أدب الطّف أو شعراء الحسين عليه السلام - ج9

- السيد جواد شبر المزيد...
366 /
251

وما قال في أمر الإمامة أحمد * * * وأن سيليها اثنان بعدهما عشر

فقد كاد أن يرويه كل محدث * * * وما كاد يخلو من تواتره سفر

وفي جلّها أن المطيع لأمرهم * * * سينجو إذا ما حاق في غيره المكر

ففي أهل بيتي فلك نوح دلالة * * * على من عناهم بالإمامة يا حبر

فمن شاء توفيق النصوص وجمعها * * * أصاب وبالتوفيق شُدّ له أزر

وأصبح ذا جزم بنصب ولاتنا * * * لرفع العمى عنا بهم يجبر الكسر

وآخرهم هذا الذي قلت أنه * * * ( تنازع فيه الناس والتبس الأمر )

وقولك ان الوقت داع لمثله * * * إذا صحّ لم لا ذبّ عن لبّه القشر

وقولك ان الإختفاء مخافة * * * من القتل شيء لا يجوّزه الحجر

فقل لي لماذا غاب في الغار أحمد * * * وصاحبه الصديق إذ حسُن الحذر

ولِم أُمرت امّ الكليم بقذفه * * * إلى نيل مصر حين ضاقت بها مصر

وكم من رسول خاف اعداه فاختفى * * * وكم انبياء من اعاديهم فرّوا

( أيعجز رب الخلق عن نصر حزبه * * * على غيرهم كلا فهذا هو الكفر )

وهل شاركوه في الذي قلت انه * * * يؤول الى جبن الإمام وينجرّ

فقل فيه ما قد قلت فيهم فكلهم * * * على ما أراد الله أهؤاؤهم قصر

وإظهار أمر الله من قبل وقته * * * المؤجل لم يوعد على مثله النصر

وإن تسترب فيه لطول بقائه * * * أجابك إدريس والياس والخضر

ومكث نبي الله نوح بقومه * * * كذا نوم أهل الكهف نصّ به الذكر

وإني لأرجو أن يحين ظهوره * * * لينتشر المعروف في الناس والبر

ويحيى به قطر الحيا ميّت الثرى * * * فتضحك من بشر إذا ما بكا القطر

فتخضرّ من وكّاف نائل كفه * * * ويمطرها فيض النجيع فتحمرّ

ويطهر وجه الأرض من كل مأتم * * * ورجس فلا يبقى عليها دم هدر

وتشقى به أعناق قوم تطاولت * * * فتأخذ منها حظها البيض والسمر

252

وخذه جواباً شافياً لك كافياً * * * معانيه آيات وألفاظه سحر

وماهو إن انصفته قول شاعر * * * ولكنه عقد تحلّى به الشعر

ولو شئت إحصاء الأدلة كلها * * * عليك لكل النظم عن ذاك والنثر

وفي بعض ما أسمعته لك مقنع * * * إذا لم يكن في اذن سامعه وقر

وان عاد إشكال فعد قائلاً لنا * * * ( أيا علماء العصر يا من لهم خبر )

ومن اشعاره حيث يطلب الرحمة من الله يوم النشور فيقول :

إلهي إذا أحضرتني ونشرت لي * * * صحائف لاتبقى علي ولا تذر

فقل لا تعدّوه وان كان حاضراً * * * فقد كان عبدي لا يعد إذا حضر

ومن اشعاره :

أرى الكون أضحى نوره يتوقد * * * لأمر به نيران فارس تخمد

وإيوان كسرى انشق أعلاه مؤذناً * * * بأن بناء الدين عاد يشيد

أرى امّ الشرك أضحت عقيمةً * * * فهل حان من خير النبيين مولد

نعم كاد يستولي الضلال على الورى * * * فأقبل يهدي العالمين ( محمد )

نبي براه الله نوراً بعرشه * * * وما كان شيء في الخليقة يوجد

وأودعه من بعد في صلب آدم * * * ليسترشد الضلال فيه ويهتدوا

ولو لم يكن في صلب آدم مودعاً * * * لما قال قدماً للملائكة اسجدوا

له الصدر بين الأنبياء وقبلهم * * * على رأسه تاج النبوة يعقد

لأن سبقوه بالمجئ فأنما * * * أتوا ليبثوا أمره ويمهدوا

رسول له قد سخّر الكون ربه * * * وأيده فهو الرسول المؤيد

ووحده بالعز بين عباده * * * ليجروا على منهاجه ويوحّدوا

وقارن ما بين اسمه واسم أحمد * * * فجاحده لاشك لله يجحد

ومن كان بالتوحيد لله شاهداً * * * فذاك ( لطه ) بالرسالة يشهد

ولولاه ما قلنا ولاقال قائل * * * لما لك يوم الدين أياك نعبد

253

ولا أصبحت أوثانهم وهي التي * * * لها سجدوا تهوي خشوعاً وتسجد

لآمنة البشرى مدى الدهر إذ غدت * * * وفي حجرها خير النبيين يولد

به بشر الانجيل والصحف قبله * * * وان حاول الاخفاء للحق ملحد

بسينا دعا موسى وساعير مبعث * * * لعيسى ومن فاران جاء محمد

فمن أرض قيذار تجلّى وبعدها * * * لسكان سلع عاد والعود أحمد

فسل سفر شعيا ماهتافهم الذي * * * به أمروا أن يهتفوا ويمجّدوا

ومن وعد الرحمن موسى ببعثه * * * وهيهات للرحمن يخلف موعد

وسل من عنى عيسى المسيح بقوله * * * سأنزله نحو الورى حين أصعد

لعمرك أن الحق أبيض ناصع * * * ولكنما حظ ( المعاند ) أسود

أيخلد نحو الأرض متّبع الهوى * * * وعما قليل في جهنم يخلد

ولولا الهوى المغوي لما مال عاقل * * * عن الحق يوماُ كيف والعقل مرشد

ولا كان أصناف النصارى تنصروا * * * حديثاً ولا كان اليهود تهودوا

أبا القاسم أصدع بالرسالة منذراً * * * فسيفك عن هام العدى ليس يغمد

ولاتخشى من كيد الأعادي وبأسهم * * * فإنّ ( علياً ) بالحسام مقلد

أيحذر من كيد المضلّين من له * * * ( أبو طالب ) حام وحيدر مسعد

علي يد الهادي يصول بها وكم * * * لوالده الزاكي على أحمد يد

وهاجر بالزهراء عن أرض مكة * * * وخلّ ( علياً ) في فراشك يرقد

عليك سلام الله يا خير مرسل * * * اليه حديث العز والمجد يسند

حباك إله العرش منه بمعجز * * * تبيد الليالي وهو باق مؤبّد

دعوت قريشاً أن يجيئوا بمثله * * * فما نطقوا والصمت بالعيّ يشهد

وكم قد وعاه منهم ذو بلاغة * * * فأصبح مبهوتاً يقوم ويقعد

وجئت إلى أهل الحجى بشريعة * * * صفا لهم من مائها العذب مورد

شريعة حق ان تقادم عهدها * * * فما زال معنى حسنها يتجدد

عليك سلام الله ما قام عابد * * * بجنح الدجى يدعو وما دام معبد

254

أما قصائده الحسينية التي تتكرر في المحافل والتي تتردد على كل لسان من خطباء وغيرهم فهذه مطالعها :

1 ـ كيف يصحو لما تقول اللواحي * * * مَن سقته الهموم أنكد راح

2 ـ أيّان تنجز لي يا دهر ما تعد * * * قد عشّرت فيك آمالي ولا تلد

3 ـ أو بعدما ابيضّ القذال وشابا * * * أصبو لوصل الغيد أو أتصابى

4 ـ إن كان عندك عبرة تجريها * * * فأنزل بأرض الطف كي نسقيها

5 ـ يا دمع سح بوبلك الهتن * * * لتحول بين الجفن والوسن

أما الرائعة التي ختم بها حياته وطلب أن تكون معه في قبره فهي هذه القطعة الوعظية :

أرى عمري مؤذناً بالذهاب * * * تمرّ لياليه مرّ السحاب

وتفجأني بيض أيامه * * * فتسلخ مني سواد الشباب

فمن لي إذا حان مني الحمام * * * ولم أستطع منه دفعاً لما بي

ومن لي إذا قلبتني الأكف * * * وجردني غاسلي من ثيابي

ومن لي إذا سرت فوق السرير * * * وشيل سريري فوق الرقاب

ومن لي إذا ما هجرت الديار * * * وعوضت عنها بدار الخراب

ومن لي إذا آب أهل الودا * * * دعني وقد يئسوا من ايابي

ومن لي إذا منكر جد في * * * سؤالي فأذهلني عن جوابي

ومن لي إذا درست رمتي * * * وأبلى عظامي عفر التراب

ومن لي إذا قام يوم النشور * * * وقمت بلا حجة للحساب

ومن لي إذا ناولوني الكتاب * * * ولم أدرِ ماذا أرى في كتابي

ومن لي إذا امتازت الفرقتان * * * أهل النعيم وأهل العذاب

وكيف يعاملني ذو الجلال * * * فأعرف كيف يكون انقلابي

أباللطف وهو الغفور الرحيم * * * أم العدل وهو شديد العقاب

255

ويا ليت شعري إذا سامني * * * بذنبي وواخذني باكتسابي

فهل تحرق النار عيناً بكت * * * لرزء القتيل بسيف الضبابي

وهل تحرق النار رجلاً مشت * * * إلى حرم منه سامى القباب

وهل تحرق النار قلباً أُذيب * * * بلوعة نيران ذاك المصاب

كانت وفاته بالمشخاب فجأة بالسكتة القلبية وذلك بعد ظهر يوم الاربعاء 22 جمادى الأولى سنة 1362 ه‍. المصادف 26 مارس سنة 1943 م. وحمل جثمانه على الأعناق إلى قضاء أبي صخير فالنجف في صبيحة اليوم الثاني وكان يوماً مشهوداً حتى دفن بمقبرة الاسرة الخاصة ، وأقام زعيم الحوزة الدينية السيد أبو الحسن الفاتحة على روحه في مسجد الشيخ الانصاري بالقرب من دار الفقيد وكنت أقوم بتأبينه في الأيام الثلاثة التي عقدت بها على روحه الفاتحة.

وللسيد رضا الهندي نتف نوادر تكتب بمداد من نور ، فمنها هذان البيتان وقد كتبهما بمداد أحمر في صدر كتاب :

إذا جرى أحمراً حبري فليس لما * * * أني حبست سواد العين عن قلمي

لكن لأخبر كم أن الفراق نضا * * * عليّ أسيافه حتى أراق دمي

وقال متضمناً :

غير موصوف لكم ما نالنا * * * فصفوا لي بعدنا ما نالكم

وأرعووا العهد الذي ما بيننا * * * واذكرونا مثل ذكرانا لكم

وكتب إلى أحد الأفاضل وكان قد وعده بزجاجة عطر :

أبا الفضل يا من غدت في الورى * * * نوافح أخلاقه نافحه

وعدت بشيشة عطر ولا * * * أشمّ لوعدك من رائحه

وقال :

غزا مهجتي بصفاح اللحاظ * * * ولوعٌ بظلمي لا يصفحُ

ولم أر من قبل أجفانه * * * جنوداً إذا انكسرت تفتح

256

ومن براعته الشعرية النادرة الأدبية وذلك أن بعض الادباء كتب اليه :

لأن فارقتكم جسماً فاني * * * تركت لديكم قلبي رهينا

سلوت حشاشتي أن أسلُ منكم * * * شموس هدايتي دنيا ودينا

فقال السيد ملحقاً متضمناً كل شطر منهما بكلمات في أول البيت وآخره بحيث يكون بيتاً من بحر الكامل وهو مما لم يعهد لغيره مثل ذلك :

قسماً بمجدك ( لأن فارقتكم * * * جسماً فإني ) لا أزال متيما

ولأن بقيت ( فلقد تركت لديكم * * * قلبي رهينا ) للصبابة مغرما

هيهات أسلوكم ( سلوت حشاشتي * * * إن أسلُ منكم ) عهدنا المتقدما

كم حين غبتم يا ( شموس هدايتي * * * دنياً وديناً ) بتّ أرعى الأنجما

وقال ملغزاً في القلم :

ما رهيف إذا أسروا اليه * * * بعض أمر لم يستطع كتمانه

قد جزاهم عن الاساءة لما * * * قطعوا رأسه وشقّوا لسانه

وقال في الدواة :

ما أداة عجماء لكن روت لي * * * من حديث القرون ما قد تقادم

راضع من لُبانها فارسيٌ * * * آدم اللون ليس ينميه آدم

مستمدّ من درّها كلما قال * * * ( بده ) قلب درّها قال ( دادم ) (1)

لم يزل ساعياً على الراس يمشي * * * إن سعى بان فيه شجٌ بلا دم

وقال ملغزاً في ابريق الشاي والمسمى ب‍ ( قوري ) :

ما آلة ان تشك نفسي علّةً * * * أو غلة يوماً ففيها طبّها

في قلبها ما يشتهيه من المنى * * * قلبي فليس ( يروق ) إلا قلبها

فإذا عكسنا الأحرف من ( يروق ) تكون ( قوري )

____________

1 ـ بده : أي أعطني. دادم : أي أعطيتك باللغة الفارسية.

257

ورأيت في الجزء الرابع من ( سمير الحاظر وأنيس المسافر ) مخطوط العلامة الشيخ علي كاشف الغطاء ـ ص 242 قال : حلّ عندنا في ( البصيرة ) جناب السيد رضا الموسوي الهندي فقال :

نزلنا في البصيرة عند مولى * * * سما الجوزاء بالفخر الجليّ

فقل للدهر كفّ أذاك عني * * * فإني قد نزلت حمي عليّ

ومن رقيق غزله قوله وذلك عام 1344 ه‍.

يا نديمي وللشراب حقوقٌ * * * عاجز عن أدائها المتواني

اترع الكأس خمرة واسقنيها * * * وابتدر للصبوح قبل الأذانِ

عاطنيها حتى تثقّل بالسكر * * * لساني فلا أقول : كفاني

فالصبا هبّ والقماريّ غنّت * * * بفنون الغنا على الأفنان

وحبانا بوصله قمر يصبو * * * إلى حسن وجهه القمران

يوسفيٌ له بديع معان * * * ضاق عن وصفها نطاق البيان

وقال :

مدّ الربيع مطارف الزهر * * * وكسى الصعيد بسندس خضر

فترى السحاب يطيل عبرته * * * وترى الأقاحي باسم الثغر

وحدّث ولده الأديب الشاعر السيد أحمد قال : اقترح أحد الادباء تشطير بيتين لأبي نؤاس فشطرهما جماعة من الشعراء ومرّ السيد الوالد فطللب منه النظر في هذه المسابقة فجلس عند أقرب مكان واقف إلى جنبه ونظر فيها فلم تعجبه ثم ارتجل مشطراً وذلك في سنة 1344 ه‍.

( ورايته في الطرس يكتب مرة ) * * * فيكاد يزهو الطرس من إعجابه

وتباهت الكلمات حيث يخطّها * * * ( غلطاً فيمحو خطّه برضابه )

( فوددت لو أني أكون صحيفة ) * * * ليعيد لي رمقي بشمّ خضابه

ووددت أني أحرف قدخطّها * * * ( ووددت أن لا يهتدي لصوابه )

258

ومن نوادره أيضاً قوله :

بما حوَت أعينُكَ السودُ * * * أيقنتُ أن الله موجودُ

يا مُتقنَ الصنعة ما لي سوى * * * مُتقنِ هذا الصنع معبودُ

دخلتُ في حبك طوعاً ، فهل * * * من رجعةٍ ، والبابُ مسدودُ

ردّ فؤاداً عبتَه بالجفا * * * والهجر ، ( والمعيوب مردودُ )!

دخل رحمه الله إلى مقبرة السيد نور الياسري ; وبعد قراءة الفاتحة رأى صورة الفقيد على الجدار فارتجل :

النور لا يخفى وإن طمع العدى * * * جهلاً بأن ترخي عليه ستور

انظر إلى هذا المثال فكل ذي * * * بصرٍ يراه يقول هذا ( نور )

ومن تواريخه قوله في المرحوم السيد حسين ابن السيد مهدي القزويني المتوفى سنة 1325 ه‍. والتاريخ من قصيدة :

عذرتك إذ ينهل دمعك جاريا * * * لمثل حسين فأبك إن كنت باكيا

سأبكي حسيناً ثاوياً في ثرى الحمى * * * بكائي حسيناً في ثرى الطف ثاويا

وأبكي حسيناً في قميصيه مدرجا * * * بكائي حسيناً من قميصيه عاريا

ويا قلمي أمسك فقد أبرم القضا * * * وأرخ عظيم بالحسين مصابيا

259

أغا رضا الأصفهاني

المتوفى 1362 (*)

في الدار بين الغميم والسند * * * أيام وصل مضت ولم تعد

ضاع بها القلب وهي آهلة * * * وضاع مذ أقفرت بها جلدي

جرى علينا جور الزمان كما * * * من قبلها قد جرى على لُبد

طال عنائي بين الرسوم وهل * * * للحرّ غير العناء والنكد

ألا ترى ابن النبي مضطهداً * * * في الطف أضحى لشر مضطهد

يوم بقي ابن النبي منفرداً * * * وهو من العزم غير منفرد

بماضي سيفه ومقوله * * * فرق بين الضلال والرشد

لما قعدتم عن نصر دينكم * * * وآل شمل الهدى إلى البدد

بقائم السيف قمت أنصره * * * مقوماً ما دهاه من أود

ولست أعطي مقادة بيدي * * * وقائم السيف ثابت بيدي

واليوم وصل الحبيب موعده * * * فكيف أرضى تأخيره لغد

واصنع اليوم في الطفوف كما * * * صنعت في خيبر وفي أحد

أفديه من وارد حياض ردى * * * على ظمأ للفرات لم يرد

فيا مطايا الآمال واخدة * * * قفي وبعد الحسين لا تخدي

ويا جفون العدى الا اغتمضي * * * فطالما قد كحلت بالسهد

____________

* ـ الحصون المنيعة ج 1 / 489 مكتبة كاشف الغطاء ـ قسم المخطوطات.

260

الشيخ أبو المجد الآقا رضا ابن الشيخ محمد حسين ابن الشيخ محمد باقر ابن الشيخ محمد تقي صاحب حاشية المعالم الأصفهاني النجفي. ولد في النجف في 20 محرم الحرام سنة 1287 ه‍. وتوفي بأصفهان سنة 1362 ه‍. وأقام له مجلس الفاتحة السيد أبو الحسن الأصفهاني في النجف ، درس على السيد كاظم اليزدي والشيخ ملا كاظم الخراساني ودرس العلوم الرياضية بأجمعها على الميرزا حبيب الله العراقي ، وكانت له صداقة مع الشاعر السيد جعفر الحلي وله مساجلات ومطارحات مع شعراء عصره كالسيد ابراهيم الطباطبائي والشيخ جواد الشبيبي.

ومن مؤلفاته نقض فلسفة داروين في مجلدين مطبوع وملفاته تزيد على 16 مؤلفاً ، ترجم له صاحب ( الحصون ) وقال في بعض ما قال : فهو سلمه الله عالم فاضل فقيه اصولي رياضي فلسفي شاعر ناثر وهو حي موجود ، وفي هذه السنة وهي سنة 1333 ه‍. رجع قافلاً إلى أصفهان بسبب اغتشاش العراق ، وهو أحد أقاربنا من قبل جدنا الشيخ جعفر وهو من ذريته من طرف البنات وكم له فينا من مدائح وتهاني متعنا الله والمسلمين بطول بقائه ، وترجم له الشيخ السماوي فقال : الرضا بن محمد الحسين بن محمد باقر الأصفهاني النجفي أبو المجد فاضل تلقى الفضل عن أبٍ فجد ونشأ بحجر العلم ولم يكفه ذلك حتى سعى في تحصيله فجد ، إلى ذكاء ثاقب ونظر صائب وروح خفيفة ، أتى النجف فارتقى معارج الكمال حتى بلغ الآمال فمن نظمه :

سلطان حسن طرفه عامل * * * بالكسر في قلبي فكيف الحذار

أدرك في عامل أجفانه * * * ضعفاً فقوّاه بلام العذار

وله في الساعة :

وذات لهو رغناء معاً * * * وما درت للقصف أوضاعه

لها فؤاد خافق دائماً * * * ولم تكن بالبين مرتاعه

261

تحمل بالرغم على وجهها * * * عقاربا ليست بلساعه

جاهلة بالوقت كم عرّفت * * * أثلاثه الوقت وأرباعه

وان تكن تحملها ساعة * * * يسألك الناس عن الساعه

وله مساجلات شعرية ومراسلات أدبية مع الشاعر الشهير السيد جعفر الحلي والشيخ جواد الشبيبي والسيد ابراهيم الطباطبائي والشيخ هادي كاشف الغطاء وغيرهم ومن روائعه وبدائع غزله قوله :

قلبي بشرع الهوى تنصر * * * شوقاً إلى خصره المزنر

كنيسة تلك أم كناس * * * وغلمة أم قطيع جؤدر

وكم بهم من مليك حسن * * * جار على الناس إذ تأمر

له بأجفانه جنود * * * تظفر بالفتح حين تكسر

ورب وعد بلثم خد * * * جاد به بعدما تعذر

سقاه ماء الشباب حتى * * * أينع نبت العذار وأخضر

عرّفه لام عارضيه * * * عليّ لم بعدها تنكّر

هويت أحوى اللثاث ألمي * * * أهيف ساجي الجفون أحور

كالليث والظبي حين يسطو * * * وحين يعطو وحين ينظر

عناي منه ومن عذولٍ * * * يهجر هذا وذاك يهجر

هل ريقه الشهد قلت أحلى * * * أو وجهه البدر قلت أنور

صغّره عاذلي ولما * * * شاهد ذاك الجمال كبّر

والقصيدة كلها على هذا الروي والرقة. وقال في فتاة اسمها ( شريعة ).

هذي شريعة في تدللها * * * ظنّت على العشاق في قُبله

يا ليت شعري أين قولهم * * * إن الشريعة سمحة سهله

وله مداعباً بعض الشيوخ :

تزوج الشيخ على سنّة * * * جاريةً عذراء تحكي الهلال

قلت له دعني افتضّها * * * ما يفتح الباب سوى ابن الحلال

262

وقال ملغزاً باسم أمين :

وبمهجتي من قد تسلّم مهجتي * * * نقداً وألوى بالوصال ديوني

عجباً لقلبي كيف ضاع وإنني * * * أودعته في الحب عند ( أمين )

ومن نوادره :

تولّى أصفهان أمير جور * * * ولم يعزله إكثار الشكاية

فأظهر في الولاية كل جور * * * إلهي لا تمته على الولايه

وله غير هذا كثير وقد كتب بقلمه ترجمته بطلب من العلامة الشيخ محمد علي الأورد بادي وفصّل فيها مراحل حياته بصورة مقتضبة وذكر فيها أنه سيفرد كتاب عن حياته وذكرياته بعنوان : أنا والأيام.

263

الشيخ عبد الله معتوق

المتوفى 1362

غليل فؤادي لا يبردُ * * * ونار الجوى منه لا تخمدُ

وقلبي من الوجد لا يستريح * * * وعيشي ما عشت لا يرغد

لذكرى مصاب رمى العالمين * * * بحزن مدى الدهر لا ينفد

مصاب الحسين ابن بنت النبي * * * ومن هو في العالم المرشد

مصاب اصيبت به المكرمات * * * أصيب به المجد والسؤدد

أصيب به الدين دين الاله * * * اصيب به المصطفى أحمد

اصيب به المرتضى حيدر * * * وفاطم والحسن والامجد

اصيب به الأنبياء الكرام * * * قديماً فحزنهم سرمد

فمن سائل دمعه بغتة * * * ومن واجدٍ قلبه مكمد

الشيخ عبدالله بن معتوق القطيفي ، هو العلامة الحجة المتولد في بلاد آبائه وأجداده ( تاروت ) حدود سنة 1274 ه‍. من قرى القطيف. تتلمذ على والده ثم هاجر إلى النجف الأشرف سنة 1295 ه‍. فدرس على فطاحل العلم حتى حصل على اجازة اجتهاد من الحجة السيد الكبير السيد أبو تراب وهناك اجازات من علماء آخرين.

كانت بلاد القطيف طوال رحلته إلى النجف تنتظره بفارغ الصبر ليكون المرشد والموجّه فطلع عليها كطلعة الهلال فساسها بخلقه وسماحة نفسه وأصبح

264

الأب الروحي لذلك القطر عنده تحل المشاكل وعلى يده تنتهي المنازعات ثم هو القدوة لهم في الأخلاق والآداب والكمالات وعلى درجة عالية من العبادة والتقوى. ترجم له في شعراء القطيف وذكر نماذج من أشعاره.

آثاره العلمية ، كتب في الفقه حاشية على العروة الوثقى ، ورسالة في علم الهيئة. كانت وفاته غرة جمادى الاولى ليلة الخميس سنة الثانية والستين بعد الثلثمائة والألف من الهجرة عن عمر قارب التسعين عاماً. اقيمت له الفواتح وأبّنه الشعراء والخطباء.

جاء في أنوار البدرين : ومن شعراء القطيف العالم الفاضل التقي الصدوق الأواه الشيخ عبدالله ابن المرحوم معتوق التاروتي ، من الأتقياء الورعين الأزكياء ، زاهداً عابداً تقياً ذكياً ، قرأ رحمه الله في القطيف عند الفقير لله صاحب الكتاب علمي النحو والصرف ، كما قرأ عند شيخنا العلامة ثم سافر إلى النجف الأشرف للاشتغال في العلوم وبقي فيها مدة من الزمان ثم انتقل إلى كربلاء واستقل بها وهو من العلوم ملآن إلى هذا الآن ، له بعض التصانيف ، على ما سمعت ـ ومن جملتها رسالة في الشك اسمها ( سفينة المساكين ) وهو كثير المكاتبة والمراسلة لنا كل آن ، وقد اجازه كثير من علماء النجف الأشرف وغيرها من العرب والعجم ، أدام الله توفيقه وسلامته وأفاض عليه أمداده ورعايته ، ومن شعره في الرثاء :

لا مرحباً بك يا محرم مقبلا * * * بك يا محرم مقبلا لا مرحبا

فلقد فجعت المصطفى وأسأت * * * قلب المرتضى والمجتبى بالمجتبى

وتركت في قلب الزكية فاطم * * * ناراً تزيد مدى الزمان تلهبا

لله يومك يا محرم أنه * * * أبكى الملائك في السماء وأرعبا

وأماط أثواب الهنا من آدم * * * فغدا بابراد الأسى متجلببا

حيث الحسين به استقل بكربلا * * * فرداً تناهبه الأسنة والظبا

من عصبة قدماً دعته لنصره * * * فعدت عليه عداوة وتعصبا

فهناك جاد بفتية جادت بأ * * * نفسها وجالدت العدى لن تذهبا

265

فترى إذا حمى الوطيس قلوبها * * * أقسى من الصخر الأصم وأصلبا

فالوعد أعرب عن طراد عرابها * * * والبرق عن لمع البوارق أعربا

وغدت تنثر من امية أرؤساً * * * ولها السما رعباً تنثر أشهبا

وتعانق البيض الصفاح ولم ترد * * * منها سوى ورد المنية مطلبا

حتى إذا حان القضاء وغودرت * * * صرعى على تلك المفاوز والربى

أمسى الحسين بلا نصير بعدها * * * والقوم قد سدوا عليه المذهبا

ساموه ان يرد المنية او بأن * * * يعطي الدنية والابي بذا ابى

فغدا يريهم في النزال مواقفاً * * * من حيدر بمهند ماضي الشبا

لله صارمه لعمرك أنه * * * ما كل يوماً في الكفاح ولا نبا

من ضربه عجبت ملائكة السماء * * * من فوقه ويحق أن تتعجبا

بالله لو بالشم همّ تهايلت * * * دكاً وصيرها بهمته هبا (1)

ومن شعره في الرثاء :

يا ذوي العزم والحمية حزما * * * لخطوب دهاكم أدهاها

فلقد أصبحت أميمة سوء * * * ثوبها البغي والرداء رداها

جدعت منكم الانوف جهاراً * * * فاشتفت إذ بذاك كان شفاها

فانهضوا من ثراكم واملأوا الأر * * * ض جياد العتاق تطوي فلاها

وأبعثوا السابحات تسحب ذيلا * * * من دلاصٍ لكم برحب فضاها

وامتطوا قُبّها ليوم نزال * * * وانتضوا من سيوفكم أمضاها

لستُ أدري لمَ القعود وبالطف * * * حسينٌ أقام في مثواها

ألجبنِ عراكم أم لذلٍ * * * أم لخوفٍ من الحروب لقاها

لا وحاشاكم وأنتم إذا ما * * * ازدحمت في النزال قطب رحاها

إن زجرتم بأرضها العرب غضباً * * * أعربت عن زجير رعد سماها

أو تشاؤن خسفها لجعلتم * * * بالمواضي علوّها أدناها

____________

1 ـ عن الديوان المطبوع في النجف الأشرف.

266

أفيهنا الرقاد يوماً اليكم * * * وامي أتت بظلم تناها

فلعمر الورى لقد جرّعتكم * * * كربلا كأس كربها وبلاها

يوم أمسى زعيمكم مستضاماً * * * يصفق الكف حائراً بفلاها

حوله فتية تخال المنايا * * * دونه كالرحيق أُذبلّ فاها

وترى الحرب حين تدعى عروساً * * * خطبتها الصفاح ممن دعاها

ولها الروس إذ تناثر مهر * * * وخضاب الأكف سيل دماها

ما ثنت عطفها مخافة موت * * * لا ولا استسلمت إلى أعداها

لم تزل هكذا إلى أن دعتها * * * حكمة شاء ربّها أمضاها

فثوت كالبدور يتبع بعضاً * * * بعضها أُفلا فغاب ضياها

وبقي مفرداً يكابد ضرباً * * * بعدها من أمية شبل طاها

بأبي علة الوجود وحيداً * * * يصطلي في الحروب نار لظاها

إن غدا في العدا يكر تخال * * * الموت يسعى أمامه ووراها

حالف المشرفيّ أن لا يراه * * * في سوى الروس مغمداً إذ يراها

وحمى دينه فلما أتته * * * دعوة الحق طائعاً لبّاها

فرماه الضلال سهماً ولكن * * * حل في أعين الهدى فعماها

فهوت مذ هوى سماء المعالي * * * وجبال المهاد هدّ ذراها

أد لهمّ النهار وانخسف البدر * * * ونال الكسوف شمس ضحاها

بأبي ثاويا على الأرض قد ظلّ * * * لهيب الفؤاد في رمضاها

ما له ساتر سوى الريح منها * * * قد كساه دبورها وصباها

وبنفسي حرائراً ادهشت من * * * هجمة الخيل بعد فقد حماها

برزت والفؤاد يخفق شجواً * * * حسرها بعد خدرها وخباها

بيدٍ وجهها تغطيّه صوناً * * * وبأخرى تروم دفع عداها (1)

____________

1 ـ رياض المدح والرثاء.

267

الشيخ جواد الشبيبي

المتوفى 1363-

قال يرثي الإمام الحسين (عليه السلام) ، وأوائل الأبيات على حروف الهجاء :

أما آن أن تجري الجياد السوابق * * * فتندك منها الراسيات الشواهق

بعيدات مهوى اللجم يحملن فتية * * * عليهم لواء النصر بالفتح خافق

تطلّع فيها قائم بشروطها * * * إذا عارضتها بالوشيج الفيالق

ثوابت يجريها شوارق بالدما * * * وكيف تسير الثابتات الشوارق

جرى الأمر أن تبقى لأمر حبائساً * * * إلى أمدٍ إن يقض فهي طلائق

حرام عليها السبق إن هي أزمنت * * * رباطاً وصدر الدهر بالجور ضائق

خفاءً وليّ الأمر ما إن موقف * * * تسلّ به منك السيوف البوارق

دع البيض تُنشي الموت اسود في الوغى * * * بها من دم القتلى المراق طرائق

ذوابح إلا أنهن أهلّة * * * صوائح إلا أنهن صواعق

رقاق تعلّقن الطلى فكأنما * * * لها عند أعناق الكماة علائق

زهت ظلمات الحرب منها بأنجم * * * يشق بها فجر من الضرب صادق

سقت شفق الهيجاء أحمر أمرعت * * * به من رؤوس الناكثين شقائق

268

شقائقها في منبر الهام أفصحت * * * وما أفصحت عند الهدير الشقاشق

صِل النصل بالنصل المذرب مدركاً * * * تراثٍ لها بيضاً تعود المفارق

ضحى وقعة بالطف جلّت ودكدكت * * * مغاربها من هولها والمشارق

طوائحها قد طوّحت بملمةٍ * * * على مثلها تقذى العيون الروامق

ظلام مثار النقع فيها سحابة * * * دجت وحراب السمهريات بارق

عفت صاحب الخطب الطروق منازلاً * * * لآل عليٍّ لم تطأها الطوارق

غدت ابن حرب شبّ حرباً تسجّرت * * * به حرمات الوحي وهي حدائق

فجاء بها تستمطر الصخر عبرة * * * ومن وقعها يلوي الشباب الغرانق

قضى ظمأ فيها الحسين وسيفه * * * بدا بارق منه وأرسل وادق

كفى الطير أن ترتاد طعماً وكفّها * * * بأسرابها أنى استدار خوافق

له الصعدة السمرا فقل قلم القض‍ * * * جرى بالمنايا والصدور المهارق

مضى ومضى أصحابه عاطري الثنا * * * ومصرعهم بالحمد لا الندّ عابق

نحو وجهة الموت الزؤام بأوجه * * * وضاحٍ لها تصبو النبال الرواشق

هموا مذ قضوا عادت بنات محمد * * * قلائدها مبتزّةً والمناطق

ينُحنَ ولا حامٍ ويعطفن هتّفاً * * * بكل محام فيه تحمى الحقائق

الشيخ جواد الشبيبي شيخ الأدب ومفخرة العرب الشاعر الخالد وجامع الشوارد ، الشيخ جواد ابن الشيخ محمد بن شبيب بن ابراهيم بن صقر البطايحي الشهير بالشبيبي الكبير من أفذاذ الزمان في أدبه وكماله وظرفه وأريحيته.

ولد ببغداد في شهر شعبان عام 1284 هـ (1) وتوفي أبوه وعمره اسبوع وكان والده من الشخصيات المرموقة ببغداد ، فانتقلت امه بمولودها إلى النجف بجنب الاسرة وهي بنت الشيخ صادق أطيمش وهو من المشهورين بالفضل والعلم وله ضياع في قضاء الشطرة ويقضي أكثر أيامه هناك فكان ينتقل بسبطه

____________

1 ـ ويقول الشيخ السماوي في الطليعة انه ولد سنة 1280 ه‍. كما أخبره المترجم له نفسه.

269

إلى هناك في كل سفراته ويحدب عليه ويغذيه ، وساعدته مواهبه الفياظة فبرع بالشعر والأدب ومختلف العلوم العربية والإسلامية إلى أن توفي جده عام 1296 ه‍. وقد قارب المائة عام في العمر فعاد المترجم له إلى النجف وواصل دراسته وتميز بالإنشاء والكتابة حتى عدّه البعض بأنه أكتب عصره قال عنه الشيخ السماوي في ( الطليعة ) فقال : قبلة الأدب التي تحج وريحانته التي تشم ولا تزج ، وجواده السابق في مضماري النثر والنظم ، عاشرته فوجدته حسن العِشرة مليح النادرة صافي النية حلو الفكاهة قوي العارضة مع تمسك بالدين والتزام بالشرع ، وذكره صاحب ( الحصون المنيعة ) فقال : عالم فاضل وأديب كامل ، شاعر ماهر فصيح بليغ لغوي مؤرخ حسن المحاورة جيد المحاظرة ، فطن ذكي ذو ذهن وقاد وفكر نقاد ، وألّف كتاباً في المراسلات بينه وبين أحبابه سماه ( اللؤلؤ المنثور ) وديوان شعره ، وهو مكثر من الشعر والنثر سريع البديهة في كليهما وترجم له كل من كتب عن الشعر والأدب في العراق إذ أن الكثير من المتأدبين تخرجوا على مدرسته وما زالت النوادي تتندّر علمه وأدبه وقد عمّر طويلاً فأدرك الدورين : التركي والوطني وشعره مقبول في الدورين وكأنه يتجدد مع الزمن ففي رسائله ومقاماته يجاري مقامات الهمداني والخوارزمي وبشعره السياسي ونقده اللاذع كشاب يحس بمتطلبات البلاد واستقلالها والعجيب أنه مكثر في الشعر ومجيد في كل ما يقول ، وقد داعب جماعة من أعضاء ندوته منهم الشيخ ابراهيم أطيمش لما تزوج زوجة بالإضافة إلى زوجاته السالفات وكان في السبعين من عمره ، بعث الشيخ له قصيدة أولها :

صواهل ما بلغن مدى الرهان * * * فدى لك أولٌ منها وثان

وتلاه الحجة الكبرى السيد أبو الحسن الأصفهاني الموسوي حيث قد تزوج وهو ابن السبعين وتلاهما زعيم النجف الديني الشيخ جواد الجواهري ثم الشيخ جواد عليوي وكلهم قد تجاوزوا السبعين في أعمارهم فكتب المترجم له إلى الأخير منهم وقال :

270

( جوادك ) من بعد الثمانين صاهل * * * فمن ذا يجاريه ومن ذا يطاول

وسائلة ماذا تحاول نفسه * * * فقلتُ لها فتح الحصون تحاول

فقالت أبا السيف الذي هو حامل * * * وما سيفه في الروع إلا حمائل

ثقيل حديد العضب تبكى لضعفه * * * حراب العوالي والحداد المناصل

ومن عجب أن الصياقل لم تكن * * * تعالجه بل عالجته الصيادل

وعند اقتران الثاني من هؤلاء الاعلام كتب لسماحة الشيخ عبد الرضا آل راضي :

أتاك الصاهل الثاني * * * يباري الصاهل الأول

كلا الطِرفين لم يعثر * * * وإن خبّ على الجندل

ولكن طرفنا استعصى * * * على السائس فاسترسل

أردنا منه إمهالاً * * * عن الوثبة فاستعجل

وقال يداعب الآخر منهم :

أُهنّي الشرع والشارع * * * بهذا الصاهل الرابع

ثلاثون لتسعين * * * فأين القدر الجامع

ومن مداعباته لأحد زملائه وكان في رأسه قرع وهو الشيخ عبد الحسين الجواهري والد محمد مهدي الجواهري قال :

لك رأس مرضع ومدبّج * * * دوحة الجسم أنبتت فيه بستج

روضة تنبت الشقائق فيها * * * جلناراً وسوسناً وبنفسج

قد قرأنا حديثه من قديم * * * فوجدناه عن جعود مخرّج

خطّ ياقوت فيه جدول تبر * * * نقطوه من قيحه بزبردج

فوق كافوره من الشعر مسك * * * كل من شمّ نشره يتبنّج

فيه بحر للقار من ظلمات * * * ضرب الشف يمّة فتموج

أرضه عسجد وحصباه درٌ * * * لو أُزيلت أصدافه لتدحرج

271

كم بموسى الحجام عاد كليما * * * صعقاً خرّ بالدماء مضرج

لو على ابن الهموم ضاق خناق * * * وكشفنا عنه لقلنا تفرج

عمموه بلؤلؤ وعقيق * * * فهو ملك معمم ومتوّج

وهو وادي العقيق كم جمرات * * * عنه ترمى معصومة ساعة الحج

موقد شعلة كعلوة عمرو * * * من سناها نار البروق تأجج

ذو بيان لو خاصم الجمر فيه * * * لانطفا حرّه وباخ وأثلج

وأديب لا بابلي ولكن * * * فمه في فم المقبّل قد مج

أنا ضام ولم أرد نهر فيه * * * حيث فيه من العوارض كوسج

وسمعت الشيخ محمد رضا كاشف الغطاء يتحدث عن شاعرية الشبيبي الكبير ويقول كنا بصحبة والدي الهادي في شريعة الكوفة واتخذنا المسجد مقراً لنا فزارنا الشيخ الجواد وكان نازلاً على النهر فشكونا عدم وجود حليب البقر ، والطبيب يوصي باستعماله فقال الشيخ : إنه متوفر بالقرب منا وأخذ يرسل لنا كل يوم زجاجة مملوءة وكان يختم رأسها ببطاقة فيها قصيدة من نظمه.

وكتب للعالم الجليل الشيخ أحمد كاشف الغطاء على سبيل المداعبة :

يمن لذاتك بيت من علاً سمكا * * * صيّر غداي غداة الاربعا سمكا

وخصّني فيه فرداً لا يشاركني * * * سواك ، فالنفس تأبى الشرك والشُركا

أما اعتبرتَ بهم يوم الهريسة مذ * * * ألقوا أناملهم من فوقها شَبَكا

قالوا لنا سرر البُنيّ نقسمها * * * ما بيننا والبقايا والجلود لكا

وسمك ( البُنيّ ) هو المفضّل من الأسماك في شط الفرات وموضع السُرّة منه أطيب المواضع.

وفي مجلس ضمّ نخبة من الادباء العلماء وهم الشيخ الشبيبي والشيخ آغا رضا الأصبهاني والشيخ هادي آل كاشف الغطاء والسيد جعفر الحلي صاحب ديوان ( سحر بابل ) وفي يد أحدهم كتاب ( العقد الفريد ) لابن عبد ربه إذ مرّت

272

فقرة من كلام العرب وهي : نظرت بعيني شادنٍ ظمأن. فاقترح أحدهم أن يشترك الجميع في جعل هذه الفقرة مطلع قصيدة ، فاستهلها لسماحة الشيخ الهادي بقوله :

نظرت بعيني شادن ظمأن * * * ظمياء بالتلعات من نعمان

فقال سماحة الشيخ الشبيبي :

وتمايلت أعطافها كغصونها * * * ما أشبه الأعطاف بالأغصان

وقال السيد جعفر الحلي :

وشدا بذاك الربع جرس حلّيها * * * فتمايلت طرباً غصون البان

وتبعهم سماحة الشيخ الأصفهاني بقوله :

هيفاء غانية لها من طرفها * * * أسياف غنج فقن كل يمان

وإذا هي قصيدة عامرة في 56 بيتاً مثبتة بكاملها في ديوان سحر بابل.

وقال :

لا أكثر الله من قومي ولا عددي * * * إن لم يكونوا لدى دفع الخطوب يدي

لي قاتلٌ فوق خدّيه دمي وله * * * حُكمٌ يُخوّله أنّ القتيل يدي

وخادعٍ جاء فتّاناً بنغمته * * * حتى استقرّ فكانت زأرةُ الأسد

مُصفدي بقيود لا فكاكَ لها * * * واضيعةَ النفس بين القيد والصَفد

حسا البحارَ وفي أحشائه طمعٌ * * * إلى امتصاص بقايا النزرِ والثمد

واستوعبَ الماء لا من غُلةٍ وظماً * * * وصاحب الماء ظمآن الفؤاد صدي

* * *

البس لخصمك ـ إن لاقاك مفترساً ـ * * * مطروقةَ الصبر لا منسوجةَ الزرد

فها هي النثرةُ الحصداء تخرقها * * * يد القوي التي تعي عن الجلد

وقل لشعبك يجمع شمله لعلاً * * * فلا تُنال العلا في شمله البدد

273

ولينتفض من غبار الموت متحداً * * * فالموتُ أولى بشعب غير متحد

سرّ التقدم أن القومَ سعيهم * * * لغاية وحدوها سعيَ منفرد

إجعل لنفسك من معقولها عُدداً * * * فعُدة العقل كم تأتي على العدد

قد ضعّف الحق مَن تُطوى طويته * * * على البغيضين ، سوء الخُلق والحسد

ركّن مقرّك تأمن كل قارعة * * * إن العواصفَ لا تقوى على أحد

وذُمّ كل فرار من مبارزةٍ * * * إلا فرارك من غيٍّ إلى رشد

لا تقرب الحشد مرفوعاً به زجلٌ * * * إن لم يكن لصلاح الشعب والبلد

أحلى الحديث حديثٌ قال سامعُه * * * لمجتليه اسقني مشمولَه وزِد

شتان بين خطيبي أمةٍ خَطبا * * * سارٍ على القصد أو ناءٍ على الصدد

هذا يجيء بزُبد القولِ ممتخضاً * * * وذاك يجمعُه من ذاهب الزَبَد

* * *

يا من يسودُ قبيلا وهو سؤدده * * * أسدد طريقَ العلا من هظمه وسُد

واختر رجال المساعي الغر مدخراً * * * منهم بيومك هذا معقِلا لغد

وارصُد بهم من كنوز السر أثمنها * * * فقد تباح إذا أمست بلا رصد

إن الرجال دنانيرٌ وأخلصها * * * من كذّب السبكُ فيه قول منتقد

ولا يغرنّك من تحت الردا جسدٌ * * * فالمرء قيمتُه بالروح لا الجسد

لا يكسب الطوق حسناً جيد لابسه * * * وإنما حسنه الذاتيّ بالجيد

والناس كالنبتِ منه عرفجٌ وكباً * * * والشعر كالناس منه جيّدٌ وردي

والشعر كالسحر في مهد الخيال معاً * * * تجاذباً حلمةً واستمسكا بثدي

لكنما السحر مطبوعٌ على عُقَد * * * والشعر مطبوعه الخالي عن العُقَد

* * *

كان الضعيف إذا مدّ القوي يداً * * * لظِلمه ردّها مدفوعةً بيد

واليوم ظلّ ضعيف القوم مضطهداً * * * وارحمتاه لمظلومٍ ومضطهد

كم شجّة أوضحته وهو معتدلٌ * * * كما تعاقبَ طُرّاق على وَتد

ببيت مضطرباً في موطن قلق * * * كأنه زئبقٌ في كفّ مرتعد

274

وقال أيضاً :

بكّر على صيدك فالوقت فرص * * * ولا تجئ في أُخريات مَن قنص

وابتدع الآثار يُقفى نهجها * * * فخير آثار الفتى ما يُستقص

واجعل لهذي النفس منك قوةً * * * يمكنها الصبر على صاب الغصص

ولا تقل كان أبي فإنما * * * حديثه الماضي أساطير قصص

إعمل فما بعد الصبا من عمل * * * والبدر إما بلغ التمّ نقص

إذا تكاسلت فما تربح سوى * * * ما تترك الموسى بعارض الأحص

وطامع لم تكفه جفنته * * * وكم ذبيح في حواشيها فحص

تطاحنت محالك الدنيا له * * * وقسّمت من أجله تلك الحصص

فهل تراه قانعاً أم أنه * * * يثرد قرص الشمس مع تلك القرص

فلا يلومنّ سوى لهاته * * * من جاوز المقدار في المضغ فغص

ما أجهل الإنسان اما تستوي * * * بلاجة الوجه لديه والبرص

* * *

مَن لي من الفتيان بابن حرةٍ * * * ما نكّس البند ولا يوماً نكص

يفتح للقتام عينَ أجدل * * * كأنما العثير كحل للرمص

إن تدعه لبّاك منه ناشيء * * * قد نشر الوفرة بعد ما عقص

يقطع بالرأي وريد خصمه * * * وقوله في موقف الأحكام نص

يا ربة الفسطاط :

تسافل الصدق بأرقى العصور * * * واحتجب الحق بعهد السفور

وانتشر الرعب بهذا الفضا * * * فكل يوم هو يوم النشور

واشتمل الدهر حداد الأسى * * * مذ عوفي الحزن ومات السرور

فوادح عمّت فأضحت لها * * * جداول تعمى وعين تغور

وصوّحت أرياف هذي الدنا * * * فأين ـ لا أين ـ رياض الزهور

وانتبه الفاجرُ من نومه * * * إلى الدعارات ونام الغيور

275

وباغت الخلق انعكاس ولا * * * يعتدل العيش بعكس الامور

صدور قوم أصبحت في القفا * * * وأظهر حلّت محلّ الصدور

لا يفخر الداني إذا ما علا * * * إن اللباب المحض تحت القشور

* * *

آلفة القبة أين الخبا ، * * * وربة الفسطاط أين الخدور

طبعك طبع الريم لو أنه * * * دام على عادته في النفور

لكنما نسمةُ هذا الهوى * * * ما قويت إلا لرفع الستور

لا ترفعي الرُقع في موكب * * * وجهك فيه يا ابنة العرب ( نور )

ولا تزوري في الدجى جارة * * * ففي غواشي الليل إفك وزور

بلادك :

بلادك إنها خير البقاع * * * فقم ثبّت بها قدم الدفاع

بلادك أرضعتك العز فاحفظ * * * لها حق الامومة والرضاع

بلادك أصبحت لحماً غريضاً * * * تمطق فيه أشداق السباع

فقل للضاريات ألا اقذفيه * * * ففي أوصاله سمّ الأفاعي

أرى ضرماً وليس له لهيب * * * وهل نار تكون بلا شعاع

وأنسمة يسبل السمنُ منها * * * توزع بين أفواه جياع

وقطعانا تلاوذ وهي سغب * * * وتمنع عن مداناة المراعي

فما زالت على فزع ورعب * * * تفرّ من الذئاب إلى الضباع

نظرنا في السياسة فاجتهدنا * * * وخضنا في القياس وفي السماع

فألفينا بحيرتها سَراباً * * * يحوم الوهم منه على التماع

إذا كالت فقيراط بصاع * * * أو اكتالت فقنطار بصاع

276

ومن روائعه قوله :

يا ما طل الوعد ما هذي الأساطيرُ * * * زادت على السمع هاتيك المعاذير

العدل منك سمعناه ولم نره * * * والجور منك أمام العين منظور

إن قلت عصري عصر النور مفتخراً * * * فظلمة الظلم ما في فجرها نور

وهل يفيد جمال الوجه ناظره * * * والبرقع الدكن فيه الحسن مستور

أفراد قومك عاشوا عيشة رغداً * * * وما دروا أنها ماتت جماهير

بيوتهم من بيوت الشعب مدخلها * * * ومن عمايره تلك المقاصير

تمسي سواءً لو أن الحال أنصفها * * * لكنما هي مهدوم ومعمور

أقول للغرف اللاتي ستائرها * * * لها بمسح جبين الشمس تأثير

تواضعي واعرفي قدر البُناة فمن * * * صنايع الشعب رصتك المقادير

فأين ما ثبت البانون من أُطم * * * وأين ما شاده كسرى وسابور

هذا الخورنق مطموس بلا أثر * * * وذي المدائن لا بهوٌ ولا سور

يا حارث الأرض والساقي وباذرها * * * قتّر إذا نفع المحروم تقتير

إذا أتاك رجال الخرص فألقهم * * * بطلعة برقت منها الأسارير

إن باغتوك بنار شبّها غضب * * * وسعّرتها من العسف الأعاصير

فأحفظ بقايا حبوب منهم سقطت * * * فللبقايا ببغداد مناقير

طارت من الغرب والأطماع أجنحة * * * والغاية الشرق واللقط الدنانير

ألا نكيرَ على أعلام حاضرة * * * قضت بتعريفهم تلك المناكير

كالعبد صبغته السوداء ثابتةٌ * * * على المسمى بها والاسم كافور

تقدموا فانتظر يوماً تأخرهم * * * والدهر يومان تقديم وتأخير

لا تعجبن إذا راجت لهم صور * * * فالعصر رائجة فيه التصاوير

ولا تخل أنهم حرّاس مملكة * * * فطالما تسرق الكرم النواطير

من الغرائب أن الهرّ في وطني * * * ليثٌ يدلُّ وان الليث سنّور

277

جرياً على العكس كم وجه يكون قفاً * * * وكم قفاً وله وجهٌ وتصدير

يا لانقلابٍ به العصفور صقر ربى * * * والصقر ذو المخلب المعوج عصفور

تبدل الناس والأرض الفضاء على * * * أديمها لاح تبديل وتغيير

يا من رأى الدير والخابور من قدم * * * لا الدير ديرٌ ولا الخابور خابور

خوفي على الوطن المحبوب ألجمني * * * فلم يذع لي منظومٌ ومنثور

كأنني مذ غدا حتماً على شفتي * * * ليث يكظ على أشداقه الزير (1)

أفحص فؤادي يا دهر تجد حجراً * * * صلداً ولكنه بالخطب منقور

يُرمى البرئ نزيه النفس طاهرها * * * بالموبقات وذنب اللص مغفور

مثل البغية يطوي العهر رايتها * * * وبندُها فوق ذات الخدر منشور

فيا سيوفاً قيون الغدر تشهرها * * * ما هكذا تفعل البيض المشاهير

نحرتم وطعنتم قلبَ موطنكم * * * حتى يقال مطاعين مناحير

لا تستهينوا بضعف في جوارحنا * * * فكم دم قد أسالته الأظافير

كبرتم الأنفس اللاتي مشاعرها * * * لها وان طال فيها العمر تقصير

زجاجة الخط ان أمست تكبّرها * * * فالذرّ ليس له في العين تكبير

مطاول الفلك الأعلى قصرت يداً * * * فالآن أيسر ما حاولت ميسور

ما في يديك خسوف البدر مكتملاً * * * وليس فيها لقرص الشمس تكوير

انظر إلى القبة الزرقاء عالية * * * وسقفها بنجوم الزهر مسمور

واستغرق الفكر في مجرى مجرّتها * * * فذاك بحرٌ يفيض اللطف مسجور

موج من النور عال لا يسكّنه * * * إلا الذي من سناه ذلك النور

كأنه والنجوم الزهر طالعة * * * سجنجل نبتت فيها الأزاهير

يا طائرين على بيض مجنحة * * * حطوا على الوكنات الجوّ أو طيروا

____________

1 ـ الزير : الدن.

278

ما هذه الأرض تبقى وكر طيركم * * * ولا الوقوف لها في الجور مقدور

لقد أمنتم على خفّاقها خطراً * * * وكم تجيءُ من الأمن المخاطير

هوى من الجهة العليا لهوتها * * * والصور منحطمٌ والظهر مكسور

رحى تدور لهذا القطر طاحنة * * * ومن مطاعمها الديار والدور

الشرق يبكي وسنّ الغرب ضاحكة * * * لصوتها أهو رعد أم مزامير

يا ربة الخدر عن نظارك احتجبي * * * إن الحجاب لمنصوصٌ ومأثور

وطهّر النفس بالأخلاق فاضلة * * * فانها لك تنزيه وتطهير

شُذّي أزارك ممدوداً فكم نظري * * * على الخيانة أضحى وهو مقصور

ومن شعره أيضاً :

هذه خيلنا الجياد الصفوافن * * * أنفت أن تقاد في يد راسن

لا تسسها فكم بها ذات متن * * * يدرك الحس من يمينك ماين

نفرت عن منابت الهون مرعىً * * * ويداها ما خاضتا الماء آجن

أن تفض في الرمال فهي سيول * * * أو تخض في الدماء فهي سفائن

تطحن الشوس في رحاها دقيقاً * * * والدم الماء والنسور العواجن

لست أدري مطاعم من كرام * * * الطير للوحش في الوغى أم مطاعن

كيف تظمى والبيض مثل السواقي * * * مائجات يفعمن غدر الجواشن

عبرت لجة المنايا وجازت * * * ساحليها مياسراً وميامن

ورأت من صنايع البيض فيها * * * بأكف الجرحى الرماح محاجن

يا له موقف اختلاط فسهم * * * في قراب وانصل في كنائن

ومخاليب أجدل في سييبٍ * * * ونواصي طمرةٍ في براثن

أين لا أينها أخافت فأمسى * * * سبّها في الوكون ليس بآمن

باعدت مشرع الفراتين طوعاً * * * وعلى الكره تحتسي النزر آسن

ما ظننا أن السوابق منها * * * ملحقات بما اقتناه المراهن

ما أراها هانت فذلّت ولكن * * * درست حال شعبها المتهاون

279

فبكته الآمال دوح خلاف * * * لم يقم تحت ظله متضامن

أي دوح في أصله عذل لاحٍ * * * وعلى فرعه ترنّم لاحن

ضعفت أنفسٌ ترى في دواها * * * وهو الداء حفظها بمعاون

وإذا صارع المريض المنايتا * * * والطبيب العدو فالموت حاين

كيف يرجى إشفاق أعدى طبيب * * * حرّك الداء طبعه وهو ساكن

يصف الهدم للجسوم علاجاً * * * فكأن البناء نقض المساكن

ناعم البال ليس تزهو بشيء * * * نعمة لا يذبّ عنها مخاشن

إن من بات فوق لين الحشايا * * * غير موف عهداً عليه لخاين

قد يعين العِدا عليه برأي * * * وبسيف مصالح ومهادن

ظهرت للعيان منك خفايا * * * ومن الستر إن يكنّ كوامن

قلت اني للمحسنين مساو * * * والمساوي تقول أنت مباين

يا دريس الآثار جدد حديثاً * * * مرسلاً عنك لا حديث العناعن

أحزم الناس ناهض بعظام * * * من مساعيه لا عظام الدفائن

كم ركبنا ليستظل ابن فجّ * * * من هجير الضحى ويعصم راكن

كم صروح تبلّطت برخام * * * طحنتها رحى الخطوب الطواحن

قل لأهل السواد لا جاورتهم * * * في البوادي شقايق وسواسن

ضربتكم أيديكم فافترقتم * * * وخلا معبد وفارق سادن

وضيع قضي عليها ضياع * * * وكنوز تحوّلت لخزائن

فلقتكم فواحصٌ مذ رأتكم * * * هضباً قد ركدن فوق معادن

وبي ألمٌ :

طبيبي ما عرفتَ عياء دائي * * * وأنت معالج الداء العياء

أنا أدري بدائي فهو ضعف * * * السواعد عن صراع الأقوياء

وبي ألمٌ يؤرقني فتعي * * * يميني فيه عن جذب الرداء

وحمّى خالطت عرقاً بجسمي * * * فباتا مزمعين على اصطلائي

280

وكنتُ خلقتُ من ماء وطين * * * فها أنا صرتُ من نارٍ وماء

مللت العائدين وقد أمالوا * * * إليّ رقابَ إخوان الصفاء

وقالوا : إن صحته ترقّت * * * فقلت : أرى انحطاطي بارتقائي

وقالوا : قد شفيت فقلت كفوا * * * فمن عللي تعاليل الشفاء

أرى شبحاً يسير أمامَ عيني * * * لغايته فأحسبه ورائي

وآخر عن مظالمه تنحّى * * * وأكره في مغادرة الشقاء

تبكّيه المواعظ لا اختياراً * * * فأين الضحك في زمن العناء

مشى في غير عادته الهوينى * * * ولكن لا يسابق بالرياء

وقد ألف السكينة لا صلاحاً * * * كلصٍ تاب أيام الوباء

فيا كبراء هذا العصر كونوا * * * يداً تطوي لباس الكبرياء

وسيروا في تواضعكم بشعب * * * تواضعكم له درج ارتقاء

وأنقى ربوة في الأرض قلب * * * أعدّ لغرس فسلان الأخاء

ولا مثل القناعة كنز عزٍ * * * يدوم وكل كنز للفناء

ويا عصر الحديد أوثق وصفّد * * * وكهرب يا زمان الكهرباء

ويا مطر القذائف كم شواظٍ * * * لو دقك في نفوس الأبرياء

وأذيال المعاسير الحيارى * * * بها كم لاذ أرباب الثراء

وعقبى الظلم ان حانت نزولاً * * * جرى منها العقاب على السواء

فلا الكاسي تحصّنه دروعٌ * * * ولا العاري يلاحظ للعراء

حياة المرء أطيبها حياء * * * فلا تطب الحياة بلا حياء

وأنفس ما يخلّف معجزات * * * يرتل آيها دانٍ ونائي

ومَن غالى وأغرق في مديح * * * وفرط حين أفرط في الثناء

كمدخرٍ جواهره الغوالي * * * لشدته فبيعت في الرخاء

وربّ ممدّح إفكاً وزوراً * * * أتاه المدح من باب الهجاء

وما بنت القوافي بيت مجد * * * لمن قد بات منقضّ البناء

وما أثر الفتى بالشعر يبقى * * * ولكن بالعفاف وبالاباء

281

ومصطنع الرجال بما توالت * * * عليهم راحتاه من العطاء

إذا دهمته نازلة فدوه * * * فسابقهم إلى شرف الفداء

كذا الانسان مهما شاء يعلو * * * وإلا فهو من إبل وشاء

ألا قتل الانسان ..

تباعدت عن ريحان ريفك والعصف * * * وأعرضت يا لمياء عن نفحة العرف

توسطتِ أزهار الربيع جديبة * * * وكيف يكون الجدب في الكلأ الوحف

خيال الكرى ما مرّ منك بمقلة * * * فرحت من الأشجان مطروفة الطرف

سهرت وغلمان الحدائق نوّمٌ * * * أهم حرس الأزهار أم فتية الكهف

وجاورت هاتيك القصور شواهقاً * * * بدار بلا بهو وبيت بلا سقف

طوى السائح المقتص صفحة ذكرها * * * وأصبح مكسوراً لها قلم الصحفي

ومرّ عليها الشاعر الفحل مطرقاً * * * كأن لم يكن في شعره بارع الوصف

أجارة هذا القصر نوحك مزعجٌ * * * لآنسةٍ فيه أكبّت على العزف

أدرتِ الرحى في الليل يقلق صوتها * * * وجارتك الحسناء تنقر بالدفّ

تطوف عليها بالكؤوس نواصعاً * * * كواعب أتراب طبعن على اللطف

يُرشّفنها ما ساغ بالكأس شربه * * * وشربك من ضحٍّ وكأسك من كف

لو اسطاع هذا الصرح شحّ بظله * * * على بيتك العاري عن الستر والسجف

إلى أين يعلو في قرون حديده * * * أهل يأت في أمن من الهدّ والنسف

يحاول نطح الكبش وهو ببرجه * * * ويذهل عما راع قارون بالخسف

ألا قتل الإنسان ماذا يريده * * * وقد جاز حدّ المسرفين أما يكفي

أبى أن يساوي نوعه في شؤونه * * * فجار على صنفٍ ورقّ على صنف

سوعالج لاعن حكمة ضعف نفسه * * * متى عولج الضعف المبرّح بالضعف

فيا بنتَ حيّي الركائب والدجى * * * على صهوات الحي منسدل السدف

ومَن نبّة الجزار من سنة الكرى * * * لينحرها غير المسنات والعجف

سمعت الأغاني فاستمالك لحنها * * * وملت ـ وحاشا ـ للخلاعة والقصف

282

نشدتك ما أحلى وأحسن موقعاً * * * أنغمة هذا اللحن أم نغمة الخشف

لك الله ما أحلاك من غير حلية * * * فجيدٌ بلا طوق واذنٌ بلا شنف

إذا طرق الجاني عريشك لابساً * * * فضاضة وجه قُدّ من جلدة العسف

أيرجع في خُفّى حنين كما أتى * * * بغير حنان أم تراجع في خف

ترومين منه العطف أنى ولم نكن * * * سمعنا لصماء الحجارة من عطف

تنسمت نشر الورد وهو لأهله * * * وما لك منه غير شمك بالأنف

ولو علموا أن النسيم يسوقه * * * لساقوكم يا أبرياء إلى « العرفي »

حتى نبلغ الغايات سعياً بأرجل * * * تعامت خطاها عن مقاومة الرسف

إذا ما قطعنا للأمام فراسخاً * * * نردّ مسافات من الخلف للخلف

وقفنا نرى ما لا يصح ارتكابه * * * وليس لنا أمر فنثبت أو ننفي

ترى يا مريض القلب منك ابن علة * * * يعالجها جهلاً بمشمولة صرف

وتختار موبوء المواطن للشفا * * * ومن ذا الذي من موطن الداء يستشفي

ومن فرّ في لذاته عن بلاده * * * كمن فرّ عن طيب الحياة إلى الحتف

سواء فرار المرء في شهواته * * * إلى حيث يردى أو فرارٌ من الزحف

فمن لك يا هذي البلاد بمصلح * * * يقول لأيدي العابثين ألا كُفي

ويجعلهم صفاً لرأي وراية * * * فإن خالفوه يضرب الصف بالصف

تنهدات ..

عبر الزمان استجلبت عبراتي * * * والانت الأيام صدر قناتي

انى أعان على الجهاد بواحد * * * وخطوبها يملأن ستّ جهاتي

انى التفتُ رأيت خطباً هائلاً * * * فكأنما الأهوال في لفتاتي

وإذا أردت صراعها في نهضة * * * عاقتني الأيام عن نهضاتي

نفسي لماء الرافدين يسيلها * * * نفس يصعّده جوى الزفرات

يحيا به خصمي فأشرق بالردى * * * وأذاد عنه وفيه ماء حياتي

لا دجلتي أمّ السيول بدجلتي * * * كلا ولا هذا الفرات فراتي

283

لي من جناي ـ وما اقترفت جناية ـ * * * أشواكه والقطف عند جناتي

واضيمة الأكفاء بعد مناصب * * * حفظت مقاعدَها لغير كُفاة

ولوا الامور ولو أطاعوا رشدهم * * * لسعوا وراء الحق سعيَ ولاة

من كل كأس يستجد لنفسه * * * حللاً ولكن من جلود عراة

الناهبي رمق الضعيف وقوته * * * والقاتلي الأوقات بالشهوات

قطعوا البلاد ومنهم أوصالها * * * والقطع يؤلم من أكف جُفاة

سكروا بخمر غرورهم والعامل ـ * * * المجهود بين الموت والسكرات

غزوا المصايف والهوى يقتادهم * * * لمسارح الفتيان والفتيات

هم أغنموا مغذّوهم وتراجعوا * * * أفهذه العقبى من الغذوات

مال تكلفت الجباة بعسفهم * * * إحضاره لخزائن اللذات

نهبٌ من الحجرات صيح به وفى * * * عزف القيان يردّ للحجرات

طارت شعاعاً فيه أيد لم تزل * * * مخضوبة بالراح في الحانات

أدريت « عالية » المصايف إنه * * * مالٌ تحدّر من عيون بُكاة

سهرت عيون العاملين لحفظه * * * فأضاعه الأقوام في السهرات

بذل القناطير الكرام وما دروا * * * أو ساقها يُجمعنَ من ذرّات

فهم كمن يهب المواشي لم يكن * * * فيها له من ناقة أو شاة

يا مفقر العمال إن يك غيرهم * * * سبباً لاثراء البلاد فهات

هم عدة السلطان في الأزمات * * * هم حاملوا الأعباء في الحملات

هم ماله المخزون والحرس الذي * * * يفديه يوم الروع في الهجمات

انظر لحالتهم تجد أحياءَهم * * * صوراً مشين بأرجل الأموات

باتوا وسقفهم السماء وأصبحت * * * خيل الجباة تغيرُ في الأبيات

وتستروا بين الكهوف فأين ما * * * رفعوه من طرف ومن صهوات

غرقى وأمواج الهموم تقاذفت * * * بهم لشاطي الظلم والظلمات

284

هذي الضرائب لا تزال سياطها * * * تستوقف الزعماء للضربات

لو يدرك الوطن الذي ضيموا به * * * ماذا لقوا لأنهال بالحسرات

ما هذه الأصوات ضعضعت الربى * * * واستبكت الآساد في الأجمات

أصدى الحجيج وقد أناب لربه * * * طلباً لعفو الله في عرفات

أم هذه الاسر الكريمة أوقفت * * * من هذه الأبواب بالعتبات

أصوات مهتضمين في أوطانهم * * * وارحمتاه لهذه الأصوات

وعت الملائك في السماء صراخهم * * * ومن انتجوا في الأرض غير وعاة

عقدات رمل الرافدين تضاعفي * * * بعواصف الأرزاء والنكبات

قلّ اصطبار النازليك وغلّهم * * * يزداد بالابرام والعقدات

أرثي لحاضرهم فأحمل بؤسه * * * والهم أحمله لجيل آت

قهرتهم أُم السفور وذللت * * * للناشئات مصاعب العادات

أصبحن يقعدن الحصيف عن الحجى * * * ويقفن أغصاناً على الطرقات

ما هذه الوقفات وهي خلاعة * * * تفضي بهن لموقف الشبهات

ما ان مشين وراء سلطان الهوى * * * إلا سقطن بهوّة العثرات

منع السفور كتابنا ونبيّنا * * * فاستنطقي الآثار والآيات

تلك الوجوه هي الرياض بها ازدهت * * * للناظرين شقائق الوجنات

كانت تكتّم في البراقع خيفة * * * من أن تمس حصانة الخفرات

واليوم فتّحها الصبا فتساقطت * * * بقواطف الألحاظ والقبلات

صوني جمالك بالبراقع إنها * * * ستر الحسان ومظهر الحسنات

وإذا يلاحقك الحديث ولو أب * * * فتراجعي عن غنّة النبرات

خير الحديث إذ جرى مصبوبه * * * للسامعين بقالب الاخفات

اياك والجهر الذي حصياته * * * يقذفن حول مسامع الجارات

فالجهر للرجل المحاجج خصمه * * * أو للخطيب يقوم في الحفلات

285

فضل الفتى إخوانه بعفافه * * * وفضلتِ أنت عفائف الأخوات

وضعي الصدار على الترائب انه * * * حق عليك فحق نهدك ناتي

وتماثلي في البيت صورة دمية * * * مكنونة الأعضاء في الحبرات

قد تعشق الحسناء لم ينظر لها * * * إلا المثال بصفحة المرآة

والعشق أطهر ما يكون لسامع * * * الأخلاق لا بتبادل النظرات

والوجه مثل الورد لم يك عرضة * * * للشم أصبح ذابل الزهرات

وبروق ثغرك للمغازل أسقطت * * * درر الحيا بتألق البسمات

أحدائق الزوراء لاطفك الهوى * * * بعبائر الأرواح والنسمات

قصدوك يقتنصون سربك سانحاً * * * فأزور وجهك مشرق القسمات

حتى إذا نصبوا الحبال تواثبوا * * * ووقعت يا زوراء في الشبكات

لعبت مقابيس الطِلابك دورها * * * فأذابت الجمرات في الكاسات

ورأيتها عجباً فقلت لصاحبي * * * ما هذه النيران في الجنات

كان المؤمّل أنها نارُ القرى * * * يا عرب أو هي جذوةُ العزمات

فإذا هي النار التي سطع السنا * * * منها على الأقداح والجامات

أتخوضها ذمر الشباب بدافع * * * من جهلهم لنتائج النشوات

هبهم أضاعوا المال في لذاتهم * * * أيضاع مثل العقل في الشهوات

ما كان أضعفها نفوساً أذعنت * * * للجائرين الوقت والقوات

عجز الدليل بأن يقرّ سفينها * * * يوماً بساحل راحة ونجاة

وإذا النفوس تلبست في جهلها * * * لا تطمئن لحكمة وعظات

قالوا : التمدن ساح واختبر الثرى * * * فرأى « العراق » سريعة الأنبات

غرس الخلاف بأرضها فتهدلت * * * منها قطوف الويل والهلكات

سالت بها عين الحياة بزعمهم * * * وهل الحياة تجئ من حيات

يا ظالمين أما لكم من نزعة * * * عن هذه الأطوار والنزعات

286

سممتم الأفكار وهي صحيحة * * * وخنقتم الأقطار بالغازات

يا حقب أيام « الرشيد » ذواهباً * * * بمحاسن الآصال والبكرات

يهنيك انك قد ذهبت ولم ترى * * * نوباً جرين بهذه السنوات

حق يضاع وأمة نكصت على * * * الأعقاب بعد بلوغها الغايات

ولقد سألت مواطني بمدامعي * * * عن هذه الحركات والسكنات

هل حرمة بك للعلوم وأهلها * * * أنّى ودهرك هاتك الحرمات

فمدارس الأسلاف لا لفوائد * * * ومساجد الاسلام لا لصلاة

فاستعبرت بدم الفؤاد وقد رمت * * * بالجمر تخرجه مع الكلمات

فصمت عرى الرحم القريبة عصبتي * * * واستمسكت إيمانها بعداتي

فبأي سابغة ارد سهامهم * * * و النبلُ نبلي والرماةُ رماتي

زعموا حمايتنا بهم وتوهموا * * * ان تستظل حماتنا بحماة

ماذا السكوت هو الخضوع وإنه * * * لو يعلمون تربص الوثبات

أعدوة الانصاف اذنك مالها * * * رتقت عن الاصغاء والانصات

كم قد نفيت المدعين بحقهم * * * والنفي آيتهم على الاثبات

ومن القضاء على البلاد خصومها * * * لو رافعوها منهم لقضاة

بليت بآفات البحار بلادنا * * * وشبابها من أكبر الآفات

رقطا حوينَ المال في وجه الثرى * * * فمتى يتاح لقبضها بحواة

لم نام ثائركم وواتركم مشت * * * خيلاؤه منكم على الهامات

أنسيتم الآراء أجمع أمرها * * * أن لا يظلكم سوى الرايات

ارفعتم عقبانهم وجعلتم * * * الأوكان منها في جسوم عتاة

وأطار أسراباً عليكم حوّماً * * * شبه البزاة ولم تكن ببزاة

بيضاً تناذرها النسور بجوّها * * * وتخافها الآساد في الأجمات

فصعدتم والموت منها نازل * * * ووقفتم في أرفع الدرجات

287

بيّتموهم فاستفذّهم الردى * * * وتنقلوا من ظلمة لسبات

وضربتم شرك الحصار عليهم * * * فارتدّ هاربهم عن الافلات

واستقتم مثل الربائق منهم * * * اسرى يدار بهم على الجبهات

حتى أتوا لحمى الوصي فرنجة (1) * * * سحبتهم الأغلال للذكوات

شادت بعاصمة العراق سيوفكم * * * عرشاً قواعده من الهمات

بلطتموه فاستقرّ قراره * * * واعدتموه أبلج الجنبات

توجع وحنين ..

كتم الهوى والدمع أعلن * * * صبٌ بأهل الريف يفتن

عانى الصبابة من صبا * * * ه وداؤها في القلب أزمن

تبكي الحمامة إن بكى * * * وتئن فوق الغصن إن أن

ذكر الذين تريفوا * * * والسحب حول الحي هتّن

والعيس أطربها الحدا * * * ء وخيلهم للسبق تعتن

والروض ألبسه الحيا * * * حللاً من الورد الملوّن

وسري هذا الحي سيطره * * * الإبا فيهم وهيمن

هزّ النَديّ حديثُه * * * عن محتد العرب المعنعن

يكفي من التاريخ ما * * * ملأ القلوب به ودوّن

داعي الصلاة بجنبه * * * داعي صلات الوفد أذن

يترسل البطل الفصيح * * * وصوته في الجوّ قد رَن

بنصائح لبلاغها * * * قلبُ العلند الصلب أذعن

ورق الأراك غطاؤهم * * * ومهادُهم شيحٌ وسَوسَن

الطاعنون وما يهم * * * لأسنة الوصمات مطعن

والجاعلون بيوتهم * * * للخائف المطرود مأمن

لا يتبعون عطاءهم * * * وصنايع المعروف في من

____________

1 ـ يشير إلى وصول قسم من اسرى الانكليز الى النجف بعد ثورة سنة 1920 م.

288

غالوا بقيمة جارهم * * * والجار عقد لا يُثمّن

لو أعطى الدنيا لما * * * جذبته زينتها فيظعن

من أين أقبل ما وعت * * * أذن له ، أو قول ممن

كم أحسنوا وسكوتهم * * * عن ذكريات المنّ أحسن

والمرء يرجح فضله * * * ما دام بالحسنات يوزن

أنفق حطامك ما استطععت * * * تجده في الآثار يُخزن

ربح الصفا متريف * * * لا مَن تمصر أو تمدين

إن المدائن أصبحت * * * لنتائج الآمال مدفن

ومن الغرائب سائحٌ * * * وصف العراق الرحب بالظن

هَنّا البلادَ برغدها * * * ولو اهتدى للحق أبّن

هل ترغد الامم التي * * * بديارها الأخطار تستن

ما للسياسة ما لها * * * لمراسم الأوهام تركن

تبنى على متن الهبا * * * في سحرها الصرح المحصن

وعلى الخُداع تمرنت * * * حقباً ففاتت من تمرن

فسحت ميادين الرهان * * * وعندها القصبات ترهن

وبرأيها الفرس الكريم * * * به هجين الأصل يقرن

الله بالوطن الذي * * * فيه الذياب علا وطنطن

يا ما ضغين خراجه * * * من مغرسي زاكٍ ومعدن

أتلفتموه وقلتم * * * منا الدمار وأنت تضمن

فسلوا البواخر هل غدت * * * من غير هذا النهب تُشحن

وسلوا القوافل ما على * * * تلك الظهور وما تبطن

وسلوا المناصب هل بها * * * من أهلها أحد تعنون

وسلوا المراسيم التي * * * أقلامها للحق تطعن

يا ذا الأجم انكص فقد * * * لاقاك كبش النطح أقرن

أو فاتخذ لك في دما * * * غك من نسيج الصبر جوشن

289

لا تركدن كهضبة * * * فالماء إن لم يجر يأسن

حاجج مجاورك الذي * * * خلط الجدال المحض بالفن

ماذا انتفاعك بالدخيل * * * إذا تقحطن أو تعدنن

متصاغراً حتى إذا * * * ثنيت وسادته تفرعن

كم فتنة حمراء في * * * إيقاد شعلتها تفنن

فانشر له النسب الصريح * * * وقل لأ لكنه : ترطّن

ما خانك النائي الغريب * * * أتاك مهزولاً ليسمن

لكنما الأدنى القريب * * * لحقك المنصوص أخون

وللشيخ الشبيبي ديوان ضخم عدا ما ضاع من شعره ، أما شعره في أهل البيت (عليهم السلام) فكثير ، وبعد بحث وتنقيب عثرت له على ثلاث قصائد في الإمام الحسين (ع) يبتدء بحرف من حروف الهجاء في أوائل أبيات القصائد الثلاث : فواحدة منهن جعلناها في صدر الترجمة ، والقصيدتان نذكر المطلع منهما فقط ، قال يخاطب حجة آل محمد صاحب الزمان (عليه السلام) :

أما هاجتك للوتر الطفوف * * * فيدمي الأرض منصلك الرعوف

والثانية أولها :

أمقيم قاعدة الهدى والدين * * * حان انهزاع قواعد التكوين

وله تخميس وتشطير لأبيات السيد حسين القزويني في مدح الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب. كما له تخميس لقصيدة السيد المذكور في مدح الإمامين الكاظمين (عليهما السلام) ، ذكر التخميس الشيخ السماوي في ترجمته في كتابه ( الطليعة من شعراء الشيعة ) ج 1 / 75.

ومن روائعه رثاؤه للسيد محمد سعيد الحبوبي بطل العلم والأدب والجهاد ، ومطلع القصيدة :

290

لواء الدين لفّ فلا جهادُ * * * وباب العلم سُدّ فلا اجتهادُ

تخارست المقاول والمواضي * * * فليس لها جدال أو جلاد

بكيت معسكر الإسلام لما * * * أُتيح عميدها وهوى العماد

ورائعته التي عنوانها ( قمرية الدوح ) وقد نظمها بمناسبة وصول ام كلثوم إلى العراق وعلى أثر الاحتفال الذي أقيم لها في بغداد ، وأولها :

قمرية الدوح يا ذات الترانيم * * * مع النسور على ورد الندى حومي

توفى رحمه الله في بغداد عام 1363 ه‍. ونقل جثمانه إلى النجف ودفن في مقبرة بجنب داره ، وأُقيمت له ذكرى أربعينية في مدرسة الصدر من أضخم الذكريات تبارى فيها فحول الشعراء.

291

السيد مضر الحلي المتوفى 1363

قال في قصيدة حسينية :

إلى مَ أغض الطرف والهم لازم * * * ولي عزم صدق عنه تنبو الصوارم

إذا لم أقدها ضابحات بقفرها * * * عليها من الفتيان غلب عواصم

فلا عرّفت بي من لوي عصابة * * * ولا كان لي من غالب الغلب هاشم

إلى أن يقول :

ألا أيها الساري بحرف لدى السرى * * * تزف زفيفاً لم تخنها القوائم

إذا أنت أبصرت الغري فعج به * * * ونادع عليا والدموع سواجم

أبا حسن إني تركت بكربلا * * * حسيناً صريعاً وزعته الصوارم

قضى ضامياً دامي الوريد وبعدذا * * * عقائلكم سارت بهن الرواسم

الخطيب الأديب السيد مضر ابن السيد مرزة ـ المتقدمة ترجمته في الجزء الثامن من هذه الموسوعة ـ ابن السيد عباس بن علي المعروف بالسيد علاوي ابن الحسين بن سليمان الكبير من اسرة الشعر والأدب والاباء والشمم تمثل السيادة حق تمثيلها وتطفح على شمائلها الشمائل العلوية تعرف هذه النفسية من شعرهم وقد قيل : الشعر شعور.

ولد شاعرنا في قرية ( الحصين ) قرب الحلة 22 شعبان من سنة 1319 ه‍. وأرخ أبوه عام ولادته بأبيات والتاريخ منها جملة :

292

أعوامه أرخت ( غرٌ حسان ). ونشأ مطبوعاً بطابع الاسرة الشريفة ، وكما رباه أبوه ( ومن يشابه أبه فما ظلم ) وشعره يعطيك صورة عن نفسه وما جبل عليه من فخر وكرم وإباء وشمم وذلك ما حبب هذه الاسرة في الأوساط فكان ناديهم في ( الحصين ) محط الادباء والمتأدبين ، ومن شعره قصيدته التي عارض بها قصيدة البارودي التي أولها :

سواي بتحنان الأغاريد يطرب * * * وغيري باللذات يلهو ويلعب

فقال :

إلى مَ التمني والأمانيّ خلّب * * * فليس بغير العضب ما أنت تطلب

من العار تغضي راغماً غير راكبٍ * * * من العزم طرقاً للمهمات يركب

عجبت لعمرو المجد ترضخ للتي * * * تشين وترك الخصم جذلان أعجب

ألست الذي لم يكترث لملمة * * * وأنت لدى الجُلّى عذيق مُرجّب (1)

سواء لديه ان رنا طرف عينه * * * إلى غاية شرق البلاد ومغرب

حرام إلى غير المعالي محاجري * * * تصدّ ولا في غيرها لي مأرب

ولولا العلى لم أرتض العيش والبقا * * * ولكن سبيل المجد ما أنا أدأب

ولست بمن إن حيل دون مرامه * * * يصعّد لا يدري الهدى ويصوّب

فان أنا لم أبلغ بجدى مساعيا * * * لنا سنّها قدماً نزار ويعرب

فلا ضمنى من هاشم بيت سؤدد * * * سما شرفاً فوق الضراح مطنب

ولا وخدت بي للوغى بنت أعوج * * * ولا اهتزّ في كفي الحسام المشطب

فما أنا ممن همه صر خدية * * * وعود إذا ما ينتشي فيه يضرب

وخود تغنّيه وتسقيه نشوة * * * ويصبح لا يدري إلى أين يذهب

ولكنني ممن تقرّ له العدا * * * لدى الهول لا ألوي ولا أتنصّب

وما الفخر في لهو وعودٍ وقينة * * * وكاس بها يطفو الحباب ويرسب

____________

1 ـ العذيق مصغر عذق. والمرجب : المحفوف بالشوك.

293

بل الفخر في ضرب وطعن ونائل * * * وحلم رزين لا يطيش ويشعب

ولي شيمة تأبى الدنايا وعزمة (1) * * * وقلب بأفواج الآباء محجب

وقول كوخز السمهري مسدد * * * وقلب جرئ ثابت ليس يرهب

قبيح لعمري ان أكون مخاتلا * * * وأقبح من ذا أن يقال مذبذب

فخاطر بنفس إنما أنت واحدٌ * * * فاما حياة أو حمام محبب

فلم أرَ خلاً في المودة صادقاً * * * إذا قلب هذا كاذب ذاك أكذب

وقال من قصيدة يرثي بها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) :

أبا حسن في فقدك اليوم أصبحت * * * ربوع الهدى والدين قفر الجوانب

وجار على أطرافه كل ظالم * * * وغار على أبياته كل ناهب

فما زلت ترعاه بعين بصيرة * * * كما كنت تحميه بماضي المضارب

لتبك اليتامى والأرامل مطعماً * * * لها والندى والدين أصدق صاحب

وتبك معدٌ ليثها وعمادها * * * وتبك نزار غوثها في النوائب

وتبك الجياد القبّ أعظم فارس * * * يقحمها في الروع من آل غالب

وتبك غمار الحرب خواض بحرها * * * وتبك الضبا والسمر مردي الكتائب

فقد قوّض المعروف وانطمس التقى * * * ولم يبق بحر للندى غير ناضب

وبالافق نادى جبرئيل تهدمت * * * قواعد أركان الهدى والمناقب

فيا نفس مهلاً ان للثار قائماً * * * عن الدين يجلو داجيات الغياهب

فيدرك ثار المرتضى ووصيه * * * الزكي وثار الماجدين الأطائب

لقد منعوا يوم الطفوف مضارباً * * * لهم بحدود الماضيات القواضب

وأجروا بحاراً من دماء تلاطمت * * * سفائنهم فيها ظهور الشوازب

وهي طويلة تقع في مائة بيت.

____________

1 ـ صدور البيت لشاعر مصر الكبير محمود سامي البارودي التي كانت هذه القصيدة جواباً لتلك.

294

كانت وفاته في القرية التي ولد فيها بالسكتة القلبية ، ليلة الأحد سابع جمادى الاولى من سنة 1363 ه‍. المصادف 30/4/1944 م. وحمل جثمانه إلى الحلة بموكب حافل ومن ثم شيع إلى النجف تشييعاً يليق وكرامته ورثاه جمع من أصدقائه ومواطنيه باللغتين : الفصحى والدارجة (1) ومنهم أخوه السيد سليمان بقصيدة مطولة جاء فيها :

أبا شاكر لا راق لي بعدك الدهر * * * ولا لذّ لي عيش وقد ضمك القبر

أُقلّبُ طرفي في دجى الليل ساهراً * * * ويقلقني في كل آن لك الفكر

ذكرتك لما غصّ بالقوم مجلسي * * * وكنت تُرى فيه لك النهي والأمر

أقول : وعند الرجوع إلى صحف بغداد ونشراتها نجد للمترجم له بعض النوادر الأدبية والمراسلات الودية أمثال رسالته لصديقه المرحوم ابراهيم صالح شكر ـ الأديب الشهير بقوله من قصيدة :

ما سليمى وما هناك سعاد * * * فعليك السلام يا بغداد

من محب ناءٍ به شطت البين * * * فأدنى دياره الابعاد

ساهر الليل لم ترَ النوم عيناه * * * نديماه يقظة وسهاد

وقال يشكر هاني بن عروة ـ زعيم مذحج ـ على موقفه المشرّف دون سفير الحسين بن علي بن أبي طالب وهو مسلم بن عقيل بن أبي طالب :

جزى الله خيراً هانياً في صنيعه * * * مع ابن عقيل نعم شيخ المكارم

غداة دعوه أن يسلّم مسلما * * * فقال بعيد منك نيل ابن هاشم

اسلّم ضيفي وابن عم محمد * * * ولم ترتوي مني حدود الصوارم

سأدفع عنه ما حييت بمرهف * * * وقومي لدى الهيجا طوال المعاصم

____________

1 ـ نشرت نبأ وفاته صحف بغداد وأبنته وكتبت عنه جريدة الأهالي كلمة مؤثرة.

295

كلمة في هاني بن عروة :

كان هاني بن عروة بن نمراذ المذحجي الغطيفي صحابيا كأبيه عروة وكان معمّراً ، وهو وأبوه من وجوه الشيعة ، وحضر مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب حروبه الثلاث وهو القائل يوم وقعة الجمل :

يا لكِ حرباً حثّها جمالها * * * يقودها لنقصها ضلالها

هذا عليٌ حوله أقيالُها

قال ابن سعد في الطبقات كان عمره يوم قتل بضعا وتسعين سنة وكان يتوكأ على عصى بها زجّ وهي التي ضربه ابن زياد بها ، وهو شيخ مراد وزعيمها يركب في أربعة آلاف دارع ، فإذا تلاها أحلافها من كنده ركب في ثلاثين ألفاً. ولسيدنا بحر العلوم الطباطبائي كلام ضاف في ترجمته في ( رجاله ) وقد أغرق نزعاً في اثبات جلالته والدفاع عنه والجواب عما قيل فيه وتابعه على رأيه السديد السيد المحقق الأعرجي في ( عدة الرجال ) وبالغ شيخنا الحجة المامقاني في ( تنقيح المقال ) بترجمته في مدحه والثناء عليه. قال أهل السير لما دخل ابن زياد الكوفة وتفرق الناس عن مسلم بن عقيل بعدما بايعوه خرج مسلم من دار المختار التي كان قد نزلها إلى دار هاني بن عروة وفهم ابن زياد بذلك أرسل محمد بن الأشعث وأسما بن خارجة وقال لهما : ائتياني بهاني آمناً ، فقالا وهل أحدث حدثاً حتى تقول آمناً قال لا ، فأتياه به فلما رآه ابن زياد قال : أتتك بخائن رجلاه تسعى. قال هاني وما ذاك أيها الأمير ، قال يا هاني أما تعلم ان أبي قتل هذه الشيعة غير أبيك وأحسن صحبته فكان جزائي منك أن خبأت رجلاً في بيتك ليقتلني ـ وطال الكلام بينهما إلى أن أخذ المعكزة من يد هاني وضرب بها وجه هاني حتى ندر الزج واتزّ بالجدار ثم ضرب وجهه حتى هشم أنفه وجبينه وسمع الناس الهيعة فأطافت مذحج بالقصر ، فخرج اليهم شريح القاضي فقال لهم إن أميركم حي وقد حبسه الأمير ، فقالوا لا بأس بحبس الأمير وتفرقوا.

296

قال أهل السير ولما قتل مسلم بن عقيل ورمي من أعلا القصر أمر ابن زياد باخراج هاني وقتله ، فأخرج إلى السوق التي يباع فيها الغنم مكتوفاً فجعل يقول : وامذحجاه وأين مني مذحج ، فلما رأى أن لا أحداً ينصره نزع يده من الكتاف وقال أما من عصى أو سكين يدافع به رجل عن نفسه ، فتواثبوا عليه وشدوه كتافاً ثم قيل له : مدّ عنقك ، فقال : ما انابها بسخي فضربه رشيد التركي على رأسه فلم تعمل به شيئاً ، فقال هاني : إلى الله المعاد اللهم إلى رحمتك ورضوانك ثم ضربه ثانياً فقتله ، فقام أهل الكوفة وربطوا الحبال في رجلي مسلم وهاني وجعلوا يسحبونهما في الأسواق. وفي ذلك يقول عبدالله ابن الزبَير الأسدي كما روى ابن الأثير في الكامل :

فان كنتِ لا تدرين ما الموت فانظري * * * إلى هاني في السوق وابن عقيل

إلى بطل قد هشم السيف أنفه * * * وآخر يهوي من طمار قتيل

297

السيد عباس آل سليمان

المتوفى 1363

بوادر دمع لا يجف انسكابها * * * ونيران حزن ليس يطفى التهابها

خليلي ما هاجت على الشوق لوعتي * * * ولا اسهرت مني العيون كعابها

ولكن عرتني من جوى الطف لوعة * * * يشبّ بأحناء الضلوع التهابها

غداة انتضت أبناء حرب مواضباً * * * أراق دم الإسلام هدراً ضرابها

وقد أودعت في مهجة الدين حرقة * * * فلم يلتئم طول الزمان انشعابها

لقد غصبت آل الرسالة حقها * * * بكفٍ مدى الدهر استمرّ اغتصابها

تجاذب أيديها إلى صفقة بها * * * يعزّ على الهادي الرسول انجذابها

فقل للعدى امناً قضى الضيغم الذي * * * يردّ الكماة الغلب تُدمى رقابها

وأصبح ذاك الليث بين امية * * * تناهشه ذؤبانها وكلابها

أصبراً وآل الله تمسى على الظما * * * ذعاف المنايا في الطفوف شرابها

أصبراً وأمن الخائفين بكربلا * * * يروّع حتى فيه ضاقت رحابها

إمام الهدى نهضا فإن دماءكم * * * على الأرض هدرا يستباح انصبابها

أصبراً وفي الطف الحسين تناهبت * * * قواضبها اشلاءه وحرابها

أصبراً وتلك الفاطميات أصبحت * * * يباح جهاراً سبيها وانتهابها

كما شاءت الأعداء تسبى حواسراً * * * تطوف بها البيداء وخداً ركابها

298

فمن مبلغ المختار عني ألوكة * * * على نشر رزء الطف يطوى كتابها

شفت حقد بدر في بنيك بوقعة * * * أصاب جميع المسلمين مصابها

السيد عباس ابن السيد حسين ابن الشاعر الذائع الصيت السيد حيدر الحلي المشهور بآل السيد سليمان. ولد في الحلة حوالي سنة 1299 ه‍. وكان عمره يوم وفاة جده خمس سنوات ، أوفده أبوه إلى النجف وهو دون العشرين فمكث أربع سنين مكباً على الدراسة والتحصيل ولما توفي أبوه سنة 1339 ه‍. قام مقامه في مهماته الزراعية يقول الشيخ اليعقوبي : وكانت ترى آثار النجابة على أسارير وجهه مزيجة بالأريحية والنبل وكرم الطباع وخفة الروح ، وله شغف شديد وولع عظيم بمطالعة الكتب الأدبية ودواوين الشعراء ، ولقد ساهم في نشر ( العقد المفصل ) أحد آثار جده السيد حيدر حين طبع ببغداد سنة 1331 ه‍. ومن روائعه العصماء قصيدته في تأبين العلامة السيد حسين القزويني المتوفى سنة 1325 ه‍.

قم ما على مضض المصاب مقام * * * قد حان من يوم القيام قيام

وانظم سويداء الفؤاد مراثياً * * * فالدين منه اليوم حلّ نظام

علم الهدى الراسي تدكدك بعدما * * * منه توقّر في الندي شمام

سار تخف به الرجال وقبله * * * ما خلت أن تتدكدك الأعلام

بحر الندى الزخار غاض عبابه * * * فلتغتدِ الآمال وهي حيام

أدرى ( المفيد ) فلا مفيد ( مرتضى ) * * * بنداه ( لابن نما ) الرجاء قوام

ذهب الحمام ( بعدّة الداعي ) التي * * * هي كالصوارم للعدو حمام

يا مبرماً تقضى الحلوم بفقد مَن * * * قد كان منه النقض والابرام

في ليلة صبغت بحالك لونها * * * وجه النهار فعاد وهو ظلام

ولدت فلا لقحت بها الأعوام * * * رزءً يشيب الدهر وهو غلام

قد أنكرت سود الليالي وقعه * * * وتبرأت عن مثله الأيام

رزء له جبريل أصبح نادياً * * * بمآثم فوق السماء تقام

299

بجوى كمنقدح الشواظ زفيره * * * قد كاد يورى الشمس منه ضرام

لا غرو إن بكت الملائك شجوها * * * في أدمع تنهلّ وهي سجام

فالميّت الإسلام والمفجوع فيه * * * الدين والثكلى هي الإحكام

والنادب التوحيد والناعي الهدى * * * وبه الفضائل كلها أيتام

أأبا محمد العليّ فخاره * * * لا راع قلبك حادث مقدام

من حط ذاك الطود وهو ممنعٌ * * * وأباد ذاك العضب وهو حسام

أبذلك العاديّ طحن طوائح * * * وبنا بذاك المشرفيّ كهام

أم حلّت الأقدار حبوة ماجد * * * في بردتيه الطود والصمصام

كم أنفس غاليت في إعزازها * * * أضحت رخاصاً في الهوان تسام

وأخا وما ضمنت برودك من حجى * * * خفّت لوزن ثقيله الاعلام

ما زالت الأحلام فيك رواجحاً * * * حتى حملت فطاشت الأحلام

حملوا سريرك والملائك خشّعٌ * * * فبهم تساوت تحته الأقدام

يتمسكون بفضل بردك وقّعاً * * * فلهم قعود حوله وقيام

حتى أتوا جدثاً تقدّس تربة * * * فيها توارى منك أمس إمام

جدث يموج البحر تحت صفيحه * * * ويصوب فيه الغيث وهو ركام

والقصيدة كلها بهذه المتانة والروعة واكتفينا ببعضها.

وله في مدح والده السيد حسين ابن السيد حيدر قصيدة في مطلعها :

بادر بنا نتعاطى أكؤوس الطرب * * * عن ثغر أغيد معسول اللمى شنب

واخرى في مدح والده اولها :

محياك ام بدر على الافق اشرقا * * * ورياك ام نشر من المسك عبقا

وله في الإمام الحسين مرثية جاء فيها :

غداة استهاج الرجس جيش ضلالة * * * على ابن هداها بالطفوف تهاجمه

اراع قلوب المسلمين بمدهش * * * تجدد حزناً كل آن مآثمه

أصبراً وقد آلت امية لا ترى * * * لآل الهدى عزاً تشاد دعائمه

300

فيا مقلة الإسلام دونك والبكا * * * بدمع من الأحشاء ينهل ساجمه

فان ابن بنت الوحي بين امية * * * بحدّ المواضي تستحل محارمه

له الله دام بالطفوف مجرداً * * * كسته بابراد الثناء مكارم

وقال اخرى في رثاء الحسين (ع) :

طرقت تزلزل أرضها وسماءها * * * نكباء تقدح بالحشا إيراءها

الله أكبر يا لها من نكبة * * * أسدت على افق الهدى ظلماءها

عمّت جميع المسلمين بقرحة * * * للحشر لا زالت تعالج داءها

وبها اقتدى التوحيد يشكو لوعة * * * طول الليالي لا يرى إبراءها

سامته إما ان يسالم في يد * * * ما سالمت في ذلة أعداءها

أو أن يموت على ظماً في كربلا * * * تروي الضبا من نحره إظماءها

وقال يفتخر بنسبه ويمدح أهل البيت :

خليليّ ما هاج اشتياقي صبا نجد * * * ولا طربت نفسي لشيء سوى المجد

وإني فتى بي يشهد الفضل والعلى * * * بأني فريد بالمفاخر والحمد

وإني فتى ليست تلين جوانبي * * * لداهية دهماء توهي قوى الصلد

ولي عزماتٌ يحجم الليث دونها * * * تورثتها عن حيدر الأسد الوردي

فتى يقطر الموت الزوام حسامه * * * إذا استلّه يوم الكفاح من الغمد

هو البطل الفتاك عزمة بأسه * * * تغل بيوم الحرب حد ضبا الهندي

حمى حوزة الإسلام خائض دونها * * * كفاحاً بنار الحرب تلفح بالوقد

وله في الحسين من قصيدة اخرى :

ما لفهر هجرت ماضي ضباها * * * فلتصل بالموت أرواح عداها

أتناست فعل حرب أم على * * * حسك الضيم أقرّت مقلتاها

وفاته بالحلة الفيحاء سنة 1363 ه‍. ونقل إلى النجف ودفن بها ورثاه أخوه السيد محمد وارخ عام وفاته.