مشارق الأحكام

- الشيخ محمد بن احمد النراقي المزيد...
510 /
409

[المشرق الثالث و عشرون] [في حكم الإعراض عن الملك]

مشرق: إذا أعرض المالك عن ماله، فهل يوجب الخروج عن ملكه؟ و على خروجه هل يتملّكه من أخذه.

قلّ من تعرض لعموم حكمه بهذا العنوان. نعم، يستفاد منهم حكمه في موارد خاصة:

منها: مسألة البعير التي بقيت في فلاة لأجل كلالة.

فحكي عن الأصحاب مشعرا بالإجماع- أنّه يتملّكه الآخذ، و استدلّوا عليه بصحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «من أصاب مالا أو بعيرا في فلاة من الأرض، قد كلّت و قامت و نسيها صاحبها لما لم ينفعه، فأخذها غيره، فأقام عليه و أنفق نفقة حتى أحياها من الكلال و من الموت، فهي له، و لا سبيل له عليها، و إنما هي مثل الشيء المباح» (1) و في معناها غيرها.

و منها: مسألة تراب الصياغة، قال في المسالك (2) و لو دلّت القرائن على إعراض

____________

(1) وسائل الشيعة 25: 457، الباب 13 من أبواب اللقطة، الرواية 32348.

(2) مسالك الأفهام 3: 352.

410

مالكه عنه، جاز للصائغ تملّكه، كغيره من الأموال المعرض عنها.

و في الكفاية (1): تراب الصياغة: إن علم بالقرائن المفيدة للعلم أنّ صاحبه أعرض عنه، جاز للصائغ تملكه، كسائر الأموال المعرض عنها، خصوصا إذا كانت مما يتسامح فيها عادة، و لا يبعد الاكتفاء بالظنّ مع عدم قضاء العادة على خلافه، و إلّا، فإن كان أربابها معلومين، استحلّهم أو ردّه إليهم، و لو كان بعضهم معلوما فلا بدّ من الاستحلال، و إلّا، فالظاهر جواز بيعه و الصدقة به.

و استدلّ عليه بروايتي عليّ بن ميمون الصائغ، حملا لإطلاقه على ما لم يعلم إعراض المالك عنه.

و منها: مسألة السفينة المنكسرة في البحر. فعن المشهور: أن ما يخرج بالغوص فهو لمن أخرجه، و ما أخرجه البحر فهو لصاحبه، لرواية الشعيري (2): سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن سفينة انكسرت في البحر، فأخرج بعضه بالغوص، و أخرج بعض ما غرق فيها. فقال: «أما ما أخرجه البحر فهو لأهله، اللّه أخرجه، و أما ما أخرج بالغوص فهو لهم، و هم أحقّ، و في السرائر (3) بعد نقل هذه الرواية في كتاب القضاء:

وجه الفقه في هذا الحديث: أن ما أخرجه البحر فهو لأصحابه، و ما تركه أصحابه آيسين منه فهو لمن أخذه و غاص عليه، لأنّه صار بمنزلة المباح. و مثله من ترك بعيره من جهد في غير كلاء و لا ماء، فهو لمن أخذه، لأنّه خلّاه آيسا منه، و رفع يده عنه، فصار مباحا. و ليس هذا قياسا، لأنّ مذهبنا ترك القياس، و إنما هذا على جهة المثال و المرجع فيه إلى الإجماع و تواتر النصوص، دون القياس و الاجتهاد، و على الخبرين إجماع أصحابنا. انتهى.

____________

(1) كفاية الأحكام: 99، كتاب المتاجر.

(2) وسائل الشيعة 25: 455، الباب 11 من أبواب اللقطة، الرواية 32343.

(3) السرائر 2: 195.

411

و الظاهر أنّ مراده من القياس المتوهّم فيه: كونه من باب استنباط علة الإباحة للتملّك من الرواية الصحيحة المتقدّمة، معتذرا للعلّية (1) بكونه معقد الإجماع و النصوص.

و منها: مسألة اطلاق الصيد بعد التملّك و قصد الخروج عنه، حيث اختلفوا فيه، و الأكثر على عدم الخروج كما في المسالك (2). و ذهب بعضهم إلى الخروج. نسبه في الكفاية (3) إلى الأكثر. و يتفرّع عليه جواز اصطياده للغير بقصد التملك و عدمه.

و كيف كان، فاستدلّ المحقق القمّي، في المسألة في أجوبة مسائله لما اختاره من كون الإعراض موجبا للخروج عن ملك المالك و تملك الآخذ، سيما في الشيء الدون، بوجوه:

أحدها: الإجماع العملي، بملاحظة عمل الناس في كل عصر و مصر، من التقاط السنابل بعد الإعراض، من الصلحاء و المتدينين و غيرهم، و لم ينكر عليهم أحد من العلماء في جميع الأعصار و الأمصار، و التقاط جلّات البعير و الأغنام في المفاوز و الصحاري، و يجرون فيها أحكام الملك للملتقط، من البيع و الشراء، ضرورة أن ليس بيع الملتقط بالنيابة عن المالك، و لا بالإجازة منه، فإنهم يبيعون لأنفسهم، فليس الإعراض منزلة الإباحة المحضة، و مجرّد رضى البائع بأخذه و بيعه لنفسه ليس كافيا في انعقاد العقود، بل يحتاج إلى الإنشاء، و لو بالمعاطاة.

و ثانيها: الإجماع المحكيّ في كلام ابن إدريس (4)، مضافا إلى شواهد الموارد المذكورة في كلمات العلماء.

____________

(1) كذا.

(2) مسالك الأفهام 11: 523.

(3) كفاية الأحكام: 246.

(4) السرائر 2: 82.

412

و ثالثها: العلّة المستفادة من صحيحة عبد اللّه بن سنان المتقدمة (1)، و ملاحظة الأخبار الواردة في خصوص مواردها.

أقول: الظاهر من إطلاق كلامه- أعلى اللّه مقامه- أنّ مقصوده من الأدلّة: خروج المعرض عنه عن الملك بمجرّد الإعراض، و لو قبل أخذ الغير و تملكه، بحيث لا يسعه الرجوع عن إعراضه، و منعه الغير عن أخذه، و حصول التملّك للغير فيما يعم الأموال العظيمة و العقار و الضياع. و في دلالتها على جملة ذلك نظر جدّا.

أمّا على خروج الملك بمجرّد الإعراض قبل التقاط الغير: فلأنّ غاية ما يستفاد من تلك الأدلّة: الدلالة على حصول الملك للآخذ، و أنّى هو و الخروج عن ملك المالك قبل التقاط المتملك.

و تعليل الصحيحة بكونه مثل الشيء المباح، إنّما هو لملك من أخذه، لا للخروج قبله، إذ المراد من المباح: المباح الأصلي الذي لم يجر عليه ملك أحد، و لذا قال (عليه السلام): «مثل الشيء المباح» حيث إنّ ظاهر التشبيه كونه في تملك الآخذ، لا للخروج عن يد المالك، اذ لا يستقيم ذلك في المباح المالكي، إلّا في الإعراض، و هو عين المشبّه به.

و أمّا على عموم هذا الحكم بالنسبة إلى الأموال الخطيرة: فلعدم إفادة السيرة- علما و لا ظنّا- إياه، إذ لم يعهد من الناس في سيرتهم في عصر أو مصر- فضلا عن الأمصار و الأعصار- إجراء حكم الملك لمن تصرّف في الدار المعمورة أو المزرعة الدائرة بمجرد إعراض مالكها عنها، و الإجماع المحكيّ عن الحلّي غير مصرّح و لا

____________

(1) وسائل الشيعة 25: 118، الباب 61 من أبواب الأطعمة المباحة، الرواية 31377؛ الرواية عن عبد اللّه بن سليمان، عن الصادق (عليه السلام) في الجبنة قال: «كل شيء لك حلال حتى يجيئك شاهدان يشهدان أنّ فيه الميتة».

413

ظاهر في العموم، بل لو عمّ فهو بالنسبة إلى المال الآيس عنه صاحبه، كالواقع في البحر، لا مطلقا، و نحوه الصحيحة، مع أنّ البعير المسؤول عنها لكلالها في فلاة الأرض و عجزها عن السير من الأموال الحقيرة التي لا يعتني بها صاحبها، و لذا قيد الأصحاب حكمه بما إذا كانت متروكة في غير كلاء و لا ماء، بحيث كانت في حكم التالفة.

و خصوص الموارد المتقدمة لا يشهد بالعموم، خصوصا بملاحظة اختصاص الوفاق و الخلاف في كلماتهم بها، فإنّك تريهم لا يتجاوزون عن حكم البعير المتروكة في فلاة عن جهد إلى الشاة و سائر الدوابّ بحكم النصّ. و سمعت من المسالك في إطلاق الصيد مع الإعراض و قصد الخروج عن التملك، نسبة القول بعدم الخروج إلى الأكثر. و عرفت الحكم بالتفصيل في السفينة المنكسرة، بين ما أخرجه البحر و ما أخرجه بالعوض، من جهة النصّ.

ثم أقول: الذي يترجّح عندي في تحقيق المسألة: أن رفع المالك يده عن ماله:

إمّا اختياري، بإعراضه عنه و قصده عدم تملكه، أو اضطراري، بأن يحصل له اليأس عنه عادة، كالواقع في البحر، و فرار الطير عن القفس.

ثم الكلام: إمّا في خروجه عن ملك المالك بمجرّد الإعراض أو اليأس، أو في ملكه للآخذ بقصد التملك.

أمّا في الأوّل: فمقتضى النظر بقاؤه على ملك المالك، و إن خرج عن المالية، للاستصحاب، فإنّ الملك أمر شرعي و حكم وضعي، فكما يحتاج في حدوثه و ثبوته إلى سبب شرعي، كذا يحتاج في خروجه إلى ناقل شرعي، و لم يثبت من الشرع أنّ نية الخروج عن الملك أو اليأس عنه من القواطع الشرعية، و إن قلنا بصيرورته بها مثل المباحات التي يجوز أخذه بقصد التملك، لما عرفت من ضعف ما استدلّ به.

414

و يظهر الثمرة في رجوع المالك عن نية الخروج قبل تملّك الغير، و لو بشهادة الحال، كما إذا اتفق اجتماع الحبوب بهبوب الرياح و نحوه، حتى صارت كثيرة لا يتسامح عنها عادة، أو ارتفع اليأس عنه و حصل الرجاء قبل أخذه الغير، كما إذا أخرجه البحر.

و أما في الثاني: ففي الصورة الأولى، أعني: الإعراض اختيارا، فالظاهر:

التفصيل بين الأشياء الحقيرة التي يتسامح بها الملّاك عادة، و لو لتوقف ماليتها على مشقّة لا يتحمل في مثلها غالبا، أو لجريان العادة عليه، كالحبوب المتشتة الملقاة في الأرض عند الحصاد، و جلّات البعير و الأغنام في المفاوز، و الحشيشات و قشور الفواكه و الجوزات في الشوارع و من ذلك البعير التي كلّت من جهد في فلاة في غير كلاء و لا ماء، و أمثال هذه، فيتملكها الآخذ، و بين الأموال العظيمة، فلا يتملك بأخذ الغير، لاستمرار السيرة القطعية في الأمصار و الأعصار في الأوّل على كونه ملكا لآخذه، مضافا إلى ظاهر التعليل في صحيح ابن سنان، دون الثاني، فنقتصر في الحكم المخالف للأصل على مورد الدليل.

و هل يلزم العلم بإعراض المالك و إباحته لمن يتملك؟

لا شكّ في عدم اشتراط التلفظ به منه، بل و لا الالتفات و الشعور به و لا بالمعرض عنه، بل يكفي شاهد الحال المعلوم بالسيرة العادية، فلا يتوقف إباحته على إنشاء لفظي و لا فعلي، بل لنا أن نقول: بعدم اشتراط العلم برضى المالك ما لم يعلم عدمه، اكتفاء بحكم السيرة بالشهادة الحالية النوعية في عموم الحكم، و إن فقدت الشهادة الشخصية في مورد مشخّص لمانع، فإنّ اكتفاء الشارع في عموم الحكم في خصوص الأشخاص بما يقتضيه النوع- مع قطع النظر عن العوارض الشخصية المانعة عند عدم العلم بها- غير عزيز، بل كثير في الأحكام الشرعية،

415

كالخبر الصحيح المنوط حجيته بالظن المخصوص أو المطلق، فإنه لا يتأمّل أحد في حجيته، و لو تعارضه القياس الظني، و زال به الظن الشخصي.

فالمناط في جواز التملك للغير، بعد قطع المالك يده عنه، كونه متسامحا فيه و سبيلا على الإطلاق غالبا في العرف و العادة. نعم، يشترط عدم العلم بكراهة المالك و قصده بقائه لنفسه.

و بهذا يصحّ توجيه مناط جواز الأخذ و التملك في مال الصغار، و لا يتفحّص في السيرة المستمرّة عن كونه من الصغير أو المجنون أو الكبير الرشيد، لجريان هذا الحكم في السيرة في مال الصغار أيضا، و لا يجب على الولي المنع رعاية لمصلحة مال المولّى عليه، لأنّه حكم شرعي، و إن كان منعه بيد الولي، كما يستحب له الزكاة في مال الصغير، و إن كان خلاف مصلحته، و له المنع عنها.

و مما ذكرناه يظهر ضعف المحكيّ عن ظاهر الأكثر من اشتراط بقاء العلم بالرضا، بشاهد الحال، و هو مبنيّ على كون الإعراض موجبا للإباحة، دون الخروج عن الملك.

و ما اعترض عليه المحقق القمّي، بأنّه لو فرض أن أحدا جمع السنابل في مزرعة أحد بعد الإعراض عنه على سبيل التدريج، حتى بلغ ثلاثمائة منّ من الحنطة، ففي الآن، لو علم المالك أنّه لم يخرج عن ملكه بالإعراض، لا يحصل العلم برضاه، مع أنّه خلاف ما يقتضيه الإجماع المستنبط من سيرة الناس، فيشهد ذلك بخروجه عن الملك بمجرّد الإعراض، و أنّ المعتبر هو العلم بالرضا حين الإعراض خاصة، فتأمل جدّا.

و أما في الصورة الثانية، أعني: الإعراض اضطرارا من جهة اليأس عن المعرض

416

عنه عادة، كالواقع في البحر، و الطائر عن القفس، فمقتضى رواية الشعيري (1) الدال على خروج ما غرق عن ملك المالك إلى ملك من أخرجه بالغوص، و عدم سبيل المالك عليه: كونه كالمعرض عنه اختيارا في تملكه للآخذ، غير أنّ الأوّل يختصّ بالحقير، كما عرفت، و هذا يعم الحقير و الخطير.

و الرواية و إن كانت مختصّة بموردها، إلّا أن الظاهر كون العلّة صيرورة ما غرق بمنزلة المباح، كما استشعره منها الحلّي (2)، مستدلا له بالأخبار المتواترة و النصوص.

[و] يدلّ على إطلاق الحكم عموم العلّة المستفادة من صحيحه ابن سنان.

لا يقال: يلزم من ذلك جواز تملك المغصوب المتعذّر للمالك أخذه عن الغاصب، إذا أخذه عنه غير المالك، و جواز تملك المفقود في المفاوز، مع أنّه يجب ردّهما إلى المالك إجماعا.

لأنا نقول: المراد باليأس الموجب لتملك الواجد: ما هو كذلك في العادة، بالنسبة إلى جميع الناس، فكان مأيوسا عنه في نفسه، لا بالنسبة إلى المالك خاصّة أو أمثاله، بحيث عدّ المال هالكا و تالفا عرفا على سبيل الإطلاق، فلا يرد النقض بما ذكر.

فرع: إذ انبتت الحبوب المتشتة في شقوق الأرض حتى صارت زرعا،

فمقتضى ما ذكرناه أنّه لمالك الأرض، و لا يجوز لأحد حيازته و هو ظاهر الفاضل في القواعد (3) حيث قال في باب المزارعة: و لو تناثر من الحاصل حبّ فنبت في العام الثاني، فهو لصاحب البذر، و لو كان من مال المزارعة فهو لهما. انتهى.

____________

(1) وسائل الشيعة 25: 455، الباب 11 من أبواب اللقطة، الرواية 32343.

(2) السرائر 2: 101.

(3) قواعد الأحكام 3: 314.

417

نعم لو أخذها غيره قبل صيرورتها زرعا، و ربّاها في أرضه، فهو للمربّي، و عليه أجرة الأرض.

و ربما يقال بكون الزرع لمالك الأرض، من جهة كونه شيئا مباحا دخل في أرضه و تولد منه زرع، و ليس بشيء، و اللّه العالم.

418

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

419

[المشرق الرابع و عشرون] [في بيان قاعدة الضمان]

مشرق: في بيان قاعدة الضمان، و الضابطة الكلّية لما يوجبه.

قالوا: أسباب الضمان ثلاثة: إثبات اليد الغير المحقّة، و المباشرة للإتلاف، و التسبيب. و حيث إنّ كلماتهم في ضبط الأخيرين و تفسيرهما و ما يفترق به بين السبب و العلّة و الشرط غير محرّرة غالبا، أردنا ضبط قاعدة كلية مستفادة من أدلّة الضمان، ينكشف بها موارد الضمان، و ما هو المراد من الموجبات المذكورة و الفرق بينها.

و نشير- أوّلا- إلى قاعدة إثبات اليد و دليلها. فهنا بحثان:

البحث الأوّل: في إثبات اليد الموجب للضمان،

و هو عبارة عن الاستيلاء على مال الغير، عينا أو منفعة، بغير إذن من ذي الحقّ، و لا استحقاق في التصرف فيه، عمدا و عدوانا كان، و هو المسمّى بالغصب، أو جهلا، فلا يشمل ما فيه إذن المالك، من الأمانات المالكية لزوما أو جوازا، بالعقود اللازمة أو الجائزة، كالإقراض و الوكالة و العارية و الوديعة و نحوها، أو إذن الشارع من الأمانات الشرعية، كالملتقط و المأخوذ من الغاصب لإيصاله إلى المالك، و ما ليس فيه استيلاء، كوضع اليد على

420

ثوب لابسه، و العبور عن ملك الغير بدون إذنه، و إن كان آثما، و ما فيه استيلاء على مال نفسه و فيه حق الغير، كالمرهون، أو في غير المال، و إن كان فيه حق الانتفاع لآدمي، كالبضع، و مكان الجلوس في المسجد.

و الأصل في اقتضاء اليد الضمان، بعد الإجماع عليه: الخبر النبويّ المشهور:

«على اليد ما أخذت حتى تؤدّى» (1) و اشتهاره في كتب الأصحاب رواية و عملا، و تلقّيهم بالقبول، و استدلالهم به في موارده من غير نكير، الجابر لضعفه بالإرسال، يكفي عن مئونة البحث عن سنده، بل لا يقصر عن الصحيح.

و وجه دلالته كونه متبادرا، سيما بملاحظة فهم العلماء سلفا و خلفا في ضمان عهدة المال، بإرادة ذي اليد من اليد، من باب تسمية الكل باسم جزئه، المناسب للمقام، نظرا إلى كون الأخذ غالبا باليد كتسمية الجاسوس بالعين، و الترجمان باللسان، و بإرادة الضمان من كلمة «على» المتضمنة للضرر، فإنّ استعمال «على» في ضمان العهدة إذا كان متعلّقه مالا، شائع متعارف في محاورة أهل اللسان، كقولك: عليّ لفلان عشرة دراهم، المتّفق على كونه إقرارا، و حصول الضمان بقوله:

دين فلان عليّ.

فاحتمال كونه إنشاء في إيجاب الردّ أو الحفظ، بتقدير أحدهما، بملاحظة الغاية، خروج عن ظاهر اللفظ، بل هو من قبيل: عليك الصلاة حتى تصلي، إلّا على كونه إخبارا عن الوجوب، و هو أيضا- مع بعده- يحتاج إلى التقدير المخالف للأصل، بل التقييد بالعلم، إذ لا تكليف مع الجهل.

فالمعنى المراد من الحديث المنساق المتفاهم للأصحاب و غيرهم: كون العين مضمونة على صاحب اليد ما لم يردّ إلى صاحبه، و معنى ضمانها: كونها بحيث لو

____________

(1) سنن الترمذي 2: 368، الحديث 1284؛ سنن ابن ماجة 2: 802، الحديث 2400.

421

تلفت لزمه العوض.

و إطلاقه يشتمل صورتي العلم و الجهل، كما هو معقد الإجماع و إن رجع الجاهل على من غرّه على القاعدة الآتية. نعم، يقيد بغير الإذن إجماعا.

تكميل و تفريع:

فرّعوا على عموم على اليد، ضمان الكلّ في الأيدي المتعاقبة، سواء علموا جميعا الغصب أم جهلوه، أو بالتفريق، لاشتراك الكلّ في تصرّف مال الغير بغير إذن مالكه، فيدخل في العموم غير أنّ الجاهل غير آثم.

و المالك يتخير في تضمين من شاء منهم بالعين و المنفعة، أو الجميع بالتقسيط، و لو بالتفاوت، و له تقسيط أكثر من واحد و ترك الباقي، و تضمين بعضهم بالعين و الآخر بالمنفعة.

و يرجع الجاهل منهم بالغصب إذا رجع عليه المالك على من غرّه و سلّطه على العين أو المنفعة و لم يعلمه بالحال، و هكذا الآخر، إلى أن يستقر الضمان على الغاصب العالم، و إن لم تتلف في يده.

و يرجع المالك في الزيادة على من تلفت عنده قبل وصول العين إلى الآخر.

هذا إذا لم يكن يد الجاهل الذي تلفت عنده يد ضمان، بل يد أمانة، كالوديعة و الرهن و الوكالة، و إلّا كما في العارية المضمونة، فلا يرجع على غيره، و يستقرّ عليه الضمان.

ثمّ استثنى من رجوع الجاهل الأمين إلى العالم، ما لم يكن الجاهل متلفا، و إلّا فيستقرّ عليه، استنادا إلى أنّ مباشرة الإتلاف أقوى من إثبات اليد العادية، إلّا إذا كان المتلف مغرورا، كما إذا قدمه ضيافة فأكله، حيث إنّه أوهمه أنّه لا تبعة عليه، فلو رجع المالك على الآكل، رجع هو على الغاصب على الأشهر، لتغريره الآكل

422

على كون الأكل مجانا لا يتعقبه الضمان، و أقامه (1) على إتلاف الطعام على كونه ملكه، في احضاره عنده. و مثله تغريره في الأمر بذبح الشاة.

و هذه الأحكام اكثرها معقد الإجماع، بل لم ينقل خلاف فيما عدا الأخير، و إن تأمّل بعضهم في بعضها. و أثبتوها بوجوه لا يخلو بعضها عن مناقشة.

و تفصيل المقام: أنّ صور تعدّد الأيدي و رجوع المالك على بعضها عند التلف، على وجوه ثمانية، لأنّه إما يرجع المالك على الثاني الذي تلفت العين عنده، أو على الأوّل. و على التقديرين: إمّا يكونان عالمين، أو جاهلين، أو الثاني عالما و الأوّل جاهلا، أو بالعكس. فظاهرهم الاتفاق على استقرار الضمان على من تلفت عنده، إلّا إذا كان جاهلا، فيرجع- لو رجع المالك عليه- على من غرّه عالما، إلّا إذا كان هذا الجاهل متلفا للعين من غير تغرير.

و تحقيق الحال في تلك الصورة على ما يقتضيه الأدلّة: أنّ المالك، إن رجع على الثاني، و هما عالمان، لم يرجع الثاني على الأوّل إجماعا، لاشتراكهما في إثبات اليد و العلم بالغصب، فلا يغرم ما غرم للمالك، مع حصول التلف عنده.

و كذا لو كان الأوّل جاهلا و هو عالم بطريق أولى. و كذا مع جهلهما، لتساويهما في الجهة المقتضية لتخير المالك في الرجوع على ما شاء منهما، و اختصاص الثاني بحصول التلف في يده، الموجب الانتقال العين إلى البدل في ذمّته قطعا، و عدم استحقاق المالك إلّا بدلا واحدا استوفاه.

و جواز رجوع الثاني إلى الأوّل- حينئذ- غير معلوم، و مقتضى الأصل براءته.

و إن كان الأوّل عالما و الثاني الغارم جاهلا، فإن كان التلف سماويا و يده أمانة، كالوديعة و الوكالة، دون يد ضمان، الموجبة للرجوع مطلقا، كالعارية المضمونة،

____________

(1) كذا.

423

يرجع فيما غرم على العالم، لتغريره و سببيته عدوانا لضمانه، إلّا إذا كان الجاهل متلفا غير مغرور، فلا يرجع بلا خلاف يعرف.

و إن اغترّ في إتلافه، كما إذا قدمه ضيافة، فأكله، فيرجع أيضا على الغارّ، على الأشهر الأظهر.

و وجه الفرق بينهما: أنّ إتلافه على الأوّل، كان على كون العين لنفسه و ضرره عليه، فالمباشر هنا أقوى، و إن كان جاهلا من اليد العادية، و على الثاني: فإقدامه على الإتلاف لتغرير الغاصب إيّاه على كونه مجانا لا يلحقه به ضرر، كما في إطعام الضيف المغرور بأنّ أكله غير موجب لضرره، فالعهدة على العالم الغارّ.

و إن رجع المالك على الأوّل: فإن كانا جاهلين، فالظاهر: جواز رجوعه على الثاني الذي تلفت عنده. و قرار الضمان عليه، و إن كان التلف سماويا، و اليد أمانية.

لا لما قيل من اشتغال ذمّته. بعد تلف العين عنده بالبدل، بحكم ضمان إثبات اليد. و جواز أخذه المالك من الأوّل باعتبار إثبات يده، مجرّد خطاب شرعي، لا ذمّي، إذ لا دليل على شغل ذمم متعدّدة بمال واحد، فحينئذ يرجع المالك على الأوّل بما اشتغلت ذمة الثاني، فيملك بأدائه ما للمالك على الثاني بالمعاوضة القهرية الشرعية، لإمكان المناقشة فيه بأنّ ما في الذمّة عند التلف بدل العين، و لا ينافي وحدته اشتغال ذمّتهما به على البدلية. و تخير المالك في استيفائه عمّن شاء منهما، فإذا أداه أحدهما يسقط عن الآخر. و قرار الضمان على الثاني، مع تساويهما في الجهل و إثبات اليد المضمون به و حصول التلف لا عن اختيار، يحتاج إلى الدليل.

بل لاستصحاب الاشتغال في الثاني المعلوم- أوّلا- و لو في الجملة، إلى اليقين بالفراغ عنه، الحاصل بأدائه البدل إلى المالك، أو إلى من أدّي إليه، بخلاف الأوّل، لعدم العلم باشتغاله أوّلا، و احتمال كون ما أداه إلى المالك من باب الخطاب الشرعي لا الذمّي.

424

فإن قلت: اشتغال ذمّة الثاني بالبدل المعلوم أوّلا، إنّما هو للمالك، و هو فرع بقاء حقّه، و قد ارتفع باستيفائه من الأوّل، فلا يجري الاستصحاب، لتغير موضوعه.

قلت: من له الحق أوّلا على الثاني مردّد بين كونه المالك خاصة، أو هو و من في حكمه، أعني: الأوّل، عند أدائه للمالك، فالشغل المعلوم أوّلا مجمل بين أحد الاحتمالين، فهو من قبيل ما إذا تردّد صاحب الحق على زيد بين كونه عمروا مطلقا، أو بكرا مع فقدانه، فلا يحصل يقين الفراغ له بسقوط حق أحدهما.

فإن قلت: يعارض هذا الاستصحاب، استصحاب عدم اشتغال ذمّته للأوّل قبل رجوع المالك إليه.

قلت: التعارض بينهما بالمزيلية و السببية، و المزالية و الكاشفية، فإنّ بقاء الشغل المعلوم مجملا للثاني، سبب لتعلّق وجوب الأداء عليه على الأوّل، عند استيفاء المالك منه، و انتقال الحقّ المشتغل به له، و لا هكذا عدم شغل الأوّل قبل استيفاء المالك، فإنّه ليس سببا لزوال الشغل المعلوم الإجمالي، بل كاشف عنه.

و استصحاب السبب مقدم على استصحاب الكاشف، كما حققناه في محلّه. و لا يمكن إجراء هذا الاستصحاب في حق الأوّل الذي لم يتلف العين عنده، لعدم العلم باشتغال ذمّته بالبدل عند تلفها عند الثاني. غاية الأمر كونه مخاطبا بالخطاب الشرعي، متعبّدا بالأداء إلى المالك عند مطالبته عوض العين، بإثبات يده عليه، فلا يمكن استصحاب الشغل المجمل في حقّه، بخلاف الثاني المعلوم على كل تقدير اشتغال ذمّته بالبدل بعينه أو بالبدلية.

و من هذا ثبت جواز رجوع الأوّل على الثاني فيما اغترم، في صورتي: جهل الأوّل و علم الثاني، و علمهما. و أما في صورة علم الأوّل و جهل الثاني: فمقتضى نفي الضرر عنه، لتغريره العالم في إثبات اليد جواز رجوعه فيما اغترم على الأوّل العالم.

و به ينتقض استصحاب الاشتغال في الثاني.

425

البحث الثاني: في المباشرة و التسبيب،

فيما له مدخل في التلف.

و لنذكر- أوّلا- أدلّة الضمان، عموما و خصوصا، ظهورا و صراحة. ثم نبيّن منها قواعد الضمان، فيما ذكروه من العلّة و السبب و الشرط، عدا ما يختصّ بموارد خاصّة، مثل الأمانة عند التعدّي عن الإذن أو التفريط و المقبوض بالعقد الفاسد، و نحوهما، مما هو خارج عما نحن بصدده هنا. و تلك الأدلّة كثيرة، نشير إليها:

منها: الإجماع بل الضرورة في الجملة.

و منها: عمومات نفي الضرر.

و منها: ما دلّ على رجوع المغرور على من غرّه.

و منها: الأخبار الواردة في ضمان إتلاف النفس.

و منها: ما دلّ على تسبيب الإكراه.

و منها: خصوص النصوص المستفيضة في موارد كثيرة:

كرواية السكوني (1)، عن الصادق (عليه السلام): قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «من أخرج ميزابا أو كنيفا، أو أوتد وتدا، أو أوثق دابّة، أو حضر شيئا في طريق المسلمين، فأصاب فعطب، فهو له ضامن».

و صحيحة الحلبي (2) عنه (عليه السلام): سألته عن الشيء يوضع على الطريق، فتمرّ به الدابّة، فتنفر بصاحبها، فتعقره. فقال: «كلّ شيء يضرّ بطريق المسلمين، فصاحبه ضامن لما يصيبه».

و خبر أبي الصباح الكناني (3) عنه (عليه السلام): «من أضرّ بشيء من طريق المسلمين، فهو له ضامن».

____________

(1) وسائل الشيعة 29: 245، الباب 11 من أبواب موجبات الضمان، الرواية 25547.

(2) نفس المصدر 29: 243، الباب 9، الرواية 35543.

(3) نفس المصدر 29: 243، الباب 8، الرواية 35540،

426

و صحيحة زرارة (1) عنه (عليه السلام): قلت له: رجل حفر بئرا في ملكه، فمرّ عليها رجل، فوقع فيها، فقال (عليه السلام): «عليه الضمان، لأن كلّ من حفر بئرا في غير ملكه كان عليه الضمان».

و موثقة سماعة (2) عنه (عليه السلام)، عن الرجل يحفر البئر في داره، فقال: «ما كان حفر في داره و ملكه ليس عليه الضمان، و ما حفر في الطريق أو في غير ملكه فهو ضامن لما يسقط فيها».

إلى غير ذلك من النصوص كالمعتبرة المستفيضة الدالّة على غرامة الشاهد إذا رجع عن شهادته، بعد ما يغرم بها للأوّل قدر ما أتلفه من مال الرجل (3).

و على أنّه يقتل إذا قتل بشهادته (4).

و على غرامة دية اليد لو شهد عليه بالسرقة و رجع (5).

و على غرامة المهر إذا شهد بطلاق زوجته، ثم تزوّجت أو يموت زوجها، ثم جاء زوجها (6).

إلى غير ذلك، المفهوم عرفا، بل إجماعا، عدم خصوصية ما في تلك النصوص من جزئيات الأمثلة، في الضمان، و إن ذكرها على سبيل المثال و القياس و الحاجة، ككونه في الطريق، أو حفر البئر، أو رجوع الشاهد، و غيرها، بل يتعدّى منها إلى ما هو من سنخها في سببية الإضرار على الوجه الذي اعتبر فيها.

____________

(1) وسائل الشيعة 29: 243، الباب 8 من أبواب موجبات الضمان، الرواية 35539.

(2) نفس المصدر 29: 243، الباب 8، الرواية 35541.

(3) نفس المصدر 27: 327، الباب 11 من أبواب الشهادات، الرواية 33854.

(4) نفس المصدر 27: 328، الباب 12، الرواية 33858.

(5) نفس المصدر 27: 332، الباب 14، الرواية 33864.

(6) نفس المصدر 27: 330، الباب 13، الرواية 33861.

427

ثم المستفاد من تلك الأدلّة و النصوص و غيرها، مما صرّح فيها بالضمان:

حصوله للعين أو المنفعة بأحد الوجوه الثلاثة، بشرائطها الآتية: إيجاد علّة التلف، أو إيجاد سببه، أو إيجاد شرطه.

أمّا الأوّل- و هو المعبّر عنه بمباشرة الإتلاف-: فإنّ المراد بالعلّة ما هو المؤثر في التلف، و هو أثره، فهو قسمان:

أحدهما: إيجاد العلّة بلا واسطة، كقتل الحيوان بالسيف، و إهراق اللبن، و خرق الثوب، و سكنى الدار، و ركوب الدابّة.

و الثاني: إيجاد علّة علّة التلف، بأن كان فعله علّة مؤثرة له، كالجرح المولّد للمرض المولّد للموت، و إيجاد السمّ في الحلق، و الصياح على الطفل، و سدّ مجرى النفس، و الرمي بالسهم، و إغراء الكلب العقور، و أمثال ذلك، فإنّه يصدق على القسمين المباشرة عرفا، و لا يصحّ سلب الإهلاك عنه، باعتبار أنّ مناط الصدق كون التلف أثر فعل المباشر أو أثر أثره، و عدم مشاركة غير فعله أو أثر فعله في التأثير، و إن توقف التأثير على شرط، كحرارة الهواء في الجرح، و غفلة الطفل في الصياح عليه.

و الدليل على الضمان في القسمين: الإجماع بقسميه: إذ لا خلاف بين المسلمين، أن من باشر الإتلاف عمدا أو خطاء، بشرط صدور الفعل عنه عن قصد، كما في الأمثلة المذكورة، ضمن، و إن لم يكن هناك غصب و استقلال يد مطلقا و يدلّ عليه أيضا- مضافا إلى فحوى إطلاق أكثر ما ذكر-: قاعدة الضرر المقتضية لنفيه عن المالك شرعا، المثبت بالإجماع المركّب لضمان المباشر، دون نفيه عن المباشر، لصدور الفعل عن نفسه، و لو مع جهله، لكونه عند الجهل بالنسبة إليه كالآفة السماوية الغير المنفية ضررها، سيما إذا استفاد بالإتلاف، كالأكل و الاستعمال، أو

428

قدم عليه على كونه ضررا عليه، زعما له أنّه من مال نفسه، أو مأذون فيه من مالكه، أو عدم مالكيته، و أمثالها.

و أمّا الثاني: أي: إيجاد سبب التلف، و المراد به ما يستلزم وجود علّة التلف عقيبه عادة، لا بعليته، بل بعلّة أخرى، فهو أيضا قسمان:

أحدهما: ما لا يدخله مباشرة غيره، كإلقاء الثوب في النار، و تلهيب النار قرب متاع الغير، في الريح العاصف المهيج للإحراق عادة.

و من ذلك رفع المانع عن العلّة الموجودة أو المتوقعة، كحبس الحيوان عن الطعام و الشراب، و القائه في المسبعة مع عجزه عن الخلاص، و فتح باب القفس عن الطير، و فتح رأس وكاء المائع.

و ثانيهما: أن يكون التلف بمداخلة مباشرة الغير، بحيث كان السبب له أثر في توليد مباشرته، كإقدام الطعام المسموم عند الضيف الجاهل، و الإكراه على التلف، و شهادة الزور عند القاضي، و تغطية رأس البئر في معبر الغير.

و مقتضى أكثر ما تقدم من الأدلّة، ضمان فاعل السبب في القسمين، لصحّة إسناد التلف عرفا إلى الفاعل، مع جهل المباشر، باعتبار كونه مستندا إلى ما لا ينفك عادة عن فعله في المفروض. و ظهور الإجماع- كما حكي صريحا- على أنّ من أتلف شيئا كان ضامنا.

و به يثبت القود في النفس عند العمد، و يعقل العاقلة عند الخطاء، فإنّ الجهل لا يقدح الضمان في حكم الوضع، إذا كان التلف مستندا إلى الفاعل.

و اختصاص أكثر النصوص السابقة بمثل الطريق و حفر البئر، قد عرفت كونه منساقا للمثال. و مع ذلك يتمّ بعدم القول بالفرق.

و نفي الضرر لا يقتضي عدم ضمان الجاهل، بل لضمانه حجّة أخرى، لما أشرنا

429

آنفا، و فصّلنا سابقا، من أنّ الضرر المسبب عن فعل الشخص نفسه غير منفيّ عنه في الشرع، و لازمه بالإجماع المركّب ثبوت الغرامة، لضرر المالك المنفيّ عنه قطعا.

نعم، في القسم الثاني، الذي حصل التلف منه بفعل المباشر الجاهل، إذا كان فاعل السبب أيضا جاهلا، كإحضاره الطعام المسموم- مع جهله- عند الضيف الجاهل، فالظاهر: عدم ضمان الفاعل، لعدم حصول التغرير منه، و عدم مباشرته للإتلاف، فالضرر يلحق بالمباشر المتلف، مثل ما تقدم في الأيدي المتعاقبة. مع أنه لو سلّم تساوي نسبتهما إلى عمومات نفي الضرر، فيخرج المفروض عنها، لاستلزامه عدمه، فالمرجع إلى البراءة.

و من ذلك ما إذا قدم الضيف مال نفسه مع جهلهما، بل هو أولى بالبراءة. و لو علم المقدّم حينئذ، دون الضيف، فلا يبعد الضمان، لقوة السبب، إلّا إذا غلب على الظن كونه بحيث يأكله، و لو مع علمه بأنّه من نفسه، ففيه تردّد.

و أما الثالث: أي: إيجاد الشرط، و هو ما لولاه لما حصل التلف، و لكن لم يكن له تأثير و لا استلزام له، فالمعروف بينهم كونه متعقّبا للضمان بالمال دون النفس، إذا كان عاديا في فعله، كحفر البئر في الطريق المسلوك أو ملك الغير، و وضع السكّين فيه، و عدمه، إذا كان سائغا، كحفره في ملكه، أو وضع شيء في الطريق، مما لا يضرّ غالبا، فاتفق أحيانا ضرره، كطرح قشر فاكهة فيه، فحصل به العثار لأحد، لما تقدم من الأخبار المقتضي للعموم، بتقريب كون الخصوصية من باب التمثيل، كما ذكره غير واحد، و لعدم القائل بالفصل، إلّا إذا كان الواقع فيه عالما، أو دفعه فيه غيره، لكون المباشر أقوى إجماعا، و لأصل البراءة و إباحة التصرف، فلا يتعقبه الضمان.

و المتداول في كتبهم، التمثيل بحفر البئر، لتفصيل الضمان له في غير الملك

430

و عدمه في الملك مطابقا لإطلاق بعض ما ذكر من الأخبار.

و الظاهر: أنّ مرادهم من نفي الضمان في الملك، إنّما هو في غير ما علم كونه سببا لتلف النفس المعصومة، و إلّا فيتّجه الضمان في النفس فضلا عن المال، و لعله لإيجاده- حينئذ- ملزوم العلّة الذي تقدم أنّ حكمه الضمان، كما إذا حفر البئر في معبر داره، و دخل المأذون، فوقع فيه، لكونه أعمى، أو لكون الموضع مظلما، أو لتغطية رأس البئر في دهليز داره. و ربما نسب الضمان فيه إلى جماعة من المتأخرين، الظاهر في اتفاق غيرهم على عدمه.

و الظاهر: أنّ مراد الناقل ما كان من شأنه حصول التلف واقعا في مظنته لا مع العلم به، لأنّ إذنه في الدخول حينئذ، و لو لعموم العابرين، بل و لو بشاهد الحال، و عدم اخبارهم بالكيفية، من باب التغرير القوليّ أو الفعليّ الموجب للضمان، كما مرّت الإشارة إليه، الصادق عليه الظلم المحرّم، بل الظاهر انعقاد الإجماع عليه، و يكون من قبيل الصياح على الطفل الغافل، و تقديم الطعام المسموم عند الضيف في ملكه.

و أما ما وقع فيه الخلاف في الضمان، في تأجيج النار، أو ارسال الماء في ملكه، المؤدّي إلى ضرر الجار، و لو مع العلم بالضرر، فهو فيما تضرّر المالك بترك التصرف أيضا، و إلّا فلا خلاف في الضمان مع عدمه و علمه بالضرر.

و ربما يعارض في مثله قاعدة نفي الضرر بقاعدة التسليط على المال، و حقّقنا فيما تقدم تقدّم الأولى على الثانية، و كونها واردة عليها بالسببية الطارية.

نعم، لو تضرّر نفسه- أيضا- بترك التصرف، تعارض الضرران، و مضى تفصيله في محلّه.

و الظاهر: إلحاق الظن الغالب المعتبر عادة بالعلم فيما ذكر، فلو وضع الطعام

431

المسموم في مكان مباح، فيه مظنة أكل الجاهل، لم يبعد الضمان، نظرا إلى حصول التغرير عرفا.

و هل يلحق بذلك فعل ما يحتمل فيه ذلك قصدا للتلف؟

فيه وجهان: من كونه فعلا سائغا، فلا يتعقّبه ضمان. و من قصده الهلاك، فيشبه المباشرة بآلة غير قتالة.

و قد تحصّل مما فصّلناه من مفاد الأدلّة: أنّ موجبات الضمان على الضابطة الكلّية، في غير إثبات اليد الغير المحقة، ثلاثة:

الأوّل: إيجاد علّة التلف بلا واسطة، أو بواسطة معلولها، و هذا يسمّى بقسميه بالمباشرة.

و الثاني: إيجاد ما يستلزم علّة التلف عادة من غير علّة مطلقا، أو بتأثيره في مباشرة غيره المختار في فعله لجهله، و هذا بقسميه يسمّى بالتسبيب بالمعنى الأخصّ و يسمّى الملزوم بالسبب.

و في هذين القسمين يصحّ إضافة التلف عرفا إلى المباشر أو ذي السبب، و لو اتّساعا شائعا في الثاني، و لذا يوجبان القود عمدا في النفس و الغرامة في المال مطلقا، على ما مضى.

و الثالث: إيجاد ما يتوقف تأثير علّة التلف على وجوده من غير تأثير و لا استلزام، و يسمّى بالشرط. و هو يوجب الضمان المالي، إذا كان عاديا مطلقا، نفسا كان التالف أو مالا، و لا يوجب الضمان مطلقا، إن لم يكن عاديا.

ثم إنّك ترى كلماتهم غالبا مختلفة في تعريف السبب، و في الفرق بينه و بين الشرط، حتى من مصنّف واحد في كتاب واحد، كما وقع للعلّامة، في القواعد (1)

____________

(1) قواعد الأحكام 2: 222.

432

تفسيره السبب في كتاب الغصب بما يعمّ القسمين الأخيرين، حيث قال: التسبيب إيجاد ما يوجد التلف عنده لعلّة أخرى، إذا كان مما يقصد به التلف. و مثّل له بحفر البئر في الطريق، و فتح رأس الظرف، و الإكراه على التلف.

و الظاهر أنّ مراده مما يقصد به التلف، ما كان من شأنه و محتملا له (1) عادة، كما فهمه من تأخّر عنه، احترازا عما لا يحتمل كذلك، كوضع حجر صغير، أو طرح قشر فاكهة في الطريق، فاتفق العثار به لأحد أحيانا، فإنّه لا ضمان فيه.

و لعلّه لذا نشأ الخلاف في الصياح على العاقل البالغ في حصول الضمان به و عدمه، نظرا إلى عدم توقع الإتلاف منه، بخلاف الطفل أو المريض.

و في قصاص القواعد (2) خصّه بالقسم الثاني، حيث مثله بعد حكمه بثبوت القصاص بإتلاف النفس المعصومة ظلما بالمباشرة، أو التسبيب بالاختناق بالحبل، و سدّ الفم عن جريان النفس، و الرمي بالحجارة، و الحبس عن الماء و الطعام، و تقديم الطعام المسموم.

ثم عدّ الأسباب المهلكة ثلاثة الشرط، و العلّة، و السبب. فقال: الشرط ما يتوقّف تأثير المؤثر عليه، و لا مدخل له في العلّة، كحفر البئر، و لا قصاص فيه، بل الدية و العلّة ما أسند إليه الفعل، كالجراحات المولدة للسراية المولدة للموت. و السبب ما له مدخل في التأثير في الجملة، كالعلّة، و يشبه الشرط في عدمه، و له مراتب ثلاثة:

الإكراه بالقتل، و شهادة الزور في القتل، و إطعام المسموم.

و تخصيصه هنا مراتب السبب بكل ما يتوسّط بمباشرة الغير لا وجه له.

و كيف كان، فوجه اختلاف تفسيريه للسبب في كتاب القصاص و غيره، لعلّه

____________

(1) محتملاته (ظ).

(2) قواعد الأحكام 3: 583.

433

ملاحظة اتحاده مع الشرط العادي في حكم الضمان في الغصب و الديات، فسمّاهما بعنوان واحد، بخلاف ضمان النفس في القصاص، فأفرده بتسمية السبب، في مقابل الشرط الذي لا يتعقّبه القصاص.

و في الإيضاح (1)، عن بعض الفقهاء: السبب فعل ما يحصل الهلاك عنده لعلّة سواه.

و زاد آخرون: و لولاه لما أثرت العلة، و جعله أولى، و هو يعمّ ظاهر السبب و الشرط.

و في غاية المراد (2)، عن الفقهاء: السبب إيجاد ملزوم العلة قاصدا لتوقع تلك العلّة.

و لا يخفى أن القيد الأخير غير منطبق على شيء من إطلاقاته، إلّا أن يكون مراده السبب في قصاص النفس، أو لعدم تخلّف العلم بالملازمة عن توقع العلة، فيختصّ بالعمد.

و فيه نظر، ظهر ممّا سبق.

و في مجمع البرهان (3): إنّ السبب إيجاد ملزوم العلة المتلفة، و هو ظاهر فيما تقدّم في مقابل الشرط.

و في المسالك (4): السبب ما لا يضاف إليه الهلاك، و لا يكون من شأنه أن يقصد بتحصيله ما يضاف إليه، و لا يمكن تطبيقه بما مرّ من القسم الثاني.

و أوضح منه ما فسره الشهيد في شرح الإرشاد (5): أنّ السبب إيجاد ملزوم العلّة الذي شأنه أن يقصد معه توقع تلك العلة.

____________

(1) إيضاح الفوائد 3: 80.

(2) غاية المراد 4: 307.

(3) مجمع الفائدة و البرهان 10: 496.

(4) مسالك الأفهام 12: 163.

(5) غاية المراد في شرح الإرشاد 2: 391.

434

تتميم: اختلفوا في الضمان في موارد من باب الشروط ذكروا أمثلتها.

و منشأ الخلاف فيها أمور:

منها: كون الباعث للضرر تصرف المالك في ملكه، كما في تأجيج النار و إرسال الماء فيه الموجبين لضرر الجار، و فتح باب داره الموجب لخروج دابة الغير، و أمثال ذلك، نظرا إلى تعارض قاعدة الضرر- حينئذ- لقاعدة التسلط على المال.

و لا يذهب عليك عدم منافاة هذا الخلاف لاتفاقهم على عدم الضمان في حفر البئر في ملكه، لأنّ السبب القريب لضرر الوقوع في البئر فعل المتضرّر نفسه، و هنا نفس الشرط، بل لا يبعد كون الضرر هنا من المباشرة أو السارية، و لذا لو علم ضرر الجار مع كون التصرف زائدا عن الحاجة حصل الضمان قولا واحدا، إمّا من جهة كونه من باب مباشرة الإتلاف، كما ذكر أو كونه من إيجاد السبب المستلزم لعلة التلف، و أيّهما كان يوجب الضمان بلا خلاف معروف، كما عرفت.

و أما مع عدم العلم بضرر الجار، أو تضرّر المالك بترك التصرف، فقد اختلفوا فيهما، باعتبار تعارض القاعدتين، و قد تقدّم منا مرارا تقدّم قاعدة الضرر، و كونها واردة على قاعدة التسليط، و نشير إلى وجهه هنا أيضا، و هو ظهور حديث: «الناس مسلّطون» في كونه منساقا في مقام بيان السلطنة المالكية بالأصالة، لا تشريع الآثار المترتبة على الملك، من اللوازم الشرعية، و عدم احتماله للعوارض اللاحقه المانعة و الأسباب الطارية الناسخة لآثاره، و قاعدة الضرر في بيان السبب العارض المزيل لبعض الآثار و التصرفات الأصلية، نظير التخمة الموجبة لحرمة أكل مال نفسه، و تنجّس طعامه المزيل لحلّيته، مضافا إلى أنّ: «الناس مسلّطون» في بيان الإباحة الشرعية و هي لا تنافي الضمان في الحكم الوضعي.

435

نعم، لو علم ضرر الجار، مع العلم أو غلبة الظنّ بضرر نفسه في ترك التصرف، تعارض الضرران، و قد تقدم في بيان القاعدة تفصيل حكمهما حينئذ.

و منها: تعارض السبب للمباشرة، فاختلفوا في بعض الموارد فيما هو الأقوى منها، كفكّ القيد عن العبد الآبق، فإنه لا خلاف ظاهرا في الضمان في حلّ القيد عن العبد المجنون، لأنه في حكم حلّه عن فرس فشرد، و فتح قفس عن طائر فطار، و لضعف المباشر لعدم التمييز. و في المبسوط (1) و ظاهر التذكرة: الإجماع عليه.

و أما العبد العاقل إذا فكّ و أبق، فالمعروف بينهم عدم الضمان، لقوة المباشر بالعقل و الاختيار، و استناد التلف إلى فعل العبد باختيار نفسه. و لا يخفى أنّ المال الفائت عن المالك هنا هو العبد نفسه و اختياره الفرار مسبّب عن حلّ قيده، فيكون مضمونا على فاعله المولد لإرادته، كإحضار الطعام المسموم عند الجاهل.

نعم الظاهر: اختصاص ذلك بما إذا كان العبد مما يتوقع منه ذلك، و لو احتمالا يعتني به، كالعبد الآبق، كما أفتى بالضمان- حينئذ- بعض مشايخ والدي بعد نقله عن غيره أيضا، نافيا لشمول الإجماع المحكيّ عنهم له.

و أمّا إذا لم يتوقّع منه ذلك، و اتفق اباقه أحيانا بعد الفك، فهو من الشرط الذي لا يوجب الضمان، و لو عصى، لعدم إذن المالك، كما مر. و لعل هذا القسم منظور القوم في نفي الضمان.

و منها: كونه مما استشكل في كونه مما يتوقع منه الضرر، فيوجب الضمان أم لا؟

كما إذا فتح رأس ظرف لا يضيع ما فيه بفتحه متى كان في محلّه، فاتّفق سقوطه بهبوب ريح أو هبوط طائر، فضاع ما فيه، فاختلف في ضمان الفاتح، و لعل الأجود عدمه، كما اختاره الفاضل، لعدم كونه ممّا يتوقع منه و يقصد به التلف، إلّا إذا كان

____________

(1) المبسوط 3: 89.

436

في مظنة هبوب الريح و نحوه، فيضمن.

و من ذلك: ما إذا حصل الضرر بمنع المالك عن ضبط ماله، كمنعه عن حفظ دابّته المرسلة، و القعود على بساطه، و حفظ ماشيته، فتلفت. ففي ضمانه قولان:

المحكيّ عن الأكثر عدمه.

و في المسالك (1) و الكفاية (2) و غيرهما: الضمان، إذا كان المنع سببا للتلف.

و الحقّ هو التفصيل المتقدم، فإنّ المنع إن كان مما يتوقّع منه السببية بملاحظة المكان و الوقت يضمن، و إلّا فلا، فإذا منعه عن التوقف في داره في ليلة مثلا، فاتّفق لقيامه وقوع النار على بساطه و احتراقه لا يضمن، لأنّه من الشروط النادرة التي لا يستند الضرر و الإضرار إلى منعه عرفا.

و منه: ترك المالك حفظ حيوانه عمّا يجنيه، كما إذا أكلت بهيمته حشيش آخر.

ففي التذكرة (3): إن كان صاحبها معها ضمن الحشيش مطلقا، و إن لم يكن معها ضمن إن كان ليلا و لم يضمن إن كان نهارا، لأنّ على الصاحب حفظها في الليل، فإذا لم يحفظ يضمن ما يجنيه، و على صاحب الزرع حفظه نهارا. انتهى.

و الصواب: إناطة الضمان بصدق الإضرار عرفا، كما سمعت، و هو منوط بصدق التقصير في الحفظ فيما تعارف فيه، المختلف باختلاف الأحوال و الأزمان و البلدان و الدوابّ. نعم، يتأتّى الكلام في وجوب الحفظ المتعارف على المالك، و عدم التقصير فيه، و لعله إجماعي.

و منها: كون الفائت القيمة السوقية، كما إذا حبس إنسانا عن شراء، فنقصت قيمته.

____________

(1) مسالك الأفهام 12: 172.

(2) كفاية الأحكام: 256.

(3) تذكرة الفقهاء 2: 85، كتاب الضمان.

437

و الأشهر: عدم الضمان، لأن الفائت ليس بمال، بل اكتسابه.

و قيل: يضمن. و قوّاه الشهيد، في بعض فتاويه، و لا يخلو عن وجه، إذا كان حصول النقص متوقفا في العادة على الحبس، لإمكان المناقشة في ما اشتهر.

أوّلا: بكون الاكتساب- أيضا- في المفروض منفعة فائتة، متعلقة بالمال عرفا، و الحبس سبب لفواته، فيوجب الضمان دفعا للضرر.

و ثانيا: أنّ زيادة القيمة من أوصاف العين، و إن لم تكن عينية، و هي مرغوبيته في العرف و العادة، و المضمون عليه الفائت أعمّ من العين و الوصف، و ينبغي ملاحظة الاحتياط فيه. و اللّه العالم.

438

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

439

[المشرق الخامس و عشرون] [في الوكالة]

مشرق: في نبذ من مسائل مهمّة متعلّقة بالوكالة.

مسألة: ظاهر الأصحاب: كون الوكالة من العقود،

و لذا أدرجوها في أبوابها، فتفتقر إنشاؤها إلى ايجاب لفظي بأيّ لفظ دلّ على القصد، و إن لم يكن من الصيغ المعتبرة، و قبول، و لو كان فعليا دلّ على الرضا، لكونها عقدا جائزا، لا مجرد الرضا النفساني، كما عن الشافعية (1)، لافتقار العقد إلى إنشاء ما دلّ عليه من فعل أو لفظ، إلّا أن صريح المحقّق (2) و غيره: كفاية الإشارة المفهمة في الإيجاب أيضا، بل في الرياض (3) عدم وجدانه الخلاف، فيرجع إلى المعاطاة.

و عن بعضهم دعوى الإجماع على صحّتها، فيكون مرادهم من عقد الوكالة ما هو بالمعنى الأعمّ الشامل للمعاطاة.

و تكون الوكالة قسمين: عقدية لفظية، و معاطاتية.

____________

(1) الفقه على المذاهب الأربعة 3: 168.

(2) شرائع الإسلام 2: 151، كتاب الوكالة.

(3) رياض المسائل 10: 54.

440

بل قيل: بكونها معاطاة، حيث كان القبول فعلا، المتّفق على صحّته، و إن كان الإيجاب لفظيا، لو لا الإجماع على كونها عقدا حينئذ.

فروع:

الأوّل: إذا قال: بع فرسي، أو طلّق زوجتي، فلا شكّ أنه ليس من المعاطاة:

فهل يكتفي بالأمر في الإيجاب اللفظي؟ الظاهر: نعم، بل لا إشكال فيه على ما تقدّم من الاكتفاء بكلّ لفظ دلّ عليه.

و استدلالهم على مشروعية الوكالة بالعمومات المتضمنة للأمر ظاهر في اتّفاقهم عليه. و نفى عنه الإشكال المحقق القمّي.

و في الرياض (1) عدم ظهور الخلاف فيه، فما يظهر من المحكيّ عن التذكرة، و صريح بعض الأجلّة: من منع كونه إيجاب الوكالة، بل هو إذن يترتّب عليه ما يترتّب على الوكالة، من صحة البيع و نحوه، و إن لم يكن وكيلا، ليس في محلّه.

و ينافي اطلاقهم في الاكتفاء في إيجاب الوكالة بكل لفظ دلّ عليه.

الثاني: يتحقّق قبول الوكالة بنفس الفعل الموكّل فيه، و لا يلزم كونه أجنبيا،

كما هو ظاهر الأصحاب. و الاستشكال فيه باستلزام الدور، موجها للصحّة- حينئذ- بما نقل عن الشافعية (2): من كفاية الرضا القلبي في القبول.

و أنت بعد ما أحطت بما أجبناه عن إشكال لزوم الدور في حصول الفسخ الفعلي، بنقل ما فيه الخيار، كما هو المشهور، من أنّ الفسخ هو الإرادة القلبية، بشرط مقارنتها للنقل إلى الغير، يرتفع عنك المحذور، فإنّ القبول هنا- أيضا- هو إرادة الفعل، بشرط مقارنته للفعل، فلا يكون مجرّد الرضا القلبي قبولا، و لا نفس الفعل

____________

(1) رياض المسائل 10: 54.

(2) الفقه على المذاهب الأربعة 3: 183.

441

سببا أو جزء سبب، حتى يلزم الدور، بل هو شرط متأخر. و مثله غير عزيز في الشرع، من قبيل غسل صلاة المغرب للمستحاضة لصحّة صومها المتقدم.

الثالث: يجوز تأخر القبول الفعلي و لو إلى سنة إجماعا،

كما في المسالك (1) و الروضة (2) في جواز توكيل الغائب، و يدلّ عليه خصوص روايات كثيرة.

و منعه للقياس بعدم جواز تأخّر القبول اللفظي، كقوله: قبلت بعد سنة، فيجرى مجرى الإذن المطلق، لا التوكيل، مدفوع: بأنّ تأخير القبول اللفظي في مخاطبة الإيجاب خلاف وضع المخاطبة في العرف و المحاورات، بخلاف الفعل، فيجرى مجرى الغلط.

و إفادته فهم الرضا بقبوله الوكالة غير كافية، لمنع حصول الإنشاء المعتبر في العقد بمثله، و مجرد فهم الرضا لو كان كافيا لاكتفى بفهمه بشهادة الحال، كما عن الشافعية، و قد عرفت ما فيه.

الرابع: للموكّل عزل الوكيل، بشرط إعلامه بالعزل،

فلو لم يعلمه لم ينعزل. و إن تعذّر إعلامه أشهد به على الأصح الأشهر، للمعتبرة المستفيضة (3).

مسألة: يشترط في الوكالة وقوعها منجزّة، كسائر العقود،

فلا تصحّ معلّقة على شرط متوقّع، كقدوم الحاجّ، أو صفة مترقّبة، كطلوع الشمس، أو وقت متجدّد، إجماعا محقّقا و محكيا، فهو الدليل، مضافا إلى منافاته للسببية المستقلة للعقد الثابتة من الشرع لترتّب الأثر عقيبه، و تركّب السبب من غيره، و قصد الإنشاء بهما خلاف جعل الشارع.

____________

(1) مسالك الأفهام 5: 239.

(2) الروضة البهية 4: 368.

(3) وسائل الشيعة 19: 162، الباب 2 من أبواب الوكالة، الرواية 24368.

442

و توهّم كون الإنشاء بنفس العقد إلّا أنّ اثره وكالة الزمان المتأخر، عملا بالشرط المشروع، لعموم: «المؤمنون عند شروطهم» فاسد، لأنّ المتحصّل من ذلك: صحّة ما لو جعل متعلّق الوكالة،- أعني: الموكّل فيه- متأخرا عن وقت العقد، لا أصل الوكالة، و شتان ما بينهما، فإنّه إخراج السبب الشرعي عن سببيته، فيكون مخالفا للسنة المستثنى من الشروط السائغة.

و من هذا يظهر قوّة بطلان التعليق على أمر واقع، كقوله: وكّلت إن طلعت الشمس، لدلالته على إدخال ما ليس من السبب في السببية، و إنشاء العقد بهما، فيخالف السنّة.

و استشكل في بطلان الأخير بعضهم. و نقله جماعة في مطلق العقود، نظرا إلى وقوع المقارنة المطلوبة لترتّب الأثر على العقد، و قد علمت عدم انحصار جهة المنع فيه.

فروع:

الأوّل: لا خلاف ظاهرا في جواز تعليق الموكّل فيه،

أي: تقييده بشرط أو زمان، إذا لم يكن تعليق في نفس الوكالة.

و في التذكرة (1) و المسالك (2) و شرح المفاتيح: الإجماع عليه، و هو الحجة. مضافا إلى عمومات الوكالة.

الثاني: اختلفوا في صحّة التصرف في الوكالة المعلّقة عند حصول المعلق عليه

- بعد اتفاقهم على بطلان الوكالة على قولين:

من أنّ الوكالة إذن خاصّ، و ببطلان الخصوصية لا ينتفي الإذن المطلق، و هو

____________

(1) تذكرة الفقهاء 2: 114.

(2) مسالك الأفهام 5: 240.

443

كاف في صحّة الاستنابة. و إنما الثمرة في استحقاق الجعل المسمّى، نحو ما قالوه في القراض الباطل الذي حكموا فيه بأجرة المثل.

و من أنّ الإذن حصل في ضمن الوكالة، و بانتفاء الفصل ينتفي الجنس.

و أورد عليه: بأنّه يفهم من ذلك عرفا بقاء الأذن، و إن بطلت الوكالة الشرعية، و لم يترتّب عليه آثارها المختصّة بها.

و الحاصل: أنّ خصوصية العقد الوكالي هنا من العوارض الزائدة للإذن، لا مقوماته الوجودية، فلا ينتفي بانتفائها.

قال المحقّق القمّي (1) بما خلاصته: قول القائل: أنت وكيلي، أو مأذون عني غدا في بيع داري، يدلّ على إذنه و رضاه بالبيع غدا قطعا، و له جهات: جهة التوكيل الشرعي المحتاج إلى الإنشاء، و جهة غير التوكيل. و الجهتان تعليليتان، لا يستلزم بطلان إحداهما انتفاء الأخرى.

و استجوده والدي العلّامة، إلّا أنّه منع صحة النيابة شرعا، إلّا بالتوكيل، اقتصارا فيما خالف الأصل على المتيقّن، و هو الإذن التوكيلي، دون مطلقه، و هو المعتمد، لأنّ صحّة العمل نيابة، و ترتّب الأثر عليه للمنوب عنه شرعا، كوقوعه من نفسه، يحتاج إلى توظيفه من الشرع، و الثابت منه حصوله بمطلق الإذن قولا أو فعلا، و هو معنى التوكيل، كما نبّه عليه شيخنا الشهيد، في المسالك (2) و غيره، إلّا أنه مشروط بعدم التعليق، فإذا اقترن لم يصحّ المأذون فيه، و إن دلّ على الرضا القلبي، فإنّ تلك الدلالة لا تؤثر في الصحة إلّا على الاكتفاء بالرضا القلبي، و هو غير كاف في صحّة الاستنابه.

____________

(1) جامع الشّتات 3: 519.

(2) مسالك الأفهام 5: 239.

444

و من هذا يظهر أنّ التفصيل في ذلك بين ما إذا علم من الموكّل انحصار إذنه في كونه على جهة الوكالة، فيبطل، و إلّا يصحّ، لا محصل له.

و الحاصل: أنّه لا يتصوّر الصحة مع تسليم بطلان التعليق، إلّا بجعل الإذن الدال على الرضا قسمين: يسمى أحدهما توكيلا، و الآخر غيره. ثمّ دعوى حصول صحّة المأذون فيه بأيّهما حصل و كلاهما في محلّ المنع جدا.

الثالث: إذا علمت بطلان التوكيل بتعليقه على شرط أو زمان متجدّد،

فلا يختلف الحال في بطلان المعلّق بعدم اتصاله بالمنجز، أو باتصاله به و انقطاعه عنه مطلقا، أو تجدّده ثانيا، فيصحّ الأوّل المنجز و يبطل الثاني، و إن كان الموكّل فيه متّحدا في الجميع، كما إذا قال: أنت وكيلي غدا في بيع داري، أو وكيلي اليوم في بيعها، و غدا في بيعها، أو وكيلي في اليوم فيه، و فيما بعد الغد فيه.

و لو وكّله منجزا لليوم و لما بعد الغد، فإن رجع إلى تعليق الموكل فيه لما بعد الغد دون نفس الوكالة، بأن كانت الوكالة ثابتة في الأيام الثلاثة، و لكن كانت مقيّدة بفعل الموكّل فيه في غير اليوم الثاني، فلا ضير فيه، و إن كانت منجّزة للأوّل و الثالث، و منقطعة عن الثاني، كما إذا قال: وكّلتك الآن في بيع الدار في اليوم و فيما بعد الغد، و لست وكيلي غدا، ففيه إشكال، من حصول التنجّز للأول و الثالث، غاية الأمر عدم اتصال الوكالة فيهما. و من أن رجوعهما في الثالث بعد انقطاعهما في الثاني في حكم وكالتين، إحداهما منجّزة، و الأخرى معلّقة، و هو الأوجه، مضافا إلى ما ستعرف من بطلان الوكالة بعد عروض ما يفسدها، و إن زال المانع بعده، كجنون أو إغماء، و أنها لا تعود إلّا بإيجاب متجدد.

الرابع: لو وكّله في بيع شيء معلقا بكونه ملكا له،

فيما فرض عدم علمه بكونه ملكه، صحّ، لأنّ التعليق- حينئذ- تعليق للموكّل فيه بما هو شرط صحّته، لا

445

إدخال شيء زائد في سببية العقد، فلا ينافي تنجز الإنشاء، كما لا ينافيه قوله: أنت وكيلي في بيع داري إذا حضر زيد، أي: عند حضوره.

مسألة: تبطل الوكالة بأمور:

منها عزل الوكيل نفسه:

لأنّها عقد جائز مركب من قبوله الذي له الرجوع عنه، و لا خلاف في ذلك. إنما الكلام في أمرين:

أحدهما: في جواز التصرف له بعد ذلك، عملا بالإذن العام الضمني المسوغ للتصرف، و قد عرفت ما فيه.

فما عن المسالك (1) من أنّ الحكم به هنا لا يخلو من رجحان، مع منعه هناك، لأنّ الإذن هنا صحيح جامع للشرائط، بخلاف السابق، فإنّه معلّق، غير مقبول.

و عن التذكرة (2) عكسه، و إن جزم في القواعد (3) بصحّته هنا، و في السابق احتمالا.

و في السرائر (4) تردّد فيهما.

و كيف كان، فالصحة مبنية على كفاية الإذن المطلق في النيابة من غير اقتران بقصد قبول الوكيل لفظا أو فعلا. و هو ممنوع، إلّا إذا ثبت إجماع على خلافه.

و ثانيهما: في أنّ بطلان العقد بعزل الوكيل نفسه هل يوجب بطلان الإيجاب، فلا ينعقد بقبوله ثانيا، أو ينعقد كذلك؟

الأشهر: الأوّل.

و قال المحقق القمّي (5)، ببقاء حكم الإيجاب في جواز إطلاق الوكيل بعد عزل

____________

(1) مسالك الأفهام 5: 240.

(2) تذكرة الفقهاء 2: 114.

(3) قواعد الأحكام 1: 258.

(4) السرائر 2: 88.

(5) جامع الشّتات 1: 338 (الطبع الحجري).

446

نفسه بدون إذن جديد، ناسبا له لبعض آخر، لاستصحاب حكم الإيجاب، و عدم لزوم مقارنته للقبول، فلا مانع من رجوع عقد الوكالة بوقوع القبول ثانيا.

و ربما يتمسّك له ببعض الأخبار، كصحيحة هشام بن سالم (1): «الوكالة ثابتة حتى يعلم الخروج منها، كما أعلمه بالدخول» و هو كما اعترف به المحقق المذكور ظاهر في حكم عزل الموكّل عند علم الوكيل به، لا عزل الوكيل نفسه، للإجماع على بطلان وكالته و انتقاضه بالرد، و إنّما المدّعى عوده ثانيا بمجرّد القبول.

و كيف كان، فيضعف ما أفاده:

أوّلا: بأن تجدّد الوكالة ثانيا يستدعي الدليل، و الإطلاقات ظاهرة في غير الصورة. و لو سلم إطلاق بعضها، فهو مصروف عنه بحكم التبادر. و الاستصحاب غير جار. لأنّ الإيجاب المتقدّم المؤثر للوكالة قد بطل أثره بالعزل على الفرض، فهو تجديد لوكالة جديدة مستأنفة، فيرجع الشكّ في الإيجاب إلى الشكّ في المقتضى الثانوي الذي لا يجري فيه الاستصحاب.

و ثانيا: أنّ تأثير الإيجاب الأوّل للوكالة الثانوية المتجدّدة بعد الانقطاع، يستلزم التعليق على انقضاء مدة العزل، لأنّها غير الأثر المنجّز، بل هو في قوّة أن يقول:

وكّلتك بعد العزل.

فإن قلت: بطلان التعليق للإجماع، و لا إجماع هنا.

قلت: مع أنّ الدليل عليه غير منحصر فيه- كما عرفت- فعدم الدليل على الصحة كاف في البطلان، كما تقدّم.

و منها: انقطاع تسلّط الموكل على التصرف حين تصرّف الوكيل،

فينقطع بسقوطه، لأنّ تصرّفه متقوّم بإذنه و ملكه له، فينتفي بانتفائه. و تأثير السلطنة السابقة

____________

(1) التهذيب 6: 213، الحديث 502.

447

يحتاج إلى الدليل للأصل، فتبطل الوكالة بموت الموكّل و جنونه و لو أدوارا، و إغمائه و لو ساعة، و حجره فيما وكل فيه لسفه أو فلس. و كذا يشترط بقاء أهلية الوكيل فينتفي بانتفائها بعروض موته، و انتقالها إلى الورثة، خلاف المأذون فيه، و بجنونه و إغمائه.

الظاهر: اتفاقهم في المقامين على البطلان كما في التذكرة (1) و المسالك (2).

و لا يتوهّم تنافيه لبقاء الوكالة في الطلاق بعد عروض الحيض، و في النكاح في الإحرام، و صحة العمل بعد زوال المانع، إذ المانع- ثمة- شرط الموكل فيه، لا الوكالة و أهلية الوكيل أو الموكّل، فهو من قبيل شرط تأخيره الذي صح معه الوكالة، و هنا من قبيل التعليق لنفس الوكالة على زوال المانع.

ثمّ أنّه يتأتّى الخلاف السابق هنا في صحّة العمل بعد زوال المانع بالإذن العامّ الضمني. و الظاهر: عدمه، لما تقدّم.

و منها: عزل الموكّل الوكيل،

إلّا أنّه يشترط إعلامه بالعزل، فإن لم يعلمه لم ينعزل، وفاقا لغير الفاضل في القواعد.

و إن تعذر الإعلام و أشهد به فالمشهور كذلك، خلافا لجماعة من القدماء، للمعتبرة المستفيضة، كصحاح ابن وهب، و هشام بن سالم، و العلاء بن سيابة، و قضاء أمير المؤمنين (عليه السلام) في امرأة استعدته (3).

و إطلاق الجميع- بل ظهور بعضها- يشمل صورة الإشهاد أيضا، فالاستدلال في

____________

(1) تذكرة الفقهاء 2: 125.

(2) مسالك الأفهام 5: 247.

(3) وسائل الشيعة 19: 161 و 163، الباب 1 من أبواب الوكالة، الرواية 24366؛ و الباب 2، الرواية 24367 و 24369.

448

مقابلتها ببعض الاعتبارات اجتهاد في مقابل النصوص الصحيحة المعتضدة بالشهرة المحققة.

و كون الوكالة من العقود الجائزة من الطرفين غير مانع للبقاء، مع عدم بلوغ المنع، فكم من عقد جائز يلزم ببعض العوارض اللاحقة، كشروع العامل في الجعالة.

فرع: يختص حكم بقاء الوكالة بما قبل العلم بالعزل به دون سائر المبطلات،

كموت الموكل و جنونه و حجره اتفاقا للأصول الشرعية، و اختصاص المخرج به.

و في بعض المعتبرة التصريح به في خصوص موت الموكّل.

مسألة: يشترط في متعلق الوكالة أمور:

منها: أن يكون الموكّل فيه مما يقبل النيابة شرعا،

فإنّ الأفعال المترتّبة عليها الآثار الشرعية، منها: ما تعلق بها غرض الشارع بنفس الفعل دون خصوصية المباشر، كأكثر المعاملات من البيع و النكاح و الطلاق و الصلح و الإجارة و غيرها، و التطهير من النجاسات و استيفاء القصاص و أمثالها.

و منها: ما تعلّق غرضه بصدوره عن خصوص الشخص، كعبادة الأحياء، فإنّ الداعي إلى تشريعها غالبا حصول مشقة المكلّف في العمل للامتثال و تذلّله و تقرّبه بنفس العمل، و من غير العبادة كالظهار و الجنايات و نحوها.

نعم، لو كان المقصود بالأصالة من العبادة بذل المال، كأداء الزكاة، صحّت النيابة فيها. و مثل ذلك ما إذا تعذر للمكلّف نفسه، كغسل الأعضاء للمريض، و الحجّ عن العاجز.

و قد يحصل الشكّ في صحّة النيابة و الوكالة فيها شرعا. و المهمّ بيان الأصل في ذلك، لمجال الشكّ.

صرّح بعض أجلّة من عاصرناه: أنّ الأصل جواز الوكالة مطلقا إلّا ما خرج

449

بالدليل، بل ربما جعله مستفادا من كلام الأصحاب، بملاحظة ذكرهم الدليل من النصّ و غيره، فيما لا يصحّ على وجوب المباشرة دون ما صحّت فيه.

و استدلّ على عمومها بعموم قول الصادق (عليه السلام) في صحيحة ابن سالم (1): «من وكّل رجلا على إمضاء أمر من الأمور، فالوكالة ثابتة أبدا، حتى يعلمه بالخروج منها، كما أعلمه بالدخول فيها».

و لا يخفى: أنّ دعوى إفادة كلامهم أصالة الجواز مجرّد دعوى خال عن التحصيل و تعليل المباشرة بدليل في مقام لا دلالة له عليه، و كم شاع إقامة الأدلّة على ما يوافق الأصول، و الأخبار المذكورة غير ناهضة للمدّعى، لظهورها في بيان دوام الوكالة حتى يعلم العزل، لا تعميم الموكّل فيه، سيما الصحيح الأوّل الذي لا ذكر لمتعلق الوكالة فيه، بل هو بالنسبة إليه من قبيل المقتضي، و كون المقصود ترتّب الجزاء على نفس الوكالة من حيث هي، من غير نظر إلى متعلقها.

و الأخيران و إن تضمّنا لفظ العموم إلّا أنه منصرف إلى بيان ما ذكرناه، و إلّا لزم تخصيص الأكثر الممنوع في تخصيص العموم.

و بالجملة: فللمنع عن الوكالة فيما لم ينعقد الإجماع عليه، كما اتفق في أكثر المعاملات، أو فيه نصّ خاصّ، كما يمكن الاستدلال عليها في البيع و نحوه بقوله تعالى إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ (2) مجال واسع. و الأصل يقتضي العدم، كالظهار و اللعان و النذور و الأيمان و العبادات المندوبة و استيفاء الحدود في حقوق اللّه و أمثالها. و من هذا يظهر وجه صحّة إطلاق كلام جماعة من المنع من الاستنابة

____________

(1) التهذيب 6: 213.

(2) النساء (4): 29.

450

في العبادات مطلقا، و إن كانت مندوبة. و جعله في المسالك (1) أصلا إلّا ما خرج بالدليل.

بل لنا أن نقول: مقتضى الاعتبار عدم قبولها التوكيل، و عدم قيام فعل الوكيل مقام فعل الموكل، فإنّ المقصود من العبادة تكميل النفس و تصفية القلب و تذكية الأخلاق و تبديل الأحوال، و الظاهر أنّ عبادة الوكيل غير مؤثرة فيها بالنسبة إلى الموكل، فما يستفاد من النصوص من صحّة العبادة المندوبة و التلاوة و نحوها بنية الغير، فهو من باب إهداء الثواب، لا من باب الوكالة، و لذا يصحّ ذلك بالنسبة إلى الأموات، و لا يشترط فيها إذن المهدى إليه، و لا يسقط خطاب الندب عن المنوب عنه.

و الاعتضاد بشرعية العبادة الوكالية بأنّ المعتبر في العبادة ليس إلّا الفعل بقصد القربة، و جعل الشارع ذلك سببا لترتّب الثواب عليه، و هو غير مناف للنيابة، فيندرج في عمومات الوكالة له.

يضعّف- مضافا إلى العموم كما مرّ- بأنّ المستفاد من الآيات و الأخبار: أنّ الحكمة في شرعيتها حصول التقرّب إلى اللّه تعالى لفاعلها، و ظهور آثار العبودية لعاملها، و أنّ ذلك من قبل الغير.

و هل يحتمل أحد أن من أحيا ليلة القدر بالعبادة و التضرع و الابتهال نيابة عن غيره المشغول بالملاهي و المناهي و لو بإذنه، أدرك الغير فضل ليلة القدر و الفوز بثواب إحياءها و آثاره؟

و هل مواظبة النوافل و العبادات استنابة عن فاسق مجاهر بالملاهي منغمر في دركات الدنيا و حطامها، يوجب وصوله إلى درجات النعيم التي أعدّت للمتقين و لا

____________

(1) مسالك الأفهام 5: 255.

451

يجزون إلّا ما كانوا يعملون. و نعم ما قيل في الفارسية:

«نام حلوا بر زبان راندن نه چون حلوا بود».

إن هو إلّا كاستنابة الأكل للجوعان و شرب الماء عن العطشان.

و من هنا يظهر الإشكال في جعل مواضع الاستثناء في العبادات من باب الوكالة و لو في مثل نيابة الحجّ عن العاجز. و إطلاق الوكالة عليه من باب المجاز، كما حمل عليه في المسالك (1) قول المحقّق الثاني: و يصحّ التوكيل في الحكم و القضاء بين الناس، قائلا بأن مراده نصب الإمام أو نائبه الخاصّ تولية القضاء للغير، و تسميته وكالة مجاز، و أمّا عن النائب العام في الغيبة فلا يجوز إلّا للفقيه الجامع، و هو متأصّل فيه، فلا يتصوّر فيه النيابة.

فرعان:

الأوّل: ربما يظهر الخلاف منهم بعد الاتفاق على عدم صحّة توكيل المحرم غيره

في إيقاع النكاح و ابتياع الصيد حال الإحرام- في صحّته في إيقاعهما حال الإحلال.

ففي المسالك (2): ظاهر العبارة منعه، و الأولى: الجواز.

و عن جامع المقاصد (3): ظاهرهم عدم الجواز، محتجّا بعدم كونه مالكا لمباشرة هذا التصرف الآن، و هو شرط، فهو كما لو وكل في طلاق امرأة سينكحها.

و في الروضة (4): منع الظاهر، بل الظاهر كونه كالتوكيل في طلاق الحائض بعد

____________

(1) مسالك الأفهام 5: 256.

(2) نفس المصدر.

(3) جامع المقاصد 8: 177.

(4) الروضة البهية 4: 367.

452

الطهر، و قد عرفت صحّته، فمقتضى القاعدة المذكورة صحته إلّا إذا ثبت الإجماع و غيره على خلافه، و البحث عنه موكول إلى محلّه.

الثاني: لا شكّ- كما عليه السيرة المستمرّة

- في صحّة نصب الحاكم الشرعي من يتولّى أمر الوقف الفاقد للناظر الخاص من قبل الواقف، و تعيين من يقوم بأمر الصغير الفاقد لمن يتولاه. فهل هو من النيابة التوكيلية عن الحاكم، فيلزمه اشتراط شرائط الوكالة مما ذكر و يذكر، و يبطل بموت الحاكم الموكّل، أو من باب تولية القضاء حيث جاز، فلا يجوز التصرف لغيره قبل عزله أو انعزاله فيه؟

وجهان: من عدم دليل على ولاية الحاكم و تسلّطه على نصب من ذكر تولية و وصاية، و من اقتضاء الوكالة اقتصار الوكيل على التصرف السائغ للوكيل، مع أن السائغ في أمثال ما ذكر التجاوز (1) عنه من غير نكير، و قيامه فيما يتولّاه بكل ما يتولّى فيه الحاكم.

و الأوجه الأوّل، اقتصارا في ولاية الحاكم على ما يقتضيه الدليل، و منع شمول عمومات الولاية لتفويض ما هو شأنه المقرّر في الشرع لغيره.

و دعوى السيرة القطعيّة المعتبرة فيما اقتضاه ممنوع جدّا. و لم نتحقّق في مظان عنوانات ولاية الحاكم في كلماتهم ما يتناول مثل ذلك. فعلى هذا فلا يجوز للمتصرّف لقيام أمر الطفل من الحاكم بيع ماله المنتقل إليه بعد حال النصب بإرث أو هبة، بل باشتراء الحاكم و نحو ذلك، مما لا يملكه الحاكم للطفل حال التوكيل، كما ستعرف تفصيله و تحقيقه.

و نحوه في الوقف، فيما يتفرّع على تصرّف الحاكم نفسه و نحوه، و انعزاله بموت الحاكم لبطلان الوكالة بموت الموكّل.

____________

(1) كذا.

453

و منه يظهر: أنه لا يجوز للحاكم نصب أحد على قيام أمور الصغار مطلقا حيث اتّفق، و إن لم يتولّه بعد حال النصب، أو لم يتولّه الحاكم بعد حياة الوصيّ و نحوه على قيام أمور الأوقاف العامّة كذلك.

و في حكم القيّم للصغير و الناظر للوقف، نصب الحاكم من يأخذ سهم الإمام (عليه السلام) من خمس ما سيوجد، و التصرف في مجهول المالك مما سيحصل، و غير ذلك مما للحاكم الولاية فيه.

نعم، ليس لغير الحاكم الموكّل من سائر الحكام عزل من نصبه، لأنّ توكيله تصرف حكومي و ولائي، فلا يجوز نقضه لغيره، بل في جواز تصرف حاكم آخر أو مأذونه في أمر من أمور من وكّله فيها، إذا كان مقصود الحاكم من استنابة المنصوب من قبله حصر المتصرف فيها وجهان: من أنه كان لحاكم آخر مشاركة الأوّل قبل توكيله، و الوكيل نائبه، فلا يزيد على الأصل، و من أنّ مقتضى ولايته العامّة نفوذ هذا التصرف منه، فلا يجوز نقضه لغيره. و المسألة محلّ إشكال، ينبغي الاحتياط فيه.

و منها: كون متعلّق الوكالة مما يملكه الموكل،

فلا تصحّ فيما لا يملكه، كالمستحيل عقلا و المحرّم شرعا، كالغصب و السرقة و القتل و سائر المعاصي.

و أحكامها تلزم المباشر إجماعا.

و المشهور: اشتراط ذلك من حين التوكيل إلى وقت التصرف.

و عن جامع المقاصد (1) و التذكرة (2): الإجماع عليه، فلا يجوّزون التوكيل في طلاق من سينكحها، و بيع ما سيملكه، و عتق عبد سيشتريه.

و استشكل إطلاق القول بذلك، بأنّ الظاهر: أنّهم يجوّزون التوكيل في الطلاق في

____________

(1) جامع المقاصد 8: 207.

(2) تذكرة الفقهاء 2: 134.

454

طهر المواقعة و في الحيض، و يجوّزون التوكيل في تزويج امرأة و طلاقها، و شراء عبد و عتقه، و استدانة دين و قضاءه.

و في التذكرة (1): صحّ ذلك كلّه.

و منها- كما في جامع المقاصد (2)-: ما لو قال: طلّق زوجتي ثلاثا،

فإنه يكون وكيلا في الرجعتين بينهما. قال: و لكن يرد عليه أنّ ذلك توكيل في تصرف لا يملكه الموكّل وقت التوكيل. فإنّ الرجعة يملكها بعد الطلاق، فحقه أن لا يصحّ.

ثم أجاب بأنّه ليس ببعيد أن يقال: إنّ التوكيل في مثل هذا جائز، لأنّه وقع تابعا لغيره، و نحوه ما لو وكّله في شراء شاتين و بيع إحداهما، أمّا لو وكّله فيما لا يملكه استقلالا، كما لو وكّل في طلاق زوجة سينكحها لم يصحّ.

و الفرق بين وقوع الشيء أصلا و تبعا كثير، لأنّ التابع وقع مكمّلا بعد الحكم بصحّة الوكالة و استكمال أركانها.

و عن التذكرة (3) إيماء إليه أيضا.

و اعترض بعض أجلة من عاصرناه بمنع الفرق بين التابع و المستقلّ، مع تناول أدلّة الوكالة للقسمين، بل مشروعية المضاربة حجة عليه، فإنّها من الوكالة أيضا، فلا بدّ أن يقال: ما يرجع منها إلى معنى التعليق باطل، باعتبار اقتضاء تأخر متعلقها تأخر [ها]، أمّا ما لا يرجع إلى ذلك، بأن جعله وكيلا عنه فيما هو أهل له، و لو بإيجاد سببه المتأخر عن حال العقد صحّ، و إن لم يجعله تابعا في وكالة شخص خاصّ، بل وكّل شخصا على الشراء و أخرى على بيع ما يشتريه.

____________

(1) تذكرة الفقهاء 2: 134.

(2) جامع المقاصد 8: 207.

(3) تذكرة الفقهاء 2: 134.

455

ثم قوّى لذلك القول بمشروعية الوكالة في الجميع، من غير فرق بين الموجود المتجدّد، حتى ما لا يملكه بإرث و هبة و غيرهما، و قال: إنّ العنوان المزبور في الشرط المذكور ليس في محلّه.

أقول: بل ما أفاده خبط ليس فيه رشاد، و هل يجتمع أصحاب الفقه على ما لا أصل له؟

و لتحقيق ذلك نقول: إنّ من الأمور الضرورية عدم صحّة التوكيل إلّا فيما يملكه الإنسان و يجوز له التصرف فيه شرعا، حتى ينعقد النيابة عنه فيه، فلا يجوز أن يوكّله في طلاق امراة أجنبية و بيع مال زيد، ففي توكيل طلاق امراة سينكحها، إن أريد به الوكالة في الطلاق بعد النكاح، بأن يكون متعلّق الوكالة بعد النكاح، فهو تعليق و تأخير لنفس الوكالة، و هو باطل، و إن أريد الوكالة في الحال، فالموكّل فيه مما لا خيار له فيه و لا يملكه قبل النكاح، فكيف جعله متعلّقا للوكالة الحالية؟

و اقتدار الموكل على إيجاد السبب لا دخل له فيما وكّل فيه الوكيل من حيث تعلق الوكالة عليه إلّا بإرجاعه إلى تعليق الوكالة و تأخيره بما بعد وجوده.

و بهذا يظهر الفرق بينه و بين التوكيل في النكاح ثم الطلاق، فإنّ هذا الترتيب ملكه الموكل حين العقد، و قد جعله وكيلا في هذا الترتيب، فهو من قبيل المركّب الذي تأخّر بعض أجزائه عن بعض.

و الحاصل: أنّ الضابط في الفرق فيما يصحّ و ما لا يصحّ، ملاحظة الفعل الذي وكّل فيه، من حيث كونه متعلق الوكالة، لا من حيث كونه مقدورا للموكل أو موكولا على الاتفاق أحيانا، لعدم مدخليته- حينئذ- في الوكالة التي تعلق بها العقد إلّا بإرجاعها إلى التعليق الباطل.

و من ذلك يظهر: أنّ ما ذكره الشيخ المعاصر من صحّة توكيل شخص خاصّ في

456

الشراء و آخر في بيع ما يشتريه غير متّجه.

فإن قلت: لا ينحلّ بذلك الإشكال بالنقض بصحّة الوكالة حال الحيض أو طهر المواقعة، لعدم صحّة الطلاق حين العقد للموكّل، و لا سبب صحّته باختياره، مع أنّ صحّتها لعلّها محلّ الإجماع.

قلت: فرق بين عدم الصحّة لعروض مانع- سواء كان في حال العقد أو بعده، حيث لا ينتقض به الوكالة لو عرض في الأثناء أيضا- و بين عدم مملوكيته للمالك بالذات، و عدم المقتضي له حال التوكيل، و لذا جعلوا عنوان الشرط ملكه للموكّل فيه، لا صحّته منه، نظير الفرق بين صحّة إيجاب الصلاة على البالغ العاقل قبل الوقت و عدم صحّته قبل بلوغه، و لذا يصحّ أن يقال للزوج حال حيض الزوجة: أنّه مالك لطلاقها و مالك لبضعها، و لا يصحّ أن يقال له ذلك بالنسبة إلى الأجنبية، فالتأخر اللازم هنا إلى زوال العذر مما يرجع إلى الموكّل فيه لا الوكالة، فلا ضير فيه، و لذا لا تبطل الوكالة بعروض الحيض الواقع في الأثناء، و تبطل وكالة بيع فرسه إذا باعه نفسه ثم اشتراه في الأثناء، و هذا عساه أن لا يشكّ فيه.

و ربما يحصل الشكّ في أنّ المورد من أيّ القسمين، كالتوكيل في نكاح صغيرة بعد بلوغها، و لعلّه كان صحيحا لأنّه مالك لنكاحه، و لذا يصحّ أن يزوّجها وليّها دائما، لمانع عدم نفوذ قبولها قبل البلوغ، لحجرها بالصغر، بخلاف التوكيل في تزويج المزوّجة بعد طلاقها. و نحوها المعتدّة بالعدّة الرجعية، لأنّها في حكم الزوجة، و أما المعتدة البائنة، فلا يبعد الصحّة و توكيل ما يتعلق بما سيورث أو سيوهب، كما صحّحه الشيخ المعاصر، و الظاهر: عدم صحّته، فاجعل ما حققناه ضابطا للمقام، و افهم و اغتنم.

457

فرع: لو وكّله في جميع أموره المتعلقة به من الموجودة و المتجدّدة،

فمقتضى الضابطة المقرّرة: صحّة المتجددات المترتّبة على الموجودة، كبيع ماله ثم اشترائه به مالا آخر ثمّ بيعه ثانيا و هكذا، و شراء ملك و إجارته و دعوى الغبن و الفسخ به إذا كان مغبونا، و نكاح امراة له و طلاقها و طلاق امرأته الموجودة، و أمثال ذلك.

و لو نكح الموكّل نفسه امرأة بعد التوكيل المزبور أو [أعتق] عبدا، فالوجه عدم صحّة طلاقها و عتقه بالوكالة العامة السابقة، لا بوكالة متجددة. و اللّه العالم.

458

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}