أدب الطّف أو شعراء الحسين عليه السلام - ج9

- السيد جواد شبر المزيد...
366 /
101

ولد في النجف الأشرف سنة (1301) ه‍. وتوفي فيه في شهر ذي الحجة الحرام سنة 1343 ه‍. وخلف مؤلفات متنوعة لا زالت مخطوطة. وقد ترجم في كثير من المعاجم. وله ديوان شعر رائق يقع في جزئين : الأول يتضمن مدح ورثاء أهل البيت. والثاني في المديح والتهاني والغزل والنسيب.

فمن شعره قصيدة طويلة استنهض فيها بني هاشم ورثى بها جده سيد الشهداء (ع) مطلعها :

الحرب هذي وهذي السمر والخذم * * * والخيل تلك عليها اللحم والحزم

ويقول فيها :

قرّت على الضيم يا ويلي لها عدد * * * لم يغن يوماً فكم منها أريق دم

ضاقت بها الأرض عن إدراك ما وعدت * * * به وكانت بعين الله تلتطم

يا عصبة ما أهاجتها ، على دمها * * * يوماً سهام كلام لا ولا كلم

كم أدعو بالويل فيكم يا لفهر دمي * * * هدر ورحلي منكم راح يغتنم

فالويل لي ولكم إن لم نقم زمراً * * * نشنّ غاراتها فيهم وننتقم

فالكل منا وإن كنا نغضّ على ال‍ * * * ‍بيض الجفون غداة الروع معتصم

فيها نلبي نساءً قد سبين على * * * عجف المطا حيث نادت والدموع دم

ويقول فيها أيضاً مخاطباً للامام المنتظر (عجل الله فرجه).

بقية الله إني لا أبثكها * * * عطفاً عليك وأن تنتاشك الغمم

المجد يأبى وغن سيقت له حرم * * * حسرى على هزل أن تذكر الحرم

وله قصيدة اخرى يقول فيها :

يقولون لي والنفس تكتم ما بها * * * لقد خف منك الطبع من فوق اسحم

تلبي دماء رحن هدرا ونسوة * * * على هزل اسرى طوت كل منسم

ترجم له الخاقاني في شعراء الغري فقال : مات أبوه وعمر المترجم له سنتان فكفله أخوه النسابة السيد رضا المعروف بالصائغ وكان منذ الصغر يتسم بالذكاء

102

فقد فرغ من العلوم العقلية والنقلية وهو في الثلاثين من عمره وكانت دراسته على أعلام منهم السيد محمد بحر العلوم صاحب البلغة والسيد علي الداماد والسيد محمد كاظم اليزدي وفي الاصول على الشيخ ملا كاظم الخراساني والشيخ أحمد كاشف الغطاء والشيخ مهدي المازندراني والشيخ حسن صاحب الجواهر ، وتخرج على يده جماعة من العلماء. ولما توفي ابن عمه السيد عدنان ـ عالم البصرة ـ جاء وفد مؤلف من وجهاء البصرة وأشرافها يطلبونه للقيام بمقام السيد عدنان فلبّى الطلب وأقام بالبصرة إلى أن حل به المرض فانتقل إلى النجف الأشرف وتوفي فيه في يوم 16 ذي الحجة سنة 1343 ه‍. ودفن في حُجرةٍ بالصحن الشريف بجنب مرقد السيد عدنان الغريفي والملاصقة لباب الفرج الغربية وكانت هذه الغرفة تُعرف ب‍ مقبرة آل شبر حيث دفن عدد منهم وكانت فاتحة المترجم له تغصّ برجال العلم والأدب والشعر حيث رثاه فريق من الشعراء بقصائد منهم الشيخ محمد رضا فرج الله والخطيب الشيخ محمد علي اليعقوبي بقصيدة مطلعها :

أتدري لادرت نوب الزمان * * * مضت بسنان هاشم واللسان

فمن يوم الخصام يذود عنها * * * ويدرأ عنهم يوم الطعان

لقد ذهبت بفرد العصر فضلاً * * * وهل في العصر للمهدي ثان

مضت بأجل أهل العصر شأنا * * * وشأن العلم أكبر كل شأن

ومنها :

بني الهادي وأنتم أهل بيت * * * أتت بمديحه السبع المثاني

تهون النائبات إذا علمنا * * * بأن جميع من في الأرض فاني

وله ديوان مخطوط يقع في جزئين عند ولده السيد عبد المطلب ، يختص الجزء الأول بأهل البيت مدحاً ورثاء في 240 صفحة بخط الشيخ حسن الشيخ علي الحمود الحلي فرغ من نسخة عام 1322 ه‍. والجزء الثاني بخط الناظم في 250 صفحة يتضمن المديح والرثاء والتهاني والغزل والنسيب والوصف ، وآثاره العلمية ومؤلفاته المخطوطة كثيرة جداً ومنها ما أذكره هنا :

103

1 ـ هداية المضل في الامامة.

2 ـ الأشهر الحرم فيما وقع على سادات الحرم.

3 ـ عين الفطرة في الرد على من غالى في العترة.

4 ـ زينة الاذان والاقامة في ذكر علي بالولاية والامامة.

5 ـ أرجوزة في الكبائر من الذنوب.

6 ـ التحفة في المبدأ والمعاد أرجوزة ، فرغ منها سنة 1343 ه‍. طبعت بالنجف.

7 ـ منظومة سمّاها ب‍ ( الدرة النجفية ) ، في الرد على القائلين بالتثليث.

8 ـ كتاب ( الانصاف ) في علم الحديث.

9 ـ كتاب ( الرشحات ) في التوحيد والنبوة والامامة ، فرغ منه 1329 ه‍.

10 ـ رسالة في أحوال الصحابة.

11 ـ رسالة في التراجم ، ورسالة في الاجازات.

12 ـ كتاب ( الولاية الكبرى ).

13 ـ كتاب ( انساب الهاشميين ) ... مع كتب ورسائل كثيرة متنوعة مطبوعة وغير مطبوعة.

104

محمد حسن أبو المحاسن

المتوفى 1344-

قال سنة 1325 ه‍ :

دع المنى فحديث النفس مختلق * * * واعزم فإن العلى بالعزم تستبقُ

ولا يؤرقك إلا همّ مكرمة * * * إن المكارم فيها يجمد الأرق

والسيف أَصدق مصحوب وثقت به * * * ان لم تجد صاحباً في ودّه تثق

وأَمنعُ العزّ ما أرست قواعده * * * سمر الأسنة والمسنونة الذلق

وإنما ثمر العلياء في شجر * * * لها الرماح غصون والضبا ورق

وليس يجمع شمل الفخر جامعه * * * إلا بحيث ترى الأرواح تفترق

وللردى شرك بثّت حبائله * * * على الأنام وكل فيه معتلق

فما يجير الردى من صرف حادثه * * * كهف ولا سلّم ينجى ولا نفق

إذا دجى ليل خطب أو بنا زمن * * * فاستشعر الصبر حتى ينجلي الغسق

فكل شدة خطب بعدها فرج * * * وكل ظلمة ليل بعدها فلق

فلا يغرنك عيش طاب مورده * * * فرب عذب أتى من دونه الشرق

دنياً رغائبها في أهلها دول * * * وما استجدت لهم من نعمة خلق

وليس في عيشها روح ولا دعة * * * وان بدا لك منها المنظر الانق

105

دنياً لآل رسول الله ما اتسقت * * * انى تؤملها تصفو وتتسق

تلك الرزية جلت أن يغالبها * * * صبر به الواجد المحزون يعتلق

فكل جفن بماء الدمع منغمر * * * وكل قلب بنار الحزن محترق

بها اصابت حشا الإسلام نافذة * * * سهام قوم عن الإسلام قد مرقوا

واستخلصت لسليل الوحي خالصة * * * من الورى طاب منها الأصل والورق

أَصفاهم الله اكراماً بنصرته * * * فاستيقنوها وفي نهج الهدى استبقوا

من يخلق الله للدنيا فأنهم * * * لنصرة العترة الهادين قد خلقوا

كأنهم يوم طافوا محدقين بهم * * * محاجر وهم ما بينهم حدق

رجال صدق قضوا في الله نحبهم * * * دون الحسين وفيما عاهدوا صدقوا

وقام يومهم بالطف إذ وقفوا * * * بيوم بدر وان كانوا بها سبقوا

وفي اولئك في بدر نبيهم * * * وهؤلاء بهم آل النبي وُقوا

من كل بدر دجى يجرى به مرحاً * * * إلى الكفاح كميت سابق أفق (1)

ينهل في السلم والهيجاء من يده * * * وسيفه الواكفان الجود والعلق

تقلدوا مرهفات العزم وادرعوا * * * سوابغ الصبر لا يلوي بهم فرق

والصبر اثبت في يوم الوغى حلقاً * * * إذا تطاير من وقع الضبا الحلق

رسوا كأنهم هضبٌ بمعترك * * * ضنك عواصفه بالموت تختفق

ولابسين ثياب النقع ضافية * * * كأن نقع المذاكي الوشي والسرق (2)

مستنشقين من الهيجاء طيب شذا * * * كأن ارض الوغى بالمسك تنفتق

عشق الحسين دعاهم فاغتدى لهم * * * مر المنية حلواً دون من عشقوا

جاءوا الشهادة في ميقات ربهم * * * حتى إذا ما تجلى نوره صعقوا

وما سقوا جرعة حتى قضوا ظمأ * * * نعم بحدّ المواضي المرهفات سقوا

____________

1 ـ الكميت والافق بضمتين صفة للفرس للذكر والانثى.

2 ـ السرق محركة : شقق الحرير.

106

عارين قد نسجت مور الرياح لهم * * * ملابساً قد تولى صبغها العلق

حاشا اباءهم أن يؤثروا جزعاً * * * على المنية ورداً صفوة رنق

مضوا كرام المساعي فائزين بها * * * مكارماً من شذاها المسك ينتشق

واغبرّ من بعدهم وجه الثرى وزها * * * ببشرهم في جنان الخلد مرتفق

هنالك اقتحم الحرب ابن بجدتها * * * يطوى الصفوف بماضيه ويخترق

يطاعن الخيل شزراً والقنا قصدٌ * * * ويفلق الهام ضربا والضبا فلق

طمآن تنهل بيض الهند من دمه * * * فيستهل لها بشراً ويعتنق

دريئة لسهام القوم مهجته * * * كأنه غرض يرمى ويرتشق

لو ان بالصخر ما قاساه من عطش * * * كادت له الصخرة الصماء تنفلق

نفسي الفداء لشاك حرّ غلته * * * والماء يلمع منه البارد الغدق

موزع الجسم روح القدس يندبه * * * شجواً وناظره بالدمع مندفق

والشمس طالعة تبكي وغائبة * * * دماً به شهد الاشراق والشفق

تجري على صدره عدواً خيولهم * * * كأن صدر الهدى للخيل مستبق

تبدو له طلعة غراء مشرقة * * * على السنان وشيب بالدما شرق

فما رأى ناظر من قبل طلعته * * * بدراً له من أنابيب القنا افق

وفي السباء بنات الوحي سائرة * * * بها المطي وأدنى سيرها العنق

يستشرف البلد الداني مطالعها * * * ويحشد البلد النائي فيلتحق

تزيد نار الجوى في قلبها حرقاً * * * بماء دمع من الآماق يندفق

فلا تجف بحر الوجد عبرتها * * * ولا تبوخ بفيض الأدمع الحرق

وسيد الخلق يشكو ثقل جامعة * * * تنوء دامية من حملها العنق

تهفو قلوب العدى من عظم هيبته * * * لكنهم برواسي حلمه وثقوا

ما غض من بأسه سقم ولا جدة * * * ان الشجاعة في اسد الشرى خُلُق

107

الشيخ محمد حسن إبن الشيخ حمادي بن محسن بن سلطان آل قاطع الجناجي الحائري ولد في مدينة كربلاء سنة 1293 ه‍. وبها نشأ وترعرع ودرس الأدب والفقه على جماعة من ادبائها وعلمائها ، ويمتاز بالذكاء المفرط وسرعة البديهة كما كان بهي الطلعة جميل المحيا نقي المظهر متسماً بالوقار جميل المعاشرة غير متصنع في بشاشته وهو أحد ابطال الثورة العراقية الكبرى عام 1919 م.

وبعد تأسيس الحكم الوطني في العراق عيّن المترجم له وزيراً للمعارف في وزارة جعفر العسكري.

أجاب داعي ربه بالسكتة القلبية صبيحة الخميس 13 من ذي الحجة الحرام في قضاء الهندية عام 1344 ه‍. وحمل نعشه إلى النجف الأشرف بطريق النهر ودفن في الصحن الحيدري بين ايوان ميزاب الذهب ومقبرة العلامة السيد محمد سعيد الحبوبي ترجم له السماوي في الطليعة قال : هو اديب شاعر وكاتب ناثر حسن البديهة سيال القريحة ، جلس معي في الصحن العلوي وجلس الينا غلام وسيم فسألني : ما النرجس فداعبته وقلت له : جفنك ، فخجل وقال : وما الاقاح ، فقلت : ثغرك ، فنظم المترجم له ذلك على البديهة فقال :

وشادن يسال ما النرجس * * * قلت له اجفانك النعّس

فقال لي والاقحوان الجنى * * * فقلت هذا ثغرك الألعس

ومن شعره قوله :

كم لعيني ليل النوى من جميل * * * وافر ضاق دونه باع شكري

مذ رأتني انفقت كنز اصطباري * * * ملأت من لئالئي الدمع حجري

وقال يرثي سيد الشهداء الحسين بن علي (ع) وذلك في سنة 1333 ه‍.

أيرجع عهد بالشقيقة سالف * * * سقى العهد منهل من الغيث واكف

خليلي هذا موقف الوحد والأسا * * * وخير الخليلين المعين المساعف

فعوجا عليه بالدموع فانما * * * تحيته منا الدموع الذوارف

108

منازل كانت للنعيم معرّسا * * * وكانت بها للعاشقين مواقف

ترف الأقاحي وهي فيها مباسم * * * وتثنى بها الأغصان وهي معاطف

فلا تنكرا بالدار فرط صبابتي * * * فما كل قلب بالصبابة عارف

فلا ذعرت يا دار آرامك التي * * * بها للظباء الآنسات معارف

ألِفنَ الحسان الغانيات فأكرمت * * * وتكرم من أجلِ الأليف الآلائف

لئن جرعتني الحزن اطلال دارهم * * * فكم ارشفتني الراح فيها المراشف

وان تعف بعد الظاعنين ربوعهم * * * فقلبي منها آهل الربع آلف

وقفت به والدمع يجري كأنني * * * وان جل رزء الطف بالطف واقف

على مربع روت دماء بني الهدى * * * ثراه ولم تروِ القلوب اللواهف

فكم غيبت فيه نجوماً وحجّبت * * * بدو رُعُلا فيها المنايا الخواسف

إلى الطف من أرض الحجاز تطلعت * * * ثنايا المنايا ما ثنتها المخاوف

ترحل أمن الخائفين عن الحمى * * * مخافة ان لا يأمن البيت خائف

وقد كان شمساً والحجاز بنوره * * * مضئ فأمسى بعده وهو كاسف

وصوّح بعد الغيث نبتُ رياضه * * * وقلّص ظلٌ بالمكارم وارف

قد استصرخته بالعراق عصابة * * * تحكم فيها جائر الحكم عاسف

فانجدهم غوث اللهيف وشيمة * * * الكريم إذا داع دعاه يساعف

سرى والمنايا تستحثّ ركابه * * * إلى موقف تنسى لديه المواقف

تحف به الخيل الكرام وفوقها * * * من الهاشمين الكرام الغطارف

بنو مطعمي طير السماء سيوفهم * * * لهن مقاري في الوغى ومضائف

إذا اعتقلوا سمر الرماح تضيّفت * * * يعاسيبها العقبان فهي عواكف

بهم عرف المعروف واليأس والندى * * * وفاضت على المسترفدين العوارف

وقد نازلوا الكرب الشديد بكربلا * * * وكل بحدّ السيف للكرب كاشف

فدارت بأبناء النبي محمد * * * عصائب أبناء الطليق الزعانف

109

وما اجتمعت إلا لتطفئ عنوة * * * مصابيح نور الله تلك الطوائف

وما كان كتب القوم إلا كتائباً * * * تمج دماً فيها القنيّ الرواعف

وقد أخذ الميثاق منهم فما وفى * * * اخو موثق منهم ولا برّ حالف

أبى الله والنفس الأبية ضيمه * * * فمات كريماً وهو للضيم عائف

ونفس علي بين جنبي سليله * * * فللّه هاتيك النفوس الشرائف

وراموا على حكم الدّعي نزوله * * * فقال على حكم النزال التناصف

نفوس أبت إلا نفائس مفخر * * * اليها انتهى مجد تليد وطارف

بنفسي من أحيى شريعة جده * * * على حين قد كادت تموت العواطف

أبوه الذي قد شيّد الدين سيفه * * * وهذا ابنه والشبل لليث واصف

أمير المنايا ذو الفقار بكفه * * * إذا ما قضى أمراً فليست تخالف

ويجري به بحر وفي الكف جدول * * * تمر على من ذاق منه المراشف

طوى بصفيح الهند نشر جموعهم * * * كما طويت بالراحتين الصحائف

وفلّ البغاة الماردين كأنه * * * سليمان لكن المهند آصف

يكر على جمع العدى وهو بينهم * * * فريد فترفضّ الجموع الزواحف

جناحهم من خيفة الصقر خافق * * * وقلبهم من سطوة الليث راجف

يفلّ قراع الدارعين حسامه * * * فيحمل فيهم وهو بالعزم سائف

وقائمه ما بارح الكف في الوغى * * * إلى أن خبا برق من السيف خاطف

صريعاً يفدى بالنفوس وسيفه * * * كسير تفدّيه السيوف الرهائف

قضى عطشاً دون الفرات فلا جرى * * * بورد ولا بلّ الجوى منه راشف

وظمأن لكل من نجيع فؤاده * * * تروى المواضي والرماح الدوالف

ومرتضع بالسهم أضحى فطامه * * * فذاق حمام الموت والقلب لاهف

اتى ابن رسول الله مستسقياً له * * * فما عطفت يوماً عليه العواطف

فأهوت على الجيد المخضب امه * * * تقبّله والطرف بالدمع واكف

110

جعلتك لي يا منية النفس زهرة * * * ولم أدر أنّ السهم للزهر قاطف

فللّه مقدام على الهول ما له * * * سوى المرهف الماضي عضيد محالف

إذا اشتد ركب زاد بشراً وبهجة * * * كأن المنايا بالأماني تساعف

وفي الأرض صرعى من بنيه ورهطه * * * وفي الخدر منه المحصنات العفائف

فلا هو من خطب يلاقيه ناكِل * * * ولا هو فيما قد مضى منه آسف

واعظم ما قاسى خدور عقائل * * * بها لم يطف غير الملائك طائف

وعز عليه ان تهاجمها العدى * * * وهن بحامي خدرهنّ هواتف

ينوء ليحمي الفاطميات جهده * * * فيكبو به ضعف القوى المتضاعف

لأن عاد مسلوب الثياب مجرداً * * * فللحمد ابراد له ومطارف

فلم يرَ أحلى من سليب قد اكتسى * * * من الطعن ما تكسو الجروح النواطف

وفي السبي من آل النبي كرائم * * * نمتها إلى المجد الأثيل الخلائف

يسار بها من منهل بعد منهل * * * وتطوي على الأكوار فيها التنائف

وليس لها من رهطها وحماتها * * * لدى السير الا ناحل الجسم ناحف

تمثلها العين المنيرة للعدى * * * ويسترها جفن من الليل واطف

وهن بشجو للدموع نواثر * * * وهنّ بندب للفريد رواصف

هواتف يبكين الحسين إذا بكت * * * هديلا حمامات الغصون هواتف

وفوق القنا تزهو الرؤوس كأنها * * * أزاهير لكن الرماح القواطف

وما حملت فوق الرماح رؤوسهم * * * ولكنما فوق الرماح المصاحف

وله :

أدار الحي باكرك الغمام * * * وان أقوى محلك والمقام

ولو لم تنزف الأشجان دمعي * * * لقلت سقتك أدمعي السجام

مررت بدارهم فاستوقفتني * * * على الدار الصبابة والغرام

111

فيا عهد الأنيس عليك مني * * * وان حلت التحية والسلام

أُسائلها ولي قلب كليم * * * وهل تدري المنازل ما الكلام

أعائدة لنا أيام وصل * * * فينعم بالوصال المستهام

بزهر كواكب وشموس حسن * * * وأقمار مطالعها الخيام

متى يسلو صبابته كئيب * * * بليّته اللواحظ والقوام

إذا ملك الهوى قلب المعنى * * * فأيسر ما يعانيه الملام

يهيج لي الغرام شذى نسيم * * * يشم وومض بارقة تشام

ويشجين الحمام إذا تغنى * * * وكل شجٍّ يهيجه الحمام

ويقدح لي الأسى يوم اصيبت * * * به أبناء فاطمة الكرام

وخطب قادح في كل قلب * * * بقادحة الجوى فيه ضرام

فيابن الضاربين رواق فخر * * * سمت فوق الضراح له دعام

أيخضب بالسهام وبالمواضي * * * محياً دونه البدر التمام

فليت البيض قد فلت شباها * * * وطاشت عن مراميها السهام

كأنك منهل والبيض ظمأى * * * لها في ورد مهجتك ازدحام

وقال أبو المحاسن أيضا :

نعلل النفس بالوعد الذي وعدوا * * * أنى وقد طال في انجازه الأمد

ان كان غيّر بعد العهد ودهم * * * فودّنا لهم باق كما عهدوا

وان يكن لهم في هجرنا جلد * * * فأن أبعد شيء فاتنا الجلد

أما وطيب ليالينا التي سلفت * * * والعيش غض كما شاء الهوى رغد

ان العيون التي كانت بقربهم * * * قريرة جار فيها الدمع والسهد

ما انصفونا سهرنا ليلنا لهم * * * صبابة وهم عن ليلنا رقدوا

تبكيهم مقلتي العبرى ولو سعدت * * * بكت مصاب الاولى في كربلا فقدوا

مصالت كسيوف الهند مرهفة * * * فرندها كرم الاحساب والصيد

المرتقين من العلياء منزلة * * * شماء لا يرتقيها بالمنى أحد

الطاعنين إذا أبطالها انكشفت * * * والمطعمين إذا ما اجدب البلد

112

من معشر ضربت فوق السماء لهم * * * أبيات فخر لها من مجدهم عمد

سادوا قريشاً ولولاهم لما افترعت * * * طود الفخار ولولا الروح ما الجسد

تخال تحت عجاج الخيل أوجههم * * * كواكباً في دجى الظلماء تتقد

يمشون خطراً ولا يثنيهم خطر * * * عن قصدهم وأنابيب القنا قصد

وافى بها الأسد الغضبان يقدمها * * * اسداً فرائسها يوم الوغى اسد

كأن مرهفه والضرب يوقده * * * شمس الهجير وأرواح العدى برد

كأنما رقمت آي السجود به * * * فكلما استله من غمده سجدوا

فحاولت عبد شمس أن يدين لها * * * قوم لها ابن رسول الله منتقد

حتى إذا جالت الخيلان صاح بهم * * * ضرب يطيش به المقدامة النجد

فأحجموا حيث لا ورد ولا صدر * * * والسمهرية في أحشائهم ترد

يا عين لا تعطشي خدي فأنهم * * * قضوا عطاشا وماء النهر مطرد

وقال أيضاً :

أقّلا عليّ اللوم فيما جنى الحبّ * * * فان عذاب المستهام به عذب

وصلت غرامي بالدموع وعاقدت * * * جفوني على هجر الكرى الانجم الشهب

تقاسمن مني ناظراً ضمنت له * * * دواعى الهوى ان لا يجفّ له غرب (1)

فليت هواهم حمّل القلب وسعه * * * فيقوى له أو ليت ما كان لي قلب

فابعد بطيب العيش عني فليس لي * * * به طائل ان لم يكن بيننا قرب

الا في ذمام الله عيس تحملت * * * بسرب مهاً للدمع في أثرها سرب

وكنا وردنا العيش صفوا فأقبلت * * * حوادث أيام بها كدر الشرب

عدمناك من دهر خؤون لأهله * * * إذا ما انقضى خطب له راعناً خطب

على أن رزء الناس يخلق حقبة * * * ورزء بني طه تجدده الحقب

حدا لهم ركب الفناء آبائهم * * * وسار بمغبوط الثناء لهم ركب

لحى الله يا أهل العراق صنيعكم * * * فقد طأطأت هاماتها بكم العرب

____________

1 ـ الغرب : مسيل الدمع والغروب الدموع.

113

دعوتم حسيناً للعراق ولم تزل * * * تسير اليه منكم الرسل والكتب

ان اقدم الينا يا بن بنت محمد * * * فانك ان وافيت يلتئم الشعب

فلما أتاكم واثقاً بعهودكم * * * اليه إذا مرعى وفائكم جدب

فلم يحظَ إلا بالقنا من قراكم * * * وضاق عليه فيكم المنزل الرحب

فلم أر أشقى منكم إذ غدرتم * * * بآل علي كي تسود بكم حرب

فللّه أجسام من النور كونت * * * تحكم في أعضائها الطعن والضرب

فيا يوم عاشوراء أوقدت في الحشا * * * من الحزن نيراناً مدى الدهر لا تخبو

وقد كنت عيداً قبل يجنى بك الهنا * * * فعدت قذى الأجفان يجنى بك الكرب

قضى ابن رسول الله فيك على الظما * * * وقد نهلت منه المهندة القضب

وحفت به سمر القنا فكأنه * * * لدى الحرب عين والرماح لها هدب

فكم قد أُريقت فيك من آل أحمد * * * دماء سادات وكم هتكت حجب

وعبرى أذاب الشجو جامد دمعها * * * تنوح وللأشجان في قلبها ندب

إذا عطلت أجيادها من حلّيها * * * تحلت بدمع سقطه اللؤلؤ الرطب

تعاتب صرعى لو يساعدها القضا * * * إذاً وثبوا غضبى وعنها العدى ذبوا

وله :

أرى امية بعد المصطفى طلبت * * * أخاه بالثار مذ هبّت بصفين

ثم انثنت للزكي المجتبى حسن * * * فجرعته ذعاف الذل والهون

أوتار بدر بيوم الطف قد أخذت * * * وباء في آل حرب آل ياسين

من النبي قضوا ديناً كما زعموا * * * ولا ديون لهم إلا على الدين

راس ابن فاطمة خير الورى نسباً * * * يا للعجائب يهدى لابن ميسون

114

السيد علي العلاق المتوفى 1344

أقوت فهنّ من الأنيس خلاء * * * دمن محت آثارها الأنواء

درست فغيّرها البلا فكأنما * * * طارت بشمل أنيسها عنقاء

يا دار مقرية الضيوف بشاشة * * * وقراي منك الوجد والبرحاء

عبقت بتربك نفحة مسكية * * * وسقت ثراك الديمة الوطفاء

عهدي بربعك آنسا بك آهلا * * * يعلوه منك البشر والسراء

وثرى ربوعك للنواظر اثمداً * * * وكعقد حلي ظبائك الحصباء

أخنى عليه دهره والدهر لا * * * يرجى له بذوي الوفاء وفاء

أين الذين ببشرهم وبنشرهم * * * يحيا الرجاء وتأرج الارجاء

ضربوا بعرصة كربلاء خيامهم * * * فأطلّ كرب فوقها وبلاء

لله أيّ رزيةٍ في كربلا * * * عظمت فهانت دونها الارزاء

يوم به سل ابن أحمد مرهفاً * * * لفرنده بدجى الوغى لألاء

وفدى شريعة جده بعصابة * * * تفدى وقلّ من الوجوه فداء

صيدٌ إذا ارتعد الكميّ مهابة * * * ومشت إلى أكفائها الاكفاء

وعلا الغبار فأظلمت لو لا سنا * * * جبهاتها وسيوفها الهيجاء

عشت العيون فليس إلا الطعنة الن‍ * * * ‍جلا وإلا الحقلة الخوصاء

عبست وجوه عداهم فتبسموا * * * فرحاً وأظلمت الوغى فأضاؤا

ولها قراع السمهريّ تسامر * * * وصليل وقع المرهفات غناء

115

يقتادهم للحرب أروع ماجد * * * صعب القياد على العدى أبّاء

صحبته من عزماته هندية * * * بيضاء أو يزتيّة سمراء

تجري المنايا السود طوع يمينه * * * وتصرّف الاقدار حيث يشاء

ذلت لعزمته القروم بموقف * * * عقّت به آباءها الأبناء

كره الكماة لقاءه في معرك * * * حسدت به أمواتها الأحياء

بأبي أبي الضيم سيم هوانه * * * فلواه عن ورد الهوان اباء

يا واحدا للشهب من عزماته * * * تسري لديه كتيبة شهباء

تشع السيوف رقابهم ضرباً وبالأ * * * جسام منهم ضاقت البيداء

ما زال يفنيهم الى أن كاد أن * * * يأتي على الايجاد منه فناء

لكنما طلب الإله لقاءه * * * وجرى بما قد شاء فيه قضاء

فهوى على غبرائها فتضعضعت * * * لهويه الغبراء والخضراء

وعلا السنان برأسه فالصعدة * * * السمراء فيها الطلعة الغراء

ومكفن وثيابه قصد القنا * * * ومغسل وله المياه دماء

ان تمس مغبر الجبين معفراً * * * فعليك من نور النبي بهاء

يا ليت لا عذب الفرات لواردٍ * * * وقلوب أبناء النبي ظماء

لله يوم فيه قد أمسيتم * * * اسراء قوم هم لكم طلقاء

حملوا لكم في السبي كل مصونة * * * وسروا بها في الأسر أنى شاؤا

آل النبي لئن تعاظم رزؤكم * * * وتصاغرت في وقعه الارزاء

فلأنتم يا أيها الشفعاء في * * * يوم الجزا لجناته الخصماء (1)

ومقيد قام الحديد بمتنه * * * غلاً وأقعد جسمه الأعياء

وهن الضنى قعدت به اسقامه * * * وسرت به المهزولة العجفاء

وغدت ترق على بليته العدى * * * ما حال من رقت له الأعداء

لله سرّ الله وهو محجب * * * وضمير غيب الله وهو خفاء

أنى اغتدى للكافرين غنيمة * * * في حكمها ينقاد حيث تشاء

____________

1 ـ الروض الخميل مخطوط السيد جودت القزويني ، أقول ورأيت في ( الطليعة ) تتمة غراء لهذه القصيدة مع نقل كرامة تدل على قبولها عند أهل البيت (صلوات الله عليهم).

116

وله في الإمام الحسين (ع) :

يا دار أين ترحل الركب * * * ولأي أرض يمم الصحب

أبحاجر فمحاجري لهم * * * من فيضهن سحائب سكب

أم بالغضا فبمهجتي اتقدت * * * نيرانه شعلا فلم تخب

وإلى العقيق تيامنوا فهمت * * * عيني به وجرى لها غرب

وبأيمن العلمين قد نزلوا * * * منه بحيث المربع الخصب

وعلت بداجي الليل نارهم * * * فذكا الكبا والمندل الرطب

لا يبعدن النازلون به * * * ان ضاق منه المنزل الرحب

فمن الأضالع منزل لهم * * * ومن المدامع مورد عذب

ساروا وحفت في هوادجهم * * * منهم أسود ملاحم غلب

حملتهم النجب العتاق ويا * * * لله من حملتهم النجب

من كل وضاح الجبين به * * * يسقى الثرى ان عمه الجدب

عقاد ألوية الحروب إذا * * * عضت على أنيابها الحرب

ان قال فالخطي مقوله * * * أو صال فهو الصارم العضب

وسروا لنيل المجد تحملهم * * * نجب عليها منهم نجب

وبكربلا ضربوا خيامهم * * * حيث البلايا السود والكرب

ودعاهم للموت سيدهم * * * والموت جدٌ ما به لعب

فتسابقوا كل لدعوته * * * فرحاً يسابق جسمه القلب

حشدوا عليه وهو بينهم * * * كالبدر قد حفت به الشهب

تنبوا الجماجم من مهنده * * * وحسامه بيديه لا ينبو

وتطايرت من سيفه فِرقا * * * فَرقا يضيق بها الفضا الرحب

وغدا أبو السجاد منفردا * * * مذبان عنه الأهل والصحب

وعليه قد حشدت خيولهم * * * وبه أحاط الطعن والضرب

فثوى على وجه الصعيد لقى * * * عار تكفن جسمه الترب

ومصونة في خدرها رفعت * * * عن صونها الأستار والحجب

فهبّ الرجال بما جنوا قتلوا * * * هل للرضيع بما جنى ذنب

117

السيد علي ابن السيد ياسين ابن السيد مطر الحسني العلاق النجفي. ولد سنة 1297 ه‍. وتوفي في ذي الحجة سنة 1344 ه‍. ودفن بالنجف الأشرف. شاعر أديب تقرأ في محياه آثار السيادة والنجابة ، تأدب وتفقه في النجف وحاز على شهرة علمية إلى تُقى وورع ، حسني النسب له شعر يروى ومطارحات يتناقلها الادباء ، ورأيت في مصدر آخر أن ولادته سنة 1293 ه‍. ووفاته بالنجف الأشرف غرة رمضان ذكره صاحب الحصون فقال : السيد علي العلاقي الأصل ، النجفي المولد والمسكن. فاضل ملأ ظرافة ولطفاً وشريف يفوق على الشرف ، مشتغل في النجف بتحصيل العلوم وحضر على علمائها ، ذو قريحة وقادة وفكرة نقادة سخياً كريماً مع حسن أخلاق وطيب أعراق وصفاء سريرة وحسن سيرة. ذكر البحاثة المعاصر علي الخاقاني في شعراء الغري لوائح من أشعاره ورسالة له أجاب بها جملة من أقرانه واخدانه وهم : الشيخ عباس ابن الشيخ علي كاشف الغطاء ، والسيد محمد القزويني ، والسيد حسين القزويني ، وقد صدرها بمقطوعة شعرية منها :

وافتك من أقصى مغانيها * * * مذ بلغت فيك أمانيها

فهنّها بالبشر وأهنأ به * * * وقرّط السمع بما فيها

عذراء زارتك على غفلة * * * محجوبة من خوف واشيها

تطوي اليك البيد منشورة * * * غرّ اللآلي بمطاويها

يأرج بالمسك شذا لفظها * * * وتنثر الدر معانيها

سرح بها اللحظ تجد روضة * * * غناء قد رقت حواشيها

لقد تمنت عاطلات المها * * * أن تتحلى بدراريها

نرجسها زاه بنوارها * * * والنور زاه بأقاحيها

ودّت نجوم الأفق لو أنها * * * تقلدت غرّ لآليها

يعيد ميت الشوق من رمسه * * * منتشراً نظم قوافيها

ما روضة باكرها عارض * * * أو ديمه تهمي عزاليها

ورنحتها نسمات الصبا * * * فماس دانيها بعاليها

118

وصفقت بالبشر أزهارها * * * لما غدا الرعد يغنيها

والغيث إن مرّ بها راقصاً * * * يضحكها من حيث يبكيها

ومذ همى دراً على تبرها * * * سال لجيناً في سواقيها

وللندامى حولها اكؤس * * * لذّ لهم فيها تعاطيها

تسعى بها نحوهم غادة * * * يقيمها الدل ويثنيها

إذا تهاوت بكؤس الطلا * * * ضلوا حيارى من تهاديها

تديرها ممزوجة قد غدا * * * مزاجها القرقف من فيها

يوماً بأبهى نفحة من شذا * * * مألكة أصبحت منشيها

رسالة كم معجز قد حوت * * * مذ رتّل الآيات تاليها

أحيت بقايا كبد فيكم * * * يميتها الشوق ويحييها

أهديتماها والهدايا كما * * * قالوا على مقدار مهديها

وترجم له الشيخ السماوي في ( الطليعة ) فقال : فاضل ملأ من الفضل إهابه ومن الأدب وطابه ، وشريف يبدو على سمته أثر النجابة ، مشارك في الفنون محاظر بالمحاسن والعيون ، حاضرته فرايت منه فضلاً وعلماً وكرماً جمّاً وتقى إلى ظرف وديانة إلى لطف وصفاء قلب ونزاهة برد وغضّ طرف عن أدنى وصف وله شعر حسن ومطارحات جيدة وقريض تغلب عليه الجزالة فمنه قوله.

أورى الهوى بحشاي جمرا * * * وجرت دموع العين حمرا

ليل الهموم دجى فمن * * * لي أن أُطالع منك بدرا

لك مغرم هتك اشتياقك * * * ستره فأذاع سرّا

يا من لصب سوف يقتله * * * نوى الأحباب صبرا

لله وصلك ما احيلاه * * * وهجرك ما أمرا

يقول الشيخ السماوي في ( الطليعة من شعراء الشيعة ) : أخبرني عبد الحسين ابن القاسم الحلي ـ تقدمت ترجمته ـ قال رأيت ليلة في منامي كأني في مجلس يناح فيه على الحسين ، فقرأ محمد بن شريف النائح النجفي قصيدة همزية مضمومة حتى إذا وصل منها إلى قوله :

119

والهف قلبي يا بن بنت محمد * * * لك والعدا بك أدركوا ما شاؤا

كثر البكاء واصطفقت الأيدي وتكررت الاستعادات استحساناً لهذا البيت فانتبهت وأنا أبكي وأُردد البيت ، فما مرّ عليّ شهر إلا وسمعت النائح المذكور يقرأ هذه القصيدة في بيت المترجم له فسالته عنها فقال هي له سلمه الله تعالى ـ ومنها :

فلخيلها أجسامكم ولنبلها * * * أكبادكم ولقضبها الأعضاء

وعلى رؤس السمر منكم أرؤس * * * شمس الضحى لوجوهها حرباء

يا بن النبي أقول فيك معزياً * * * نفسي وعزّ على الثكول عزاء

ما غضّ من علياك سوء صنيعهم * * * شرفاً وإن عظم الذي قد جاؤا

إن تمس مغبر الجبين معفراً * * * فعليك من نور النبي بهاء

أوَ تبق فوق الأرض غير مغسّل * * * فلك البسيطان الثرى والماء

أو تغتدي عارٍ فقد صنعت لكم * * * برد العلاء الخط لا صنعاء

أو تقض ظمآن الفؤاد فمن دما * * * أعداك سيفك والرماح رواء

فلو أن أحمد قد رآك على الثرى * * * لفرشن منه لجسمك الأحشاء

أو بالطفوف رأت ظماك سقتك من * * * ماء المدامع أمك الزهراء

يا ليت لا عذب الفرات لواردٍ * * * وقلوب أبناء النبي ظماء

كم حرة نهب العدى أبياتها * * * وتقاسمت أحشاءها الارزاء

تعدو وتدعو بالحماة ولم يكن * * * بسوى السياط لها يجاب دعاء

هتفت تثير كفيلها وكفيلها * * * قد أرمضته في الثرى الرمضاء

يا كعبة البيت الحرام ومن سمت * * * بهم على هام السما البطحاء

لله يوم فيه قد أمسيتم * * * أسراء قوم هم لكم طلقاء

حملوا لكم في السبي كل مصونة * * * وسروا بها في الأسر ان شاؤا

تنعى ليوث البأس من فتيانها * * * وغيوثها إن عمّت البأساء

تبكيهم بدم مَقل بالمهجة الحرّا * * * تسيل العبرة الحمراء

حنّت ولكن الحنين بكاً وقد * * * ناحت ولكن نوحها إيماء

120

الشيخ عبد الحسين الحيّاوي

المتوفى 1345

يا كالئي الدين الحنيف * * * والامن من خطر الظروف

ومجلياً داجي الضلال * * * بنور رشد منه موفي

شرف الابا ورثته أُسرتكم * * * ، شريفاً عن شريف

أترى تقرّ على الهوان * * * وأنت من شمّ الأنوف

وترى حقوقك في يدي * * * قوم على وثن عكوف

والدين كوكب رشده * * * الدريّ آذن بالخسوف

فأنر بطلعتك المنيرة * * * للورى ظلم السدوف

واملأ بصاعقة الضبا * * * وجه البسيطة بالرجيف

واترك خيول الله تعطف * * * بالذميل على الوجيف

عربية تستن في العدوات * * * كالريح العصوف

بجحاجح تزن الجبال * * * الشمّ في اليوم المخوف

وألحِظ بنيك بعطفة * * * أو لست خير أبٍ عطوف

وارأف بهم عجلاً فقد * * * وصفوك بالبرّ الرؤوف

فإلامَ أكباد الورى * * * لنواك دامية القروف

حنّت اليك حنين ذي * * * إلف على فقد الأليف

أوَ ما علمت ـ وأنت أعلم * * * ما جرى يوم الطفوف

حيث الحسين درية * * * للسمهرية والسيوف

121

حشدت عليه جحافل * * * عضت بهن لُهى الشنوف

فسطا عليهم زاحفاً * * * في كل مقدام زحوف

ومدربين لدى الكفاح * * * على مصادمة الألوف

يمشي بمعترك النزال * * * إلى الردى مشي النزيف

ويخال مهزوز القنا * * * يوم الوغى أعطاف هيف

وقفوا بها فاستوقفوا * * * الأفلاك في ذاك الوقوف

خفوا وهم هضب الجبال * * * لنيل دانية القطوف

فتلفعوا بنجيعهم * * * مثل البدور لدى الكسوف

وانصاع فرداً لم يجد * * * عضداً سوى العضب الرهيف

فهناك صال على الكتائب * * * صولة الليث المخيف

فثنى مكردسها وثنّى * * * فعله يوم الخسيف

حتى جرى القدر المحتم * * * فاغتدى غرض الحتوف

لهفي عليه وطفله * * * بيديه ما بين الصفوف

قد أرشفته دماؤه * * * بسهامها بدل الرشيف

لهفي عليه مجدلا * * * لو كان يجديني لهيفي

من بعد خفرانه * * * أسرى على عجف الحروف

وإذا اشتكت عنف المسير * * * تجاب بالضرب العنيف

ربات خدر ما عرفن * * * سوى المقاصر والسجوف

تدعو وتهتف بالحماة * * * الصيد كالورق الهتوف

وتكاد منهن القلوب * * * تطير من فرط الرفيف

الشيخ عبد الحسين بن قاعد الواسطي الحياوي ، نسبة إلى حي واسط ، ولد في قضاء الحي سنة 1295 ه‍. وتوفي فيها في 24 رجب سنة 1345 ه‍. ونقل إلى النجف ودفن في جوار المشهد الشريف.

122

نشأ في النجف وطلب العلم بها ونظم الشعر فأجاد وله مؤلفات في العلم والتاريخ وديوان شعر ، فاضل أديب شاعر حسن الحديث مشهور بالتقوى والايمان. ترجم له الشيخ محمد حرز الدين في معارفه فقال : حضر الفقه والاصول على مدرسي النجف حتى نال رتبة عالية من العلم ولا زالت النوادي العلمية تجمعنا واياه في النجف وكان شاعراً بليغاً جيد النظم وقد رثا الحسين (عليه السلام) بقصائد عديدة وحضر عليه في الفقه والاصول والأدب جماعة منهم الشيخ حمزة ابن الشيخ مهدي ابن الشيخ أحمد قفطان النجفي المتوفى سنة 1342 ، وترجم له صاحب الحصون فقال : عالم فاضل سمت همته إلى كسب الفضائل فهاجر إلى النجف وعكف على الاشتغال بتحصيل الفقه والاصول وله إلمام بباقي العلوم ، وأديب أريب وشاعر بارع حسن المحاضرة حلو المذاكرة حسن السيرة صافي السريرة وله فينا بعض المدائح ، وترجم له الشيخ النقدي في الروض النضير. ومن شعره الذي يرويه خطباء المنبر الحسيني قصيدته في الإمام موسى الكاظم (عليه السلام).

جانب الكرخ شأن أرضك شيّد * * * قبر موسى بن جعفر بن محمد

بثرى طاول الثريا مقاماً * * * دون أعتابه الملائك سجد

ضمّ منه الضريح لاهوت قدس * * * ليديه تلقى المقادير مقود

من عليه تاج الزعامة في الدين * * * امتناناً به من الله يعقد

قد تجلّى للخلق في هيكل النا * * * سِ لكنه بقدس مجرد

هو معنى وراء كل المعاني * * * صوّب الفكر في علاه وصعّد

سابع الصفوة التي اختارها * * * الله على الخلق أوصياء لأحمد

هو غيث إن أقلعت سحب الغيث * * * ، وغوث إن عزّ كهف ومقصد

كان للمؤمنين حصناً منيعاً * * * وعلى الكافرين سيفاً مجرّد

أخرجوه من المدينة قسراً * * * كاظماً مطلق الدموع مقيد

123

حر قلبي عليه يقضي سنينا * * * وهو في السجن لا يزار ويقصد

مثل موسى يُرمى على الجسر ميتاً * * * لم يشيعه للقبور موحّد

حملوه وللحديد برجليه * * * دويٌ له الاهاضب تنهد

وقال في رثاء الحسين (عليه السلام) :

خليلي هل بعد الحمى مربع نظر * * * يذاع بناديه لأهل الهوى سر

وهل بعد معناه تروق لناظري * * * خمائل يذكوا من لطائمها عطر

قد ابتزه صرف الردى أي بهجة * * * فأمسى وناديه لطير البلى وكر

رعى الله عهداً نوره متبسم * * * وحجب الحيا تبكي وأدمعها القطر

وقفنا به مثل القنى أسى وقد * * * تساهمن زاهي ربعه الحجج الغبر

حلبنا به ضرع المدامع لو صفا * * * لأخصب من أكنافه الماحل القفر

ونندب أكباداً لنا بربوعه * * * أطيحت غداة البين واغتالها الدهر

تشاطرها ربع المحصب والحمى * * * ففي ربع ذا شطر وفي سفح ذا شطر

فيا سعد دع ذكر الديار وانني * * * لعهد الرسوم الدثر لم يشجني الذكر

ولا هاج وجدي ذكر حزوى وبارق * * * ولا أنهل مني باللوى مدمع غمر

ولكن شجاني ذكر رزؤ ابن فاطم * * * غداة شفى فيه ضغائنه الكفر

بأحقاد بدر قد عدا من بني الشقا * * * إلى حربه في الطف ذو لجب محر

ضغائن أخفتها بطي بنودها * * * فأظهر ما يخفيه في طيها النشر

أتته عهود منهم ومواثق * * * وقد غدرت فيه وشيمتها الغدر

أرادت به ضرّاً وتعلم أنه * * * بطلعته الغراء يستدفع الضر

وسامته ذلاً وهو نسل ضراغم * * * لها الصدر في نادي الفخار والقبر

فقال لها يا نفس قري على الردى * * * فما عز إلا معشر للردى قروا

لنصر الهدى كأس الحمام له حلى * * * على أن كأس الموت مطعمه مر

فقام بفتيان كأن وجوههم * * * بدور دجى لكن هالاتها الفخر

مساعير حرب تمطر الهام صيباً * * * إذا برقت منها المهندة البتر

على سابحات في بحار مهالك * * * لها البيض أمواج وفيض الطلا غمر

124

محجلة غر على جبهاتها * * * بأقلام خرصان القنا كتب النصر

تجول بحلي اللجم تيهاً كأنها * * * ذئاب غضى يمرحن أو ربرب عفر

غرابية مبيضة جبهاتها * * * سوى أنها يوم الكريهة تحمر

وهم فوقها مثل الجبال رواسخ * * * بيوم به الأبطال همتها الفر

إذا ما بكت بيض الضبا بدم الطلا * * * ترى الكل منهم باسم الثغر يفتر

تهادى بمستن النزال كأنها * * * نشاوى طلا أضحى يرنحها السكر

تفر كأسراب القطا منهم العدى * * * كأن الفتى منهم بيوم الوغى صقر

لنيل المعالي في الجنان تؤازروا * * * فراحوا ولم يعلق بأبرادهم وزر

فماتوا كراماً بعد ما أحيوا الهدى * * * ولم يدم في يوم الجلاد لهم ظهر

فجرد فرد الدهر أبيض صارماً * * * به أوجه الأقران بالرعب تصفر

فيا ليمين قد أقلت يمانيا * * * إذا قد وتراً عاد شفعاً به الوتر

وظمآن لم يمنح من الماء غلة * * * وقد نهلت في كفه البيض والسمر

جرى عضبه حتفاً كأن يمينه * * * بها الموت بحر والحسام له نهر

تروح ثبات في القفار إذا دنا * * * له نحو أجياد العدى نظر شزر

يكر عليهم كرة الليث طاوياً * * * على سغب والليث شيمته الكر

لأكبادها نظم بسلك قناته * * * وللهام في بتار صارمه نثر

إذا ما دجا ليل العجاج بنير * * * تبلج من لئلاء طلعته فجر

عجبت له تظمى حشاشته ومن * * * نجيع الطلا في صدر صعدته بحر

ولو لم يكن حكم المقادير نافذاً * * * لعفت ديار الشرك قتلته البكر

إلى أن هوى ملقى على حر وجهه * * * بمقفرة في حرها ينضج الصخر

هوى علة الايجاد من فوق مهره * * * فأدبر ينعاه بعولته المهر

هوى وهو غيث المعتفين فعاذر * * * إذا عرضت يأساً عن السفر السفر

فلا الصبر محمود بقتل ابن فاطم * * * وليس لمن لم يجر مدمعه عذر

بنفسي سخياً خادعته يد القضا * * * فجاد بنفس عن علاها كبا الفكر

يعز على الطهر البتول بأن ترى * * * عزيزاً لها ملقى واكفانه العفر

125

يعز عليها أن تراه محرماً * * * عليه فرات الماء وهو لها مهر

يعز على المختار أن سليله * * * يرض بعدو العاديات له صدر

فيا ناصر الدين الحنيف علمت إذ * * * لجدك جد الخطب واعصوصب الأمر

لقد كسرت بالطف حرب قناتكم * * * فهلا نرى منها القنا وبها كسر

فمالي أراك اليوم عن طلب العدى * * * صبرت وللموتور لا يحمد الصبر

أتقعد يا عين الوجود توانياً * * * وقد نشبت للبغي في مجدكم ظفر

أتنسى يتامى بالهجير تراكضت * * * وصالية الرمضاء يغلى لها قدر

وربات خدر بعد ما انتهبوا الخبا * * * برزن ولا خدر يوارى ولا ستر

وعيبة علم قيدوه بحلمه * * * بأمر طليق دأبه اللهو والخمر

سرت تتهاداها الطغام أذلة * * * فيجذبها مصر ويقذفها مصر

تجوب الموامي فوق عجف أيانق * * * ويزجرها بالسوط إما ونت زجر

تحن فتشجى الصخر رجع حنينها * * * وملأ حشاها من لواعجها جمر

يعز على الشهم الغيور بأنها * * * تغير منها في السبا أوجه غر

يعز على الهادي الرسول بأنها * * * قد استلبت منها المقانع والأزر

ومستصرخات بالحماة فلم تجد * * * لها مصرخاً إلا فتى شفه الأسر

نحيفاً يقاسي ضر قيد وغلة * * * ينادي بني فهر وأين له فهر

فيا غيرة الإسلام هبي لمعضل * * * به الملة البيضاء أدمعها حمر

أتغدوا مقاصير النبي حواسراً * * * وآكلة الأكباد يحجبها قصر

وله في رثاء مسلم بن عقيل (عليه السلام) :

لو لم يكن لك من ضباك قوادم * * * ما حلقت للعز فيك عزائم

العز عذب مطعماً لكنه * * * حفت جناه لها ذم وصوارم

يبني الفتى بالذل دار معيشة * * * والذل للمجد المؤثل هادم

من لم يعود بالحفاظ وبالأبا * * * لسعت حجاه من الصغار أراقم

ان شئت عزاً خذ بمنهج مسلم * * * من قد نمته للمكارم هاشم

شهم ابى إلا الحفائظ شيمة * * * فنحى العلا والمكرمات سلالم

126

أو هل يطيق الذل من وشجت علا * * * منه بأعياص الفخار جراثم

فمضى بماضي عزمه مستقبلاً * * * أمراً به ينبو الحسام الصارم

بطل تورث من بني عمرو العلا * * * حزماً يذل له الكمى الحازم

للدين أرخص أي نفس مالها * * * في سوق سامية المفاخر سائم

لقد اصطفاه السبط عنه نائباً * * * وحسام حق للشقا هو حاسم

مذ قال لما أرسلت جند الشقا * * * كتباً لها قلم الضلالة راقم

أرسلت أكبر أهل بيتي فيكم * * * حكماً وفي فصل القضا وهو حاكم

فاتى ليثبت سنة الهادي على * * * علن وتمحي في هداه مظالم

أبدت له عصب الضلالة حبها * * * والكل للشحنا عليه كاتم

قد بايعته ومذ أتى شيطانها * * * خفت اليه وجمعها متزاحم

فانصاع مسلم في الأزقة مفرداً * * * متلدداً لم يتبعه مسالم

قد بات ليلته باشراك الردى * * * وعليه حام من المنية حائم

وتنظمت بنظام حقد كامن * * * للقاه ينظمها الشقا المتقادم

فأطل معتصماً بأبيض صارم * * * من فتكه لعداه عز العاصم

قد خاض بحر الموت في حملاته * * * وعبابه بصفاحهم متلاطم

فتخال مرهفة شهاباً ثاقباً * * * للماردين أنقض منه راجم

وركام يمناه يصبب حاصباً * * * ان كر منها جيشها المتراكم

ان أوسع الأعداء ضرباً حزمه * * * ضاقت بخيل الدارعين حيازم

وتراه أطلاع الثنايا في الوغى * * * تبكي العدى والثغر منه باسم

غيران للدين الحنيف مجاهداً * * * زمراً بها أفق الهداية قائم

من عصبة لهم الحتوف مغانم * * * بالعز والعيش الذميم مغارم

قد آمنته ولا أمان لغدرها * * * فبدت له مما تجن علائم

سلبته لامة حربه ثم اغتدى * * * متأمراً فيه ظلوم غاشم

أسرته ملتهب الفؤاد من الظما * * * وله على الوجنات دمع ساجم

لم يبك من خوف على نفس له * * * لكنه أبكاه ركب قادم

127

يبكي حسيناً ان يلاقى ما لقى * * * من غدرهم فتباح منه محارم

فبعين باري الخلق يوقف ضارعاً * * * وله ابن مبتدع المآثم شاتم

وينال من عليا قريش سادة * * * البطحاء وهو لها طليق خادم

ويدير عينيه فلم ير مسعفاً * * * يلقي اليه بسره ويكاتم

فرمته مكتوفاً من القصر الذي * * * قامت على الطغيان منه قوائم

والهفتاه لمسلم يرمى من * * * القصر المشوم وليس يحنو راحم

ويجر في الأسواق جهراً جسم من * * * تنميه للشرف الصراح ضراغم

قد مثلت فيه وتعلم أنه * * * بعلي أبيه للمماثل قائم

أوهى قوى سبط النبي مصابه * * * وبه تقوت للضلال دعائم

شمخت انوف بني الطغام بقتله * * * كبراً وأنف بني الهداية راغم

ظفر الردى نشبت بليث ملاحم * * * لله ما أسدى القضاء الحاتم

فلتبكين عليه ظامية الضبا * * * إذ كان ينهلها غداة يقاوم

يا نفس ذوبي من أسى لملمة * * * غالت بها ليث العرين بهائم

قد هدّ مقتله الحسين فأسبل * * * العبرات وهو لدى الملمة كاظم

128

السيد علي آل سُليمان

المتوفى 1345

أبكيت جبريل عشياً فناح * * * بالملأ الأعلى فعجّوا صياح

يا واحداً ليس له ناصر * * * غير نساء ما عليها جناح

ينشد في القوم ألا مسلم * * * فلم يجبه غير طعن الرماح

فيا لها من نكبة أعقبت * * * في كبد المختار منها جراح

ووقعة دهياء قد طوحت * * * عماد علياء قريش فطاح

واستأصلت أبناء عمرو العلا * * * شيباً وشباناً بحد الصفاح

الله كم لله من حرمة * * * بالطف قسراً أصبحت تستباح

وكم حريم لنبي الهدى * * * أصبح في أمر ابن سعد مباح

وكم له من نسوة قد غدت * * * للشام تسبى فوق عجف رزاح

لها على السبط علت صرخة * * * أضحت بها شجواً تغصّ البطاح

قد خلفته في الثرى عارياً * * * يستره في الترب سافي الرياح

يشرق في فيص دماه وما * * * بلّت حشاه بالزلال القراح

وحوله من آله فتية * * * قد عانقوا البيض بليل الكفاح

كلُ شبيه البدر في وجهه * * * يجلى سنا البدر إذا البدر لاح

السيد علي آل السيد سليمان هو ابن السيد داود ابن السيد مهدي ابن السيد داود ابن السيد سليمان الكبير. وهو أصغر من اخيه السيد عبد المطلب المترجم له في الجزء السابق من هذه الموسوعة.

كانت وفاته بعد أخيه عبد المطلب حوالي سنة 1345 ه‍. ولم يكن مكثراً من النظم بل كان الشعر يجري عفواً على لسانه كذا قال الشيخ اليعقوبي في ( البابليات ).

129

الشيخ جعفر الهر

المتوفى 1347

قال يرثي علي بن الحسين الأكبر شهيد الطف :

بقلبي أوقدت ذات الوقود * * * رزايا الطف لا ذات النهود

شبابٌ بالطفوف قضى شهيداً * * * يشيب لرزئه رأس الوليد

شبيه محمد خَلقاً وخُلقاً * * * وفي نطق وفي لفتات جيد

وفي وجه يفوق البدر نوراً * * * وفي سيمائه أثر السجود

ومنها :

شباب ما رأى عرساً ولكن * * * تخضب كفه بدم الوريد

ولم أنسَ النساء غداة فرّت * * * إلى نعش الشهيد ابن الشهيد

فقل ببنات نعش قد أقامت * * * مناح جوى على بدر السعود

تقبّل هذه وتشم هذي * * * خضيب الكف أو ورد الخدود

وزينب قابلت ليلى وقالت * * * أعيدي يا ليلى أعيدي

فهنّ على البكا متساعدات * * * ألا فاعجب لذي ثكل سعيد

الشيخ جعفر ابن الشيخ صادق بن أحمد الحائري الشهير بالهر ، أحد أعلام كربلاء وأفاضلها. ولد سنة 1267 وتوفي سنة 1347 بكربلاء ودفن بها

130

في الرواق الشريف الحسيني قريباً من قبر صاحب الرياض وعمره ثمانون سنة ، درس على الشيخ زين العابدين المازندراني ولما نال الحظوة الكافية من العلم انفرد بالتدريس وتخرج على يده جماعة. قال صاحب ( الطليعة ) كان فاضلاً مشاركاً في العلوم أديباً شاعراً هو اليوم مدرس بكربلاء وإمام جماعة تقام به الصلاة في حرم العباس (عليه السلام) ومن شعره :

زارني والليل قد أرخى الستارا * * * بدر تمٍّ غادر الليل نهارا

فارسي ليس يدري ذمماً * * * لا ولا يرعى عهوداً وذمارا

فإذا حاولت منه قبلة * * * هزّ لي الجيد دلالاً ونفارا

وإذا ما قلت صلني قال لي * * * قد عددنا صلة الاعراب عارا

يوسفيُّ الحسن لما أن بدا * * * قطع الأيدي يميناً ويسارا

وقوله مشطراً البيتين المنسوبين إلى قيس العامري :

أمرّ على الديار ديار ليلى * * * ونار الشوق تستعر استعارا

أشمّ ترابها طوراً وطوراً * * * اقبّل ذا الجدار وذا الجدارا

وما حبّ الديار شغفن قلبي * * * ولا أضرمن في جنبيّ نارا

ولا ربع الغوير وساكنيه * * * ولكن حب من سكن الديارا

وجاء في ( مجالي اللطف بأرض الطف ) للشيخ السماوي عندما ذكر الشيخ كاظم الهر ثم عطف على أخيه الشيخ جعفر قائلاً :

وكأخيه جعفر بدر التقى * * * وهضبة العلم التي لا ترتقى

عاش حميداً ومضى سعيدا * * * وازداد فضلاً إذ رثى الشهيدا

فاخر في رثا الشهيد فخرا * * * فأرخوا جعفر أعلى فخرا

وديوانه المخطوط طافح بألوان من الشعر.

131

الشيخ محمد النمر العوامي

المتوفى 1348

هاشم يوم الطف ثارٌ مضيّع * * * وفي أرضه للمجد جسم موزع

هجعتِ فلا ثار طلبتيه هاشم * * * ونمتِ فلا مجد لكِ اليوم يرفع

حتى يقول في وصف سبايا الحسين (عليه السلام) :

وعاطشة ودّت بأن دموعها * * * تبلّ بها حرّ الغليل وتنقع

ومدهشة بالخطب حتى عن البكا * * * أذيب به منها فؤاد موزع

ومزعجة من هجمة الخيل خدرها * * * تضمّ الحشا بالراحتين وتجمع

وباكية تخفي المخافة صوتها * * * ويظهره منه الشجاء فتفزع

وموحشة باتت على فقد قومها * * * تنوح كما ناح الحمام وتسجع

وعاتبة لم تستجب بسوى الصدى * * * يعيد لها منه الجواب ويرجع

تصبّ الحشا في العتب ناراً تحوّلت * * * من الغيض لفظاً في المسامع يقرع

أيرضيكم أنّا نُساق حواسراً * * * ولا علم منكم يرفّ ويرفع

الشيخ محمد بن ناصر بن علي ، علامة في علمي الفقه والاصول مضافاً إلى تبحّره في الطب والحكمة الالهية ، ولد سنة 1277 ه‍. وتوفي في 9 شوال سنة 1348 ه‍. تلقى دروسه النحوية والصرفية والمنطقية والبيانية على الحجة الشيخ

132

ابن الشيخ صالح آل طعان القطيفي البحراني ، وعلى العلامة الشيخ علي مؤلف ( أنوار البدرين ) ثم هاجر إلى النجف فحضر دروس العلماء الاعلام أمثال الشيخ محمود ذهب والملا هادي الطهراني فأكمل دراسة الاصول والكلام والعلوم الرياضية كما درس علم الطب عند الميرزا باقر ابن الميرزا خليل وقرأ الهندسة على الشيخ اغا رضا الأصفهاني وعند عودته لوطنه فتح مدرسة دينية تخرّج منها العشرات من أرباب الفضل ونظم الكثير من أبواب الفقه والعقائد بأراجيز لم تزل تحفظ كمنظومته في علم التصريف وفي الرضاع والدر النظيم في معرفة الحادث والقديم وله تعليقة على الاشارات لابن سينا والتعليقات الكافية على القوانين والكفاية لذلك كان صدى نعيه له رنة أسى وأسف وأبّنه الكثير بالمنثور والمنظوم ولم يزل قبره مزاراً في مقبرة العوامية. كتب له ترجمة مفصلة صديقنا الشيخ سعيد آل أبي المكارم في ( اعلام العوامية في القطيف ) وذكر عدة قصائد من مراثيه للامام الحسين (عليه السلام) ومنها قصيدته الشهيرة وأولها :

قوّموا السمر هاشم والكعابا * * * وامتطوا للنزال جرداً صعابا

133

الشيخ حسن آل عيثان المتوفى 1348

تذكرت المعاهد والربوعا * * * ففارقت المسرة والهجوعا

منازل أقفرت من ساكنيها * * * فيما ترجو لساكنها رجوعا

وقفتُ بها فما وقفت دموعي * * * أُسائلها كأن بها سميعا

وماذا تنكر العرصات مني * * * وقد أرويتُ ساحتها دموعا

سقى الله الديار مُلثّ وبلٍ * * * سحابا مغدقاً خضلا هموعا

وما برحت بروق المزن تهدي * * * إلى الأطلال بارقة لموعا

وركب من سرات بني علي * * * عن الأوطان قد رحلوا جميعاً

يؤمهم فتى العليا حسينٌ * * * قد اتخذ الحسامَ له ضجيعا

وأسمر ناصر مهج الأعادي * * * بعين تنفث السمّ النقيعا

بدورٌ أشرقت والنقع ليل * * * وقد جعلوا القلوب لهم دروعا

تخالهم على الجرد العوادي * * * كواكب حلّت الفلك الرفيعا

متى انقضّت لرجم بني زياد * * * تكاد تطيرُ أنفسهم نزوعا

ومما أثكل الدنيا وأجرى * * * مدامعها دماً قانٍ نجيعا

تساهمهم سجال الحرب حتى * * * تهاووا في ثرى الرمضا وقوعا

هوى بهويّه عمدُ المعالي * * * وحبلُ الدين قد أمسى قطيعا

دعاهُ مليكه الجوار قدس * * * وجنات فلبّاه مطيعا

ولما أنشبت فيه المنايا * * * مخالبها وقد ساءت صنيعا

أراشَ له القضا سهاماً فأدمى * * * فؤاد الدين بل حطم الضلوعا

134

وربّ مروعة برزت ولما * * * تجد غير السياط لها منيعا

وتهتف بالسرات بني نزار * * * فما وجدت لدعوتها سميعا

عناها ما تُعاين من أيامى * * * وأيتام كسرب قطاً أريعا

الشيخ حسن ابن الشيخ عبد الله ابن الشيخ علي بن أحمد آل عيثان الاحسائي القاري ، هو شقيق آية الله المقدس الشيخ محمد آل عيثان. ترجم له الشاب المعاصر السيد هاشم الشخص في مخطوطه ( نفائس الأثر في تراجم علماء وأدباء هجر ) قال : أديب بارع وخطيب من خطباء المنبر الحسيني ، ولد في قرية ( القارة ) من الإحساء عام 1276 ه‍. ونشأ بها وزاول طلب العلم الديني ودرس على ابن عمه الحجة الكبير الشيخ علي ابن الشيخ محمد ابن الشيخ علي آل عيثان المتوفى حدود 1340 ه‍. فقد كانت أكثر دراسته عليه حتى اشتهر بالفضل كما اشتهر بالخطابة الحسينية وتشهد له منابر الاحساء والبحرين وغيرها. توفي قدس سره في الاحساء عام 1348 ه‍. وقد بلغ من العمر 72 عاماً ، هكذا ذكر ولده الخطيب الحاج ملا عبد الحسين آل عيثان ويقال له شعر كثير وتخميس ومن شعره القصيدة الحسينية المذكورة في صدر الترجمة ..

135

الشيخ مرتضى كاشف الغطاء

المتوفى 1349

قال من قصيدة حسينية :

سل الدار عن سكانها أين حلت * * * وأين بها أيدي المطايا استقلت

نزحت ركي العين في عرصاتها * * * فعزّ اصطباري والمدامع ذلّت

وقفت بها أستنقذ الركب مهجة * * * تولّت مع الاضعان يوم تولّت

ومنها :

بيوم به البيض البوارق والقنا * * * تثلّم في الهامات حتى اضمحلت

تجاول فيه الخيل حتى لو أنها * * * مفاصلها كانت حديداً لكلّت

اسرة آل كاشف الغطاء تفيض علماً وأدباً وتزخر فضلاً وكمالاً والعالم الكبير الشيخ مرتضى ابن الشيخ عباس ابن الشيخ حسن ابن الشيخ جعفر صاحب كشف الغطاء هو أحد أعلامها المبرزين. ولد عام 1281 ه‍. في النجف الأشرف ونشأ بها ومنذ نعومة أظفاره تعشق العلم والكمال ودرس على أساتذة عصره وأخذ الحكمة والفلسفة عن الشيخ أحمد الشيرازي المدرّس في مدرسة ( القوام ) وحضر في الفقه والاصول على الشيخ اغا رضا الهمداني والملا كاظم الخراساني والسيد كاظم اليزدي ثم استقل بالتدريس وصلاة الجماعة. من

136

مؤلفاته ( فوز العباد في المبدأ والمعاد ) طالعته واستفدت منه ، وله منظومة في أحكام الزكاة نشرت في آخر العروة الوثقى طبع بغداد ، ورسالة في ردّ الوهبانية وغيرها من الكتب النافعة. ترجم له الشيخ الطهراني في ( نقباء البشر ) وأطراه بما هو أهله وعدد مؤلفاته وأذكر أني طالعت في فترات رسالته المطبوعة التي يرجع اليها بعض مقلديه ولكنه كان في عصر اشتهر الكثير من اسرته بالمرجعية للأمة أمثال الشيخ أحمد والشيخ محمد حسين والشيخ هادي والشيخ عباس وهم من الأساطين. أما شعره فهو من النمط العالي ولكنه كان يكتمه لأن الشعر بالعلماء يزري ، قال في قصيدة أرسلها إلى ابن عمه الشيخ هادي آل كاشف الغطاء من قضاء الهندية سنة 1310 ه‍. يوم 28 ربيع الثاني :

سفرت فقلت الشمس في وجناتها * * * ورنت فقلت السهم في لحظاتها

هيفاء ان خطرت بلدن قوامها * * * واخجلة الأغصان من قاماتها

عطفت وما علم العذول بأنها * * * غصن وان العطف من عاداتها

قد قلت للورق على بان النقا * * * إذ رددت بغنائها نغماتها

غني بمن طرق الهداية إن عفت * * * أضحى لها الهادي إلى طرقاتها

عالم له شهد العدو بأنه * * * لو يملك الدنيا استغلّ هباتها

الطارد الليث الصؤول بطرفه * * * والناهب الأشبال من لبواتها

وله منظومة جارى بها ملحمة الشيخ كاظم الأزري وكلها في مدح أهل البيت (عليهم السلام) وله في الإمام الحسين رائعة مطلعها :

خلّ ناراً نشب بين ضلوعي * * * تطفها مقلتي بفيض دموعي

137

الشيخ ناجي خميِّس المتوفى 1349

أبى العزم أن يلوى على اللوم حازم * * * فحسبك وهناً أن يصدك لائم

إذا النفس لم تأخذ من العقل زينة * * * حكتها بشوهاء الخصال البهائم

ومن لم يحارب نفسه طال حربه * * * وليس له بين الأنام مسالم

وان هو لم يكظم على النفس غيظها * * * شفت غيضها منه العدوى وهو كاظم

ومن لم يدار الناس كبراً فإنه * * * يداريهم من خيفة وهو راغم

أبى الله أن ترسو قواعد دينه * * * إذا لم يقم من آل أحمد قائم

فيا بن الألى لولا بروق سيوفهم * * * لما ضاء من ليل الضلالة فاحم

ولو لم تقوّم للنزال صعادها * * * لما قام للدين الحنيف قوائم

أصبراً وقد مدت على الدين ضلة * * * فلا أفق إلا وهو في الظلم قاتم

أصبراً ودين الله ثلت عروشه * * * وهدّت على الأرزاء منه الدعائم

لقد جنّ هذا الدهر ليلاً فحقّ أن * * * تشق عمود الصبح منه الصوارم

يباح من الإسلام كل محرم * * * وتهتك قسراً من بنيه المحارم

متى تطلع الأيام منك ابن نجدةٍ * * * تعاف له أغيالهن الضراغم

وتبرز من أقمار هاشم طلعة * * * تطير شعاعاً في سناها الغمائم

حنانيك يا بن المصطفى أي بقعة * * * تبيتُ بها خلواً وعيشك ناعم

138

وهل بقعة ما أسهرتكم طغاتها * * * فأنت بها يا غيرة الله نائم

فيوم حسين ليس يحصيه ناثر * * * ولم يستطع تعداد بلواه ناظم

يلاقي العدا ثلج الفؤاد وللوغى * * * على الشوس نار أوقدتها الصوارم

يذب بسيف الله عن دين جده * * * وعن عزّ خدر فيه تحيي الفواطم

تجاذبك الأسياف نفساً كريمة * * * وتسمعك الشكوى نساء كرائم

فللّه يوم قمت فيه مصابراً * * * لما جزعت في الله منه العوالم

بحيث القنا باتت عليك حوانيا * * * وتبكيك لكن من دماك الصوارم

إلى أن قضيت النحب صبراً وما انقضت * * * من الملأ الأعلى عليك المآتم

توزع منك البيض جسم محمد * * * وتجري دم الكرار منك اللهاذم

وتمسى لدى الهيجا توسدك الثرى * * * رغاماً به أنف الحمية راغم

وترفع منك السمر رأسك وللظبا * * * عليك كما شاء الاباء علائم

وأعظم شيء مضّ في الدين وقعه * * * وما دهيت في مثله قط هاشم

صفايا رسول الله بين امية * * * برغم الهدى اصبحن وهي غنائم

سوافر بعد الخدر اضحت ثواكلا * * * لها فوق اكوار البياق مآتم

فواقد عزٍّ بالمعاصم تتقي * * * عن الضرب إذ لم يبق في القوم عاصم

هواتف من شمّ الانوف بعصبة * * * ثوت حيث أولتها الهتاف الملاحم

إذا نظرت منهم على الرغم أرؤساً * * * تميس بهن الذابلات اللهاذم

تطير قلوباً نحوهن كأنها * * * حمام على ميد الغصون حوائم

فتوسعهم عتباً وتندبهم شجى * * * تضيق به أضلاعهم والحيازم

أيرضى لكم عز الكرام بأن يرى * * * على ذلل الأجمال منكم كرائم

يعزّ على الزهراء فاطم أن ترى * * * تهان بمرأى الناظرين الفواطم

139

الشيخ ناجي بن حمادي بن خميّس ( بالتصغير والتشديد ) الحلي من ادباء عصره. ولد في الحلة عم 1311 ه‍. ونشأ بها منفرداً عن اسرته التي تمتهن المهن الحرة ، ففي أول شبابه لازم الخطيب الشيخ محمد شهيب الحلي في التدرج على منابر الخطابة وحصل له من يعتني بتربيته فدرس النحو والصرف وعلمي المنطق والبلاغة ، وعندما تجاوز العشرين هاجر إلى النجف للتحصيل فدرس الفقه والاصول والكلام على المرحوم الشيخ كاظم الشيرازي واختلف على حلقتي الميرزا حسين النائيني والسيد أبو الحسن الأصفهاني زمناً طويلاً أنتج خلاله تقريراتهما وتدوين آرائهما في الفقه والاصول باسلوب محكم رصين فكان مرموقاً بين أقرانه. يقول الباحث المعاصر علي الخاقاني في شعراء الغري : حضرت عنده كتاب ( معالم الاصول ) مع جماعة من المتعلمين فكان مثال المعلم اليقظ وكان رقيق الروح مرح النفس حلو الحديث دمث الأخلاق وديع الشخصية ولكنه خشن تجاه كرامته وعقيدته لا تأخذه في الله لومة لائم كانت وفاته بالحلة 15 ذي القعدة عام 1349 ه‍. وحمل جثمانه إلى النجف فدفن في الصحن الحيدري الى جنب مرقد السيد عدنان الغريفي في الحجرة التي تلاصق باب الفرج من أبواب الصحن الشريف ولا يفوتنا ان شطراً من توجيه هذا الأديب كان بسبب أخيه العلامة الشيخ عبد المجيد الحلي ، ترجم له الشيخ اليعقوبي في البابليات والخاقاني في شعراء الحلة وذكرا نماذج من نظمه وادبه.

140

شوقي امير الشعراء المتوفى 1351

وأنتَ إذا ما ذكرت الحسين * * * تصاممتُ لا جاهلا موضعه

أحبّ الحسين ولكنني * * * لساني عليه وقلبي معه

حبست لساني عن مدحه * * * حذار أمية أن تقطعه

أمير الشعراء وشاعر الامراء أحمد شوقي بن علي بن أحمد شوقي ، مولده ووفاته بالقاهرة نشأ في ظل البيت المالك بمصر ودرس في بعض المدارس الحكومية وقضى سنتين في قسم الترجمة بمدرسة الحقوق ، وأرسله الخديوي توفيق سنة 1887 م. إلى فرنسا فتابع دراسة الحقوق واطلع على الأدب الفرنسي وعاد سنة 1891 م. فعيّن رئيساً للقلم الافرنجي في ديوان الخديوي عباس حلمي. وندب سنة 1896 م. لتمثيل الحكومة المصرية في مؤتمر المستشرقين بجنيف ولما نشبت الحرب العالمية الاولى ، ونُحي عباس حلمي عن ( خديوية ) مصر أوعز إلى صاحب الترجمة باختيار مقام غير مصر ، فسافر إلى إسبانيا سنة 1915 م. وعاد بعد الحرب فجعل من أعضاء مجلس الشيوخ إلى أن توفي عالج أكثر فنون الشعر : مديحاً وغزلاً ورثاءً ووصفاً ثم عالج الأحداث السياسية والاجتماعية في مصر والشرق والعالم الإسلامي فجرى شعره مجرى المثل. كتب عن شعره وشخصيته كثير من أرباب القلم منهم أمير البيان شكيب أرسلان والعقاد والمازني والنشاشيبي وعمر فروخ وغيرهم كثير وكثير. وهذه

141

( الشوقيات ) تعطينا أوضح الصور عن شاعريته فهو صاحب نهج البردة التي مطلعها :

ريم على القاع بين البان والعلم * * * أحلّ سفك دمي في الأشهر الحرم

وصاحب الهمزية النبوية التي مطلعها :

ولد الهدي فالكائنات ضياء * * * وفم الزمان تبسم وثناء

وصاحب ذكري المولد التي مطلعها :

سلوا قلبي غداة سلا وتابا * * * لعل على الجمال له عتابا

وهو الذي يقول في مطلع احدى روائعه :

رمضان ولّى هاتها يا ساقي * * * مشتاقة تهفو إلى مشتاق

وله :

حفّ كأسها الحبب * * * فهي فضة ذهب

وهو القائل في مطلع قصيدة تكريم :

قم للمعلم وفّه التبجيلا * * * كاد المعلم أن يكون رسولا

فنراه محلّقاً بكل ألوان الشعر وضروبه وهو مسلم مقتنع بالإسلام ومتأثر به تأثراً كلياً هتف بأعلى صوته وردد أنغامه وحرك الأحاسيس وأثار الشعور وملك العواطف وهاك قطع ينقد بها المجتمع :

رأيت قومي يذم بعض * * * بعضاً إذا غابت الوجوه

وان تلاقوا ففي تصاف * * * كأن هذا لذا أخوه

كريمهم لا يسدّ سمعاً * * * ووغدهم لا يسدّ فوه

وكلهم عاقل حكيم * * * وغيره الجاهل السفيه

وذا ابن من مات عن كثير * * * وذا ابن مَن قد سما أبوه

وذا بإسلامه مدلٌ * * * وذا بعصيانه يتيه

142

وكلهم قائم بمبدأ * * * ومبدأ الكل ضيّعوه

فمذ بدا لي أن قد تساوى * * * في ذلك الغرّ والنبيه

وليس من بينهم نزبه * * * ولا أنا الواحد النزيه

جعلت هذا مرآة هذا * * * أنظر فيه ولا أفوه

وشوقي ـ كما قال مترجموه ـ عاش في نعمة وترف وسعة في الحال والمال لما كان يغدق عليه الامراء والأثريا فجاء شاعر من شعراء لبنان وهو الشيخ نجيب مروة يقول :

ولو أني جلست مكان شوقي * * * لفاض الشعر من تحتي وفوقي

وهي أُمنية شاعر والتمني رأس مال المفلس.

وشوقي يجلّ أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً ، وأي مسلم لا يحبهم وهل تقبل الأعمال بغير حبهم ومودتهم التي هي فريضة من الله ( قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى ) فتراه في ثنايا أشعاره يتفجع لما أصابهم ويتفجر ألماً لرزاياهم فتراه في منظومته الرائعة ( دول العرب وعظماء الإسلام ) يقول :

هذا الحسين دمه بكربلا * * * روّى الثرى لما جرى على ظما

واستشهد الأقمار أهل بيته * * * يهوون في الترب فرادى وثُنا

ابن زياد ويزيدُ بغيا * * * والله والأيام حربُ مَن بغى

لولا يزيد بادئاً ما شربت * * * مروانُ بالكاس التي بها سقى

ويقول في رواية ( مجنون ليلى ) : كان الحسين بن علي كعبة القلوب والأبصار في جزيرة العرب بعد أن قتل أبوه علي ومات أخوه الحسن. وكذلك ظل الحسين قائماً في نفوس الناس هناك صورة مقدسة لبداوة الإسلام تستمد أنضر ألوانها من صلته القريبة بجده رسول الله وبنوّته لرجل كان أشدّ الناس زهداً واستصغاراً لدنياه ، وكذلك ظهرت بلاد العرب وقلبها يخفق بإسم الحسين.

143

ويقول أيضاً في مسرحيته ( مجنون ليلى ) :

حنانيك قيسُ إلى مَ الذهول * * * أفق ساعة من غواشي الخبَل

صهيلُ البغال وصوتُ الحداء * * * ورنة ركب وراء الجبل

وحاد يسوق ركاب الحسين * * * يهزّ الجبال إذا ما ارتجل

فقم قيسُ واضرع مع الضارعين * * * وأنزل بجنب الحسين الأمل

ويطيب له أن يربط الحوادث بيوم الحسين الذي لا يغيب عن خاطره فتراه في رثاء الزعيم مصطفى كامل باشا مؤسس الحزب الوطني والمتوفى سنة 1908 م. يقول :

المشرقان عليك ينتحبان * * * قاصيهما في مأتم والداني

ومنها :

يُزجون نعشك في السناء وفي السنا * * * فكأنما في نعشك القمران

وكأنه نعش الحسين بكربلا * * * يختال بين بكىً وبين حنان

ويقول في اخرى عنوانها ( الحرية الحمراء ) :

في مهرجان الحق أو يوم الدم * * * مهج من الشهداء لم تتكلم

يبدو عليها نور نور دماتها * * * كدم الحسين على هلال محرم

يوم الجهاد بها كصدر نهاره * * * متمايلُ الأعطاف مبتسمُ الفم

وهناك عبارات لا يطلقها إلا المتشيع لأهل البيت تجري على لسانه وقلمه كقوله : رضيع الحسين (عليه السلام) ، فان كلمة (عليه السلام) من متداولات شيعة أهل البيت وقوله :

ما الذي نفرّ عني الضبيات العامرية * * * ألأني أنا شيعيٌ وليلى أموية

اختلاف الرأي لا يفسد للود قضيّه

وعندما يخاطب الرسول الأعظم يطيب له أن يقول :

ابا الزهراء قد جاوزت قدري * * * بمدحك بيد أن لي انتسابا

وعندما يمرّ بالخلفاء الراشدين ويأتي الدور للامام علي يقول :

العمران يرويان عنه * * * والحسنان نسختان منه

144

الشيخ محمد حسين الحُلّي المتوفى 1352

خليلي هل من وقفة لكما معي * * * على جدث أسقيه صيّب أدمعي

ليروى الثرى منه بفيض مدامعي * * * لأن الحيا الوكاف لم يك مقنعي

لأن الحيا يهمي ويقلع تارة * * * وإني لعظم الخطب ما جفّ مدمعي

خليليّ هبّا فالرقاد محرم * * * على كل ذي قلب من الوجد موجع

هلُما معي نعقر هناك قلوبنا * * * إذا الحزن أبقاها ولم تتقطع

هلما نقم بالغاضرية مأتما * * * لخير كريم بالسيوف موزع

فتىً أدركت فيه علوج امية * * * مراماً فألقته ببيداء بلقع

وكيف يسام الضيم مَن جده ارتقى * * * إلى العرش حتى حل أشرف موضع

فتى حلّقت فيه قوادم عزه * * * لاعلى ذرى المجد الأثيل وأرفع

ولما دعته للكفاح أجابها * * * بأبيض مشحوذ وأسمر مشرع

وآساد حرب غابها أجم القنا * * * وكل كميٍ رابط الجأش أروع

يصول بماضي الحدّ غير مكهّمٍ * * * وفي غير درع الصبر لم يتدرع

إذا ألقح الهيجاء حتفاً برمحه * * * فماضي الشبا منه يقول لها ضعي

وإن أبطأت عنه النفوس إجابة * * * فحدّ سنان الرمح قال لها اسرعي

إلى أن دعاهم ربهم للقائه * * * فكانوا إلى لقياه أسرعَ مَن دُعي

وخروا لوجه الله تلقا وجوههم * * * فمن سجّد فوق الصعيد وركع

وكم ذات خدر سجفتها حماتها * * * بسمر قنا خطية وبلمّع

145

أماطت يد الأعداء عنها سجافها * * * فاضحت بلا سجف لديها ممنّع

لقد نهبت كفّ المصاب فؤادها * * * وأيدي عداها كل برد وبرقع

فلم تستطع عن ناظريها تستراً * * * بغير أكفٍّ قاصرات وأذرع

وقد فزعت مذ راعها الخطب دهشة * * * وأوهى القوى منها إلى خير مفزع

فلما رأته بالعراء مجدلاً * * * عفيراً على البوغاء غير مشيّع

دنت منه والأحزان تمضغ قلبها * * * وحتّت حنين الواله المتفجع

عليّ عزيز أن تموت على ظمأ * * * وتشرب في كأس من الحتف مترع

تلاكُ بأشداق الرماح وتغتدي * * * لواردة الأسياف أعذب مكرع

وفي آخرها :

بني غالب هبّوا لأخذ تراثكم * * * فلم يُجدكم قرع لناب بأصبع

امثل حسين حجة الله في الورى * * * ثلاث ليال بالعرا لم يشيّع

ومثل بنات الوحي تسرى بها العدى * * * إلى الشام من دعي إلى دعي

الشيخ محمد حسين ابن الشيخ حمد الحلي وربما يعرف ب‍ ( الجباوي ) احدى محلات الحلة ، عالم معروف يشهد عارفوه له بالفضل والتضلّع. ولد في الحلة سنة 1285 ه‍ ودرس على جملة من أفاضلها منهم الشيخ محمدبن نظر علي وفي سنة 1303 غادر الحلة مهاجراً إلى النجف لاكمال الدراسة وأقام فيها أكثر من ثلاثين سنة فحضر عند الشيخ آية الله الشيخ حسن المامقاني والفاضل الشربياني ثم لازم العالم الشهير الشيخ علي رفيش فكان من أول أنصاره والملازمين له أثناء مرجعيته ثم بعد انكفاف بصره ، وفي خلال ذلك تخرّج على يده جملة من الطلاب الروحيين إلى أن كانت سنة 1337 ه‍. عاد إلى مسقط رأسه الحلة بطلب من وجهائها وأقام فيها مرجعاً دينياً محترم الجانب تستفيد الناس من

146

معارفه وكمالاته وفي آخر أيامه مرض ولازم الفراش حتى الوفاة ، ذكره الشيخ النقدي في ( الروض النضير ) فقال : عالم مشهور في الفضل والكمال والمعرفة وله اليد الطولى في صناعتي النظم والنثر والنصيب الوافر في علمي الفصاحة والبلاغة. توفي في الحلة عام 1352 ه‍. ونقل جثمانه إلى النجف ودفن في الصحن الشريف ورثاه جمع من العشراء منهم الشيخ ناجي خميّس.

كتب وألّف في الفقه والأصول وكتب رحلته إلى الحج ورسالة في التجويد والقراءات وجملة من تقريرات أستاذته العلماء الأعلام ولم ينشر له سوى ( الرحلة الحسينية ) وهي التي روى فيها رحلته مع جماعة من الفضلاء إلى زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) سنة 1321 ه‍. ومنها يظهر ذوقه الأدبي ورقة طبعه وأريحيته ، طبعت هذه الرحلة بمطبعة ( الحبل المتين ) بالنجف سنة 1329 ه‍. وختمها بالقصيدة التي هي في صدر الترجمة.

147

الشيخ جواد البلاغي

المتوفى 1352-

شعبان كم نعمت عين الهدى فيه * * * لولا المحرم يأتي في دواهيه

وأشرق الدين من أنوار ثالثه * * * لولا تغشاه عاشور بداجيه

وارتاح بالسبط قلب المصطفى فرحاً * * * لو لم يرعه بذكر الطف ناعيه

رآه خير وليد يستجار به * * * وخير مستشهد في الدين يحميه

قرت به عين خير الرسل ثم بكت * * * فهل نهنيه فيه أو نعزيه

ان تبتهج فاطم في يوم مولده * * * فليلة الطف أمست من بواكيه

أو ينتعش قلبها من نور طلعته * * * فقد اديل بقاني الدمع جاريه

فقلبها لم تطل فيه مسرّته * * * حتى تنازع تبريح الجوى فيه

بشرىً أبا حسن في يوم مولده * * * ويوم أرعب قلب الموت ماضيه

ويوم دارت على حرب دوائره * * * لولا القضاء وما أوحاه داعيه

ويوم أضرم جو الطف نار وغىً * * * لو لم يخر صريعاً في محانيه

يا شمس أوج العلى ما خلت عن كثب * * * تمسى وأنت عفير الجسم ثاويه

فيا لجسم على صدر النبي ربي * * * توزعته المواضي من أعاديه

ويا لرأس جلال الله توجّه * * * به ينوء من المياد عاليه

وصدر قدس حوى أسرار بارئه * * * يكون للرجس شمرمن مراقيه

148

ومنحر كان للهادي مقبله * * * أضحى يقبله شمر بماضيه

يا ثائراً للهدى والدين منتصراً * * * هذي أُمية نالت ثارها فيه

أنى وشيخك ساقي الحوض حيدرة * * * تقضي وأنت لهيف القلب ضاميه

ويا إماماً له الدين الحنيف لجا * * * لوذاً فقمت فدتك النفس تفديه

أعظم بيومك هذا في مسرته * * * ويوم عاشور فيما نالكم فيه

يا من به تفخر السبع العلى وله * * * إمامة الحق من إحدى معاليه

أعظم بمثواك في وادي الطفوف علاً * * * يا حبذا ذلك المثوى وواديه

له حنيني ومنه لوعتي وإلى * * * مغناه شوقي واعلاق الهوى فيه

الشيخ جواد أو الشيخ محمد جواد ابن الشيخ حسن ابن الشيخ طالب البلاغي النجفي ينتهي نسبه إلى ربيعة. مولده ووفاته في النجف ولد سنة 1285 ه‍. وتوفي سنة 1352 ه‍. ليلة الاثنين الثاني والعشرين من شعبان في النجف الأشرف ودفن فيها في المقبرة المقابلة لباب المراد.

وآل البلاغي بيت علم وفضل وأدب ، كان المترجم له نابغة من نوابغ العصور وجهاده بقلمه ولسانه يذكر فيشكر ، له عشرات المؤلفات وكلها قيّمة ذات فائدة لا زالت تتلاقفها الأيدي ويعتز بها أهل العلم اذكره يحضر مجالس العلم فاذا اشتد الجدال حول مسألة من مسائل العلم كان يقول : عندي بيان أرجو أن تسمحوا لي باستماعه فإني مريض وإذا رفعت صوتي أخاف أن أقذف من صدري دماً.

كانت تأتيه المسائل من بلاد الغرب فيجيب عنها. وبين أيدينا من مؤلفاته : الرحلة المدرسية ، الهدى إلى دين المصطفى جزآن ، تفسير القرآن ، أنوار الهدى ، رسالة التوحيد والتثليث ، البلاغ المبين رسالة في الرد على الوهابية.

تعلم العبرية وأتقنها خطاً وقراءة ونطقاً حتى تمكن من المقارنة بين اصولها وبين المترجم إلى اللغة العربية فأظهر كثيراً من مواقع الاختلاف في الترجمة

149

التي قصد بها التضليل. كانت ترد عليه الرسائل والأسئلة باللغة الانجليزية فشرع يتعلمها لولا أن يفاجأه الأجل المحتوم. كان تحصيله ودراسته على أعلام عصره أمثال الملا كاظم الخراساني والشيخ اغا رضا الهمداني ومن تراثه الأدبي قصيدته التي عارض بها الرئيس ابن سينا في النفس.

نعُمت بأن جاءت بخلق المبدع * * * ثم السعادة أن يقول لها ارجعي

خلقت لأنفع غاية يا ليتها * * * تبعت سبيل الرشد نحو الأنفع

الله ( سواها وألهمها ) فهل * * * تنحو السبيل إلى المحلّ الأرفع

ورائعته التي شارك بها في الحلبة الأدبية عن الحجة المهدي صاحب العصر والزمان التي أثبتها في كتابه الفقهي (1) وأثبتها السيد الأمين في ترجمته في الأعيان. ترجم له صاحب الحصون المنيعة والشيخ اغا بزرك الطهراني في ( نقباء البشر ) والشيخ السماوي في ( الطليعة ) وله مراسلات شعرية مع الشيخ توفيق البلاغي ; ورثاء للسيد محمد سعيد الحبوبي والكثير من شعره يخص أهل البيت ومنه نوحيته الشهيرة التي يرددها الخطباء في شهر المحرم ومطلعها :

يا تريب الخد في رمضا الطفوف * * * ليتني دونك نهباً للسيوف

وله من الشعر في ميلاد الحجة المهدي المولود ليلة النصف من شعبان سنة 1256 ه‍. وأولها :

حي شعبان فهو شهر سعودي * * * وعد وصلي فيه وليلة عيدي

ترجم له الزركلي في ( الاعلام ) وعدد بعض مؤلفاته وقال : وله مشاركة في حركة العراق الاستقلالية وثورة عام 1920 م ، انتهى. أقول وآل البلاغي من أقدم بيوت النجف وأعرقها في العلم والفضل والأدب ، أنجبت هذه الأسرة عدة من رجال العلم والدين وسبق أن ترجمنا في هذه الموسوعة للشيخ محمد علي البلاغي المتوفى سنة 1000 ه‍. ويقول الشيخ اغا بزرك الطهراني في نقباء البشر أن المترجم له ولد سنة 1282 كما أخبره صاحب الترجمة نفسه بمولده

____________

1 ـ وهو تعليقة على مباحث البيع من مكاسب الشيخ الانصاري.

150

وحيث أن الشيخ الطهراني من أخدانه واخوانه وكانت تجمعهما وحدة البلد في سامراء أولاً عند استاذهما المغفور له الميرزا محمد تقي الشيرازي ثم النجف ثانياً فقد ألّم بترجمته إلمامة كافية وافية كما كتب عنه الكثير من الباحثين ونشرت المجلات والصحف عن جهاده ومؤلفاته وأكبروا منتوجه العلمي ودفاعه عن الإسلام ومواقفه الصلبة بوجه المادية ودعاتها والطبيعيين وآرائهم.

وشيخنا البلاغي كان على جانب من عظيم من الخلق الاسلامي الصحيح فهو لا يماري ولا يداهن ولا تلين له قناة في سبيل الحق ، وكان مع علوّ نفسه متواضعاً يكره السمعة ويشنأ الرفعة ، وفي أغلب مؤلفاته يغفل اسمه الصريح فكانت الرسائل تأتيه باسم ( كاتب الهدى النجفي ) ومن العجيب أنه نشر جملة من الرسائل والمقالات باسم غيره ، ومؤلفاته تزيد على الثلاثين ، ترجم بعضها إلى الفارسية والانجليزية ، وقد ذكر الشيخ اغا بزرك في ( الذريعة إلى تصانيف الشيعة ) أكثر هذه الكتب.

ولا زالت أندية النجف تتحدث عن قوة إيمانه وصلابة دينه وشدة ورعه ومنها موقفه في مجلس عقد في النجف ويقتصر على القادة أمثال الشيخ محمد جواد الجواهري والشيخ عبد الكريم الجزائري وفي مقدمتهم الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء (قدس سره) كما حضر المرحوم السيد محمد علي بحر العلوم والشيخ عبد الرضا آل الشيخ راضي قدس الله أرواحهم وذلك حول الدخول في وظائف الدولة ونظام المدارس الرسمية فكان صوته المجلّي ينبعث عن قلب مكلوم مطالباً باصلاح المدارس والاشراف عليها والتركيز على الأخلاق قبل العلم. انطفأ ذلك المصباح ليلة الاثنين 22 شعبان سنة 1352 ه‍. وكان لنعيه أثر عظيم في العالم الإسلامي وعقدت له مجالس التأبين في البلاد الاسلامية وفي النجف خاصة في جامع الهندي وأنشدت القصائد الرنانة وقد دفن في احدى غرف الصحن الحيدري من الجهة الجنوبية وفي مقدمة القصائد قصيدة المرحوم السيد رضا الهندي وأولها :

إن تمس في ظلم اللحود موسدا * * * فلقد أضأت بهن ( أنوار الهدى )