، على أقوال ثلاثة:

الأوّل: عدم جوازه، و هو المحكيّ عن الشيخ (5) و ابن سعيد و ظاهر الفاضل في القواعد (6) و المحقّق و الشهيد الثانيين، بل نسب إلى الأكثر، و عن جامع المقاصد (7) و الدروس (8): نفي الخلاف عنه. و ربما يظهر من بعض كلمات العلّامة و الشهيد خلافه.

و في التحرير (9) و التذكرة (10): تجويز عتق المشتري العبد في زمان خيار البائع،

____________

(1) لم نقف عليه و لكن بحث (قدّس سرّه) عن أحكام المرابحة في تحرير الأحكام 1: 186؛ و في مختلف الشيعة 5: 185.

(2) المبسوط 2: 86.

(3) مسالك الأفهام 3: 217.

(4) جامع المقاصد 3: 309.

(5) جواهر الكلام 23: 70 و 71.

(6) قواعد الأحكام 1: 144.

(7) جامع المقاصد: 311/ 4.

(8) الدروس الشرعية 3: 271.

(9) تحرير الأحكام 1: 168.

(10) تذكرة الفقهاء 1: 538.

368

و جعله كالتلف، فيرجع البائع بعد الفسخ إلى المثل أو القيمة، و ظاهره تخصيص الجواز بالعتق.

الثاني: صحّة التصرف الناقل لكن على التزلزل، فإنّ فسخ ذو الخيار رجع العين إليه من المنتقل إليه الثاني، و إن سقط خياره بأحد مسقطاته، لزم. و ربما يخصّص ذلك بما يقبل التزلزل كالبيع و الهبة، و أمّا ما لا يقبل كالعتق و الوقف، فيبطل التصرف.

الثالث: صحّته على وجه اللزوم و عدم تسلط ذي الخيار على استرجاع العين، بل ربما أفرط في ذلك بعدم الفرق بين النواقل اللازمة و الجائزة.

ثمّ إنّه لم يظهر من القائلين بالجواز بقاء الخيار بالرجوع إلى البدل من المثل أو القيمة، إلّا في مسألة العتق أو الاستيلاد.

و كيف كان، فالحقّ هو الأوّل، لأنّ الخيار متعلّق بسبب العقد إلى العوضين بإرجاع عينهما بحلّ العقد إلى ملكهما السابق، فلا يجوز أن يتصرّف في العين بما يبطل ذلك الحقّ بنقلها إلى غيره، و هذا يعمّ الخيارات الأصلية و المجعولة بالشرط، و إن كان في الثاني أوضح، لظهور إرادة إبقاء الملك من اشتراطه ليستردّه عند الفسخ، و كونه حكمة في أصل الخيار.

و ما أورده بعض أفاضل من عاصرناه عليه، من أنّ الثابت من خيار الفسخ بعد ملاحظة جواز التفاسخ في حال تلف العينين هي سلطنة ذي الخيار على فسخ العقد الممكن في حالتي وجود العين و بعدها، فلا دلالة في مجرد ثبوت الخيار على حكم التلف جوازا و منعا، فالمرجع فيه أدلّة سلطنة الناس على أموالهم مخدوش بأنّ مقتضى حقّ الخيار أمران: السلطنة على حلّ العقد، و أخذ العين بالفسخ، و لذا لا يجوز بذل البدل مع بقاء العين.

369

نعم، عند عدم إمكان الثاني للتلف لا يسقط الأوّل، فيرجع إلى القيمة من قبيل الرجوع في المغصوب التالف على عوضه، و أمّا مع بقاء العين، فلا تسقط حقه عنها، فليس للآخر إتلاف هذا الحق عنه.

و تسلّطه على ماله بحديث السلطنة محجوج بسبق حقّ غيره فيه المنافي للإتلاف اختيارا، فلا يعارض أدلّة الخيار على ما بيناه في قاعدة نفي الضرر، مضافا إلى استلزامه جواز إتلاف العين رأسا، و لعلّه لا يقول أحد بهذا الضرر، و إلى ظهور إرادة ذي الخيار بقاءها في الخيار المجعول بالشرط، و الشارع في حكمة تشريعه في الخيار الأصليّ. و من هذا ينقدح حجة القول الثالث بضعفها.

و أمّا حجّة القول الثاني:

أمّا على جوازه متزلزلا، فقاعدة التسليط و عمومات حلّية البيع. و أمّا على تسلط ذي الخيار على الرجوع إلى العين بعد الفسخ ممن انتقل إليه، فاستصحاب خيار البائع اقتضائه جواز الرجوع إلى العين ما دامت باقية، مع أن البيع و نحوه ليس إلّا نقل الملك الثابت للناقل، و ليس للمشتري في زمن الخيار إلّا الملك المتزلزل، فلا يترتّب على بيعه إلّا حصول الملكية المتزلزلة الثابتة للمشتري، و لا ينافيه لزوم البيع، فإنّ مقتضاه لزومه على حسب حاله، و هو ما يرتفع بفسخ ذي الخيار، فهو لازم على المشتري الأوّل و الثاني دون البائع الأوّل.

و الجواب: أنّ الفسخ عبارة عن حل العقد الأوّل، و مقتضاه إرجاع المبيع عن ملكية المشتري الأوّل، فإنّه المشروط عليه الملتزم به، و بهذا فرع بقاء الملكية له، و في المفروض ارجاع عن ملكية المشتري الثاني بالعقد الثاني، و لم يكن له خيار بالنسبة إلى هذا العقد، إذ لا شرط بينهما، فلا بدّ إمّا من القول بعدم جواز إخراج المشتري الأوّل العين عن ملكه إبقاء لحق خيار البائع كما هو الصواب، أو القول

370

بسقوط خيار البائع عن العين و نقله إلى الغير.

المسألة الخامسة: منفعة العين في زمان الخيار قبل الفسخ في بيع الخيار و غيره مال المشتري،

كالأصل، فله صرفه كيف يشاء، و أخذ العوض عليها و مطالبة أجرة المثل و لو من ذي الخيار إذا تصرّفه، فلو آجره في زمان الخيار صحّت الإجارة، لكن ما دام تملكه للعين، و تنفسخ بفسخ العين، كما أفتى به المحقق القمّي و والدي العلّامة (1).

و القول بأنّ صحّة الإجارة تبطل تسلّط الفاسخ على أخذ العين، لاستحقاق المستأجر لتسلّمه لأجل استيفاء منفعة في مدة الإجارة: يضعف بأنّ الفسخ من قواطع الإجارة، نظير قطع إجارة البطن الأوّل في الوقف بموتهم، و انتقال العين الموقوفة إلى البطن الثاني.

و استظهر بعض أفاضل من عاصرناه بقاء الإجارة للمشتري و عدم بطلانها بفسخ العين، استنادا إلى أنّ المشتري ملك العين ملكية مطلقة مستعدة للدوام، و من نماء هذا الملك المنفعة الدائمة، فإذا استوفاها المشتري بالإجارة فلا وجه لرجوعها إلى الفاسخ، بل يرجع إليه الملك مسلوب المنفعة في مدّة الإجارة بعد الفسخ، كما إذا باعه بعد الإجارة.

و يفترق هذا عن إجارة البطن الأوّل في الوقف المنقطعة بانقضائهم، بأنّ البطن الثاني لا يتلقّى الملك عن البطن الأوّل حتى يتلقّاه مسلوب المنفعة، بل عن الواقف، فالملك ينتهي بانتهاء استعداده.

و يضعّف هذا أيضا.

أوّلا: بأنّ حق ذي الخيار كما تعلق بالعين قبل الفسخ بتسلطه على إرجاعها إلى

____________

(1) مستند الشيعة 2: 391.

371

نفسه بالفسخ، تعلّق بالمنفعة أيضا تبعا للعين بإرجاعها إليه كذلك، فيبطل ما ينافيه.

و كون الملك مستعدا للدوام لو لا الرافع لا يكفي في ملك المنفعة الدائمة فعلا قبل حلول الرافع، بل هو معلّق على عدم حلوله، كملك العين.

و بالجملة: تسلّطه على هذا التصرف و التمليك المستمرّ ينافي حقّ الخيار الآخر المتعلّق بالعين و المنفعة.

و التفريق بينه و بين اجارة الموقوف، بأنّ البطن الثاني تتلقّى الملك من الواقف لا من البطن الأوّل مستجمع المنفعة ينتهي استعداد ملك البطن الثاني بانقراضه:

مخدوش بأن المستأجر فيما نحن فيه، و إن تلقّى الملك عن المشتري، لكن على حسب ما تلقّاه من البائع، و هو المتزلزل المنتهى استعداده بالفسخ على حسب الشرط.

و ثانيا: بأنّه على تقدير بقاء الإجارة بعد الفسخ: إن كانت الأجرة المسماة إلى انقضاء مدّة الإجارة للفاسخ، فلا يكاد يصلح، بل هو خلاف قصد الموجر، و لعله لم يرض به الفاضل المعاصر و لم يفت، و إن كانت للمشتري، فهو ضرر بيّن على البائع، سيما إذا كانت مدّة الإجارة زائدة عن زمان الخيار بمدّة طويلة كعشرين سنة أو خمسين، إذ يدور أمر البائع- حينئذ- بين الالتزام ببقاء المبيع و بين الفسخ و ردّ الثمن و تملك العين مسلوب المنفعة في يد المستأجر إلى انقضاء مدّة الإجارة، و أيّهما كان، فهو ضرر فاحش و خلاف ما انعقد عليه قصد المتعاقدين في الخيارات المجعولة، و الحكمة في الخيارات الأصلية. و هل هو إلّا تضييق على ذي الخيار لا إرفاق و تسهيل له؟

المسألة السادسة: إذا أذن ذو الخيار في التصرف الناقل،

فلا شك و لا خلاف في نفوذ إذنه و صحّة التصرف و عدم انفساخه بفسخ العقد الأوّل، و إن قلنا بعدم منافاة الإذن في التصرف لإرادة الفسخ و أخذ القيمة، لتوافق حقّيهما عليه.

372

و كذا لا إشكال- ظاهرا- في أنّ هذا الإذن ليس فسخا موجبا لعود الملك إلى الفاسخ، لاستلزامه وقوع الفعل المأذون فيه لذي الخيار، مع أنّه يقع وكالة عنه، و لا تعلّق قصدهما به على الفرض.

و كذا الظاهر، عدم بقاء الخيار بعد هذا الإذن بحيث يرجع ذو الخيار به إلى البدل، لأنّ حقّ الخيار متعيّن بالعين، و لا ينتقل إلى البدل إلّا إذا تلفت على كونها محلا لحقّه، و إذنه لغير ذي الخيار في التصرف الناقل لنفسه عند بقاءها على ملكه، إسقاط لحقّ خياره عن العين، فلا يرجع إلى البدل، بل هو التزام بالعقد.

و من هذا يظهر [أنّ] سقوطه بمجرّد الإذن، و إن لم يتصرّف المأذون، كما عن القواعد (1) و التذكرة (2)، بل عن المشهور، منع دلالة الإذن المجرّد عن التصرف المحكيّ عن جامع المقاصد (3) و المسالك (4) خلاف الظاهر، و توجيهه بظهور الإذن- حينئذ- في الفسخ بحكم العرف لا في الإسقاط، و الحكم بالسقوط في التصرف عن إذنه ليس لأجل تحقّق الإسقاط من ذي الخيار بالإذن، بل لأجل تحقق المسقط، نظرا إلى وقوع التصرف صحيحا و عدم التسلط على البدل كما تقرّر، خال عن التحصيل، لأنّ الإذن لو كان فسخا لم يتفاوت به الحال بتعقب التصرف المأذون فيه من غير ذي الخيار و عدمه.

هذا، و يظهر مما بيّناه حكم الإذن في الإتلاف و أنّه إسقاط للخيار، فليس له الفسخ و أخذ البدل، و لا هكذا لو تلف في يده أو أتلف بدون إذنه، لما تقدم من انتقال الحق- حينئذ- من العين المضمونة عليه إلى البدل.

____________

(1) قواعد الأحكام 1: 144.

(2) تذكرة الفقهاء 1: 517.

(3) جامع المقاصد 4: 311.

(4) مسالك الأفهام 3: 213.

373

فرع: لو أذن في الإجارة إلى آخر زمان الخيار أو أكثر، فلا شكّ في صحّتها كما مرّ، و ليس فسخا كما عرفت، و كذا ليس هنا إسقاطا للخيار أيضا، لأنّ متعلّقه العين و المنفعة تابعة، فتقع الإجارة المأذون ما لم يفسخ الإذن، و يبطل بفسخ العين، لما مرّ.

فإن قلت: الإذن في الإجارة إذن في تملك المنافع المتجدّدة لغير ذي الخيار، فلا يرجع إليه بعد فسخ العين.

قلت: الإذن إذا لم يكن فسخا لا يكون لازما، بحيث لا يمكن تعقبه البطلان القهريّ بفسخ العين، بل الإذن- حينئذ- لا ثمرة فيه و لا يفيد شيئا لاستحقاقه الإجارة ما دام ملك العين من غير توقف على إذن ذي الخيار.

نعم، إذا اقترن المقام بقرينة حالية دالة على قصده من الإذن إسقاط خياره كان له حكمه.

المسألة السابعة: الخيار موروث بأنواعه بلا خلاف،

كما صرّح به جماعة.

و عن الغنية (1): الإجماع عليه في خيار المجلس و الشرط، و في التذكرة (2): إنّ الخيار عندنا موروث، لأنّه من الحقوق، كالشفعة و القصاص في أنواعه، و به قال الشافعي: إلّا في خيار المجلس، فهو الدليل عليه، مضافا إلى عموم النبوي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) (3) المنجبر بما ذكر، «و ما ترك الميّت من حقّ فلوارثه».

و أورد عليه أوّلا: بمنع كونه حقا بل حكما شرعيا، كالإجازة لعقد الفضوليّ و جواز الرجوع في الهبة، فإنّ الحكم لا يورث.

____________

(1) غنية النزوع 1: 221.

(2) تذكرة الفقهاء 1: 526.

(3) سنن ابن ماجة 2: 914، الرقم 2738؛ مسند أحمد 2: 453 بتفاوت.

374

و ثانيا: بمنع كونه ما ترك الميّت، لأنّه فرع ثبوت كونه حقّا قابلا للانتقال، فلا يكون وجود الشخص و حياته مقوما له.

و يمكن الجواب عن الأوّل: بكونه حقا للإجماع بسقوطه بالإسقاط، و كونه في أحد العوضين في خيار الشرط، و نحوهما من خصائص الحقوق المنافية لمجرّد الحكم، مضافا إلى خصوص الإجماع على كونه من الحقوق.

و عن الثاني: بأنّ المتبادر من الخبر كونه في مقام بيان حكم الانتقال لمطلق الحقوق، و كون ما يسمّى حقّا داخلا في المتروكات المنتقلة، لا في بيان من ينتقل إليه، لظهور كونه لوارثه لا لغيره. كيف و لو كان الإطلاق منساقا لبيان الثاني لكان اللازم بيان أعيان الورثة و أشخاصهم.

و كيف كان، فالإجماع يغنى عن تطويل الكلام في ذلك، بل المهمّ بيان كيفية إرث الخيار إذا تعدّد الورثة.

و تفصيله: أنّهم إذا اتّفقوا على الفسخ أو الإجازة فلا إشكال، و إن اختلفوا فيهما ففيه أقوال ثلاثة، منشأها الخلاف في كيفية استحقاق الورثة للخيار:

أحدها: تقدم الفسخ، فيفسخ الجميع بفسخ البعض و إن أجاز الباقون، فكل من الورثة يستحق خيارا مستقلا كمورّثه، نظير حدّ القذف الذي لا يسقط بعفو بعض المستحقين و حق الشفعة على المحكيّ عن المشهور، نسب هذا القول في الرياض (1) إلى بعض و نظر فيه.

و عن الحدائق (2) تصريح الأصحاب بتقديم الفاسخ من الورثة دون المجيز.

و دعواه اتفاق الأصحاب مع ظهور خلافه عن أعيانهم غريبة.

____________

(1) رياض المسائل 1: 527.

(2) الحدائق الناضرة 19: 71.

375

نعم، في التذكرة (1) ذلك في خيار المجلس، قال: إن فسخ بعضهم و أجاز الآخر، فالأقوى أنّه ينفسخ في الكلّ كالمورث لو فسخ في حياته في البعض و أجاز في البعض، و استدلّ على هذا القول بالنبويّ المتقدّم الظاهر في ثبوت الحقّ لكلّ وارث خرج منه المال القابل للتجزئة، و ينزّل فيه على الاشتراك إجماعا، بخلاف محلّ البحث الذي لا يتجزّى. و لا يخفى أنّ الخبر بظاهره في مقام بيان انتقال المتروك إلى ماهيّة الوارث من غير نظر إلى كونه واحدا أو متعددا، اشتراكا أو استقلالا، بل لو فرض كونه عاما كالورثة، كان اللازم حمله على العموم الجنسيّ، ليشمل صورة وحدة الوارث و تبعّض المتروكات المتبعّضة على الورثة، مع أنّه لو أريد منه العموم الإفرادي أو الإطلاقي، لزم استعمال الكلام في معنيين، من الاشتراك في المال و التعدّد في مثل هذا الحق. و تخصيص الحقّ بغير المال ليس بأولى من تنزيله على الاشتراك باعتبار محلّه، أعني المنتقل إليه، فكان لكلّ خياره في نصيبه.

و ربما أورد عليه: بأنّ القرينة العقلية قامت على عدم إرادة ثبوته لكلّ واحد مستقلا، و هي استحالة تعدد الواحد الشخصي الذي كان للمورّث.

و فيه: منع استحالة سلطنة كلّ واحد على هذا الواحد وراثة، نظير الوكلاء المستقلّين في الموكّل فيه و الأوصياء في الموصى به. و قيام هذا الواحد لشخص واحد هو المورث لا يجب كونه كذلك في الإرث حيث لا يتجزّى، بل المنتقل إليه مجرد السلطنة على الفسخ، و لازمه سقوط الحق بإسقاط كلّ واحد، و هل يستحيل العقل تصريح الشارع به.

و كيف كان، فلا دليل يعتمد عليه على انتقاله إلى كلّ واحد مستقلا في الكلّ، مضافا إلى استلزامه- كثيرا ما- وقوع الضرر على سائر الورثة، كما سنشير إليه،

____________

(1) تذكرة الفقهاء 1: 526.

376

و يتعدّى إلى نفيه في غير مورد الضرر بعدم القول بالفصل.

القول الثاني: أنّه يستحق جميع الورثة مجموع الخيار، فلا ينفسخ إلّا باجتماع الكلّ على الفسخ.

اختاره جماعة منهم العلّامة في القواعد (1)، مع احتماله القول الآتي، و نجله في الإيضاح (2)، و الشهيدان في الدروس (3) و المسالك (4)، و والدي العلّامة في المستند (5)، و بعض من عاصرناه، استنادا إلى أنّ مقتضى أدلّة الإرث كون مجموع المتروك لمجموع الورثة، إلّا أنّ التقسيم في الأموال لما كان ممكنا، كان لكلّ واحد حصّة مشاعة، كسائر الأموال المشتركة، بخلاف الحقوق التي لا تتجزّى، فهي باقية على الاشتراك للجميع، فليس أحدهم مستقلّا في فسخ، لا في الكل و لا في البعض، و إلى أنّ القدر المتيقن من الأدلّة ثبوت الخيار الواحد الشخصي للمجموع، فإن اتفقوا على الفسخ انفسخ، و إلّا فلا دليل على الانفساخ في شيء منه.

و فيه، أنّ أدلّة الإرث لا يقتضي كون مجموع التركة للكلّ المجموعيّ، بحيث كانت للهيئة الاجتماعية مدخلية في استحقاقهم، و إلّا لما صحّ التقسيم في الأموال، فإنّها من باب واحد، بل ظاهرها كونها مشتركة بينهم بحيث كان لكلّ واحد حقّ فيها، و لازمه تجزّي هذا الشيء المتروك، مالا كان أو حقّا، و لذا لو مات بعض هؤلاء الورثة انتقل حقه إلى وارثه، مع أنّ حقّه ليس كلّ الخيار.

و اشتراط موافقته بالاستحقاق لسائرهم في حصول الفسخ الشرعيّ بالخيار

____________

(1) قواعد الأحكام 1: 143.

(2) إيضاح الفوائد 1: 487.

(3) الدروس الشرعية 3: 266.

(4) مسالك الأفهام 3: 214.

(5) مستند الشيعة 2: 389.

377

الوحداني المتروك، ليس من أجزاء الخيار، و لا هو من الحقوق المتروكة، بل هو حقيقة تجزئة في الوارث لا الموروث.

و بالجملة، مقتضى الاشتراك الثابت من الأدلّة أن يكون لكلّ منهم نصيب في المتروك، فإن كان المتروك من الأعيان يتجزّى العين، و إن كان من الأوصاف و الأعراض، فالتجزّي يعتبر في محلّها، لأنّ الانفساخ المسبّب عن الخيار يقع على كلّ جزء، و إن كان السبب واحدا، كما أنّ الملك المسبّب عن البيع إذا ظهر بعض المبيع مستحقا، و ستعرف مزيد بيان فيه مع ما في هذا القول ما أشرنا إليه من استلزامه الضرر غالبا على الورثة، كما إذا كان بقاء العقد و لزومه ضررا عليهم، كالبيوع الخيارية بأقلّ الثمن الواقعة ابتداء باستظهار شرط الخيار، فيحصل الضرر عليهم بمواطاة أحدهم لغير ذي الخيار في عدم موافقته للباقين في الفسخ.

القول الثالث: استحقاق كلّ من الورثة خيارا مستقلا في قدر نصيبه، اختاره بعضهم، و احتمله جماعة، و لا يخلو من قوة.

و ينجبر التبعّض على من عليه الخيار عند اختلافهم في الفسخ و الإمضاء بالخيار، إذ الاشتراك مقتضى ظاهر أدلّة الإرث كسائر الأموال، و حيث إنّه بنفسه غير قابل للتجزئة فيعتبر التجزّي في متعلّقه كما بيّناه.

و عدم ثبوت خيار البعض للمورث أصالة، و إن تعلّق بالأبعاض في ضمن الكلّ، لا يمنع من حصوله مستقلا في البعض لكلّ وارث، باعتبار عروض التجزّي في متعلّقه كما أشرنا إليه آنفا.

و توضيحه تفصيلا: أنّ الحقّ المملوك، إمّا أن يتبعّض في نفسه، فحكمه عند الاشتراك ظاهر أو لا يتبعّض، لا في نفسه و لا في متعلقه، كالقصاص، فمقتضى الاشتراك فيه اجتماع المحقّين على استيفائه، و مع الاختلاف بالرجوع إلى ما جعله

378

الشارع و هو بذل المستوفى حصّة الباقين من الدية التي هي بدل حقّهم شرعا، أو يتجزّى بحسب المتعلق دون نفسه، كما في محل الفرض، فإذا انتقل بالإرث إلى كثيرين، فلا بدّ من توجيهه: إمّا بكونه للهيئة الاجتماعية، أو لكلّ واحد مستقلا في المجموع أو في نصيبه خاصّة.

و لا يصحّ الأوّل، لأنّ المركّب من الكلّ ليس وارثا، بل هو كلّ واحد منهم، فلا مدخل للاجتماع في الوراثة و الاستحقاق، و كذا الثاني، لما فيه- مضافا إلى ما عرفت من كونه خلاف مقتضى أدلّة الإرث- من أنّه غير ما استحقّه المورث، لأنّ ما للمورث هو حقّ الخيار على رجوع المال إلى نفسه لا إلى غيره، و بعبارة أخرى: له التسلّط على إرجاع المفسوخ إلى نفسه بالفسخ، و في الفرض يملكه غيره بفسخ من له الخيار.

فإن قلت: للمورث السلطنة على حل العقد و جعل المال كما كان قبله، و تلك السلطنة تنتقل بالإرث إلى كلّ وارث، فهو في ذلك في حكم النائب و الوكيل في الفسخ، فإذا انفسخ صار المال في حكم مال المورث كما كان قبل العقد، فيرث كلّ وارث قدر سهمه منه.

قلت: الفسخ ناقل العقد من حينه، فليس ملك المفسوخ عين ما كان للمورث، بل هو لمن ملك الخيار، كما كان للمورث، فلا يصار إليه أيضا، مضافا إلى استلزامه الضرر كما عرفت، و حيث لا يصحّ المصير إلى هذين الاحتمالين، تعين الأخير، أعني اعتبار التبعّض في السهام.

فرع: إذا كان الخيار لأجنبيّ فمات، ففي انتقاله إلى وارثه أو إلى المتعاقدين، أو سقوطه وجوه،

بل أقوال: أقواها الأخير لعدم دليل من إجماع أو نصّ ظاهر على حصول الانتقال حينئذ. و احتمال مدخلية نفس الأجنبي فيه، و اللّه العالم.

379

[المشرق الحادي و عشرون] [في الشبهة الموضوعية التحريمية]

مشرق: في الشبهة الموضوعية التحريمية المردّدة بين أمرين أو أكثر.

و محل الترديد إمّا محصور، و يسمّى الشبهة المحصورة، أو غير محصور، فهنا مقامان:

المقام الأوّل: في الشبهة المحصورة،

و قبل البحث نقدّم أمرين:

الأوّل: كما يشترط في صحّة التكليف قدرة المكلّف على الامتثال و الإتيان بالمكلّف به، كذا يشترط فيها قدرته على تحصيل العلم بامتثاله و لو بالاحتياط، فلا يجوز البناء في الامتثال على إصابة الواقع أحيانا و المطابقة الاتفاقية، لعدم كونه معقولا، بل كونه ممنوعا عقلا، لاستواء الاحتمالين عند عدم العلم في نظر المكلّف فمع عدم القدرة على كليهما معا بالاحتياط، لو عوقب على مخالفة أحدهما المطابق للواقع دون الآخر، لزم التكليف بما لا يطاق.

و منه يظهر أيضا أنّ مع قدرة المكلّف على تحصيل العلم و صحّة تعلّق التكليف لا يجديه الامتثال الاحتماليّ، بل يتوقف الامتثال على حصول العلم به، إذ مع عدمه يستوي المأتي به عنده للمحتمل الآخر.

380

و لو ترتّب ثواب الطاعة و عقاب المعصية عليه لا على الآخر لزم إناطة التكليف بالإصابة الاتفاقية للواقع، و قد علمت بطلانه، بل استحالته.

و كذا يظهر أنّ تكليف الجاهل بما في نفس الأمر، سواء كان الجهل بنفس الحكم، كما عليه الأخباريون في الشكّ الحكميّ في الحرمة، أو بالمكلّف به، كما عليه المشهور، لا ينفكّ عن التكليف بالاحتياط الموجب للعلم بامتثال الواقع، فالأوّل تكليف بدويّ له، و الآخر تكليف ثانويّ واقع في الطريق من باب المقدّمة العلمية.

الثاني: أنّ الأحكام الشرعية، كما تقرر في محله، منوطة بالحكم و المصالح الكامنة في ذوات الأشياء و خصوصيات الأفعال، على ما اتّفق عليه أهل المعقول و المنقول من العدلية، و لازمه ثبوت تلك الأحكام لها قبل تعلق علم المكلّف بها، و إلّا لزم الدور.

و الخطابات الشرعية المتوجهة إلى المكلفين منساقة لبيان تلك الأحكام الواقعية و مستعملة فيها، إلّا أنّها بالإضافة إلى أحوال المكلّفين ليست على إطلاقها، لمنافاته في كثير من صور الجهل، لما تقرّر في الشرع من القواعد الشرعية و الأصول العدمية (1) من التوسّع و الترخيص في مخالفة الأحكام الواقعية، بل إبقاؤها مطلقا على الإطلاق يؤدّى إلى التكليف بما لا يطاق، فهو مقيّد بغيرها على معنى عدم العقوبة على المخالفة الواقعية لعذر الجهل، و كونه مانعا لها، لا على تساويها للمطابقة في الآثار المسببة عن الحكمة الذاتية الباعثة لتشريع الحكم.

فمحطّ البحث هو الأوّل، و هو المسمّى بالحكم الظاهري، فلا يصحّ النقض باحتمال حصول مفسدة الحرمة في إباحة ما يحتمل الحرمة.

____________

(1) العملية (خ).

381

نعم، لا يصحّ الخروج عن الإطلاقات المقتضية للتكليف بالواقع، إلّا فيما ثبت تقييدها به.

و إذ تمهّد ذلك، فنقول صرّح جماعة من الأصوليين، بل عن المشهور: وجوب الاجتناب عن الجميع في الشبهة المحصورة، و لزوم الموافقة القطعية. و ذهب جمع من الأجلّة، منهم المحقق القمّي، و والدي العلّامة (1) إلى حلّية غير ما يساوي الحرام تخييرا، فلا يجب القطع بالموافقة، بل يحرم المخالفة القطعية، و عن بعضهم حلّية الجميع تدريجا و عدم حرمة المخالفة القطعية، و نسب ذلك إلى العلّامة المجلسي.

و الحقّ هو الثاني.

لنا على عدم وجوب الموافقة القطعية وجهان:

أحدهما: انتفاء التكليف بالمعلوم الإجمالي الواقعي بعينه بالنسبة إلى الجاهل، لأدلّة البراءة عما لا يعلم حرمته، كقوله (عليه السلام): «كلّ شيء حلال حتى تعلم أنّه حرام بعينه» (2). و قوله (عليه السلام): «كل شيء فيه حلال و حرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه» (3)، المخصّصة لعموم دليل تحريم العنوان المشتبه، كقوله: «اجتنب عن الخمر مثلا»، المطلق بالنسبة إلى علم المكلف و جهله، فيقيد بما ذكر.

و خصوصية موضوعه في الخطاب بالنسبة إلى موضوع أدلّة البراءة لا يرفع حكم التقييد بها لعدم مدخلية خصوصية العنوان في ذلك.

قيل: هذه الأخبار و أمثالها لا يصلح للمنع، لأنها كما تدلّ على حلّية كلّ واحد من المشتبهين، كذلك تدلّ على حرمة ذلك المعلوم الإجمالي، لأنّه شيء يعلم حرمته.

____________

(1) مستند الشيعة 2: 391.

(2) لم نقف عليه.

(3) وسائل الشيعة 24: 236، الباب 64 من أبواب الأطعمة المحرّمة، الرواية 30425.

382

قلنا: أوّلا أنّ المعلوم الإجماليّ ليس إلّا الموضوع الخاصّ الواقع المجهولة بشخصه عندنا، المردّد بين أحد المشتبهين، فيصدق على كلّ منهما أنّه لا يعلم حرمته بعينه، و لازمه عدم التكليف باجتناب الموضوع الواقعي، و تقييد خطاب اجتنب عن الخمر- مثلا- بصورة العلم بصدقه على الموجود الخارجيّ، لما عرفت في المقدمة، أنّ التكليف بشيء لا ينفكّ عن التكليف بما هو طريق العلم بامتثاله.

فإذا حكم الشارع بإباحته يلزم الحكم بعدم حرمة الموضوع الواقعي- حينئذ- بخصوصه، و إن علم حرمته بحسب مفهومه الكلّي، كيف و إلّا لزم الحكم بحرمة الشبهة المجرّدة عن العلم الإجمالي أيضا، كما إذا وقع شكّ في كونه خلّا أو خمرا.

إذ العلم بحرمة الخمر الواقعي الكلّي الصادق على جميع أفراده لا ينفكّ عن وجوب الاجتناب عما يحتمل كونه الواقع، كما مرّ. و إلّا لزم جواز التخلف عنه، و هو خلف.

و من هذا ظهر أنّ أخبار التوسعة في الموضوع المشتبه تقدّم على دليل حرمة ما في الواقع و تقيّده، دون العكس، و إلّا لم يبق مورد لأدلّة البراءة، مضافا إلى كونها أخصّ منها، كما علمت.

و بالجملة إن أريد بالمعلوم الإجمالي موضوع الخطاب الشرعي المعين في الواقع، حيث يعلم حرمته، فينتقض بالشبهة المجرّدة، و إن أريد خصوص المعلوم في مورد الشكّ المردّد بين المشتبهين، فليس هو عنوانا لموضوع الحرام في الخطاب، حتى يستدلّ بتحريمه بالخطاب.

و ثانيا منع كون المعلوم الإجماليّ شيئا يعلم حرمته بعينه حيث كان خارجا عن موضوع الأخبار المذكورة، لصحّة سلبه عنه عرفا.

و القول بأنّ قوله: «بعينه» في الخبر الأوّل، أعني كلّ شيء حلال حتى تعلم أنّه

383

حرام بعينه، تأكيد للضمير للاهتمام في اعتبار العلم، كما يقال: رأيت زيدا بعينه، لدفع توهّم الاشتباه في الرؤية، فالمعيّن الواقعي المردّد بينهما يصدق عليه أنّه معلوم الحرمة بعينه، مدفوع، بأنّ هذا مبنيّ على إرادة «بنفسه»، من قوله: «بعينه» و هو خلاف الظاهر في المقام، سيما مع ملاحظة الخبر الثاني و إطلاق الأمثلة المذكورة في بعض هذه الروايات، مثل الثوب المحتمل للسرقة، و المملوك المحتمل للحرّية، و المرأة المحتملة للرضيعية، فإنّ إطلاقها يشمل الاشتباه مع العلم الإجماليّ، بل الظاهر أنّ المراد به ما يرادف بشخصه الخارجي أي يتميز عند العالم عن غيره في مقابل لا بعينه، فإنّه يصدق على الحرام الواقعي المجهول بشخصه أنّه غير معلوم بعينه، و أنّ الحرام منهما معلوم لا بعينه.

و إن كنت في ذلك متأمّلا فانظر إلى متفاهم العرف في نظائر ما نحن فيه، من الخطابات العرفية الصادرة عن الموالي، فإنّه إذا قال المولى لعبده: لا تشتر اليوم لحم البقر، و اشتر ما لم تعلم أنه لحم البقر، إذا اشترى أحد المشتبهين خاصة، مع علمه بكون أحدهما لحم البقر، لا يعدّ عاصيا، و لو عاقبه عليه يلام قطعا، مع رخصته في شراء المجهول.

هذا، و يدلّ أيضا، على حلّية البعض خصوص بعض الأخبار في الشبهة المحصورة، مثل: موثقة سماعة (1)، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل أصاب مالا من عمّال بني أمية، و هو يتصدّق منه و يصل قرابته و يحج ليغفر له ما اكتسب، و يقول إِنَّ الْحَسَنٰاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئٰاتِ (2)، فقال (عليه السلام): «إنّ الخطيئة لا يكفّر

____________

(1) وسائل الشيعة 17: 88، الباب 4 من أبواب ما يكتسب به، الرواية 22051.

(2) هود (11): 114.

384

الخطيئة و إنّ الحسنة يحبط الخطيئة»، ثمّ قال: إن كان خلط الحرام حلالا، فاختلطا جميعا، فلم يعرف الحرام من الحلال، فلا بأس، فإنّ ظاهره عدم صرف الجميع، بل بعضه المشتبه بالاختلاط، فلا يدلّ على جواز صرف الكلّ.

و أورد عليه: بأنّ ظاهره جواز التصرف في الجميع بصرف بعضه في القربات المذكورة و إمساك الباقي، فقد تصرف في الجميع، فلا بدّ من صرفه عن ظاهره، لئلا يلزم المخالفة القطعية. و لا ينحصر المصروف إليه في ترك ما يساوي مقدار الحرام، بل يحتمل حمل الخبر على غيره. و فيه منع الظهور جدّا، إذ ليس الباقي محل السؤال، بل هو مسكوت عنه، مع أنّ الأخبار الآمرة بإخراج الخمس في المختلط بالحرام قرينة ظاهرة لصرفه عن الظهور المدّعي.

و ثانيهما: أنّه لو سلّم التكليف بالمعيّن الواقعي، فثبوته لا يقتضي الاجتناب عن كلا المشتبهين، إلّا بقاعدة استدعاء الشغل اليقيني البراءة اليقينية، كما تقدّم في المقدّمة، و هي تعمّ التعيّن الشرعي الثابت بالاستصحاب، لقيامه مقام التعيّن الوجداني في الشرعيات، و لما كان الامتثال هنا بالترك و هو معلوم الثبوت أوّلا، فالاستصحاب يقتضي بقائه إلى أن يعلم العصيان، و هو بفعلهما جميعا.

و بهذا يحصل الفرق بين الواجب و الحرام، فإنّ الاستصحاب في الواجب بين المشتبهين تقتضي عدم الإتيان به إلى أن يحصل اليقين به الحاصل بإتيانهما معا.

فإن قلت: استصحاب عدم الإتيان بالحرام الواقعي المشتغل به يعارض استصحاب عدم الآخر، كما في المائع المردّد بين الخمر و الخلّ، فلا يحصل بالاستصحاب هنا العلم الشرعي بالامتثال، فوجب تحصيل العلم الوجداني به.

قلت: مقتضي تعارض الاستصحابين و تساقطهما، الرجوع في خصوص الآثار و اللوازم إلى ما يقتضيه الاستصحاب في أنفسها، كما بيّناه فيما أسلفنا في محلّه، كما

385

إذا علم حدوث عقد مردّد في كونه إجارة بعشرة أو بيعا بمائة، فإنّه بعد تعارض استصحابي عدم كلّ منهما، يرجع إلى استصحاب عدم اشتغال ذمّة المتعاقدين له بالزائد عن العشرة لعدم العلم بموجبه.

ففيما نحن فيه نقول: إذا تناول أحد المشتبهين، و إن لم نحكم بعدم تناول الخمر، نظرا إلى معارضته لاستصحاب عدم تناول الخلّ، إلّا أنّه يستصحب عدم حصول العصيان و عدم حدوث استحقاق العقاب، و تلازمه للخلّ إنّما هو بحسب الوجود الواقعي لا الظاهري الاستصحابي، فلا يستلزم الحكم بعدم العصيان الحكم بكونه خلّا.

و من فروع ذلك في المقام أمور كثيرة هي معاقد الإجماع- ظاهرا- عند القائلين بالاجتناب عن الجميع، فلا يحكم بوجوب الحدّ لشرب أحد المشتبهين في المثال المذكور، و لا باشتغال الذمة بحق الغير إذا اشتبه ماله بمال الغير فأتلف أحدهما.

و منها ما إذا لاقى أحد المشتبهين بالنجاسة شيئا ثالثا، فمقتضى التحقيق: عدم تنجس الملاقي و لو على البناء على وجوب الاجتناب عنهما. صرّح به بعض القائلين به، كما هو ظاهر غيرهم.

و بهذا يظهر الفرق بين الاجتناب عن النجس الاستصحابي المنجّس للملاقي إجماعا، و الاجتناب عن أحد المشتبهين في الشبهة المحصورة، فإنّ الأوّل من جهة الحكم بالنجاسة شرعا، فيترتّب عليها آثارها، و الثاني من باب المقدمة، و سنبيّنه على مزيد بيان في ذلك.

و بالجملة نظر القوم في الشبهة المحصورة تحريما و جوازا، من جهة نفس المشتبه من حيث كونه مشتبها، مع قطع النظر عن الآثار الخارجة، فإنّها موكولة إلى ما يقتضيه الأصل باعتبار نفس الآثار.

386

فإن قلت: فعلى هذا لزم القول باستصحاب اشتغال الذمّة بالصلاة في أحد الثوبين المشتبهين، و لو على المختار في المسألة من عدم وجوب الاجتناب عن الجميع، مع أنّه لا يقال به.

قلت: وجهه أنّ الثابت من الشرع كون النجاسة مانعة للصلاة، لا أنّ الطهارة مبيحة لها، فالحكم بالبطلان يستدعي اليقين بوجود المانع و لو بالاستصحاب.

و لنا على حرمة المخالفة القطعية التي هي بارتكاب الجميع و لو تدريجا وجهان:

أحدهما: أنّ الجملة المشتملة على الحرام اليقيني حرام قطعا، و إن لم يعلم الحرام منها بشخصه، فيحرم ارتكاب الجميع.

فإن قلت: على ما ذكرت سابقا من جواز ارتكاب أحد المشتبهين خاصة لعدم العلم بحرمته بخصوصه، جاز ارتكاب الآخر أيضا، لاستواء حاله في ذلك مع الأوّل، و حصول العلم بارتكاب محرّم بعد فعله غير ضائر، لعدم اتصاف الفعل بالحرمة بعد العمل، مع فرض كونه محكوما بالجواز عند ارتكابه.

قلت: حكم المجموع غير حكم كلّ واحد كما مرّ و هو يحصل بارتكاب الأخير، فهو مقدّمة وجودية للحرام حقيقة لا علمية.

فإن قلت: أدلّة البراءة النافية لحرمة كلّ واحد يستلزم عدم حرمة المعلوم الإجمالي الواقعي، بالتقريب المتقدّم، فلا يكون المشتمل عليه حراما.

قلت: كلّ واحد له جهتان: جهة خاصة في نفسه، و هو محكوم بالحلّية، و جهة اجتماعية تحصل من تداركهما الجميع (1)، فهو محرّم، من قبيل ارتكاب أجزاء الحرام، فإنّ المجموع- حينئذ- حرام بعينه، فلا تشمله أدلّة البراءة و تعيّن شخص الحرام من بين الجملة المشتملة عليه غير لازم اتفاقا. و حيث إنّ تلك الجهة، أعني

____________

(1) كذا.

387

الهيئة المركّبة تحصل بالأخير، فهو محكوم بالحرمة.

و أمّا الأوّل، فإن قصد به اقترانه بالأخير أيضا، فلا يبعد الحكم بحرمته مع هذا القصد أيضا، بل هو الظاهر، فإذن المشهور في أحدهما إنما هو بعد الأمر بالاجتناب عن الآخر، لئلا يلزم ارتكاب الجميع، فيكون الحلال الظاهريّ هو أحدهما على التخيير، و هو من قبيل التخيير الاستمراري في تقليد أحد المجتهدين المتخالفين فيما يقلّد فيه.

فإن قلت: عنوان المجموع من حيث هو ليس عنوانا للحرام الواقعي المقصود من الخطاب الشرعي، بل هو أحدهما بخصوصه، و حيث إنّه حلال ظاهريّ بسبب الجهل، فيسقط التكليف عن الحرام الواقعي، فلا يضرّ العلم بالمخالفة القطعية، كما وقع نظائرها في الشرعيات فوق الإحصاء، كما في الرجوع في التقليد في المثال المذكور، و كما في إقرار ذي اليد لزيد و قيام البيّنة لعمرو، فتؤخذ المال منه لعمرو و قيمته لزيد، أو قال هذا لزيد بل لعمرو بل لخالد، حيث يغرم لكلّ من الأخيرين تمام القيمة، مع أن حكم الحاكم في الجميع مخالف للواقع، و أمثال ذلك من صور الأقارير و التحالف و غير ذلك.

قلت: نعم، ليس المجموع عنوان الحرام الواقعي، بل هو أحدهما الخاص، إلّا أنّه لاشتماله عليه و عدم العلم بالخاصّ بعينه صار عنوانا له في الظاهر، و حلّية كلّ واحد بالخصوص بدليل البراءة لا يقتضي حلّيته مقترنا بالآخر، و لا يساعده دليل البراءة كما عرفت. و النقض بالمخالفة القطعية في أمثال ما ذكر غير متّجه.

أمّا التقليد الذي يتبدّل بتقليد مجتهد آخر، فلأنّ التقليد لكونه طريق الواقع في حقّ المقلّد، و لو تعبّدا، فهو من باب تغيّر الواقع في حقّه، نظير تغيّر رأى المجتهد لنفسه.

388

و أمّا في غيره، فلا يلزم جواز المخالفة القطعية في حكم شخص واحد، من قبيل واجد المني في ثوب مشترك.

و أمّا الحاكم، فوظيفته أخذ ما يستحقه المحكوم له على المحكوم عليه بالأسباب الظاهرية كالإقرار و الحلف و البيّنة و غيرهما، فهو قائم مقام المستحقّ في أخذ حقّه، و لا عبرة بعلمه الإجمالي بالنسبة إلى غيره.

و ثانيهما: بناء العرف على ما ذكرناه، كما يشاهد في نظائر ما نحن فيه من الأحكام الصادرة عن الموالي و حكمهم به، فإنّه إذا قال المولى لعبده: لا تشتر اليوم لحم البقر و يجوز لك شراء ما لم يعلم كونه لحمه، إذا اشترى المشتبهين و لو بصفقتين، يعد عاصيا و يعاقب عليه، كما لا يعاقب إذا اقتصر على أحدهما كما أشرنا إليه، و ما هو إلّا لكونه لازم الخطابين معا، و هو حجّة في الشرع، بل يحكم بذلك القوة العاقلة.

احتجّ القائلون بحرمة الجميع بوجهين:

الأوّل: إنّ أدلّة تحريم المحرمات شاملة للمعلوم الإجمالي، فلزم بحكم العقل التحرز عن ارتكاب ذلك المحرّم بالاجتناب عن كلا المشتبهين، و إلّا لزم تجويز ارتكاب ما هو الحرام الواقعي إذا اتفق كونه المرتكب به و عدم العقاب، إذ المفروض ثبوت التكليف هنا بما هو في الواقع، لمكان العلم به.

و الجواب عنه: أوّلا: إنّ المراد بالمعلوم الإجمالي، إن كان ما هو موضوع الخطاب الشرعي، أعني الماهيّة الكلّية، فلا كلام في كونه مكلّفا به، لكن بشرط العلم بمصداقه الخارجي، و أمّا مع عدمه فلا.

و لا فرق في ذلك بينه و بين الشبهة الابتدائية الموضوعية، فإنّ نسبة الجهل إلى كلّ واحد من المشتبهين، كنسبته إلى المشتبه الابتدائيّ.

389

و إن كان هو الفرد الواقعي المردّد بينهما، فهو أوّل الكلام، و شمول الخطاب المحمول على المعنى النفس الأمريّ له و إن كان مسلما، إلّا أنّ تكليفنا به مقيّد بالعلم بنفس الحكم و موضوعه بملاحظة أدلّة البراءة، كما تقدم بيانه. و لا فرق في ذلك- بالنسبة إلى مصاديق الموضوع الخارجية- بين الشبهة المحصورة و الابتدائية، مع صدق العلم فيهما بنفس الحكم الثابت من الخطاب الشرعي.

و إن كان المراد، المجتمع من المشتبهين المشتمل على المعلوم الإجماليّ، فحرمته مسلمة، بل هو حرام تفصيليّ لا يجوز تناولهما جميعا، فإنّ المركّب من الحرام حرام كما بيّناه، و أين هو من كلّ واحد وحده.

و ثانيا: أنّه لو سلم التكليف التحريمي بالنسبة إلى أحدهما المعين الواقعي، فغاية الأمر وجوب تحصيل العلم الشرعي بامتثاله الشامل للعلم الاستصحابي.

و قد علمت: أنّ مقتضى الاستصحاب عدم حصول العصيان و استحقاق العقاب بفعل أحدهما، و إن تعارض الاستصحابان فيهما بملاحظة نفس الموضوعين.

و من هذا يظهر أنّ الاستناد بحال العبد إذا قال له المولى: اجتنب عن الخمر المردّد بين هذين الإنائين، حيث لا يرتاب في وجوب الاحتياط حينئذ، ليس كما ينبغي، فإنّه لو سلم كون المبحوث عنه من هذا القبيل، مع أنّه غير مسلّم كما عرفت، فهو إذا لم يقترن به قول المولى: إذا شككت في وقوعك في العصيان، فلا حرج عليك.

الثاني: الأخبار الدالّة على اجتناب الجميع.

و منها المرسل (1): «اتركوا ما لا بأس به حذرا عمّا به البأس». و منها الخبر

____________

(1) في مستدرك الوسائل 11: 267، عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): أنّه قال: «إنّما سمّي المتّقون المتّقين، لتركهم عما لا بأس به حذرا ممّا به البأس».

390

المنجبر بالشهرة (1): «ما اجتمع الحرام و الحلال إلّا غلب الحرام على الحلال».

و منها رواية ضريس (2)، عن السمن و الجبن في أرض المشركين: قال: أمّا ما علمت أنه قد خلطه الحرام فلا يحلّ، و ما لم تعلم فكل، و الخلط يصدق مع الاشتباه.

و منها رواية ابن سنان (3): «كلّ شيء حلال حتى يجيئك شاهدان أنّ فيه الميتة»، فإنّه يصدق على المجموع لحمان فيه الميتة.

و الجواب عن الأوّل: إنّ اجتماع الحلال و الحرام، إن كان محمولا على معنى الاشتباه، فينقض بالشبهة الابتدائية و غير المحصورة، و مع ذلك مجاز لا يصار إليه إلّا بدليل، و إن كان على الحقيقة، فالمراد بالغلبة، إن كان بالنسبة إلى كلّ جزء فينتقض بمعلوم الحلّية في المجتمع منهما، و مع ذلك فخلاف الظاهر أيضا، و إن كان بالنسبة إلى الكلّ فهو كذلك، و لا يحصل إلّا بتناول الأخير، فلا يتمّ المدّعى.

و عن الثاني: إنّ المراد منه، إن كان صورة الشكّ، فهو كسائر أدلّة الاحتياط محمول على الاستحباب، لمعارضتها لأدلّة البراءة الراجحة عليها، على ما تقرّر في محلّه، و إن كان المراد منه صورة العلم بالبأس، فلا يصدق إلّا على المجموع كما ذكرنا.

____________

(1) عوالي اللآلي 2: 132، الحديث 358؛ مستدرك الوسائل 13: 68، الباب 4 من أبواب ما يكتسب به، الرواية 14768.

(2) وسائل الشيعة 24: 235 الباب 64 من أبواب الأطعمة المحرمة، الرواية 30424؛ مع اختلاف يسير.

(3) وسائل الشيعة 25: 118، الباب 61 من أبواب الأطعمة المباحة، الرواية 31377؛ الرواية عن عبد اللّه بن سليمان، عن الصادق (عليه السلام) في الجبنة قال: «كل شيء لك حلال حتى يجيئك شاهدان يشهدان أنّ فيه الميتة».

391

و إرادة المعلوم الإجمالي المردّد بين المشتبهين ليست بأظهر من حمله على المباح المعد لارتكاب الحرام، ككثير من الشهوات النفسانية، و استلزام حمل الأمر على الاستحباب من باب الإرشاد و الوعظ الوارد أمثاله في الأخبار بما لا يحصي، ليس بأدون من التجوّز الحاصل على الحمل على المبحوث عنه، فيما إذا ارتكب أحد المشتبهين خاصة.

و عن الثالث: أنّ الخلط حقيقة في الامتزاج دون الاشتباه، فهو على خلاف المقصود أدلّ. و من هذا و ما تقدم يظهر ما في الرابع أيضا.

حجّة القول بحلّية الجميع تدريجا يظهر مما قدمنا مع جوابه، و مع ذلك يمنعه بعض ما تقدّم من الأخبار، مضافا إلى كونه خلاف ظاهر الأصحاب، و لم يجترأ على القول به صريحا من مال إليه، بل يترتّب عليه من المفاسد ما لا ينبغي الشبهة فيه.

و حجّة القول بالقرعة: أنّ الحرام المشتبه يتخلّص بها، لما ورد أنها لكلّ أمر مشكل، و خصوص الخبر الحاكم بالقرعة في قطع غنم نزى (1) الراعي على واحدة منها ثم أرسلها في الغنم فاشتبه بغيرها.

و الجواب عن الأوّل: أنّه لا إشكال بعد ما عرفت من الأدلّة.

و عن الثاني: أنّه لا يدلّ على الوجوب، بل غايته الاستحباب، كما احتمله بعض الأصحاب، سيما مع عدم صراحته فيه و ندرة القول بها بل شذوذه، فلا ينهض حجّة. و احتمل بعضهم اختصاص العمل به في مورد الخبر مع عدم ما يفيد العموم فيه.

تنبيهات:

الأوّل: ما ذكرنا من حلّيته ما عدا مقدار الحرام تخييرا

إنّما هو فيما لا يقتضي

____________

(1) نزا، ينزو: وثب، و الذكر على الأنثى: سفدها.

392

الاستصحاب حرمتها أو حرمة أحدهما بخصوصه، و إلّا فيبنى على ما يقتضيه الاستصحاب.

أمّا الأوّل: فلرجوعه إلى تعارض الاستصحابين في موضوعين لا نسبة بينهما بالسببية، فإنه يجب الاجتناب- حينئذ- عنهما على القول بالعمل بهما، كما هو غير بعيد على ما تقرر في محلّه، كما إذا اشتبه المغسول من المتنجّسين.

فإن قلت: فكيف لا يعمل باستصحابي الطهارة إذا علم تنجّس أحدهما لا بعينه.

قلت: الممنوع- حينئذ- الجمع بينهما و ارتكاب الجميع، لحصول العلم به- حينئذ- بارتكاب الحرام، بخلاف استصحابي الطهارة، إذ غاية ما في الباب- حينئذ- العلم بترك الحلال المردّد بينهما، و لا محذور فيه.

و من ذلك ما إذا اشتبهت زوجته بالأجنبية في امرأتين، فيحرم وطؤها، مضافا إلى ظهور الإجماع فيه، فإذا طلقت إحدى زوجتيه ثم اشتبهتا، فمقتضى ما اخترناه و إن كان حلّية أحدهما، إلّا أنّه لا يبعد الإجماع على حرمتهما في خصوص المورد، كما في الإنائين المشتبهين.

و أمّا الثاني: فلتعين الحرام من بينهما بالاستصحاب الذي هو دليل شرعي، كما إذا دار الأمر بين تنجّس هذا و زوال نجاسة ذلك، فيبنى على استصحابي النجاسة و الطهارة فيهما.

الثاني: قال بعض القائلين باجتناب الجميع: لو كان المشتبهان مما يوجد تدريجا،

كما إذا كانت زوجة الرجل مضطربة في حيضها بأن نسيت وقتها و إن حفظت عددها، فتعلم أنها حائض في الشهر ثلاثة أيام مثلا، فهل يجب على الزوج الاجتناب عنها في تمام الشهر، و يجب على الزوجة أيضا الإمساك عن دخول المسجد و قراءة العزيمة تمام الشهر أو لا.

393

التحقيق أن يقال: أنه لا فرق بين الموجودات فعلا و الموجودات تدريجا في وجوب الاجتناب عن الحرام المردّد بينهما إذا كان الابتلاء دفعة و عدمه، لاتّحاد المناط في وجوب الاجتناب.

نعم، قد يمنع الابتلاء دفعة في التدريجيات كما في مثل الحيض، فإن تنجّز تكليف الزوج بترك وطء الحائض قبل زمان حيضها ممنوع، فإنّ قول الشارع:

فَاعْتَزِلُوا النِّسٰاءَ فِي الْمَحِيضِ وَ لٰا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّٰى يَطْهُرْنَ (1) ظاهر في وجوب الكفّ عند الابتلاء بالحائض، إذ الترك قبل الابتلاء حاصل بنفس عدم الابتلاء، فلا يطلق بهذا الخطاب.

و يشكل الفرق بين هذا و بين ما إذا نذر أو حلف ترك الوطء في ليلة خاصة، ثم اشتبهت بين ليلتين أو أزيد، و لكنّ الأظهر هنا وجوب الاحتياط.

إلى أن قال: فحيث لا يجب الاحتياط في الشبهة التدريجية، فالظاهر جواز المخالفة القطعية، لأنّ المفروض عدم تنجز التكليف الواقعي بالنسبة إليه، فالواجب:

الرجوع في كل مشتبه إلى الأصل الجاري في خصوص ذلك المشتبه إباحة و تحريما، فيرجع في مثال المضطربة إلى استصحاب الطهر إلى أن يبقى مقدار الحيض، فيرجع فيه إلى أصالة الإباحة، لعدم جريان استصحاب الطهر، انتهى.

أقول: و للنظر فيه مجال، لأنّ الابتلاء بالمعلوم الإجمالي لا يتفاوت فيه الحال بين الدفعي و التدريجي مع العلم بحصوله، بل تناول الدفعيات أيضا تدريجي حقيقة، فإنّ قطيع غنم في الشبهة المحصورة لا يمكن أكل كلّه دفعة.

و بالجملة أيّ فرق فيما إذا علم وجود شخص كافر في جملة عدد محصور يأتيك متعاقبا، و حيض ناسية الوقت في الشهر، فكيف يمنع تنجّز التكليف بترك

____________

(1) البقره: 222.

394

وطء الحائض قبل زمان حيضها، و تجوز المخالفة القطعية فيه استنادا إلى استصحاب الطهر في غير مقدار زمان الحيض، و فيه إلى أصالة الإباحة، و لا يمنع تنجّزه بترك ملاقاة الكافر قبل وصوله و حضوره، و قد يقتضي الاستصحاب في التدريجي ترك الجميع و تحصل الموافقة القطعية، كما إذا شكّ في صيرورة أحد الخمرين خلّا، ثم شك في صيرورة الآخر كذلك، مع العلم الإجمالي بصيرورة أحدهما خلّا، فلا ينبغي الحكم- مطلقا- بجواز المخالفة القطعية في التدريجيات، و كيف تبنى الزوجة على الطهر في تمام الشهر مع العلم باشتغال ذمّتها بقضاء صوم الثلاثة. اللهمّ إلّا أن يستثنى ذلك عن حكمة (1) المخالفة. بل التحقيق، أنّ مقتضى تأخر الحادث، الحكم بتجدد موضوع الحرمة في آخر الأزمنة المشتبهة، كما في مثال حيض الناسية، و هكذا (2) في غير صورة تجدّد موضوع الحرام، أيضا، نظرا إلى تجدّد الحكم التكليفي فيه، فيعمل أيضا، بأصل التأخر بناء على القول بهذا مطلقا.

الثالث: لا فرق في حكم الشبهة المحصورة في اتحاد حقيقة المشتبهات و اختلافها موضوعا أو فعلا متعلّقا به.

و ما قد يستظهر من صاحب الحدائق في جواب صاحب المدارك في قوله: إنّ المستفاد من قواعد الأصحاب أنّه لو تعلق الشك بوقوع النجاسة في الإناء و خارجه لم يمنع من استعماله، من التفصيل بين الصورتين و تخصيص الاجتناب عن المشتبهين بالأولى دون الثانية، لا عبرة به، لعموم المناط، فلا يختلف حكم المشتبه في تردّد النجس بين الماء و مائع آخر، أو بين ماء و ثوب، أو بين السجدة في خارج الإناء و شرب الماء في مثال المدارك، و التلبّس بالثوب و الشرب عند التردّد في

____________

(1) حلّية (خ).

(2) في الأصل: و كذا هذا.

395

نجاسة أحدهما، بل و لو كان المحرم على كلّ تقدير عنوانا غيره على التقدير الآخر، كما لو دار الأمر بين كون أحد الثوبين نجسا و كون الآخر مال الغير، لاندراج ذلك كلّه في وجوب الاجتناب عن الحرام، و النواهي الشرعية كلها مشتركة فيه، فلا يتفاوت الحال في ذلك باختلاف العنوانات.

الرابع: آثار الحرام الواقعي و أحكامه الشرعية لا يترتّب عليه إلّا باستيعاب الجميع دون البعض على ما اخترناه.

و أمّا على القول باجتناب الجميع، فصريح بعض من عاصرناه عدم ترتّبها أيضا، بل ظاهر إطلاقه على الاستيعاب أيضا، لأنّ وجوب الاجتناب على مختارهم من باب المقدمة للمعلوم الإجمالي الواقعي، و لا ينهض ذلك في الآثار، فيرجع فيها إلى الأصول الجارية في كلّ واحد بخصوصه، و أنت خبير بأنّ الآثار تابعة للحرام الواقعي، و حيث التزم القائل به بثبوت التكليف به و إيجاب الجميع من باب الاحتياط و تحصيل العلم بامتثاله، فيجري هذا الكلام بعينه في الآثار التكليفية له أيضا، مثلا: إذا علم نجاسة أحد المائين، و حكم بوجوب الاجتناب عنهما تحصيلا للعلم بدرك الواقع، فكذا يلزمه بذلك الحكم ببطلان الصلاة بإصابة أحدهما إلى الثوب، و حصول الحنث بلبس الملاقي له إذا كان منذورا و بطلان بيعه، و هكذا.

و تخصيص التكليف بمجرد الاجتناب عن العين تحكم محض، بل نقول: الأثر الواقعي، أيضا، معلوم إجمالي، و بقاء التكليف به يقتضي الاحتياط في أمثاله، و التحقيق: أنّ التكليف المعلوم أمر وجدانيّ حقيقة، هو البناء على نجاسة المعلوم الإجمالي أو حرمته، و الجري عليه و جعله بمنزلة المعلوم التفصيلي، كما عساه يظهر من كثير من القائلين باجتناب الجميع.

فإن قلت: التكليف باجتناب العين منجّز غير مشروط بشيء، و أمّا بالآثار،

396

فمعلق بوجود المعلوم الإجمالي الذي يتفرّع عليه، و لا علم بها بوجود أحدهما.

قلت: نعم، هذا اعتراض وارد على أصل هذا القول و إلّا فعلى البناء على كون المعلّق عليه كنجاسة المشتبه محكوما بوجوده، لزمه الحكم بوجود ما علّق عليه.

فإن قلت: لا يحكم بنجاسة كلّ منهما في حقه، بل بوجوب الاجتناب عنه من باب المقدّمة للاجتناب عن النجس الواقعي.

قلت: وجوب الاجتناب، أيضا من أحكام النجس و الحرام و آثارهما الشرعية، كما أنّ بطلان الصلاة فيه و وجوب تطهيره عند الضرورة و بطلان البيع و حرمة التصرف و أمثالها من آثارهما، فلا وجه لتخصيص التكليف عند العلم الإجمالي بالاجتناب خاصة.

و بالجملة، ما استظهروا به للتكليف بالواقع المعلوم إجمالا، يقتضي التكليف بنفس المتبوع المستتبع لآثاره و أحكامه الشرعية، أى وجوب البناء و الجري عليه، لا خصوص بعض مقتضياته، فالعلم بامتثال المتبوع الواجب بحكم المقدمة لا يحصل إلّا بالبناء عليه في كلّ منها.

نعم، من الآثار الوضعية ما يشترط في ثبوته مصادفة المأتي به للواقع، فلا يحكم في خصوص مثله باعتبار وجوب المقدمة العلمية الذي هو حكم ثانوي، كاشتغال الذمّة بحق الغير إذا اشتبه ماله بمال نفسه، فإثباته متوقف على العلم بحصول السبب، و هو عند ارتكابهما جميعا.

و من ذلك استحقاق خصوص العقاب المقرّر للحرام الواقعي، فلا يستحقه إلّا بمصادفة المأتيّ به للواقع أو بارتكابهما جميعا، و إلّا فمع عدم المصادفة كان عليه عقاب المخالفة (1) للحكم الثانوي التوصّلي.

____________

(1) في الأصل: عصيان المخالفة.

397

الخامس: إذا لاقى أحد المشتبهين شيء ثالث، لم يحكم بنجاسته على المختار معينا،

سواء كان قبل استعمال أحدهما أو بعده، لعدم حصول العلم بها و لو بعد استعمال الجميع، و إنما يحكم بالآثار المشتركة.

نعم، لو كان الحكم بنجاسة أحدهما من باب التخيير الناشئ عن عدم المرجّح، فلا يبعد القول بنجاسة ما لاقاه إذا اختاره المكلّف من بينهما، و كذا على القول بالقرعة.

و يظهر ممّا ذكرناه، عدم جواز الجمع بين ملاقي أحدهما مع عين الآخر، و كذا بين ملاقيهما، و وجهه ظاهر.

و أما على القول بالاجتناب عن الجميع، فقال بعض من عاصرناه، فيه وجهان، بل قولان، و اختار عدم التنجّس الملاقي، استنادا إلى أنّ الاجتناب عن النجس لا يراد به إلّا الاجتناب عن العين، و تنجّس الملاقي للنجس حكم وضعي سببي يترتّب للعنوان الواقعي من النجاسات، فإنّه إذا شكّ في ثبوته للملاقي جرى فيه أصل الطهارة.

و بعد الإحاطة بما تقدّم بيانه، يظهر لك ضعفه جدّا، فإن ما يترتّب للعنوان الواقعي هو التنجّس الواقعي للملاقي، و لا نعني به، كما لا نحكم به لغير الملاقي- بالفتح- أيضا. و أما التنجّس الظاهري، فيترتّب على تنجّس العين ظاهرا، كتنجّس الملاقي للنجس الاستصحابي، و المفروض كون الملاقي- بالفتح- محكوما بالنجاسة، و إن كان من باب المقدمة، و يلزمها نجاسة ما لاقاه كما تبيّن.

ثم اعترض على نفسه، بأنّ وجوب الاجتناب عن ملاقي المشتبه، و إن لم يكن من حيث ملاقاته، إلّا أنّه يصير كملاقاته في العلم الإجمالي بنجاسته أو نجاسة المشتبه الآخر، فلا فرق بين المتلاقيين في كون كل منهما أحد طرفي الشبهة.

398

و أجاب عنه بما حاصله: أنّ الاستصحاب بين المتعارضين إذا كانا في مرتبة واحدة من غير سببية أحد المستصحبين لخلاف (1) الآخر، يتساقطان و يرجع في الأحكام و المسببات في كلّ منهما بما يقتضيه الأصل و الاستصحاب في أنفسهما، ففي المورد يتعارض أصلا الطهارة في الملاقي- بالفتح- و المشتبه الآخر و يسقطان، و يبقى أصالة الطهارة في الملاقي- بالكسر- التي هي من المسبّبات سليما عن معارضة أصالة طهارة المشتبه الآخر.

و فيه، أنّ القاعدة المذكورة مسلّمة مقبولة، كما حقّقناه في مقامه و أشرنا إليه، إلّا أنها لا يتمّ المدعى على القول المذكور، لأنّه (2) يرد عليه- مضافا إلى منع تساقط الاستصحابين المتعارضين في موضوعين مختلفين مع انتفاء السببية- أن تنجّس الملاقي إنّما نشأ من تنجّس الملاقي- بالفتح- شرعا، سواء كان لاستصحابه أو لجهة كونه مقدّمة، و تخصيص حكم المقدّمة بمجرّد اجتناب العين دون البناء على نجاسته فقد عرفت ضعفه، بل لعلّه خلاف ظاهر أكثر القائلين بحرمة الجميع في الشبهة المحصورة.

السادس: إذا فقد بعض المحتملات، لم يحرم ارتكاب الباقي على القولين:

أمّا على قولنا فظاهر.

و أمّا على القول الآخر، فلعدم العلم بالتكليف الواقعي، إذ لعلّ المفقود هو المعلوم الإجمالي، فالتكليف به معلّق على وجوديهما و تحقق شرائط التكليف به، و لذا لو اضطرّ إلى ارتكاب بعض المحتملات، فالظاهر على المختار، عدم حرمة المختار فيه، لعدم دليل على حرمة ضمّه إلى المضطرّ فيه، و على القول الآخر ففيه تفصيلات و فروع يستبعدها الأنظار السليمة.

____________

(1) كذا.

(2) في الأصل: «إلّا أنّه كما» مكان «لأنّه».

399

المقام الثاني: في الشبهة الغير المحصورة.

و العبارات في تفسيرها مختلفة غير منتظمة، كجعل المناط فيها لزوم المشقة في الاجتناب عنها أو عدم إمكان ارتكاب الجميع عادة، أو تعسّر عدّه مطلقا أو في زمان قصير أو ما يعد غير محصورة عرفا، أو استهلاك العلم الإجمالي بالحرام فيها لكثرة المحتملات، و أمثال ذلك فإنّ كلّ ذلك يختلف باختلاف الوقائع و مقدار المعلوم الإجمالي و الفعل المتعلّق بها دفعة أو تدريجا، و كذا باختلاف الأشخاص، كصحراء وسيعة يتنجّس بعضها بالنسبة إلى من يزاولها برطوبة و احتاج إلى مزاولتها، و من لا يزاولها و لا يحتاج إليها و أقواها اعتبارا، ما ذكره الشهيد و المحقّق الثانيان و غيرهما، من كونها ما يعسر عدّه، إلّا أنّه لا ينبغي التقييد بذلك بالنسبة إلى الفعل المتعلّق بها.

و كيف كان، فالخطب سهل، بناء على عدم الفرق في الحكم بين الشبهتين كما هو الحقّ، فيحلّ ما عدا مقدار الحرام، و يحرم ما يساويه، لما تقدّم من الأدلّة، مضافا إلى ظهور الإجماع هنا على حلّ ما عدا مقدار الحرام المصرّح به في كلام غير واحد، بل عن بعضهم دعوى الضرورة عليه في الجملة.

و ظاهر أكثرهم إطلاق القول بعدم وجوب الاجتناب إلى آخر الأفراد.

و استدلّوا عليه بوجوه قاصرة، منها: الإجماع، و هو في غير مقدار الحرام مسلم، و أمّا فيه فغير ثابت، كما اعترف به بعض القائلين به، بل الظاهر عدمه، و إن كان في إطلاق قولهم بعدم وجوب الاجتناب فيها ظهور شموله له، إلّا أنّه يحتمل- قويّا- أن يكون مراد المصرّحين به، عدم وجوب الاجتناب فيها، في مقابل القول بوجوبه.

و منها: لزوم المشقّة المنفية في الشريعة في الاجتناب عن المشتبهات الغير

400

المحصورة، لظهور عدم اطّرادها في موارد تلك الشبهة.

تكلّف في توجيهه بعضهم باحتمال كون المراد لزومها في أغلب أفراد هذه الشبهة لأغلب أفراد المكلّفين، فيشمله عموم قوله تعالى يُرِيدُ اللّٰهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لٰا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ (1) بضميمة ما ورد من إناطة الأحكام الشرعية وجودا و عدما بالعسر و اليسر الغالبيين.

و فيه أوّلا: أنّه لا مشقّة في ترك مقدار الحرام كما هو المفروض، فلا يتم المدّعى.

و ثانيا: أنّ الشبهة الغير المحصورة ليست عنوانا للحكم في الأخبار حتى يلحق النادر منها بالغالب في حكم العسر، بل هو عنوان مخترع في كتب الفقهاء لموضوعات متعدّدة في أحكام مختلفة يتفاوت أغلبها في استلزامه المشقة لأغلب أفرادها بالنسبة إلى أغلب المكلّفين و عدمه، و ليست هي واقعة واحدة، فلو سلّم ملاحظة الأغلب في لزوم العسر، فالمناط ملاحظته في كلّ موضوع بعنوانه المختصّ به، بالنظر إلى اجتناب الحرام المردّد بين أفراده، لكونه المقتضي للاجتناب عنها على القول به، لا كثرة الأفراد و قلّتها، و هذا يختلف باختلاف مواضع الشبهة و أحوال المكلّفين فيها و الأفعال المحرمة المتعلّقة بها، كما أشرنا إليه، بل قد يكون الاجتناب عن الشبهة المحصورة موجبا للمشقة، فعلى ذلك لزمه جعل العنوان الكلّي للزوم المشقة الغالبة مطلق الشبهة.

و ثالثا: أنّ المبحوث عنه في الشبهة هو الحكم الثانويّ الظاهريّ في الحلّية و الطهارة و الملكية، فحلّيتها أو حرمتها مبنيّة على أصل البراءة أو وجوب الاحتياط من باب المقدّمة، فهو رفع لحكم ثابت لا تأسيس حكم واقعي.

____________

(1) البقرة: 185.

401

و التمسّك بنفي العسر في مثل ذلك لا يفيد أزيد من جواز الارتكاب، من قبيل الاضطرار في أكل الميتة و تناول مال الغير في المخمصة، لا الطهارة و الملكية، و عدم النجاسة و عدم الاشتغال بحق الغير أو صحّة البيع و أمثال ذلك. و مع ذلك يختصّ الرخصة المستفادة منه بموارد تلك المخمصة و تدور مدارها، لا مطلقا.

و ليس من قبيل تمسّك بعضهم لطهارة الحديد بنفي العسر و الحرج، فإنّه تعليل و إبداء حكمة لتأسيس حكم واقعي لا لرفع حكم ثابت، و بينهما فرق بيّن.

و منها: أصالة البراءة. و الخروج عن مقتضاها في الشبهة المحصورة، إنّما هو لإمكان ارتكاب الجميع عادة، فيحصل اليقين باستعمال الحرام إذا تنجّس، بخلاف غير المحصور، فلا يتحقّق العلم به عادة.

و فيه: أنّ هذا يجري في غير مقدار الحرام في المحصور أيضا، فلا يحصل به الفرق بينهما، و أمّا في مقداره، فعدم إمكان وقوع موضوعه في غير المحصور لا يوجب الحكم بالحلّية، لتعليقها على وجوده.

و ربما يوجّه: بأنّ وجوب الاجتناب عن الكلّ إنّما هو مع تنجّز التكليف بالحرام الواقعي، و هو حاصل في المحصور، للعلم بوقوعه فيما يمكن ارتكابه، أعني:

الجميع، بخلاف غير المحصور، فإنّ ما يمكن من المحتملات فيه لا يعلم منه الحرمة، فلا تكليف به حتّى يستدعي اليقين بالبراءة، و ما علم وقوعه منه غير ممكن الاستعمال، فلا يتعلّق التكليف بالمعلوم الإجمالي الواقع منه حتّى يستدعي البراءة. و ضعفه يظهر مما تقدّم.

402

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

403

[المشرق الثاني و عشرون] [في بيان كيفية الاحتياط]

مشرق: في بيان كيفيّة الاحتياط فيما وجب أو ندب.

فاعلم: أنّ الاحتياط على ما اصطلح عليه هو العمل بما يحصل القطع به بدرك الواقع و إحرازه على ما عليه في نفس الأمر عند الشكّ، و لو بتكرير العمل، سواء كان الشكّ في نفس التكليف، أو في المكلّف به.

و هذا مما لا شكّ في صحّته، و لا يحتاج إلى تجشّم الدليل عليه على شرعيته، لمكان القطع بمطابقة العمل لما في الواقع، و الضرورة قاضية بخروج العهدة حينئذ، إلّا أنّ تحقّق الاحتياط بهذا المعنى لا يتصوّر مع حصول الشكّ في الواقع فيما يفتقر إلى النية، كالعبادات، لمنافاة الشك لقصد ما في الواقع على ما هو عليه، فيما دار الأمر بين متنافيين، أو على وجهه من الوجوب و عدمه، فيما كان الشك بين الأقل و الأكثر، كما في جزء العبادة و شرطها.

و مجرّد إخطار القربة أو خصوص الوجوب مع عدم الإذعان به ليس من النية المعتبرة في العبادة، فمرادهم من الاحتياط المجمع على رجحانه وجوبا أو استحبابا في العبادات المؤكّد به في الأخبار إنّما هو في غير النية، بل هو إحراز

404

الواقع بالنسبة إلى سائر الأجزاء و الشروط، فإذا شكّ في القصر أو الإتمام على رأس أربعة فراسخ لم يعلم شرعية أحدهما بالخصوص و تعلّق الأمر به بحسب الواقع، فكيف يتصوّر قصد التقرب به بحسب الأمر الواقعي.

و حيث لا ينطبق العمل الاحتياطي على ما هو عليه في الواقع، يحتاج الحكم بصحّة الاحتياط و شرعيته إلى إقامة الدليل عليه.

فنقول: لا خلاف و لا كلام في صحّته بهذا المعنى و شرعيته بعد الفحص عن الواقع، و لعلّه إلى هذا تنظر المحكيّ عن المشهور بين أصحابنا من أنّ عبادة تارك طريقي الاجتهاد و التقليد غير صحيحة، و إن علم إجمالا مطابقتها للواقع، للإجماع على صحته بعد الاجتهاد الكاشف عن الواقع بالدليل الظنّي المعتبر، كالخبر الصحيح، و إن كان في إطلاق هذا قبل الفحص، أيضا نظر سترى وجهه، و كيف كان، فالتحقيق: أنّ ما يحتاط فيه، إمّا يفتقر صحّته و خروج العهدة عنه إلى نية القربة، كالعبادات البدنية، أو لا، كالواجبات المالية، مثل المنذور و المحلوف عليه و الزكاة و الخمس، بالنسبة إلى اشتغال الذمّة بحق الغير، بحيث يحصل البراءة عنه و لو بالإجبار عليها، و كالواجبات التوصّلية التعبّدية، كتطهير النجس.

أمّا الأوّل: فالشكّ إمّا بين الأقلّ و الأكثر، كوجوب السورة في الفريضة، فإحراز الواقع- حينئذ- بإتيان الأكثر، أو بين متنافيين، كالظهر و الجمعة، و القصر و الإتمام، فهو بتكرير العمل.

أمّا على الأوّل، فالأصحّ صحّة الاحتياط قبل الفحص بإتيان الأكثر، بناء على عدم اشتراط نية الوجه، كما هو الأقوى، لمطابقة العمل للواقع- حينئذ- على الاحتمالين، بمجرّد نية القربة، فيحصل به الاحتياط المجمع على صحّته و رجحانه، لعدم توقّفه على شرط آخر.

405

نعم، على اعتبار نية الوجه- بل على الشكّ في اعتباره- فالظاهر عدم تحقق الاحتياط بإتيان الأكثر قبل الفحص عن وجه العمل بالدليل المعتبر، لمقام الشكّ في حصول الإطاعة الموجبة للخروج عن العهدة، و الشكّ في شرعية هذا الاحتياط.

و أمّا بعد الفحص، فقد عرفت الدليل عليه من الإجماع، بل الضرورة. بل منه يظهر أنّ المعتبر في الاحتياط المطلوب المرغوب فيه هو العلم بالخروج عن العهدة في الواقع، و إن لم يقطع بمطابقة العمل للمأمور به الواقعيّ، فإذا دار الواجب بين أمرين، أحدهما غير مقدور، فالاحتياط- حينئذ- بإتيان الآخر خاصة و إن لم يعلم كونه الواقعي، و بالجملة فالدليل على صحّة الاحتياط في العبادات [يختصّ] بما بعد الفحص عن الواقع، و أمّا قبله مع إمكانه، فلا دليل على شرعية الاحتياط- حينئذ- على القول باعتبار نية الوجه.

فإن قلت: عدم اعتبار نية الوجه محلّ الاختلاف، بل عن المشهور، كما قيل اعتباره فلا يتحقّق الاحتياط قبل الفحص على القول المختار من عدم اعتبارها أيضا.

قلت: هذه المسألة مقطوع بها لنا بملاحظة الإطاعة العرفية الدائرة عليها الإطاعة الشرعية، و نحن نتكلّم في البحث على زعمنا، فمن وافقنا في هذا الجزم حصل له الاحتياط قبل الفحص بنية القربة في الترديد بين الأقلّ و الأكثر، و من خالفنا لم يحصل له.

و أمّا على الثاني، فالأصحّ عدم حصول الاحتياط- مع التمكّن عن العلم التفصيلي أو الظنّ المعتبر بالفحص- بالتكرار.

و استظهر من الحدائق (1) دعوى الاتّفاق على عدم مشروعية التكرار- حينئذ-

____________

(1) الحدائق الناضرة 1: 69.

406

و تابع فيه الحلّي في السرائر.

و وجهه: استدعاء العبادة نية القربة، و هو فرع العلم بالأمر به، و الفرض عدم العلم بالنسبة إلى كلّ واحد بخصوصه ليطابق العمل الواقعي، و عدم دليل آخر على شرعية هذا الاحتياط الناقص الغير المحصّل للقطع بإحراز الواقع، كما سمعت. و نية القربة بقصد الاحتياط فرع الدليل على صحته و الخروج به عن العهدة. و منه يظهر فساد عبادة الجاهل التارك لطريقي الاجتهاد و التقليد.

و أمّا الثاني: فالظاهر صحّة الاحتياط و لو بتكرار العمل، بمعنى حصول البراءة عن الواجب، إذ المفروض تحقق إحراز الواقع، و عدم توقف البراءة منه على نية الامتثال.

نعم، ترتّب الثواب يحتاج إلى قصد القربة، فلا يترتّب بدونها، كما إذا أجبر الممتنع عن الزكاة على أخذها منه، إلّا أنّه يلزم تخصيص منع الثواب بما إذا لم يقصد من الفعل تحصيل البراءة عن حقّ المستحقّ، إذ المفروض حصولها بدون العلم التفصيلي أيضا، و لو مع التمكن منه، و قصد إبراء الذمّة من الحق المعلوم إجمالا ممدوح مشكور قطعا، فيصحّ قصد التقرب بكلّ منهما، كما إذا لم يعلم أنّ الواجب عليه في الزكاة، الإبل أو الغنم، فيبذل كليهما، سواء كانت الشبهة حكمية أو موضوعية، حصلت من نسيان و نحوه.

و من هذا يظهر حكم الاحتياط في الشبهة الابتدائية الاستقلالية أيضا و لا شبهة في صحّته- مطلقا- فيما لا يحتاج حصول البراءة فيه إلى النية، و صحّته بعد الفحص كذلك مطلقا و عدمها ظاهرا قبله مع احتمال صحّته أيضا في شبهة الموضوع مطلقا قبل الفحص لمظنّة الإجماع كما إذا شكّ في وجوب فائتة معينة عليه لنسيان و نحوه.

407

تنبيهات:

الأوّل: هل يصحّ الاحتياط قبل الفحص عما يوجب الظنّ المعتبر الاجتهادي مع اليأس عن التمكن من تحصيل العلم بالواقع،

فيه وجهان:

من أنّ مناط المنع إمكان تحصيل العلم التفصيلي بالواقع كما عرفت، و مع اليأس عن تأثير الفحص في حصوله لم يكن ممنوعا، و لذا يصحّ اتفاقا مع حصول الظن الاجتهادي على خلافه، كما تقدّم.

و من عدم الدليل على شرعيته مع عدم إحراز الواقع، خرج صورة ما بعد الاجتهاد في تحصيل الظنّ المعتبر، و بقي الباقي.

و يوافقه ما حكي عن المشهور، من بطلان عبادة الجاهل التارك للطريقين، ضرورة عدم حصول العلم من الاجتهاد و التقليد. و المسألة لا تخلو عن إشكال.

الثاني: مقتضى ما ذكرنا صحّة الاحتياط فيما إذا دار الأمر بين الوجوب و الاستحباب مطلقا.

سواء كان قبل الفحص أو بعده، للعلم بالقربة، و كفاية نية التقرّب في إحراز الواقع على كلّ تقدير.

الثالث: هل يصحّ الاحتياط قبل الفحص مع إمكانه في مثل كلمات القرآن و الأدعية-

إذا اشتبه كلمة منها أو إعرابها بين شيئين- بتكريرهما أم لا؟

لا شكّ في عدم صحّة ذلك في قراءة الصلاة و أدعيتها، للعلم الإجمالي ببطلان أحدهما، فالتكلّم به فيها غلط يبطل الصلاة، و أمّا في غيرها فالظاهر: الصحة، بإحراز الواقع بالتكرير، إذا كان يسيرا لم يخرج بزيادة غير الواقع عن القراءة و الدعاء عرفا، سواء كانت واجبة بنذر أو مندوبة، لعدم اشتراط نية القربة الفعلية التفصيلية في كلّ جزء، بل يكفي الحكمية الإجمالية في ضمن نية الكلّ، و هذا القدر من نية القربة يحصل بإحراز الواقع بتكرير كل ما يحتمل كونه جزء له. و أمّا نية

408

الجزئية فلو سلّم اشتراطها فهو لا ينافي الترديد بإحراز الجزء الواقعي، في غير ما يخلّ الزائد بالعبادة.

الرابع: إذا كان الشك في جزئية شيء للعبادة أو شرطيته مع احتمال مانعيته،

فيرجع إلى الشكّ بين المتباينين، فلا يحصل الاحتياط بتكريرها خالية عنها و مشتملة عليها قبل الفحص مع إمكانه، لما حرّرنا من عدم حصول نية القربة في كلّ واحد- حينئذ- سواء كانت الشبهة حكمية أو موضوعية، فإذا شكّ في القبلة في إحدى الجهتين أو أكثر، مع التمكن من الفحص عنها، لا يخرج عن عهدة التكليف بإتيانها في كلّ جهة، أو انحصر لباس الساتر في النجس، مع إمكان تطهيره، و شكّ في أنّ تكليفه- حينئذ- صلاة العريان أو مع ثوب النجس، و أمّا إذا شكّ في مقدار الساتر، أنّ الواجب ستر ما بين الركبة و السرة، أو مجرّد المخرجين و الخصيتين، فإنّه يتحقق الاحتياط بستر الزائد، لما أشرنا من عدم اشتراط النية التفصيلية في الشرائط.