أدب الطّف أو شعراء الحسين عليه السلام - ج9

- السيد جواد شبر المزيد...
366 /
151

السيد حسن بحر العلوم

المتوفى 1355

شطر بيتين في مدح الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال :

( قل لمن والى علي المرتضى ) * * * نلت في الخلد رفيع الدرجات

أيها المذنب إن لذت به * * * ( لا تخافنّ عظيم السيئات )

( حبه الاكسير لو ذرّ على ) * * * رمم حلّت بها روح الحياة

وإذا ما شملت ألطافه * * * ( سيئات الخلق صارت حسنات )

ثم ذيلها برثاء الحسين (عليه السلام) ومدح الإمام علي بن أبي طالب (ع) :

حبّه فرض على كل الورى * * * وهو في الحشر أمان ونجاة

كل من والاه ينجو في غد * * * من لظى النار وهول العقبات

فهو الغيث عطاءً وهبات * * * وهو الليث وثوباً وثبات

وهو نور الشمس في رأد الضحى * * * وهو نبراس الهدى في الظلمات

كم بوحي الذكر في تفضيله * * * صدعت آيات فضل بيّنات

آية التصديق من آياته * * * حين أعطى في الركوع الصدقات

فهو بالنص وصي المصطفى * * * وأبو الغر الميامين الهداة

ثم يذكر مصاب الحسين (ع) بقوله :

لهف نفسي حينما استسقاهم * * * جرعوه من أنابيب القناة

خرّ للموت على وجه الثرى * * * عينه ترعى النساء الخفرات

152

ثم رضّوا حنقاً صدر الذي * * * فيه أسرار الهدى منطويات

بأبي ملقى ثلاثاً بالعرى * * * عارياً تسقي عليه الذاريات

ورضيع يتلظى عطشا * * * قد رَمى منحره أشقى الرماة

لهف نفسي لربيبات الابا * * * أصبحت بعد حماها ثاكلات

هجم القوم عليهن الخبا * * * فغدت بين الأعادي حاسرات

السيد حسن ابن السيد ابراهيم بن الحسين بن الرضا ابن السيد مهدي الشهير ببحر العلوم أديب معروف وعالم جليل ولد في النجف عام 1282 ونشأ على والده المشهور بأدبه وفضله وعلمه وكماله ، ومن يشابه أبه فما ظلم ، لقد ورت أكثر سجايا أبيه من عزة وإباء وعفة وورع حضر على علماء النجف أمثال شيخ الشريعة الأصفهاني والسيد محمد كاظم اليزدي ذلك إلى جنب براعته الأدبية وديوانه يعطينا صورة عن نبله وفضله وبراعته في التاريخ مشهود بها. ترجم له الخاقاني في شعراء الغري وذكر ألواناً من شعره من مديح ورثاء وتهان وتواريخ. توفي بالنجف 19 جمادى الاولى سنة 1355 ه‍. ودفن بمقبرة الاسرة وهو والد العلامة التقي الورع السيد محمد تقي بحر العلوم والعلامة الجليل البحاثة السيد محمد صادق بحر العلوم.

153

الحاج محمد الخليلي

المتوفى 1355

يا رب عوّضتَ الحسين * * * بكربلا عما أصابه

إن الذي من تحت قبته * * * دعاك له استجابه

يممت مرقده لما * * * أيقنت باب الله بابه

صُبّت على قلبي الهموم * * * وناظري أبدى انسكابه

وتمثّلت لي كربلا * * * وحسين ما بين الصحابه

مثل الأضاحي في الثرى * * * سلب العدى حتى ثيابه

مالي دعوتُ بها فلم * * * أرَ منك يا رب الإجابه

والقلب مني لاهب * * * هلا تسكّن لي التهابه

الحاج محمد ابن الحاج ميرزا حسين الخليلي ، عالم ورع وأديب شاعر ولد في النجف ونشأ بها على أبيه ودرس المقدمات على اساتذة مشهورين فنال حظوة كبيرة من العلم واتصل بحلقة الامام الخراساني مضافاً إلى دراسته عند والده العالم الجليل حتى حصل على إجازة اجتهاد من جملة من اعلام عصره واشتهر بالزهد والورع حتى خلف أباه في إمامة الصلاة بالناس واءتمّ به الأتقياء والأولياء والصلحاء ثم انصرف عن ذلك لأنه خاف الرياء والزهو وعكف على الطاعة في زوايا المساجد وحرم الامام أمير المؤمنين (ع) وحفظ القرآن من كثرة

154

تلاوته له ، وإلى جنب ذلك فهو مرح إلى أبعد حدود المرح ولا يكاد جليسه يملّ مجلسه ألّف في الفقه كتاب الطهارة ، والخمس ، وغريب القرآن رتّبه على حروف المعجم وبناه على ثلاثة أعمدة : الأول اسماء السور ، الثاني الكلمات العربية ، الثالث التفسير المستقى من أشهر التفاسير.

نظم الشعر في صباه وتطرق إلى فنونه وأغراضه وأكثر من النظم في أهل البيت (عليهم السلام) فمن قوله في الإمام الحسين (عليه السلام) :

هل بعد ما طرد المشيب شبابي * * * أصبو لذكر كواعب أتراب

وأروح مرتاحاً بأندية الهوى * * * ثملاً كأبناء الهوى متصابي

وتئنّ نفسي للربوع وقد غدا * * * بيت النبوة مقفر الأطناب

بيت لآل محمد في كربلا * * * قد قام بين أباطح وروابي

وقال متوسلاً بالعباس بن علي (عليهما السلام) :

أبا الفضل هل للفضل غيرك يرتجى * * * وهل لذوي الحاجات غيرك ملتجى

قصدتك من أهلي وأهلي لك الفدا * * * وهل يقصد المحتاج إلا ذوي الحجى

وقال يعاتب بعض أصدقائه في رسالة أرسلها إلى النجف :

لي بالغري أحبّةٌ * * * ما أنصفوني بالمحبه

أخذوا الفؤاد وخلّفوا * * * جثمانه في دار غربه

يا دهر ما أنصفتني * * * كلفتني الأهوال صعبه

حملتني بُعد الديار * * * وبُعد من أشتاق قربه

قسماً بأيام مضت * * * في وصل مَن أهواه عذبه

لم يحلُ لي غير الغري * * * وغير أندية الاحبه

أوّاه هل لي للحمى * * * من بعد بُعد الدار أويه

لأقبّل الأعتاب من * * * مولى الورى وأشمّ تربه

155

حرمٌ ملائكة السما * * * لطوافها اتخذته كعبه

وبه نشاوى العارفون * * * قد احتسوا كأس المحبه

وله مستنهضاً أبناء يعرب :

بني يعرب أنتم أقمتم بعزكم * * * قواعد دين المصطفى أول الأمر

وشيدتم منه مبانيه بالضبا * * * وسجفتموه بالمثقفة السمر

يهون عليكم ما اشدتم بناءه * * * تهدده بالهدم رغما يد الكفر

وله راثيا ولده

فمن مخبري عن نبعة قد غرستها * * * بقلبي حتي اينعت جذها القضا

ومن مخبري عن فلذة من حشاشتي * * * برغمي قد حزت وما لي سوي الرضا

اريحانه الروح التي ان شممتها * * * وبي نزل الهم المبرح قوضا

ومصباح انسي ان علي تراكمت * * * حطوب بعيني سودت سعة الفضا

رحلت وقد خلفت بين جوانحي * * * لهيب جوي من دونه لهب الغضا

ورحت ولي قلب يقطعه الاسي * * * وطرف علي اقذي من الشوك غمضا

تمثلك الذكرى كأنك حاظرٌ * * * فانظر بدراً في الدياجر قد أضا

وقال من قصيدة :

شاقها الراح فجدّت في سراها * * * أملا تبلغ بالسير مناها

قرّبت كل بعيد شاسع * * * مذ غدت تذرع في البيد خطاها

قطعت قلب الفلا مذ واصلت * * * بالسرى سهل الفيافي برباها

يعملات ما جرت في حلبة * * * والصبا إلا الصبا ظلّ وراها

يا رعاها الله من سارية * * * كم رعت في سيرها من قد علاها

156

ويتخلص إلى ركب الإمام الحسين (عليه السلام) :

سادة كادت مصابيح الدجى * * * يهتدي فيها الذي في الغيّ تاها

وولاة الأمر في الخلق ومن * * * فرض الله على الخلق ولاها

غدرت فيهم بنو حرب وهم * * * أقرب الناس إلى المختار طاها

أخرجتهم عن مباني عزّهم * * * وبيوت طهّر الله فِناها

بالفيافي شتت شملهم * * * وعليهم ضيقت رحب فضاها

أنزلوهم كربلا حتى إذا * * * نزلوها منعوهم عذب ماها

بينهم والماء حالت ظلمة * * * من جموع عدّها لا يتناهى

توفي بالنجف ليلة الخميس 13 ذي الحجة سنة 1355 ه‍. ودفن بمقبرة والده رحمهما الله.

157

ملا علي الزاهر العوّامي

المتوفى 1355

قال يصف حالة الإمام الحسين (ع) عند فجيعته بأخيه العباس يوم عاشوراء :

أنست رزيتك الأطفال لهفتها * * * بعد الرجاء بأن تأتي وترويها

أراك يا بن أبي في الترب مُنجدلاً * * * عليك عين العلى تهمي أماقيها

هذا حسامك يشكو فقد حامله * * * إذ كنت فيه الردى للقوم تسقيها

وذا جوادك ينعى في الخيام وقد * * * أبكى بنات الهدى مَن ذا يسليها

شلّت يمين برت يمناك يا عضدي * * * وذي يسارك شل الله باريها

نامت عيون بني سفيان وافتقدت * * * طيب الكرى اعين كانت تراعيها (1)

الخطيب علي بن حسن بن محمد بن أحمد بن محسن الزاهر المتولد سنة 1298 ه‍. والمتوفى سنة 1355 ه‍. نائحة أهل البيت وداعيتهم وجاذب القلوب نحو واعيتهم فقد اشاد مؤسسة باسم ( الحسينية ) ولم تزل تعرف باسمه في ( العوامية ) نظم باللغتين : الفصحى والدارجة ومن قصائد قوله في مطلع حسينية نظمها من قلب قريح :

يا ليوث الحروب من آل طاها * * * أسرجوا الخيل يا ليوث وغاها

وديوانه المخطوط يضم جملة من أشعاره ..

____________

1 ـ اعلام العوامية في القطيف.

158

الشيخ موسى العِصامي

المتوفى 1355

قال في قصيدة حسينية :

أحاطت به وبست الجهات * * * أحاط بها الخطر المرعبُ

فخيرها قبل حكم الضيا * * * ونقط الاسنة ما استصوبوا

فإما يعود إلى يثرب * * * ومن حيث جاء لها يطلب

واما الجبال وشعب الرمال * * * وظهر الفيافي لها يركب

واما يسير لبعض الثغور * * * يقيم بها مع من يصحب

فما رغبت منه في واحد * * * ولو أنصفت لم تكن ترغب

رأت منه قلّة أنصاره * * * فظنت بكثرتها ترعب

وسامته يخضع وهو الأبي * * * وأنى يقاد لها المصعب

فناجزها الحرب في فتية * * * لهم باللقا شهدت يعرب

بها ليل تحسب ان الردى * * * إذا جدّ ما بينها ملعب

لها الموت يحلو خلال الصفوف * * * وما مرّ من طعمه يعذب

سواء عليها الفنا والحياة * * * إذا استرجع التاج والمنصب

لهم دون مركزهم موقف * * * إلى الحشر ناديه يندب

أشادوا الهدى فوق تاج الأثير * * * ومبنى الضلال به خرّبوا

159

فما حزب طالوت ذو البيعتين * * * ولا أهل بدر وإن أنجبوا

ولا يوم احزابها يومهم * * * واحدٍ وما بعدها يعقب

ولا الجاهلية ذات الحروب * * * بحربهم حربها يحسب

بسبعين ألفاً خلال الوغى * * * تجول وأمدادها تلعب

رسوا كالجبال وهم واحد * * * وستين لكنهم ذرّب

أجالوا الوغى جولان الرحى * * * وللحشر نيرانها تلهب

سل الشام عنها وأهل العراق * * * فهل سلمت منه إذ تهرب

الشيخ موسى بن محسن بن علي بن حسين بن محمد بن علي بن حماد الشهير بالعصامي نسبة إلى بني عصام بطن من هوازن ، لامعاً في عصره خطيب وشاعر ، ولد في النجف الأشرف سنة 1305 ه‍. ونشأ بها يتعاهد تربيته أعمامه فدرس العربية والمنطق على أساتذة معروفين منهم السيد جواد القزويني كما درس البلاغة على العالم الجليل الشيخ يوسف الفقيه والشيخ عبد الرسول الحلبي والسيد حسين ابن السيد راضي القزويني.

ودرس الفقه والاصول على الشيخ عبد الكريم شرارة والشيخ صادق الحاج مسعود والشيخ المصلح الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء ، وحضر عند الشيخ حسين الدشتي فأخذ عنه علم الحساب والهندسة والكلام والحكمة واشتهر بين أخدانه بالفضل وعرفه جمهور الناس من مواقفه الخطابية إذ كان خطيباً جماهيرياً ومرشداً مصلحاً يخطب ويكتب ويعظ ويرشد أينما حل ، ولكن مجتمعه مصاب بداء الأنانية وأمة كما قيل فيها : لا تعمل ولا تحب أن يعمل أحد ، لذاك ناوأه الكثير ووقفوا في طريق اصلاحه حتى ودع الحياة بكربلاء في آخر يوم من شهر رمضان عام 1355 ه‍. ونقل جثمانه للنجف حيث دفن رحمه الله.

160

آثاره العلمية :

1 ـ منظومة في الإمامة تناهز الثمانمائة بيتاً.

2 ـ البراءة والولاية ، بحث دقيق.

3 ـ تاريخ الثورة العراقية.

4 ـ الدعوة الحسينية وأثرها.

5 ـ الضالة المنشودة في الحياة.

6 ـ الهدى والاتحاد ، أهداه إلى أبطال الدستور في الاستانة بتوسط الصدر الأعظم طلعت باشا.

7 ـ الدراية في تصحيح الرواية.

8 ـ بحث في الحجاب ، وغيرها مما يزيد على العشرين مؤلفاً ، وديوانه الحافل بمختلف المواضيع وطرق سائر الأبواب ومن مراسلاته قصيدته التي أرسلها للشيخ خزعل خان أمير المحمرة ومطلعها :

لك الهنا ولي الأفراح والطرب * * * مذ ساعفتني بك الأيام والأرب

فقل لساقي الطلى نحيّ الكؤوس وإن * * * انيط عني في راحاتها التعب

هذا لماك وهذا ثغرك الشنب * * * فما الحميا وما الأقداح والحبب

أعطاف قدك تصمي لا القنا السلب * * * وسهم عينيك لا نبعٌ ولا غرب

ووجهك الصبح لكن فاته وضحاً * * * وثغرك البرق لكن فاته الشنب

ويلاي لا منك يا ريم العذيب فمن * * * عينيّ جاء لقلبي في الهوى العطب

وكلها بهذه القوة والمتانة والرقة والسلاسة ، ومن مشهور غرامياته قوله :

طاف بكاس المدام أغيد * * * من فضة والسلاف عسجد

وزفّها في الدجى عروساً * * * توجّها اللؤلؤ المنضد

تلهبت في يديه لكن * * * بوجنتيه السنا توقد

161

صاليت نار الخليل فيه * * * لكن على ريقه المبرّد

بدرٌ واقراطه الثريا * * * والراح في راحتيه فرقد

شقّ لها في الدجى عموداً * * * من وجنتيه استنار وامتد

فأسفر المشرقان افقاً * * * بالنيرين : السلاف والخد

وانصدع الغيهبان جنح * * * الظلام أو شعره المجعد

وهزّ من معطفيه لدنا * * * صوّب حتفي به وصعّد

يانع غصن وقد تثنّى * * * طائر قلبي عليه غرّد

مذ ريّش الهدب قلت قلبي * * * دونك يا سهمه المسدد

أدمى فؤادي سلوه عما * * * في راحتيه الخضاب يشهد

كيف تصبّرتَ يا فؤادي * * * عن عذب ريق له تشهد

أمرد في تيهه يرينا * * * بلقيس في صرحها الممرد

قال له الحُسن مذ تناهى * * * أنت بجمع الملاح مفرد

162

السيد محمد حسين الكيشوان المتوفى 1356

لأصبر أو تجري على عاداتها * * * خيل تشنّ على العدى غاراتها

وتقودها شعث الرؤوس شوائلا * * * قبّ البطون تضج في صهلاتها

وتثيرها شهباء تملأ جوّها * * * نقعاً يحط الطير عن وكناتها

فإلامَ يقتدح العدو بزنده * * * نار الهوان فتصطلى جذواتها

أو ما دريتِ بأن آل أمية * * * ثارت لتدرك منكم ثاراتها

واتت كتائبها يضيق بها الفضا * * * حشداً تسدّ الأفق في راياتها

جاءت ودون مرامها شوك القنا * * * كيما تسود بجهلها ساداتها

عثرت بمدرجة الهوان فأقلعت * * * نهضاً بعبء الحقد من عثراتها

فهناك أقبل والحفاظ بفتية * * * ما خطّ وخط الشيب في وفراتها

بمدربين على الحروب إذا خبت * * * للحرب نار أوقدوا جمراتها

وثبت بمزدلف الهياج كأنها * * * الآساد في وثباتها وثباتها

هيجت بمخمصة الطوى ولطالما * * * اتخذت أنابيب القنا أُجماتها

يوم به الأبطال تعثر بالقنا * * * والموت منتصب بست جهاتها

برقت به بيض السيوف مواطراً * * * بدم الكماة يفيض من هاماتها

فكأن فيه العاديات جآذر * * * تختال من مرح على تلعاتها

وكأن فيه البارقات كواكب * * * للرجم تهوي في دجى ظلماتها

وكأن فيه الذابلات أراقمٌ * * * تنساب من ظمأ على هضباتها

وكأن فيه السابغات جداول * * * أضحى يخوض الموت في غمراتها

163

غنّت لهم سود المنايا في الوغى * * * وصليل بيض الهند من نغماتها

فتدافعت مشي النزيف إلى الردى * * * حتى كأن الموت من نشواتها

وتطلعت بدجى القتام أهلّة * * * لكن ظهور الخيل من هالاتها

تجري الطلاقة في بهاء وجوهها * * * إن قطّبت فرقاً وجوه كماتها

نزلت بقارعة المنون بموقف * * * يستوقف الأفلاك عن حركاتها

غرست به شجر الرماح وإنما * * * قطفت نفوس الشوس من ثمراتها

حتى إذا نفذ القضاء وأقبلت * * * زمر العدى تستنّ في عدواتها

نشرت ذوائب عزّها وتخايلت * * * تطوي على حرّ الظما مهجاتها

وتفيأت ظلل القنا فكأنما * * * شجر الأراك تفيأت عذباتها

وتعانقت هي والسيوف وبعدذا * * * ملكت عناق الحور في جناتها

وتناهبت أشلاءها قِصد القنا * * * ورؤوسها رفعت على أسلاتها

وانصاع حامية الشريعة ظامياً * * * ما بلّ غلته بعذب فراتها

أضحى وقد جعلته آل أمية * * * شبح السهام رميّةً لرماتها

حتى قضى عطشاً بمعترك الوغى * * * والسمر تصدر منه في نهلاتها

وجرت خيول الشرك فوق ضلوعه * * * عدواً تجول عليه في حلباتها

* * *

ومخدرات من عقائل أحمد * * * هجمت عليها الخيل في أبياتها

من ثاكل حرّى الفؤاد مروعة * * * أضحت تجاذبها العدى جبراتها

ويتيمةٍ فزعت لجسم كفيلها * * * حسرى القناع تعجّ في أصواتها

أهوت على جسم الحسين وقلبها * * * المصدوع كاد يذوب من حسراتها

وقعت عليه تشمّ موضع نحره * * * وعيونها تنهلّ في عبراتها

ترتاع من ضرب السياط فتنثني * * * تدعو سرايا قومها وحماتها

أين الحفاظ وفي الطفوف دماؤكم * * * سفكت بسيف أمية وقناتها

أين الحفاظ وهذه أشلاؤكم * * * بقيت ثلاثاً في هجير فلاتها

164

أين الحفاظ وهذه فتياتكم * * * حملت على الأكوار بين عداتها

حملت برغم الدين وهي ثواكل * * * حسرى تردد بالشجى عبراتها

فمن المعزي بعد أحمد فاطماً * * * في قتل أبناها وسبي بناتها

السيد محمد حسين ابن السيد كاظم ابن السيد علي بن أحمد الموسوي القزويني الشهير بالكيشوان النجفي. ولد في النجف عام 1295 ه‍. مشهور بعلمه وتحقيقه ، ذو نظر صائب وفكر وقاد ، أديب له الصدارة في المجالس والمكانة السامية عند العلماء وأهل الدين ذكره صاحب ( الحصون المنيعة ) فقال : فاضل مشارك في العلوم سابق في المنثور والمنظوم له فكرة تخرق الحجب وهمة دونها الشهب ، وشعر يسيل رقة وخط يشبه العذار دقة ، إلى حسن أخلاق وطيب اعراق وحلو محاضرة مع الرفاق ، ونسك وتقى بعيد عن الرياء والنفاق ، وله شعر كثير بديع التركيب.

لا زلت أتمثله سيداً وقوراً مربوع القامة حسن الهندام بهي المنظر والعمة السوداء متناسبة مع وجهه ومنسجمة معه كل الانسجام رأيته عشرات المرات في عشرات من المجالس الحسينية وقد طلب منه أبي مقابلة نسخة ( مصابيح الأنوار في حلّ مشكلات الأخبار ) للجد الأكبر السيد عبدالله شُبّر على نسخة المؤلف وبخطه ، فأجاب في حين لم تكن بينه وبين أبي صلة قوية أو لأبي عليه دالة تستوجب الاجابة لكنه لخلقه العالي وسجاحة أخلاقه تنازل لرغبته فكان يحضر كل يوم عصراً إلى دارنا وتكون بيده نسخة الأصل ومع الوالد نسخة أخرى فيقرأ أحدهما مرة ومرة فلم أسمع صوته ولا أقدر أن أُميّز نبراته ولكني أتصور كلامه ، لقد كان هادئ الطبع وديع النفس إلى أبعد ما تتصور. وقال لي أحد الأذكياء يوماً ونحن في محفل غاص بالمعممين في دار المرحوم الشيخ مرتضى الخوجه ، والسيد المترجم له في صدر المجلس : هل رأيت ذلك السيد ( وأشار عليه ) زجّ نفسه في كلام أو خاض في مسألة دون

165

أن يُسأل فيجيب بالرغم من أنه أعلم الموجودين والكل يعلم بذلك ، يقول البحاثة المعاصر علي الخاقاني عنه : لقد أفنى زمناً طويلاً في إحياء كثير من الكتب النادرة بخط جميل وضبط قوي وأتذكر أنه كتب تحرير المجسطي بدوائره وأشكاله فكانت مخطوطته من أروع المخطوطات ، وكتب الأصول الأربعمائة وكثيراً من مؤلفات الشيخ المفيد والصدوق وألّف وصنّف كثيراً منها : تحفة الخليل في العروض والقوافي ورسالة في علم الجبر ، منهج الراغبين في شرح تبصرة المتعلمين في جزئين ، منظومة في علم الحساب تقع في 221 بيتاً وغيرهما مما دوّنها مترجموه ، نشأت وأنا أسمع أساتذة المنبر الحسيني يروون شعره ويعطرون به المحافل ويرون شعره من الطراز العالي ورثاءه من النوع الممتاز على كثرة الراثين للحسين (عليه السلام) ، وحذراً من أن يقال أن الشاعر لا يحسن إلا الرثاء فاني أروي مقطوعة واحدة من غزله من ديوانه المخطوط الحافل بما لذّ وطاب من مسامرة الأحباب ، قال :

وغادة نادمتها * * * في غلس الليل الدجى

غازلت منها مقلة * * * ترنو بعيني أدعج

أحنى عليه الحسن * * * خط حاجب مزجج

لم أدرِ إذ تكسر خف‍ * * * ‍نيها لكسر المهج

أمن حياء أم نعا * * * س فيهما أم غنج

لهوت فيها أجتلي * * * روض محياً بهج

دبجه البهاء مث‍ * * * ‍ل السندس المدبج

أرخت عليها صدغها * * * منعطفاً ذا عوج

كأنه ورد علي * * * ‍ه قطعة من سبج

والحسن أذكى خدّها * * * بجمره المؤجج

وعنبر الخال به * * * يذكو بطيب الأرج

داعبتها وما على * * * أهل الهوى من حرج

حتى اختلست رشفة * * * من ريقها المثلّج

166

ثم عضضت خدّها * * * عضة حران شجي

فماج حسناً فوق ما * * * فيه من التموّج

ولاح مثل الذهب الم‍ * * * ‍نقوش بالفيروزج

أو ثمر التفاح بي‍ * * * ‍ن طاقتي بنفسج

وبعد ذا حنوت فو * * * ق ردفها المندمج

أضمّه يرتجّ مث‍ * * * ‍ل الزيبق المرجرج

حضنته وهو من الل‍ * * * ‍ين يروح ويجي

عبلٌ به ضاق مجال * * * حضني المنفرج

بلغت فيه لذة * * * أربت على ما أرتجي

أما رسائله وأدبه النثري ونوادره وملحه فمنها يتألف مؤلف قائم بنفسه. توفي ليلة الأحد 28 ذي القعدة الحرام سنة 1356 ه‍. ودفن في الصحن العلوي في الجهة الغربية الشمالية رحمه الله رحمة واسعة وبقيت روائعه ترددها ألسنة الخطباء ومنها ما يعتز به مخطوطنا ( سوانح الأفكار في منتخب الاشعار ) الجزء الأول منه :

1 ـ رائعته الحسينية التي تتكون من 72 بيتاً وأولها :

هي الدار لاوردي بها ريّقٌ غمرُ * * * ولا روض آمالي بها مورق نضرُ

2 ـ قصيدته في رثاء شهداء كربلاء وتتكون من 42 بيتاً وأولها :

لعلّ الحيا حيّا ببرقة ثهمد * * * معاهد رسم المنزل المتأبد

3 ـ الثالثة في الزهراء (عليها السلام) وهي 57 بيتاً وأولها :

مالك لا العين تصوب أدمعا * * * منك ولا القلب يذوب جزعا

وقال مشطراً أبيات عبد الباقي العمري لما جاء لزيارة أمير المؤمنين (ع) :

وليلة حاولنا زيارة حيدر * * * وقد رجّع الحادي بترديد أشعاري

167

وسامرت نجم الافق في غلس الدجى * * * وبدر سماها مختف تحت أستار

بأدلاجنا ضلّ الطريق دليلنا * * * وقد هوّمت للنوم أجفان سماري

تحريتُ أستهدي بأنوار فكرتي * * * ومن ضلّ يستهدي بشعلة أنوار

ولما تجلّت قبة المرتضى لنا * * * بأبهى سناً من قبّة الفلك الساري

قصدنا السنا منها ومذ لاح ضوؤها * * * وجدنا الهدى منها على النور لا النار

4 ـ الرابعة في السبط الأكبر الإمام الحسن بن علي (عليهما السلام) وتتكون من 58 بيتاً ، ويقول فيها :

أترى يسوغ على الظما لي مشرع * * * وارى أنابيب القنا لا تشرع

ما آن أن تقتادها عربية * * * لا يستميل بها الروى والمرتع

تعلو عليها فتية من هاشم * * * بالصبر لا بالسابغات تدرّعوا

فلقد رمتنا النائبات فلم تدع * * * قلباً تقيه أدرع أو أذرع

فإلى مَ لا الهندي مُنصلتٌ ولا * * * الخطي في رهج العجاج مزعزع

ومتى نرى لك نُهضة من دونها * * * الهامات تسجد للمنون وتركع

يا ابن الألى وشجت برايته العلى * * * كرماً عروق أصولهم فتفرّعوا

جحدت وجودك عصبة فتتابعت * * * فرقاً بها شمل الضلال مجمّع

جهلتكَ فانبعثت ورائد جهلها * * * أضحى على سَفهٍ يبوع ويذرع

تاهت عن النهج القويم فظالع * * * لا يستقيم وعاثر لا يُقلع

فأنِر بطلعتك الوجود فقد دجى * * * والبدر عادته يغيب ويطلع

متطلّباً أوتاركم من أمة * * * خفّوا لداعيةِ النفاق وأسرعوا

خانوا بعترة أحمد من بعده * * * ظلماً وما حفظوهم ما استودعوا

فكأنما أوصى النبي بثقله * * * أن لا يُصان فما رعوه وضيّعوا

جحدوا ولاء المرتضى ولكم وعى * * * منهم له قلب وأصغى مسمعُ

وبما جرى من حقدهم ونفاقهم * * * في بيته كُسرت لفاطم أضلع

وغدوا على الحسن الزكي بسالف * * * الأحقاد حين تالبوا وتجمعوا

168

وتنكبوا سنن الطريق وإنما * * * هاموا بغاشية العمى وتولعوا

نبذوا كتاب الله خلف ظهورهم * * * وسعوا لداعية الشقا لما دعوا

عجباً لحلم الله كيف تأمروا * * * جنفاً وأبناء النبوّة تُخلع

وتحكموا في المسلمين وطالما * * * مرقوا عن الدين الحنيف وأبدعوا

أضحى يؤلب لابن هندٍ حزبه * * * بغياً وشرب ابن النبي مذعذع

غدروا به بعد العهود فغودرت * * * أثقاله بين اللئام توزع

الله أي فتىً يكابد محنة * * * يشجى لها الصخر الأصم ويجزع

ورزيّة جرّت لقلب محمد * * * حزناً تكاد له السما تتزعزع

كيف ابن وحي الله وهو به الهدى * * * أرسى فقام له العماد الأرفع

أضحى يسالم عصبة أموية * * * من دونها كفراً ثمود وتُبّع

ساموه قهراً أن يضام وما لوى * * * لولا القضا به حنان طيّع

أمسى مضاماً يستباح حريمه * * * هتكاً وجانبه الأعز الأمنع

ويرى بني حرب على أعوادها * * * جهراً تنال من الوصي ويسمع

ما زال مضطهداً يقاسي منهم * * * غصصاً بها كأس الردى يتجرّع

حتى إذا نفذ القضاء محتّماً * * * أضحى يُدس اليه سُمّ منقع

وغدا برغم الدين وهو مكابد * * * بالصبر غلّة مكمّد لا تنقع

وتفتت بالسُمّ من أحشائه * * * كبد لها حتى الصفا يتصدّع

وقضى بعين الله يقذف قلبه * * * قطعاً غدت مما بها تتقطّع

وسرى به نعش تودّ بناته * * * لو يرتقي للفرقدين ويرفع

نعش له الروح الأمين مشيّع * * * وله الكتاب المستبين مودّع

نعش أعز الله جانب قدسه * * * فغدت له زمر الملائك يخضع

نعش به قلب البتول ومهجة * * * الهادي الرسول وثقله المستودع

نثلوا له حقد الصدور فما يُرى * * * منها لقوسٍ بالكنانة منزع

ورموا جنازته فعاد وجسمه * * * غرض لرامية السهام وموقع

169

شكوه حتى أصبحت من نعشه * * * تستل غاشية النبال وتنزع

لم ترم نعشك إذ رمتك عصابة * * * نهضت بها أضغانها تتسرّع

لكنها علمت بأنك مهجة * * * الزهراء فابتدرت لحربك تهرع

ورمتك كي تصمى حشاشة فاطم * * * حتى تبيت وقلبها متوجع

ما أنت إلا هيكل القدس الذي * * * بضمره سرّ النبوة مودع

جلبت عليه بنوا الدعي حقودها * * * وأتته تمرح بالضلال وتتلع

منعته عن حرم النبي ضلالة * * * وهو ابنه فلأي أمرٍ يمنع

فكأنه روح النبي وقد رأت * * * بالبعد بينهما العلائق تقطع

فلا قضت أن لا يخطّ لجسمه * * * بالقرب من حرم النبوة مضجع

لله أي رزية كادت لها * * * أركان شامخة الهدى يتضعضع

رزء بكت عين الحسين له ومن * * * ذوب الحشا عبراته تتدفع

يوم انثنى يدعو ولكن قلبه * * * وآمروا مقلته تفيض وتدمع

أترى يطيف بي السلو وناظري * * * من بعد فقدك بالكرى لا يهجع

أُخي لا عيشي يجوس خلاله * * * رغد ولا يصفو لوردي مشرع

خلفتني مرمى النوائب ليس لي * * * عضد أرد به الخطوب وأدفع

وتركتني أسفاً أردد بالشجى * * * نفساً تصعّده الدموع والهمّع

أبكيك يا ريّ القلوب لو أنه * * * يجدي البكاء لظامئٍ أو ينفع

الأسر القزوينية المعروفة بالعلم في العراق ثلاث : 1 ـ الاسرة النجفية ، وقد اقام قسم من رجالها في بغداد. 2 ـ الحِلية ، التي ذكرنا منها جملة من الاعلام ومنها السيد مهدي وأنجاله الأربعة وأولادهم ، وهاتان الاسرتان ينتمون للامام الحسين (عليه السلام) وهما فرع واحد تلتقيان في بعض الأجداد. 3 ـ الكاظمية ، وهي موسوية النسب منها العلامة السيد مهدي نزيل البصرة بعصره وأخوه السيد جواد نزيل الكويت في عصره ولقب بعض رجالها بالكيشوان ومنهم المترجم له.

170

الحاج مهدي الفلّوجي المتوفى 1357

إلى م وقلبي من جفوني يسكب * * * ونار الأسى ما بين جنبي تلهبُ

أبيتُ وليلي شطّ عنه صباحه * * * كأن لم يكن لليل صبح فيرقب

أُحارب فيه النجم والنجم ثائرٌ * * * متى غاب منه كوكب بان كوكب

وعلمت بالنوح الحمام فأصبحت * * * على ترح في الدوح تشدو وتندب

فما هي إلا زفرة لو بثثتها * * * على البحر من وجد يجف وينضب

تجهّم هذا الدهر واغبرّ وجهه * * * بدهماء لا يجلى لها قط غيهب

لقتلى الألى بالطف لما دعاهم * * * إلى الحرب سبط المصطفى فتأبهوا

ومذ سمعوا الداعي أتوا حومة الوغى * * * تعلم أيديها الضبا كيف تضرب

فإن وعظت عن ألسن البيض وعظها * * * وإن خطبت عن ألسن السمر تخطب

كرام تميت المحل غمرة وفرهم * * * فتحيا بها الأرض الموات وتعشب

على كثرة الأعداء قلّ عديدهم * * * وكم فئة قلّت وفي الله تغلب

مواكب أعداهم تعدّ بواحد * * * وواحدهم يوم الكريهة موكب

مضوا يستلذون الردى فكأنه * * * رحيق مدام بالقوارير يسكب

كأن المنايا الخرّد العين بينهم * * * فجدّوا مزاحاً دونها وهي تلعب

ومن بعدهم قام ابن حيدر والعدى * * * جموع بها غصّ الفضا وهو أرحب

171

فألبس هذا الأفق ثوب عجاجة * * * به عاد وجه الشمس وهو منقب

وكيف يحلّ الذل جانب عزه * * * وفي كفه سيف المنية يصحب

وكيف حسين يلبس الضيم نفسه * * * ونفس علي بين جنبيه تلهب

إلى أن أراد الله بابن نبيّه * * * يبيت بفيض النحر وهو مخضب

فأصبح طعماً للضبا وهو ساغبٌ * * * وأصبح ريّاً للقنا وهو معطب

بنفسي اماماً غسله فيض نحره * * * وفي أرجل الخيل العتاق يقلب

بنفسي رأساً فوق شاهقة القنا * * * تمرّ به الأرياح نشراً فتعذب

كأن القنا الخطار أعواد منبر * * * ورأس حسين فوقها قام يخطب

فوا أسفي تلك الكماة على الثرى * * * ونسوة آل الوحي تسبى وتسلب

وراحت بعين الله أسرى وحواسراً * * * تساق وأستار النبوة تنهب

دعت قومها لكنها لم تجدهم * * * على عهدها فاسترجعت وهي تندب

أيا منعة اللاجين والخطب واقع * * * ويا أنجم السارين والليل غيهب

أليست حروف العز في جبهاتكم * * * تحررها أيدي الجلال فتكتب

فأين حماة الجار هاشم كي ترى * * * نساها على عجف الأضالع تجلب

وفي الأسر ترنو حجة الله بينها * * * عليلاً إلى الشامات في الغل يسحب

سرت حسراً لكن تحجب وجهها * * * عن العين أنوار الإله فتحجب

إلى أن أتت في مجلس الرجس أبصرت * * * ثنايا حسين وهي بالعود تضرب

الحاج مهدي الفلوجي ابن الحاج عمران ابن الحاج سعيد من الطبقة العالية في الشعر وممن تفتخر به الفيحاء وتعتز بأدبه ، حسن الأخلاق طاهر الضمير عف اللسان تخرّج في الأدب على الشيخ حمادى نوح المتقدمة ترجمته. حفظ الكثير من شعر العرب القدامى ، ترجم له اليعقوبي في ( البابليات ) وقال :

172

مولده في الحلة سنة 1282 ه‍. وكان يتعاطى التجارة ويحترف بيع البز ويرتدي برأسه العمة السورية ويعدّ من ذوي الثروة والمكانة المرموقة في البلد. يحتوي ديوانه المخطوط على ضروب الشعر من الاجتماع والسياسة والوصف والغزل والنسيب ولا عجب فعصره يموج بالادباء والشعراء وتلك النوادي العلمية الأدبية تصقل المواهب ، قال يرثي استاذه الشيخ حمادى نوح بقصيدة ـ مطلعها :

حق يا قبر أن تباهي النجوما * * * فيك قد ضمنوا البليغ الحكيما

دفنوا المرتضى الرضي لعمري * * * هو في جنبك اتخذه نديما

فيك قد غيضوا البحار فأمست * * * في قوانينها تريك العلوما

ذاك غواصها الذي كان فينا * * * يجتني درّها النضيد النظيما

ترجم له الشيخ النقدي في ( الروض النضير ) كما ترجم له الخاقاني في ( شعراء الحلة ) وروى له نماذج من الشعر والتواريخ ، ولتعلقه بآل البيت (ع) كان اكثر ما نظم فيهم فمنها قصيدته التي يعدد فيها فجائع يوم كربلاء ويخص أبا الفضل العباس (عليه السلام) بقسم وافر منها وأولها :

هي دنياً وللفنا منتهاها * * * لعب جدّها وواهٍ قواها

وهي تناهز الستين بيتاً وقال عندما لاح هلال محرم الحرام قصيدة مطلعها :

كم فيك من حرم أُبيح ومن دم * * * من آل أحمد يا هلال محرم

وقال وقد زار الإمام الحسين (عليه السلام) ليلة النصف من شعبان :

لقد أيقنت أن الله لطفا * * * محا عني الصغائر والكبائر

لأني جئت في شعبان أسعى * * * لمرقد سيد الشهداء زائر

وقال في جواب مَن سأل عن مدفن رأس الحسين (عليه السلام) :

لا تطلبوا رأس الحسين فإنه * * * لا في حمى ثاوٍ ولا في واد

لكنما صفو الولاء يدلّكم * * * في أنه المقبور وسط فؤادي

173

وقد تقدم في الجزء السابق تحقيق عن موضع رأس الإمام الحسين (ع).

كانت وفاته بمدينة الكاظمية يوم الثلاثاء خامس جمادى الثانية سنة 1357 ه‍. المصادف 3 آب سنة 1938 م. ونقل جثمانه إلى الحلة بموكب حافل ثم شيّع لمرقده الأخير في النجف الأشرف ودفن في الايوان الذهبي أمام الحرم الحيدري وتهافتت الوفود لتعزّي الأسرة وتعاقب الشعراء على منصة المحفل لتأبينه أمثال الشيخ قاسم الملا والشيخ عبد الرزاق السعيد والشيخ باقر سماكه ومحمد علي الفلوجي وغيرهم رحمه الله عدد حسناته.

174

الشاعر اقبال

المتوفى 1357-

في الكعبة العليا وقصتها * * * نبأ يفيض دماً على الحجر

بدأت باسماعيل عبرتها * * * ودم الحسين نهاية العبر

وللدكتور محمد اقبال :

ارفعوا الورد والشقائق إكليل * * * ثناءً على ضريح الشهيد

ذاك لون الدم الذي أنبت * * * المجد وروّى به حياة الخلود

« محمد اقبال فيلسوف باكستاني ، ولد في مدينة سيالكوت سنة 1873 م. وتوفي سنة 1938 م. سافر إلى عدة بلدان طلباً للعلم ثم عاد إلى وطنه سنة 1908 م. حيث عمل بالمحاماة وقرض الشعر. وقد ذاع صيته في الهند وكثر عشاق أدبه ومريدو فلسفته. وقد دعا في شعره إلى نبذ التصوف العجمي الذي يؤدي إلى إماتة الأمة وبشّر بالتصوف العملي الذي يدعو إلى العمل والجهاد. وتدل أشعاره وقصائده على تمجيد الشخصيات الإسلامية كلها.

وتقوم فلسفة إقبال على ( الذات ) التي هي عنده حق لا باطل وهدف الانسان الديني والاخلاقي اثبات ذاته لا نفيها ، وعلى قدر تحقيق ذاته أو

175

واحديته يقرب من هذا الهدف ، وتنقص فردية الانسان على قدر بعده عن الخالق ، والانسان الكامل هو الأقرب إلى الله وليس معنى ذلك أن يفنى وجوده في الله كما ذهبت إليه فلسفة الاشراق ووحدة الوجود عند ابن العربي واسبينوزا ، بل هو عكس هذا يمثل الخالق في نفسه والحياة عنده رقي مستمر وهي تسخر كل الصعاب التي تعترض طريقها وقد خلقت من أجل اتساعها وترقيها آلات كالحواس الخمس والقوة والمدركة لتقهر بها العقبات. وإذا قهرت الذات كل الصعاب التي في طريقها بلغت منزلة الاختيار فالذات في نفسها فيها اختيار وجبر.

وحسبنا أن نقول أن اقبال يدعو إلى ادراك الذات وتقويتها وإلى العمل الدائب والجهاد الذي لا يفتر ، ويرى أن الحياة في العمل والجهاد والموت في الاستكانة والسكون » (1).

ومما جاء من شعر اقبال في السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) كما رواه الكاتب المصري توفيق أبو علم في كتابه ( أهل البيت ) قول :

نسب المسيح بنى لمريم سيرة * * * بقيت على طول المدى ذكراها

والمجد يشرق من ثلاث مطالع * * * في مهد فاطمة فما أعلاها

هي بنتُ مَن ، هي زوج مَن ، هي أمّ مَن * * * مَن ذا يداني في الفخار أباها

هي ومضة من نور عين المصطفى * * * هادي الشعوب إذا تروم هداها

هو رحمة للعالمين وكعبة الآمال * * * في الدنيا وفي أخراها

مَن أيقظ الفطر النيام بروحه * * * وكأنه بعد البلى أحياها

وأعاد تاريخ الحياة جديدة * * * مثل العرائسى في جديد حلاها

ولزوج فاطمة بسورة هل أتى * * * تاج يفوق الشمس عند ضحاها (2)

____________

1 ـ مجلة العربي الكويتية عدد 115 / 142.

2 ـ كتاب اهل البيت لتوفيق ابو علم.

176

وحدثني الشاب المهذب الشيخ شريف نجل العلامة المصلح المغفور له الشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء أنه عندما دعي أبوه لحضور المؤتمر الاسلامي في الباكستان ، ذهب إلى هناك وزار قبر الشاعر الفيلسوف اقبال وذلك في 26 جمادى الاولى عام 1371 ه‍. وارتجل أبيات منها :

يا عارفاً جلّ قدراً في معارفه * * * حياك مني إكبار وإجلال

إن كان جسمك في هذا الضريح ثوى * * * فالروح منك لها في الخلد إقبال

تحية لك من خِلٍّ أتاك على * * * بعد المزار بقول مثل ما قالوا

لا خيل عند تهديها ولا مال * * * فليسعد النطق إن لم يسعد الحال

ولد محمد اقبال في الرابع والعشرين من ذي الحجة سنة 1289 ه‍. أدخله أبوه إلى مكتب ليتعلم القرآن ففاق أترابه لذكائه ونال جوائز كثيرة ثم انتقل إلى مدارس عالية وكليات شهيرة فانتدب لتدريس التاريخ والفلسفة في الكلية الشرقية في لاهور ثم اختير لتدريس الفلسفة واللغة الانكليزية بكلية الحكومة التي تخرّج فيها. ونال اعجاب تلاميذه وزملائه بسعة علمه وحسن خلقه وسداد رأيه ، واتجهت الأبصار اليه وذاع ذكره حتى صار من أساتذة لاهور النابهين. ولبث فيها عشر سنوات ثم سافر إلى أوربا بعد ما دوّى صوت إقبال في محافل الأدب ينشد قصائده وقد حرصت الصحف على نشر شعره ، وايقن الشعراء والعلماء أن لهذا الشاب شأنا ، وأول قصائده الرنانة التي أُلقيت في جمع حاشد قصيدته التي أنشدها في الحفل السنوي لجماعة حماية الإسلام في لاهور ( أنجمن حماية إسلام ) سنة 1899 م. وعنوانها أنين يتيم.

سافر إلى انكلترا والتحق بجامعة كمبردج لدرس الفلسفة ونال من هذه الجامعة درجة في فلسفة الأخلاق ثم سافر إلى ألمانيا فتعلم الألمانية في زمن قليل والتحق بجامعة مونخ وكتب رسالته ( تطور ما وراء الطبيعة في فارس ) ثم عاد اقبال إلى لندن فدرس القانون وحاز امتحان المحاماة والتحق كذلك

177

بمدرسة العلوم السياسية زمناً ورجع إلى بلاده ومكث ولبث سنين عميداً لكلية الدراسات الشرقية ورئيساً لقسم الدراسات الفلسفية ، وفي سنة 1933 دعي هو والشيخ سليمان الندوي والسير راس مسعود إلى كابل للنظر في التعليم عامة ، وفي نظام جامعة كابل خاصة. وعملت حكومة الأفغان بأكثر ما أوصى به ، وكان دائم الاتصال بمعاهد العلم في لاهور وغيرها ، وكانت الجامعات تدعوه إلى زيارتها والمحاضرة فيها. دعي إلى مدارس سنة 1928 م. فألقى محاضرات هناك فجمعت وسميت ( اصلاح الأفكار الدينية في الإسلام ) وهي أعظم ما كتب اقبال في الفلسفة.

كانت حياة اقبال حافلة بالصالحات وودّع الحياة بقوله :

آية المؤمن أن يلقى الردى * * * باسم الثغر سروراً ورضا

وكان عمره سبعاً وستين سنة وشهراً وستة وعشرين يوماً وستبقى الأجيال تقرأه من وراء فلسفته وآرائه ونبوغه. كتب الدكتور عبد الوهاب عزام سفير مصر في باكستان ( محمد اقبال ، سيرته وفلسفته وشعره ) وألمّ بحياته إلمامة وافية كافية وعرض نماذج من حياته وسيرته وفلسفته وألوان من شعره ، كما ترجم الدكتور عبد الوهاب عزام إلى العربية رسالة المشرق من شعر محمد اقبال وهي جواب لديوان ( كوته ) الشاعر الالماني.

محمد اقبال شاعر نابغة وفيلسوف مبدع وتحتفي الباكستان بذكراه كل عام لأنه فيلسوف وشاعر ومؤمن ، قال الدكتور عبد الوهاب عزام : في اليوم الحادي والعشرين من شهر نيسان سنة 1938 م. والساعة خمس من الصباح ، في مدينة لاهور ، مات رجل كان على هذه الأرض عالماً وروحياً يحاول أن ينشيء الناس نشأة اخرى ، ويسنّ لهم في الحياة سنّة جديدة. مات محمد اقبال الفيلسوف الشاعر الذي وهب عقله وقلبه للمسلمين وللبشر أجمعين ..

178

وقد نشرت جريدة الجمهورية البغدادية بعددها 3067 الصادر بتاريخ 20 ايلول سنة 1977 م. والمصادف 7 شوال سنة 1397 ه‍. تحت عنوان : ذكرى الشاعر اقبال ، ما نصه : تحتفل الباكستان خلال شهر كانون الأول المقبل بالذكرى المئوية لميلاد شاعرها القومي محمد اقبال ، وقد وجهت الدعوة إلى أكثر من 200 عالم وشاعر من جيمع أنحاء العالم للمشاركة في مؤتمر دولي يستمر أسبوعاً لاحياء ذكرى الشاعر الذي ألّف حول حياته أكثر من ثلاثين كتاباً. ومن جميل الوقائع أن تكون كتابة هذه الترجمة في 9 نوفمبر ( كانون الأول ) عام 1978 م. حيث تصادف الذكرى المئوية لميلاد هذا الفيلسوف العظيم ، فقد احتفلت الباكستان وأكثر الدول بذكرى مولد الدكتور محمد اقبال. إذ هو شاعر وفيلسوف وممّن شغفوا بحبّ الإسلام فهو خالد بعقيدته وأعماله الجبّارة وخدماته لشعبه خاصة ، وللمسلمين عامة. رحمه الله وأثابه على ذلك.

179

السيد خضر القزويني

المتوفى 1357

ما بال هاشم لا تثير عرابها * * * نسيت رزية كربلا ومصابها

أو لم تسق أبناء حرب زينباً * * * حسرى وقد هتكت بذاك حجابها

حسرى بلا حام لنغل سمية * * * والوجد أنحل جسمها وأذابها

أين الحمية من نزار وبيضها * * * كانت ولم تزل الرقاب قرابها

أفهل بها قعدت حميتها وكم * * * هذا القعود وقد أذلّ رقابها

وإلى مَ تغضي والعدو بجنبها * * * يمسي قريراً وهي تقرع نابها

وهل الحفاظ بها يثور وعزمها * * * يحيي فتدرك بالطفوف طلابها

الله أكبر كيف تقعد هاشم * * * والقوم بالطف استباحت غابها

نسيت وهل تنسى غداة تجمعت * * * وعلى ابن طاها حزبت أحزابها

حتى أحاطت بالحسين ولم تكن * * * حفظت بذاك نبيها وكتابها

وعدت عليه فغادرته وآله * * * وذويه صرعى كهلها وشبابها

فتخالها الأقمار وهي على الثرى * * * صرعى وقد أضحى النجيع خضابها

والطهر زينب مذ رأتهم صُرّعاً * * * حنّت وقارضت الحسين عتابها

أأخي ترضى أن تجاذب زينباً * * * أيدي بني حرب الطغاة نقابها

السيد خضرالقزويني هو ابن السيد علي بن محمدبن جواد بن رضا أبو الأسرة القزوينية الحسينية النجفية. ولد المترجم له 1323 ه‍. في النجف. خطيب أديب ولوذعيّ لبيب وغرّيد فريد نظم فأجاد ، له ديوان اسمه ( الثمار ) يشتمل على أبواب : الحماسيات ، الاجتماعيات ، الرثاء ، الغزل ، النسيب. مجموع

180

صفحاته 124 صفحة ، نبغ كثير من هذه الأسرة في العلم والأدب منهم الشاعر الشهير السيد صالح القزويني الشهير بالبغدادي وولده السيد راضي وهم غير الاسرة القزوينية في الحلة الفيحاء والنجف والهندية ، والخطيب أبا الياس كان غريد المحافل سيما في الأعراس وفي عصره يعدّ من المجددين ولا زلت أتذكره وأحادثه فكان أدبه أكثر من خطابته إذ كان في مواسم الخطابة يكتفي بالرساتيق والقرى ومثل هذه الزوايا لا تشحذ الذهن ولا تربي الملكة الخطابية بل تجعله راض بما عنده إذا كان مجتمعه راض عنه. إن الخطيب الجوّال في الأقطار والأمصار يضطر لتقديم النافع من الكلام إذ يحسّ بما يحتاجه المجتمع من معالجة أمراضه والخطيب كالطبيب فالسيد خضر تعلّق بالمشخاب وهو قطر منزوي لا ثقافة عنده ولا تحسس سوى الزرع والسقي وما دام هذا الخطيب تطربهم نغماته وتؤثر في أحاسيسهم نبراته فهو المرغوب فيه وهو المطلوب عندهم. وكانت أريحيته تسحرهم وهو ممن تسحرهم مناظر الفرات والريف الضاحك ، قال في شاب اسمه حسن ويتصف بالوطنية.

كيف لا يصبح قلبي وطناً * * * لك والقلب لمن يهوى وطن

فجدير بك لو تدعى بنا * * * وطنياً مثلما تدعى ( حسن )

ومن روائعه قصيدته في رثاء صديقه الشاعر الشيخ جواد السوداني وأولها :

كيف يقوى على رثاك لساني * * * والأسى كفّ منطقي وبياني

ليت شعري وكيف يسلوك خلّ * * * ولقد كنت سلوة الخلان

ومن غزله قصيدته التي عنوانها بنت كسرى :

من عذيري من غادة كسرويه * * * فتنت بالجمال كل البريه

يا بنفسي فديتها من فتاة * * * لم ترَ العين مثلها أريحيه

فجدير بالعاشقين إذا ما * * * سجدت بكرة لها وعشيه

توفي السيد خضر القزويني سنة 1357 ه‍. ودفن في ايوان الذهب من الصحن الحيدري الشريف.

181

السيد جواد القزويني

المتوفى 1358

هلا تعود بوادي لعلع وقبا * * * مرابع ذكرها في القلب قد وقبا

أيام لهو مضت فيمن أحب وقد * * * أبقت معنى إلى تلك العهود صبا

تعذبت مهجتي يوم الرحيل بهم * * * كأن طعم عذابي عندهم عذبا

لا تحسبوا أعيني تجري مدامعها * * * عليك بل لآل المصطفى النجبا

أبكيهم يوم حلّوا بالطفوف ضحى * * * وشيدوا في محافي كربلا الطنبا

وأقبلت آل حرب في كتائبها * * * تجرّ حرباً لرحب السبط واخربا

ساموه إما كؤوس الحتف يجرعها * * * أو أن يذل ولكن الاباء أبى

نفسي الفداء لظامي القلب منفرداً * * * وغير صارمة في الحرب ما صحبا

لهفي له مذ أحاطت فيه محدقة * * * أهل الضلال وفيه نالت الإربا

رموه في سهم حقد من عداوتهم * * * مثلثاً في شظايا قلبه نشبا

من بعده هجمت خيل الضلال على * * * خدر النبوة بالله فانتهبا

أبدوا عقائل آل الوحي حاسرة * * * لم يتركوا فوقها ستراً ولا حجبا

الله كم قطعت لابن النبي حشى * * * في كربلاء وكم رحل بها نهبا

وكم دم قد أراقوا فوق تربتها * * * وكم يتيم بكعب الرمح قد ضربا

سروا بهن على الأقتاب حاسرة * * * إلى ابن هند تقاسي الوخد والنصبا

182

الجواد بن الهادي ابن السيد ميرزا صالح ابن الحجة الكبير السيد مهدي القزويني :

هداة اباة في سما المجد أشرقت * * * وحسبك من هادٍ بشير إلى هادي

ولد سنة 1297 ه‍. في قضاء الهندية قبل وفاة جده الكبير بثلاث سنوات نشأ على حب العلم والكمال ودرس مبادئ العلوم على عمه السيد أحمد ثم أرسله أبوه إلى النجف وألحقه بأخويه : السيد محيي والسيد باقر وهما أصغر منه سناً فنالوا قسطاً كبيراً من الفقه على جملة من اعلام النجف كالحاج ميرزا حسين الحاج خليل والشيخ مهدي المازندراني وآية الله الخراساني والملا كاظم إلى أن حدثت الحرب العالمية الاولى سنة 1332 ه‍. عاد المترجم له إلى الهندية مزوّداً بجملة من شهادات مشايخه الاعلام التي تخوله نشر الأحكام. وكانت أيام العطل الصيفية هي مواسم المطارحات الأدبية والمبارات الشعرية مضافاً إلى ولعه الشديد بمطالعة كتب الأدب والشعر والأخبار وسيرة أهل البيت حتى ألّف من ذلك مجاميع تضم النوادر والفوائد والشواهد. رأيت بخط الخطيب الشهير الشيخ محمد علي قسام جملة من الرسائل الأدبية والمقاطيع الشعرية والذوق الأدبي ، أبرق للسيد محمد علي القزويني بمناسبة تعيينه عضواً في مجلس الأعيان :

تفرست الملوك بك المعالي * * * وقد أحرزتها بعلوّ شان

فلا عجب إذا أصبحت ( عينا ) * * * لأنك عين انسان الزمان

وله مفردات ومقاطيع قالها في مناسبات شتى وقصائد رثى بها سيد الشهداء أبا عبد الله الحسين (عليه السلام) منها قصيدة التي مطلعها :

هلا دروا بمحبٍّ عندما ذهبوا * * * تجري مدامعه دمعاً وتنسكب

183

واخرى أولها :

أحباي لا أصغي للومة لائم * * * ولا انثني عن ودكم باللوائم

وقوله :

ما للأحبة لا يأوون خلانا * * * هلا دروا أننا حانت منايانا

وديوانه المخطوط معظمه في الإمام الشهيد كما كتبَ وخلّف من الآثار كتاب ( لواعج الزفرة لمصائب العترة ) يقع في ثلثمائة صفحة استعاره بعض المتأدبين ولم يُرجعه ، وكتاب « الفوادح الملمة في مصائب الأئمة » حققه حفيده السيد جودت القزويني ، توفي السيد جواد أوائل شعبان سنة 1358 ه‍. في الهندية وحمل نعشه على الأعناق مسافة أميال ثم حمل إلى النجف حيث دفن في مقبرة آبائه الخاصة بالاسرة ورثاه فريق من الشعراء كالشيخ قاسم الملا والسيد محمد رضا الخطيب والشيخ عبد الحسين الحويزي وغيرهم.

184

الشيخ عبد الغنى الحر

المتوفى 1358

أنختُ بباب باب الله رحلي * * * محط رحال كل رجا وسؤلِ

وقد يممت بحر ندى وجود * * * ومعروفاً بمعروف وفضل

ولذت بظل كهف حمى حسين * * * لجى اللاجين في حرم وحِلّ

بنائله الظما يروى وروداً * * * وغيث نداه منهل كوبل

وفدت عليك يحدوني اشتياقي * * * وأحشائي بنار جواي تغلي

رجاءً أن تحط الثقل عني * * * فأنت القصد في تخفيف ثقلي

وغوثك فيه يكشف كل خطب * * * وغيثك فيه يخصب كل محل

وغفران الذنوب وكل وزر * * * بدا مني بقولٍ أو بفعلِ

ونصري يا ملاذ على الأعادي * * * وإعزازي على ما رام ذلّي (1)

الشيخ عبد الغني الحر المتوفى سنة 1358 ه‍. ترجم له البحاثة الطهراني في نقباء البشر فقال : هو الشيخ عبد الغني ابن الشيخ أحمد ابن الشيخ علي بن أحمد بن محمد بن محمود بن محمد الحر العاملي.

عالم فاضل وأديب شاعر. كان في النجف الأشرف من أهل العلم والفضلاء

____________

1 ـ عن مجموع خطي يحتوي على اربعين قصيدة كلها في رثاء الامام الحسين وأخيه العباس ابن علي (عليهم السلام) وهي بخط الناظم.

185

الأجلاء وكان على طريقة الاخيارية ، وهو شاعر مكثر لا سيما في مدح أهل البيت ورثائهم وهو سريع البديهة جداً وشعره متوسط ، طبع له ( منتظم الدرر في مدح الإمام المنتظر ) طبع بالمطبع الحيدرية بالنجف سنة 1339 ه‍. يحتوي على 72 صفحة. توفي يوم الثلاثاء منتصف محرم الحرام سنة 1358 ه‍. ودفن في الايوان الذهبي في الصحن العلوي الشريف. وله شعر كثير وله تخميس التائية الشهيرة لدعبل بن علي الخزاعي والتي أولها :

تجاوبن بالأرنان والزفرات * * * نوائح عجم اللفظ والنطقات

وله تخميس قصيدة السيد جعفر كمال الدين الحلي والتي أولها :

يا قمر التمّ إلى مَ السرار * * * ذاب محبّوك من الانتظار

ومن ذكرياتي عن المترجم له أني كنت أجتمع بجملة من اللبنانيين الأفاضل ورجال العلم في الاسبوع مرة في دار العلامة المرحوم الشيخ عبد الكريم الحر وهو صهر الشيخ المترجم له فكنا نقضي ساعات من الليل في الاستماع إلى شعره الذي كان يحفظه ويردده بانشودته ونبراته ولا أنسى أن كل ما ينظم ويقرأ هو في مدح حجة آل محمد صاحب العصر والزمان الحجة بن الحسن (سلام الله عليهما). أمّا ما رواه لي ولده العلامة الشيخ محمد الحر سلمه الله عن سيرة والده رحمه الله قال : كان لا يمرّ يوم من الأيام إلا ونظم من الشعر عشرات الأبيات وقد ألزم نفسه بنظم كل يوم قصيدة كاملة وملكته الشعرية وحافظته القوية وسرعة البديهة مضرب المثل ، يقول ما كنت أسمع بديوان شعر إلا واقتنيته وحفظت أكثره عنه أخدانه ومعاصروه كنا نقرأ عليه القصيدة الكاملة مرة واحدة فيحفظها ويقول ولده سلمه الله : أما الذي أدركته منه في أواخر عمره فقد قرأتُ عليه قصيدة تتكون من ستين بيتاً وهو يرغب أن يحفظها قال : إقرأ عليّ منها ثلاثين بيتاً فقط ، فقرأتُ فأعادها عليّ حفظاً ، ثم قرأت عليه ثلاثين بيتاً بعدها فأعادها عليّ حفظاً ، ويقول ولده ان مجموع ما نظمه لا يقل عن أربعة آلاف قصيدة وأكثرها في صاحب الأمر حجة آل

186

محمد وحدّث العلامة الجليل السيد عبد الرؤوف فضل الله أنه قد سمع من المرجع الديني الورع السيد عبد الهادي الشيرازي ; كان يتحدث عن المترجم له ويقول : إن ولاء الشيخ عبد الغني الحر وحبّه لآل محمد لو وزّع على جميع أهل البلد لما دخل أحد منهم النار.

وحدّث أحد تلاميذه عن سرعة البديهة وقوة الحافظة عند الشيخ الغني فقال : كان يدرّسنا رسائل الشيخ الأنصاري عن ظهر غيب وحفظ العبارة بنصّها ، كما كان يحفظ أحاديث الكتب الأربعة ويستظهرها تماماً كما كان يحفظ القرآن الكريم ونهج البلاغة ومقامات الحريري ومقامات بديع الزمان الهمداني. وعندما يتلو بعض الفصول يهتز لها إعجاباً بها ، واذكر صوته الجهوري مضافاً إلى بسطته في العلم والجسم ونقل لي ولده بعض الاكتشافات والتجليات والكرامات التي تدل على روحانيته وشدة ولائه وعقيدته ومنها يظهر إيمانه الراسخ بالفكرة والمبدأ.

187

السيد ناصر الاحسائي

المتوفى 1358

هذي مضاجع فهر أم مغانيها * * * أم السماء تجلت في معانيها

فحط رحل السرى فيها وحي بما * * * يجري من العين دانيها وقاصيها

ودع قلوصك فيها غير موثقة * * * وخلّ عنها عساها أن تحييها

ولا تلمها إذا ألوت معاطفها * * * يوماً لتقبيل باديها وخافيها

فما دهاك دهاها من أسى وجوى * * * وما دعاك لسكب الدمع داعيها

كلا كما ذو فؤاد بالهوى كلف * * * وأنتما شركا في ودّ مَن فيها

قوم على هامة العلياء قد بنيت * * * لهم بيوت تعالى الله بانيها

ومعشر للمعاني الغر قد شرعوا * * * طرقاً بأخلاقهم ما ضلّ ساريها

وأسره قد سمت كل الورى شرفاً * * * فلم يكن أحد فيه يدانيها

لووا عن العيش أعطافاً أبين لهم * * * مسّ الدنية تكريماً وتنزيها

فقاربت بين آجال لهم شيم * * * إذ المنايا طلاب العز يدنيها

رأوا حياتهم في بذل أنفسهم * * * في موقف فيه حفظ العز يحييها

ولا يعاب امرؤ يحمي مكارمه * * * بنفسه فهو حر حيث يحميها

في الهام أمست تغني بيضهم طرباً * * * وسمرهم تتثنى في الحشا تيها

والخيل من تحتهم فلك جرى بهم * * * في موج بحر دم والله مجريها

والنقع قام سماءً فوق أرؤسهم * * * آفاقها أظلمت منه نواحيها

لكن أجرامهم قامت بها شهباً * * * لولا ضياء شباها ضل ساريها

188

ترمي العدى بشواظ من صواعقها * * * فلا ترى مهرباً منه أعاديها

رووا بماء الطلا بيض الظبى ولهم * * * أحشاء ما ذاق طعم الماء ظاميها

حتى إذا ما أقام الدين واتضحت * * * آياته وسمت فيهم معانيها

وشيدوا للهدى ركناً به أمنت * * * أهل الرشاد فلا لافى مساعيها

وشاء أن يجزي الباري فعالهم * * * من الجزاء بأوفى ما يجازيها

دعاهم فاستجابوا إذ قضوا ظمأ * * * بأنفس لم تفارق أمر باريها

فصرعوا في الوغى يتلو مآثرهم * * * في كل آن مدى الأيام تاليها (1)

حجة الإسلام السيد ناصر الاحسائي ، مولده في الاحساء سنة 1291 ه‍. ووفاته سنة 1358 ه‍. نشأ نشأة صالحة وتربى على يد أبيه الفقيه الكبير ، وبعد وفاة أبيه هاجر إلى النجف الأشرف موطن العلم والعلماء وأكبر جامعة في الفقه فدرس على المرحوم الشيخ محمد طه نجف والشيخ محمود ذهب والشيخ هادي الطهراني ثم عاد إلى الاحساء مرشداً عالماً تقياً ورعاً ثم عاد إلى النجف مرة ثانية فدرس على الشيخ ملا كاظم الأخوند وشيخ الشريعة الأصفهاني والسيد أبو تراب ولما كثر الطلب عليه من أهالي الاحساء لحاجتهم اليه وجعلوا مراجع الطائفة وسائط له عاد ومكث بينهم يفيض من معارفه ويرشدهم إلى ما فيه صلاحهم حتى وافاه الأجل ليلة الاربعاء ثالث شهر شوال سنة 1358 ه‍.

تشرفت برؤية محياه الأنور واستمعت إلى حديثه الشهي وتزودت من نصائحه ومعارفه ، صباحته ونور أساريره يشهدان له بأنه من ذرية الرسول ومن حَمَلة علومهم ، مثالاً للورع والتقى والعبادة والزهادة كنتُ كلما ارتقيت الأعواد أصغى إلى بكله ويستجيد ويستحسن فضائل أهل البيت ومآثرهم ويرتاح لسماع مناقبهم ، يعظم الكبير والصغير ولا يستخف بأحد وأذكر أني فرغتُ

____________

1 ـ عن الذكرى التي قام بتأليفها الخطيب السيد محمد حسن الشخص.

189

من خطابي مرةً فجلست ـ وكان حديثي عن سيرة الإمام الصادق جعفر بن محمد (عليهما السلام). فقال السيد ; ما نصه :

ومن أقوال الإمام الصادق (عليه السلام) : العاقل لا يستخف بأحد وأحق من لا يستخف به ثلاثة : العالم والسلطان والإخوان فمن استخف بالعالم أفسد دينه ، ومن استخف بالسلطان أفسد دنياه ، ومن استخف بالإخوان أفسد مروأته. وكان موضع تجلّة واحترام من جميع الطبقات وكان لوفاته رنة حزن وأسف وقد أبّنته بقصيدة نشرت في ( الذكرى ) التي قام بطبعها وتحقيقها الخطيب الجرئ السيد محمد حسن الشخص سلمه الله وكان مطلع قصيدتي في رثائه :

نعى البرق رمز التقى والهدى * * * فقلنا لقد طاح ركن الهدى

ومن رثائه للامام الحسين (ع) :

كم قد تؤمل نفسي نيل منيتها * * * من المعالي وما ترجو من الاربِ

كما تؤمل أن تحظى برؤية من * * * يزيح عنها عظيم الضر والكرب

ويملأ الأرض عدلاً مثل ما ملئت * * * بالظلم والجور والابداع والكذب

يا غائباً لم تغب عنا عنايته * * * كالشمس يسترها داج من السحب

حتى مَ تقعد والإسلام قد نقضت * * * عهوده بسيوف الشرك والنصب

ويرتجيك القنا العسال تورده * * * من العداء دماءً فهو ذو سغب

والبيض تغمدها أعناق طائفة * * * منهم مواليك نالوا أعظم العطب

وتوعد الخيل يوماً فيه عثيرها * * * سحائب برقها من بارق القضب

تهمى بماء الطلا من كل ناحية * * * حتى تروي منه عاطش الثوب

فانهض فديتك ما في الصبر من ظفر * * * فقد يفوت به المطلوب ذا الطلب

أما أتاك حديث الطف إن به * * * آباءك الغر قاسوا أعظم النوب

غداة رامت أمي أن يروح لها * * * طوع اليمين أبيٌ واضح الحسب

ويركب الضيم مطبوع على همم * * * أمضى من السيف مطبوعاً من اللهب

190

فأقبلت بجنود لا عداد لها * * * تترى كسيل جرى من شامخ الهضب

من كل وغدٍ لئيم الأصل قد حملت * * * به العواهر لا ينمى إلى نسب

وكل رجس خبيث قد نماه إلى * * * شر الخلائق والأنساب شرأب

حتى تضايق منها الطف وامتلأت * * * رحابه بجيوش الشرك والنصب

فشمرت للوغى إذ ذاك طائفة * * * لم تدر غير المواضي والقنا الرطب

قوم هم القوم لم تفلل عزائمهم * * * في موقف فل فيه عزم كل أبي

من كل قرم كأن الشمس غرته * * * لو لم يحل بها خسف ولم تغب

وكل طود إذا ما هاج يوم وغى * * * فالوحش في فرح والموت في نصب

وكل ليث شرى لم ينج منه إذا * * * ما صال قرم باقدام ولا هرب

مشوا إلى الحرب من شوق لغايتها * * * مشي الظماة لورد البارد العذب

فأضرموها على الأعداء نار وغى * * * تأتي على كل من تلقاه بالعطب

وأرسلوها بميدان الوغى عرباً * * * كالبرق تختطف الأرواح بالرهب

وجردوها من الأغماد بيض ضباً * * * تطوي الجموع كطي السجل للكتب

وأشرعوها رماحاً ليس مركزها * * * سوى الصدور من الأعداء واللبب

صالوا فرادى على جمع العدى فغدت * * * صحاحه ذات كسر غير منأرب

وعاد ليلهم يمحونه بضبى * * * لا يتقى حدها بالبيض واليلب

حتى إذا ما قضوا حق العلا ووفوا * * * عهد الولى وحموا عن دين خير نبي

وجاهدوا في رضى الباري بأنفسهم * * * جهاد ملتمس للأجر محتسب

دعاهم القدر الجاري لما لهم * * * أعد من منزل في أشرف الرتب

فغودروا في الوغى ما بين منعفر * * * دامى ومنجدل بالبيض منتهب

ظامين من دمهم بيض الضبى نهلت * * * من بعد ما أنهلوها من دم النصب

لهفي لهم بالعرى أضحى يكفنهم * * * غادى الرياح بما يسفى من الترب

وفوق أطراف منصوب القنا لهم * * * مرفوعة أرؤس تعلو على الشهب

ونسوة المصطفى مذ عدن بعدهم * * * بين الملا قد بدت أسرى من الحجب

وسيّرت ثكلا أسرى تقاذفها * * * الأمصار تهدى على المهزول والنقب

191

ان تبكي اخوتها فالسوط واعظها * * * وفي كعوب القنا إن تدعهم تجب

وبينها السيد السجاد قد وثقت * * * رجلاه بالقيد يشكو نهشة القتب

يبكي على ما بها قد حلّ من نوب * * * وتبكي مما عليه حلّ من كرب

واحر قلباه أن تدعُ عشيرتها * * * غوث الصريخ وكهف الخائف السغب

تدع الأولى لم يحلّ الضيم ساحتهم * * * من لم يضع بينهم ندب لمنتدب

تدعوهم بفؤاد صيرته لظى الأحزان * * * ناراً فأذكى شعلة العتب

تقول ما لكم نمتم وقد شهرت * * * نساؤكم حسراً تدعو بخير أب

حتى متى في عناق الضيم همتكم * * * وللمواضي عناق الماجد الحسب

ونومكم في ظلال العز عن دمكم * * * والنوم تحت القنا أولى بكل أبي

ما أنتم أنتم إن لم يضق بكم * * * رحب الفضاء على المهرية العرب

وتوقدوها على الأعداء لاهبة * * * حتى يكون بها من أضعف الحطب

فكم لكم في قفار الأرض من فئة * * * صرعى ومن نسوة أسرى على القتب (1)

____________

1 ـ عن ذكرى السيد الاحسائي.

192

السيد مهدي الأعرجي

المتوفى 1359-

سقت ربعاً بسلع فالغميم * * * غوادي الدمع لا الغيث العميم

وقفتُ به أُجيل الطرف فيه * * * على تلك المعالم والرسوم

أُكلّمه وليس يردّ قولاً * * * فأصدر عنه في قلب كليم

فكم لي فيه من زمن تقضّى * * * بشرب سلافة وعناق ريم

بحيث العيش للأحباب رغدٌ * * * ووجه الأرض مخضرّ الأديم

وشمس الراح في يمنى هلال * * * يطوف بها على مثل النجوم

رشاً رقّت محاسنه فأضحى * * * يؤلم خدّه مرّ النسيم

فكم من ليلة مرّت علينا * * * إلى الاصباح وهو بها نديمي

أريه الدمع منثوراً إذا ما * * * أراني درّ مبسمه النظيم

أرخّم دمع عيني إذ أراه * * * كحيل الطرف كالظبي الرخيم

فياربع الأحبة طبت ربعاً * * * وطاب ثراكِ يا دار النعيم

محاك الدهر يا ربع التصابي * * * وخانك حادث الزمن المشوم

وفيك الدهر لم يحفظ ذمامي * * * لحاه الله من دهر ذميم

كما لم يرع للهادي ذماماً * * * بأهليه ذوي الشرف القديم

رماهم بالخطوب فمن شريد * * * نأى عمّن يحب ومن سميم

ومقتول بجنب النهر ظام * * * سليب الثوب مسبيّ الحريم

193

تساق نساه أسرى من ظلوم * * * على عجف النياق إلى ظلوم

تحفّ بها العداة فمن لئيم * * * يعنّفها وأفّاكٍ أثيم

وإن يبكي اليتيم أباه شجواً * * * مسحن سياطهم رأس اليتيم

وليس لها حميّ يوم سارت * * * يلاحظها سوى مضنى سقيم

براه السقم حتى صار مما * * * به سقماً يميل مع النسيم

ورأس ابن النبي على قناةٍ * * * يرتّلُ آي أصحاب الرقيم

وينذر في النهار القوم وعظاً * * * ويهدي الركب في الليل البهيم

فلم أرَ قبله بدراً تجلّى * * * له برج من الرمح القويم

وأعظم ما تسحّ له المآقي * * * بدمع دونه وكف الغيوم

وقوف بنات خير الخلق طراً * * * أمام طليقها الرجس الزنيم

السيد مهدي الأعرجي ابن السيد راضي ابن السيد حسين ابن السيد علي الحسيني الأعرجي البغدادي. ولد السيد مهدي في النجف الأشرف سنة 1322 ه‍. درس فن الخطابة على خاله الخطيب الشهير الشيخ قاسم الحلي زاول نظم الشعر وعمره أربعة عشر سنة. وأول قصيدة نظمها هي قصيدته في رثاء الإمام الحسن السبط (ع).

قضى الزكي فنوحوا يا محبيه * * * وابكوا عليه فذى الأملاك تبكيه

درس العربية والعروض على العلامة الكبير شيخ الأدب السيد رضا الهندي ;. توفي السيد مهدي سنة 1359 ه‍. غريقاً بشطّ الفرات في الحلة يوم الخامس من شهر رجب. جمع ديوانه شقيقه الخطيب السيد حبيب وتزيد صفحاته على الثلثمائة وله مخطوطات كتبها بيده وخطه الجميل في المراسلات والتواريخ وغيرها وأرجوزة في تواريخ المعصومين أكبر من أرجوزة الشيخ الحر العاملي ، أصيب بانحلال في الأعصاب تعتريه غفوات مع سكتة لكنه يقظ

194

حي الشعور ، فطن يقوم بواجبه أحسن قيام متدين ورع لم يعبأ بالعسر الذي لازمه وألح عليه ومن شعره في ذلك :

وكأن دهري سيبويه فكم له * * * بالعالمين تحرك وسكون

وكأنني إسم مضاف دائماً * * * ودراهمي بين الورى تنوين

أتصوره جيداً وأتمثله نصب عيني ، طيب القلب إلى أبعد حدود الطيب ولم يك في البشر ممن رآه ولم يهواه ويحبه لصفائه إذ هو لا يستخف بأحد ولا يحقد على مخلوق مازحته مرة وأكثرت فتألم وتبرّم وفي لقاء آخر إعتذرت اليه فأجابني : أنا راضي بن راضي. لأن أباه هو السيد راضي الأعرجي ، وداعبه الشيخ ضياء الدخيلي فاستاء منه وارتجل :

طبعي يقول بأني * * * أمجّ كل ثقيل

وقد يهون ثقيل * * * إلا ضياء الدخيل

كانت محافل الأدب مستمرة في النجف فلا يكاد يقترن أحد الادباء إلا وتقام له المحافل الشعرية كل يوم عصراً لمدة ربما استمرت شهراً واحداً أو أكثر لذا تجد الكثير من الأدباء يحتفظ بمجموع أدبي شعري وكان الأعرجي خصب القريحة يشارك في أكثر الحلبات مجلٍّ في مواقفه ومن مميزاته سرعة البديهة والقدرة على نظم الشعر بسرعة فإذا طالبته بنظم قصيدة إعتزل ساعة ثم أخذ يطبق جفنيه ويفتحهما ويكتب ، وكثيراً ما يسبق شعوره قلمه. لقد رويت للأخ الخاقاني مرة عن نبوغ هذا الشاعر وسجّل ما رويت له في شعراء الغري.

ذلك أن جلس مرة في الصحن العلوي وجلس إليه الشاعر محمود الحبوبي وجواد قسّام ومَن لا يحضرني اسمه وذلك في فصل الربيع ففاجأتنا غمامة بعزاليها فالتجأنا إلى إحدى غرف الصحن فاقترح أحدهم أن يشترك الجميع بنظم قطعة بوصف الغيث وقال : هطل السحاب على الربى ملثانا فأجازه السيد الأعرجي بقوله : فغدت حبال المحل منه رثاثا

195

وقال أحدهم : أنظر إلى لطف الكريم ومنّه * * * فقال : يوليك غيثاها جلاً وغياثا

وقالوا : الأرض تبسم والزهو تضاحكت * * * فقال : فكأن ذي عطشى وتلك غراثا

وهكذا استمرّ حتى تضاحكوا وشهدوا له بالتفوق. وحضرت معه في مجلس وكان يقرأ احد الحاضرين موضوعاً للمنفلوطي مصطفى في كتابه ( النظرات ) وعنوان المقال ( الغد ) وعندما فرغ أخذ السيد الأعرجي مضمون المقال وحوّله إلى شعر فقال :

يا ناسج الرداء أنت آمنٌ * * * من أن يكون كفناً لك الردا

ولابس الثوب لتختال به * * * قل لي متى أمنتَ نزعه غدا

...

يا صاح إن المرء لا يعلم ما * * * يجيء فيه غده كأمسه

من داره يخرج لا يدرى إلى * * * العتبة أم إلى شفير رمسه (1)

ويغرس البستان لا علم له * * * أن لا يكون آكلاً من غرسه

ويجمع المال ولكن كله * * * يكون بعده لزوج عرسه

...

كانني بالغد وهو رابضٌ * * * ينظر بالهزء إلى آمالنا

يرى على الدنيا تكالباً لنا * * * فينثني يضحك من أحوالنا

ثم يرانا لم نزل في غفلة * * * ليس نفيق قط من إغفالنا

فينثني يصفق راح كفه * * * تعجباً للسوء من أفعالنا

____________

1 ـ إذ أن من قول المنفلوطي : لقد غمض الغد عن العقول حتى لو أن انساناً رفع قدمه ليضعها في خروجه من باب قصره لا يدري أيضعها على عتبة القصر أم على حافة القبر.

196

كم مُمتلٍ من الغنى في يومه * * * أصبح في غد فقيرا مملقا

وكم وضيع لم يكد يعرف في * * * الناس إلى أوج الثريا حلّقا

وكم أناس جمع اليوم لهم * * * شملاً فأضحى في غد مفترقا

هذا هو الدهر تراه تارةً * * * مغرّباً وتارةً مشرقا

وفي حفلة أدبية بمناسبة قران أحد الأدباء تقدم الاستاذ ابراهيم الوائلي في داره الواقعة في النجف محلة الحويش ينشدنا عصراً قصيدته التي يتحامل بها على القديم وتقاليد الآباء ويسخر من اللحية فيقول :

قالوا اللحى قلت احلقوها إنها * * * هي للمدلّس صرام وسنانُ

وفي اليوم الثاني يطلع السيد الأعرجي بقصيدته التي أولها :

كم بالتمدن تملأ الأشداق * * * ولدى الحقيقة ما له مصداق

قد أجحفوا بحقوق شعبهم كما * * * بلحاهُم قد أجحف الحلاق

ويشفعها برائعته المطربة وينشدها الخطيب خضر القزويني وأولها :

في ذمة التمدن الكاذب * * * حلقك للحية والشارب

وللسيد الأعرجي ظرف وخفة روح بالرغم من الجهمة التي لا تفارق محياه فلا تكاد تفوته النادرة والنكتة ، فقد دار الحديث مرة عن البلهاء والمغفلين فروى لنا أن أحدهم كان يدير بمسبحته ويذكر الله ويريد أن يقول في الجزء الأول الله أكبر ، وفي الجزء الثاني : سبحان الله ، وفي الجزء الثالث : الحمد لله ولكنه غفل في الجزء الثاني وضلّ يردد سبحان الله ثم انتبه فأراد أن يسترجع الزائد فجعل يقول : لا سبحان الله ، لا سبحان الله ولنستمع إلى ترانيمه المطربة وغزله الرقيق من قصيدة :

بات على غنا الهزار في السحر * * * يصفق النهر ويرقص الشجر

وبات ثغر الاقحوان باسماً * * * والنرجس الغض يحدّه النظر

والليل بحر والهلال زورق * * * والنجم قد طفى عليه كالدرر

أو أنه ملك من الزنج أتى * * * وعرشه الجوّ وتاجه القمر

197

وقال يداعب الخطيب خضر القزويني :

يا خضر أنت خليلي في الأنام كما * * * أنت المؤمل للمعروف من بعدي

تُرى معي كل آن في ملازمة * * * والخضر ليس يرى إلا مع المهدي

وكتب للحجة الكبير الشيخ هادي ابن الشيخ عباس كاشف الغطاء يطلب منه ( سبيلا ) وهو ما يشرب به التبغ :

يا بن عباس همومي كثرت * * * في الحشى حتى غدا القلب عليلا

فأنا التائه في سبل الهوى * * * فاهدني ـ يا هادي الناس ـ سبيلا

وكتب للأديب العلامة السيد أحمد السيد رضا الهندي :

أأحمد يا ابن خير الخلق طراً * * * ومن كان الحريّ بكل مجد

لئن لُقّبتَ بالهندي فينا * * * فإن السيف يقطع وهو هندي

فأجابه :

أَمهديَّ الورى أطريت وصفي * * * فكنتَ به جدير الذكر عندي

لئن ضلّ الورى سنن المعالي * * * فإنك يا ابن خير الخلق مهدي

وقال في وردة بيد صديق :

وزهرة طيبها من طيب صاحبها * * * تفوح كالعنبر المسحوق بالطيب

من طبعه اكتسبت نشراً لصحبته * * * والطبع مكتسب من كل مصحوب

ولأن الأعرجي لا يرتضي من الشعر إلا ما كان منبعثاً عن الشعور ، فيندفع قائلاً :

ما الشعر إلا شعور * * * تجيش فيه العواطف

وخيره ما تراه * * * عن الحقيقة كاشف

ومن ألطف ما أروي له تاريخ وفاة الخطيب المحبوب الشيخ محمد حسين الفيخراني وقد توفاه الله ببغداد على أثر عملية جراحية.

198

مات في الكرخ حسين * * * نائي الدار كئيب

فابكه واندب وأرخ * * * واحسين واغريب

وأرخ عام سحب الماء للنجف على نفقة معين التجار وصديقه رئيس التجار سنة 1343 ه‍.

أجرى المعين من الرئيس عليهما * * * كل الثنا ماء الفرات إلى الغري

فأقام طير البشر فيه مؤرخاً * * * ان المعين له معين الكوثرِ

وإلى جنب إعجابي به فإن لي عليه مؤاخذات لا أودّ ذكرها ومن تلك المؤاخذات قوله كما رواه الخاقاني في شعراء الغري :

زار يختال كغصن * * * في الصَبا إذ يتحرك

فافتضحنا بسناه * * * يا جميل الستر سترك

والمعنى للشيخ البهائي كما روى الشيخ علي كاشف الغطاء في الجزء الرابع من مخطوطه ( سمير الحاظر وأنيس المسافر ) ص 308 :

زارني ليلاً فبتنا * * * في ظلام ليس يدرك

وأدرنا الكاس حتى * * * كادت الحشمة تترك

فأتى الواشي فقلنا * * * يا جميل الستر سترك

أما ولاؤه لأهل البيت وتفانيه في حبّهم فهو من ألمع ميزاته ولا زلت أتمثله في المآتم الحسينية يجهش بالبكاء وقد أفنى عمره في خدمة المنبر الحسيني وهذه روائعه ومراثيه تذيب الصخر إذ أنها تنصبّ من منبع الألم والثكل وقلب مكلوم.

ومقتول بجنب النهر ظام * * * سليب الثوب مسبيّ الحريم

تساق نساه أسرى من ظلوم * * * على عجف النياق إلى ظلوم

وإن يبكي اليتيم أباه شجواً * * * مسحن سياطهم رأس اليتيم

199

وإلى جانب هذه الموهبة بالفصحى فهو ذا ملكة قوية بالنظم باللغة الدارجة متفنن فيها ففي الموال والأبوذية والشعر الدارج لا يُجارى وهناك ميزة يتفرّد بها وهي قدرته على نظم الهزل فكان في شهر ربيع الأول يوم الرابع عشر منه وهو يوم هلاك يزيد بن معاوية يسمعنا من نظمه ما يضحك الثكلى فهناك اصطلاحات تختص بها الأقطار والأمصار والبلدان وترى البعض ينتقد البعض ويضحك منها فهو ينظمها ثم ينوّع القصيدة فبيت بالفارسية وآخر بالتركية وثالث بالكردية ورابع بالهندية ومصطلحات الشرقي والغربي وهكذا ، وهذا مما يكاد ينفرد به :

ومن حسينياته :

ما بال فهر أغفلت أوتارها * * * هلا تثير وغى فتدرك ثارها

أغفت على الضيم الجفون وضيعت * * * يا للحمية عزها وفخارها

عجباً لها هدأت وتلك أمية * * * قتلت سراة قبيلها وخيارها

عجباً لها هدأت وتلك نساؤها * * * بالطف قد هتك العدى أستارها

من كل ثاكلة تناهب قلبها * * * كف الأسى ويد العدو خمارها

لهفي لها بعد التحجب أصبحت * * * حسرى تقاسي ذلها وصغارها

تدعو أمير المؤمنين بمهجة * * * فيها الرزية أنشبت أظفارها

أبتاه يا مردي الفوارس في الوغى * * * ومبيد جحفلها ومخمد نارها

قم وانظر ابنك في العراء وجسمه * * * جعلته خيل أمية مضمارها

ثار تغسله الدماء بفيضها * * * عار تكفنه الرياح غبارها

وخيول حرب منه رضت أضلعاً * * * فيها النبوة أودعت أسرارها

وبيوت قدس من جلالة قدرها * * * كانت ملائكة السما زوّارها

يقف الأمين ببابها مستأذناً * * * ومقبلاً أعتابها وجدارها

أضحت عليها آل حرب عنوة * * * في يوم عاشورا تشن مغارها

200

كم طفلة ذعرت وكم محجوبة * * * برزت وقد سلب العدو أزارها

ويتيمة صاغ القطيع لها سواراً * * * عندما بز العدو سوارها

أين الكماة الصيد من عمرو العلي * * * عنها فترخص دونها أعمارها

أين الكماة الصيد من عمرو العلي * * * لتثير للحرب العوان غبارها

وله من التخاميس والتشاطير شيء كثير وقد أثبتّ في مؤلفي ( سوانح الأفكار ) جملة من ذلك ، حتى أنه خمّس بعض القصائد بكاملها ومنها قصيدة السيد جعفر الحلي الحسينية وأولها :

وجه الصباح عليّ ليلٌ مظلم * * * وربيع أيامي عليّ محرم

وهي 75 بيتاً. كما روي لي من نظمه تخميس ميمية السيد حيدر الحلي التي أولها :

إن لم أقف حيث جيش الموت يزدحم * * * فلا مشت بي في طرق العلا قدم

وروي لي من نظمه تخميسه بيتين للسيد رضا الهندي في وداع زينب الكبرى لجثة أخيها الحسين (ع) :

مرّت بهم زينب لما نووا سفرا * * * بها العدى فأطالت منهم نظرا

ومذ رأت صنوها في الترب منعفرا * * * همّت لتقضيَ من توديعه وطرا

وقد أبى سوط شمر أن تودعه

إذا دنت منه سوط الشمر أرجعها * * * ورمح زجر متى تبكيه قنّعها

فلم تودّع محاميها ومفزعها * * * ففارقته ولكن رأسه معها

وغاب عنها ولكن قلبها معه

ومن روائعه في الولاء قوله في الشهيد مسلم بن عقيل :

يكفيك يا ابن عقيل فخراً في الورى * * * فيه سموت إلى السماك الأعزل

إذ في رسالته الحسين لك ارتضى * * * حيث الرسول يكون عقل المرسل