البداية و النهاية - ج6

- ابن كثير الدمشقي‏ المزيد...
354 /
51

أيام تباعا من خبز حنطة حتى فارق الدنيا، و رواه مسلم و الترمذي و ابن ماجة من حديث يزيد بن كيسان* و في الصحيحين من حديث جرير بن عبد الحميد عن منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت: ما شبع آل محمد (صلى اللَّه عليه و سلم) منذ قدموا المدينة ثلاثة أيام تباعا من خبز بر حتى مضى لسبيله* و قال الامام أحمد: حدثنا هاشم، ثنا محمد بن طلحة عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت: ما شبع آل محمد ثلاثا من خبز بر حتى قبض و ما رفع من مائدته كسرة قط حتى قبض* و قال أحمد: ثنا محمد بن عبيد، ثنا مطيع الغزال عن كردوس عن عائشة قالت: قد مضى رسول اللَّه لسبيله و ما شبع أهله ثلاثة أيام من طعام بر* و قال الامام أحمد: ثنا حسن، ثنا زويد عن أبى سهل عن سليمان بن رومان- مولى عروة- عن عروة عن عائشة أنها قالت: و الّذي بعث محمدا بالحق ما رأى منخلا و لا أكل خبزا منخولا منذ بعثه اللَّه [عز و جل‏] إلى أن قبض. قلت: كيف كنتم تأكلون الشعير؟ قالت: كنا نقول أف* تفرد به أحمد من هذا الوجه* و روى البخاري عن محمد بن كثير عن الثوري عن عبد الرحمن بن عابس بن ربيعة عن أبيه عن عائشة قالت: إن كنا لنخرج الكراع بعد خمسة عشر يوما فنأكله، قلت: و لم تفعلون ذلك؟ فضحكت و قالت: ما شبع آل محمد (صلى اللَّه عليه و سلم) من خبز مأدوم حتى لحق باللَّه عز و جل* و قال أحمد: ثنا يحيى، ثنا هشام، أخبرنى أبى عن عائشة قالت كان يأتى على آل محمد الشهر ما يوقدون فيه نارا ليس إلا التمر و الماء إلا أن يؤتى باللحم* و في الصحيحين من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها قالت: إن كنا آل محمد ليمر بنا الهلال ما نوقد نارا إنما هو الأسودان: التمر و الماء إلا أنه كان حولنا أهل دور من الأنصار يبعثون إلى رسول اللَّه بلبن منائحهم فيشرب و يسقينا من ذلك اللبن* و رواه أحمد عن بريدة عن محمد بن عمرو عن أبى سلمة عنها بنحوه* و قال الامام أحمد: حدثنا عبد اللَّه، حدثني أبى، ثنا حسين ثنا محمد بن مطرف، عن أبى حازم عن عروة بن الزبير أنه سمع عائشة تقول كان يمر بنا هلال و هلال ما يوقد في بيت من بيوت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) نار، قال قلت: يا خالة على أي شي‏ء كنتم تعيشون؟ قالت: على الأسودين التمر و الماء تفرد به أحمد* و قال أبو داود الطيالسي عن شعبة عن أبى إسحاق عن عبد الرحمن ابن يزيد عن الأسود عن عائشة قالت: ما شبع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) من خبز شعير يومين متتابعين حتى قبض، و قد رواه مسلم من حديث شعبة و قال الامام أحمد: حدثنا عبد اللَّه، حدثني أبى، ثنا بهز، ثنا سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال قال: قالت عائشة: أرسل إلينا آل أبى بكر بقائمة شاة ليلا فأمسكت و قطع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أو قالت: أمسك رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و قطعت قالت- تقول للذي تحدثه- هذا على غير مصباح و في رواية لو كان عندنا مصباح لاتدمنا به، قال قالت عائشة إنه ليأتى على آل محمد الشهر ما يختبزون خبزا و لا يطبخون قدرا، و قد رواه أيضا عن بهز بن أسد عن سليمان بن‏

52

المغيرة، و في رواية شهرين تفرد به أحمد* و قال الامام أحمد: ثنا خلف، ثنا أبو معشر عن سعيد- هو ابن أبى سعيد- عن أبى هريرة قال: كان يمر بآل رسول اللَّه هلال ثم هلال لا يوقدون في بيوتهم النار لا بخبز و لا بطبخ، قالوا: بأي شي‏ء كانوا يعيشون يا أبا هريرة؟ قال: الأسودان التمر و الماء، و كان لهم جيران من الأنصار جزاهم اللَّه خيرا لهم منائح يرسلون إليهم شيئا من لبن، تفرد به أحمد* و في صحيح مسلم من حديث منصور بن عبد الرحمن الحجبي عن أمه عن عائشة قالت: توفى رسول اللَّه و قد شبع الناس من الأسودين: التمر و الماء*

و قال ابن ماجة: حدثنا سويد بن سعيد، ثنا على بن مسهر عن الأعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة قال:

أتى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يوما بطعام سخن فأكل فلما فرغ قال: (الحمد للَّه) ما دخل بطني طعام سخن‏

منذ كذا و كذا*

و قال الامام أحمد:

ثنا عبد الصمد، ثنا [عمار] أبو هاشم صاحب الزعفرانيّ عن أنس بن مالك‏

أن فاطمة ناولت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) كسرة من خبز الشعير فقال: هذا أول طعام أكله أبوك منذ ثلاثة أيام،

تفرد به أحمد* و روى الامام أحمد عن عفان و الترمذي و ابن ماجة جميعا عن عبد اللَّه بن معاوية كلاهما عن ثابت ابن يزيد عن هلال بن خباب العبديّ الكوفي عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) كان يبيت الليالي المتتابعة طاويا و أهله لا يجدون عشاء، و كان عامة خبزهم خبز الشعير، و هذا لفظ أحمد*

و قال الترمذي في الشمائل: ثنا عبد اللَّه بن عبد الرحمن الدارميّ، ثنا عمر بن حفص بن غياث عن أبيه عن محمد بن أبى يحيى الأسلمي عن يزيد عن أبى أمية الأعور عن أبى يوسف بن عبد اللَّه بن سلام قال:

رأيت رسول اللَّه أخذ كسرة من [خبزا ال] شعير فوضع عليها تمرة، و قال: هذه إدام هذه و أكل‏

* و في الصحيحين من حديث الزهري عن عروة عن عائشة قالت: كان أحب الشراب إلى رسول اللَّه الحلو البارد* و روى البخاري من حديث قتادة عن أنس قال: ما أعلم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) رأى رغيفا مرققا حتى لحق باللَّه، و لا شاة سميطا بعينه قط* و في رواية له عنه أيضا: ما أكل رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) على خوان و لا في سكرجة و لا خبز له مرقق، فقلت لأنس: فعلى ما كانوا يأكلون؟

قال: على [هذه‏] السفر* و له من‏

حديث قتادة أيضا عن أنس‏

أنه مشى إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بخبز شعير و إهالة سنخة و لقد رهن درعه من يهودي فأخذ لأهله شعيرا، و لقد سمعته ذات يوم يقول: ما أمسى عند آل محمد صاع تمر و لا صاع حب‏

* و قال الامام أحمد: ثنا عفان، ثنا أبان بن يزيد، ثنا قتادة عن أنس بن مالك أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) لم يجتمع له غداء و لا عشاء من خبز و لحم إلا على ضفف* و رواه الترمذي في الشمائل عن عبد اللَّه بن عبد الرحمن الدارميّ عن عفان، و هذا الاسناد على شرط الشيخين* و قال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة عن سماك بن حرب، سمعت النعمان بن بشير يقول: سمعت عمر بن الخطاب يخطب فذكر ما فتح اللَّه على الناس، فقال: لقد

53

رأيت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يلتوى من الجوع ما يجد من الدّقل ما يملأ بطنه، و أخرجه مسلم من حديث شعبة*

و في الصحيح أن أبا طلحة قال:

يا أم سليم، لقد سمعت صوت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أعرف فيه الجوع، و سيأتي الحديث في دلائل النبوة و في قصة أبى الهيثم بن التيهان: أن أبا بكر و عمر خرجا من الجوع فبينما هما كذلك إذ خرج رسول اللَّه، فقال: ما أخرجكما؟ فقالا: الجوع، فقال: و الّذي نفسي بيده لقد أخرجني الّذي أخرجكما، فذهبوا إلى حديقة الهيثم بن التيهان فأطعمهم رطبا و ذبح لهم شاة فأكلوا و شربوا الماء البارد، و قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): هذا من النعيم الّذي تسألون عنه*

و قال الترمذي: ثنا عبد اللَّه بن أبى زياد، ثنا سيار، ثنا يزيد بن أسلم عن يزيد بن أبى منصور عن أنس عن أبى طلحة قال: شكونا إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) الجوع و رفعنا عن بطوننا عن حجر حجر، فرفع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) [عن بطنه‏] عن حجرين، ثم قال غريب* و ثبت في الصحيحين من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها سئلت عن فراش رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقالت: كان من أدم حشوه ليف*

و قال الحسن بن عرفة: ثنا عباد بن عباد المهلبي عن مجالد بن سعيد عن الشعبي عن مسروق عن عائشة قالت:

دخلت على امرأة من الأنصار فرأت فراش رسول اللَّه عباءة مثنية، فانطلقت فبعثت إلى بفراش حشوه الصوف، فدخل على رسول اللَّه فقال: ما هذا يا عائشة؟ قالت:

قلت يا رسول اللَّه: فلانة الأنصارية دخلت عليّ فرأت فراشك فذهبت فبعثت إلى بهذا فقال: ردّيه قالت: فلم أرده و أعجبنى أن يكون في بيتي حتى قال ذلك ثلاث مرات، قالت: فقال رديه يا عائشة فو اللَّه لو شئت لأجرى اللَّه معى جبال الذهب و الفضة*

و قال الترمذي في الشمائل: حدثنا أبو الخطاب زياد بن يحيى البصري، ثنا عبد اللَّه بن مهدي، ثنا جعفر بن محمد عن أبيه قال: سئلت عائشة ما كان فراش رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في بيتك؟ قالت: من أدم حشوه ليف، و سئلت حفصة ما كان فراش رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)؟ قالت: مسحا نثنيه ثنيتين فينام عليه، فلما كان ذات ليلة قلت: لو ثنيته بأربع ثنيات كان أوطأ له، فثنيناه له بأربع ثنيات، فلما أصبح قال «ما فرشتم لي الليلة؟ قالت: قلنا هو فراشك الا أنا ثنيناه بأربع ثنيات قلنا هو أوطأ لك، قال: ردوه لحالته الاولى، فإنه منعتني وطأته صلاتي الليلة* [و قال الطبراني: حدثنا محمد بن أبان الأصبهاني، حدثنا محمد بن عبادة الواسطي، حدثنا يعقوب بن محمد الزهري، حدثنا محمد بن إبراهيم، حدثنا ابن لهيعة عن أبى الأسود عن عروة عن حكيم بن حزام قال: خرجت إلى اليمن فابتعت حلة ذي يزن فأهديتها إلى النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فردها، فبعتها فاشتراها فلبسها ثم خرج على أصحابه و هي عليه فما رأيت شيئا أحسن منه فيها، فما ملكت نفسي أن قلت:

ما ينظر الحكام بالفضل بعد ما* * * بدا واضح من غرّة و حجول‏

54

إذا قايسوه الجدّ أربى عليهم‏* * * بمستفرع ما الذّباب سحيل‏

فسمعها النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فالتفت إليّ يتبسم ثم دخل فكساها أسامة بن زيد] [ (1)]*

و قال الامام أحمد: حدثني [حسين بن‏] على عن زائدة عن عبد الملك بن عمير [قال: حدثني‏] ربعي بن خراش عن أم سلمة قالت:

دخل عليّ رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و هو ساهم الوجه، قالت: فحسبت ذلك من وجع، فقلت: يا رسول اللَّه أراك ساهم الوجه، أ فمن وجع؟ فقال: لا، و لكن الدنانير السبعة التي أتينا بها [أمس أمسينا] و لم ننفقها نسيتها في خصم الفراش».

تفرد به أحمد* و قال الامام أحمد: ثنا أبو سلمة، [قال: أنا بكر] بن مضر، ثنا موسى بن جبير عن أبى أمامة بن سهل قال: دخلت أنا و عروة ابن الزبير يوما على عائشة فقالت: لو رأيتما نبي اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ذات يوم في مرض مرضه؟ قالت: و كان له عندي ستة دنانير، قال موسى أو سبعة، قالت: فأمرنى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أن أفرقها، قالت: فشغلني وجع نبي اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) حتى عافاه اللَّه عز و جل، قالت: ثم سألني عنها فقال: ما فعلت الستة؟ قال: أو السبعة، قلت: لا و اللَّه لقد شغلني عنها وجعك، قالت: فدعا بها ثم صفها في كفه، فقال: ما ظن نبي اللَّه لو لقي اللَّه و هذه عنده. تفرد به أحمد* و قال قتيبة: ثنا جعفر بن سليمان عن ثابت عن أنس قال:

كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) لا يدخر شيئا لغد* و هذا الحديث في الصحيحين، و المراد أنه كان لا يدخر شيئا لغد مما يسرع إليه الفساد كالأطعمة و نحوها لما ثبت في الصحيحين عن عمر أنه قال: كانت أموال بنى النضير مما أفاء اللَّه على رسوله مما لم يوجف المسلمون عليها بخيل و لا ركاب فكان يعزل نفقة أهله سنة ثم يجعل ما بقي في الكراع و السلاح عدّة في سبيل اللَّه عز و جل* و مما يؤيد ما ذكرناه ما

رواه الامام أحمد: حدثنا مروان بن معاوية، [قال: أخبرنى‏] هلال بن سويد أبو معلى [قال‏]:

سمعت أنس بن مالك و هو يقول‏

أهديت لرسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ثلاثة طوائر فأطعم خادمه طائرا فلما كان من الغد أتته به، فقال لها رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): أ لم أنهك أن ترفعي شيئا لغد، فان اللَّه [عز و جل‏] يأتى برزق كل غد.

حديث بلال في ذلك‏

قال البيهقي: ثنا أبو الحسين بن بشران، أنا أبو محمد بن جعفر بن نصير، ثنا إبراهيم بن عبد اللَّه البصري، ثنا بكار بن محمد، أنا عبد اللَّه بن عون عن ابن سيرين عن أبى هريرة

أن رسول اللَّه دخل على بلال فوجد عنده صبرا من تمر، فقال: ما هذا يا بلال؟ قال: تمر أدّخره، قال ويحك يا بلال أو ما تخاف أن تكون له بحار [ (2)] في النار! أنفق بلال و لا تخش من ذي العرش إقلالا.

قال البيهقي‏

____________

[ (1)] من قوله» و قال الطبراني» الى هنا زيادة بالنسخة التيمورية و لم تكن بالتي بدار الكتب المصرية.

[ (2)] كذا. و ليراجع البيهقي.

55

بسنده عن أبى داود السجستاني و أبى حاتم الرازيّ كلاهما عن أبى توبة الربيع بن نافع، حدثني معاوية ابن سلام عن زيد بن سلام، حدثني عبد اللَّه الهورينى قال: لقيت بلالا مؤذن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بحلب، فقلت: يا بلال حدثني كيف كانت نفقة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقال: ما كان له شي‏ء إلا أنا الّذي كنت ألي ذلك منه منذ بعثه اللَّه إلى أن توفى، فكان إذا أتاه الإنسان المسلم فرآه عائلا، يأمرني فأنطلق فأستقرض فأشترى البردة و الشي‏ء فأكسوه و أطعمه، حتى اعترضني رجل من المشركين فقال: يا بلال، إن عندي سعة فلا تستقرض من أحد إلا منى، ففعلت، فلما كان ذات يوم توضأت ثم قمت لأؤذن بالصلاة فإذا المشرك في عصابة من التجار، فلما رآني قال: يا حبشي، قال: قلت يا لبيّه، فتجهّمنى، و قال قولا عظيما أو غليظا، و قال: أ تدري كم بينك و بين الشهر؟ قلت: قريب، قال إنما بينك و بينه أربع ليال فآخذك بالذي لي عليك، فانى لم أعطك الّذي أعطتك من كرامتك و لا من كرامة صاحبك، و إنما أعطيتك لتصير لي عبدا فأذرك ترعى في الغنم كما كنت قبل ذلك، قال: فأخذني في نفسي ما يأخذ في أنفس الناس، فانطلقت فناديت بالصلاة حتى إذا صليت العتمة و رجع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إلى أهله فاستأذنت عليه فأذن لي، فقلت: يا رسول اللَّه بأبي أنت و أمى إن المشرك الّذي ذكرت لك أنى كنت أتدين [ (1)] منه قد قال كذا و كذا، و ليس عندك ما يقضى عنى، و لا عندي، و هو فاضحى، فأذن لي أن آتى إلى بعض هؤلاء الاحياء الذين قد أسلموا حتى يرزق اللَّه رسوله (صلى اللَّه عليه و سلم) ما يقضى عنى، فخرجت حتى أتيت منزلي فجعلت سيفي و حرابى و رمحي و نعلى عند رأسي، فاستقبلت بوجهي الأفق فكلما نمت انتبهت فإذا رأيت على ليلا نمت حتى انشق عمود الصبح الأول فأردت أن أنطلق فإذا إنسان يدعو: يا بلال أجب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فانطلقت حتى آتيه، فإذا أربع ركائب عليهنّ أحمالهن فأتيت رسول اللَّه فاستأذنت،

فقال لي رسول اللَّه:

أبشر فقد جاءك اللَّه بقضاء دينك، فحمدت اللَّه و قال: أ لم تمر على الركائب المناخات الأربع؟ قال قلت: بلى، قال:

فان لك رقابهن و ما عليهنّ- فإذا عليهنّ كسوة و طعام أهداهن له عظيم فدك-، فاقبضهن إليك ثم اقض دينك، قال: ففعلت فحططت عنهن أحمالهن ثم علفتهن ثم عمدت إلى تأذين صلاة الصبح حتى إذا صلّى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) خرجت إلى البقيع، فجعلت إصبعي في أذنى فقلت: من كان يطلب من رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) دينا فليحضر، فما زلت أبيع و أقضى و أعرض حتى لم يبق على رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) دين في الأرض حتى فضل عندي أوقيتان أو أوقية و نصف، ثم انطلقت إلى المسجد و قد ذهب عامة النهار، فإذا رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قاعد في المسجد وحده، فسلمت عليه، فقال لي: ما فعل ما قبلك؟

قلت: قد قضى اللَّه كل شي‏ء كان على رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فلم يبق شي‏ء، قال: فضل شي‏ء؟ قلت: نعم‏

____________

[ (1)] كذا. و لعله: أستدين أو أتداين.

56

ديناران، قال: انظر أن تريحني منهما فلست بداخل على أحد من أهلي حتى تريحني منهما، فلم يأتنا أحد، فبات في المسجد حتى أصبح و ظل في المسجد اليوم الثاني حتى إذا كان في آخر النهار جاء راكبان فانطلقت بهما فكسوتهما و أطعمتهما، حتى إذا صلى العتمة دعاني فقال: ما فعل الّذي قبلك؟ قلت:

قد أراحك اللَّه منه، فكبر و حمد اللَّه شفقا من أن يدركه الموت و عنده ذلك، ثم اتبعته حتى جاء أزواجه فسلم على امرأة امرأة حتى أتى مبيته، فهذا الّذي سألتني عنه*

و قال الترمذي في الشمائل:

حدثنا هارون بن موسى بن أبى علقمة المديني، حدثني أبى عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب‏

أن رجلا جاء إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فسأله أن يعطيه، فقال: ما عندي ما أعطيك، و لكن ابتع عليّ شيئا فإذا جاءني شي‏ء قضيته، فقال عمر: يا رسول اللَّه قد أعطيته، فما كلفك اللَّه ما لا تقدر عليه، فكره النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) قول عمر، فقال رجل من الأنصار: يا رسول اللَّه أنفق و لا تخف من ذي العرش إقلالا، فتبسم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و عرف التبسم في وجهه لقول الأنصاري و قال: بهذا أمرت.

و في الحديث‏

ألا انهم ليسألونى و يأبى اللَّه عليّ البخل*

و قال يوم حنين حين سألوه قسم الغنائم:

و اللَّه لو أن عندي عدد هذه العضاة نعما لقسمتها فيكم ثم لا تجدوني بخيلا و لا ضانا و لا كذابا ((صلى اللَّه عليه و سلم))

* و قال الترمذي: ثنا على بن حجر، ثنا شريك عن عبد اللَّه بن محمد بن عقيل عن الربيع بنت معوذ بن عمر قالت: أتيت رسول اللَّه بقناع من رطب، و أجرز عنب، فأعطانى مل‏ء كفه حليا أو ذهبا*

و قال الامام أحمد: حدثنا سفيان عن مطرف عن عطية عن أبى سعيد عن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) قال:

كيف أنعم و قد التقم صاحب القرن القرن، و حنى جبهته و أصغى سمعه ينتظر متى يؤمر، قال المسلمون: يا رسول اللَّه فما نقول؟ قال: قولوا (حسبنا اللَّه و نعم الوكيل على اللَّه توكلنا)

و رواه الترمذي عن ابن أبى عمر عن سفيان بن عيينة عن مطرف و من حديث خالد بن طهمان كلاهما عن عطية و أبى سعيد العوفيّ البجلي، و أبو الحسن الكوفي عن أبى سعيد الخدريّ، و قال الترمذي حسن* قلت. و قد روى من وجه آخر عنه و من حديث ابن عباس كما سيأتي في موضعه.

و من تواضعه (عليه الصلاة و السلام). قال أبو عبد اللَّه بن ماجة: حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد القطان، ثنا عمرو بن محمد، ثنا أسباط بن نصر عن السدي عن أبى سعد الأزدي- و كان قارئ الأزد- عن أبى الكنود عن خباب في قوله تعالى: (وَ لا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَ الْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) إلى قوله‏ (فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ) قال: جاء الأقرع بن حابس التميمي، و عيينة بن حصن الفزاري، فوجدوا رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) مع صهيب و بلال و عمار و خباب قاعدا في ناس من الضعفاء من المؤمنين، فلما رأوهم حول رسول اللَّه حقروهم، فأتوا فخلوا به فقالوا: نريد أن تجعل لنا منك مجلسا تعرف لنا به العرب فضلنا، فان وفود العرب تأتيك فنستحى أن ترانا العرب مع هذه الأعبد، فإذا

57

نحن جئناك فأقمهم عنك، فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت. قال: نعم، قالوا: فاكتب لنا عليك كتابا، قال: فدعا بصحيفة و دعا عليا ليكتب و نحن قعود في ناحية، فنزل جبريل (عليه السلام) فقال:

(وَ لا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَ الْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ وَ ما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ) ثم ذكر الأقرع بن حابس و عيينة بن حصن فقال: «وَ كَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ» ثم قال: «وَ إِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى‏ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ» قال:

فدنونا منه حتى وضعنا ركبنا على ركبته، فكان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يجلس معنا، فإذا أراد أن يقوم قام و تركنا، فأنزل اللَّه عز و جل: «وَ اصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَ الْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَ لا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ» و لا تجالس الأشراف‏ «وَ لا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا» يعنى عيينة و الأقرع‏ «وَ اتَّبَعَ هَواهُ وَ كانَ أَمْرُهُ فُرُطاً» قال: هلاكا، قال [ (1)] أمر عيينة و الأقرع، ثم ضرب لهم مثل الرجلين و مثل الحياة الدنيا، قال خباب: فكنا نقعد مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فإذا بلغنا الساعة التي يقوم قمنا و تركناه حتى يقوم* ثم قال ابن ماجة: حدثنا يحيى بن حكيم ثنا أبو داود، ثنا قيس بن الربيع عن المقدام بن شريح عن أبيه عن سعد قال، نزلت هذه الآية فينا ستة، فىّ و في ابن مسعود و صهيب و عمار و المقداد و بلال. قال قالت قريش: يا رسول اللَّه انا لا نرضى أن نكون أتباعا لهم فاطردهم عنك، قال: فدخل قلب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) من ذلك ما شاء اللَّه أن يدخل، فأنزل اللَّه عز و جل: «وَ لا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَ الْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ» الآية*

و قال الحافظ البيهقي: أنا أبو محمد عبد اللَّه بن يوسف الأصفهاني، أنا أبو سعيد بن الأعرابي، ثنا أبو الحسن خلف ابن محمد الواسطي الدوسيّ، ثنا يزيد بن هارون، ثنا جعفر بن سليمان الضبعي، ثنا المعلى بن زياد- يعنى عن العلاء بن بشير المازني [عن‏] أبى الصديق الناجي- عن أبى سعيد الخدريّ قال:

كنت في عصابة من المهاجرين جالسا معهم و إن بعضهم ليستتر ببعض من العرى، و قارئ لنا يقرأ علينا، فكنا نسمع إلى كتاب اللَّه فقال رسول اللَّه: الحمد للَّه الّذي جعل من أمتى من أمرت أن أصبر معهم نفسي، قال فاستدارت الحلقة و برزت وجوههم، قال: فما عرف رسول اللَّه أحدا منهم غيري، فقال رسول اللَّه: أبشروا معاشر صعاليك المهاجرين بالنور يوم القيامة، تدخلون قبل الأغنياء بنصف يوم، و ذلك خمسمائة عام*

و قد روى الامام أحمد و أبو داود و الترمذي من حديث حماد بن سلمة عن حميد عن أنس قال لم يكن شخص أحب اليهم من رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، قال: و كانوا إذا رأوه لم يقوموا لما يعلمون من كراهيته لذلك.

____________

[ (1)] كذا و لعله ذكر.

58

فصل في عبادته (عليه السلام) و اجتهاده في ذلك‏

قالت عائشة: كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يصوم حتى نقول لا يفطر، و يفطر حتى نقول لا يصوم، و كان لا تشاء تراه من الليل قائما الا رأيته، و لا تشاء تراه نائما الا رأيته، قالت: و ما زاد رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في رمضان و في غيره على احدى عشرة ركعة، يصلّى أربعا، فلا تسأل عن حسنهن و طولهن، ثم يصلّى أربعا، فلا تسأل عن حسنهن و طولهن، ثم يوتر بثلاث. قالت: و كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقرأ السورة فيرتلها حتى تكون أطول من أطول منها، قالت: و لقد كان يقوم حتى أرثى له من شدة قيامه* و ذكر ابن مسعود أنه صلّى معه ليلة فقرأ في الركعة الأولى بالبقرة و النساء و آل عمران ثم ركع قريبا من ذلك، و رفع نحوه و سجد نحوه* و عن أبى ذر: أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قام ليلة حتى أصبح يقرأ هذه الآية: «إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَ إِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» رواه أحمد* و كل هذا في الصحيحين و غيرهما من الصحاح، و موضع بسط هذه الأشياء في كتاب الأحكام الكبير*

و قد ثبت في الصحيحين من حديث سفيان بن عيينة عن زياد بن علاقة عن المغيرة بن شعبة:

أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قام حتى تفطرت قدماه، فقيل له: أ ليس قد غفر اللَّه لك ما تقدم من ذنبك و ما تأخر؟ قال:

أ فلا أكون عبدا شكورا*

و تقدم في حديث سلام بن سليمان عن ثابت عن أنس بن مالك أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال:

حبب إلى الطيب و النساء و جعلت قرة عيني في الصلاة*

رواه أحمد و النسائي* و قال الامام أحمد: ثنا عفان، ثنا حماد بن سلمة، أخبرنى على بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس أن جبريل قال لرسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): «قد حبب إليك الصلاة فخذ منها ما شئت»* و ثبت في الصحيحين عن أبى الدرداء قال: خرجنا مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في شهر رمضان في حر شديد، و ما فينا صائم إلا رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و عبد اللَّه ابن رواحة* و في الصحيحين من حديث منصور عن إبراهيم عن علقمة قال: سألت عائشة هل كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يخص شيئا من الأيام؟ قالت: لا، كان عمله ديمة. و أيكم يستطيع ما كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يستطيع؟*

و ثبت في الصحيحين من حديث أنس و عبد اللَّه بن عمرو أبى هريرة و عائشة

أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) كان يواصل و نهى أصحابه عن الوصال و قال: إني لست كأحدكم، إني أبيت عند ربى يطعمنى و يسقيني*

و الصحيح أن هذا الإطعام و السقيا معنويان كما ورد في الحديث الّذي‏

رواه ابن عاصم عن أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال:

لا تكرهوا مرضاكم على الطعام و الشراب، فان اللَّه يطعمهم و يسقيهم*

و ما أحسن ما قال بعضهم:

لها أحاديث من ذكراك يشغلها* عن الشراب و يليها عن الزاد

59

و قال النضر بن شميل عن محمد بن عمرو عن أبى سلمة عن أبى هريرة قال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

إني لأستغفر اللَّه و أتوب إليه في اليوم مائة مرة*

و روى البخاري عن الفريابي عن الثوري عن الأعمش عن إبراهيم عن عبيدة عن عبد اللَّه قال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

اقرأ على، فقلت: أقرأ عليك و عليك أنزل؟ فقال: إني أحب أن أسمعه من غيري، قال: فقرأت سورة النساء حتى إذا بلغت:

«فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَ جِئْنا بِكَ عَلى‏ هؤُلاءِ شَهِيداً»

قال: حسبك، فالتفت فإذا عيناه تذرفان*

و ثبت في الصحيح:

أنه (عليه السلام) كان يجد التمرة على فراشه فيقول: لو لا أنى أخشى أن تكون من الصدقة لأكلتها*

و قال الامام أحمد: حدثنا وكيع، ثنا أسامة بن زيد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده‏

أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) وجد تحت جنبه تمرة من الليل، فأكلها فلم ينم تلك الليلة، فقال بعض نسائه: يا رسول اللَّه أرقت الليلة، قال: إني وجدت تحت جنبي تمرة فأكلتها، و كان عندنا تمر من تمر الصدقة، فخشيت أن تكون منه،

تفرد به أحمد* و أسامة بن زيد هو الليثي من رجال مسلم. و الّذي نعتقد أن هذه التمرة لم تكن من تمر الصدقة لعصمته (عليه السلام) و لكن من كمال ورعه (عليه السلام) أرق تلك الليلة،

و قد ثبت عنه في الصحيح أنه قال:

[و اللَّه إني‏] لأتقاكم للَّه و أعلمكم بما أتقى*

و في الحديث الآخر أنه قال:

دع ما يريبك إلى ما لا يريبك‏

* و قال حماد بن سلمة عن ثابت عن مطرف بن عبد اللَّه بن الشخير عن أبيه قال: أتيت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و هو يصلّى و لجوفه أزيز كأزيز المرجل، و في رواية و في صدره أزيز كأزيز الرحا من البكاء*

و روى البيهقي من طريق أبى كريب محمد بن العلاء الهمدانيّ، ثنا معاوية بن هشام عن شيبان عن أبى إسحاق عن عكرمة عن ابن عباس قال:

قال أبو بكر: يا رسول اللَّه أراك شبت، فقال: شيبتني هود و الواقعة و المرسلات و عم يتساءلون و إذا الشمس كورت*

و في رواية له عن أبى كريب عن معاوية عن هشام عن شيبان عن فراس عن عطية عن أبى سعيد قال: قال عمر بن الخطاب:

يا رسول اللَّه أسرع إليك الشيب، فقال: شيبتني هود و أخواتها: الواقعة و عم يتساءلون و إذا الشمس كورت.

فصل في شجاعته (صلى اللَّه عليه و سلم)

[ذكرت في التفسير عن بعض من السلف أنه استنبط من قوله تعالى: «فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ» أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) كان مأمورا أن لا يفر من المشركين إذا واجهوه و لو كان وحده من قوله‏ «لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ» و قد كان (صلى اللَّه عليه و سلم) من أشجع الناس و أصبر الناس و أجلدهم، ما فرّ قطّ من مصاف و لو تولى عنه أصحابه. قال بعض أصحابه: كنا إذا اشتد الحرب و حمى الناس، نتقي برسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ففي يوم بدر رمى ألف مشرك بقبضة من حصا فنالتهم أجمعين حين قال: شاهت الوجوه، و كذلك يوم حنين كما تقدم، و فرّ أكثر أصحابه في ثانى الحال‏

60

يوم أحد و هو ثابت في مقامه لم يبرح منه و لم يبق معه إلا اثنا عشر قتل منهم سبعة و بقي الخمسة. و في هذا الوقت قتل أبىّ بن خلف لعنه اللَّه فعجله اللَّه إلى النار. و يوم حنين ولى الناس كلهم و كانوا يومئذ اثنا عشر ألفا و ثبت هو في نحو من مائة من الصحابة و هو راكب يومئذ بغلته و هو يركض بها الى نحو العدو، و هو ينوه باسمه و يعلن بذلك قائلا: أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب. حتى جعل العباس و على و أبو سفيان يتعلقون في تلك البغلة ليبطئوا سيرها خوفا عليه من أن يصل أحد من الأعداء إليه. و ما زال كذلك حتى نصره اللَّه و أيده في مقامه ذلك و ما تراجع الناس الا و الأشلاء مجندلة بين يديه (صلى اللَّه عليه و سلم).

و قال أبو زرعة: حدثنا العباس بن الوليد بن صبح الدمشقيّ، حدثنا مروان- يعنى ابن محمد- حدثنا سعيد بن بشير، عن قتادة عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)

فضلت على الناس بشدة البطش‏] [ (1)].

فصل فيما يذكر من صفاته (عليه السلام) في الكتب المأثورة عن الأنبياء الأقدمين‏

قد أسلفنا طرفا صالحا من ذلك في البشارات قبل مولده، و نحن نذكر هنا غررا من ذلك، فقد روى البخاري و البيهقي و اللفظ له من حديث فليح بن سليمان عن هلال بن على عن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد اللَّه بن عمرو فقلت: أخبرنى عن صفة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في التوراة، فقال: أجل و اللَّه إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في الفرقان: «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَ مُبَشِّراً وَ نَذِيراً و حرزا للأميين أنت عبدي و رسولي سميتك المتوكل ليس بفظ و لا غليظ و لا صخاب بالأسواق، و لا يدفع السيئة بالسيئة و لكن يعفو و يغفر و لن أقبضه حتى أقيم به الملة العوجاء أن يقولوا: (لا إله إلا اللَّه) و أفتح به أعينا عميا، و آذانا صما، و قلوبا غلفا قال عطاء بن يسار ثم لقيت كعبا الحبر فسألته فما اختلفا في حرف إلا أن كعبا قال أعينا* و رواه البخاري أيضا عن عبد اللَّه غير منسوب، قيل:

هو ابن رجاء، و قيل: عبد اللَّه بن صالح، و هو الأرجح، عن عبد العزيز بن أبى سلمة الماجشون عن هلال بن على به* قال البخاري: و قال سعيد عن هلال عن عطاء عن عبد اللَّه بن سلام كذا علقه البخاري* و قد روى البيهقي من طريق يعقوب بن سفيان: حدثنا أبو صالح- هو عبد اللَّه بن صالح كاتب الليث- حدثني خالد بن يزيد عن سعيد بن أبى هلال عن أسامة عن عطاء بن يسار عن‏

____________

[ (1)] هذا الفصل من النسخة التيمورية.

61

ابن سلام أنه كان يقول: إنا لنجد صفة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) «إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَ مُبَشِّراً. أنت عبدي و رسولي سميته المتوكل ليس بفظ و لا غليظ و لا سخاب في الأسواق و لا يجزى بالسيئة مثلها، و لكن يعفو و يتجاوز، و ليس أقبضه حتى يقيم الملة العوجاء: بأن تشهد (أن لا إله إلا اللَّه) يفتح به أعينا عميا و آذانا صما و قلوبا غلفا. قال عطاء بن يسار: و أخبرنى الليثي أنه سمع كعب الأحبار يقول مثل ما قال ابن سلام* و قد روى عن عبد اللَّه بن سلام من وجه آخر فقال الترمذي: حدثنا زيد بن أخرم الطائي البصري، ثنا أبو قتيبة- مسلم بن قتيبة-، حدثني أبو مودود المدني، ثنا عثمان الضحاك عن محمد ابن يوسف عن عبد اللَّه بن سلام عن أبيه عن جده قال: مكتوب في التوراة «محمد و عيسى بن مريم يدفن معه» فقال أبو مودود: قد بقي في البيت موضع قبر، ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن* هكذا قال الضحاك و المعروف الضحاك بن عثمان المدني، و هكذا حكى شيخنا الحافظ المزي في كتابه الأطراف عن ابن عساكر أنه قال مثل قول الترمذي، ثم قال: و هو شيخ آخر أقدم من الضحاك بن عثمان ذكره ابن أبى حاتم عن أبيه فيمن اسمه عثمان، فقد روى هذا عن عبد اللَّه بن سلام، و هو من أئمة أهل الكتاب ممن آمن و عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، و قد كان له اطلاع على ذلك من جهة زاملتين كان أصابهما يوم اليرموك، فكان يحدث منهما عن أهل الكتاب، و عن كعب الأحبار، و كان بصيرا بأقوال المتقدمين على ما فيها من خلط و غلط، و تحريف و تبديل، فكان يقولها بما فيها من غير نقد، و ربما أحسن بعض السلف بها الظن فنقلها عنه مسلمة، و في ذلك من المخالفة لبعض ما بأيدينا من الحق جملة كثيرة، لكن لا يتفطن لها كثير من الناس* ثم ليعلم أن كثيرا من السلف يطلقون التوراة على كتب أهل الكتاب المتلوة عندهم، أو أعم من ذلك، كما أن لفظ القرآن يطلق على كتابنا خصوصا و يراد به غيره، كما في الصحيح: خفف على داود القرآن فكان يأمر بدوابه فتسرح فيقرأ القرآن مقدار ما يفرغ، و قد بسط هذا في غير هذا الموضع و اللَّه أعلم* و قال البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن أحمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير عن ابن إسحاق، حدثني محمد بن ثابت بن شرحبيل عن أم الدرداء قالت: قلت لكعب الحبر: كيف تجدون صفة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في التوراة؟ قال: نجده محمد رسول اللَّه، اسمه المتوكل، ليس بفظ و لا غليظ، و لا سخاب بالأسواق، و أعطى المفاتيح ليبصّر اللَّه به أعينا عميا، و يسمع به آذانا وقرا، و يقيم به ألسنا معوجة حتى تشهد أن لا إله الا اللَّه وحده لا شريك له) يعين المظلوم و يمنعه* و به عن يونس بن بكير عن يونس ابن عمرو عن العيزار بن خريب عن عائشة: أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) مكتوب في الإنجيل لافظ، و لا غليظ و لا سخاب في الأسواق، و لا يجزى بالسيئة مثلها، بل يعفو و يصفح* و قال يعقوب بن سفيان: ثنا قيس البجلي، حدثنا سلام بن مسكين عن مقاتل بن حيان قال: أوحى‏

62

اللَّه عز و جل إلى عيسى بن مريم. جد في أمرى و لا تهزل، و اسمع و أطع يا ابن الطاهر البتول، إني خلقتك من غير فحل، و جعلتك آية للعالمين، فإياي فاعبد، و عليّ فتوكل، فبين لأهل سوران أنى أنا الحق القائم الّذي لا أزول، صدقوا بالنبيّ العربيّ، صاحب الجمل و المدرعة و العمامة و النعلين و الهراوة، الجعد الرأس، الصلت الجبين، المقرون الحاجبين، الأدعج العينين، الأقنى الأنف الواضح الخدين الكث اللحية، عرقه في وجهه كاللؤلؤ، ريحه المسك ينفح منه، كأن عنقه إبريق فضة، و كأن الذهب يجرى في تراقيه، له شعرات من لبته إلى سرته تجرى كالقضيب ليس على صدره و لا بطنه شعر غيره، شئن الكفين و القدم، إذا جامع الناس غمرهم، و إذا مشى كأنما ينقلع من الصخر و ينحدر في صبب ذو النسل القليل* و روى الحافظ البيهقي بسنده عن وهب بن منبه اليمامي قال: إن اللَّه عز و جل لما قرّب موسى نجيا، قال: رب إني أجد في التوراة أمة خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر و يؤمنون باللَّه، فاجعلهم أمتى، قال: تلك أمة أحمد، قال: رب إني أجد في التوراة أمة هم خير الأمم الآخرون من الأمم، السابقون يوم القيامة، فاجعلهم أمتى، قال: تلك أمة أحمد، قال: يا رب إني أجد في التوراة أمة أناجيلهم في صدورهم يقرءونها، و كان من قبلهم يقرءون كتبهم نظرا و لا يحفظونها، فاجعلهم أمتى، قال: تلك أمة أحمد، قال: رب إني أجد في التوراة أمة يؤمنون بالكتاب الأول و الآخر و يقاتلون رءوس الضلالة حتى يقاتلوا الأعور الكذاب، فاجعلهم أمتى، قال: تلك أمة أحمد، قال: رب إني أجد في التوراة أمة يأكلون صدقاتهم في بطونهم و كان من قبلهم إذا أخرج صدقته بعث اللَّه عليها نارا فأكلتها فان لم تقبل لا تقربها النار، فاجعلهم أمتى، قال: تلك أمة أحمد، قال: رب إني أجد في التوراة أمة إذا هم أحدهم بسيئة لم تكتب عليه، فان عملها كتبت عليه سيئة واحدة، و إذا هم أحدهم بحسنة و لم يعملها كتبت له حسنة، فان عملها كتب له عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، فاجعلهم أمتى، قال: تلك أمة أحمد، قال: رب إني أجد في التوراة أمة هم المستجيبون و المستجاب لهم فاجعلهم أمتى، قال: تلك أمة أحمد* قال و ذكر وهب بن منبه في قصة داود (عليه السلام) و ما أوحى إليه في الزبور: يا داود: إنه سيأتي من بعدك نبي اسمه أحمد و محمد، صادقا سيدا، لا أغضب عليه أبدا، و لا يغضبني أبدا، و قد غفرت له قبل أن يعصيني ما تقدم من ذنبه و ما تأخر، أمته مرحومة، أعطيهم من النوافل مثل ما أعطيت الأنبياء، و افترضت عليهم الفرائض التي افترضت على الأنبياء و الرسل، حتى يأتونى يوم القيامة و نورهم مثل نور الأنبياء، و ذلك أنى افترضت عليهم أن يتطهروا إلى كل صلاة، كما افترضت على الأنبياء قبلهم، و أمرتهم بالغسل من الجنابة كما أمرت الأنبياء قبلهم، و أمرتهم بالحج كما أمرت الأنبياء قبلهم، و أمرتهم بالجهاد كما أمرت الرسل قبلهم. يا داود إني فضلت محمدا و أمته على الأمم كلها، أعطيتهم ست خصال‏

63

لم أعطها غيرهم من الأمم: لا آخذهم بالخطإ و النسيان، و كل ذنب ركبوه على غير عمد إن استغفرونى منه غفرته لهم، [و ما قدموا لآخرتهم من شي‏ء طيبة به أنفسهم جعلته لهم أضعافا مضاعفة] [ (1)] و لهم في المدخر عندي أضعاف مضاعفة و أفضل من ذلك، و أعطيتهم على المصائب في البلايا إذا صبروا و قالوا: إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، الصلاة و الرحمة و الهدى إلى جنات النعيم، فان دعوني استجبت لهم فاما أن يروه عاجلا، و إما أن أصرف عنهم سوءا، و إما أن أدخره لهم في الآخرة، يا داود من لقيني من أمة محمد يشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له صادقا بها، فهو معى في جنتي و كرامتي، و من لقيني و قد كذب محمدا أو كذب بما جاء به، و استهزأ بكتابي صببت عليه في قبره العذاب صبا، و ضربت الملائكة وجهه و دبره عند منشره من قبره، ثم أدخله في الدرك الأسفل من النار* و قال الحافظ البيهقي: أخبرنا الشريف أبو الفتح العمرى، ثنا عبد الرحمن بن أبى شريح الهروي، ثنا يحيى بن محمد بن صاعد، ثنا عبد اللَّه بن شبيب أبو سعيد، حدثني محمد بن عمر بن سعيد- يعنى ابن محمد بن جبير بن مطعم- قال: حدثتني أم عثمان بنت سعيد بن محمد ابن جبير بن مطعم عن أبيها عن أبيه قال: سمعت أبى جبير بن مطعم يقول: لما بعث اللَّه اللَّه نبيه (صلى اللَّه عليه و سلم) و ظهر أمره بمكة، خرجت إلى الشام، فلما كنت ببصرى أتتنى جماعة من النصارى فقالوا لي:

أمن الحرم أنت؟ قلت: نعم، قالوا: فتعرف هذا الّذي تنبأ فيكم؟ قلت: نعم، قال: فأخذوا بيدي فأدخلونى ديرا لهم فيه تماثيل و صور، فقالوا لي: انظر هل ترى صورة هذا النبي الّذي بعث فيكم؟ فنظرت فلم أر صورته، قلت: لا أرى صورته، فأدخلونى ديرا أكبر من ذلك الدير، فإذا فيه تماثيل و صور أكثر مما في ذلك الدير، فقالوا لي: انظر هل ترى صورته؟ فنظرت فإذا أنا بصفة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و صورته، و إذا أنا بصفة أبى بكر و صورته و هو آخذ بعقب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فقالوا لي: هل ترى صفته؟ قلت: نعم، قالوا: هو هذا؟- و أشاروا إلى صفة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)- قلت:

(اللَّهمّ) نعم، أشهد أنه هو، قالوا: أ تعرف هذا الّذي آخذ بعقبه؟ قلت: نعم، قالوا: نشهد أن هذا صاحبكم و أن هذا الخليفة من بعده* و رواه البخاري في التاريخ عن محمد غير منسوب، عن محمد بن عمر هذا باسناده فذكره مختصرا، و عنده فقالوا: إنه لم يكن نبي إلا بعده نبي إلا هذا النبي* و قد ذكرنا في كتابنا التفسير عند قوله تعالى في سورة الأعراف: «الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَ الْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ» الآية ذكرنا ما أورده البيهقي و غيره من طريق أبى أمامة الباهلي عن هشام بن العاص الأموي قال: بعثت أنا و رجل من قريش إلى هرقل صاحب الروم ندعوه إلى الإسلام، فذكر اجتماعهم به و أن عرفته‏

____________

[ (1)] هذه الزيادة من التيمورية.

64

تنغصت حين ذكروا اللَّه عز و جل، فأنزلهم في دار ضيافته ثم استدعاهم بعد ثلاث فدعا بشي‏ء نحو الربعة العظيمة فيها بيوت صغار عليها أبواب، و إذا فيها صور الأنبياء ممثلة في قطع من حرير من آدم إلى محمد (صلوات اللَّه عليهم أجمعين)، فجعل يخرج لهم واحدا واحدا و يخبرهم عنه، و أخرج لهم صورة آدم ثم نوح ثم إبراهيم ثم تعجل إخراج صورة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، قال: ثم فتح بابا آخر فإذا فيها صورة بيضاء، و إذا و اللَّه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، قال: أ تعرفون هذا؟ قلنا: نعم، محمد رسول اللَّه، قال: و بكينا قال: و اللَّه يعلم أنه قام قائما ثم جلس و قال: و اللَّه إنه لهو؟ قلنا: نعم إنه لهو كما تنظر إليه، فأمسك ساعة ينظر إليها ثم قال: أما إنه كان آخر البيوت و لكنى عجلته لكم لأنظر ما عندكم، ثم ذكر تمام الحديث في إخراجه بقية صور الأنبياء و تعريفه إياهما بهم، و قال في آخره قلنا له: من أين لك هذه الصور؟

لأنا نعلم أنها ما على صوّرت عليه الأنبياء (عليهم السلام)، لأنا رأينا صورة نبينا (عليه السلام) مثله، فقال: إن آدم (عليه السلام) سأل ربه أن يريه الأنبياء من ولده، فأنزل عليه صورهم فكانت في خزانة آدم (عليه السلام) عند مغرب الشمس فاستخرجها ذو القرنين من مغرب الشمس فدفعها إلى دانيال، ثم قال: أما و اللَّه إن نفسي طابت بالخروج من ملكي و أنى كنت عبدا لأشرّكم ملكة حتى أموت، قال: ثم أجازنا فأحسن جائزتنا و سرّحنا، فلما أتينا أبا بكر الصديق رضى اللَّه عنه حدثناه بما رأينا و ما قال لنا و ما أجازنا، قال: فبكى أبو بكر فقال: مسكين لو أراد اللَّه به خيرا لفعل ثم قال: أخبرنا رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أنهم و اليهود يجدون نعت محمد (صلى اللَّه عليه و سلم) عندهم.

[و قال الواقدي: حدثني على بن عيسى الحكيمي عن أبيه، عن عامر بن ربيعة قال: سمعت زيد بن عمرو بن نفيل يقول: أنا أنتظر نبيا من ولد إسماعيل، ثم من بنى عبد المطلب و لا أرانى أدركه و أنا أومن به و أصدقه و أشهد برسالته، فان طالت بك مدة فرأيته فأقرئه منى السلام، و سأخبرك ما نعته حتى لا يخفى عليك. قلت: هلمّ، قال: هو رجل ليس بالطويل و لا بالقصير، و لا بكثير الشعر و لا بقليله، و ليست تفارق عينيه حمرة، و خاتم النبوة بين كتفيه، و اسمه أحمد، و هذا البلد مولده و مبعثه ثم يخرجه قوم منها و يكرهون ما جاء به حتى يهاجر إلى يثرب فيظهر أمره، فإياك أن تخدع عنه فانى طفت البلاد كلها أطلب دين إبراهيم فكل من سأل من اليهود و النصارى و المجوس يقولون: هذا الدين و ذاك، و ينعتونه مثل ما نعته لك، و يقولون لم يبق نبي غيره* قال عامر بن ربيعة: فلما أسلمت أخبرت النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، قول زيد بن عمرو بن نفيل و اقرائه منه السلام، فرد (عليه السلام) و ترحم عليه، و قال: قد رأيته في الجنة يسحب ذيولا.

65

كتاب دلائل النبوّة

و هي معنوية و حسية: فمن المعنوية إنزال القرآن عليه، و هو أعظم المعجزات، و أبهر الآيات، و أبين الحجج الواضحات، لما اشتمل عليه من التركيب المعجز الّذي تحدى به الانس و الجن أن يأتوا بمثله فعجزوا عن ذلك، مع توافر دواعي أعدائه على معارضته، و فصاحتهم و بلاغتهم، ثم تحداهم بعشر سور منه فعجزوا، ثم تنازل إلى التحدي بسورة من مثله، فعجزوا عنه و هم يعلمون عجزهم و تقصيرهم عن ذلك، و أن هذا ما لا سبيل لأحد إليه أبدا، قال اللَّه تعالى: «قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلى‏ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً» و هذه الآية مكية و قال في سورة الطور و هي مكية: «أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ» أي إن كنتم صادقين في أنه قاله من عنده فهو بشر مثلكم فأتوا بمثل ما جاء به فإنكم مثله* و قال تعالى في سورة البقرة و هي مدنية- معيدا للتحدى-: «وَ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى‏ عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَ ادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَ لَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَ الْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ». و قال تعالى: «أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَ ادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ». و قال تعالى: «وَ ما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى‏ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ لكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَ تَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ* أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَ ادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَ لَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ» فبين تعالى أن الخلق عاجزون عن معارضة هذا القرآن، بل عن عشر سور مثله، بل عن سورة منه، و أنهم لا يستطيعون ذلك أبدا كما قال تعالى: «فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَ لَنْ تَفْعَلُوا» أي فان لم تفعلوا في الماضي و لن تستطيعوا ذلك في المستقبل، و هذا تحدّثان و هو أنه لا يمكن معارضتهم له لا في الحال و لا في المآل و مثل هذا التحدي إنما يصدر عن واثق بأن ما جاء به لا يمكن للبشر معارضته و لا الإتيان بمثله، و لو كان من متقول من عند نفسه لخاف أن يعارض، فيفتضح و يعود عليه نقيض ما قصده من متابعة الناس له، و معلوم لكل ذي لب أن محمدا (صلى اللَّه عليه و سلم) من أعقل خلق اللَّه بل أعقلهم و أكملهم على الإطلاق في نفس الأمر، فما كان ليقدم على هذا الأمر إلا و هو عالم بأنه لا يمكن معارضته، و هكذا وقع، فإنه من لدن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و إلى زماننا هذا لم يستطع أحد أن يأتى بنظيره و لا نظير سورة منه، و هذا لا سبيل اليه أبدا، فإنه كلام رب العالمين الّذي لا يشبهه شي‏ء من خلقه لا في ذاته و لا في صفاته و لا في‏

66

أفعاله، فانى يشبه كلام المخلوقين كلام الخالق؟ و قول كفار قريش الّذي حكاه تعالى عنهم في قوله:

«وَ إِذا تُتْلى‏ عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ». كذب منهم و دعوى باطلة بلا دليل و لا برهان و لا حجة و لا بيان، و لو كانوا صادقين لأتوا بما يعارضه، بل هم يعلمون كذب أنفسهم، كما يعلمون كذب أنفسهم في قولهم‏ «أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى‏ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَ أَصِيلًا» قال اللَّه تعالى: «قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً» أي أنزله عالم الخفيات، رب الأرض و السموات، الّذي يعلم ما كان و ما يكون و ما لم يكن لو كان كيف يكون، فإنه تعالى أوحى إلى عبده و رسوله النبي الأمي الّذي كان لا يحسن الكتابة و لا يدريها بالكلية، و لا يعلم شيئا من علم الأوائل و أخبار الماضين، فقص اللَّه عليه خبر ما كان و ما هو كائن على الوجه الواقع سواء بسواء، و هو في ذلك يفصل بين الحق و الباطل الّذي اختلفت في إيراده جملة الكتب المتقدمة، كما قال تعالى: «تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَ لا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ» و قال تعالى: «كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وَ قَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً* مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْراً خالِدِينَ فِيهِ وَ ساءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ حِمْلًا» و قال تعالى: «وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَ مُهَيْمِناً عَلَيْهِ» الآية و قال تعالى: «وَ ما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَ لا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ* بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَ ما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الظَّالِمُونَ* وَ قالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَ إِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ* أَ وَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى‏ عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَ ذِكْرى‏ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ* قُلْ كَفى‏ بِاللَّهِ بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ شَهِيداً يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ وَ كَفَرُوا بِاللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ»* فبين تعالى أن نفس إنزال هذا الكتاب المشتمل على علم ما كان و ما يكون و حكم ما هو كائن بين الناس على مثل هذا النبي الأمي وحده، كان من الدلالة على صدقه، و قال تعالى: «وَ إِذا تُتْلى‏ عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى‏ إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ* قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَ لا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ* فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى‏ عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ» يقول لهم: إني لا أطيق تبديل هذا من تلقاء نفسي، و إنما اللَّه عز و جل هو الّذي يمحو ما يشاء و يثبت و أنا مبلغ عنه و أنتم تعلمون صدقى فيما جئتكم به، لأني نشأت بين أظهركم و أنتم تعلمون نسبي و صدقى و أمانتى، و أنى لم أكذب على أحد منكم يوما من الدهر، فكيف يسعني أن أكذب على اللَّه عز و جل، مالك الضر و النفع، الّذي هو على كل شي‏ء قدير، و بكل شي‏ء عليم؟

67

و أي ذنب عنده أعظم من الكذب عليه، و نسبة ما ليس منه إليه، كما قال تعالى: «وَ لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ، لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ، فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ» أي لو كذب علينا لانتقمنا منه أشد الانتقام، و ما استطاع أحد من أهل الأرض أن يحجزنا عنه و يمنعنا منه، و قال تعالى: «وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى‏ عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَ لَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْ‏ءٌ، وَ مَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَ لَوْ تَرى‏ إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَ الْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَ كُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ» و قال تعالى: «قُلْ أَيُّ شَيْ‏ءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ أُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَ مَنْ بَلَغَ» و هذا الكلام فيه الأخبار بأن اللَّه شهيد على كل شي‏ء، و أنه تعالى أعظم الشهداء، و هو مطلع عليّ و عليكم فيما جئتكم به عنه، و تتضمن قوة الكلام قسما به أنه قد أرسلنى إلى الخلق لأنذرهم بهذا القرآن، فمن بلغه منهم فهو نذير له كما قال تعالى: «وَ مَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ» ففي هذا القرآن من الأخبار الصادقة عن اللَّه و ملائكته و عرشه و مخلوقاته العلوية و السفلية كالسموات و الأرضين و ما بينهما و ما فيهن أمور عظيمة كثيرة مبرهنة بالأدلة القطعية المرشدة الى العلم بذلك من جهة العقل الصحيح، كما قال تعالى: «وَ لَقَدْ صَرَّفْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبى‏ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً و قال تعالى: وَ تِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَ ما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ» و قال تعالى‏ «وَ لَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ» و في القرآن العظيم الأخبار عما مضى على الوجه الحق و برهانه ما في كتب أهل الكتاب من ذلك شاه مع كونه نزل على رجل أمى لا يعرف الكتابة و لم يعان يوما من الدهر شيئا من علوم الأوائل، و لا أخبار الماضين، فلم يفجأ الناس إلا بوحي إليه عما كان من الأخبار النافعة، التي ينبغي أن تذكر للاعتبار بها من أخبار الأمم مع الأنبياء، و ما كان منهم من أمورهم معهم، و كيف نجى اللَّه المؤمنين و أهلك الكافرين، بعبارة لا يستطيع بشر أن يأتى بمثلها أبد الآبدين، و دهر الداهرين، ففي مكان تقص القصة موجزة في غاية البيان و الفصاحة، و تارة تبسط، فلا أحلى و لا أجلى و لا أعلى من ذلك السياق حتى كأن التالي أو السامع مشاهد لما كان، حاضر له، معاين للخبر بنفسه كما قال تعالى: «وَ ما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا وَ لكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ» و قال تعالى: «وَ ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَ ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ» و قال تعالى: في سورة يوسف: «ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَ ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَ هُمْ يَمْكُرُونَ* وَ ما أَكْثَرُ النَّاسِ وَ لَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ* وَ ما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ‏

68

مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ» إلى أن قال في آخرها «لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى‏ وَ لكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَ تَفْصِيلَ كُلِّ شَيْ‏ءٍ وَ هُدىً وَ رَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ» و قال تعالى: «وَ قالُوا لَوْ لا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَ وَ لَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى‏» و قال تعالى: «قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ، سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَ وَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ شَهِيدٌ» وعد تعالى أنه سيظهر الآيات: القرآن و صدقه و صدق من جاء به بما يخلقه في الآفاق من الآيات الدالة على صدق هذا الكتاب و في نفس المنكرين له المكذبين ما فيه حجة عليهم و برهان قاطع لشبههم، حتى يستيقنوا أنه منزل من عند اللَّه على لسان الصادق، ثم أرشد إلى دليل مستقل بقوله‏ «أَ وَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ شَهِيدٌ» أي في العلم بأن اللَّه يطلع على هذا الأمر كفاية في صدق هذا المخبر عنه، إذ لو كان مفتريا عليه لعاجله بالعقوبة البليغة كما تقدم بيان ذلك* و في هذا القرآن إخبار عما وقع في المستقبل طبق ما وقع سواء بسواء، و كذلك في الأحاديث حسب ما قررناه في كتابنا التفسير و ما سنذكره من الملاحم و الفتن كقوله تعالى: «عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى‏ وَ آخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَ آخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» و هذه السورة من أوائل ما انزل بمكة* و كذلك قوله تعالى في سورة اقتربت و هي مكية بلا خلاف: «سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَ يُوَلُّونَ الدُّبُرَ، بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَ السَّاعَةُ أَدْهى‏ وَ أَمَرُّ» وقع مصداق هذه الهزيمة يوم بدر بعد ذلك* إلى أمثال هذا من الأمور البينة الواضحة، و سيأتي فصل فيما أخبر به من الأمور التي وقعت بعده (عليه السلام) طبق ما أخبر به* و في القرآن الأحكام العادلة أمرا و نهيا، المشتملة على الحكم البالغة التي إذا تأملها ذو الفهم و العقل الصحيح قطع بأن هذه الأحكام إنما أنزلها العالم بالخفيات، الرحيم بعباده، الّذي يعاملهم بلطفه و رحمته، و إحسانه، قال تعالى‏ «وَ تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَ عَدْلًا» أي صدقا في الأخبار و عدلا في الأوامر و النواهي، و قال تعالى‏ «الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ» أي أحكمت ألفاظه و فصلت معانيه، و قال تعالى‏ «هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى‏ وَ دِينِ الْحَقِّ» أي العلم النافع و العمل الصالح* و هكذا

روى عن على بن أبى طالب رضى اللَّه عنه أنه قال لكميل بن زياد:

هو كتاب اللَّه فيه خبر ما قبلكم، و حكم ما بينكم، و نبأ ما بعدكم*

و قد بسطنا هذا كله في كتابنا التفسير بما فيه كفاية (و للَّه الحمد و المنة) فالقرآن العظيم معجز من وجوه كثيرة: من فصاحته، و بلاغته، و نظمه، و تراكيبه، و أساليبه، و ما تضمنه من الأخبار الماضية و المستقبلة، و ما اشتمل عليه من الأحكام المحكمة الجلية، و التحدي ببلاغة ألفاظه يخص فصحاء العرب، و التحدي بما اشتمل عليه من المعاني الصحيحة الكاملة- و هي أعظم في التحدي عند كثير من العلماء- يعم جميع [أهل الأرض‏] من‏

69

الملتين أهل الكتاب و غيرهم من عقلاء اليونان و الهند و الفرس و القبط و غيرهم من أصناف بنى آدم في سائر الأقطار و الأمصار* و أما من زعم من المتكلمين أن الإعجاز إنما هو من صرف دواعي الكفرة عن معارضته مع إنكار ذلك، أو هو سلب قدرتهم على ذلك، فقول باطل و هو مفرع على اعتقادهم أن القرآن مخلوق، خلقه اللَّه في بعض الاجرام، و لا فرق عندهم بين مخلوق و مخلوق، و قولهم: هذا كفر و باطل و ليس مطابقا لما في نفس الأمر، بل القرآن كلام اللَّه غير مخلوق، تكلم به كما شاء تعالى و تقدس و تنزه عما يقولون علوا كبيرا، فالخلق كلهم عاجزون حقيقة و في نفس الأمر عن الإتيان بمثله و لو تعاضدوا و تناصروا على ذلك، بل لا تقدر الرسل الذين هم أفصح الخلق و أعظم الخلق و أكملهم، أن يتكلموا بمثل كلام اللَّه و هذا القرآن [الّذي‏] يبلغه الرسول (صلى اللَّه عليه و سلم) عن اللَّه، أسلوب كلامه لا يشبه أساليب كلام رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و أساليب كلامه (عليه السلام) المحفوظة عنه بالسند الصحيح إليه لا يقدر أحد من الصحابة و لا من بعدهم أن يتكلم بمثل أساليبه في فصاحته و بلاغته، فيما يرويه من المعاني بألفاظه الشريفة، بل و أسلوب كلام الصحابة أعلى من أساليب كلام التابعين، و هلم جرا إلى زماننا. [و] علماء السلف أفصح و أعلم، و أقل تكلفا، فيما يرونه من المعاني بألفاظهم من علماء الخلف و هذا يشهده من له ذوق بكلام الناس كما يدرك تفاوت ما بين أشعار العرب في زمن الجاهلية، و بين أشعار المولدين الذين كانوا بعد ذلك، و لهذا جاء الحديث الثابت في هذا المعنى و هو فيما

رواه الامام أحمد قائلا: [حدثنا] حجاج، ثنا ليث، حدثني سعيد بن أبى سعيد عن أبيه عن أبى هريرة أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال:

ما من الأنبياء نبي إلا قد أعطى من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، و إنما كان الّذي أوتيت و حيا أوحاه اللَّه إلى، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة*

و قد أخرجه البخاري و مسلم من حديث الليث بن سعد به*

و معنى هذا أن الأنبياء (عليهم السلام) كل منهم قد أوتى من الحجج و الدلائل على صدقه و صحة ما جاء به عن ربه ما فيه كفاية و حجة لقومه الذين بعث إليهم سواء آمنوا به ففازوا بثواب إيمانهم أو جحدوا فاستحقوا العقوبة، و قوله: و إنما كان الّذي أوتيت، أي جله و أعظمه، الوحي الّذي أوحاه إليه، و هو القرآن، الحجة المستمرة الدائمة القائمة في زمانه و بعده، فان البراهين التي كانت للأنبياء انقرض زمانها في حياتهم و لم يبق منها إلا الخبر عنها، و أما القرآن فهو حجة قائمة كأنما يسمعه السامع من في رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فحجة اللَّه قائمة به في حياته (عليه السلام) و بعد وفاته، و لهذا قال: فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة، أي لاستمرار ما آتاني اللَّه من الحجة البالغة و البراهين الدامغة، فلهذا يكون يوم القيامة أكثر الأنبياء تبعا

70

فصل‏

و من الدلائل المعنوية أخلاقه (عليه السلام) الطاهرة، و خلقه الكامل، و شجاعته و حلمه و كرمه و زهده و قناعته و إيثاره و جميل صحبته، و صدقه و أمانته و تقواه و عبادته و كرم أصله و طيب مولده و منشئه و مرباه كما قدمناه مبسوطا في مواضعه، و ما أحسن ما ذكره شيخنا العلامة أبو العباس بن تيمية (رحمه اللَّه) في كتابه الّذي رد فيه على فرق النصارى و اليهود و ما أشبههم من أهل الكتاب و غيرهم، فإنه ذكر في آخره دلائل النبوة، و سلك فيها مسالك حسنة صحيحة منتجة بكلام بليغ يخضع له كل من تأمله و فهمه. قال في آخر هذا الكتاب المذكور:

فصل‏

و سيرة الرسول (صلى اللَّه عليه و سلم) و أخلاقه و أقواله و أفعاله من آياته، أي من دلائل نبوته. قال و شريعته من آياته، و أمته من آياته، و علم أمته من آياته، و دينهم من آياته، و كرامات صالحي أمته من آياته، و ذلك يظهر بتدبر سيرته من حين ولد إلى أن بعث، و من حين بعث إلى أن مات، و تدبر نسبه و بلده و أصله و فصله، فإنه كان من أشرف أهل الأرض نسبا من صميم سلالة إبراهيم الّذي جعل اللَّه في ذريته النبوة و الكتاب، فلم يأت بعد إبراهيم نبي إلا من ذريته، و جعل اللَّه له ابنين: إسماعيل و إسحاق، و ذكر في التوراة هذا و هذا، و بشر في التوراة بما يكون من ولد إسماعيل، و لم يكن من ولد إسماعيل من ظهر فيه ما بشرت به النبوات غيره، و دعا إبراهيم لذرية إسماعيل بأن يبعث اللَّه فيهم رسولا منهم. ثم الرسول (صلى اللَّه عليه و سلم) من قريش صفوة بنى إبراهيم، ثم من بنى هاشم صفوة قريش، و من مكة أم القرى و بلد البيت الّذي بناه إبراهيم و دعا الناس إلى حجه، و لم يزل محجوجا من عهد إبراهيم، مذكورا في كتب الأنبياء بأحسن وصف* و كان (صلى اللَّه عليه و سلم) من أكمل الناس تربية و نشأة، لم يزل معروفا بالصدق و البر [و مكارم الأخلاق‏] و العدل و ترك الفواحش و الظلم و كلّ وصف مذموم، مشهودا له بذلك عند جميع من يعرفه قبل النبوة، و من آمن به و من كفر بعد النبوة، و لا يعرف له شي‏ء يعاب به لا في أقواله و لا في أفعاله و لا في أخلاقه، و لا جرب عليه كذبة قط، و لا ظلم و لا فاحشة، و قد كان (صلى اللَّه عليه و سلم) خلقه و صورته من أحسن الصور و أتمها و أجمعها للمحاسن الدالة على كماله، و كان أميا من قوم أميين لا يعرف هو و لا هم ما يعرفه أهل الكتاب [من‏] التوراة و الإنجيل، و لم يقرأ شيئا من علوم الناس، و لا جالس أهلها، و لم يدّع نبوة إلى أن أكمل [اللَّه‏] له أربعين سنة، فأتى بأمر هو أعجب الأمور و أعظمها، و بكلام لم يسمع الأولون و الآخرون بنظيره، و أخبر بأمر لم يكن في بلده و قومه من يعرف مثله، ثم اتبعه‏

71

أتباع الأنبياء و هم ضعفاء الناس، و كذبه أهل الرئاسة و عادوه، و سعوا في هلاكه و هلاك من اتبعه بكل طريق، كما كان الكفار يفعلون بالأنبياء و أتباعهم، و الذين اتبعوه لم يتبعوه لرغبة و لا لرهبة فإنه لم يكن عنده مال يعطيهم و لا جهات يوليهم إياها، و لا كان له سيف، بل كان السيف و الجاه و المال مع أعدائه و قد آذوا أتباعه بأنواع الأذى و هم صابرون محتسبون لا يرتدون عن دينهم، لما خالط قلوبهم من حلاوة الايمان و المعرفة، و كانت مكة يحجها العرب من عهد إبراهيم فيجتمع في الموسم قبائل العرب فيخرج إليهم يبلغهم الرسالة و يدعوهم إلى اللَّه صابرا على ما يلقاه من تكذيب المكذب، و جفاء الجافي، و إعراض المعرض، إلى أن اجتمع بأهل يثرب و كانوا جيران اليهود، و قد سمعوا أخباره منهم و عرفوه فلما دعاهم علموا أنه النبي المنتظر الّذي يخبرهم به اليهود، و كانوا سمعوا من أخباره أيضا ما عرفوا به مكانته فان أمره كان قد انتشر و ظهر في بضع عشرة سنة، فآمنوا به و بايعوه على هجرته و هجرته أصحابه إلى بلدهم، و على الجهاد معه، فهاجر هو و من اتبعه إلى المدينة، و بها المهاجرون و الأنصار ليس فيهم من آمن برغبة دنيوية، و لا برهبة إلا قليلا من الأنصار أسلموا في الظاهر ثم حسن إسلام بعضهم، ثم أذن له في الجهاد، ثم أمر به، و لم يزل قائما بأمر اللَّه على أكمل طريقة و أتمها، من الصدق و العدل و الوفاء لا يحفظ له كذبة واحدة، و لا ظلم لأحد، و لا غدر بأحد، بل كان أصدق الناس و أعدلهم و أوفاهم بالعهد مع اختلاف الأحوال، من حرب و سلم، [و أمن‏] و خوف، و غنى و فقر، و قدرة و عجز، و تمكن و ضعف، و قلة و كثرة، و ظهور على العدو تارة، و ظهور العدو تارة، و هو على ذلك كله لازم لأكمل الطرق و أتمها، حتى ظهرت الدعوة في جميع أرض العرب التي كانت مملوءة من عبادة الأوثان، و من أخبار الكهان، و طاعة المخلوق في الكفر بالخالق، و سفك الدماء المحرمة، و قطيعة الأرحام، لا يعرفون آخرة و لا معادا، فصاروا أعلم أهل الأرض و أدينهم و أعدلهم و أفضلهم، حتى ان النصارى لما رأوهم حين قدموا الشام قالوا: ما كان الذين صحبوا المسيح أفضل من هؤلاء* و هذه آثار علمهم و عملهم في الأرض و آثار غيرهم تعرف العقلاء فرق ما بين الأمرين. و هو (صلى اللَّه عليه و سلم) مع ظهور أمره، و طاعة الخلق له، و تقديمهم له على الأنفس و الأموال، مات و لم يخلف درهما و لا دينارا، و لا شاة و لا بعيرا، إلا بغلته و سلاحه و درعه مرهونة عند يهودي على ثلاثين وسقا من شعير ابتاعها لأهله، و كان بيده عقار ينفق منه على أهله، و الباقي يصرفه في مصالح المسلمين، فحكم بأنه لا يورث و لا يأخذ ورثته شيئا من ذلك و هو في كل وقت يظهر من عجائب الآيات و فنون الكرامات ما يطول وصفه، و يخبرهم بما كان و ما يكون، و يأمرهم بالمعروف و ينهاهم عن المنكر، و يحل لهم الطيبات و يحرم عليهم الخبائث، و يشرع الشريعة شيئا بعد شي‏ء، حتى أكمل اللَّه دينه الّذي بعثه به، و جاءت شريعته أكمل شريعة، لم يبق معروف تعرف العقول أنه معروف الا أمر به، و لا منكر تعرف العقول أنه منكر إلا نهى عنه، لم‏

72

يأمر بشي‏ء فقيل: ليته لم يأمر به، و لا نهى عن شي‏ء فقيل: ليته لم ينه عنه، و أحل لهم الطيبات لم يحرم منها شيئا كما حرم في شريعة غيره، و حرم و الخبائث لم يحل منها شيئا كما استحل غيره، و جمع محاسن ما عليه الأمم، فلا يذكر في التوراة و الإنجيل و الزبور نوع من الخبر عن اللَّه و عن الملائكة و عن اليوم الآخر الا و قد جاء به على أكمل وجه، و أخبر بأشياء ليست في الكتب و ليس في الكتب إيجاب لعدل و قضاء بفضل و ندب إلى الفضائل و ترغيب في الحسنات إلا و قد جاء به و بما هو أحسن منه، و إذا نظر اللبيب في العبادات التي شرعها و عبادات غيره من الأمم ظهر له فضلها و رجحانها، و كذلك في الحدود و الأحكام و سائر الشرائع، و أمته أكمل الأمم في كل فضيلة، و إذا قيس علمهم بعلم سائر الأمم ظهر فضل علمهم، و إن قيس دينهم و عبادتهم و طاعتهم للَّه بغيرهم ظهر أنهم أدين من غيرهم، و إذا قيس شجاعتهم و جهادهم في سبيل اللَّه و صبرهم على المكاره في ذات اللَّه، ظهر أنهم أعظم جهادا و أشجع قلوبا، و إذا قيس سخاؤهم و برهم و سماحة أنفسهم بغيرهم، ظهر أنهم أسخى و أكرم من غيرهم* و هذه الفضائل به نالوها، و منه تعلموها، و هو الّذي أمرهم بها، لم يكونوا قبله متبعين لكتاب جاء هو بتكميله، كما جاء المسيح بتكميل شريعة التوراة، فكانت فضائل أتباع المسيح و علومهم بعضها من التوراة و بعضها من الزبور و بعضها من النبوات و بعضها من المسيح و بعضها ممن بعده من الجواريين و من بعض الحواريين، و قد استعانوا بكلام الفلاسفة و غيرهم حتى أدخلوا- لما غيروا [من‏] دين المسيح- في دين المسيح أمورا من أمور الكفار المناقضة لدين المسيح. و أما أمة محمد (صلى اللَّه عليه و سلم) فلم يكونوا قبله يقرءون كتابا، بل عامتهم ما آمنوا بموسى و عيسى و داود و التوراة و الإنجيل و الزبور إلا من جهته، و هو الّذي أمرهم أن يؤمنوا بجميع الأنبياء، و يقروا بجميع الكتب المنزلة من عند اللَّه، و نهاهم عن أن يفرقوا بين أحد من الرسل، فقال تعالى في الكتاب الّذي جاء به: «قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَ ما أُنْزِلَ إِلى‏ إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ وَ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ وَ الْأَسْباطِ وَ ما أُوتِيَ مُوسى‏ وَ عِيسى‏ وَ ما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَ نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَ إِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ» و قال تعالى: «آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَ الْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَ مَلائِكَتِهِ وَ كُتُبِهِ وَ رُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ، وَ قالُوا سَمِعْنا وَ أَطَعْنا، غُفْرانَكَ رَبَّنا وَ إِلَيْكَ الْمَصِيرُ، لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها» [لَها ما كَسَبَتْ وَ عَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ‏] [ (1)] الآية* و أمته (عليه السلام) لا يستحلون أن يوجدوا شيئا من الدين غير ما جاء به، و لا يبتدعون بدعة ما أنزل اللَّه بها من سلطان، و لا يسرعون من الدين ما لم يأذن به اللَّه، لكن ما قصه عليهم من أخبار الأنبياء و أممهم، اعتبروا به، و ما

____________

[ (1)] جميع ما بين الأقواس المربعة في هذه الملزمة من زيادة التيمورية.

73

حدثهم أهل الكتاب موافقا لما عندهم صدقوه، و ما لم يعلم صدقه و لا كذبه أمسكوا عنه، و ما عرفوا بأنه باطل كذبوه، و من أدخل في الدين ما ليس منه من أقوال متفلسفة الهند و الفرس و اليونان أو غيرهم، كان عندهم من أهل الإلحاد و الابتداع* و هذا هو الدين الّذي كان عليه أصحاب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و التابعون، و هو الّذي عليه أئمة الدين الذين لهم في الأمة لسان صدق، و عليه جماعة المسلمين و عامتهم، و من خرج عن ذلك كان مذموما مدحورا عند الجماعة، و هو مذهب أهل السنة و الجماعة، الظاهرين إلى قيام الساعة، الذين‏

قال فيهم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

«لا تزال طائفة من أمتى ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم و لا من خذلهم حتى تقوم الساعة»

و قد يتنازع بعض المسلمين مع اتفاقهم على هذا الأصل الّذي هو دين الرسل عموما، و دين محمد (صلى اللَّه عليه و سلم) خصوصا، و من خالف في هذا الأصل كان عندهم ملحدا مذموما، ليسوا كالنصارى الذين ابتدعوا دينا ما قام به أكابر علمائهم و عبادهم و قاتل عليه ملوكهم، و دان به جمهورهم، و هو دين مبتدع ليس هو دين المسيح و لا دين غيره من الأنبياء، و اللَّه سبحانه أرسل رسله بالعلم النافع، و العمل الصالح، فمن اتبع الرسل حصل له سعادة الدنيا و الآخرة، و إنما دخل في البدع من قصر في اتباع الأنبياء علما و عملا* و لما بعث اللَّه محمدا (صلى اللَّه عليه و سلم) بالهدى و دين الحق، تلقى ذلك عنه المسلمون [من أمته‏]، فكل علم نافع و عمل صالح عليه أمة محمد، أخذوه عن نبيهم كما ظهر لكل عاقل أن أمته أكمل الأمم في جميع الفضائل، العلمية و العملية، و معلوم أن كل كمال في الفرع المتعلّم هو في الأصل المعلّم، و هذا يقتضي أنه (عليه السلام) كان أكمل الناس علما و دينا* و هذه الأمور توجب العلم الضروريّ بأنه كان صادقا في‏

قوله:

«إني رسول اللَّه إليكم جميعا»

لم يكن كاذبا مفتريا، فان هذا القول لا يقوله إلا من هو من خيار الناس و أكملهم، إن كان صادقا، أو من هو من أشر الناس و أخبثهم إن كان كاذبا، و ما ذكر من كمال علمه و دينه يناقض الشر و الخبث و الجهل، فتعين أنه متصف بغاية الكمال في العلم و الدين، و هذا يستلزم أنه كان صادقا في‏

قوله:

«إني رسول اللَّه إليكم جميعا»

لأن الّذي لم يكن صادقا إما أن يكون متعمدا للكذب أو مخطئا و الأول يوجب أنه كان ظالما غاويا، و الثاني يقتضي أنه كان جاهلا ضالا، و محمد (صلى اللَّه عليه و سلم) كان علمه ينافي جهله، و كمال دينه ينافي تعمد الكذب، فالعلم بصفاته يستلزم العلم بأنه لم يكن يتعمد الكذب و لم يكن جاهلا يكذب بلا علم، و إذا انتفى هذا و ذاك تعين أنه كان صادقا عالما بأنه صادق و لهذا نزهه اللَّه عن هذين الأمرين بقوله تعالى: «وَ النَّجْمِ إِذا هَوى‏، ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَ ما غَوى‏، وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى‏، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى‏» و قال تعالى عن الملك الّذي جاء به‏ «إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ» ثم قال عنه: «وَ ما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ، وَ لَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ وَ ما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ، وَ ما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ، فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ، إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ»

74

و قال تعالى‏ «وَ إِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلى‏ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ، بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ» إلى قوله: «هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى‏ مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ، تَنَزَّلُ عَلى‏ كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ، يُلْقُونَ السَّمْعَ وَ أَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ» بين سبحانه أن الشيطان إنما ينزل على من يناسبه ليحصل به غرضه، فان الشيطان يقصد الشر، و هو الكذب و الفجور، و لا يقصد الصدق و العدل، فلا يقترن إلا بمن فيه كذب إما عمدا و إما خطأ و فجورا أيضا فان الخطأ في الدين هو من الشيطان أيضا كما قال ابن مسعود لما سئل عن مسألة: أقول فيها برأي فان يكن صوابا فمن اللَّه، و إن يكن خطأ فمنى و من الشيطان، و اللَّه و رسوله بريئان منه، فان رسول اللَّه بري‏ء من تنزل الشياطين عليه في العمد و الخطأ، بخلاف غير الرسول فإنه قد يخطئ و يكون خطؤه من الشيطان، و إن كان خطؤه مغفورا له، فإذا لم يعرف له خبرا أخبر به كان فيه مخطئا، و لا أمرا أمر به كان فيه فاجرا علم أن الشيطان لم ينزل عليه و إنما ينزل عليه ملك كريم، و لهذا قال في الآية الأخرى عن النبي: «إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، وَ ما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ، وَ لا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ، تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ» انتهى ما ذكره، و هذا عين ما أورده بحروفه.

باب‏

و أما دلائل النبوة الحسية أعنى المشاهدة بالأبصار فسماوية و أرضية و من أعظم ذلك كله انشقاق القمر المنير فرقتين، قال اللَّه تعالى: «اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَ انْشَقَّ الْقَمَرُ وَ إِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَ يَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ، وَ كَذَّبُوا وَ اتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ وَ كُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ، وَ لَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ، حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ» و قد اتفق العلماء مع بقية الأئمة على أن انشقاق القمر كان في عهد رسول اللَّه، (صلى اللَّه عليه و سلم)، و قد وردت الأحاديث بذلك من طرق تفيد القطع عند الأمة.

رواية أنس بن مالك*

قال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، ثنا معمر عن قتادة عن أنس قال:

سأل أهل مكة النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) آية فانشق القمر بمكة فرقتين، فقال: «اقتربت الساعة و انشق القمر».

و رواه مسلم عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق* و قال البخاري: حدثني عبد اللَّه بن عبد الوهاب، ثنا بشر بن المفضل، ثنا سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن أنس بن مالك أن أهل مكة سألوا رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أن يريهم آية فأراهم القمر شقين، حتى رأوا حراء بينهما* و أخرجاه في الصحيحين من حديث شيبان عن قتادة، و مسلم من حديث شعبة عن قتادة.

رواية جبير بن مطعم‏

قال أحمد: حدثنا محمد بن كثير، ثنا سليمان بن بكير، عن حصين بن عبد الرحمن، عن محمد،

75

ابن جبير بن مطعم عن أبيه قال: انشق القمر على عهد رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فصار فرقتين: فرقة على هذا الجبل و فرقة على هذا الجبل، فقالوا: سحرنا محمد، فقالوا: إن كان سحرنا فإنه لا يستطيع أن يسحر الناس* تفرد به أحمد* و رواية ابن جرير و البيهقي من طرق عن حصين بن عبد الرحمن به.

رواية حذيفة بن اليمان‏

قال أبو جعفر بن جرير: حدثني يعقوب، حدثني ابن علية، أنا عطاء بن السائب عن أبى عبد الرحمن السلمي قال: نزلنا المدائن فكنا منها على فرسخ فجاءت الجمعة فحضر أبى و حضرت معه، فخطبنا حذيفة فقال: إن اللَّه تعالى يقول: «اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَ انْشَقَّ الْقَمَرُ» ألا و إن الساعة قد اقتربت، ألا و إن القمر قد انشق، ألا و إن الدنيا قد آذنت بفراق، ألا و إن اليوم المضمار و غدا السباق. فقلت لأبى: أ تستبق الناس غدا؟ فقال: يا بنى إنك لجاهل، إنما هو السباق بالأعمال، ثم جاءت الجمعة الأخرى فحضرها فخطب حذيفة، فقال: ألا إن اللَّه يقول: «اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَ انْشَقَّ الْقَمَرُ، ألا و إن الدنيا قد آذنت بفراق، [و رواه أبو زرعة الرازيّ في كتاب دلائل النبوة من غير وجه عن عطاء بن السائب عن أبى عبد الرحمن عن حذيفة فذكر نحوه، و قال: ألا و إن القمر قد انشق على عهد رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)‏] [ (1)] ألا و إن اليوم المضمار و غدا السباق، ألا و إن الغاية النار، و السابق من سبق إلى الجنة.

رواية عبد اللَّه بن عباس‏

قال البخاري: ثنا يحيى بن بكير، ثنا بكر عن جعفر عن عراك بن مالك، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة عن ابن عباس قال: انشق القمر في زمان النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)* و رواه البخاري أيضا و مسلم من حديث بكر بن مضر عن جعفر بن ربيعة به.

طريق أخرى عنه- قال ابن جرير: ثنا ابن مثنى، ثنا عبد الأعلى، ثنا داود بن أبى هند عن على بن أبى طلحة عن ابن عباس في قوله: «اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَ انْشَقَّ الْقَمَرُ، و إن يروا آية يعرضوا و يقولوا سحر مستمر» قال: قد مضى ذلك، كان قبل الهجرة انشق القمر حتى رأوا شقيه* و روى العوفيّ عن ابن عباس نحوا من هذا* و قد روى من وجه آخر عن ابن عباس فقال أبو القاسم الطبراني: ثنا أحمد بن عمرو البزار، ثنا محمد بن يحيى القطيعي، ثنا محمد بن بكير، ثنا ابن جريج عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس قال: كسف القمر على عهد رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقالوا:

سحر القمر، فنزلت: «اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَ انْشَقَّ الْقَمَرُ و إن يروا آية يعرضوا و يقولوا سحر مستمر»

____________

[ (1)] جميع ما بين الأقواس المربعة زيادة من التيمورية.

76

و هذا سياق غريب* و قد يكون حصل للقمر مع انشقاقه كسوف فيدل على أن انشقاقه إنما كان في ليالي إبداره و اللَّه أعلم.

رواية عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب‏

قال الحافظ أبو بكر البيهقي: أنا أبو عبد اللَّه الحافظ و أبو بكر أحمد بن الحسن القاضي قالا:

ثنا أبو العباس الأصم، ثنا العباس بن محمد الدوري: ثنا وهب بن جرير، عن شعبة عن الأعمش [عن مجاهد] عن عبد اللَّه بن عمر [بن الخطاب‏] في قوله: «اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَ انْشَقَّ الْقَمَرُ».

قال: و قد كان ذلك على عهد رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)

انشق فلقتين فلقة من دون الجبل و فلقة من خلف الجبل فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): اللَّهمّ اشهد،

و هكذا رواه مسلم و الترمذي من طرق عن شعبة عن الأعمش عن مجاهد قال: مسلم كرواية مجاهد عن أبى معمر عن ابن مسعود و قال الترمذي: حسن صحيح.

رواية عبد اللَّه بن مسعود

قال الامام أحمد: ثنا سفيان عن أبى نجيح عن مجاهد عن أبى معمر عن ابن مسعود قال:

انشق القمر على عهد رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) شقتين حتى نظروا إليه، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) اشهدوا*

و رواه البخاري و مسلم من حديث سفيان بن عيينة، و أخرجاه من حديث الأعمش عن إبراهيم عن أبى معمر عبد اللَّه بن سخبرة عن ابن مسعود به.

قال البخاري: و قال أبو الضحى عن مسروق عن عبد اللَّه بمكة* و هذا الّذي علقه البخاري قد أسنده أبو داود الطيالسي في مسندة، فقال: حدثنا أبو عوانة عن المغيرة عن أبى الضحى عن مسروق بن عبد اللَّه بن مسعود قال: انشق القمر على عهد رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقالت قريش: هذا سحر ابن أبى كبشة، قال: فقالوا: انظروا ما يأتينا به السفّار فان محمدا لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم، قال: فجاء السّفّار فقالوا ذلك* و روى البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن ابن عباس الدوري عن سعيد بن سليمان عن هشام عن مغيرة عن أبى الضحى عن مسروق عن عبد اللَّه قال: انشق القمر بمكة حتى صار فرقتين، فقالت كفار قريش أهل مكة:

هذا سحر سحركم به ابن أبى كبشة، انظروا المسافرين فان كانوا رأوا ما رأيتم فقد صدق، و إن كانوا لم يروا ما رأيتم فهو سحر سحركم به، قال: فسئل السفار- و قدموا من كل وجه- فقالوا: رأيناه* و رواه ابن جرير من حديث المغيرة و زاد: فأنزل اللَّه: «اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَ انْشَقَّ الْقَمَرُ»* و قال الامام أحمد: حدثنا مؤمل عن إسرائيل عن سماك عن إبراهيم عن الأسود عن عبد اللَّه قال: انشق القمر على عهد رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) حتى رأيت الجبل بين فرقتي القمر* و روى ابن جرير عن يعقوب الدوري عن ابن علية عن أيوب عن محمد بن سيرين قال: نبئت أن ابن مسعود كان يقول: لقد انشق القمر، ففي صحيح البخاري عن ابن مسعود أنه كان يقول: خمس قد مضين: الروم، و اللزام، و البطشة و الدخان‏

77

و القمر، في حديث طويل عنه مذكور في تفسير سورة الدخان، [و قال أبو زرعة في الدلائل: حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقيّ، حدثنا الوليد، عن الأوزاعي عن ابن بكير قال: انشق القمر بمكة و النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) قبل الهجرة فخر شقتين فقال المشركون: سحره ابن أبى كبشة، و هذا مرسل من هذا الوجه‏] فهذه طرق عن هؤلاء الجماعة من الصحابة، و شهرة هذا الأمر تغني عن إسناده مع وروده في الكتاب العزيز* و ما يذكره بعض القصاص من أن القمر دخل في جيب النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) و خرج من كمه، و نحو هذا الكلام فليس له أصل يعتمد عليه، و القمر في حال انشقاقه لم يزايل السماء بل انفرق باثنتين و سارت إحداهما حتى صارت وراء جبل حراء، و الأخرى من الناحية الأخرى، و صار الجبل بينهما، و كلتا الفرقتين في السماء و أهل مكة ينظرون إلى ذلك، و ظن كثير من جهلتهم أن هذا شي‏ء سحرت به أبصارهم، فسألوا من قدم عليهم من المسافرين فأخبروهم بنظير ما شاهدوه، فعلموا صحة ذلك و تيقنوه* فان قيل: فلم لم يعرف هذا في جميع أقطار الأرض؟ فالجواب و من ينفى ذلك، و لكن تطاول العهد و الكفرة يجحدون بآيات اللَّه، و لعلهم لما أخبروا أن هذا كان آية لهذا النبي المبعوث، تداعت آراؤهم الفاسدة على كتمانه و تناسيه، على أنه قد ذكر غير واحد من المسافرين أنهم شاهدوا هيكلا بالهند مكتوبا عليه أنه بنى في الليلة التي انشق القمر فيها* ثم لما كان انشقاق القمر ليلا قد يخفى أمره على كثير من الناس لأمور مانعة من مشاهدته في تلك الساعة، من غيوم متراكمة كانت تلك الليلة في بلدانهم، و لنوم كثير منهم، أو لعله كان في أثناء الليل حيث ينام كثير من الناس و غير ذلك من الأمور و اللَّه أعلم* و قد حرّرنا هذا فيما تقدم في كتابنا التفسير* فأما حديث رد الشمس بعد مغيبها فقد أنبأنى شيخنا المسند الرحلة بهاء الدين القاسم بن المظفر ابن تاج الأمناء بن عساكر [إذنا و] قال: أخبرنا الحافظ أبو عبد اللَّه محمد بن أحمد بن عساكر المشهور بالنسابة، قال: أخبرنا أبو المظفر بن القشيري و أبو القاسم المستملي قالا: ثنا أبو عثمان المحبر أنا أبو محمد عبد اللَّه بن محمد بن الحسن؟ الدبايعانى [ (1)] بها، أنا محمد بن أحمد بن محبوب. و في حديث ابن القشيري: ثنا أبو العباس المحبوبي، ثنا سعيد بن مسعود ح،

قال الحافظ أبو القاسم بن عساكر و أنا أبو الفتح الماهاني، أنا شجاع بن على، أنا أبو عبد اللَّه بن مندة، أنا عثمان بن أحمد الننسى، أنا أبو أمية محمد بن إبراهيم قال: حدثنا عبيد اللَّه بن موسى، ثنا فضيل بن مرزوق عن إبراهيم بن الحسن، زاد أبو أمية بن الحسن عن فاطمة بنت الحسين عن أسماء بنت عميس قالت:

كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يوحى إليه و رأسه في حجر على فلم يصل العصر حتى غربت الشمس، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) صليت العصر؟ و قال أبو أمية: صليت يا على؟ قال: لا، قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و قال أبو أمية:

____________

[ (1)] كذا.

78

فقال النبي (صلى اللَّه عليه و سلم): اللَّهمّ إنه كان في طاعتك و طاعة نبيك، و قال أبو أمية: رسولك، فاردد عليه الشمس، قالت أسماء: فرأيتها غربت ثم رأيتها طلعت بعد ما غربت*

و قد رواه الشيخ أبو الفرج ابن الجوزي في الموضوعات من طريق أبى عبد اللَّه بن مندة كما تقدم و من طريق أبى جعفر العقيلي:

ثنا أحمد بن داود، ثنا عمار بن مطر، ثنا فضيل بن مرزوق فذكره‏

،

ثم قال: و هذا حديث موضوع، و قد اضطرب الرواة فيه فرواه سعيد بن مسعود عن عبيد اللَّه بن موسى عن فضيل بن مرزوق عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن دينار عن على بن الحسن عن فاطمة بنت على عن أسماء. و هذا تخليط في الرواية. قال: و أحمد بن داود ليس بشي‏ء، قال الدارقطنيّ متروك كذاب، و قال ابن حبان كان يضع الحديث* و عمار بن مطر قال فيه العقيلي: كان يحدث عن الثقات بالمناكير، و قال ابن عدي: متروك الحديث. قال: و فضيل بن مرزوق قد ضعفه يحيى، و قال ابن حبان: يروى الموضوعات و يخطئ عن الثقات، و به قال الحافظ بن عساكر* قال: و أخبرنا أبو محمد عن طاوس، أنا عاصم بن الحسن أنا أبو عمرو بن مهدي، أنا أبو العباس بن عقدة، ثنا أحمد بن يحيى الصوفي، حدثنا عبد الرحمن بن شريك، حدثني أبى عن عروة بن عبد اللَّه بن قشير قال: دخلت على فاطمة بنت على فرأيت في عنقها خرزة، و رأيت في يديها مسكتين غليظتين- و هي عجوز كبيرة- فقلت لها: ما هذا؟ فقالت:

إنه يكره للمرأة أن تتشبه بالرجال، ثم حدثتني أن أسماء بنت عميس حدثتها أن على بن أبى طالب دفع إلى النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) و قد أوحى إليه فجلله بثوبه فلم يزل كذلك حتى أدبرت الشمس يقول: غابت أو كادت أن تغيب، ثم‏

إن نبي اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) سرّى عنه فقال:

أ صليت يا على؟ قال: لا، فقال النبي (صلى اللَّه عليه و سلم):

اللَّهمّ ردّ على عليّ الشمس، فرجعت حتى بلغت نصف المسجد،

قال عبد الرحمن: و قال أبى حدثني موسى الجهنيّ نحوه* ثم قال الحافظ ابن عساكر: هذا حديث منكر، و فيه غير واحد من المجاهيل.

و قال الشيخ أبو الفرج بن الجوزي في الموضوعات: و قد روى ابن شاهين هذا الحديث عن ابن عقدة فذكره، ثم قال: و هذا باطل، و المتهم به ابن عقدة، فإنه كان رافضيا يحدث بمثالب الصحابة، قال الخطيب: ثنا على بن محمد بن نصر، سمعت حمزة بن يوسف يقول: كان ابن عقدة بجامع براثا يملى مثالب الصحابة أو قال: الشيخين فتركته، و قال الدارقطنيّ: كان ابن عقدة رجل سوء، و قال ابن عدي: سمعت أبا بكر بن أبى غالب يقول: ابن عقدة لا يتدين بالحديث لأنه كان يحمل شيوخا بالكوفة على الكذب فيسوّى لهم نسخا و يأمرهم أن يرووها، و قد بيّنا كذبه من عند [ (1)] شيخ بالكوفة* و قال الحافظ أبو بشر الدولابي في كتابه «الذرية الطاهرة»:

حدثنا إسحاق بن يونس، ثنا سويد بن سعيد، ثنا المطلب بن زياد عن إبراهيم بن حبان عن عبد اللَّه بن حسن عن فاطمة بنت الحسين عن الحسين‏

____________

[ (1)] كذا. و لعله «عن غير».

79

قال:

كان رأس رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في حجر على و هو يوحى إليه‏

فذكر الحديث بنحو ما تقدم، إبراهيم ابن حبان هذا تركه الدارقطنيّ و غيره، و قال محمد بن ناصر البغدادي الحافظ: هذا الحديث موضوع، قال شيخنا الحافظ أبو عبد اللَّه الذهبي: و صدق ابن ناصر، و قال ابن الجوزي: و قد رواه ابن مردويه من طريق حديث داود بن واهح [ (1)] عن أبى هريرة قال: نام رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و رأسه في حجر على و لم يكن صلى العصر حتى غربت الشمس فلما قام رسول اللَّه دعا له فردّت عليه الشمس حتى صلى ثم غابت ثانية* ثم قال: و داود ضعفه شعبة، ثم قال ابن الجوزي و من تغفيل واضع هذا الحديث أنه نظر إلى صورة فضله و لم يتلمح عدم الفائدة فان صلاة العصر بغيبوبة الشمس صارت قضاء فرجوع الشمس لا يعيدها أداء،

و في الصحيح عن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

أن الشمس لم تحبس على أحد إلا ليوشع*

قلت: هذا الحديث ضعيف و منكر من جميع طرقه فلا تخلو واحدة منها عن شيعي و مجهول الحال و شيعي و متروك و مثل هذا الحديث لا يقبل فيه خبر واحد إذا اتصل سنده، لأنه من باب ما تتوفر الدواعي على نقله فلا بد من نقله بالتواتر و الاستفاضة لا أقل من ذلك، و نحن لا ننكر هذا في قدرة اللَّه تعالى و بالنسبة إلى جناب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فقد ثبت في الصحيح أنها ردت ليوشع بن نون، و ذلك يوم حاضر بيت المقدس، و اتفق ذلك في آخر يوم الجمعة و كانوا لا يقاتلون يوم السبت فنظر إلى الشمس و قد تنصفت للغروب فقال: إنك مأمورة، و أنا مأمور. اللَّهمّ احبسها على، فحبسها اللَّه عليه حتى فتحوها* و رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أعظم جاها و أجل منصبا و أعلى قدرا من يوشع بن نون، بل من سائر الأنبياء على الإطلاق و لكن لا نقول إلا ما صح عندنا [عنه‏] و لا نسند إليه ما ليس بصحيح، و لو صح لكنا من أول القائلين به، و المعتقدين له و باللَّه المستعان* و قال الحافظ أبو بكر محمد بن حاتم بن زنجويه البخاري في كتابه «إثبات إمامة أبى بكر الصديق» فان قال قائل من الروافض: إن أفضل فضيلة لأبى الحسن و أدل [دليل‏] على إمامته ما

روى عن أسماء بنت عميس قالت:

كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يوحى إليه و رأسه في حجر على بن أبى طالب فلم يصل العصر حتى غربت الشمس، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) لعلى: صليت؟ قال: لا، فقال رسول اللَّه: اللَّهمّ إنه كان في طاعتك و طاعة رسولك فاردد عليه الشمس، قالت أسماء: فرأيتها غربت ثم رأيتها طلعت بعد ما غربت.

قيل له: كيف لنا لو صح هذا الحديث فنحتج على مخالفينا من اليهود و النصارى، و لكن الحديث ضعيف جدا لا أصل له، و هذا مما كسبت أيدي الروافض، و لو ردت الشمس بعد ما غربت لرآها المؤمن و الكافر و نقلوا إلينا أن في يوم كذا من شهر كذا في سنة كذا ردت الشمس بعد ما غربت. ثم يقال للروافض:

أ يجوز أن ترد الشمس لأبى الحسن حين فاتته صلاة العصر، و لا ترد لرسول اللَّه و لجميع المهاجرين‏

____________

[ (1)] كذا، و في التيمورية برسم؟ «فرايح».

80

و الأنصار و على فيهم حين فاتتهم صلاة الظهر و العصر و المغرب يوم الخندق؟* قال: و أيضا مرة أخرى عرس رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بالمهاجرين و الأنصار حين قفل من غزوة خيبر، فذكر نومهم عن صلاة الصبح و صلاتهم لها بعد طلوع الشمس، قال: فلم يرد الليل على رسول اللَّه و على أصحابه، قال: و لو كان هذا فضلا أعطيه رسول اللَّه و ما كان اللَّه ليمنع رسوله شرفا و فضلا- يعنى أعطيه على بن أبى طالب- ثم قال! و قال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني: قلت لمحمد بن عبيد الطنافسي ما تقول فيمن يقول:

رجعت الشمس على على بن أبى طالب حتى صلّى العصر؟ فقال: من قال هذا فقد كذب. و قال إبراهيم ابن يعقوب: سألت يعلى بن عبيد الطنافسي قلت: إن ناسا عندنا يقولون: إن عليا وصى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و رجعت عليه الشمس، فقال: كذب هذا كله.

فصل في إيراد طرق هذا الحديث من أماكن متفرقة- و قد جمع فيه أبو القاسم عبيد اللَّه بن عبد اللَّه ابن أحمد الحسكانيّ جزءا و سماه مسألة في تصحيح رد الشمس و ترغيم النواصب الشمس‏

و قال: قد روى ذلك من طريق أسماء بنت عميس و على بن أبى طالب و أبى هريرة و أبى سعيد الخدريّ‏

ثم رواه من طريق أحمد بن صالح المصري، و أحمد بن الوليد الأنطاكي، و الحسن بن داود ثلاثتهم عن محمد بن إسماعيل بن أبى فديك، و هو ثقة أخبرنى محمد بن موسى الفطري المدني و هو ثقة أيضا عن عون بن محمد، قال: و هو ابن محمد بن الحنفية عن أمه أم جعفر بنت محمد بن جعفر بن أبى طالب عن جدتها أسماء بنت عميس‏

أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) صلّى الظهر بالصهباء من أرض خيبر ثم أرسل عليا في حاجة فجاء و قد صلّى رسول اللَّه العصر فوضع رأسه في حجر على و لم يحركه حتى غربت الشمس فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): اللَّهمّ إن عبدك عليا احتبس نفسه على نبيه فرد عليه شرقها، قالت أسماء: فطلعت الشمس حتى رفعت على الجبال فقام على فتوضأ و صلّى العصر ثم غابت الشمس*

و هذا الاسناد فيه من يجهل حاله فان عونا هذا و أمه لا يعرف أمرهما بعدالة و ضبط يقبل بسببهما خبرهما فيما هو دون هذا المقام، فكيف يثبت بخبرهما هذا الأمر العظيم الّذي لم يروه أحد من أصحاب الصحاح و لا السنن و لا المسانيد المشهورة فاللَّه أعلم* و لا ندري أسمعت أم هذا من جدتها أسماء بنت عميس أم لا، ثم أورده هذا المص من طريق الحسين بن الحسن الأشقر و هو شيعي جلد و ضعفه غير واحد عن الفضيل بن مرزوق عن إبراهيم بن الحسين بن الحسن عن فاطمة بنت الحسين الشهيد عن أسماء بنت عميس فذكر الحديث. قال و قد رواه عن فضيل بن مرزوق جماعة منهم، عبيد اللَّه بن موسى، ثم أورده من طريق أبى جعفر الطحاوي من طريق عبد اللَّه* و قد قدمنا روايتنا له من حديث سعيد بن مسعود

81

و أبى أمية الطرسوسي عن عبيد اللَّه بن موسى العبسيّ، و هو من الشيعة. ثم أورده هذا المص من طريق أبى جعفر العقيلي عن أحمد بن داود عن عمار بن مطر عن فضيل بن مرزوق و الأغر الرقاشيّ و يقال الرواسي أبو عبد الرحمن الكوفي مولى بنى عنزة وثقه الثوري و ابن عيينة، و قال أحمد: لا أعلم إلا خيرا و قال ابن معين: ثقة، و قال مرة: صالح و لكنه شديد التشيع، و قال مرة: لا بأس به، و قال أبو حاتم صدوق صالح الحديث يهم كثيرا يكتب حديثه و لا يحتج به. و قال عثمان بن سعيد الدارميّ:

يقال: إنه ضعيف، و قال النسائي: ضعيف، و قال ابن عدي: أرجو أن لا بأس به. و قال ابن حبان:

منكر الحديث جدا كان يخطئ على الثقات و يروى عن عطية الموضوعات* و قد روى له مسلم و أهل السنن الأربعة. فمن هذه ترجمته لا يتهم بتعمد الكذب و لكنه قد يتساهل و لا سيما فيما يوافق مذهبه فيروي عمن لا يعرفه أو يحسن به الظن فيدلس حديثه و يسقطه و يذكر شيخه و لهذا قال في هذا الحديث الّذي يجب الاحتراز فيه و توقي الكذب فيه «عن» بصيغة التدليس، و لم يأت بصيغة الحديث فلعل بينهما من يجهل أمره، على أن شيخه هذا- إبراهيم بن الحسن بن على بن أبى طالب- ليس بذلك المشهور في حاله و لم يرو له أحد من أصحاب الكتب المعتمدة، و لا روى عنه غير الفضيل ابن مرزوق هذا و يحيى بن المتوكل، قاله أبو حاتم و أبو زرعة الرازيان و لم يتعرضا لجرح و لا تعديل.

و أما فاطمة بنت الحسين بن على بن أبى طالب- و هي أخت زين العابدين- فحديثها مشهور روى لها أهل السنن الأربعة، و كانت فيمن قدم بها مع أهل البيت بعد مقتل أبيها إلى دمشق، و هي من الثقات و لكن لا يدرى أسمعت هذا الحديث من أسماء أم لا؟ فاللَّه أعلم* ثم رواه هذا المصنف من حديث أبى حفص الكناني: ثنا محمد بن عمر القاضي هو الجعابيّ، حدثني محمد بن القاسم بن جعفر العسكري من أصل كتابه، ثنا أحمد بن محمد بن يزيد بن سليم، ثنا خلف بن سالم، ثنا عبد الرزاق ثنا سفيان الثوري [عن أشعث أبى الشعثاء عن أمه عن فاطمة- يعنى بنت الحسين-] عن أسماء أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) دعا لعلى حتى ردت عليه الشمس، و هذا إسناد غريب جدا و حديث عبد الرزاق و شيخه الثوري محفوظ عند الأئمة لا يكاد يترك منه شي‏ء من المهمات فكيف لم يرو عن عبد الرزاق مثل هذا الحديث العظيم الا خلف بن سالم بما قبله من الرجال الذين لا يعرف حالهم في الضبط و العدالة كغيرهم؟ ثم إن أم أشعث مجهولة فاللَّه أعلم. ثم ساقه هذا المص من طريق محمد بن مرزوق: ثنا حسين الأشقر- و هو شيعي و ضعيف كما تقدم- عن على بن هاشم بن الثريد- و قد قال فيه ابن حبان: كان غاليا في التشيع يروى المناكير عن المشاهير- عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن دينار عن على بن الحسين بن الحسن عن فاطمة بنت على عن أسماء بنت عميس فذكره، و هذا إسناد لا يثبت. ثم أسنده من طريق عبد الرحمن بن شريك عن أبيه عن عروة بن عبد اللَّه‏

82

عن فاطمة بنت على عن أسماء بنت عميس فذكر الحديث كما قدمنا إيراده من طريق ابن عقدة عن أحمد بن يحيى الصوفي عن عبد الرحمن بن شريك عن عبد اللَّه النخعي* و قد روى عنه البخاري في كتاب الأدب و حدث عنه جماعة من الأئمة و قال فيه أبو حاتم الرازيّ كان واهي الحديث و ذكره ابن حبان في كتاب الثقات و [قال‏]: ربما أخطأ، و أرخ ابن عقدة وفاته سنة سبع و عشرين و مائتين و قد قدمنا أن الشيخ أبا الفرج بن الجوزي قال: إنما اتهم بوضعه أبا العباس بن عقدة، ثم أورد كلام الأئمة فيه بالطعن و الجرح و أنه كان يسوى النسخ للمشايخ فيرويهم إياها و اللَّه أعلم. قلت: في سياق هذا الاسناد عن أسماء أن الشمس رجعت حتى بلغت نصف المسجد، و هذا يناقض ما تقدم من أن ذلك كان بالصهباء من أرض خيبر، و مثل هذا يوجب توهين الحديث و ضعفه و القدح فيه* ثم سرده من حديث محمد بن عمر القاضي الجعابيّ: ثنا على بن العباس بن الوليد، ثنا عبادة بن يعقوب الرواجى، ثنا على بن هاشم عن صباح عن عبد اللَّه بن الحسن- أبى جعفر- عن حسين المقتول عن فاطمة عن أسماء بنت عميس قالت: لما كان يوم شغل على لمكانه من قسم المغنم حتى غربت الشمس أو كادت، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): أما صليت؟ قال: لا، فدعا اللَّه فارتفعت الشمس حتى توسطت السماء فصلّى على، فلما غربت الشمس سمعت لها صريرا كصرير الميشار في الحديد* و هذا أيضا سياق مخالف لما تقدم من وجوه كثيرة مع أن إسناده مظلم جدا فان صباحا هذا لا يعرف و كيف يروى الحسين بن على المقتول شهيدا عن واحد عن واحد عن أسماء بنت عميس؟ هذا تخبيط اسنادا و متنا، ففي هذا أن عليا شغل بمجرد قسم الغنيمة، و هذا لم يقله أحد و لا ذهب إلى جواز ترك الصلاة لذلك ذاهب، و إن كان قد جوز بعض العلماء تأخير الصلاة عن وقتها لعذر القتال كما حكاه البخاري عن مكحول و الأوزاعي و أنس بن مالك في جماعة من أصحابه، و احتج لهم البخاري بقصة تأخير الصلاة يوم الخندق و أمره (عليه السلام) أن لا يصلّى أحد منهم العصر الا في بنى قريظة، و ذهب جماعة من العلماء إلى أن هذا نسخ بصلاة الخوف، و المقصود أنه لم يقل أحد من العلماء إنه يجوز تأخير الصلاة بعذر قسم الغنيمة حتى يسند هذا إلى صنيع على رضى اللَّه عنه، و هو الراويّ عن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أن الوسطى هي العصر، فان كان [هذا] ثابتا على ما رواه هؤلاء الجماعة [ (1)] و كان على متعمدا لتأخير الصلاة لعذر قسم الغنيمة و أقره عليه الشارع صار هذا وحده دليلا على جواز ذلك و يكون أقطع في الحجة مما ذكره البخاري، لأن هذا بعد مشروعية صلاة الخوف قطعا، لأنه كان بخيبر سنة سبع، و صلاة الخوف شرعت قبل ذلك، و إن كان على ناسيا حتى ترك الصلاة إلى الغروب فهو معذور فلا يحتاج إلى رد الشمس بل وقتها بعد الغروب و الحالة هذه إذن كما ورد به الحديث و اللَّه أعلم* و هذا

____________

[ (1)] في التيمورية «الجهلة».

83

كله مما يدل على ضعف هذا الحديث، ثم إن جعلناه قضية أخرى و واقعة غير ما تقدم، فقد تعدد رد الشمس غير مرة و مع هذا لم ينقله أحد من أئمة العلماء و لا رواه أهل الكتب المشهورة و تفرد بهذه الفائدة هؤلاء الرواة الذين لا يخلو إسناد منها عن مجهول و متروك و متهم و اللَّه أعلم* ثم أورد هذا المص من طريق أبى العباس بن عقدة: حدثنا يحيى بن زكريا، ثنا يعقوب بن سعيد، ثنا عمرو ابن ثابت قال: سألت عبد اللَّه بن حسن بن حسين بن على [بن أبى طالب‏] عن حديث رد الشمس، على على بن أبى طالب: هل يثبت عندكم؟ فقال لي: ما أنزل اللَّه في كتابه أعظم من رد الشمس، قلت: صدقت (جعلني اللَّه فداك) و لكنى أحب أن أسمعه منك،

فقال: حدثني أبى- الحسن- عن أسماء بنت عميس أنها قالت:

أقبل على بن أبى طالب ذات يوم و هو يريد أن يصلّى العصر مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فوافق رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قد انصرف و نزل عليه الوحي فأسنده إلى صدره [فلم يزل مسندة إلى صدره‏] حتى أفاق رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقال: أ صليت العصر يا على؟ قال: جئت و الوحي ينزل عليك فلم أزل مسندك إلى صدري حتى الساعة، فاستقبل رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) القبلة- و قد غربت الشمس- و قال: اللَّهمّ إن عليا كان في طاعتك فارددها عليه، قالت أسماء: فأقبلت الشمس و لها صرير كصرير الرحى حتى كانت في موضعها وقت العصر، فقام عليّ متمكنا فصلّى، فلما فرغ رجعت الشمس و لها صرير كصرير الرحى، فلما غابت اختلط الظلام و بدت النجوم*

و هذا منكر أيضا إسنادا و متنا و هو مناقض لما قبله من السياقات، و عمرو بن ثابت هذا هو المتهم بوضع هذا الحديث أو سرقته من غيره، و هو عمرو بن ثابت بن هرمز البكري الكوفي مولى بكر بن وائل، و يعرف بعمرو بن المقدام الحداد، روى عن غير واحد من التابعين و حدث عنه جماعة منهم سعيد بن منصور و أبو داود و أبو الوليد الطيالسيان، قال: تركه عبد اللَّه بن المبارك و قال: لا تحدثوا عنه فإنه كان يسب السلف، و لما مرت به جنازته توارى عنها، و كذلك تركه عبد الرحمن بن مهدي، و قال أبو معين و النسائي:

ليس بثقة و لا مأمون و لا يكتب حديثه. و قال مرة أخرى هو و أبو زرعة و أبو حاتم: كان ضعيفا، زاد أبو حاتم: و كان ردي‏ء الرأى شديد التشيع لا يكتب حديثه، و قال البخاري: ليس بالقوى عندهم، و قال أبو داود: كان من شرار الناس كان رافضيا خبيثا رجل سوء قال هنا: و لما مات لم أصلّ عليه لأنه قال لما مات رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): كفر الناس إلا خمسة، و جعل أبو داود يذمه، و قال ابن حبان:

يروى الموضوعات [عن الإثبات‏] و قال ابن عدي: و الضعف على حديثه بين، و أرخوا وفاته في سنة سبع و عشرين و مائة، و لهذا قال شيخنا أبو العباس ابن تيمية: و كان عبد اللَّه بن حسن و أبوه أجلّ قدرا من أن يحدثا بهذا الحديث قال هذا المصنّف المنصف: و أما حديث أبى هريرة فأخبرنا عقيل بن الحسن العسكري، أنا أبو محمد صالح بن الفتح النسائي، ثنا أحمد بن عمير بن حوصاء، ثنا إبراهيم بن‏

84

سعيد الجوهري، ثنا يحيى بن يزيد بن عبد الملك النوفلي عن أبيه، ثنا داود بن فراهيج، و عن عمارة بن برد و عن أبى هريرة فذكره. و قال: اختصرته من حديث طويل، و هذا إسناد مظلم و يحيى ابن يزيد و أبوه و شيخه داود بن فراهيج كلهم مضعفون، و هذا هو الّذي أشار ابن الجوزي إلى أن ابن مردويه رواه من طريق داود ابن فراهيج عن أبى هريرة و ضعف داود هذا شعبة و النسائي و غيرهما.

و الّذي يظهر أن هذا مفتعل من بعض الرواة، أو قد دخل على أحدهم و هو لا يشعر (و اللَّه أعلم) قال:

و أما حديث أبى سعيد فأخبرنا محمد بن إسماعيل الجرجاني كتابة أن أبا طاهر محمد بن على الواعظ أخبرهم:

أنا محمد بن أحمد بن متيم، أنا القاسم بن جعفر بن محمد بن عبد اللَّه بن محمد بن عمر بن على ابن أبى طالب: [حدثني أبى عن أبيه محمد عن أبيه عبد اللَّه عن أبيه عمر قال:] قال الحسين بن على سمعت أبا سعيد الخدريّ يقول:

دخلت على رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فإذا رأسه في حجر على و قد غابت الشمس فانتبه النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) و قال: يا على أ صليت العصر؟ قال: لا يا رسول اللَّه ما صليت كرهت أن أضع رأسك من حجري و أنت وجع، فقال رسول اللَّه: يا على ادع يا على أن ترد عليك الشمس، فقال على يا رسول اللَّه ادع أنت و أنا أؤمن، فقال: يا رب إن عليا في طاعتك و طاعة نبيك فاردد عليه الشمس، قال أبو سعيد: فو اللَّه لقد سمعت للشمس صريرا كصرير البكرة حتى رجعت بيضاء نقية

* و هذا إسناد مظلم أيضا و متنه منكر، و مخالف لما تقدمه من السياقات، و كل هذا يدل على أنه موضوع مصنوع مفتعل يسرقه هؤلاء الرافضة بعضهم من بعض، و لو كان له أصل من رواية أبى سعيد لتلقاه عنه كبار أصحابه كما أخرجا في الصحيحين من طريقه حديث قتال الخوارج، و قصة المخدج و غير ذلك من فضائل على* قال: و أما حديث أمير المؤمنين على‏

فأخبرنا أبو العباس الفرغاني، أنا أبو الفضل الشيباني، ثنا رجاء بن يحيى الساماني، ثنا هارون بن سعدان بسامراء سنة أربعين و مائتين، ثنا عبد اللَّه بن عمرو بن الأشعث عن داود بن الكميت عن عمه المستهل بن زيد عن أبيه زيد بن سلهب عن جويرية بنت شهر قالت:

خرجت مع على بن أبى طالب فقال: يا جويرية إن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) كان يوحى إليه و رأسه في حجري فذكر الحديث،

و هذا الاسناد مظلم و أكثر رجاله لا يعرفون و الّذي يظهر و اللَّه أعلم أنه مركب مصنوع مما عملته أيدي الروافض قبحهم اللَّه و لعن من كذب على رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و عجل له ما توعده الشارع من العذاب و النكال حيث‏

قال و هو الصادق في المقال:

من كذب على متعمدا فليتبوَّأ مقعده من النار.

و كيف يدخل في عقل أحد من أهل العلم أن يكون هذا الحديث يرويه على بن أبى طالب و فيه منقبة عظيمة له و دلالة معجزة باهرة لرسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، ثم لا يروى عنه إلا بهذا الاسناد المظلم المركب على رجال لا يعرفون، و هل لهم وجود في الخارج أم لا؟

الظاهر (و اللَّه أعلم) لا، ثم هو عن امرأة مجهولة العين و الحال فأين أصحاب على الثقات كعبيدة

85

السلماني و شريح القاضي و عامر الشعبي و أضرابهم، ثم في ترك الأئمة كما لك و أصحاب الكتب الستة و أصحاب المسانيد و السنن و الصحاح و الحسان رواية هذا الحديث و إيداعه في كتبهم أكبر دليل على أنه لا أصل له عندهم و هو مفتعل مأفوك بعدهم، و هذا أبو عبد الرحمن النسائي قد جمع كتابا في خصائص على بن أبى طالب و لم يذكره، و كذلك لم يروه الحاكم في مستدركه و كلاهما ينسب إلى شي‏ء من التشيع و لا رواه من رواه من الناس المعتبرين إلا على سبيل الاستغراب و التعجب، و كيف يقع مثل هذا نهارا جهرة و هو مما تتوفر الدواعي على نقله، ثم لا يروى إلا من طرق ضعيفة منكرة و أكثرها مركبة موضوعة و أجود ما فيها ما قدمناه من طريق أحمد بن صالح المصري عن ابن أبى فديك عن محمد بن موسى الفطري عن عون بن محمد عن أمه أم جعفر عن أسماء على ما فيها من التعليل الّذي أشرنا إليه فيما سلف* و قد اغتر بذلك أحمد بن صالح (رحمه اللَّه) و مال إلى صحته، و رجح ثبوته، قال الطحاوي في كتابه مشكل الحديث: عن على بن عبد الرحمن عن أحمد بن صالح المصري أنه كان يقول: لا ينبغي لمن كان سبيله العلم التخلف عن حفظ حديث أسماء في رد الشمس، لأنه من علامات النبوة. و هكذا مال إليه أبو جعفر الطحاوي أيضا فيما قيل. و نقل أبو القاسم الحسكانيّ هذا عن أبى عبد اللَّه البصري المتكلم المعتزلي أنه قال: عود الشمس بعد مغيبها آكد حالا فيما يقتضي نقله، لأنه و إن كان فضيلة لأمير المؤمنين فإنه من أعلام النبوة و هو مقارن لغيره في فضائله في كثير من أعلام النبوة. و حاصل هذا الكلام يقتضي أنه كان ينبغي أن ينقل هذا نقلا متواترا، و هذا حق لو كان الحديث صحيحا، و لكنه لم ينقل كذلك فدل على أنه ليس بصحيح في نفس الأمر و اللَّه أعلم* قلت: و الأئمة في كل عصر ينكرون صحة هذا الحديث و يردونه و يبالغون في التشنيع على رواته كما قدمنا عن غير واحد من الحفاظ، كمحمد و يعلى بن عبيد الطنافسيين، و كإبراهيم بن يعقوب الجوزجاني خطيب دمشق و كأبى بكر محمد بن حاتم البخاري المعروف بابن زنجويه، و كالحافظ أبى القاسم بن عساكر و الشيخ أبى الفرج ابن الجوزي و غيرهم من المتقدمين و المتأخرين، و ممن صرح بأنه موضوع شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي و العلامة أبو العباس بن تيمية، و قال الحاكم أبو عبد اللَّه النيسابورىّ: قرأت على قاضى القضاة أبى الحسن محمد بن صالح الهاشمي: ثنا عبد اللَّه بن الحسين بن موسى، ثنا عبد اللَّه بن على [بن‏] المديني قال: سمعت أبى يقول: خمسة أحاديث يروونها و لا أصل لها عن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)

حديث:

لو صدق السائل ما أفلح من رده،

و حديث‏

لا وجع إلا وجع العين و لا غم، إلا غم الدين،

و حديث أن الشمس ردت على على بن أبى طالب،

و حديث‏

أنا أكرم على اللَّه من أن يدعني تحت الأرض مائتي عام،

و حديث‏

أفطر الحاجم و المحجوم إنهما كانا يغتابان.

و الطحاوي (رحمه اللَّه) و إن كان قد اشتبه عليه أمره فقد روى عن أبى حنيفة (رحمه اللَّه) إنكاره و التهكم بمن رواه، قال أبو العباس بن عقدة: ثنا جعفر

86

ابن محمد بن عمير، ثنا سليمان بن عباد، سمعت بشار بن دراع قال: لقي أبو حنيفة محمد بن النعمان فقال: عمن رويت حديث رد الشمس؟ فقال: عن غير الّذي رويت عنه: يا سارية الجبل، فهذا أبو حنيفة (رحمه اللَّه) و هو من الأئمة المعتبرين و هو كوفى لا يتهم على حب على بن أبى طالب و تفضيله بما فضله اللَّه به و رسوله و هو مع هذا ينكر على راويه و قول محمد بن النعمان له ليس بجواب بل مجرد معارضة بما لا يجدي، أي أنا رويت في فضل على هذا الحديث و هو و إن كان مستغربا فهو في الغرابة نظير ما رويته أنت في فضل عمر بن الخطاب في قوله: يا سارية الجبل* و هذا ليس بصحيح من محمد ابن النعمان، فان هذا ليس كهذا إسنادا و لا متنا، و أين مكاشفة إمام (قد شهد الشارع له بأنه محدّث) بأمر خير من رد الشمس طالعة بعد مغيبها الّذي هو أكبر علامات الساعة؟ و الّذي وقع ليوشع بن نون ليس ردا للشمس عليه، بل حبست ساعة قبل غروبها بمعنى تباطأت في سيرها حتى أمكنهم الفتح و اللَّه تعالى أعلم* و تقدم ما أورده هذا المص من طرق هذا الحديث عن على و أبى هريرة و أبى سعيد و أسماء بنت عميس، و قد وقع في كتاب أبى بشر الدولابي في الذرية الطاهرة من حديث الحسين بن على، و الظاهر أنه عنه عن أبى سعيد الخدريّ كما تقدم و اللَّه أعلم* و قد قال شيخ الرافضة جمال الدين يوسف بن الحسن الملقب بابن المطهر الحلي في كتابه في الإمامة الّذي رد عليه فيه شيخنا [العلامة] أبو العباس ابن تيمية قال ابن المطهر: التاسع رجوع الشمس مرتين إحداهما في زمن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) و الثانية بعده، أما الأولى‏

فروى جابر و أبو سعيد:

أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) نزل عليه جبريل يوما يناجيه من عنده اللَّه، فلما تغشاه الوحي توسد فخذ أمير المؤمنين فلم يرفع رأسه حتى غابت الشمس، فصلى عليّ العصر بالإيماء فلما استيقظ رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال له: سل اللَّه أن يرد عليك الشمس فتصلي قائما. فدعا فردت الشمس فصلى العصر قائما.

و أما الثانية فلما أراد أن يعبر الفرات ببابل اشتغل كثير من الصحابة بدوابهم و صلى لنفسه في طائفة من أصحابه العصر و فات كثيرا منهم فتكلموا في ذلك فسأل اللَّه رد الشمس فردت قال و قد نظمه الحميري فقال:

ردت عليه الشمس لما فاته‏* * * وقت الصلاة و قد دنت للمغرب‏

حتى تبلج نورها في وقتها* * * للعصر ثم هوت هوى الكوكب‏

و عليه قد ردت ببابل مرة* * * أخرى و ما ردت لخلق مقرب‏

قال شيخنا أبو العباس [ابن تيمية] (رحمه اللَّه): فضل على و ولايته و علو منزلته عند اللَّه معلوم و للَّه الحمد بطرق ثابتة أفادتنا العلم اليقيني لا يحتاج معها إلى ما لا يعلم صدقه أو يعلم أنه كذب، و حديث رد الشمس قد ذكره طائفة كأبى جعفر الطحاوي و القاضي عياض و غيرهما و عدوا ذلك من معجزات رسول‏

87

اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، لكن المحققون من أهل العلم و المعرفة بالحديث يعلمون أن هذا الحديث كذب موضوع، ثم أورد طرقه واحدة [واحدة] كما قدمنا و ناقش أبا القاسم الحسكانيّ فيما تقدم، و قد أوردنا كل ذلك و زدنا عليه و نقصنا منه و اللَّه الموفق* و اعتذر عن أحمد بن صالح المصري في تصحيحه [هذا الحديث‏] بأنه اغتر بسنده، و عن الطحاوي بأنه لم يكن عنده نقل جيد للأسانيد كجهابذة الحفاظ، و قال في عيون كلامه: و الّذي يقطع به أنه كذب مفتعل. قلت: و إيراد ابن المطهر لهذا الحديث من طريق جابر غريب و لكن لم يسنده و في سياقه ما يقتضي أن عليا [هو الّذي‏] دعا برد الشمس في الأولى و الثانية، و أما إيراده لقصة بابل فليس لها إسناد و أظنه (و اللَّه أعلم) من وضع الزنادقة من الشيعة و نحوهم، فان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و أصحابه يوم الخندق قد غربت عليهم الشمس و لم يكونوا صلوا العصر بل قاموا إلى بطحان و هو واد هناك فتوضئوا و صلوا العصر بعد ما غربت الشمس، و كان على أيضا فيهم و لم ترد لهم، و كذلك كثير من الصحابة الذين ساروا إلى بنى قريظة فاتتهم العصر يومئذ حتى غربت الشمس و لم ترد لهم، و كذلك لما نام رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و أصحابه عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس صلوها بعد ارتفاع النهار و لم يرد لهم الليل، فما كان اللَّه عز و جل ليعطي عليا و أصحابه شيئا من الفضائل لم يعطها رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و أصحابه. و أما نظم الحميري فليس [فيه‏] حجة بل هو كهذيان ابن المطهر هذا لا يعلم ما يقول من النثر و هذا لا يدرى صحة ما ينظم بل كلاهما كما قال الشاعر:

إن كنت أدرى فعليّ بدنه‏* * * من كثرة التخليط أنى من أنه‏

و المشهور عن على في أرض بابل ما رواه أبو داود (رحمه اللَّه) في سننه عن على أنه مر بأرض بابل و قد حانت صلاة العصر فلم يصل حتى جاوزها، و قال: نهاني خليلي (صلى اللَّه عليه و سلم) أن أصلى بأرض بابل فإنها ملعونة* و قد قال أبو محمد بن حزم في كتابه الملل و النحل مبطلا لرد الشمس على على بعد كلام ذكره رادا على من ادعى باطلا من الأمر فقال و لا فرق بين من ادعى شيئا مما ذكرنا لفاضل و بين دعوى الرافضة رد الشمس على على بن أبى طالب مرتين حتى ادعى بعضهم أن حبيب بن أوس قال:

فردت علينا الشمس و الليل راغم‏* * * بشمس لهم من جانب الخدر تطلع‏

نضا ضوءها صبغ الدجنة و انطوى‏* * * لبهجتها نور السماء المرجّع‏

فو اللَّه ما أدرى عليّ بدا لنا فردت‏* * * له أم كان في القوم يوشع‏

هكذا أورده ابن حزم في كتابه، و هذا الشعر تظهر عليه الركة و التركيب و أنه مصنوع و اللَّه أعلم.

و مما يتعلق بالآيات السماوية في باب دلائل النبوة، استسقاؤه (عليه السلام) ربه [عز و جل‏] لأمته حين تأخر المطر فأجابه إلى سؤاله سريعا بحيث لم ينزل عن منبره إلا و المطر يتحادر على لحيته‏

88

(عليه السلام) و كذلك استصحاؤه* قال البخاري: ثنا عمرو بن على، ثنا أبو قتيبة، ثنا عبد الرحمن ابن عبد اللَّه بن دينار عن أبيه قال: سمعت ابن عمر يتمثل بشعر أبى طالب:

و أبيض يستسقى الغمام بوجهه‏* * * ثمال اليتامى عصمة للأرامل‏

قال البخاري: و قال أبو عقيل الثقفي عن عمرو بن حمزة: ثنا سالم عن أبيه ربما ذكرت قول الشاعر و أنا انظر إلى وجه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يستسقى، فما ينزل حتى يجيش كل ميزاب.

و أبيض يستسقى الغمام بوجهه‏* * * ثمال اليتامى عصمة للأرامل‏

و هو قول أبى طالب* تفرد به البخاري و هذا الّذي علقه قد أسنده ابن ماجة في سننه فرواه عن أحمد بن الأزهر عن أبى النضر عن أبى عقيل عن عمر بن حمزة عن سالم عن أبيه*

و قال البخاري: ثنا محمد- و هو ابن سلام- ثنا أبو ضمرة، ثنا شريك بن عبد اللَّه بن أبى نمر أنه سمع أنس بن مالك يذكر

أن رجلا دخل المسجد يوم جمعة من باب كان و جاه المنبر و رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قائم يخطب، فاستقبل رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قائما، فقال: يا رسول اللَّه هلكت الأموال، و تقطعت السبل، فادع اللَّه لنا يغيثنا، قال: فرفع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يديه فقال: اللَّهمّ اسقنا، [اللَّهمّ اسقنا] قال أنس: و لا (و اللَّه) ما نرى في السماء من سحاب و لا قزعة و لا شيئا، و ما بيننا و بين سلع من بيت و لا دار، قال: فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت، قال: و اللَّه ما رأينا الشمس ستا، ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة، و رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قائم يخطب، فاستقبله قائما، و قال: يا رسول اللَّه هلكت الأموال و انقطعت السبل، ادع اللَّه يمسكها، قال: فرفع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يديه ثم قال: اللَّهمّ حوالينا و لا علينا، اللَّهمّ على الآكام و الجبال [و الظراب‏] و منابت الشجر.

قال: فانقطعت و خرجنا نمشي في الشمس، قال شريك: فسألت أنسا أ هو الرجل الّذي سأل أولا؟

قال: لا أدرى،

و هكذا رواه البخاري أيضا و مسلم من حديث إسماعيل بن جعفر عن شريك به*

و قال البخاري: ثنا مسدد، ثنا أبو عوانة، عن قتادة عن أنس قال:

بينما رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يخطب يوم جمعة إذ جاء رجل فقال: يا رسول اللَّه قحط المطر، فادع اللَّه أن يسقينا، فدعا فمطرنا فما كدنا أن نصل إلى منازلنا فما زلنا نمطر إلى الجمعة المقبلة، قال: فقام ذلك الرجل أو غيره، فقال: يا رسول اللَّه ادع اللَّه أن يصرفه عنا، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): اللَّهمّ حوالينا و لا علينا، قال: فلقد رأيت السحاب يتقطع يمينا و شمالا يمطرون و لا يمطر [أهل‏] المدينة،

تفرد به البخاري من هذا الوجه*

و قال البخاري:

ثنا عبد اللَّه بن مسلمة عن مالك عن شريك بن عبد اللَّه بن أبى نمر عن أنس قال:

جاء رجل إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقال: هلكت المواشي و تقطعت السبل، فادع اللَّه، فدعا فمطرنا من الجمعة إلى الجمعة ثم جاء فقال: تهدمت البيوت و تقطعت السبل و هلكت المواشي [فادع اللَّه أن يمسكها] فقال: اللَّهمّ،

89

على الآكام و الظراب و الأودية و منابت الشجر، فانجابت عن المدينة انجياب الثوب*

و قال البخاري:

ثنا محمد بن مقاتل، ثنا عبد اللَّه، ثنا الأوزاعي، ثنا إسحاق بن عبد اللَّه بن أبى طلحة الأنصاري، حدثني أنس بن مالك قال:

أصابت الناس سنة على عهد رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فبينا رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يخطب على المنبر يوم الجمعة، فقام أعرابى فقال: يا رسول اللَّه هلك المال، و جاع العيال، فادع اللَّه أن يسقينا، قال: فرفع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يديه و ما [رأينا] في السماء قزعة فو الّذي نفسي بيده ما وضعها حتى ثار سحاب أمثال الجبال ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته قال: فمطرنا يومنا ذلك و من الغد و من بعد الغدو الّذي يليه إلى الجمعة الأخرى، فقام ذلك الأعرابي أو قال غيره، فقال: يا رسول اللَّه تهدم البناء، و غرق المال فادع اللَّه لنا، فرفع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يديه فقال: اللَّهمّ حوالينا و لا علينا،

قال: فما جعل رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يشير بيده إلى ناحية من السماء الا انفرجت حتى صارت المدينة في مثل الجوبة و سال الوادي قناة شهرا، و لم يجئ أحد من ناحية إلا حدث بالجود، و رواه البخاري أيضا في الجمعة و مسلم من حديث الوليد عن الأوزاعي* و قال البخاري: و قال أيوب ابن سليمان: حدثني أبو بكر بن أبى أويس عن سليمان بن بلال قال: قال يحيى بن سعيد: سمعت أنس بن مالك قال: أتى [رجل‏] أعرابى من أهل البدو إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يوم الجمعة فقال: يا رسول اللَّه هلكت الماشية، هلك العيال، هلك الناس، فرفع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يديه يدعو و رفع الناس أيديهم مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يدعون قال: فما خرجنا من المسجد حتى مطرنا فما زلنا نمطر حتى كانت الجمعة الأخرى، فأتى الرجل الى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقال: يا رسول اللَّه بشق المسافر و منع الطريق* قال البخاري: و قال الأويسي- يعنى عبد اللَّه-: حدثني محمد بن جعفر- هو ابن كثير- عن يحيى ابن سعيد و شريك، سمعا أنسا عن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) رفع يديه حتى رأيت بياض إبطيه. هكذا علق هذين الحديثين و لم يسندهما أحد من أصحاب الكتب الستة بالكلية*

و قال البخاري: ثنا محمد بن أبى بكر قال: حدثنا معتمر عن عبيد اللَّه عن ثابت عن أنس بن مالك قال:

كان النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) يخطب يوم جمعة فقام الناس فصاحوا فقالوا: يا رسول اللَّه قحط المطر، و احمرت الشجر، و هلكت البهائم، فادع اللَّه أن يسقينا، فقال: اللَّهمّ اسقنا مرتين، و أيم اللَّه ما نرى في السماء قزعة من سحاب، فنشأت سحابة و أمطرت و نزل عن المنبر فصلّى فلما انصرف لم تزل تمطر إلى الجمعة التي تليها، فلما قام النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) يخطب صاحوا إليه: تهدمت البيوت و انقطعت السبل فادع اللَّه يحبسها عنا، قال: فتبسم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ثم قال: اللَّهمّ حوالينا و لا علينا، فتكشطت المدينة فجعلت تمطر حولها و لا تمطر بالمدينة قطرة، فنظرت إلى المدينة و إنها لفي مثل الإكليل،

و قد رواه مسلم من حديث معتمر بن سليمان عن عبيد اللَّه و هو ابن عمر العمرى به‏

* و قال الامام أحمد: حدثنا ابن أبى عدي عن حميد

90

قال: سئل أنس هل كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يرفع يديه؟ فقال: قيل له يوم جمعة: يا رسول اللَّه قحط المطر، و أجدبت الأرض، و هلك المال، قال: فرفع يديه حتى رأيت بياض إبطيه فاستسقى، و لقد رفع يديه فاستسقى و لقد رفع يديه و ما نرى في السماء سحابة فما قضينا الصلاة حتى أن الشاب قريب الدار ليهمه الرجوع إلى أهله،

قال:

فلما كانت الجمعة التي تليها قالوا: يا رسول اللَّه تهدمت البيوت و احتبست الركبان، فتبسم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) من سرعة ملالة ابن آدم و قال: اللَّهمّ حوالينا و لا علينا،

قال: فتكشطت عن المدينة. و هذا إسناد ثلاثي على شرط الشيخين و لم يخرجوه* و قال البخاري و أبو داود و اللفظ له: ثنا مسدد، ثنا حماد بن زيد عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس بن مالك، و عن يونس بن عبيد عن ثابت عن أنس رضى اللَّه عنه قال: أصاب أهل المدينة قحط على عهد رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فبينا هو يخطب يوم جمعة إذ قام رجل فقال: يا رسول اللَّه هلكت الكراع، هلكت الشاء، فادع اللَّه يسقينا، فمد يده و دعا. قال أنس: و إن السماء لمثل الزجاجة، فهاجت ريح أنشأت سحابا، ثم اجتمع، ثم أرسلت السماء عزاليها فخرجنا نخوض الماء حتى أتينا منازلنا فلم تزل تمطر إلى الجمعة الأخرى،

فقام إليه ذلك الرجل أو غيره فقال: يا رسول اللَّه تهدمت البيوت فادع اللَّه يحبسه.

فتبسم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ثم قال: حوالينا و لا علينا،

فنظرت إلى السحاب يتصدع حول المدينة كأنه إكليل، فهذه طرق متواترة عن أنس بن مالك لأنها تفيد القطع عند أئمة هذا الشان* و قال البيهقي باسناده من غير وجه إلى أبى معمر سعيد بن أبى خيثم الهلالي عن مسلم الملائى عن أنس بن مالك قال:

جاء أعرابى فقال: يا رسول اللَّه و اللَّه لقد أتيناك، و ما لنا بعير يبسط و لا صبي يصطبح و أنشد:

أتيناك و العذراء يدمي لبانها* * * و قد شغلت أم الصبى عن الطفل‏

و ألقى بكفيه الفتى لاستكانة* * * من الجوع ضعفا قائما و هو لا يخلى‏

و لا شي‏ء مما يأكل الناس عندنا* * * سوى الحنظل العامىّ و العلهز الفسل‏

و ليس لنا إلا إليك فرارنا* * * و أين فرار الناس إلا إلى الرّسل‏

قال:

فقام رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و هو يجر رداءه حتى صعد المنبر فحمد اللَّه و أثنى عليه ثم رفع يديه نحو السماء و قال: اللَّهمّ اسقنا غيثا مغيثا مريئا سريعا غدقا طبقا عاجلا غير رائث، نافعا غير ضار تملأ به الضرع، و تنبت به الزرع، و تحيى به الأرض [بعد موتها] و كذلك تخرجون. قال: فو اللَّه ما رد يده إلى نحره حتى ألقت السماء بأوراقها، و جاء أهل البطانة يصيحون: يا رسول اللَّه الغرق الغرق، فرفع يديه إلى السماء و قال: اللَّهمّ حوالينا و لا علينا، فانجاب السحاب عن المدينة حتى أحدق بها كالإكليل فضحك رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) حتى بدت نواجذه ثم قال: للَّه درّ أبى طالب لو كان حيا قرت عيناه من ينشد قوله؟ فقام على بن أبى طالب فقال: يا رسول اللَّه كأنك أردت قوله:

91

و أبيض يستسقى الغمام بوجهه‏* * * ثمال اليتامى عصمة للأرامل‏

يلوذ به الهلّاك من آل هاشم‏* * * فهم عنده في نعمة و فواضل‏

كذبتم و بيت اللَّه يبري محمد* * * و لما نقاتل دونه و نناضل‏

و نسلمه حتى نصرّع حوله‏* * * و نذهل عن أبنائنا و الحلائل‏

قال: و قام رجل من بنى كنانة فقال:

لك الحمد و الحمد ممن شكر* * * سقينا بوجه النبي المطر

دعا اللَّه خالقه دعوة* * * إليه و أشخص منه البصر

فلم يك إلا كلفّ الرداء* * * و أسرع حتى رأينا الدرر

رقاق العوالي عم البقاع‏* * * أغاث به اللَّه علينا مضر

و كان كما قاله عمه‏* * * أبو طالب أبيض ذو غرر

به اللَّه يسقى بصوب الغمام‏* * * و هذا العيان كذاك الخبر

فمن يشكر اللَّه يلقى المزيد* * * و من يكفر اللَّه يلقى الغير

قال: فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): إن يك شاعر يحسن فقد أحسنت*

و هذا السياق فيه غرابة و لا يشبه ما قدمنا من الروايات الصحيحة المتواترة عن أنس فان كان هذا هكذا محفوظا فهو قصة أخرى غير ما تقدم و اللَّه أعلم*

و قال الحافظ البيهقي: أنا أبو بكر بن الحارث الأصبهاني، ثنا أبو محمد بن حبان، ثنا عبد اللَّه بن مصعب، ثنا عبد الجبار، ثنا مروان بن معاوية، ثنا محمد بن أبى ذئب المدني عن عبد اللَّه بن محمد بن عمر بن حاطب الجمحيّ عن أبى و جرة يزيد بن عبيد السلمي قال:

لما قفل رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) من غزوة تبوك أتاه وفد بنى فزارة فيهم بضعة عشر رجلا فيهم خارجة بن الحصين، و الحر بن قيس- و هو أصغرهم- ابن أخى عيينة بن حصن، فنزلوا في دار رملة بنت الحارث من الأنصار، و قدموا على إبل ضعاف عجاف و هم مسنتون، فأتوا رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) مقرين بالإسلام، فسألهم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) عن بلادهم قالوا: يا رسول اللَّه، أسنتت بلادنا، و أجدبت أحياؤنا، و عريت عيالنا، و هلكت مواشينا، فادع ربك أن يغيثنا، و تشفع لنا إلى ربك و يشفع ربك إليك، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): سبحان اللَّه، ويلك هذا ما شفعت إلى ربى، فمن ذا الّذي يشفع ربنا إليه؟ لا إله إلا اللَّه وسع كرسيه السموات و الأرض و هو يئط من عظمته و جلاله كما يئط الرجل الجديد قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): إن اللَّه يضحك من شفقتكم و أزلكم و قرب غياثكم، فقال الأعرابي: و يضحك ربنا يا رسول اللَّه؟ قال: نعم، فقال الأعرابي: لن نعدم يا رسول اللَّه من ربّ يضحك خيرا، فضحك رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) من قوله، فقام رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فصعد المنبر و تكلم بكلام و رفع يديه- و كان‏

92

رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) لا يرفع يديه في شي‏ء من الدعاء إلا في الاستسقاء- و رفع يديه حتى رئي بياض إبطيه، و كان مما حفظ من دعائه: اللَّهمّ اسق بلدك و بهائمك، و انشر رحمتك و أحى بلدك الميت، اللَّهمّ اسقنا غيثا مغيثا مريئا مريعا طبقا واسعا عاجلا غير آجل نافعا غير ضار، اللَّهمّ سقيا رحمة و لا سقيا عذاب و لا هدم و لا غرق و لا محق، اللَّهمّ اسقنا الغيث و انصرنا على الأعداء، فقام أبو لبابة بن عبد المنذر فقال: يا رسول اللَّه إن التمر في المرابد، فقال رسول اللَّه: اللَّهمّ اسقنا، فقال أبو لبابة التمر في المرابد، ثلاث مرات، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): اللَّهمّ اسقنا حتى يقوم أبو لبابة عريانا فيسدّ ثعلب مربده بإزاره، قال: فلا و اللَّه ما في السماء من قزعة و لا سحاب و ما بين المسجد و سلع من بناء و لا دار، فطلعت من وراء سلع سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت و هم ينظرون ثم أمطرت، فو اللَّه ما رأوا الشمس ستا، و قام أبو لبابة عريانا يسد ثعلب مربده بإزاره لئلا يخرج التمر منه، فقال رجل: يا رسول اللَّه هلكت الأموال و انقطعت السبل، فصعد النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) المنبر فدعا و رفع يديه حتى رئي بياض إبطيه، ثم قال: اللَّهمّ حوالينا و لا علينا اللَّهمّ على الآكام و الظراب و بطون الأودية، و منابت الشجر، فانجابت السحابة عن المدينة كانجياب الثوب*

و هذا السياق يشبه سياق مسلم الملائى عن أنس، و لبعضه شاهد في سنن أبى داود، و في حديث أبى رزين العقيلي شاهد لبعضه و اللَّه أعلم*

و قال الحافظ أبو بكر البيهقي في الدلائل: أنا أبو بكر محمد بن الحسن بن على بن المؤمل، أنا أبو أحمد محمد ابن محمد الحافظ، أنا عبد الرحمن بن أبى حاتم، ثنا محمد بن حماد الظهراني، أنا سهل بن عبد الرحمن المعروف بالسدي بن عبدويه عن عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن أبى أويس المدني عن عبد الرحمن بن حرملة عن سعيد بن المسيب عن أبى لبابة بن عبد المنذر الأنصاري قال:

استسقى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يوم جمعة و قال: اللَّهمّ اسقنا، اللَّهمّ اسقنا، فقام أبو لبابة فقال: يا رسول اللَّه إن التمر في المرابد، و ما في السماء من سحاب نزاه، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): اللَّهمّ اسقنا،

فقام أبو لبابة فقال أبو لبابة يسد ثعلب مربده بإزاره، فاستهلت السماء و مطرت و صلّى بنا رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فأتى [القوم‏] أبا لبابة يقولون له: يا أبا لبابة، إن السماء و اللَّه لن تقلع حتى تقوم عريانا فتسد ثعلب مربدك بإزارك كما قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، قال: فقام أبو لبابة عريانا يسد ثعلب مربده بإزاره فأقلعت السماء* و هذا إسناد حسن و لم يروه أحمد و لا أهل الكتب و اللَّه أعلم* و قد وقع مثل هذا الاستسقاء في غزوة تبوك في أثناء الطريق كما قال عبد اللَّه بن وهب: أخبرنى عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبى هلال عن عتبة بن أبى عتبة عن نافع بن جبير عن عبد اللَّه بن عباس أنه قيل لعمر بن الخطاب: حدثنا عن شأن ساعة العسرة، فقال عمر: خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد فنزلنا منزلا و أصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، حتى أن كان‏

93

أحدنا ليذهب فيلتمس الرحل فلا يجده حتى يظن أن رقبته ستنقطع حتى أن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه ثم يجعل ما بقي على كبده، فقال أبو بكر الصديق: يا رسول اللَّه إن اللَّه قد عودك في الدعاء خيرا، فادع اللَّه لنا، فقال: أو تحب ذلك؟ قال: نعم، قال: فرفع يديه نحو السماء فلم يرجعهما حتى قالت السماء فأطلت ثم سكبت فملئوا ما معهم ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر* و هذا إسناد جيد قوى و لم يخرجوه* و قد قال الواقدي كان مع المسلمين في هذه الغزوة اثنا عشر ألف بعير و مثلها من الخيل، و كانوا ثلاثين ألفا من المقاتلة، قال: و نزل من المطر ماء أغدق الأرض حتى صارت الغدران تسكب بعضها في بعض و ذلك في حمأة القيظ أي شدة الحر البليغ، ف(صلوات اللَّه و سلامه عليه)* و كم له (عليه السلام) من مثل هذا في غير ما حديث صحيح و للَّه الحمد* و قد تقدم أنه لما دعا على قريش حين استعصت أن يسلط اللَّه عليها سبعا كسبع يوسف فأصابتهم سنة حصّت كل شي‏ء حتى أكلوا العظام و الكلاب و العلهز، ثم أتى أبو سفيان يشفع عنده في أن يدعو اللَّه لهم، فدعا لهم فرفع ذلك عنهم* و قد قال البخاري: ثنا الحسن بن محمد، ثنا محمد بن عبد اللَّه الأنصاري، ثنا أبى عبد اللَّه بن المثنى عن ثمامة بن عبد اللَّه بن أنس عن أنس بن مالك أن عمر بن الخطاب كان إذا قحطوا استسقى بالعباس و قال: اللَّهمّ إنا كنا نتوسل إليك بنينا فتسقينا، و إنا نتوسل إليك نعم نبينا فاسقنا، قال فيسقون* تفرد به البخاري‏

فصل و أما المعجزات الأرضية

فمنها ما هو متعلق بالجمادات، و منها ما هو متعلق بالحيوانات: فمن المتعلق بالجمادات تكثيره الماء في غير ما موطن على صفات متنوعة سنوردها بأسانيدها إن شاء اللَّه، و بدأنا بذلك لأنه أنسب باتباع ما أسلفنا ذكره من استسقائه و إجابة اللَّه له. قال البخاري: ثنا عبد اللَّه بن مسلمة عن مالك عن إسحاق بن عبد اللَّه بن أبى طلحة عن أنس بن مالك قال: رأيت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و حانت صلاة العصر و التمس الناس الوضوء فلم يجدوه، فأتى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بوضوء فوضع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يده في ذلك الإناء فأمر الناس أن يتوضئوا منه فرأيت الماء ينبع من تحت أصابعه فتوضأ الناس حتى توضئوا من عند آخرهم، و قد رواه مسلم و الترمذي و النسائي من طرق عن مالك به و قال الترمذي: حسن صحيح‏

طريق أخرى عن أنس‏

قال الامام أحمد: حدثنا يونس بن محمد، ثنا حزم، سمعت الحسن يقول: حدثنا أنس بن مالك أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) خرج ذات يوم لبعض مخارجه معه ناس من أصحابه فانطلقوا يسيرون‏

94

فحضرت الصلاة فلم يجد القوم ما يتوضءون به فقالوا: يا رسول اللَّه ما نجد ما نتوضأ به، و رأى في وجوه أصحابه كراهية ذلك، فانطلق رجل من القوم فجاء بقدح من ماء يسير، فأخذ نبي اللَّه فتوضأ منه، ثم مد أصابعه الأربع على القدح ثم قال: هلموا فتوضئوا، فتوضأ القوم حتى بلغوا فيما يريدون من الوضوء، قال الحسن: سئل أنس كم بلغوا؟ قال: سبعين أو ثمانين* و هكذا رواه البخاري عن عبد الرحمن بن المبارك العنسيّ عن حزم بن مهران القطيعي به‏

طريق أخرى عن أنس‏

قال الامام أحمد: حدثنا ابن أبى عدي عن حميد و يزيد قال: أنا حميد المعنى عن أنس بن مالك قال: نودي بالصلاة فقام كل قريب الدار من المسجد و بقي من كان أهله نائى الدار فأتى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بمخضب من حجارة فصغر أن يبسط كفه فيه قال فضم أصابعه قال فتوضأ بقيتهم، قال حميد:

و سئل أنس: كم كانوا؟ قال: ثمانين أو زيادة* و قد روى البخاري عن عبد اللَّه بن منير عن يزيد ابن هارون عن حميد عن أنس بن مالك قال: حضرت الصلاة فقام من كان قريب الدار من المسجد يتوضأ و بقي قوم فأتى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بمخضب من حجارة فيه ماء فوضع كفه فصغر المخضب أن يبسط فيه كفه فضم أصابعه فوضعها في المخضب فتوضأ القوم كلهم جميعا قلت: كم كانوا؟ قال:

كانوا ثمانين رجلا.

طريق أخرى عنه‏

قال الامام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، ثنا سعيد إملاء عن قتادة عن أنس بن مالك أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) كان بالزوراء فأتى بإناء فيه ماء لا يغمر أصابعه فأمر أصحابه أن يتوضئوا فوضع كفه في الماء فجعل الماء ينبع من بين أصابعه و أطراف أصابعه حتى توضأ القوم، قال: فقلت لأنس: كم كنتم؟

قال: كنا ثلاثمائة* و هكذا رواه البخاري عن بندار بن أبى عدي و مسلم عن أبى موسى عن غندر كلاهما عن سعيد بن أبى عروبة، و بعضهم يقول عن شعبة، و الصحيح سعيد عن قتادة عن أنس قال:

أتى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بإناء و هو في الزوراء فوضع يده في الإناء فجعل الماء ينبع من بين أصابعه فتوضأ القوم، قال قتادة فقلت لأنس: كم كنتم؟ قال ثلاثمائة أو زهاء ثلاثمائة لفظ البخاري*

حديث البراء بن عازب في ذلك‏

قال البخاري: ثنا مالك بن إسماعيل، ثنا إسرائيل عن أبى إسحاق عن البراء بن عازب قال:

كنا يوم الحديبيّة أربع عشرة مائة، و الحديبيّة بئر فنزحناها حتى لم نترك فيها قطرة، فجلس رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) على شفير البئر فدعا بماء فمضمض و مج في البئر فمكثنا غير بعيد ثم استقينا حتى روينا و روت أو صدرت ركابنا* تفرد به البخاري إسنادا و متنا

95

[حديث آخر عن البراء بن عازب‏

قال الامام أحمد: حدثنا عفان و هاشم، حدثنا سليمان بن المغيرة، حدثنا حميد بن هلال، حدثنا يونس- هو ابن عبيدة مولى محمد بن القاسم- عن البراء قال: كنا مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في سفر فأتينا على ركي ذمّة يعنى قليلة الماء قال: فنزل فيها ستة أناس أنا سادسهم ماحة فأدليت إلينا دلو قال:

و رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) على شفتي الركى فجعلنا فيها نصفها أو قراب ثلثيها فرفعت إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال البراء: فكدت بإنائي هل أجد شيئا أجعله في حلقي؟ فما وجدت فرفعت الدلو إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فغمس يده فيها فقال ما شاء اللَّه أن يقول، و أعيدت إلينا الدلو بما فيها، قال: فلقد رأيت أحدنا أخرج بثوب خشية الغرق قال؟ ثم ساحت- يعنى جرت نهرا- تفرد به الامام أحمد، و إسناده جيد قوى، و الظاهر أنها قصة أخرى غير يوم الحديبيّة و اللَّه أعلم‏]. [ (1)]

حديث آخر عن جابر في ذلك‏

قال الامام أحمد: ثنا سنان بن حاتم، ثنا جعفر- يعنى ابن سليمان- ثنا الجعد أبو عثمان، ثنا أنس بن مالك عن جابر بن عبد اللَّه الأنصاري قال:

اشتكى أصحاب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إليه العطش قال فدعا بعس فصب فيه شي‏ء من الماء و وضع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فيه يده و قال: استقوا، فاستقى الناس‏

قال: فكنت أرى العيون تنبع من بين أصابع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)* تفرد به أحمد من هذا الوجه،

و في إفراد مسلم من حديث حاتم بن إسماعيل عن أبى حرزة يعقوب بن مجاهد عن عبادة بن الوليد ابن عبادة عن جابر بن عبد اللَّه في حديث طويل قال فيه:

سرنا مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) حتى نزلنا واديا أفيح، فذهب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقضى حاجته فاتبعته بادواة من ماء فنظر رسول اللَّه فلم ير شيئا يستتر به، و إذا بشجرتين بشاطئ الوادي، فانطلق رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إلى إحداهما فأخذ بغصن من أغصانها، فقال: انقادى على باذن اللَّه، فانقادت معه كالبعير المخشوش الّذي يصانع قائده، حتى أتى الأخرى فأخذ بغصن من أغصانها فقال: انقادى على [باذن اللَّه‏] فانقادت معه [كذلك‏] حتى إذا كان بالمنتصف مما بينهما لأم بينهما- يعنى جمعهما- فقال: التئما على باذن اللَّه، فالتأمتا، قال جابر: فخرجت أحضر مخافة أن يحس رسول اللَّه بقربي فيبتعد فجلست أحدث نفسي فحانت منى لفتة، فإذا أنا برسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و إذا بالشجرتين قد افترقتا فقامت كل واحدة منهما على ساق فرأيت رسول اللَّه وقف وقفة فقال برأسه هكذا: يمينا و شمالا، ثم أقبل فلما انتهى إلى قال: يا جابر هل رأيت مقامي؟ قلت: نعم يا رسول اللَّه، قال: فانطلق إلى الشجرتين فاقطع من كل واحدة منهما غصنا فأقبل بهما حتى إذا قمت مقامي فأرسل غصنا عن يمينك و غصنا عن شمالك، قال جابر: فقمت فأخذت حجرا

____________

[ (1)] زيادة من التيمورية.

96

فكسرته و حددته فاندلق لي فأتيت الشجرتين فقطعت من كل واحدة منهما غصنا، ثم أقبلت حتى فمت مقام رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أرسلت غصنا عن يميني و غصنا عن يسارى، ثم لحقت فقلت: قد فعلت يا رسول اللَّه، قال فقلت: فلم ذاك؟ قال: إني مررت بقبرين يعذبان فأحببت بشفاعتي أن يرفع ذلك عنهما ما دام الغصنان رطبين، قال: فأتينا العسكر فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): يا جابر ناد الوضوء، فقلت:

ألا وضوء ألا وضوء ألا وضوء؟ قال: قلت يا رسول اللَّه ما وجدت في الركب من قطرة، و كان رجل من الأنصار يبرّد لرسول اللَّه في أشجاب له على حمارة من جريد قال: فقال لي: انطلق إلى فلان الأنصاري فانظر هل ترى في أشجابه من شي‏ء؟ قال: فانطلقت إليه فنظرت فيها فلم أجد فيها إلا قطرة في غر لا شجب منها [ (1)] لو أنى أفرغته لشربه يابسه فأتيت رسول اللَّه فقلت: يا رسول اللَّه لم أجد فيها إلا قطرة في غر لا شجب منها [ (1)] لو أنى أفرغته لشربه يابسه قال: اذهب فأتنى به، فأتيته فأخذه بيده فجعل يتكلم بشي‏ء لا أدرى ما هو، و غمزني بيده ثم أعطانيه فقال: يا جابر ناد بجفنة، فقلت: يا جفنة الركب، فأتيت بها تحمل وضعتها بين يديه، فقال رسول اللَّه بيده في الجفنة هكذا فبسطها و فرق بين أصابعه ثم وضعها في قعر الجفنة و قال: خذ يا جابر فصب عليّ و قل: بسم اللَّه، فصببت عليه و قلت:

بسم اللَّه، فرأيت الماء يفور من بين أصابع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، ثم فأرت الجفنة و دارت حتى امتلأت فقال: يا جابر ناد من كانت له حاجة بماء، قال فأتى الناس فاستقوا حتى رووا، فقلت: هل بقي أحد له حاجة؟ فرفع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يده من الجفنة و هي ملأى. قال: و شكى الناس إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) الجوع، فقال: عسى اللَّه أن يطعمكم، فأتينا سيف البحر فزجر زجرة فألقى دابة فأورينا على شقها النار فطبخنا و اشتوينا و أكلنا و شبعنا،

قال جابر: فدخلت أنا و فلان و فلان و فلان حتى عدّ خمسة في محاجر عينها ما يرانا أحد، حتى خرجنا و أخذنا ضلعا من أضلاعها فقوسناه ثم دعونا بأعظم جمل في الركب و أعظم حمل في الركب و أعظم كفل في الركب فدخل تحتها ما يطأطئ رأسه* و قال البخاري:

ثنا موسى بن إسماعيل، ثنا عبد العزيز بن مسلم، ثنا حصين عن سالم بن أبى الجعد عن جابر بن عبد اللَّه قال: عطش الناس يوم الحديبيّة و النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) بين يديه ركوة يتوضأ فجهش الناس نحوه قال: ما لكم؟ قالوا: ليس عندنا ماء نتوضأ و لا نشرب إلا ما بين يديك، فوضع يده في الركوة فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون فشربنا و توضأنا، قلت: كم كنتم؟ قال لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مائة* و هكذا رواه مسلم من حديث حصين و أخرجاه من حديث الأعمش* زاد مسلم و شعبة ثلاثتهم عن جابر بن سالم بن جابر، و في رواية الأعمش كنا أربع عشرة مائة*

و قال الامام أحمد: حدثنا يحيى [بن حماد] ثنا أبو عوانة عن الأسود بن قيس عن شقيق‏

____________

[ (1)] كذا بالأصل.

97

العبديّ أن جابر بن عبد اللَّه قال‏

غزونا أو سافرنا مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و نحن يومئذ بضع عشر و مائتان فحضرت الصلاة فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): هل في القوم من ماء؟ فجاءه رجل يسعى باداوة فيها شي‏ء من ماء، قال فصبه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في قدح، قال فتوضأ رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فأحسن الوضوء ثم انصرف و ترك القدح فركب الناس القدح تمسحوا و تمسحوا، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): على رسلكم حين سمعهم يقولون ذلك، قال: فوضع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) كفه في الماء ثم قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): بسم اللَّه، ثم قال: أسبغوا الوضوء، قال جابر: فو الّذي هو ابتلاني ببصرى لقد رأيت العيون عيون الماء يومئذ تخرج من بين أصابع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فما رفعها حتى توضئوا أجمعون.

و هذا إسناد جيد تفرد به أحمد* و ظاهره كأنه قصة أخرى غير ما تقدم* و في صحيح مسلم عن سلمة بن الأكوع قال: قدمنا الحديبيّة مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و نحن أربع عشرة مائة أو أكثر من ذلك و عليها خمسون رأسا لا يرويها فقعد رسول اللَّه على شفا الركية فاما دعا و إما بصق فيها قال: فجاشت فسقينا و استقينا* و في صحيح البخاري من حديث الزهري عن عروة عن المسور و مروان بن الحكم في حديث صلح الحديبيّة الطويل فعدل عنهم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) حتى نزل بأقصى الحديبيّة على ثمد قليل الماء يتبرّضه تبرّضا فلم يلبثه الناس حتى نزحوه و شكى إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) العطش فانتزع سهما من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه فيه فو اللَّه ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه* و قد تقدم الحديث بتمامه في صلح الحديبيّة، فأغنى عن إعادته، و روى ابن إسحاق عن بعضهم أن الّذي نزل بالسهم ناجية بن جندب سائق البدن، قال و قيل: البراء بن عازب. ثم رجح ابن إسحاق الأول‏

حديث آخر عن ابن عباس في ذلك‏

قال الامام أحمد: ثنا حسين الأشقر، ثنا أبو كدينة عن عطاء عن أبى الضحى عن ابن عباس:

أصبح رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ذات يوم و ليس في العسكر ماء فأتاه رجل فقال: يا رسول اللَّه ليس في العسكر ماء، قال: هل عندك شي‏ء؟ قال: نعم، قال: فأتنى، قال: فأتاه بإناء فيه شي‏ء من ماء قليل، قال: فجعل رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أصابعه في فم الإناء و فتح أصابعه، قال فانفجرت من بين أصابعه عيون و أمر بلالا فقال: ناد في الناس الوضوء المبارك*

تفرد به أحمد، و رواه الطبراني من حديث عامر الشعبي عن ابن عباس بنحوه.

حديث عن عبد اللَّه بن مسعود في ذلك‏

قال البخاري: ثنا محمد بن المثنى، ثنا أبو أحمد الزبيري، ثنا إسرائيل عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد اللَّه قال:

كنا نعد الآيات بركة و أنتم تعدونها تخويفا، كنا مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في سفر فقل الماء فقال: اطلبوا فضلة من ماء، فجاءوا بإناء فيه ماء قليل، فأدخل يده في‏

98

الإناء ثم قال: حي على الطهور المبارك و البركة من اللَّه عز و جل،

قال: فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و لقد كنا نسمع تسبيح الطعام و هو يؤكل* و رواه الترمذي عن بندار عن ابن أحمد و قال: حسن صحيح.

حديث عن عمران بن حصين في ذلك‏

قال البخاري: ثنا أبو الوليد، ثنا مسلم بن زيد، سمعت أبا رجاء قال: حدثنا عمران بن حصين أنهم كانوا مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في مسير فأدلجوا ليلتهم حتى إذا كان وجه الصبح عرسوا فغلبتهم أعينهم حتى ارتفعت الشمس، فكان أول من استيقظ من منامه أبو بكر، و كان لا يوقظ رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) من منامه حتى يستيقظ، فاستيقظ عمر فقعد أبو بكر عند رأسه فجعل يكبر و يرفع صوته حتى استيقظ النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فنزل و صلّى بنا الغداة، فاعتزل رجل من القوم لم يصلّ معنا، فلما انصرف قال يا فلان ما يمنعك أن تصلى معنا؟ قال: أصابتنى جنابة، فأمره أن يتيمم بالصعيد ثم صلّى، و جعلني رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في ركوب بين يديه، و قد عطشنا عطشا شديدا، فبينما نحن نسير مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إذا نحن بامرأة سادلة رجليها بين مزادتين فقلنا لها: أين الماء؟ قالت: إنه لا ماء: فقلنا: كم بين أهلك و بين الماء؟ قالت: يوم و ليلة، فقلنا: انطلقي إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، قالت: و ما رسول اللَّه؟ فلم نملكها من أمرها حتى استقبلنا بها النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، فحدثته بمثل الّذي حدثتنا غير أنها حدثته أنها موتمة فأمر بمزادتيها فمسح في العزلاوين فشربنا عطاشا أربعين رجلا حتى روينا و ملأنا كل قربة معنا و إداوة، غير أنه لم نسق بعيرا و هي تكاد تفضى من المل‏ء، ثم قال: هاتوا ما عندكم، فجمع لها من الكسر و التمر حتى أتت أهلها، قالت: أتيت أسحر الناس أو هو نبي كما زعموا، فهدى اللَّه ذاك الصّرم بتلك المرأة فأسلمت و أسلموا* و كذلك رواه مسلم من حديث سلم بن رزين، و أخرجاه من حديث عوف الأعرابي، كلاهما عن رجاء العطاردي- و اسمه عمران بن تيم- عن عمران بن حصين به* و في رواية لهما فقال لها: اذهبي بهذا معك لعيالك و اعلمي أنا لم نرزأك من مائك شيئا غير أن اللَّه سقانا* و فيه أنه لما فتح العزلاوين سمى اللَّه عز و جل.

حديث عن أبى قتادة في ذلك‏

قال الامام أحمد: ثنا يزيد بن هارون، ثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن عبد اللَّه بن رباح عن أبى قتادة قال:

كنا مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في سفر فقال: إنكم إن لا تدركوا الماء غدا تعطشوا، و انطلق سرعان الناس يريدون الماء، و لزمت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فمالت برسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) راحلته فنعس رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فدعمته فادعم ثم مال فدعمته فادعم، ثم مال حتى كاد أن ينجفل عن راحلته فدعمته فانتبه فقال: من الرجل؟ فقلت: أبو قتادة، قال: منذ كم كان مسيرك؟ قلت: منذ الليلة، قال:

99

حفظك اللَّه كما حفظت رسوله، ثم قال: لو عرسنا، فمال إلى شجرة فنزل فقال: انظر هل ترى أحدا؟

قلت: هذا راكب، هذان راكبان، حتى بلغ سبعة، فقال: احفظوا علينا صلاتنا، فنمنا فما أيقظنا إلا حر الشمس فانتبهنا فركب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فسار و سرنا هنيهة، ثم نزل فقال: أ معكم ماء؟ قال:

قلت: نعم معى ميضأة فيها شي‏ء من ماء، قال: ائت بها، قال: فأتيته بها فقال: مسوا منها مسوا منها، فتوضأ القوم و بقيت جرعة فقال: ازدهر بها يا أبا قتادة فإنه سيكون لها نبأ، ثم أذن بلال و صلوا الركعتين قبل الفجر ثم صلوا الفجر، ثم ركب و ركبنا فقال بعضهم لبعض: فرطنا في صلاتنا، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): ما تقولون؟ إن كان أمر دنياكم فشأنكم، و إن كان أمر دينكم فإليّ، قلنا:

يا رسول اللَّه فرطنا في صلاتنا، فقال لا تفريط في النوم، إنما التفريط في اليقظة، فإذا كان ذلك فصلوها و من الغد وقتها، ثم قال: ظنوا بالقوم، قالوا: إنك قلت بالأمس: إن لا تدركوا الماء غدا تعطشوا، فالناس بالماء، قال: فلما أصبح الناس و قد فقدوا نبيهم، فقال بعضهم لبعض: إن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بالماء و في القوم أبو بكر و عمر، فقالا: أيها الناس إن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) لم يكن ليسبقكم إلى الماء و يخلفكم، و إن يطع الناس أبا بكر و عمر يرشدوا، قالها ثلاثا، فلما اشتدت الظهيرة رفع لهم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقالوا: يا رسول اللَّه هلكنا عطشا، تقطعت الأعناق، فقال: لأهلك عليكم، ثم قال:

يا أبا قتادة ائت بالميضأة، فأتيته بها، فقال: أحلل لي غمرى- يعنى قدحه- فحللته فأتيته به، فجعل يصب فيه و يسقى الناس فازدحم الناس عليه فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يا أيها الناس أحسنوا الملأ فكلكم سيصدر عن رى، فشرب القوم حتى لم يبق غيري و غير رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فصب لي فقال اشرب يا أبا قتادة،

قال: قلت: اشرب أنت يا رسول اللَّه، قال إن ساقى القوم آخرهم، فشربت و شرب بعدي و بقي في الميضأة نحو مما كان فيها، و هم يومئذ ثلاثمائة، قال عبد اللَّه: فسمعني عمران بن حصين و أنا أحدث هذا الحديث في المسجد الجامع فقال: من الرجل؟ قلت: أنا عبد اللَّه بن رباح الأنصاري، قال: القوم أعلم بحديثهم، انظر كيف تحدث فانى أحد السبعة تلك الليلة، فلما فرغت قال: ما كنت أحسب أحدا يحفظ هذا الحديث غيري* قال حماد بن سلمة و حدثنا حميد الطويل عن بكر بن عبد اللَّه المزني عن عبد اللَّه بن رباح عن أبى قتادة الموصلي عن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) بمثله و زاد قال: كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إذا عرّس و عليه ليل توسد يمينه، و إذا عرّس الصبح وضع رأسه على كفه اليمنى و أقام ساعده* و قد رواه مسلم عن شيبان بن فروخ عن سليمان بن المغيرة عن ثابت عن عبد اللَّه بن رباح عن أبى قتادة الحرث بن ربعي الأنصاري بطوله و أخرج من حديث حماد ابن سلمة بسنده الأخير أيضا.

100

حديث آخر عن أنس يشبه هذا

روى البيهقي من حديث الحافظ أبى يعلى الموصلي: ثنا شيبان، ثنا سعيد بن سليمان الضبعي، ثنا أنس بن مالك‏

أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) جهز جيشا إلى المشركين فيهم أبو بكر فقال لهم: جدوا السير فان بينكم و بين المشركين ماء إن يسبق المشركون إلى ذلك الماء شق على الناس و عطشتم عطشا شديدا أنتم و دوابكم، قال: و تخلف رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في ثمانية أنا تاسعهم، و قال لأصحابه: هل لكم أن نعرس قليلا ثم نلحق بالناس؟ قالوا: نعم يا رسول اللَّه، فعرسوا فما أيقظهم إلا حر الشمس، فاستيقظ رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و استيقظ أصحابه، فقال لهم: تقدموا و اقضوا حاجاتكم، ففعلوا ثم رجعوا إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فقال لهم: هل مع أحد منكم ماء؟ قال رجل منهم: يا رسول اللَّه معى ميضأة فيها شي‏ء من ماء، قال: فجئ بها: فجاء بها فأخذها نبي اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فمسحها بكفيه و دعا بالبركة فيها و قال لأصحابه:

تعالوا فتوضئوا، فجاءوا و جعل يصب عليهم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) حتى توضئوا كلهم، فأذن رجل منهم و أقام فصلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) لهم و قال لصاحب الميضأة ازدهر بميضأتك ازدهر بميضأتك فسيكون لها شأن، و ركب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قبل الناس و قال لأصحابه: ما ترون الناس فعلوا؟ فقالوا: اللَّه و رسوله أعلم. فقال لهم: فيهم أبو بكر و عمرو سيرشد الناس، فقدم الناس و قد سبق المشركون إلى ذلك الماء فشق ذلك على الناس و عطشوا عطشا شديدا ركابهم و دوابهم، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): أين صاحب الميضأة؟ قالوا: هو هذا يا رسول اللَّه، قال جئني بميضأتك، فجاء بها و فيها شي‏ء من ماء، فقال لهم: تعالوا فاشربوا، فجعل يصب لهم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) حتى شرب الناس كلهم و سقوا دوابهم و ركابهم و ملئوا ما كان معهم من إداوة و قربة و مزادة،

ثم نهض رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و أصحابه إلى المشركين، فبعث اللَّه ريحا فضرب وجوه المشركين و أنزل اللَّه نصره و أمكن من ديارهم فقتلوا مقتلة عظيمة، و أسروا أسارى كثيرة، و استاقوا غنائم كثيرة، و رجع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و الناس وافرين صالحين* و قد تقدم قريبا عن جابر ما يشبه هذا و هو في صحيح مسلم*

و قدمنا في غزوة تبوك ما رواه مسلم من طريق مالك عن أبى الزبير عن أبى الطفيل عن معاذ بن جبل. فذكر حديث جمع الصلاة في غزوة تبوك إلى أن قال: و قال- يعنى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)-:

إنكم ستأتون غدا إن شاء اللَّه عين تبوك، و إنكم لن تأتوها حتى يضحى ضحى النهار، فمن جاءها فلا يمس من مائها شيئا حتى آتى، قال: فجئناها و قد سبق إليها رجلان و العين مثل الشراك تبض بشي‏ء، فسألهما رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): هل مسستما من مائها شيئا؟ قالا:

نعم، فسبهما و قال لهما: ما شاء اللَّه أن يقول ثم غرفوا من العين قليلا قليلا حتى اجتمع في شي‏ء، ثم غسل رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) وجهه و يديه ثم أعاده فيها فجرت العين بماء كثير، فاستقى الناس ثم قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): يا معاذ يوشك إن طالت بك حياة أن ترى ما هاهنا قد ملي‏ء جنانا*

و ذكرنا في باب الوفود