البداية و النهاية - ج6

- ابن كثير الدمشقي‏ المزيد...
354 /
101

من طريق عبد الرحمن بن زياد بن أنعم عن زياد بن الحارث الصّدائى في قصة وفادته فذكر حديثا طويلا فيه‏

، ثم قلنا: يا رسول اللَّه إن لنا بئرا إذا كان الشتاء وسعنا ماؤها و اجتمعنا عليها، و إذا كان الصيف قل ماؤها فتفرقنا على مياه حولنا و قد أسلمنا، و كل من حولنا عدو، فادع اللَّه لنا في بئرنا فيسعنا ماؤها فنجتمع عليه و لا نتفرق، فدعا بسبع حصيات ففركهن بيده و دعا فيهن ثم قال: اذهبوا بهذه الحصيات فإذا أتيتم البئر فألقوا واحدة واحدة و اذكروا اللَّه عز و جل،

قال الصّدائى: ففعلنا ما قال لنا، فما استطعنا بعد ذلك أن ننظر إلى قعرها- يعنى البئر- و أصل هذا الحديث في المسند و سنن أبى داود و الترمذي و ابن ماجة و أما الحديث بطوله ففي دلائل النبوة للبيهقي (رحمه اللَّه)* و قال البيهقي:

باب ما ظهر في البئر التي كانت بقباء من بركته‏

أخبرنا أبو الحسن محمد بن الحسين العلويّ، ثنا أبو حامد بن الشرقي، أنا أحمد بن حفص بن عبد اللَّه، نا أبى، حدثنا إبراهيم بن طهمان عن يحيى بن سعيد أنه حدثه أن أنس بن مالك أتاهم بقباء فسأله عن بئر هناك، قال: فدللته عليها، فقال: لقد كانت هذه و إن الرجل لينضح على حماره فينزح فجاء رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و أمر بذنوب فسقى فاما أن يكون توضأ منه و إما أن يكون تفل فيه ثم أمر به فأعيد في البئر، قال: فما نزحت بعد، قال: فرأيته بال ثم جاء فتوضأ و مسح على جنبه ثم صلّى* و قال أبو بكر البزار: ثنا الوليد بن عمرو بن مسكين، ثنا محمد بن عبد اللَّه بن مثنى عن أبيه عن ثمامة عن أنس قال: أتى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فنزلنا فسقيناه من بئر لنا في دارنا كانت تسمى النزور في الجاهلية فتفل فيها فكانت لا تنزح بعد* ثم قال لا نعلم هذا يروى إلا من هذا الوجه.

باب تكثيره (عليه السلام) الأطعمة للحاجة إليها في غير ما موطن كما سنورده مبسوطا

تكثيره اللبن في مواطن أيضا،

قال الامام أحمد: ثنا روح، ثنا عمر بن ذر عن مجاهد أن أبا هريرة كان يقول:

و اللَّه إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع، و إن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع، و لقد قعدت يوما على طريقهم الّذي يخرجون منه فمر أبو بكر فسألته عن آية من كتاب اللَّه عز و جل ما سألته إلا ليستتبعنى فلم يفعل، فمر عمر رضى اللَّه عنه فسألته عن آية من كتاب اللَّه ما سألته إلا ليستتبعنى فلم يفعل، فمر أبو القاسم (صلى اللَّه عليه و سلم) فعرف ما في وجهي و ما في نفسي فقال: أبا هريرة، قلت له: لبيك يا رسول اللَّه، فقال: الحق و استأذنت فأذن لي فوجدت لبنا في قدح قال:

من أين لكم هذا اللبن؟ فقالوا: أهداه لنا فلان أو آل فلان، قال أبا هرّ، قلت: لبيك‏

102

يا رسول اللَّه، قال: انطلق إلى أهل الصفة فادعهم لي، قال و أهل الصفة أضياف الإسلام لم يأووا إلى أهل و لا مال إذا جاءت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) هدية أصاب منها و بعث إليهم منها و إذا جاءته الصدقة أرسل بها إليهم و لم يصب منها- قال: و أحزننى ذلك و كنت أرجو أن أصيب من اللبن شربة أتقوى بها بقية يومى و ليلتي، و قلت: أنا الرسول، فإذا جاء القوم كنت أنا الّذي أعطيهم، و قلت: ما يبقى لي من هذا اللبن و لم يكن من طاعة اللَّه و طاعة رسوله بدّ، فانطلقت فدعوتهم فأقبلوا فاستأذنوا فأذن لهم فأخذوا مجالسهم من البيت ثم قال: أبا هر خذ فأعطهم، فأخذت القدح فجعلت أعطيهم فيأخذ الرجل القدح فيشرب حتى يروى ثم يرد القدح حتى أتيت على آخرهم، و دفعت إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فأخذ القدح فوضعه في يده و بقي فيه فضلة ثم رفع رأسه و نظر إلى و تبسم و قال: أبا هر، فقلت لبيك رسول اللَّه قال: بقيت أنا و أنت، فقلت: صدقت يا رسول اللَّه قال: فاقعد فاشرب، قال: فقعدت فشربت ثم قال لي: اشرب، فشربت، فما زال يقول لي: اشرب فأشرب حتى قلت: لا و الّذي بعثك بالحق ما أجد له في مسلكا، قال: ناولني القدح، فرددت إليه القدح فشرب من الفضلة*

و رواه البخاري عن أبى نعيم و عن محمد بن مقاتل عن عبد اللَّه بن المبارك.

و أخرجه الترمذي عن عباد بن يونس بن بكير ثلاثتهم عن عمر بن ذرّ و قال الترمذي: صحيح*

و قال الامام أحمد: ثنا أبو بكر بن عياش، حدثني عن زر عن ابن مسعود قال:

كنت أرعى غنما لعقبة بن أبى معيط فمرّ بي رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و أبو بكر فقال: يا غلام هل من لبن؟ قال: فقلت: نعم و لكنى مؤتمن، قال: فهل من شاة لم ينز عليها الفحل؟ فأتيته بشاة فمسح ضرعها فنزل لبن فحلبه في إناء فشرب و سقى أبا بكر، ثم قال للضرع:

اقلص، فقلص، قال: ثم أتيته بعد هذا فقلت: يا رسول اللَّه علمني من هذا القول، قال: فمسح رأسي و قال: يا غلام يرحمك اللَّه، فإنك عليم معلم* و رواه البيهقي من حديث أبى عوانة عن عاصم عن أبى النجود عن زر عن ابن مسعود، و قال فيه: فأتيته بعناق جذعة فاعتقلها ثم جعل يمسح ضرعها و يدعو، و أتاه أبو بكر بجفنة فحلب فيها و سقى أبا بكر ثم شرب، ثم قال للضرع: اقلص فقلص فقلت: يا رسول اللَّه علمني من هذا القول، فمسح رأسي و قال: إنك غلام معلم،

فأخذت عنه سبعين سورة ما نازعنيها بشر* و تقدم في الهجرة حديث أم معبد و حلبة (عليه السلام) شاتها، و كانت عجفاء لا لبن لها فشرب هو و أصحابه و غادر عندها إناء كبيرا من لبن حتى جاء زوجها* و تقدم في ذكر من كان يخدمه من غير مواليه (عليه السلام) المقداد بن الأسود حين شرب اللبن الّذي كان قد جاء لرسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، ثم قام في الليل ليذبح له شاة فوجد لبنا كثيرا فحلب ما ملأ منه إناء كبيرا جدا، الحديث*

و قال أبو داود الطيالسي: ثنا زهير عن أبى إسحاق عن ابنة حباب‏

أنها أتت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بشاة فاعتقلها و حلبها، فقال: ائتني بأعظم إناء لكم، فأتيناه بجفنة العجين، فحلب فيها حتى ملأها، ثم‏

103

قال: اشربوا أنتم و جيرانكم*

و قال البيهقي: أنا أبو الحسين بن بشران ببغداد، أنا إسماعيل بن محمد الصفار، أنا محمد بن الفرج الأزرق، ثنا عصمة بن سليمان الخراز، ثنا خلف بن خليفة عن أبى هاشم الرماني عن نافع- و كانت له صحبة- قال: كنا مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في سفر و كنا زهاء أربعمائة فنزلنا في موضع ليس فيه ماء فشق ذلك على أصحابه و قالوا: رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أعلم، قال: فجاءت شويهة لها قرنان فقامت بين يدي رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فحلبها فشرب حتى روى و سقى أصحابه حتى رووا، ثم قال:

يا نافع أملكها الليلة و ما أراك تملكها، قال: فأخذتها فوتدت لها وتدا ثم ربطتها بحبل ثم قمت في بعض الليل فلم أر الشاة، و رأيت الحبل مطروحا، فجئت رسول اللَّه فأخبرته من قبل أن يسألنى و قال يا نافع ذهب بها الّذي جاء بها* قال البيهقي: و رواه محمد بن سعد عن خلف بن الوليد- أبى الوليد الأزدي- عن خلف بن خليفة عن أبان، و هذا حديث غريب جدا إسنادا و متنا*

ثم قال البيهقي:

أنا أبو سعيد الماليني، أنا أبو أحمد بن عدي، أنا ابن العباس بن محمد بن العباس، ثنا أحمد بن سعيد ابن أبى مريم، ثنا أبو حفص الرياحي، ثنا عامر بن أبى عامر الخراز عن أبيه عن الحسن عن سعد- يعنى مولى أبى بكر- قال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

احلب لي العنز، قال: و عهدي بذلك الموضع لا عنز فيه، قال: فأتيت فإذا العنز حافل، قال: فاحتلبتها و احتفظت بالعنز و أوصيت بها، قال:

فاشتغلنا بالرحلة ففقدت فقلت: يا رسول اللَّه قد فقدت العنز، فقال: إن لها ربا،

و هذا أيضا حديث غريب جدا إسنادا و متنا و في إسناده من لا يعرف حاله* و سيأتي حديث الغزالة في قسم ما يتعلق من المعجزات بالحيوانات.

تكثيره (عليه السلام) السمن لأم سليم‏

قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا شيبان، ثنا محمد بن زيادة البرجمي عن أبى طلال عن أنس عن أمه قال:

كانت لها شاة فجمعت من سمنها في عكة فملأت العكة ثم بعثت بها مع ربيبة فقالت:

يا ربيبة أبلغى هذه العكة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يأتدم بها، فانطلقت بها ربيبة حتى أتت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقالت: يا رسول اللَّه: هذه [عكة] سمن بعثت بها إليك أم سليم، قال: أفرغوا لها عكتها، ففرغت العكة فدفعت إليها فانطلقت بها و جاءت و أم سليم ليست في البيت فعلقت العكة على وتد، فجاءت أم سليم فرأت العكة ممتلئة تقطر، فقالت أم سليم: يا ربيبة أ ليس أمرتك أن تنطلقى بها إلى رسول اللَّه؟

فقالت: قد فعلت، فان لم تصدقيني فانطلقي فسلي رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فانطلقت و معها ربيبة فقالت:

يا رسول اللَّه إني بعثت معها إليك بعكة فيها سمن، قال: قد فعلت، قد جاءت، قالت: و الّذي بعثك بالحق و دين الحق إنها لممتلئة تقطر سمنا، قال: فقال لها رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): يا أم سليم أ تعجبين إن كان اللَّه أطعمك كما أطعمت نبيه؟ كلى و أطعمى،

قالت: فجئت إلى البيت فقسمت في قعب‏

104

لنا و كذا و كذا و تركت فيها ما ائتدمنا به شهرا أو شهرين.

حديث آخر في ذلك‏

قال البيهقي: أنا الحاكم، أنا الأصم، ثنا عباس الدوري، ثنا على بن بحر القطان، ثنا خلف ابن خليفة عن أبى هاشم الرماني عن يوسف بن خالد عن أوس بن خالد عن أم أوس البهزية قالت:

سليت سمنا لي فجعلته في عكة فأهديته لرسول اللَّه فقبله و ترك في العكة قليلا و نفخ فيها و دعا بالبركة ثم قال: ردوا عليها عكتها، فردوها عليها و هي مملوءة سمنا، قالت: فظننت أن رسول اللَّه لم يقبلها فجاءت و لها صراخ، فقالت: يا رسول اللَّه إنما سليته لك لتأكله، فعلم أنه قد استجيب له، فقال:

اذهبوا فقولوا لها فلتأكل سمنها و تدعو بالبركة،

فأكلت بقية عمر النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) و ولاية أبى بكر و ولاية عمرو ولاية عثمان حتى كان من أمر على و معاوية ما كان.

حديث آخر

روى البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن أحمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير عن عبد الأعلى ابن المسور القرشي عن محمد بن عمرو بن عطاء عن أبى هريرة قال: كانت امرأة من دوس يقال لها:

أم شريك، أسلمت في رمضان، فذكر الحديث في هجرتها و صحبة ذلك اليهودي لها، و أنها عطشت فأبى أن يسقيها حتى تهود، فنامت فرأت في النوم من يسقيها فاستيقظت و هي ريانة، فلما جاءت رسول اللَّه قصت عليه القصة، فخطبها إلى نفسها فرأت نفسها أقل من ذلك و قالت: بل زوجني من شئت، فزوجها زيدا و أمر لها بثلاثين صاعا، و قال: كلوا و لا تكيلوا، و كانت معها عكة سمن هدية لرسول اللَّه، فأمرت جاريتها أن تحملها إلى رسول اللَّه، ففرغت و أمرها رسول اللَّه إذا ردتها أن تعلقها و لا توكئها، فدخلت أم شريك فوجدتها ملأى، فقالت للجارية: أ لم آمرك أن تذهبي بها إلى رسول اللَّه؟ فقالت: قد فعلت، فذكروا ذلك لرسول اللَّه فأمرهم أن لا يوكئوها فلم تزل حتى أوكتها أم شريك ثم كالوا الشعير فوجدوه ثلاثين صاعا لم ينقص منه شي‏ء.

حديث آخر في ذلك‏

قال الامام أحمد: ثنا حسن، ثنا ابن لهيعة ثنا أبو الزبير عن جابر أن أم مالك البهزية

كانت تهدى في عكة لها سمنا للنّبيّ (صلى اللَّه عليه و سلم) فبينما بنوها يسألونها الإدام و ليس عندها شي‏ء فعمدت إلى عكتها التي كانت تهدى فيها إلى النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فقال: أعصرتيه؟ فقلت: نعم قال: لو تركتيه ما زال ذلك مقيما

ثم روى الامام أحمد بهذا الاسناد عن جابر عن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)

أنه أتاه رجل يستطعمه فأطعمه شطر وسق شعير فما زال الرجل يأكل منه هو و امرأته و ضيف لهم حتى كالوه، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) لو لم تكيلوه لأكلتم فيه و لقام لكم*

و قد روى هذين الحديثين مسلم من وجه آخر عن أبى الزبير عن جابر.

105

ذكر ضيافة أبى طلحة الأنصاري رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و ما ظهر في ذلك اليوم من دلالات النبوة في تكثير الطعام النذر حتى عم من هنالك من الضيفان و أهل المنزل و الجيران‏

قال البخاري: ثنا عبد اللَّه بن يوسف، أخبرنا مالك عن إسحاق بن عبد اللَّه بن أبى طلحة أنه سمع أنس بن مالك يقول: قال أبو طلحة لأم سليم:

لقد سمعت صوت رسول اللَّه ضعيفا أعرف فيه الجوع، فهل عندك من شي‏ء؟ قالت: نعم، فأخرجت أقراصا من شعير ثم أخرجت خمارا لها فلفت الخبز ببعضه ثم دسته تحت يدي و لاثتني ببعضه، ثم أرسلتنى إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال: فذهبت به فوجدت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في المسجد و معه الناس، فقمت عليهم فقال لي رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): أرسلك أبو طلحة؟ فقلت نعم: قال بطعام؟ قلت: نعم، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) لمن معه: قوموا، فانطلق و انطلقت بين أيديهم حتى جئت أبا طلحة فأخبرته، فقال أبو طلحة: يا أم سليم قد جاء رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و الناس و ليس عندنا ما نطعمهم، فقالت: اللَّه و رسوله أعلم، فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فأقبل رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و أبو طلحة معه، فقال رسول اللَّه: هلم يا أم سليم، ما عندك؟

فأتت بذلك الخبز، فأمر به رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ففت و عصرت أم سليم عكة فآدمته، ثم قال رسول اللَّه فيه ما شاء اللَّه أن يقول، ثم قال: ائذن لعشرة، فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا ثم قال: ائذن لعشرة، فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا، ثم قال: ائذن لعشرة فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا ثم قال: ائذن لعشرة فأكل القوم كلهم و القوم سبعون أو ثمانون رجلا*

و قد رواه البخاري في مواضع أخر من صحيحه و مسلم من غير وجه عن مالك.

طريق آخر عن أنس بن مالك رضى اللَّه عنه‏

قال أبو يعلى: ثنا هدبة بن خالد، ثنا مبارك بن فضالة، ثنا بكير و ثابت البناني عن أنس‏

أن أبا طلحة رأى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) طاويا فجاء إلى أم سليم فقال: إني رأيت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) طاويا فهل عندك من شي‏ء؟ قالت: ما عندنا إلا نحو من مدّ دقيق شعير قال: فاعجنيه و أصلحيه عسى أن ندعو رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فيأكل عندنا، قال: فعجنته و خبزته فجاء قرصا فقال، يا أنس ادع رسول اللَّه، فأتيت رسول اللَّه و معه أناس، قال مبارك أحسبه قال: بضعة و ثمانون قال: فقلت: يا رسول اللَّه أبو طلحة يدعوك، فقال لأصحابه: أجيبوا أبا طلحة، فجئت جزعا حتى أخبرته أنه قد جاء بأصحابه قال بكر فعدى قدمه و قال ثابت قال أبو طلحة: رسول اللَّه أعلم بما في بيتي منى، و قالا جميعا عن أنس فاستقبله أبو طلحة فقال: يا رسول اللَّه ما عندنا شي‏ء إلا قرص، رأيتك طاويا فأمرت أم سليم فجعلت لك قرصا، قال: فدعا بالقرص و دعا بجفنة فوضعه فيها و قال: هل من سمن؟ قال أبو طلحة قد كان في العكة شي‏ء، قال: فجاء بها، قال: فجعل رسول اللَّه و أبو طلحة يعصرانها حتى خرج شي‏ء

106

مسح رسول اللَّه به سبابته ثم مسح القرص فانتفخ و قال: بسم اللَّه فانتفخ القرص فلم يزل يصنع كذلك و القرص ينتفخ حتى رأيت القرص في الجفنة يميع، فقال: ادع عشرة من أصحابى، فدعوت له عشرة، قال: فوضع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يده وسط القرص و قال: كلوا بسم اللَّه، فأكلوا من حوالي القرص حتى شبعوا، ثم قال، ادع لي عشرة أخرى، فدعوت له عشرة أخرى، فقال: كلوا بسم اللَّه، فأكلوا من حوالي القرص حتى شبعوا، فلم يزل يدعو عشرة عشرة يأكلون من ذلك القرص حتى أكل منه بضعة و ثمانون من حوالي القرص حتى شبعوا و إن وسط القرص حيث وضع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يده كم هو*

و هذا إسناد حسن على شرط أصحاب السنن و لم يخرجوه فاللَّه أعلم.

طريق أخرى عن أنس بن مالك رضى اللَّه عنه‏

قال الامام أحمد: ثنا عبد اللَّه بن نمير، ثنا سعد- يعنى ابن سعيد بن قيس- أخبرنى أنس ابن مالك قال:

بعثني أبو طلحة إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) لأدعوه و قد جعل له طعاما، فأقبلت و رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) مع الناس، قال: فنظر إليّ فاستحييت فقلت: أجب أبا طلحة، فقال للناس: قوموا، فقال أبو طلحة: يا رسول اللَّه إنما صنعت شيئا لك قال: فمسها رسول اللَّه و دعا فيها بالبركة، ثم قال:

أدخل نفرا من أصحابى عشرة، فقال: كلوا فأكلوا حتى شبعوا و خرجوا، و قال: أدخل عشرة فأكلوا حتى شبعوا فما زال يدخل عشرة و يخرج عشرة حتى لم يبق منهم أحد إلا دخل فأكل حتى شبع ثم هيأها فإذا هي مثلها حين أكلوا منها*

و قد رواه مسلم عن أبى بكر بن أبى شيبة و محمد بن عبد اللَّه بن نمير كلاهما عن عبد اللَّه بن نمير و عن سعيد بن يحيى الأموي عن أبيه كلاهما عن سعد بن سعيد بن قيس الأنصاري.

طريق أخرى‏

رواه مسلم في الأطعمة عن عبد بن حميد عن خالد بن مخلد عن محمد بن موسى عن عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن أبى طلحة عن أنس فذكر نحو ما تقدم* و قد رواه أبو يعلى الموصلىّ عن محمد بن عباد المكيّ [عن حاتم‏] عن معاوية بن أبى مردد عن عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن أبى طلحة عن أبيه عن أبى طلحة فذكره و اللَّه أعلم.

طريق أخرى عن أنس‏

قال الامام أحمد: ثنا على بن عاصم، ثنا حصين بن عبد الرحمن عن عبد الرحمن بن أبى ليلى عن أنس بن مالك قال:

أتى أبو طلحة بمدين من شعير فأمر به فصنع طعاما ثم قال لي: يا أنس انطلق ائت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فادعه و قد تعلم ما عندنا، قال: فأتيت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و أصحابه عنده فقلت:

إن أبا طلحة يدعوك إلى طعامه، فقام و قال للناس: قوموا فقاموا، فجئت أمشى بين يديه حتى دخلت على‏

107

أبى طلحة فأخبرته، قال: فضحتنا، قلت: إني لم أستطع أن أرد على رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أمره، فلما انتهى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال لهم: اقعدوا، و دخل عاشر عشرة فلما دخل أتى بالطعام تناول فأكل و أكل معه القوم حتى شبعوا، ثم قال لهم: قوموا، و ليدخل عشرة مكانكم، حتى دخل القوم كلهم و أكلوا، قال: قلت: كم كانوا؟ قال: كانوا نيفا و ثمانين، قال: و فضل لأهل البيت ما أشبعهم*

و قد رواه مسلم في الأطعمة عن عمرو الناقد عن عبد اللَّه بن جعفر الرقى عن عبيد اللَّه بن عمرو عن عبد الملك بن عمير عن عبد الرحمن بن أبى ليلى عن أنس قال: أمر أبو طلحة أم سليم قال: اصنعي للنّبيّ (صلى اللَّه عليه و سلم) لنفسه خاصة طعاما يأكل منه، فذكر نحو ما تقدم.

طريق أخرى عن أنس‏

قال أبو يعلى: ثنا شجاع بن مخلد، ثنا وهب بن جرير، ثنا أبى، سمعت جرير بن يزيد يحدث عن عمرو بن عبد اللَّه بن أبى طلحة عن أنس بن مالك قال:

رأى أبو طلحة رسول اللَّه في المسجد مضطجعا يتقلب ظهرا لبطن، فأتى أم سليم فقال: رأيت رسول اللَّه مضطجعا في المسجد يتقلب ظهرا لبطن، فخبزت أم سليم قرصا، ثم قال لي أبو طلحة: اذهب فادع رسول اللَّه، فأتيته و عنده أصحابه فقلت: يا رسول اللَّه يدعوك أبو طلحة، فقام و قال: قوموا، قال: فجئت أسعى إلى أبى طلحة فأخبرته أن رسول اللَّه قد كان تبعه أصحابه، فتلقاه أبو طلحة، فقال: يا رسول اللَّه إنما هو قرص، فقال: إن اللَّه سيبارك فيه، فدخل رسول اللَّه و جي‏ء بالقرص في قصعة، فقال: هل من سمن؟ فجي‏ء بشي‏ء من سمن فغور القرص بإصبعه هكذا، و رفعها، ثم صب و قال: كلوا من بين أصابعى، فأكل القوم حتى شبعوا، ثم قال: أدخل على عشرة، فأكلوا حتى شبعوا، حتى أكل القوم فشبعوا و أكل رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و أبو طلحة و أم سليم و أنا حتى شبعنا و فضلت فضلة أهديت لجيران لنا*

و رواه مسلم في الأطعمة من صحيحه عن حسن الحلواني و عن وهب بن جرير بن حازم عن عمه جرير بن يزيد عن عمرو بن عبد اللَّه بن أبى طلحة عن أنس بن مالك فذكر نحو ما تقدم*

طريق أخرى عن أنس‏

قال الامام أحمد: ثنا يونس بن محمد، ثنا حماد- يعنى ابن زيد- عن هشام عن محمد- يعنى ابن سيرين- عن أنس قال حماد:

و الجعد قد ذكره، قال: عمدت أم سليم إلى نصف مد شعير فطحنته ثم عمدت إلى عكة كان فيها شي‏ء من سمن فاتخذت منه خطيفة قال: ثم أرسلتنى إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال: فأتيته و هو في أصحابه فقلت: إن أم سليم أرسلتنى إليك تدعوك، فقال: أنا و من معى، قال: فجاء هو و من معه، قال: فدخلت فقلت لأبى طلحة: قد جاء رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و من معه، فخرج أبو طلحة فمشى إلى جنب النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، قال: يا رسول اللَّه إنما هي خطيفة اتخذتها أم سليم‏

108

من نصف مد شعير، قال: فدخل فأتى به، قال: فوضع يده فيها ثم قال: أدخل عشرة، قال فدخل عشرة فأكلوا حتى شبعوا، ثم دخل عشرة فأكلوا ثم عشرة فأكلوا حتى أكل منها أربعون كلهم أكلوا حتى شبعوا، قال: و بقيت كما هي، قال: فأكلنا*

و قد رواه البخاري في الأطعمة عن الصلت بن محمد عن حماد بن زيد عن الجعد أبى عثمان عن أنس. و عن هشام بن محمد عن أنس.

و عن سنان بن ربيعة عن أبى ربيعة عن أنس أن أم سليم عمدت إلى مد من شعير جشته و جعلت منه خطيفة و عمدت إلى عكة فيها شي‏ء من سمن فعصرته ثم بعثتني إلى رسول اللَّه و هو في أصحابه، الحديث بطوله* و رواه أبو يعلى الموصلي: ثنا عمرو عن الضحاك، ثنا أبى، سمعت أشعث الحراني قال: قال محمد بن سيرين: حدثني أنس بن مالك أن أبا طلحة بلغه أنه ليس عند رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) طعام، فذهب فأجر نفسه بصاع من شعير فعمل يومه ذلك فجاء به و أمر أم سليم أن تعمله خطيفة* و ذكر الحديث.

طريق أخرى عن أنس رضى اللَّه عنه‏

قال الامام أحمد: ثنا يونس بن محمد، ثنا حرب بن ميمون عن النضر بن أنس عن أنس بن مالك قال:

قالت أم سليم: اذهب إلى نبي اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقل: إن رأيت أن تغدى عندنا فافعل، فجئته فبلغته، فقال: و من عندي؟ قلت: نعم، قال: انهضوا، قال: فجئته فدخلت على أم سليم و أنا لدهش لمن أقبل مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، قال: فقالت أم سليم: ما صنعت يا أنس؟ فدخل رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) على إثر ذلك فقال: هل عندك سمن؟ قالت: نعم، قد كان منه عندي عكة فيها شي‏ء من سمن، قال: فأت بها قالت: فجئت بها ففتح رباطها ثم قال: بسم اللَّه اللَّهمّ أعظم فيها البركة، قال فقال اقلبيها، فقلبتها فعصرها نبي اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و هو يسمى، فأخذت نقع قدر فأكل منها بضع و ثمانون رجلا و فضل فضلة فدفعها إلى أم سليم فقال: كلى و أطعمى جيرانك*

و قد رواه مسلم في الأطعمة عن حجاج بن الشاعر عن يونس بن محمد المؤدب به.

طريق أخرى‏

قال أبو القاسم البغوي: ثنا على بن المديني، ثنا عبد العزيز بن محمد الدراوَرْديّ عن عمرو بن يحيى ابن عمارة المازني عن أبيه عن أنس بن مالك‏

أن أمه أم سليم صنعت خزيرا فقال أبو طلحة: اذهب يا بنى فادع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، قال: فجئته و هو بين ظهراني الناس، فقلت: إن أبى يدعوك، قال: فقام و قال للناس: انطلقوا، قال: فلما رأيته قام بالناس تقدمت بين أيديهم فجئت أبا طلحة فقلت: يا أبت قد جاءك رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بالناس، قال: فقام أبو طلحة على الباب و قال: يا رسول اللَّه إنما كان شيئا يسيرا، فقال: هلمّه، فان اللَّه سيجعل فيه البركة، فجاء به فجعل رسول اللَّه يده فيه، و دعا اللَّه‏

109

بما شاء أن يدعو، ثم قال: أدخل عشرة عشرة، فجاءه منهم ثمانون فأكلوا و شبعوا*

و رواه مسلم في الأطعمة عن عبد بن حميد عن القعنبي عن الدراوَرْديّ عن يحيى بن عمارة بن أبى حسن الأنصاري المازني [عن أبيه‏] عن أنس بن مالك بنحو ما تقدم‏

.

طريق أخرى‏

و رواه مسلم في الأطعمة أيضا عن حرملة عن ابن وهب عن أسامة بن زيد الليثي عن يعقوب بن عبد اللَّه بن أبى طلحة عن أنس كنحو ما تقدم* قال البيهقي: و في بعض حديث هؤلاء: ثم أكل رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و أكل أهل البيت و أفضلوا ما بلغ جيرانهم، فهذه طرق متواترة عن أنس بن مالك رضى اللَّه عنه أنه شاهد ذلك على ما فيه من اختلاف عنه في بعض حروفه، و لكن أصل القصة متواتر لا محالة كما ترى، و للَّه الحمد و المنة، فقد رواه عن أنس بن مالك إسحاق بن عبد اللَّه بن أبى طلحة و بكر بن عبد اللَّه المزني و ثابت بن أسلم البناني [و الجعد بن عثمان‏] و سعد بن سعيد أخو يحيى بن سعيد الأنصاري و سنان بن ربيعة و عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن أبى طلحة و عبد الرحمن بن أبى ليلى و عمرو بن عبد اللَّه بن أبى طلحة و محمد بن سيرين و النضر بن أنس و يحيى بن عمارة بن أبى حسن و يعقوب بن عبد اللَّه بن أبى طلحة* و قد تقدم في غزوة الخندق حديث جابر في إضافته (صلى اللَّه عليه و سلم) على صاع من شعير و عناق، فعزم (عليه السلام) على أهل الخندق بكمالهم، فكانوا ألفا أو قريبا من ألف، فأكلوا كلهم من تلك العناق و ذلك الصاع حتى شبعوا و تركوه كما كان، و قد أسلفناه بسنده و متنه و طرقه و للَّه الحمد و المنة* و من العجب الغريب ما ذكره الحافظ أبو عبد الرحمن بن محمد بن المنذر الهروي- المعروف بشكر- في كتاب العجائب الغريبة، في هذا الحديث فإنه أسنده و ساقه بطوله و ذكر في آخره شيئا غريبا

فقال: ثنا محمد بن على بن طرخان، ثنا محمد بن مسرور، أنا هاشم ابن هاشم و يكنى بأبي برزة بمكة في المسجد الحرام، ثنا أبو كعب البداح بن سهل الأنصاري من أهل المدينة من الناقلة الذين نقلهم هارون إلى بغداد، سمعت منه بالمصيصة عن أبيه سهل بن عبد الرحمن عن أبيه عبد الرحمن بن كعب عن أبيه كعب بن مالك قال:

أتى جابر بن عبد اللَّه إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فعرف في وجهه الجوع فذكر أنه رجع إلى منزله فذبح داجنا كانت عندهم و طبخها و ثرد تحتها في جفنة و حملها إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فأمره أن يدعو له الأنصار فأدخلهم عليه إرسالا فأكلوا كلهم و بقي مثل ما كان، و كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يأمرهم أن يأكلوا و لا يكسروا عظما، ثم إنه جمع العظام في وسط الجفنة فوضع عليها يده ثم تكلم بكلام لا أسمعه إلا أنى أرى شفتيه تتحرك، فإذا الشاة قد قامت تنفض أذنيها فقال: خذ شاتك يا جابر بارك اللَّه لك فيها، قال: فأخذتها و مضيت، و إنها لتنازعنى أذنها حتى أتيت بها البيت،

فقالت لي المرأة: ما هذا يا جابر؟ فقلت: هذه و اللَّه شاتنا

110

التي ذبحناها لرسول اللَّه، دعا اللَّه فأحياها لنا، فقالت: أنا أشهد أنه رسول اللَّه، أشهد أنه رسول اللَّه، أشهد أنه رسول اللَّه.

حديث آخر عن أنس في معنى ما تقدم‏

قال أبو يعلى الموصلي و الباغندي: ثنا شيبان، ثنا محمد بن عيسى بصرى- و هو صاحب الطعام- ثنا ثابت البناني‏

قلت لأنس بن مالك: يا أنس أخبرنى بأعجب شي‏ء رأيته، قال: نعم يا ثابت خدمت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) عشر سنين فلم يعب على شيئا أسأت فيه و إن نبي اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) لما تزوج زينب بنت جحش قالت لي أمى: يا أنس إن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أصبح عروسا و لا أدرى أصبح له غداء فهلم تلك العكة، فأتيتها بالعكة و بتمر فجعلت له حيسا فقالت: يا أنس اذهب بهذا إلى نبي اللَّه و امرأته، فلما أتيت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بتور من حجارة فيه ذلك الحيس قال: دعه ناحية البيت و ادع لي أبا بكر و عمرو عليا و عثمان و نفرا من أصحابه، ثم ادع لي أهل المسجد و من رأيت في الطريق، قال: فجعلت أتعجب من قلة الطعام و من كثرة ما يأمرني أن أدعو الناس و كرهت أن أعصيه حتى امتلأ البيت و الحجرة، فقال: يا أنس هل ترى من أحد؟ فقلت: لا يا رسول اللَّه، قال: هات ذلك التور، فجئت بذلك التور فوضعته قدامه، فغمس ثلاث أصابع في التور فجعل التمر يربو فجعلوا يتغذون و يخرجون حتى إذا فرغوا أجمعون و بقي في التور نحو ما جئت به، فقال: ضعه قدام زينب، فخرجت و أسقفت عليهم بابا من جريد،

قال ثابت: قلنا: يا أبا حمزة كم ترى كان الذين أكلوا من ذلك التور؟ فقال:

أحسب واحدا و سبعين أو اثنين و سبعين* و هذا حديث غريب من هذا الوجه و لم يخرجوه.

حديث آخر عن أبى هريرة في ذلك‏

قال جعفر بن محمد الفريابي: ثنا عثمان بن أبى شيبة، ثنا حاتم بن إسماعيل عن أنيس بن أبى يحيى عن إسحاق بن سالم عن أبى هريرة قال‏

خرج عليّ رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقال: أدع لي أصحابك من أصحاب الصفة، فجعلت أنبههم رجلا رجلا فجمعتهم فجئنا باب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فاستأذنا فأذن لنا، قال أبو هريرة: فوضعت بين أيدينا صحفة أظن أن فيها قدر مد من شعير، قال: فوضع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) عليها يده و قال: كلوا بسم اللَّه، قل: فأكلنا ما شئنا ثم رفعنا أيدينا، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) حين وضعت الصحفة: و الّذي نفسي بيده ما أمسى في آل محمد طعام ليس ترونه،

قيل لأبى هريرة:

قدركم كانت حين فرغتم منها؟ قال: مثلها حين وضعت إلا أن فيها أثر الأصابع* و هذه قصة غير قصة أهل الصفة المتقدمة في شربهم اللبن كما قدمنا*

حديث آخر عن أبى أيوب في ذلك‏

قال جعفر الفريابي: ثنا أبو سلمة يحيى بن خلف، ثنا عبد الأعلى عن سعيد الجريريّ عن أبى‏

111

الورد عن أبى محمد الحضرميّ عن أبى أيوب الأنصاري قال:

صنعت لرسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و لأبى بكر طعاما قدر ما يكفيهما فأتيتهما به، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): اذهب فادع لي ثلاثين من أشراف الأنصار، قال: فشق ذلك عليّ، ما عندي شي‏ء أزيده، قال: فكأني تثاقلت، فقال: اذهب فادع لي ثلاثين من أشراف الأنصار، فدعوتهم فجاءوا فقال: أطعموا، فأكلوا حتى صدروا ثم شهدوا أنه رسول اللَّه ثم بايعوه قبل أن يخرجوا ثم قال: اذهب فادع لي ستين من أشراف الأنصار، قال أبو أيوب: فو اللَّه لأنا بالستين أجود منى بالثلاثين، قال: فدعوتهم، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) تربعوا فأكلوا حتى صدروا ثم شهدوا أنه رسول اللَّه و بايعوه قبل أن يخرجوا، قال: فاذهب فادع لي تسعين من الأنصار، قال: فلأنا أجود بالتسعين و الستين منى بالثلاثين، قال: فدعوتهم فأكلوا حتى صدروا ثم شهدوا أنه رسول اللَّه و بايعوه قبل أن يخرجوا، قال: فأكل من طعامي ذلك مائة و ثمانون رجلا كلهم من الأنصار*

و هذا حديث غريب جدا إسنادا و متنا. و قد رواه البيهقي من حديث محمد بن أبى بكر المقدمي عن عبد الأعلى به.

قصة أخرى في تكثير الطعام في بيت فاطمة

قال الحافظ أبو يعلى: ثنا سهل بن الحنظلية، ثنا عبد اللَّه بن صالح، حدثني ابن لهيعة عن محمد بن المنكدر عن جابر

أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أقام أياما لم يطعم طعاما حتى شق ذلك عليه، فطاف في منازل أزواجه فلم يصب عند واحدة منهن شيئا، فأتى فاطمة فقال: يا بنية هل عندك شي‏ء آكله فانى جائع؟

فقالت: لا و اللَّه بأبي أنت و أمى، فلما خرج من عندها رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بعثت إليها جارة لها برغيفين و قطعة لحم فأخذته منها فوضعته في جفنة لها و غطت عليها و قالت: و اللَّه لأوثرن بهذا رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) على نفسي و من عندي، و كانوا جميعا محتاجين إلى شبعة طعام، فبعثت حسنا أو حسينا إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فرجع إليها، فقالت: له بأبي أنت و أمى قد أتى اللَّه بشي‏ء فخبأته لك، قال: هلمي يا بنية، فكشفت عن الجفنة فإذا هي مملوءة خبزا و لحما، فلما نظرت إليها بهتت و عرفت أنها بركة من اللَّه، فحمدت اللَّه وصلت على نبيه (صلى اللَّه عليه و سلم) و قدمته إلى رسول اللَّه، فلما رآه حمد اللَّه و قال: من أين لك هذا يا بنية؟ قالت: يا أبت هو من عند اللَّه، إن اللَّه يرزق من يشاء بغير حساب، فحمد اللَّه و قال:

الحمد للَّه الّذي جعلك يا بنية شبيهة سيدة نساء بنى إسرائيل فإنها كانت إذا رزقها اللَّه شيئا فسئلت عنه قالت: هو من عند اللَّه إن اللَّه يرزق من يشاء بغير حساب، فبعث رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إلى على ثم أكل رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و عليّ و فاطمة و حسن و حسين، و جميع أزواج رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و أهل بيته جميعا حتى شبعوا، قالت: و بقيت الجفنة كما هي، فأوسعت بقيتها على جميع جيرانها، و جعل اللَّه فيها بركة و خيرا كثيرا*

و هذا حديث غريب أيضا إسنادا و متنا* و قد قدمنا في أول البعثة حين‏

112

نزل قوله تعالى: وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ‏ حديث ربيعة بن ماجد عن على في دعوته (عليه السلام) بنى هاشم- و كانوا نحوا من أربعين- فقدم إليهم طعاما من مد فأكلوا حتى شبعوا و تركوه كما هو» و سقاهم من عسّ شرابا حتى رووا و تركوه كما هو ثلاثة أيام متتابعة، ثم دعاهم إلى اللَّه كما تقدم.

قصة أخرى في بيت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)

قال الامام أحمد: ثنا على بن عاصم، ثنا سليمان التيمي عن أبى العلاء بن الشخير عن سمرة بن جندب قال:

بينما نحن عند النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) إذ أتى بقصعة فيها ثريد، قال: فأكل و أكل القوم فلم يزالوا يتداولونها إلى قريب من الظهر، يأكل قوم ثم يقومون و يجي‏ء قوم فيتعاقبونه، قال: فقال له رجل: هل كانت تمد بطعام؟ قال: أما من الأرض فلا، إلا أن تكون كانت تمد من السماء*

ثم رواه أحمد عن يزيد بن هارون عن سليمان عن أبى العلاء عن سمرة

أن رسول اللَّه أتى بقصعة فيها ثريد فتعاقبوها إلى الظهر من غدوة، يقوم ناس و يقعد آخرون، قال له رجل: هل كانت تمدّ؟ فقال له: فمن أين تعجب ما كانت تمد إلا من هاهنا، و أشار إلى السماء*

و قد رواه الترمذي و النسائي أيضا من حديث معتمر بن سليمان عن أبيه عن أبى العلاء و اسمه يزيد بن عبد اللَّه بن الشخير عن سمرة بن جندب به*

قصة قصعة بيت الصديق و لعلها هي القصعة المذكورة في حديث سمرة و اللَّه أعلم‏

قال البخاري: ثنا موسى بن إسماعيل، ثنا معتمر عن أبيه، ثنا أبو عثمان أنه حدثه عبد الرحمن ابن أبى بكر رضى اللَّه عنهما:

أن أصحاب الصفة كانوا أناسا فقراء، و أن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) قال مرة: من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث، و من كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس أو سادس أو كما قال، و إن أبا بكر جاء بثلاثة، و انطلق النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) بعشرة، و أبو بكر بثلاثة قال: فهو أنا و أبى و أمى: و لا أدرى هل قال امرأتي و خادمي من بيتنا و بيت أبى بكر، و إن أبا بكر تعشى عند النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) ثم لبث حتى صلّى العشاء ثم رجع فلبث حتى تعشى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فجاء بعد ما مضى من الليل ما شاء اللَّه، قالت له امرأته: ما حبسك عن أضيافك أو ضيفك؟ قال: أو ما عشيتيهم؟ قالت:

أبوا حتى تجي‏ء قد عرضوا عليهم فغلبوهم فذهبت فاختبأت فقال يا غنثر فجدع و سبّ و قال: كلوا [في رواية أخرى لا هنيئا] و قال: لا أطعمه أبدا، و اللَّه ما كنا نأخذ من لقمة إلا ربا من أسفلها أكثر منها حتى شبعوا و صارت أكثر مما كانت قبل: فنظر أبو بكر فإذا هي شي‏ء أو أكثر

فقال لامرأته [في رواية أخرى: ما هذا] يا أخت بنى فراس؟ قالت: لا و قرة عيني هي الآن أكثر مما قبل بثلاث مرار: فأكل منها أبو بكر و قال، إنما كان الشيطان- يعنى يمينه- ثم أكل منها لقمة ثم حملها إلى‏

113

النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فأصبحت عنده و كان بيننا و بين قوم عهد فمضى الأجل فعرفنا اثنى عشر رجلا مع كل رجل منهم أناس اللَّه أعلم كم مع كل رجل غير أنه بعث معهم، قال: فأكلوا منها أجمعون أو كما قال و غيرهم يقول: فتفرّقنا* هذا لفظه و قد رواه في مواضع أخر من صحيحه و مسلم من غير وجه عن أبى عثمان عبد الرحمن بن مل النهدي عن عبد الرحمن بن أبى بكر.

حديث آخر عن عبد الرحمن بن أبى بكر في هذا المعنى‏

قال الامام أحمد: ثنا حازم، ثنا معتمر بن سليمان عن أبيه عن أبى عثمان عن عبد الرحمن بن أبى بكر أنه قال:

كنا مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ثلاثين و مائة فقال النبي (صلى اللَّه عليه و سلم): هل مع أحد منكم طعام؟ فإذا مع رجل صاع من طعام أو نحوه فعجن ثم جاء رجل مشرك مشعانّ طويل بغنم يسوقها، فقال النبي (صلى اللَّه عليه و سلم): أ بيعا أم عطية؟ أو قال: أم هدية؟ قال: لا، بل بيع، فاشترى منه شاة فصنعت و أمر النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) بسواد البطن أن يشوى، قال: و أيم اللَّه ما من الثلاثين و المائة إلا قد حز له رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) حزّة من سواد بطنها، إن كان شاهدا أعطاه إياه، و إن كان غائبا خبأ له،

قال: و جعل منها قصعتين، قال فأكلنا منهما أجمعون و شبعنا و فضل في القصعتين فجعلناه على البعير، أو كما قال* و قد أخرجه البخاري و مسلم من حديث معتمر بن سليمان.

حديث آخر في تكثير الطعام في السفر

قال الامام أحمد: حدثنا فزارة بن عمر، أنا فليح عن سهيل بن أبى صالح عن أبيه عن أبى هريرة قال:

خرج رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في غزوة غزاها فأرمل فيها المسلمون و احتاجوا إلى الطعام، فاستأذنوا رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في نحر الإبل فأذن لهم، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه قال: فجاء فقال: يا رسول اللَّه إبلهم تحملهم و تبلغهم عدوهم ينحرونها؟ ادع يا رسول اللَّه بغبرات الزاد فادع اللَّه عز و جل فيها بالبركة، قال: أجل، فدعا بغبرات الزاد فجاء الناس بما بقي معهم، فجمعه ثم دعا اللَّه عز و جل فيه بالبركة و دعاهم بأوعيتهم فملأها و فضل فضل كثير، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) عند ذلك:

أشهد أن لا إله إلا اللَّه و أشهد أنى عبد اللَّه و رسوله، و من لقي اللَّه عز و جل بهما غير شاك دخل الجنة*

و كذلك رواه جعفر الفريابي عن أبى مصعب الزهري عن عبد العزيز بن أبى حازم عن أبيه سهيل به* و رواه مسلم و النسائي جميعا عن أبى بكر بن أبى النضر عن أبيه عن عبيد اللَّه الأشجعي عن مالك بن مغول عن طلحة بن مصرف عن أبى صالح عن أبى هريرة به*

و قال الحافظ أبو يعلى الموصلي: ثنا زهير، ثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبى صالح سعيد، أو عن أبى هريرة- شك الأعمش- قال:

لما كانت غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة فقالوا: يا رسول اللَّه لو أذنت لنا فنحرنا نواضحنا فأكلنا و ادهنا؟

فقال: افعلوا فجاء عمر فقال: يا رسول اللَّه إن فعلوا قل الظهر، و لكن ادعهم بفضل أزوادهم ثم ادع‏

114

لهم عليها بالبركة لعل اللَّه أن يجعل في ذلك البركة، فأمر رسول اللَّه بنطع فبسط و دعا بفضل أزوادهم، قال: فجعل الرجل يجي‏ء بكف التمر و الآخر بالكسرة حتى اجتمع على النطع شي‏ء من ذلك يسير، فدعا عليهم بالبركة ثم قال: خذوا في أوعيتكم، فأخذوا في أوعيتهم حتى ما تركوا في العسكر وعاء إلا ملأه، و أكلوا حتى شبعوا و فضلت فضلة، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): أشهد أن لا إله إلا اللَّه و أنى رسول اللَّه، لا يلقى اللَّه بها عبد غير شاك فتحتجب عنه الجنة*

و هكذا رواه مسلم أيضا عن سهل ابن عثمان و أبى كريب كلاهما عن أبى معاوية عن الأعمش عن أبى صالح عن أبى سعيد و أبى هريرة

فذكر مثله.

حديث آخر في هذه القصة

قال الامام أحمد: ثنا على بن إسحاق، ثنا عبد اللَّه- هو ابن المبارك- أنا الأوزاعي، أنا المطلب بن حنطب المخزومي، حدثني عبد الرحمن بن أبى عمرة الأنصاري، حدثني أبى قال:

كنا مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في غزاة فأصاب الناس مخمصة فاستأذن الناس رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في نحر بعض ظهورهم و قالوا: يبلغنا اللَّه به، فلما رأى عمر بن الخطاب أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قد هم أن يأذن لهم في بحر بعض ظهورهم، قال: يا رسول اللَّه كيف بنا إذا نحن لقينا العدو غدا جياعا رجالا؟ و لكن إن رأيت يا رسول اللَّه أن تدعو لنا ببقايا أزوادهم و تجمعها ثم تدعو اللَّه فيها بالبركة فان اللَّه سيبلغنا بدعوتك، أو سيبارك لنا في دعوتك، فدعا النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) ببقايا أزوادهم فجعل الناس يجيئون بالحبة من الطعام و فوق ذلك، فكان أعلاهم من جاء بصاع من تمر، فجمعها رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ثم قام فدعا ما شاء اللَّه أن يدعو ثم دعا الجيش بأوعيتهم و أمرهم أن يحتثوا، فما بقي في الجيش وعاء إلا ملئوه، و بقي مثله، فضحك رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) حتى بدت نواجذه و قال: أشهد أن لا إله إلا اللَّه و أشهد أنى رسول اللَّه، لا يلقى اللَّه عبد يؤمن بهما إلا حجبت عنه النار يوم القيامة*

و قد رواه النسائي من حديث عبد اللَّه بن المبارك باسناده نحو ما تقدم.

حديث آخر في هذه القصة

قال الحافظ أبو بكر البزار: ثنا أحمد بن المعلى الأدمي، ثنا عبد اللَّه بن رجاء، ثنا سعيد بن سلمة، حدثني أبو بكر- أظنه من ولد عمر بن الخطاب- عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن أبى ربيعة أنه سمع أبا حنيس الغفاريّ‏

أنه كان مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في غزوة تهامة حتى إذا كنا بعسفان جاءه أصحابه فقالوا: يا رسول اللَّه جهدنا الجوع فأذن لنا في الظهر أن نأكله، قال: نعم، فأخبر بذلك عمر بن الخطاب فجاء رسول اللَّه فقال: يا نبي اللَّه ما صنعت؟ أمرت الناس أن ينحروا الظهر فعلى ما يركبون؟ قال: فما ترى يا ابن الخطاب؟ قال: أرى أن تأمرهم أن يأتوا بفضل أزوادهم فتجمعه في ثوب ثم تدعو لهم،

115

فأمرهم فجمعوا فضل أزوادهم في ثوب ثم دعا لهم ثم قال: ائتوا بأوعيتكم، فملأ كل إنسان وعاءه، ثم أذن بالرحيل، فلما جاوز مطروا فنزل و نزلوا معه و شربوا من ماء السماء فجاء ثلاثة نفر فجلس اثنان مع رسول اللَّه و ذهب الآخر معرضا، فقال رسول اللَّه: ألا أخبركم عن النفر الثلاثة؟ أما واحد فاستحى من اللَّه فاستحى اللَّه منه، و أما الآخر فأقبل تائبا فتاب اللَّه عليه و أما الآخر فأعرض فأعرض اللَّه عنه*

ثم قال البزار: لا نعلم روى أبو حنيس إلا هذا الحديث بهذا الاسناد* و قد رواه البيهقي عن الحسين بن بشران عن أبى بكر الشافعيّ: ثنا إسحاق بن الحسن الخرزي، أنا أبو رجاء، ثنا سعيد بن سلمة، حدثني أبو بكر بن عمرو بن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب عن إبراهيم ابن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن أبى ربيعة أنه سمع أبا حنيس الغفاريّ فذكره‏

.

حديث آخر عن عمر بن الخطاب في هذه القصة

قال الحافظ أبو يعلى: ثنا ابن هشام- محمد بن يزيد الرفاعيّ-، ثنا ابن فضل، ثنا يزيد- و هو ابن أبى زياد- عن عاصم بن عبيد اللَّه بن عاصم عن أبيه عن جده عمر قال:

كنا مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في غزاة فقلنا: يا رسول اللَّه إن العدو قد حضروهم شباع و الناس جياع، فقالت الأنصار: ألا ننحر نواضحنا فنطعمها الناس؟ فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): من كان معه فضل طعام فليجئ به، فجعل الرجل يجي‏ء بالمد و الصاع و أقل و أكثر، فكان جميع ما في الجيش بضعا و عشرين صاعا، فجلس النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) إلى جنبه فدعا بالبركة، فقال النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) خذوا و لا تنتهبوا، فجعل الرجل يأخذ في جرابه و في غرارته، و أخذوا في أوعيتهم حتى ان الرجل ليربط كمّ قميصه فيملؤه، ففرغوا و الطعام كما هو، ثم قال النبي (صلى اللَّه عليه و سلم): أشهد أن لا إله إلا اللَّه و أنى رسول اللَّه، لا يأتى بها عبد محق إلا وقاه اللَّه حرّ النار*

و رواه أبو يعلى أيضا عن إسحاق بن إسماعيل الطالقانيّ عن جرير عن يزيد بن أبى زياد فذكره‏

.

و ما قبله شاهد له بالصحة كما أنه متابع لما قبله و اللَّه أعلم.

حديث آخر عن سلمة بن الأكوع في ذلك‏

قال الحافظ أبو يعلى: ثنا محمد بن بشار، ثنا يعقوب بن إسحاق الحضرميّ القاري، ثنا عكرمة بن عمار عن إياس بن سلمة عن أبيه قال:

كنا مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في غزوة خيبر فأمرنا أن نجمع ما في أزوادنا- يعنى من التمر- فبسط نطعا نشرنا عليه أزوادنا قال: فتمطيت فتطاولت فنظرت فحزرته كربضة شاة و نحن أربع عشرة مائة قال: فأكلنا ثم تطاولت فنظرت فحزرته كربضة شاة، و قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): هل من وضوء؟ قال: فجاء رجل بنقطة في إداوته، قال: فقبضها فجعلها في قدح، قال: فتوضأنا كلنا ندغفقها دغفقة و نحن أربع عشرة مائة قال فجاء أناس فقالوا: يا رسول اللَّه ألا وضوء؟ فقال: قد فرغ الوضوء*

و قد رواه مسلم عن أحمد بن يوسف‏

116

السلمي عن النضر بن محمد عن عكرمة بن عمار عن إياس عن أبيه سلمة، و قال:

فأكلنا حتى شبعنا ثم حشونا جربنا

* و تقدم ما ذكره ابن إسحاق في حفر الخندق حيث قال: حدثني سعيد بن ميناء أنه قد حدث أن ابنة لبشير بن سعد- أخت النعمان بن بشير- قالت:

دعتني أمى عمرة بنت رواحة فأعطتنى جفنة من تمر في ثوبي ثم قالت: أي بنية، اذهبي إلى أبيك و خالك عبد اللَّه بغدائهما قالت: فأخذتها فانطلقت بها فمررت برسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و أنا ألتمس أبى و خالي، فقال: تعالى يا بنية، ما هذا معك؟ قالت: قلت يا رسول اللَّه هذا تمر بعثتني به أمى إلى أبى بشير بن سعد و خالي عبد اللَّه بن رواحة يتغديانه فقال: هاتيه، قالت: فصببته في كفى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فما ملأتهما ثم أمر بثوب فبسط له ثم دعا بالتمر فنبذ فوق الثوب، ثم قال لإنسان عنده: اصرخ في أهل الخندق أن هلم إلى الغداء، فاجتمع أهل الخندق عليه، فجعلوا يأكلون منه و جعل يزيد حتى صدر أهل الخندق عنه و إنه ليسقط من أطراف الثوب.

قصة جابر و دين أبيه و تكثيره (عليه السلام) التمر

قال البخاري في دلائل النبوة: حدثنا أبو نعيم، ثنا زكريا، حدثني عامر، حدثني جابر

أن أباه توفى و عليه دين فأتيت النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فقلت: إن أبى ترك عليه دينا و ليس عندي إلا ما يخرج نخله و لا يبلغ ما يخرج سنين ما عليه فانطلق معى لكيلا يفحش على الغرماء، فمشى حول بيدر من بيادر التمر فدعا ثم آخر ثم جلس عليه فقال: انزعوه فأوفاهم الّذي لهم و بقي مثل ما أعطاهم*

هكذا رواه هنا مختصرا. و قد أسنده من طرق عن عامر بن شراحيل الشعبي عن جابر به‏

* و هذا الحديث قد روى من طرق متعددة عن جابر بألفاظ كثيرة، و حاصلها أنه ببركة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و دعائه له و مشيه في حائطه و جلوسه على تمره و في اللَّه دين أبيه، و كان قد قتل بأحد، و جابر كان لا يرجو وفاءه في ذلك العام و لا ما بعده، و مع هذا فضل له من التمر أكثر فوق ما كان يؤمله و يرجوه و للَّه الحمد و المنة.

قصة سلمان‏

[ [ (1)] في تكثيره (صلى اللَّه عليه و سلم) تلك القطعة من الذهب لوفاء دينه في مكاتبته.

قال الامام أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبى عن ابن إسحاق حدثني يزيد بن أبى حبيب- رجل من عبد القيس- عن سلمان قال: لما قلت: و أين تقع هذه من الّذي عليّ يا رسول اللَّه؟ أخذها رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقلبها على لسانه ثم قال: خذها فأوفهم منها، فأخذتها فأوفيتهم منها حقهم أربعين أوقية].

ذكر مزود أبى هريرة و تمره‏

قال الامام أحمد: حدثنا يونس، حدثنا حماد- يعنى ابن زيد- عن المهاجر عن أبى العالية

____________

[ (1)] كل ما بين الأقواس المربعة في هذه الملزمة زيادة من التيمورية.

117

عن أبى هريرة قال:

أتيت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يوما بتمرات فقال: ادع اللَّه لي فيهن بالبركة قال:

فصفهن بين يديه ثم دعا فقال لي: اجعلهن في مزود و أدخل يدك و لا تنثره‏

قال: فحملت منه كذا كذا وسقا في سبيل اللَّه و نأكل و نطعم و كان لا يفارق حقوي. فلما قتل عثمان رضى اللَّه عنه انقطع عن حقوي فسقط* و رواه الترمذي عن عمران بن موسى القزاز البصري عن حماد بن زيد عن المهاجر عن أبى مخلد عن رفيع أبى العالية عنه و قال الترمذي: حسن غريب من هذا الوجه.

طريق أخرى عنه‏

قال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا أبو الفتح هلال بن محمد بن جعفر الحفار، أنا الحسين بن يحيى ابن عباس القطان، ثنا حفص بن عمر، ثنا سهل بن زياد أبو زياد، ثنا أيوب السختياني عن محمد بن سيرين عن أبى هريرة قال:

كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في غزاة فأصابهم عوز من الطعام فقال: يا أبا هريرة عندك شي‏ء؟ قال: قلت شي‏ء من تمر في مزود لي، قال: جي‏ء به، قال: فجئت بالمزود، قال: هات نطعا، فجئت بالنطع فبسطته، فأدخل يده فقبض على التمر فإذا هو واحد و عشرون، فجعل يضع كل تمرة و يسمى حتى أتى على التمر فقال به هكذا فجمعه، فقال: ادع فلانا و أصحابه، فأكلوا حتى شبعوا و خرجوا، ثم قال: ادع فلانا و أصحابه، فأكلوا حتى شبعوا و خرجوا، ثم قال: ادع فلانا و أصحابه فأكلوا و شبعوا و خرجوا، ثم قال: ادع فلانا و أصحابه فأكلوا و شبعوا و خرجوا، و فضل، ثم قال لي:

اقعد، فقعدت فأكل و أكلت، قال: و فضل تمر فأدخلته في المزود و قال لي: يا أبا هريرة إذا أردت شيئا فأدخل يدك و خذه و لا تكفى فيكفى عليك، قال: فما كنت أريد تمرا إلا أدخلت يدي فأخذت منه خمسين وسقا في سبيل اللَّه،

قال: و كان معلقا خلف رحلي فوقع في زمن عثمان فذهب.

طريق أخرى عن أبى هريرة في ذلك‏

روى البيهقي من طريقين عن سهل بن أسلم العدوي عن يزيد بن أبى منصور عن أبيه عن أبى هريرة قال:

أصبت بثلاث مصيبات في الإسلام لم أصب بمثلهن: موت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و كنت صويحبه، و قتل عثمان، و المزود، قالوا: و ما المزود يا أبا هريرة؟ قال: كنا مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في سفر فقال: يا أبا هريرة أ معك شي‏ء؟ قال: قلت تمر في مزود، قال: جي‏ء به، فأخرجت تمرا فأتيته به، قال: فمسه و دعا فيه ثم قال: ادع عشرة، فدعوت عشرة فأكلوا حتى شبعوا ثم كذلك حتى أكل الجيش كله و بقي من تمر معى في المزود، فقال: يا أبا هريرة إذا أردت أن تأخذ منه شيئا فأدخل يدك فيه و لا تكفه‏

قال: فأكلت منه حياة النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، و أكلت منه حياة أبى بكر كلها، و أكلت منه حياة عمر كلها، و أكلت منه حياة عثمان كلها، فلما قتل عثمان انتهب ما في يدي و انتهب المزود، ألا أخبركم كم أكلت منه؟ أكلت منه أكثر من مائتي وسق‏

118

طريق أخرى‏

قال الامام أحمد: حدثنا أبو عامر، ثنا إسماعيل- يعنى ابن مسلم- عن أبى المتوكل عن أبى هريرة قال: أعطانى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) شيئا من تمر فجعلته في مكتل فعلقناه في سقف البيت فلم نزل نأكل منه حتى كان آخره إصابة أهل الشام حيث أغاروا بالمدينة* تفرد به أحمد

حديث عن العرباض بن سارية في ذلك‏

رواه الحافظ بن عساكر في ترجمته من طريق محمد بن عمر الواقدي‏

حدثني ابن أبى سبرة عن موسى بن سعد عن العرباض قال:

كنت ألزم باب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في الحضر و السفر، فرأينا ليلة و نحن بتبوك أو ذهبنا لحاجة فرجعنا إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و قد تعشى و من عنده، فقال: أين كنت منذ الليلة؟ فأخبرته،

و طلع جعال بن سراقة و عبد اللَّه بن معقل المزني،

فكنا ثلاثة كلنا جائع، فدخل رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بيت أم سلمة فطلب شيئا نأكله فلم يجده، فنادى بلالا: هل من شي‏ء؟ فأخذ الجرب ينقفها فاجتمع سبع تمرات فوضعها في صحفة و وضع عليهنّ يده و سمى اللَّه و قال: كلوا باسم اللَّه، فأكلنا، فأحصيت أربعا و خمسين تمرة، كلها أعدها و نواها في يدي الأخرى و صاحباي يصنعان ما أصنع، فأكل كل منهما خمسين تمرة، كلها أعدها و نواها في يدي الأخرى و صاحباي يصنعان ما أصنع، فأكل كل منهما خمسين تمرة، و رفعنا أيدينا فإذا التمرات السبع كما هن، فقال: يا بلال ارفعهن في جرابك، فلما كان الغد وضعهن في الصحفة و قال: كلوا بسم اللَّه، فأكلنا حتى شبعنا و إنا لعشرة ثم رفعنا أيدينا و إنهن كما هن سبع، فقال: لو لا أنى أستحى من ربى عز و جل لأكلت من هذه التمرات حتى نرد إلى المدينة عن آخرنا،

فلما رجع إلى المدينة طلع غليم من أهل المدينة فدفعهن إلى ذلك الغلام فانطلق يلوكهن*]

حديث آخر

روى البخاري و مسلم من حديث أبى أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت له:

لقد توفى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و ما في بيتي شي‏ء يأكله ذو كبد إلا شطر شعير في رف لي فأكلت منه حتى طال على فكلته ففني.

حديث آخر

روى مسلم في صحيحه، عن سلمة بن شبيب عن الحسن بن أعين عن معقل عن أبى الزبير عن جابر:

أن رجلا أتى النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) يستطعمه فأطعمه شطر وسق شعير فما زال الرجل يأكل منه و امرأته و ضيفهما حتى كاله فأتى النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فقال: لو لم تكله لأكلتم منه و لقام لكم*

و بهذا الاسناد عن جابر

أن أم مالك كانت تهدى إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في عكتها سمنا فيأتيها بنوها فيسألون الأدم و ليس عندها شي‏ء فتعمد إلى التي كانت تهدى فيه إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فتجد فيه سمنا فما زال‏

119

يقيم لها أدم بيتها حتى عصرتها، فأتت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقال: أعصرتيها؟ قالت: نعم، فقال لو تركتيها ما زالت قائمة*

و قد رواهما الامام أحمد عن موسى عن ابن لهيعة عن أبى الزبير عن جابر،

حديث آخر

قال البيهقي: أنا أبو عبد اللَّه الحافظ، أنا أبو جعفر البغدادي، ثنا يحيى بن عثمان بن صالح، ثنا حسان بن عبد اللَّه، ثنا ابن لهيعة، ثنا يونس بن يزيد، ثنا ابن إسحاق عن سعيد بن الحرث بن عكرمة عن جده نوفل بن الحرث بن عبد المطلب‏

أنه استعان رسول اللَّه في التزويج فأنكحه امرأة فالتمس شيئا فلم يجده فبعث رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أبا رافع و أبا أيوب بدرعه فرهناها عند رجل من اليهود بثلاثين صاعا من شعير، فدفعه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إليه، قال: فطعمنا منه نصف سنة ثم كلناه فوجدناه كما أدخلناه، قال نوفل: فذكرت ذلك لرسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقال: لو لم تكله لأكلت منه ما عشت.

حديث آخر

قال الحافظ البيهقي في الدلائل: أنا عبد اللَّه بن يوسف الأصفهاني، أنا أبو سعيد بن الأعرابي، ثنا عباس بن محمد الدوري، أنا أحمد بن عبد اللَّه بن يونس، أنا أبو بكر بن عياش عن هشام- يعنى ابن حسان- عن ابن سيرين عن أبى هريرة قال:

أتى رجل أهله فرأى ما بهم من الحاجة، فخرج إلى البرية فقالت امرأته: اللَّهمّ ارزقنا ما نعتجن و نختبز، قال: فإذا الجفنة ملأى خميرا و الرحا تطحن و التنور ملأى خبزا و شواء، قال: فجاء زوجها فقال: عندكم شي‏ء؟ قالت: نعم رزق اللَّه، فرفع الرحا فكنس ما حوله، فذكر ذلك للنّبيّ (صلى اللَّه عليه و سلم) فقال: لو تركها لدارت إلى يوم القيامة*

و أخبرنا على بن أحمد بن عبدان، أنا أحمد بن عبيد الصفار، ثنا أبو إسماعيل الترمذي، ثنا أبو صالح عبد اللَّه ابن صالح، حدثني الليث بن سعد عن سعيد بن أبى سعيد المقبري عن أبى هريرة أن رجلا من الأنصار كان ذا حاجة فخرج و ليس عند أهله شي‏ء، فقالت امرأته: لو حركت رحاي و جعلت في تنورى سعفات فسمع جيراني صوت الرحا و رأوا الدخان فظنوا أن عندنا طعاما و ليس بنا خصاصة؟

فقامت إلى تنورها فأوقدته و قعدت تحرك الرحا، قال: فأقبل زوجها و سمع الرحا فقامت إليه لتفتح له الباب، فقال: ما ذا كنت تطحنين؟ فأخبرته، فدخلا و إن رحاهما لتدور و تصب دقيقا، فلم يبق في البيت وعاء إلا ملي‏ء، ثم خرجت إلى تنورها فوجدته مملوءا خبزا، فأقبل زوجها

فذكر ذلك للنّبيّ (صلى اللَّه عليه و سلم)، قال: فما فعلت الرحا؟ قال: رفعتها و نفضتها، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): لو تركتموها ما زالت لكم حياتي، أو قال حياتكم*

و هذا الحديث غريب سندا و متنا.

حديث آخر

و قال: مالك عن سهيل بن أبى صالح عن أبيه عن أبى هريرة

أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ضافه ضيف‏

120

كافر فأمر له بشاة فحلبت فشرب حلابها، ثم أخرى فشرب حلابها، ثم أخرى فشرب حلابها حتى شرب حلاب سبع شياه، ثم إنه أصبح فأسلّم فأتى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فأمر له بشاة فحلبت فشرب حلابها، ثم أمر له بأخرى فلم يستتمها، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إن المسلم يشرب في معا واحد، و الكافر يشرب في سبعة أمعاء*

و رواه مسلم من حديث مالك.

حديث آخر

قال الحافظ البيهقي: أخبرنا على بن أحمد بن عبدان، ثنا أحمد بن عبيد الصفار، حدثني محمد ابن الفضل بن حاتم، ثنا الحسين بن عبد الأول، ثنا حفص بن غياث، ثنا الأعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة قال:

ضاف النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) أعرابى، قال: فطلب له شيئا فلم يجد إلا كسرة في كوة قال: فجزأها رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أجزاء و دعا عليها و قال: كل! قال فأكل فأفضل. قال فقال:

يا محمد إنك لرجل صالح، فقال له النبي (صلى اللَّه عليه و سلم): أسلّم، فقال: إنك لرجل صالح*

ثم رواه البيهقي من حديث سهل بن عثمان عن حفص بن غياث باسناده نحوه‏

.

حديث آخر

قال الحافظ البيهقي: أنا أبو عبد اللَّه الحافظ، أنا أبو على الحسين بن على الحافظ، قال و فيما ذكر عبدان الأهوازي، ثنا محمد بن زياد البرجمي، ثنا عبيد اللَّه بن موسى عن مسعر عن زبيد عن مرة عن عبد اللَّه بن مسعود قال:

أضاف النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) ضيف، فأرسل إلى أزواجه يبتغى عندهن طعاما فلم يجد عند واحدة منهن شيئا، فقال: اللَّهمّ إني أسألك من فضلك و رحمتك فإنه لا يملكها إلا أنت، قال: فأهديت له شاة مصلية فقال: هذا من فضل اللَّه و نحن ننتظر الرحمة*

قال أبو على: حدثنيه محمد بن عبدان الأهوازي عنه‏

،

قال: و الصحيح عن زبيد مرسلا، حدثناه محمد ابن عبدان حدثنا أبى، ثنا الحسن بن الحرث الأهوازي، أنا عبيد اللَّه بن موسى عن مسعر عن زبيد فذكره مرسلا.

حديث آخر

قال البيهقي: أنا أبو عبد الرحمن السلمي، ثنا أبو عمر بن حمدان، أنا الحسن بن سفيان، ثنا إسحاق بن منصور، ثنا سليمان بن عبد الرحمن، ثنا عمرو بن بشر بن السرح، ثنا الوليد بن سليمان ابن أبى السائب، ثنا واثلة بن الخطاب عن أبيه عن جده واثلة بن الأسقع قال:

حضر رمضان و نحن في أهل الصفة فصمنا فكنا إذا أفطرنا أتى كل رجل منا رجل من أهل البيعة فانطلق به فعشاه فأتت علينا ليلة لم يأتنا أحد و أصبحنا صباحا، و أتت علينا القابلة فلم يأتنا أحد، فانطلقنا إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فأخبرناه بالذي كان من أمرنا، فأرسل إلى كل امرأة من نسائه يسألها هل عندها

121

شي‏ء فما بقيت منهن امرأة إلا أرسلت تقسم ما أمسى في بيتها ما يأكل ذو كبد، فقال لهم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فاجتمعوا فدعا و قال: اللَّهمّ إني أسألك من فضلك و رحمتك فإنها بيدك لا يملكها أحد غيرك، فلم يكن إلا و مستأذن يستأذن فإذا بشاة مصلية و رغف فأمر بها رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فوضعت بين أيدينا فأكلنا حتى شبعنا، فقال لنا رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): إنا سألنا اللَّه من فضله و رحمته فهذا فضله و قد ادخر لنا عنده رحمته.

حديث الذراع‏

قال الامام أحمد: حدثنا إسماعيل، ثنا يحيى بن إسحاق، حدثني رجل من بنى غفار في مجلس سالم بن عبد اللَّه، قال: حدثني فلان‏

أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أتى بطعام من خبز و لحم فقال: ناولني الذراع فنوول ذراعا قال يحيى: لا أعلمه إلا هكذا، ثم قال: ناولني الذراع، فنوول ذراعا فأكلها ثم قال:

ناولني الذراع، فقال: يا رسول اللَّه إنما هما ذراعان، فقال و أبيك لو سكت ما زلت أناول منها ذراعا ما دعوت به، فقال سالم: أما هذه فلا، سمعت عبد اللَّه بن عمر يقول: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): إن اللَّه ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم*

هكذا وقع إسناد هذا الحديث و هو عن مبهم عن مثله، و قد روى من طرق أخرى*

قال الامام أحمد: حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا أبو جعفر- يعنى الرازيّ- عن شرحبيل عن أبى رافع مولى النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، قال:

أهديت له شاة فجعلها في القدر فدخل رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقال: ما هذا يا أبا رافع؟ قال: شاة أهديت لنا يا رسول اللَّه فطبختها في القدر، فقال: ناولني الذراع يا أبا رافع، فناولته الذراع، ثم قال: ناولني الذراع الآخر فناولته الذراع الآخر، ثم قال:

ناولني الذراع الآخر، فقال: يا رسول اللَّه إنما للشاة ذراعان، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): أما إنك لو سكت لناولتنى ذراعا فذراعا ما سكت، ثم دعا بماء فمضمض فاه و غسل أطراف أصابعه ثم قام فصلى ثم عاد إليهم فوجد عندهم لحما باردا فأكل ثم دخل المسجد فصلى و لم يمس ماء.

طريق أخرى عن أبى رافع‏

قال الامام أحمد: ثنا مؤمل، ثنا حماد، حدثني عبد الرحمن بن أبى رافع عن عمته عن أبى رافع قال:

صنع لرسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) شاة مصلية فأتى بها فقال لي: يا أبا رافع ناولني الذراع، فناولته، ثم قال: يا أبا رافع ناولني الذراع فناولته، ثم قال: يا أبا رافع ناولني الذراع، فقلت: يا رسول اللَّه و هل للشاة إلا ذراعان؟! فقال: لو سكت لناولتنى منها ما دعوت به،

قال: و كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يعجبه الذراع، قلت: و لهذا لما علمت اليهود عليهم لعائن اللَّه بخيبر سموه في الذراع في تلك الشاة التي أحضرتها زينب اليهودية فأخبره الذراع بما فيه من السم، لما نهس منه نهسة، كما قدمنا ذلك في غزوة خيبر مبسوطا.

122

طريق أخرى‏

قال الحافظ أبو يعلى: ثنا أبو بكر بن أبى شيبة، ثنا زيد بن الحباب، حدثني قائد مولى عبيد اللَّه بن أبى رافع، قال:

أتيت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يوم الخندق بشاة في مكتل فقال: يا أبا رافع ناولني الذراع فناولته، ثم قال: يا أبا رافع ناولني الذراع، فقلت:

يا رسول اللَّه أ للشاة إلا ذراعان؟ فقال: لو سكت ساعة ناولتنيه ما سألتك*

فيه انقطاع من هذا الوجه*

و قال أبو يعلى أيضا: ثنا محمد بن أبى بكر المقدمي، ثنا فضيل بن سليمان، ثنا قائد مولى عبيد اللَّه، حدثني عبيد اللَّه أن جدته سلمى أخبرته‏

أن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) بعث إلى أبى رافع بشاة، و ذلك يوم الخندق فيما أعلم، فصلاها أبو رافع ليس معها خبز ثم انطلق بها، فلقيه النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) راجعا من الخندق فقال: يا أبا رافع ضع الّذي معك، فوضعه ثم قال: يا أبا رافع ناولني الذراع فناولته، ثم قال:

يا أبا رافع ناولني الذراع فناولته، ثم قال: يا أبا رافع ناولني الذراع، فقلت: يا رسول اللَّه هل للشاة غير ذراعين؟ فقال: لو سكت لناولتنى ما سألتك*

و قد روى من طريق أبى هريرة.

قال الامام أحمد:

ثنا الضحاك، ثنا ابن عجلان عن أبيه عن أبى هريرة

أن شاة طبخت فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): أعطنى الذراع، فناولته إياه، فقال: أعطنى الذراع فناولته إياه، ثم قال: أعطنى الذراع، فقال: يا رسول اللَّه إنما للشاة ذراعان، قال: أما إنك لو التمستها لوجدتها.

حديث آخر

قال الامام أحمد: حدثنا وكيع عن دكين بن سعيد الخثعميّ، قال:

أتينا رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و نحن أربعون و أربعمائة نسأله الطعام، فقال النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) لعمر: قم فأعطهم، فقال: يا رسول اللَّه ما عندي إلا ما يقيظنى و الصبية، قال وكيع: القيظ في كلام العرب أربعة أشهر، قال: قم فأعطهم، قال:

يا رسول اللَّه سمعا و طاعة، قال: فقام عمرو قمنا معه فصعد بنا إلى غرفة له فأخرج المفتاح من حجزته ففتح الباب، قال دكين: فإذا في الغرفة من التمر شبيه بالفصيل الرابض، قال: شأنكم، قال:

فأخذ كل رجل منا حاجته ما شاء ثم التفت و إني لمن آخرهم فكأنا لم نرزأ منه تمرة*

ثم رواه أحمد عن محمد و يعلى أبى عبيد عن إسماعيل- و هو ابن أبى خالد- عن قيس- و هو ابن أبى حازم- عن دكين به. و رواه أبو داود عن عبد الرحيم بن مطرف الرواسي عن عيسى بن يونس عن إسماعيل به.

حديث آخر

قال على بن عبد العزيز: ثنا أبو نعيم، ثنا حشرج بن نباتة، ثنا أبو نضرة، حدثني أبو رجاء قال:

خرج رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) حتى دخل حائطا لبعض الأنصار فإذا هو برسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): ما تجعل لي إن أرويت حائطك هذا؟ قال: إني أجهد أن أرويه فما أطيق ذلك، فقال‏

123

له رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): تجعل لي مائة تمرة أختارها من تمرك؟ قال: نعم، فأخذ رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) الغرب، فما لبث أن أرواه حتى قال الرجل: غرقت حائطي، فاختار رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) من تمره مائة تمرة، قال:

فأكل هو و أصحابه حتى شبعوا ثم رد عليه مائة تمرة، كما أخذها*

هذا حديث غريب أورده الحافظ ابن عساكر في دلائل النبوة من أول تاريخه بسنده عن على بن عبد العزير البغوي، كما أوردناه* و قد تقدم في ذكر إسلام سلمان الفارسي ما كان من أمر النخيل التي غرسها رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بيده الكريمة لسلمان فلم يهلك منهن واحدة، بل أنجب الجميع و كن ثلاثمائة، و ما كان من تكثيره الذهب حين قلبه على لسانه الشريف حتى قضى منه سلمان ما كان عليه من نجوم كتابته و عتق رضى اللَّه عنه و أرضاه.

باب انقياد الشجر لرسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)

قد تقدم الحديث الّذي‏

رواه مسلم من حديث حاتم بن إسماعيل عن أبى حرزة يعقوب بن مجاهد عن عبادة بن الوليد بن عبادة عن جابر بن عبد اللَّه قال:

سرنا مع النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) حتى نزلنا واديا أفيح فذهب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقضى حاجته فاتبعته باداوة من ماء فنظر فلم ير شيئا يستتر به، و إذا شجرتان بشاطئ الوادي فانطلق إلى إحداهما فأخذ بغصن من أغصانها، و قال: انقادى عليّ باذن اللَّه، فانقادت معه كالبعير المخشوش الّذي يصانع قائده، حتى أتى الشجرة الأخرى فأخذ بغصن من أغصانها و قال: انقادى عليّ باذن اللَّه، فانقادت معه كالبعير المخشوش الّذي يصانع قائده، حتى إذا كان بالمنتصف فيما بينهما لأم بينهما- يعنى جمعهما-، و قال: التئما عليّ باذن اللَّه فالتأمتا،

قال جابر:

فخرجت أحضر مخافة أن يحس بقربي فيبعد، فجلست أحدث نفسي فحانت منى لفتة فإذا أنا برسول اللَّه مقبل و إذا الشجرتان قد افترقتا و قامت كل واحدة منهما على ساق، فرأيت رسول اللَّه وقف وقفة و قال برأسه هكذا يمينا و شمالا* و ذكر تمام الحديث في قصة الماء و قصة الحوت الّذي دسره البحر كما تقدم و للَّه الحمد و المنة*

حديث آخر

قال الامام أحمد: حدثنا أبو معاوية، ثنا الأعمش عن أبى سفيان- و هو طلحة بن نافع- عن أنس قال:

جاء جبريل إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ذات يوم و هو جالس حزين قد خضب بالدماء من ضربة بعض أهل مكة، قال: فقال له: مالك؟ فقال: فعل بى هؤلاء و فعلوا، قال: فقال له جبريل أ تحب أن أريك آية؟ قال: فقال: نعم، قال: فنظر إلى شجرة من وراء الوادي فقال: ادع تلك الشجرة، فدعاها قال: فجاءت تمشى حتى قامت بين يديه، فقال: مرها فلترجع فأمرها فرجعت إلى مكانها، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): حسبي*

و هذا إسناد على شرط مسلم و لم يروه إلا ابن ماجة

124

عن محمد بن طريف عن أبى معاوية.

حديث آخر

روى البيهقي من حديث حماد بن سلمة عن على بن زيد عن أبى رافع عن عمر بن الخطاب‏

أن رسول اللَّه كان على الحجون كئيبا لما أذاه المشركون، فقال: اللَّهمّ أرنى اليوم آية لا أبالى من كذبني بعدها، قال: فأمر فنادى شجرة من قبل عقبة المدينة، فأقبلت تخد الأرض حتى انتهت إليه، قال:

ثم أمرها فرجعت إلى موضعها، قال: فقال: ما أبالى من كذبني بعدها من قومي*

ثم قال البيهقي: أنا الحاكم و أبو سعيد بن عمرو، قالا: ثنا الأصم، ثنا أحمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير عن مبارك ابن فضالة عن الحسن قال:

خرج رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إلى بعض شعاب مكة و قد دخله من الغم ما شاء اللَّه من تكذيب قومه إياه، فقال: يا رب أرنى ما أطمئن إليه و يذهب عنى هذا الغم، فأوحى اللَّه إليه: ادع إليك أي أغصان هذه الشجرة شئت، قال: فدعا غصنا فانتزع من مكانه ثم خدّ في الأرض حتى جاء رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقال له رسول اللَّه: ارجع إلى مكانك، فرجع فحمد اللَّه رسول اللَّه و طابت نفسه،

و كان قد قال المشركون: أفضلت أباك و أجدادك يا محمد، فأنزل اللَّه: «أَ فَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ» الآيات* قال البيهقي: و هذا المرسل يشهد له ما قبله.

حديث آخر

قال الامام أحمد: ثنا أبو معاوية، ثنا الأعمش عن أبى ظبيان- و هو حصين بن جندب- عن ابن عباس قال:

أتى النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) رجل من بنى عامر فقال: يا رسول اللَّه أرنى الخاتم الّذي بين كتفيك فانى من أطب الناس، فقال له رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): ألا أريك آية؟ قال: بلى، قال: فنظر إلى نخلة فقال: ادع ذلك العذق، فدعاه فجاء ينقز بين يديه، فقال له رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): ارجع، فرجع الى مكانه، فقال العامري: يا آل بنى عامر، ما رأيت كاليوم رجلا أسحر من هذا*

هكذا رواه الإمام أحمد

،

و قد أسنده البيهقي من طريق محمد بن أبى عبيدة عن أبيه عن الأعمش عن أبى ظبيان عن ابن عباس، قال:

جاء رجل من بنى عامر إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقال: إن عندي طبا و علما فما تشتكي؟ هل يريبك من نفسك شي‏ء إلى ما تدعو؟ قال: أدعو إلى اللَّه و الإسلام، قال: فإنك لتقول قولا فهل لك من آية؟ قال: نعم، إن شئت أريتك آية، و بين يديه شجرة، فقال لغصن منها:

تعال يا غصن، فانقطع الغصن من الشجرة ثم أقبل ينقز حتى قام بين يديه، فقال: ارجع إلى مكانك فرجع،

فقال العامري: يا آل عامر بن صعصعة لا ألومك على شي‏ء قلته أبدا [و هذا يقتضي أنه سالم الأمر و لم يجب من كل وجه‏]

و قد قال البيهقي: أنا أبو الحسن على بن أحمد بن عبدان، أنا أحمد بن عبيد الصفار، ثنا ابن أبى قماش، ثنا ابن عائشة عن عبد الواحد بن زياد عن الأعمش عن سالم بن‏

125

أبى الجعد عن ابن عباس قال:

جاء رجل إلى رسول اللَّه فقال: ما هذا الّذي يقول أصحابك؟ قال:

و حول رسول اللَّه أعذاق و شجر، قال: فقال رسول اللَّه: هل لك أن أريك آية؟ قال: نعم، قال: فدعا عذقا منها فأقبل يخدّ الأرض حتى وقف بين يديه يخد الأرض و يسجد و يرفع رأسه حتى وقف بين يديه ثم أمره فرجع، قال: العامري و هو يقول: يا آل عامر بن صعصعة و اللَّه لا أكذبه بشي‏ء يقوله أبدا.

طريق أخرى فيها أن العامري أسلم‏

قال البيهقي: أخبرنا أبو نصر بن قتادة، أنا أبو على حامد بن محمد بن ألوفا، أنا على بن عبد العزيز، ثنا محمد بن سعيد بن الأصبهاني، أنا شريك عن سماك عن أبى ظبيان عن ابن عباس قال:

جاء أعرابى إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال: بما أعرف أنك رسول اللَّه؟ قال: أ رأيت إن دعوت هذا العذق من هذه النخلة أ تشهد أنى رسول اللَّه؟ قال: نعم، قال فدعا العذق فجعل العذق ينزل من النخلة حتى سقط في الأرض فجعل ينقز حتى أتى رسول اللَّه، ثم قال له: ارجع، فرجع حتى عاد إلى مكانه، فقال: أشهد أنك رسول اللَّه، و آمن*

قال البيهقي، رواه البخاري في التاريخ عن محمد بن سعيد الأصبهاني‏

،

قلت: و لعله قال أولا إنه سحر ثم تبصر لنفسه فأسلّم و آمن لما هداه اللَّه عز و جل و اللَّه أعلم.

حديث آخر عن ابن عمر في ذلك‏

قال الحاكم أبو عبد اللَّه النيسابورىّ: أنا أبو بكر محمد بن عبد اللَّه الوراق، أنا الحسين بن سفيان أنا أبو عبد الرحمن عبد اللَّه بن عمر بن أبان الجعفي، ثنا محمد بن فضيل عن أبى حيان عن عطاء عن ابن عمر قال:

كنا مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في سفر فأقبل أعرابى فلما دنا منه قال له رسول اللَّه: أين تريد؟

قال: إلى أهلي، قال: هل لك إلى خير؟ قال: ما هو؟ قال: تشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له و أن محمدا عبده و رسوله، قال: هل من شاهد على ما تقول؟ قال: هذه الشجرة، فدعاها رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و هي على شاطئ الوادي فأقبلت تخد الأرض خدا، فقامت بين يديه، فاستشهدها ثلاثا فشهدت أنه كما قال، ثم إنها رجعت إلى منبتها و رجع الأعرابي إلى قومه، فقال: إن يتبعوني أتيتك بهم و إلا رجعت إليك و كنت معك*

و هذا إسناد جيد و لم يخرجوه و لا رواه الامام أحمد و اللَّه أعلم.

باب حنين الجذع شوقا إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و شفقا من فراقه‏

و قد ورد من حديث جماعة من الصحابة بطرق متعددة تفيد القطع عند أئمة هذا الشأن و فرسان هذا الميدان.

الحديث الأول عن أبى بن كعب رضى اللَّه عنه‏

قال الامام أبو عبد اللَّه محمد بن إدريس الشافعيّ (رحمه اللَّه): حدثنا إبراهيم بن محمد، قال:

126

أخبرنى عبد اللَّه بن محمد بن عقيل عن الطفيل بن أبى بن كعب عن أبيه قال:

كان النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) يصلى إلى جذع نخلة إذ كان المسجد عريشا، و كان يخطب إلى ذلك الجذع، فقال رجل من أصحابه:

يا رسول اللَّه هل لك أن نجعل لك منبرا تقوم عليه يوم الجمعة فتسمع الناس خطبتك؟ قال: نعم، فصنع له ثلاث درجات هن اللاتي على المنبر، فلما صنع المنبر و وضع موضعه الّذي وضعه فيه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، بدا للنّبيّ (صلى اللَّه عليه و سلم) أن يقوم على ذلك المنبر فيخطب عليه، فمر إليه، فلما جاوز ذلك الجذع الّذي كان يخطب إليه خار حتى تصدع و انشق، فنزل النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) لما سمع صوت الجذع فمسحه بيده ثم رجع إلى المنبر، فلما هدم المسجد أخذ ذلك الجذع أبى بن كعب رضى اللَّه تعالى عنه، فكان عنده حتى بلى و أكلته الأرضة و عاد رفاتا*

و هكذا رواه الامام أحمد بن حنبل عن زكريا بن عدي عن عبيد اللَّه بن عمرو الرقى عن عبد اللَّه بن محمد بن عقيل عن الطفيل عن أبى بن كعب فذكره‏

.

و عنده فمسحه بيده حتى سكن ثم رجع إلى المنبر، و كان إذا صلّى صلّى إليه، و الباقي مثله،

و قد رواه ابن ماجة عن إسماعيل بن عبد اللَّه الرقى عن عبيد اللَّه بن عمرو الرقى به‏

.

الحديث الثاني عن أنس بن مالك رضى اللَّه عنه‏

قال الحافظ أبو يعلى الموصلي: ثنا أبو خيثمة، ثنا عمر بن يونس الحنفي: ثنا عكرمة بن عمار، ثنا إسحاق بن عبد اللَّه بن أبى طلحة، حدثنا أنس بن مالك: أن رسول اللَّه كان يوم الجمعة يسند ظهره إلى جذع منصوب في المسجد يخطب الناس، فجاءه رومي فقال: ألا أصنع لك شيئا تقعد عليه كأنك قائم؟ فصنع له منبرا درجتان و يقعد على الثالثة، فلما قعد نبي اللَّه على المنبر خار كخوار الثور ارتج لخواره حزنا على رسول اللَّه، فنزل إليه رسول اللَّه من المنبر فالتزمه و هو يخور فلما التزمه سكت ثم قال: و الّذي نفس محمد بيده لو لم ألتزمه لما زال هكذا حتى يوم القيامة حزنا على رسول اللَّه، فأمر به رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فدفن، و قد رواه الترمذي عن محمود بن غيلان عن عمر بن يونس به و قال: صحيح غريب من هذا الوجه.

طريق أخرى عن أنس‏

قال الحافظ أبو بكر البزار في مسندة: ثنا هدبة، ثنا حماد عن ثابت عن أنس عن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)

أنه كان يخطب إلى جذع نخلة، فلما اتخذ المنبر تحول إليه، فحنّ فجاء رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) حتى احتضنه فسكن، و قال: لو لم أحتضنه لحنّ إلى يوم القيامة*

و هكذا رواه ابن ماجة عن أبى بكر بن خلاد عن بهز بن أسد عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس و عن حماد عن عمار بن أبى عمار عن ابن عباس به*

و هذا إسناد على شرط مسلم.

127

طريق أخرى عن أنس‏

قال الامام أحمد: حدثنا هاشم، ثنا المبارك عن الحسن عن أنس بن مالك قال:

كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إذا خطب يوم الجمعة يسند ظهره إلى خشبة، فلما كثر الناس قال: ابنوا لي منبرا- أراد أن يسمعهم- فبنوا له عتبتين، فتحول من الخشبة إلى المنبر،

قال: فأخبر أنس بن مالك أنه سمع الخشبة تحن حنين الواله، قال: فما زالت تحن حتى نزل رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) عن المنبر، فمشى إليها فاحتضنها فسكنت* تفرد به أحمد، و قد رواه أبو القاسم البغوي عن شيبان بن فروخ عن مبارك بن فضالة عن الحسن عن أنس فذكره و زاد: فكان الحسن إذا حدث بهذا الحديث بكى ثم قال: يا عباد اللَّه الخشبة تحن إلى رسول اللَّه شوقا إليه لمكانه من اللَّه، فأنتم أحق أن تشتاقوا إلى لقائه* و قد رواه الحافظ أبو نعيم من حديث الوليد بن مسلم عن سالم بن عبد اللَّه الخياط عن أنس بن مالك فذكره.

طريق أخرى عن أنس‏

قال أبو نعيم: ثنا أبو بكر بن خلاد، ثنا الحارث بن محمد بن أبى أسامة، ثنا يعلى بن عباد، ثنا الحكم عن أنس قال:

كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يخطب إلى جذع فحنّ الجذع فاحتضنه و قال: لو لم أحتضنه لحنّ إلى يوم القيامة

* الحديث الثالث عن جابر بن عبد اللَّه رضى اللَّه عنهما

قال الامام أحمد: حدثنا وكيع، ثنا عبد الواحد بن أيمن عن أبيه عن جابر قال:

كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يخطب إلى جذع نخلة قال: فقالت امرأة من الأنصار- و كان لها غلام نجار-: يا رسول اللَّه إن لي غلاما نجارا أ فآمره أن يتخذ لك منبرا تخطب عليه؟ قال: بلى، قال: فاتخذ له منبرا، قال:

فلما كان يوم الجمعة خطب على المنبر، قال: فأنّ الجذع الّذي كان يقوم عليه كما يئن الصبى، فقال النبي (صلى اللَّه عليه و سلم): إن هذا بكى لما فقد من الذكر*

هكذا رواه أحمد

،

و قد قال البخاري: ثنا عبد الواحد ابن أيمن، قال: سمعت أبى عن جابر بن عبد اللَّه:

أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) كان يقوم يوم الجمعة إلى شجرة أو نخلة، فقالت امرأة من الأنصار أو رجل: يا رسول اللَّه ألا نجعل لك منبرا؟ قال: إن شئتم، فجعلوا له منبرا، فلما كان يوم الجمعة دفع إلى المنبر، فصاحت النخلة صياح الصبى، ثم نزل النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فضمه إليه يئن أنين الصبى، الّذي يسكن: قال: كانت تبكى على ما كانت تسمع من الذكر عندها

* و قد ذكره البخاري في غير ما موضع من صحيحه من حديث عبد الواحد بن أيمن عن أبيه و هو أيمن الحبشي المكيّ مولى ابن أبى عمرة المخزومي عن جابر به.

طريق أخرى عن جابر

قال البخاري: ثنا إسماعيل، حدثني أخى عن سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد، حدثني‏

128

حفص بن عبيد اللَّه بن أنس بن مالك أنه سمع جابر بن عبد اللَّه الأنصاري يقول: كان المسجد مسقوفا على جذوع من نخل، فكان النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) إذا خطب يقوم إلى جذع منها، فلما صنع له المنبر و كان عليه فسمعنا لذلك الجذع صوتا كصوت العشار، حتى جاء النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فوضع يده عليها فسكنت* تفرد به البخاري.

طريق أخرى عنه‏

قال الحافظ أبو بكر البزار، ثنا محمد بن المثنى، ثنا أبو المساور، ثنا أبو عوانة عن الأعمش عن أبى صالح- و هو ذكوان- عن جابر بن عبد اللَّه و عن إسحاق عن كريب عن جابر قال:

كانت خشبة في المسجد يخطب إليها النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فقالوا: لو اتخذنا لك مثل الكرسي تقوم عليه؟

ففعل فحنت الخشبة كما تحن الناقة الحلوج، فأتاها فاحتضنها فوضع يده عليها فسكنت* قال أبو بكر البزار: و أحسب أنا قد حدثناه عن أبى عوانة عن الأعمش عن أبى صالح عن جابر، و عن أبى إسحاق عن كريب عن جابر بهذه القصة التي رواها أبو المساور عن أبى عوانة* و حدثناه محمد ابن عثمان بن كرامة، ثنا عبيد اللَّه بن موسى عن إسرائيل عن أبى إسحاق عن سعيد بن أبى كريب عن جابر عن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) بنحوه* و الصواب إنما هو سعيد بن أبى كريب، و كريب خطأ و لا يعلم يروى عن سعيد بن أبى كريب إلا أبا إسحاق. قلت: و لم يخرجوه من هذا الوجه و هو جيد.

طريق أخرى عن جابر

قال الامام أحمد: ثنا يحيى بن آدم، ثنا إسرائيل عن أبى إسحاق عن سعيد بن أبى كريب عن جابر بن عبد اللَّه قال: كان النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) يخطب إلى خشبة فلما جعل له منبر حنت حنين الناقة فأتاها فوضع يده عليها فسكنت* تفرد به أحمد.

طريق أخرى عن جابر

قال الحافظ أبو بكر البزار: ثنا محمد بن معمر، ثنا محمد بن كثير، ثنا سليمان بن كثير عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن جابر بن عبد اللَّه قال: كان النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) يقوم إلى جذع قبل أن يجعل له المنبر فلما جعل المنبر حن الجذع حتى سمعنا حنينه، فمسح رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يده عليه فسكن* قال البزار: لا نعلم رواه عن الزهري إلا سليمان بن كثير* قلت: و هذا إسناد جيد رجاله على شرط الصحيح، و لم يروه أحد من أصحاب الكتب الستة، و قال الحافظ أبو نعيم في الدلائل: و رواه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن رجل سماه عن جابر ثم أورده من طريق أبى عاصم بن على عن سليمان بن كثير عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عن جابر مثله* ثم قال: ثنا أبو بكر بن خلاد، ثنا أحمد ابن على الخراز، حدثنا عيسى بن المساور، ثنا الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن يحيى بن أبى كثير

129

عن أبى سلمة عن جابر أن رسول اللَّه كان يخطب إلى جذع فلما بنى المنبر حن الجذع فاحتضنه فسكن، و قال: لو لم أحتضنه لحن إلى يوم القيامة* ثم رواه من حديث أبى عوانة عن الأعمش عن أبى صالح عن جابر، و عن أبى إسحاق عن كريب عن جابر مثله.

طريق أخرى عن جابر رضى اللَّه عنه‏

قال الامام أحمد: ثنا عبد الرزاق، أنا ابن جريج و روح قال: حدثنا ابن جريج: أخبرنى أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد اللَّه يقول: كان النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) إذا خطب يستند إلى جذع نخلة من سواري المسجد، فلما صنع له منبره و استوى عليه فاضطربت تلك السارية كحنين الناقة حتى سمعها أهل المسجد، حتى نزل إليها رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فاعتنقها فسكنت* و قال روح: فسكتت* و هذا إسناد على شرط مسلم و لم يخرجوه.

طريق أخرى عن جابر

قال الامام أحمد: ثنا ابن أبى عدي عن سليمان عن أبى نضرة عن جابر قال: كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقوم في أصل شجرة، أو قال: إلى جذع، ثم اتخذ منبرا قال: فحن الجذع، قال جابر: حتى سمعه أهل المسجد حتى أتاه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فمسحه فسكن، فقال بعضهم: لو لم يأته لحنّ إلى يوم القيامة و هذا على شرط مسلم و لم يروه إلا ابن ماجة عن بكير بن خلف عن ابن أبى عدي عن سليمان التيمي عن أبى نضرة المنذر بن مالك بن قطفة العبديّ النضري عن جابر به*

الحديث الرابع عن سهل بن سعد

قال أبو بكر بن أبى شيبة: ثنا سفيان بن عيينة عن أبى حازم قال: أتوا سهل بن سعد فقالوا من أي شي‏ء منبر رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقال: كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يستند إلى جذع في المسجد يصلى إليه إذا خطب، فلما اتخذ المنبر فصعد حن الجذع حتى أتاه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فوطنه حتى سكن* و أصل هذا الحديث في الصحيحين و إسناده على شرطهما و قد رواه إسحاق بن راهويه و ابن أبى فديك عن عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد عن أبيه عن جده، و رواه عبد اللَّه بن نافع و ابن وهب عن عبد اللَّه بن عمر عن ابن عباس بن سهل عن أبيه فذكره. و رواه ابن لهيعة عن عمارة بن عرفة عن ابن عباس بن سهل بن سعد عن أبيه بنحوه.

الحديث الخامس عن عبد اللَّه بن عباس رضى اللَّه عنهما

قال الامام أحمد: حدثنا عفان، ثنا حماد عن عمار بن أبى عمار عن ابن عباس رضى اللَّه عنهما أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) كان يخطب إلى جذع قبل أن يتخذ المنبر، فلما اتخذ المنبر و تحول إليه حنّ عليه فأتاه فاحتضنه فسكن، قال: و لو لم أحتضنه لحن إلى يوم القيامة* و هذا الاسناد على شرط مسلم و لم‏

130

يروه إلا ابن ماجة من حديث حماد بن سلمة.

الحديث السادس عن عبد اللَّه بن عمر رضى اللَّه عنهما

قال البخاري: ثنا محمد بن المثنى، حدثنا يحيى بن كثير أبو غسان، ثنا أبو حفص و اسمه عمر بن العلاء- أخو أبى عمرو بن العلاء- قال: سمعت نافعا عن ابن عمر رضى اللَّه عنهما قال: كان النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) يخطب إلى جذع فلما اتخذ المنبر تحول إليه فحنّ الجذع فأتاه فمسح يده عليه* و قال عبد الحميد:

أنا عثمان بن عمر، أنا معاذ بن العلاء عن نافع بهذا* و رواه أبو عاصم عن ابن أبى رواد عن نافع عن ابن عمر عن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)* هكذا ذكره البخاري* و قد رواه الترمذي عن عمرو بن على الفلاس عن عثمان بن عمرو و يحيى بن كثير عن أبى غسان العنبري كلاهن معاذ بن العلاء به و قال:

حسن صحيح غريب. قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي في أطرافه: و رواه على بن نصر بن على الجهضمي و أحمد بن خالد الخلال و عبد اللَّه بن عبد الرحمن الدارميّ في آخرين عن عثمان بن عمر عن معاذ ابن العلاء قال: و عبد الحميد هذا- يعنى الّذي ذكره البخاري- يقال. إنه عبد بن حميد و اللَّه أعلم* قال شيخنا: و قد قيل إن قول البخاري: عن أبى حفص و اسمه عمرو بن العلاء، و هم، و الصواب معاذ ابن العلاء كما وقع في رواية الترمذي* قلت: و ليس هذا ثابتا في جميع النسخ، و لم أر في النسخ التي كتبت منها تسميته بالكلية و اللَّه أعلم. و قد روى هذا الحديث الحافظ أبو نعيم من حديث عبد اللَّه ابن رجاء، عن عبيد اللَّه بن عمر، و من حديث أبى عاصم عن ابن أبى رواد كلاهما عن نافع عن ابن عمر قال: قال تميم الداريّ ألا نتخذ لك منبرا. فذكر الحديث‏

طريق أخرى عن ابن عمر رضى اللَّه عنه‏

قال الامام أحمد: ثنا حسين، ثنا خلف عن أبى خباب- و هو يحيى بن أبى حية- عن أبيه عن عبد اللَّه بن عمر قال:

كان جذع نخلة في المسجد يسند رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ظهره إليه إذا كان يوم جمعة أو حدث أمر يريد أن يكلم الناس، فقالوا: ألا نجعل لك يا رسول اللَّه شيئا كقدر قيامك؟ قال: لا عليكم أن تفعلوا،

فصنعوا له منبرا ثلاث مراقى، قال: فجلس عليه، قال: فخار الجذع كما تخور البقرة جزعا على رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فالتزمه و مسحه حتى سكن* تفرد به أحمد.

الحديث السابع عن أبى سعيد الخدريّ رضى اللَّه عنه‏

قال عبد بن حميد الليثي: ثنا على بن عاصم عن الجريريّ عن أبى نضرة العبديّ، حدثني أبو سعيد الخدريّ قال:

كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يخطب يوم الجمعة إلى جذع نخلة، فقال له الناس: يا رسول اللَّه إنه قد كثر الناس- يعنى المسلمين- و إنهم ليحبون أن يروك، فلو اتخذت منبرا تقوم عليه ليراك الناس؟ قال: نعم، من يجعل لنا هذا المنبر؟ فقام إليه رجل فقال: أنا، قال: تجعله؟

131

قال: نعم، و لم يقل: إن شاء اللَّه، قال: ما اسمك؟ قال: فلان، قال: اقعد، فقعد ثم عاد فقال: من يجعل لنا هذا المنبر؟ فقام إليه رجل فقال: أنا، قال: تجعله، قال: نعم، و لم يقل: إن شاء اللَّه، قال ما اسمك؟ قال: فلان، قال: اقعد، فقعد، ثم عاد فقال: من يجعل لنا هذا المنبر؟ فقام إليه رجل فقال: أنا، قال: تجعله، قال: نعم، و لم يقل: إن شاء اللَّه، قال: ما اسمك؟ قال: فلان، قال اقعد فقعد، ثم عاد فقال: من يجعل لنا هذا المنبر، فقام إليه رجل فقام: أنا، قال تجعله، قال: نعم إن شاء اللَّه، قال: ما اسمك؟ قال: إبراهيم، قال: اجعله، فلما كان يوم الجمعة اجتمع الناس للنّبيّ (صلى اللَّه عليه و سلم) في آخر المسجد فلما صعد رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) المنبر فاستوى عليه فاستقبل الناس و حنت النخلة حتى أسمعتنى و أنا في آخر المسجد، قال: فنزل رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) عن المنبر فاعتنقها، فلم يزل حتى سكنت ثم عاد إلى المنبر فحمد اللَّه و أثنى عليه ثم قال: إن هذه النخلة إنما حنت شوقا إلى رسول اللَّه، لما فارقها فو اللَّه لو لم أنزل إليها فأعتنقها لما سكنت إلى يوم القيامة*

و هذا إسناد على شرط مسلم، و لكن في السياق غرابة و اللَّه تعالى أعلم.

طريق أخرى عن أبى سعيد

قال الحافظ أبو يعلى: ثنا مسروق بن المرزبان، ثنا زكريا عن مجالد عن أبى الوداك و هو جبر ابن نوف عن أبى سعيد قال:

كان النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) يقوم إلى خشبة يتوكأ عليها يخطب كل جمعة حتى أتاه رجل من الروم فقال: إن شئت جعلت لك شيئا إذا قعدت عليه كنت كأنك قائم، قال: نعم،

قال: فجعل له المنبر، فلما جلس عليه حنت الخشبة حنين الناقة على ولدها، حتى نزل النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فوضع يده عليها، فلما كان الغد رأيتها قد حولت، فقلنا: ما هذا؟ قالوا: جاء رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و أبو بكر و عمر البارحة فحولوها* و هذا غريب أيضا.

الحديث الثامن عن عائشة رضى اللَّه عنها

رواه الحافظ من حديث على بن أحمد الحوار عن قبيصة عن حبان بن على عن صالح بن حبان عن عبد اللَّه بن بريدة عن عائشة فذكر الحديث بطوله و فيه أنه خيره بين الدنيا و الآخرة فاختار الجذع الآخرة و غار حتى ذهب فلم يعرف* هذا حديث غريب إسنادا و متنا.

الحديث التاسع عن أم سلمة رضى اللَّه عنها

روى أبو نعيم من طريق شريك القاضي و عمرو بن أبى قيس و معلى بن هلال ثلاثتهم عن عمار الذهبي عن أبى سلمة بن عبد الرحمن عن أم سلمة قالت: كان لرسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) خشبة يستند إليها إذا خطب، فصنع له كرسي أو منبر فلما فقدته خارت كما يخور الثور، حتى سمع أهل المسجد، فأتاها رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فسكنت. هذا لفظ شريك، و في رواية معلى بن هلال: أنها كانت من دوم،

132

و هذا إسناد جيد و لم يخرجوه،

و قد روى الامام أحمد و النسائي من حديث عمار الذهبي عن أبى سلمة عن أم سلمة قالت: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)

قوائم منبري في زاوية في الجنة*

و روى النسائي أيضا بهذا الاسناد:

ما بين بيتي و منبري روضة من رياض الجنة،

فهذه الطرق من هذه الوجوه تفيد القطع بوقوع ذلك عند أئمة هذا الفن، و كذا من تأملها و أنعم فيها النظر و التأمل مع معرفته بأحوال الرجال و باللَّه المستعان* و قد قال الحافظ أبو بكر البيهقي: أنا أبو عبد اللَّه الحافظ، أخبرنى أبو أحمد بن أبى الحسن، ثنا عبد الرحمن بن محمد بن إدريس الرازيّ قال: قال أبى- يعنى أبا حاتم الرازيّ- قال عمرو بن سواد، قال لي الشافعيّ: ما أعطى اللَّه نبيا ما أعطى محمدا (صلى اللَّه عليه و سلم)، فقلت له: أعطى عيسى إحياء الموتى، فقال: أعطى محمدا الجذع الّذي كان يخطب إلى جنبه حتى هيئ له المنبر، فلما هيئ له المنبر حنّ الجذع حتى سمع صوته، فهذا أكبر من ذلك.

باب تسبيح الحصى في كفه (عليه الصلاة و السلام)

قال الحافظ أبو بكر البيهقي: أنا أبو الحسن على بن أحمد بن عبدان، أنا أحمد بن عبيد الصفار، ثنا الكديمي، ثنا قريش بن أنس، ثنا صالح بن أبى الأخضر عن الزهري عن رجل يقال له سويد ابن يزيد السلمي، قال: سمعت أبا ذر يقول:

لا أذكر عثمان إلا بخير بعد شي‏ء رأيته، كنت رجلا أتبع خلوات رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فرأيته يوما جالسا وحده فاغتنمت خلوته فجئت حتى جلست إليه فجاء أبو بكر فسلّم عليه ثم جلس عن يمين رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، ثم جاء عمر فسلّم و جلس عن يمين أبى بكر ثم جاء عثمان فسلّم ثم جلس عن يمين عمر، و بين يدي رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) سبع حصيات، أو قال:

تسع حصيات، فأخذهن في كفه فسبحن حتى سمعت لهن حنينا كحنين النخل، ثم وضعهن فخرسن ثم أخذهن فوضعهن في كف أبى بكر فسبحن حتى سمعت لهن حنينا كحنين النخل، ثم وضعهن فخرسن، ثم تناولهن فوضعهن في يد عمر فسبحن حتى سمعت لهن حنينا كحنين النخل، ثم وضعهن فخرسن، ثم تناولهن فوضعهن في يد عثمان فسبحن حتى سمعت لهن حنينا كحنين النخل، ثم وضعهن فخرسن، فقال النبي (صلى اللَّه عليه و سلم): هذه خلافة النبوة*

قال البيهقي: و كذلك رواه محمد بن يسار عن قريش ابن أنس عن صالح بن أبى الأخضر، و صالح لم يكن حافظا، و المحفوظ عن أبى حمزة عن الزهري، قال: ذكر الوليد بن سويد هذا الحديث عن أبى ذر هكذا، قال البيهقي: و قد قال محمد بن يحيى الذهلي في الزهريات التي جمع فيها أحاديث الزهري: حدثنا أبو اليمان، ثنا شعيب قال: ذكر الوليد ابن سويد أن رجلا من بنى سليم كبير السن كان ممن أدرك أبا ذر بالربذة ذكر أنه بينما هو قاعد يوما

133

في ذلك المجلس و أبو ذر في المجلس إذ ذكر عثمان بن عفان يقول السلمي: فأنا أظن أن في نفس أبى ذر على عثمان معتبة لإنزاله إياه بالربذة، فلما ذكر له عثمان عرض له أهل العلم بذلك، و هو يظن أن في نفسه عليه معتبة، فلما ذكره قال: لا تقل في عثمان إلا خيرا فانى أشهد لقد رأيت منه منظرا و شهدت منه مشهدا لا أنساه حتى أموت، كنت رجلا ألتمس خلوات النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) لأسمع منه أو لآخذ عنه، فهجرت يوما من الأيام،

فإذا النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) قد خرج من بيته فسألت عنه الخادم فأخبرني أنه في بيت، فأتيته و هو جالس ليس عنده أحد من الناس، و كأنى حينئذ أرى أنه في وحي، فسلمت عليه فرد السلام، ثم قال: ما جاء بك؟ فقلت: جاء بى اللَّه و رسوله فأمرنى أن أجلس، فجلست إلى جنبه، لا أسأله عن شي‏ء و لا يذكره لي، فمكثت غير كثير، فجاء أبو بكر يمشى مسرعا فسلّم عليه فرد السلام ثم قال: ما جاء بك؟ قال: جاء بى اللَّه و رسوله، فأشار بيده أن اجلس، فجلس إلى ربوة مقابل النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) بينه و بينها الطريق، حتى إذا استوى أبو بكر جالسا فأشار بيده فجلس إلى جنبي عن يميني، ثم جاء عمر ففعل مثل ذلك، و قال له رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) مثل ذلك، و جلس إلى جنب أبى بكر على تلك الربوة، ثم جاء عثمان فسلّم فرد السلام و قال: ما جاء بك؟ قال: جاء بى اللَّه و رسوله، فأشار إليه بيده فقعد إلى الربوة ثم أشار بيده فقعد إلى جنب عمر، فتكلم النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) بكلمة لم أفقه أولها غير أنه قال: قليل ما يبقين، ثم قبض على حصيات سبع أو تسع أو قريب من ذلك، فسبحن في يده حتى سمع لهن حنين كحنين النخل في كف النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)،

ثم ناولهن أبا بكر و جاوزني فسبحن في كف أبى بكر كما سبحن في كف النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، ثم أخذهن منه فوضعهن في الأرض فخرسن فصرن حصا، ثم ناولهن عمر فسبحن في كفه كما سبحن في كف أبى بكر، ثم أخذهن فوضعهن في الأرض فخرسن، ثم ناولهن عثمان فسبحن في كفه نحو ما سبحن في كف أبى بكر و عمر، ثم أخذهن فوضعهن في الأرض فخرسن* قال الحافظ ابن عساكر: رواه صالح بن أبى الأخضر عن الزهري، فقال: عن رجل يقال له سويد بن يزيد السلمي، و قول شعيب أصح* [و قال أبو نعيم في كتاب دلائل النبوة: و قد روى داود بن أبى هند عن الوليد بن عبد الرحمن الحرشيّ عن جبير بن نفير عن أبى ذر مثله. و رواه شهر بن حوشب و سعيد بن المسيب عن أبى سعيد. قال: و فيه عن أبى هريرة]، و قد تقدم ما رواه البخاري عن ابن مسعود رضى اللَّه عنه أنه قال: و لقد كنا نسمع تسبيح الطعام و هو يؤكل.

حديث آخر في ذلك‏

روى الحافظ البيهقي من حديث عبد اللَّه بن عثمان بن إسحاق بن سعد بن أبى وقاص، قال:

حدثني أبو أمى مالك بن حمزة بن أبى أسيد الساعدي عن أبيه عن جده أبى أسيد الساعدي، قال:

134

قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) للعباس بن عبد المطلب:

يا أبا الفضل لا ترم منزلك غدا أنت و بنوك حتى آتيكم فان لي فيكم حاجة، فانتظروه حتى جاء بعد ما أضحى، فدخل عليهم فقال: السلام عليكم، فقالوا:

و عليك السلام و رحمة اللَّه و بركاته، قال: كيف أصبحتم؟ قالوا: أصبحنا بخير نحمد اللَّه، فكيف أصبحت بأبينا و أمنا أنت يا رسول اللَّه؟ قال: أصبحت بخير أحمد اللَّه، فقال لهم: تقاربوا تقاربوا يزحف بعضكم إلى بعض، حتى إذا أمكنوه اشتمل عليهم بملاءته و قال: يا رب هذا عمى و صنو أبى، و هؤلاء أهل بيتي فاسترهم من النار كستري إياهم بملاءتى هذه، و قال: فأمنت أسكفة الباب و حوائط البيت فقالت: آمين آمين آمين*

و قد رواه أبو عبد اللَّه بن ماجة في سننه مختصرا عن أبى إسحاق إبراهيم بن عبد اللَّه بن حاتم الهروي عن عبد اللَّه بن عثمان بن إسحاق بن سعد بن أبى وقاص الوقاصى الزهري روى عنه جماعة،

و قد قال ابن معين: لا أعرفه، و قال أبو حاتم يروى أحاديث مشبهة.

حديث آخر

قال الامام أحمد: ثنا يحيى بن أبى بكير، ثنا إبراهيم بن طهمان، حدثني سماك بن حرب عن جابر بن سمرة قال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم عليّ قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن*

رواه مسلم عن أبى بكر بن أبى شيبة عن يحيى بن أبى بكير به، و رواه أبو داود الطيالسي عن سليمان بن معاذ عن سماك به.

حديث آخر

قال الترمذ: ثنا عباد بن يعقوب الكوفي، ثنا الوليد بن أبى ثور عن السدي عن عباد بن أبى يزيد عن على بن أبى طالب قال:

كنت مع النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) بمكة فخرجنا في بعض نواحيها فما استقبله جبل و لا شجر إلا قال: السلام عليك يا رسول اللَّه* ثم قال: و هذا حديث حسن غريب،

و قد رواه غير واحد عن الوليد بن أبى ثور، و قالوا: عن عباد بن أبى يزيد منهم فروة بن أبى الفرا*

و رواه الحافظ أبو نعيم من حديث زياد بن خيثمة عن السدي عن أبى عمارة الحيواني عن على قال:

خرجت مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فجعل لا يمر على شجر و لا حجر إلا سلم عليه، و قدمنا في المبعث أنه (عليه السلام) لما رجع و قد أوحى إليه جعل لا يمر بحجر و لا شجر و لا مدر و لا شي‏ء إلا قال له: السلام عليك يا رسول اللَّه،

و ذكرنا في وقعة بدر و وقعة حنين رميه (عليه السلام) بتلك القبضة من التراب و أمره أصحابه أن يتبعوها بالحملة الصادقة فيكون النصر و الظفر و التأييد عقب ذلك سريعا، أما في وقعة بدر فقد قال اللَّه تعالى في سياقها في سورة الأنفال: وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ رَمى‏ الآية و أما في غزوة حنين فقد ذكرناه في الأحاديث بأسانيده و ألفاظه بما أغنى عن إعادته هاهنا و للَّه الحمد و المنة.

135

حديث آخر

ذكرنا

في غزوة الفتح أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) لما دخل المسجد الحرام فوجد الأصنام حول الكعبة فجعل يطعنها بشي‏ء في يده و يقول:

جاءَ الْحَقُّ وَ زَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً،

قل جاء الحق و ما يبدئ الباطل و ما يعيد،

و في رواية أنه جعل لا يشير إلى صنم منها إلا خر لقفاه، و في رواية: إلا سقط،

و قال البيهقي: أنا أبو عبد اللَّه الحافظ و أبو بكر أحمد بن الحسن القاضي قالا: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا بحر بن نصر و أحمد بن عيسى اللخمي، قالا: ثنا بشر بن بكير، أنا الأوزاعي عن ابن شهاب أنه قال: أخبرنى القاسم بن محمد بن أبى بكر الصديق عن عائشة قالت:

دخل عليّ رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و أنا مستترة بقرام فهتكه ثم قال: إن أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يشبهون بخلق اللَّه،

قال الأوزاعي: و قالت عائشة: أتى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بترس فيه تمثال عقاب فوضع عليه يده فأذهبه اللَّه عز و جل.

باب ما يتعلق بالحيوانات من دلائل النبوة قصة البعير النادّ و سجوده له و شكواه إليه (صلوات اللَّه و سلامه عليه)

قال الامام أحمد: حدثنا حسين، ثنا خلف بن خليفة عن حفص هو ابن عمر عن عمه أنس بن مالك قال:

كان أهل بيت من الأنصار لهم جمل يسنون عليه و أنه استصعب عليهم فمنعهم ظهره و أن الأنصار جاءوا إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقالوا: إنه كان لنا جمل نسنى عليه و أنه استصعب علينا و منعنا ظهره، و قد عطش الزرع و النخل، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) لأصحابه: قوموا، فقاموا فدخل الحائط و الجمل في ناحيته، فمشى النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) نحوه، فقالت الأنصار: يا رسول اللَّه إنه قد صار مثل الكلب الكلب و إنا نخاف عليك صولته، فقال: ليس عليّ منه بأس، فلما نظر الجمل إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أقبل نحوه حتى خر ساجدا بين يديه، فأخذ رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بناصيته أذل ما كانت قط، حتى أدخله في العمل، فقال له أصحابه: يا رسول هذه بهيمة لا تعقل تسجد لك، و نحن أحق أن نسجد لك، فقال:

لا يصلح لبشر أن يسجد لبشر، و لو صلح لبشر أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها، و الّذي نفسي بيده لو كان من قدمه إلى مفرق رأسه قرحة تتفجر بالقيح و الصديد ثم استقبلته فلحسته ما أدت حقه*

و هذا إسناد جيد، و قد روى النسائي بعضه من حديث خلف ابن خليفة به.

رواية جابر في ذلك‏

قال الامام أحمد: حدثنا مصعب بن سلام سمعته من أبى مرتين، ثنا الأجلح عن الذيال بن‏

136

حرملة عن جابر بن عبد اللَّه قال:

أقبلنا مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) من سفر حتى إذا دفعنا إلى حائط من حيطان بنى النجار، إذا فيه جمل لا يدخل الحائط أحد إلا شد عليه قال: فذكروا ذلك لرسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فجاء حتى أتى الحائط فدعا البعير فجاء واضعا مشفره إلى الأرض حتى برك بين يديه، قال:

فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): هاتوا خطاما، فخطمه و دفعه إلى صاحبه، قال: ثم التفت إلى الناس فقال:

إنه ليس شي‏ء بين السماء و الأرض إلا يعلم أنى رسول اللَّه إلا عاصي الجن و الانس*

تفرد به الامام أحمد، و سيأتي عن جابر من وجه آخر بسياق آخر إن شاء اللَّه و به الثقة.

رواية ابن عباس‏

قال الحافظ أبو القاسم الطبراني: ثنا بشر بن موسى، ثنا يزيد بن مهران أخو خالد الجيار، ثنا أبو بكر بن عياش عن الأجلح عن الذيال بن حرملة عن ابن عباس قال:

جاء قوم إلى رسول اللَّه فقالوا: يا رسول اللَّه إن لنا بعيرا قد ندّ في حائط، فجاء إليه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقال: تعال، فجاء مطأطئا رأسه حتى خطمه و أعطاه أصحابه، فقال له أبو بكر الصديق: يا رسول اللَّه، كأنه علم أنك نبي، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): ما بين لابتيها أحد إلا يعلم أنى نبي اللَّه إلا كفرة الجن و الانس*

و هذا من هذا الوجه عن ابن عباس غريب جدا، و الأشبه رواية الامام أحمد عن جابر، اللَّهمّ إلا أن يكون الأجلح قد رواه عن الذيال عن جابر و عن ابن عباس و اللَّه أعلم.

طريق أخرى عن ابن عباس‏

قال الحافظ أبو القاسم الطبراني: ثنا العباس بن الفضل الأسفاطي، ثنا أبو عون الزيادي، ثنا أبو عزة الدباغ عن أبى يزيد المديني عن عكرمة عن ابن عباس‏

أن رجلا من الأنصار كان له فحلان فاغتلما فأدخلهما حائطا فسد عليهما الباب، ثم جاء إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فأراد أن يدعو له، و النبي قاعد معه نفر من الأنصار، فقال: يا نبي اللَّه إني جئت في حاجة فان فحلين لي اغتلما، و إني أدخلتهما حائطا و سددت عليهما الباب، فأحب أن تدعو لي أن يسخرهما اللَّه لي، فقال لأصحابه: قوموا معنا، فذهب حتى أتى الباب فقال: افتح، فأشفق الرجل على النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، فقال: افتح، ففتح الباب فإذا أحد الفحلين قريبا من الباب، فلما رأى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) سجد له، فقال رسول اللَّه: ائت بشي‏ء أشد رأسه و أمكنك منه، فجاء بخطام فشد رأسه و أمكنه منه، ثم مشى إلى أقصى الحائط إلى الفحل الآخر، فلما رآه وقع له ساجدا، فقال للرجل: ائتني بشي‏ء أشد رأسه، فشد رأسه و أمكنه منه، فقال: اذهب فإنهما لا يعصيانك، فلما رأى أصحاب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ذلك قالوا: يا رسول اللَّه هذان فحلان سجدا لك أ فلا نسجد لك؟ قال لا آمر أحدا أن يسجد لأحد و لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها* و هذا إسناد غريب و متن غريب.

137

[و رواه الفقيه أبو محمد عبد اللَّه بن حامد في كتابه دلائل النبوة عن أحمد بن حمدان السحرى عن عمر بن محمد بن بجير البحتري عن بشر بن آدم عن محمد بن عون أبى عون الزيادي به* و قد رواه أيضا من طريق مكي بن إبراهيم عن قائد أبى الورقاء عن عبد اللَّه بن أبى أوفى عن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) بنحو ما تقدم عن ابن عباس‏

.

رواية أبى هريرة

قال أبو محمد عبد اللَّه بن حامد الفقيه: أخبرنا أحمد بن حمدان، أنا عمر بن محمد بن بجير، حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا جرير عن يحيى بن عبيد اللَّه عن أبيه عن أبى هريرة قال:

انطلقنا مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إلى ناحية فأشرفنا إلى حائط فإذا نحن بناضح، فلما أقبل الناضح رفع رأسه فبصر برسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فوضع جرّانه على الأرض، فقال أصحاب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): فنحن أحق أن نسجد لك من هذه البهيمة، فقال: سبحان اللَّه، أدون اللَّه؟ ما ينبغي لأحد أن يسجد لأحد دون اللَّه، و لو أمرت أحدا أن يسجد لشي‏ء من دون اللَّه لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها*]

رواية عبد اللَّه بن جعفر في ذلك‏

قال الامام أحمد: حدثنا يزيد، ثنا مهدي بن ميمون عن محمد بن أبى يعقوب عن الحسن بن سعد عن عبد اللَّه بن جعفر ح و ثنا بهز و عفان قالا: ثنا مهدي، ثنا محمد بن أبى يعقوب عن الحسن بن سعد- مولى الحسن بن على- عن عبد اللَّه بن جعفر قال:

أردفنى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ذات يوم خلفه فأسر إلى حديثا لا أخبر به أحدا أبدا، و كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أحب ما استتر به في حاجته هدف أو حائش نخل، فدخل يوما حائطا من حيطان الأنصار فإذا جمل قد أتاه فجرجر و ذرفت عيناه، و قال بهز و عفان: فلما رأى رسول اللَّه حنّ و ذرفت عيناه، فمسح رسول اللَّه سراته و ذفراه فسكن، فقال: من صاحب الجمل؟ فجاء فتى من الأنصار قال: هو لي يا رسول اللَّه، فقال أما تتقى اللَّه في هذه البهيمة التي ملككها اللَّه لك؟ إنه شكا إلى أنك تجيعه و تدئبه*

و قد رواه مسلم من حديث مهدي بن ميمون به.

رواية عائشة أم المؤمنين رضى اللَّه عنها في ذلك‏

قال الامام أحمد: ثنا عبد الصمد و عفان قالا: ثنا حماد- هو ابن سلمة- عن على بن زيد عن سعيد بن المسيب عن عائشة

أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) كان في نفر من المهاجرين و الأنصار فجاء بعير فسجد له فقال أصحابه: يا رسول اللَّه تسجد لك البهائم و الشجر، فنحن أحق أن نسجد لك، فقال:

اعبدوا ربكم و أكرموا أخاكم، و لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، و لو أمرها أن تنقل من جبل أصفر إلى جبل أسود و من جبل أسود إلى جبل أبيض كان ينبغي‏

138

لها أن تفعله*

و هذا الاسناد على شرط السنن، و إنما

روى ابن ماجة عن أبى بكر بن أبى شيبة عن عفان عن حماد به:

لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها

إلى آخره.

رواية يعلى بن مرة الثقفي، أو هي قصة أخرى‏

قال الامام أحمد: ثنا أبو سلمة الخزاعي، ثنا حماد بن سلمة عن عاصم بن بهدلة عن حسين عن أبى جبيرة عن يعلى بن سيابة قال:

كنت مع النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) في مسير له فأراد أن يقضى حاجته فأمر وديتين فانضمت إحداهما إلى الأخرى، ثم أمرهما فرجعتا إلى منابتهما، و جاء بعير فضرب بجرّانه إلى الأرض ثم جرجر حتى ابتل ما حوله فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): أ تدرون ما يقول البعير؟ إنه يزعم أن صاحبه يريد نحره، فبعث إليه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقال: أ واهبه أنت لي؟ فقال: يا رسول اللَّه ما لي مال أحب إليّ منه، فقال: استوص به معروفا، فقال: لا جرم لا أكرم ما لا لي كرامته يا رسول اللَّه، قال: و أتى على قبر يعذب صاحبه فقال: إنه يعذب في غير كبير، فأمر بجريدة فوضعت على قبره، و قال: عسى أن يخفف عنه ما دامت رطبة.

طريق أخرى عنه‏

قال الامام أحمد: ثنا عبد الرزاق، أنا معمر عن عطاء بن السائب عن عبد اللَّه بن جعفر عن يعلى بن مرة الثقفي قال:

ثلاثة أشياء رأيتهن من رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): بينا نحن نسير معه إذ مررنا ببعير يسنى عليه، فلما رآه البعير جرجر و وضع جرّانه، فوقف عليه النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فقال أين صاحب هذا البعير؟ فجاء، فقال: بعنيه، فقال: لا بل أهبه لك، فقال: لا بل بعنيه، قال: لا بل نهبه لك إنه لأهل بيت ما لهم معيشة غيره، قال: أما إذ ذكرت هذا من أمره فإنه شكى كثرة العمل و قلة العلف فأحسنوا إليه، قال: ثم سرنا فنزلنا منزلا فنام رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فجاءت شجرة تشق الأرض حتى غشيته ثم رجعت إلى مكانها، فلما استيقظ ذكرت له، فقال: هي شجرة استأذنت ربها عز و جل في أن تسلّم على رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فأذن لها، قال: ثم سرنا فمررنا بماء فأتته امرأة بابن لها به جنة، فأخذ النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) بمنخره فقال: اخرج إني محمد رسول اللَّه،

قال ثم سرنا فلما رجعنا من سفرنا مررنا بذلك الماء فأتته امرأة بجزر [ (1)] و لبن فأمرها أن ترد الجزر و أمر أصحابه فشربوا من اللبن، فسألها عن الصبى فقالت: و الّذي بعثك بالحق ما رأينا منه ريبا بعدك.

طريق أخرى عنه‏

قال الامام أحمد: ثنا عبد اللَّه بن نمير، ثنا عثمان بن حكيم، أخبرنى عبد الرحمن بن عبد العزيز عن يعلى بن مرة قال: لقد رأيت عن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ثلاثا ما رآها أحد قبلي، و لا يراها أحد

____________

[ (1)] جمع جزرة بسكون الزاى و فتحها و هي الشاة التي تصلح للذبح.

139

بعدي: لقد خرجت معه في سفر حتى إذا كنا ببعض الطريق مررنا بامرأة جالسة معها صبي لها فقالت:

يا رسول اللَّه هذا صبي أصابه بلاء و أصابنا منه بلاء، يؤخذ في اليوم ما أدرى كم مرة، قال: ناولينيه، فرفعته إليه فجعلته بينه و بين واسطة الرحل، ثم فغر فاه فنفث فيه ثلاثا و قال: بسم اللَّه أنا عبد اللَّه، اخسأ عدو اللَّه، ثم ناولها إياه، فقال: ألقينا في الرجعة في هذا المكان فأخبرينا ما فعل، قال: فذهبنا و رجعنا فوجدناها في ذلك المكان معها شياه ثلاث، فقال: ما فعل صبيك؟ فقالت: و الّذي بعثك بالحق ما حسسنا منه شيئا حتى الساعة، فاجترر هذه الغنم، قال: انزل فخذ منها واحدة ورد البقية، قال: و خرجت ذات يوم إلى الجبانة حتى إذا برزنا قال: ويحك انظر هل ترى من شي‏ء يواريني؟

قلت: ما أرى شيئا يواريك إلا شجرة ما أراها تواريك، قال: فما بقربها؟ قلت: شجرة مثلها أو قريب منها، قال: فاذهب إليهما فقل: إن رسول اللَّه يأمر كما أن تجتمعا باذن اللَّه، قال: فاجتمعتا فبرز لحاجته ثم رجع فقال: اذهب إليهما فقل لهما: إن رسول اللَّه يأمر كما أن ترجع كل واحدة منكما إلى مكانها، فرجعت. قال: و كنت معه جالسا ذات يوم إذ جاء جمل نجيب حتى صوى بجرّانه بين يديه ثم ذرفت عيناه فقال ويحك انظر لمن هذا الجمل إن له لشأنا، قال: فخرجت ألتمس صاحبه فوجدته لرجل من الأنصار فدعوته إليه فقال: ما شأن جملك هذا؟ فقال و ما شأنه؟ قال: لا أدرى و اللَّه ما شأنه، عملنا عليه و نضحنا عليه حتى عجز عن السقاية فائتمرنا البارحة أن ننحره و نقسم لحمه، قال:

فلا تفعل، هبه لي أو بعنيه، فقال: بل هو لك يا رسول اللَّه، فوسمه بسمة الصدقة ثم بعث به.

طريق أخرى عنه‏

قال الامام أحمد: ثنا وكيع، ثنا الأعمش بن المنهال عن عمرو عن يعلى بن مرة عن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)

أنه أتته امرأة بابن لها قد أصابه لمم، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): اخرج عدو اللَّه أنا رسول اللَّه، قال:

فبرأ، قال: فأهدت إليه كبشين و شيئا من أقط و شيئا من سمن، قال: فقال رسول اللَّه: خذ الأقط و السمن و أحد الكبشين و رد عليها الآخر،

ثم ذكر قصة الشجرتين كما تقدم* و قال أحمد: ثنا أسود، ثنا أبو بكر بن عياش عن حبيب بن أبى عمرة عن المنهال بن عمرو عن يعلى قال: ما أظن أن أحدا من الناس رأى من رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إلا دون ما رأيت فذكر أمر الصبى و النخلتين و أمر البعير إلا أنه قال: ما لبعيرك يشكوك؟ زعم أنك سانيه حتى إذا كبر تريد تنحره، قال: صدقت و الّذي بعثك بالحق قد أردت ذلك، و الّذي بعثك بالحق لا أفعل.

طريق أخرى عنه‏

روى البيهقي عن الحاكم و غيره عن الأصم: ثنا عباس بن محمد الدوري، ثنا حمدان بن الأصبهاني ثنا يزيد عن عمرو بن عبد اللَّه بن يعلى بن مرة عن أبيه عن جده قال:

رأيت من رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)

140

ثلاثة أشياء ما رآها أحد قبلي، كنت معه في طريق مكة فمر بامرأة معها ابن لها به لمم ما رأيت لمما أشد منه، فقالت: يا رسول اللَّه ابني هذا كما ترى، فقال إن شئت دعوت له، فدعا له، ثم مضى فمر على بعير نادّ جرانه يرغو، فقال: على بصاحب هذا البعير، فجي‏ء به، فقال: هذا يقول: نتجت عندهم فاستعملونى حتى إذا كبرت عندهم أرادوا أن ينحرونى، قال: ثم مضى و رأى شجرتين متفرقتين فقال لي: اذهب فمرهما فليجتمعا لي، قال: فاجتمعتا فقضى حاجته، قال: ثم مضى فلما انصرف مر على الصبى و هو يلعب مع الغلمان و قد ذهب ما به و هيأت أمه أكبشا فأهدت له كبشين، و قالت: ما عاد إليه شي‏ء من اللمم، فقال النبي (صلى اللَّه عليه و سلم): ما من شي‏ء إلا و يعلم أنى رسول اللَّه، إلا كفرة أو فسقه الجن و الانس*

فهذه طرق جيدة متعددة تفيد غلبة الظن أو القطع عند المتبحرين أن يعلى بن مرة حدث بهذه القصة في الجملة، و قد تفرد بهذا كله الامام أحمد دون أصحاب الكتب الستة و لم يرو أحد منهم شيئا سوى ابن ماجة فإنه روى عن يعقوب بن حميد بن كاسب عن يحيى بن سليم عن خيثم عن يونس ابن خباب عن يعلى بن مرة أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) كان إذا ذهب إلى الغائط أبعد. و قد اعتنى الحافظ أبو نعيم بحديث البعير في كتابه دلائل النبوة، و طرقه من وجوه كثيرة، ثم أورد حديث عبد اللَّه بن قرط اليماني قال: جي‏ء رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بست زود فجعلن يزدلفن إليه بأيتهن يبدأ، و قد قدمت الحديث في حجة الوداع. قلت: قد أسلفنا عن جابر بن عبد اللَّه نحو قصة الشجرتين، و ذكرنا آنفا عن غير واحد من الصحابة نحوا من حديث الجمل لكن بسياق يشبه أن يكون [غير] هذا فاللَّه أعلم* و سيأتي حديث الصبى الّذي كان يصرع و دعاؤه (عليه السلام) له و برؤه في الحال من طرق أخرى‏

و قد روى الحافظ البيهقي عن أبى عبد اللَّه الحاكم و غيره عن أبى العباس الأصم عن أحمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير عن إسماعيل بن عبد الملك عن أبى الزبير عن جابر قال:

خرجت مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في سفر، و كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إذا أراد البراز تباعد حتى لا يراه أحد، فنزلنا منزلا بفلاة من الأرض ليس فيها علم و لا شجر، فقال لي: يا جابر خذ الإداوة و انطلق بنا، فملأت الإداوة ماء و انطلقنا فمشينا حتى لا نكاد نرى، فإذا شجرتان بينهما أذرع، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

يا جابر انطلق فقل لهذه الشجرة: يقول لك رسول اللَّه: الحقي بصاحبتك حتى أجلس خلفكما، ففعلت فرجعت فلحقت بصاحبتها، فجلس خلفهما حتى قضى حاجته، ثم رجعنا فركبنا رواحلنا فسرنا كأنما على رءوسنا الطير تظلنا، و إذا نحن بامرأة قد عرضت لرسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقالت: يا رسول اللَّه، إن ابني هذا يأخذه الشيطان كل يوم ثلاث مرات لا يدعه، فوقف رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فتناوله فجعله بينه و بين مقدمة الرحل فقال: اخسأ عدوّ اللَّه، أنا رسول اللَّه، و أعاد ذلك ثلاث مرات، ثم ناولها إياه، فلما رجعنا و كنا بذلك الماء مرضت لنا تلك المرأة و معها كبشان تقودهما و الصبى تحمله، فقالت: يا رسول‏

141

اللَّه اقبل منى هديتي، فو الّذي بعثك بالحق ان عاد إليه بعد، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): خذوا أحدهما وردوا الآخر، قال: ثم سرنا و رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بيننا، فجاء جمل نادّ، فلما كان بين السماطين خرّ ساجدا، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): يا أيها الناس من صاحب هذا الجمل؟ فقال فتية من الأنصار:

هو لنا يا رسول اللَّه، قال: فما شأنه؟ قالوا: سنونا عليه منذ عشرين سنة فلما كبرت سنه و كانت عليه شحيمة أردنا نحره لنقسمه بين غلمتنا، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) تبيعونيه؟ قالوا: يا رسول اللَّه هو لك، قال: فأحسنوا إليه حتى يأتيه أجله، قالوا: يا رسول اللَّه نحن أحق أن نسجد لك من البهائم، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): لا ينبغي لبشر أن يسجد لبشر، و لو كان ذلك كان النساء لأزواجهن*

و هذا إسناد جيد رجاله ثقات* و قد روى أبو داود و ابن ماجة من حديث إسماعيل بن عبد الملك بن أبى الصفراء عن أبى الزبير عن جابر أن رسول اللَّه كان إذا ذهب المذهب أبعد* ثم قال البيهقي: و حدثنا أبو عبد اللَّه الحافظ، أنا أبو بكر بن إسحاق، أنا الحسين بن على بن زياد، ثنا أبو حمنة، ثنا أبو قرة عن زياد- هو ابن سعد- عن أبى الزبير أنه سمع يونس بن خباب الكوفي يحدث أنه سمع أبا عبيدة يحدث عن عبد اللَّه بن مسعود عن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) أنه كان في سفر إلى مكة فذهب إلى الغائط و كان يبعد حتى لا يراه أحد، قال: فلم يجد شيئا يتوارى به، فبصر بشجرتين، فذكر قصة الشجرتين و قصة الجمل بنحو من حديث جابر* قال البيهقي: و حديث جابر أصح، قال: و هذه الرواية ينفرد بها زمعة ابن صالح عن زياد- أظنه ابن سعد- عن أبى الزبير* قلت: و قد يكون هذا أيضا محفوظا، و لا ينافي حديث جابر و يعلى بن مرة، بل يشهد لهما و يكون هذا الحديث عند أبى الزبير محمد بن مسلم بن تدرس المكيّ عن جابر. و عن يونس بن خباب عن أبى عبيدة بن عبد اللَّه بن مسعود عن أبيه و اللَّه أعلم* و روى البيهقي من حديث معاوية بن يحيى الصيرفي- و هو ضعيف- عن الزهري عن خارجة ابن زيد عن أسامة بن زيد حديثا طويلا نحو سياق حديث يعلى بن مرة و جابر بن عبد اللَّه، و فيه قصة الصبى الّذي كان يصرع و مجي‏ء أمه بشاة مشوية فقال: ناوليني الذراع فناولته، ثم قال: ناوليني الذراع فناولته، ثم قال: ناوليني الذراع، فقلت كم للشاة من ذراع؟ فقال: و الّذي نفسي بيده لو سكت لناولتينى ما دعوت* ثم ذكر قصة النخلات و اجتماعهما و انتقال الحجارة معهما حتى صارت الحجارة رجما خلف النخلات. و ليس في سياقه قصة البعير فلهذا لم يورده بلفظه و إسناده و باللَّه المستعان* [و قد روى الحافظ ابن عساكر ترجمة غيلان بن سلمة الثقفي بسنده إلى يعلى بن منصور الرازيّ عن شبيب بن شيبة عن بشر بن عاصم عن غيلان بن سلمة قال: خرجنا مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فرأينا عجبا فذكر قصة الشجرتين و استتاره بهما عند الخلاء، و قصة الصبى الّذي كان يصرع، و قوله: بسم اللَّه أنا رسول اللَّه، اخرج عدو اللَّه فعوفي* ثم ذكر قصة البعيرين النادين و أنهما سجدا له بنحو ما

142

تقدم في البعير الواحد، فلعل هذه قصة أخرى، و اللَّه أعلم‏] [ (1)].

و قد ذكرنا فيما سلف حديث جابر و قصة جمله الّذي كان قد أعيى، و ذلك مرجعهم من تبوك و تأخره في أخريات القوم، فلحقه النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فدعا له و ضربه فسار سيرا لم يسر مثله حتى جعل يتقدم أمام الناس، و ذكرنا شراءه (عليه السلام) منه و في ثمنه اختلاف كثير وقع من الرواة لا يضر أصل القصة كما بيناه* و تقدم حديث أنس في ركوبه (عليه السلام) على فرس أبى طلحة حين سمع الناس صوتا بالمدينة فركب ذلك الفرس، و كان يبطئ، و ركب الفرسان نحو ذلك الصوت، فوجدوا رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قد رجع بعد ما كشف ذلك الأمر، فلم يجد له حقيقة، و كان قد ركبه عريا لا شي‏ء عليه و هو متقلد سيفا، فرجع و هو يقول: لن تراعوا لن تراعوا، ما وجدنا من شي‏ء، و إن وجدناه لبحرا.

أي لسابقا* و كان ذلك الفرس يبطأ قبل تلك الليلة فكان بعد ذلك لا يجارى و لا يكشف له غبار و ذلك كله ببركته (عليه الصلاة و السلام).

حديث آخر غريب في قصة البعير

قال الشيخ أبو محمد عبد اللَّه بن حامد الفقيه في كتابه «دلائل النبوة» و هو مجلد كبير حافل كثير الفوائد:

أخبرنى أبو على الفارسي، حدثنا أبو سعيد عن عبد العزيز بن شهلان القواس، حدثنا أبو عمرو عثمان بن محمد بن خالد الراسبي، حدثنا عبد الرحمن بن على البصري، حدثنا سلامة ابن سعيد بن زياد بن أبى هند الرازيّ، حدثني أبى عن أبيه عن جده، حدثنا غنيم بن أوس- يعنى الرازيّ- قال:

كنا جلوسا مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إذ أقبل بعير يعدو حتى وقف على رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فزعا فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): أيها البعير اسكن، فان تك صادقا فلك صدقك، و إن تك كاذبا فعليك كذبك، مع أن اللَّه تعالى قد أمن عائذنا، و لا يخاف لائذنا، قلنا: يا رسول اللَّه ما يقول هذا البعير؟

قال: هذا بعير همّ أهله بنحره فهرب منهم فاستغاث بنبيكم، فبينا نحن كذلك إذ أقبل أصحابه يتعادون فلما نظر إليهم البعير عاد إلى هامة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقالوا: يا رسول اللَّه هذا بعيرنا هرب منا منذ ثلاثة أيام فلم نلقه إلا بين يديك، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): يشكو مرّ الشكاية، فقالوا: يا رسول اللَّه ما يقول؟

قال: يقول إنه ربى في إبلكم جوارا و كنتم تحملون عليه في الصيف إلى موضع الكلإ فإذا كان الشتاء رحلتم إلى موضع الدف‏ء، فقالوا: قد كان ذلك يا رسول اللَّه، فقال: ما جزاء العبد الصالح من مواليه؟ قالوا: يا رسول اللَّه فانا لا نبيعه و لا ننحره، قال: فقد استغاث فلم تغيثوه، و أنا أولى بالرحمة منكم، لأن اللَّه نزع الرحمة من قلوب المنافقين و أسكنها في قلوب المؤمنين، فاشتراه النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) بمائة درهم، ثم قال: أيها البعير انطلق فأنت حرّ لوجه اللَّه، فرغا على هامة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقال:

____________

[ (1)] ما بين الأقواس المربعة في هذه الملزمة زيادة من التيمورية.

143

رسول اللَّه: آمين ثم رغا الثانية فقال آمين، ثم رغا الثالثة فقال: آمين، ثم رغا الرابعة فبكى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقلنا: يا رسول اللَّه ما يقول هذا البعير؟ قال: يقول: جزاك اللَّه أيها النبي عن الإسلام و القرآن خيرا، قلت: آمين، قال: سكن اللَّه رعب أمتك يوم القيامة كما سكنت رعبى قلت: آمين قال: حقن اللَّه دماء أمتك من أعدائها كما حقنت دمي، قلت: آمين، قال: لا جعل اللَّه بأسها بينها، فبكيت و قلت: هذه خصال سألت ربى فأعطانيها و منعني واحدة و أخبرنى جبريل عن اللَّه أن فناء أمتك بالسيف فجرى القلم بما هو كائن*

قلت: هذا الحديث غريب جدا لم أر أحدا من هؤلاء المصنفين في الدلائل أورده سوى هذا المصنف، و فيه غرابة و نكارة في إسناده و متنه أيضا و اللَّه أعلم.

حديث في سجود الغنم له (صلى اللَّه عليه و سلم)

قال أبو محمد عبد اللَّه بن حامد أيضا: قال يحيى بن صاعد: حدثنا محمد بن عوف الحمصي، حدثنا إبراهيم بن العلاء الزبيدي، حدثنا عباد بن يوسف الكندي أبو عثمان، حدثنا أبو جعفر الرازيّ عن الربيع بن أنس عن أنس بن مالك قال:

دخل النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) حائطا للأنصار و معه أبو بكر و عمرو رجل من الأنصار، و في الحائط غنم فسجدت له، فقال أبو بكر: يا رسول اللَّه كنا نحن أحق بالسجود لك من هذه الغنم، فقال: إنه لا ينبغي أن يسجد أحد لأحد، و لو كان ينبغي لأحد أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها*

غريب و في إسناده من لا يعرف‏].

قصة الذئب و شهادته بالرسالة

قال الامام أحمد: حدثنا يزيد، ثنا القاسم بن الفضل الحدانى عن أبى نضرة عن أبى سعيد الخدريّ قال:

عدا الذئب على شاة فأخذها فطلبه الراعي فانتزعها منه، فأقعى الذئب على ذنبه فقال:

ألا تتقى اللَّه؟ تنزع منى رزقا ساقه اللَّه إليّ؟ فقال: يا عجبي ذئب يكلمني كلام الانس! فقال الذئب: ألا أخبرك بأعجب من ذلك؟ محمد (صلى اللَّه عليه و سلم) بيثرب يخبر الناس بأنباء ما قد سبق، قال: فأقبل الراعي يسوق غنمه حتى دخل المدينة فزواها إلى زاوية من زواياها، ثم أتى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فأخبره، فأمر رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فنودي الصلاة جامعة، ثم خرج فقال للراعي: أخبرهم، فأخبرهم، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): صدق، و الّذي نفس محمد بيده لا تقوم الساعة حتى يكلم السباع الأنس، و يكلم الرجل عذبة سوطه، و شراك نعله، و يخبره فخذه بما أحدث أهله بعده*

و هذا إسناد على شرط الصحيح.

و قد صححه البيهقي و لم يروه إلا الترمذي من قوله: و الّذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى يكلم السباع الانس إلى آخره، عن سفيان بن وكيع عن أبيه عن القاسم بن الفضل. ثم قال: و هذا حديث حسن غريب صحيح لا نعرفه إلا من حديث القاسم و هو ثقة مأمون عند أهل الحديث وثقه يحيى و ابن مهدي.

144

طريق أخرى عن أبى سعيد الخدريّ رضى اللَّه عنه‏

قال الامام أحمد: حدثنا أبو اليمان، أنا شعيب، حدثني عبد اللَّه بن أبى حسين، حدثني شهر أن أبا سعيد الخدريّ حدثه عن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) قال: بينا أعرابى في بعض نواحي المدينة في غنم له عدا عليه الذئب فأخذ شاة من غنمه فأدركه الأعرابي فاستنقذها منه و هجهجه فعانده الذئب يمشى ثم أقعى مستذفرا بذنبه يخاطبه فقال: أخذت رزقا رزقنيه اللَّه، قال: وا عجبا من ذئب مستذفر بذنبه يخاطبني! فقال: و اللَّه إنك لتترك أعجب من ذلك، قال: و ما أعجب من ذلك؟ قال: رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في النخلتين بين الحرتين يحدث الناس عن أنباء ما قد سبق و ما يكون بعد ذلك، قال: فنعق الأعرابي بغنمه حتى ألجأها إلى بعض المدينة ثم مشى إلى النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) حتى ضرب عليه بابه،

فلما صلّى النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) قال: أين الأعرابي صاحب الغنم؟ فقام الأعرابي، فقال له النبي (صلى اللَّه عليه و سلم): حدث الناس بما سمعت و بما رأيت، فحدث الأعرابي الناس بما رأى من الذئب و ما سمع منه، فقال النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) عند ذلك:

صدق، آيات تكون قبل الساعة، و الّذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى يخرج أحدكم من أهله فيخبره نعله أو سوطه أو عصاه بما أحدث أهله بعده*

و هذا على شرط أهل السنن و لم يخرجوه. و قد رواه البيهقي من حديث النفيلى قال: قرأت على معقل بن عبد اللَّه بن شهر بن حوشب عن أبى سعيد فذكره* ثم رواه الحاكم و أبو سعيد بن عمرو عن الأصم عن أحمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير عن عبد الجيد بن بهرام عن شهر بن حوشب عن أبى سعيد فذكره* و رواه الحافظ أبو نعيم من طريق عبد الرحمن بن يزيد بن تميم عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبى سعيد فذكره‏

حديث أبى هريرة في ذلك‏

قال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أنا معمر عن أشعث بن عبد الملك عن شهر بن حوشب عن أبى هريرة قال:

جاء ذئب إلى راعى غنم فأخذ منها شاة فطلبه الراعي حتى انتزعها منه، قال:

فصعد الذئب على تل فأقعى فاستذفر و قال: عمدت إلى رزق رزقنيه اللَّه عز و جل انتزعته منى، فقال الرجل: للَّه إن رأيت كاليوم ذئبا يتكلم، فقال الذئب: أعجب من هذا رجل في النخلات بين الحرتين يخبركم بما مضى و ما هو كائن بعدكم، و كان الرجل يهوديا، فجاء إلى النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فأسلّم و خبره فصدّقه النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، ثم قال رسول اللَّه: إنها أمارة من أمارات بين يدي الساعة، قد أوشك الرجل أن يخرج فلا يرجع حتى تحدثه نعلاه و سوطه بما أحدثه أهله بعده*

تفرد به أحمد و هو على شرط السنن و لم يخرجوه، و لعل شهر بن حوشب قد سمعه من أبى سعيد و أبى هريرة أيضا و اللَّه أعلم.

حديث أنس في ذلك‏

قال أبو نعيم في دلائل النبوة: ثنا عبد اللَّه بن محمد بن جعفر، ثنا محمد بن يحيى بن مندة، ثنا

145

على بن الحسن بن سالم، ثنا الحسين الرفّاء عن عبد الملك بن عمير عن أنس ح، و حدثنا سليمان- هو الطبراني-: ثنا عبد اللَّه بن محمد بن ناجية، ثنا هشام بن يونس اللؤلؤي، ثنا حسين بن سليمان الرفّاء، عن عبد الملك بن عمير، عن أنس بن مالك قال: كنت مع النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) في غزوة تبوك فشردت عليّ غنمي، فجاء الذئب فأخذ منها شاة، فاشتد الرعاء خلفه، فقال: طعمة أطعمنيها اللَّه تنزعونها منى؟ قال:

فبهت القوم، فقال: ما تعجبون من كلام الذئب و قد نزل الوحي على محمد فمن مصدق و مكذب* ثم قال أبو نعيم: تفرد به حسين بن سليمان عن عبد الملك. قلت: الحسين بن سليمان الرفّاء هذا يقال له الطلخى كوفى أورد له ابن عدي عن عبد الملك بن عمير أحاديث ثم قال: لا يتابع عليها.

حديث ابن عمر في ذلك‏

قال البيهقي: أخبرنا أبو سعد الماليني، أنا أبو أحمد بن عدي، ثنا عبد اللَّه بن أبى داود السجستاني، ثنا يعقوب بن يوسف بن أبى عيسى، ثنا جعفر بن حسن، أخبرنى أبو حسن، ثنا عبد الرحمن بن حرملة، عن سعيد بن المسيب قال: قال ابن عمر:

كان راع على عهد رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إذ جاء الذئب فأخذ شاة و وثب الراعي حتى انتزعها من فيه، فقال له الذئب: أما تتقى اللَّه أن تمنعني طعمة أطعمنيها اللَّه تنزعها منى؟ فقال له الراعي: العجب من ذئب يتكلم، فقال الذئب: أ فلا أدلك على ما هو أعجب من كلامي؟ ذلك الرجل في النخل يخبر الناس بحديث الأولين و الآخرين أعجب من كلامي، فانطلق الراعي حتى جاء رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فأخبره و أسلّم، فقال له رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

حدث به الناس*

قال الحافظ ابن عدىّ: قال لنا أبو بكر بن أبى داود: ولد هذا الراعي يقال لهم:

بنو مكلم الذئب، و لهم أموال و نعم، و هم من خزاعة، و اسم مكلم الذئب أهبان، قال: و محمد بن أشعث الخزاعي من ولده* قال البيهقي: فدل على اشتهار ذلك، و هذا مما يقوى الحديث* و قد روى من حديث محمد بن إسماعيل البخاري في التاريخ، حدثني أبو طلحة، حدثني سفيان بن حمزة الأسلمي، سمع عبد اللَّه بن عامر الأسلمي، عن ربيعة بن أوس، عن أنس بن عمرو عن أهبان بن أوس قال:

كنت في غنم لي فكلمه الذئب و أسلّم، قال البخاري: إسناده ليس بالقوى* ثم روى البيهقي عن أبى عبد الرحمن السلمي، سمعت الحسين بن أحمد الرازيّ، سمعت أبا سليمان المقري يقول: خرجت في بعض البلدان على حمار فجعل الحمار يحيد بى عن الطريق فضربت رأسه ضربات فرفع رأسه إلى و قال لي: اضرب يا أبا سليمان فإنما على دماغك هو ذا يضرب، قال: قلت له: كلمك كلاما يفهم! قال:

كما تكلمني و أكلمك.

حديث آخر عن أبى هريرة في الذئب على وجه آخر

و قد قال سعيد بن مسعود: ثنا حبان بن على، ثنا عبد الملك بن عمير، عن أبى الأوس الحارثي‏

146

عن أبى هريرة قال:

جاء الذئب فأقعى بين يدي النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) و جعل يبصبص بذنبه، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): هذا وافد الذئاب، جاء ليسألكم أن تجعلوا له من أموالكم شيئا، قالوا: و اللَّه لا نفعل، و أخذ رجل من القوم حجرا فرماه فأدبر الذئب و له عواء، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): الذئب، و ما الذئب؟*

و قد رواه البيهقي عن الحاكم عن أبى عبد اللَّه الأصبهاني عن محمد بن مسلمة عن يزيد بن هارون عن شعبة عن عبد الملك بن عمير عن رجل به*

و رواه الحافظ أبو بكر البزار عن محمد بن المثنى عن غندر عن شعبة عن عبد الملك بن عمير عن رجل عن مكحول عن أبى هريرة فذكره* و عن يوسف بن موسى عن جرير بن عبد الحميد عن عبد الملك بن عمير، عن أبى الأوبر، عن أبى هريرة قال: صلّى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يوما صلاة الغداة ثم قال: هذا الذئب و ما الذئب؟ جاءكم يسألكم أن تعطوه أو تشركوه في أموالكم، فرماه رجل بحجر فمر أو ولى و له عواء*

و قال محمد بن إسحاق عن الزهري عن حمزة بن أبى أسيد قال:

خرج رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في جنازة رجل من الأنصار بالبقيع فإذا الذئب مفترشا ذراعيه على الطريق، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): هذا جاء يستفرض فافرضوا له، قالوا: ترى رأيك يا رسول اللَّه، قال: من كل سائمة شاة في كل عام، قالوا: كثير، قال: فأشار إلى الذئب أن خالسهم، فانطلق الذئب،

رواه البيهقي‏

* و روى الواقدي عن رجل سماه عن المطلب بن عبد اللَّه بن حنطب قال:

بينا رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في المدينة إذ أقبل ذئب فوقف بين يديه، فقال:

هذا وافد السباع إليكم فان أحببتم أن تفرضوا له شيئا لا يعدوه إلى غيره، و إن أحببتم تركتموه و احترزتم منه فما أخذ فهو رزقه، فقالوا: يا رسول اللَّه ما تطيب أنفسنا له بشي‏ء، فأومأ إليه بأصابعه الثلاث أن خالسهم، قال: فولى و له عواء*

و قال أبو نعيم: ثنا سليمان بن أحمد، ثنا معاذ بن المثنى، ثنا محمد بن كثير، ثنا سفيان، ثنا الأعمش، عن شمر بن عطية عن رجل من مزينة أن جهينة قال:

أتت وفود الذئاب قريب من مائة ذئب حين صلّى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فأقعين، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

هذه وفود الذئاب، جئنكم يسألنكم لتفرضوا لهن من قوت طعامكم و تأمنوا على ما سواه، فشكوا إليه الحاجة،

قال: فأدبروهم قال: فخرجن و لهن عواء.

[و قد تكلم القاضي عياض على حديث الذئب فذكر عن أبى هريرة و أبى سعيد و عن أهبان ابن أوس و أنه كان يقال له: مكلم الذئب، قال: و قد روى ابن وهب أنه جرى مثل هذا لأبى سفيان بن حرب، و صفوان بن أمية، مع ذئب و جداه أخذ صبيا فدخل الصبى الحرم فانصرف الذئب فعجبا من ذلك، فقال الذئب: أعجب من ذلك محمد بن عبد اللَّه بالمدينة يدعوكم إلى الجنة و تدعونه إلى النار، فقال أبو سفيان: و اللات و العزى لأن ذكرت هذا بمكة ليتركنها أهلوها].

147

قصة الوحش الّذي كان في بيت النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) و كان يحترمه (عليه السلام) و يوقره و يجله‏

قال الامام أحمد: حدثنا أبو نعيم، ثنا يونس عن مجاهد قال: قالت عائشة رضى اللَّه عنها:

كان لآل رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) وحش، فإذا خرج رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) لعب و اشتد، و أقبل و أدبر، فإذا أحسّ برسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قد دخل ربض فلم يترمرم ما دام رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في البيت كراهية أن يؤذيه* و رواه أحمد أيضا عن وكيع و عن قطن كلاهما عن يونس- و هو ابن أبى إسحاق السبيعي-.

و هذا الاسناد على شرط الصحيح. و لم يخرجوه و هو حديث مشهور و اللَّه أعلم.

قصة الأسد

و قد ذكرنا في ترجمة سفينة مولى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) حديثه حين انكسرت بهم السفينة فركب لوحا منها حتى دخل جزيرة في البحر فوجد فيها الأسد، فقال له: يا أبا الحارث إني سفينة مولى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، قال: فضرب منكبى و جعل يحاذينى حتى أقامنى على الطريق، ثم همهم ساعة فرأيت أنه يود عنى* و قال عبد الرزاق: ثنا معمر عن الحجبي عن محمد بن المنكدر أن سفينة مولى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أخطأ الجيش بأرض الروم، أو أسر في أرض الروم، فانطلق هاربا يلتمس الجيش، فإذا هو بالأسد، فقال: يا أبا الحارث إني مولى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، كان من أمرى كيت و كيت، فأقبل الأسد يبصبصه حتى قام إلى جنبه، كلما سمع صوته أهوى إليه، ثم أقبل يمشى إلى جنبه، فلم يزل كذلك حتى أبلغه الجيش، ثم رجع الأسد عنه* رواه البيهقي.

حديث الغزالة

قال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني (رحمه اللَّه) في كتابه دلائل النبوة: حدثنا سليمان بن أحمد- إملاء- ثنا محمد بن عثمان بن أبى شيبة، ثنا إبراهيم بن محمد بن ميمون، ثنا عبد الكريم بن هلال الجعفي عن صالح المري، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك قال:

مر رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) على قوم قد اصطادوا ظبية فشدوها على عمود فسطاط، فقالت: يا رسول اللَّه، إني أخذت ولى خشفان، فاستأذن لي أرضعهما و أعود إليهم، فقال: أين صاحب هذه؟ فقال القوم: نحن يا رسول اللَّه، قال:

خلوا عنها حتى تأتى خشفيها ترضعهما و ترجع إليكم. فقالوا: من لنا بذلك؟ قال أنا، فأطلقوها فذهبت فأرضعت ثم رجعت إليهم فأوثقوها، فمرّ بهم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقال: أين أصحاب هذه؟

فقالوا: هو ذا نحن يا رسول اللَّه، فقال. تبيعونيها؟ فقالوا: هي لك يا رسول اللَّه، فقال: خلوا عنها، فأطلقوها فذهبت*

و قال أبو نعيم: حدثنا أبو أحمد محمد بن أحمد الغطريفى- من أصله-، ثنا أحمد ابن موسى بن أنس بن نصر بن عبيد اللَّه بن محمد بن سيرين بالبصرة، ثنا زكريا بن يحيى بن خلاد، ثنا حبان بن أغلب بن تميم، ثنا أبى، عن هشام بن حبان عن الحسن، عن ضبة بن محصن، عن‏

148

أم سلمة زوج النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) قالت: بينا رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في حجر من الأرض إذا هاتف يهتف:

يا رسول اللَّه، يا رسول اللَّه، قال فالتفت فلم أر أحدا، قال: فمشيت غير بعيد فإذا الهاتف: يا رسول اللَّه، يا رسول اللَّه، قال: فالتفت فلم أر أحدا، و إذا الهاتف يهتف بى، فاتبعت الصوت و هجمت على ظبية مشدودة في وثاق، و إذا أعرابى منجدل في شملة نائم في الشمس، فقالت الظبية: يا رسول اللَّه، إن هذا الأعرابي صادني قبل، ولى خشفان في هذا الجبل، فان رأيت أن تطلقني حتى أرضعهما ثم أعود إلى وثاقي؟ قال: و تفعلين؟ قالت: عذبني اللَّه عذاب العشار إن لم أفعل، فأطلقها رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم).

فمضت فأرضعت الخشفين و جاءت، قال: فبينا رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يوثقها إذ انتبه الأعرابي، فقال: بأبي أنت و أمى يا رسول اللَّه، إني أصبتها قبيلا. فلك فيها من حاجة؟ قال: قلت: نعم، قال: هي لك، فأطلقها فخرجت تعدو في الصحراء فرحا و هي تضرب برجليها في الأرض و تقول: أشهد أن لا إله إلا اللَّه و أنك رسول اللَّه* قال أبو نعيم: و قد رواه آدم بن أبى إياس فقال: حدثني حبي الصدوق، نوح ابن الهيثم، عن حبان بن أغلب، عن أبيه، عن هشام بن حبان و لم يجاوزه به، [و قد رواه أبو محمد عبد اللَّه بن حامد الفقيه في كتابه دلائل النبوة من حديث إبراهيم بن مهدي عن ابن أغلب بن تميم عن أبيه عن هشام بن حبان عن الحسن بن ضبة بن أبى سلمة به‏]*

و قال الحافظ أبو بكر البيهقي:

أنبأنى أبو عبد اللَّه الحافظ- إجازة- أنا أبو جعفر محمد بن على بن دحيم الشيباني: ثنا أحمد بن حازم ابن أبى عروة الغفاريّ، ثنا على بن قادم، ثنا أبو العلاء خالد بن طهمان، عن عطية عن أبى سعيد قال:

مر النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) بظبية مربوطة إلى خباء فقالت: يا رسول اللَّه خلنى حتى أذهب فأرضع خشفىّ ثم أرجع فتر بطني، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): صيد قوم و ربيطة قوم، قال: فأخذ عليها فحلفت له، قال: فحلها، فما مكثت إلا قليلا حتى جاءت و قد نفضت ما في ضرعها، فربطها رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ثم أتى خباء أصحابها، فاستوهبها منهم فوهبوها له فحلها، ثم قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) لو تعلم البهائم من الموت ما تعلمون، ما أكلتم منها سمينا أبدا*

قال البيهقي: و روى من وجه آخر ضعيف:

أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن القاضي، أنا أبو على حامد بن محمد الهروي، ثنا بشر بن موسى، ثنا أبو حفص عمر بن على، ثنا يعلى بن إبراهيم الغزالي، ثنا الهيثم بن حماد عن أبى كثير عن يزيد بن أرقم قال:

كنت مع النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) في بعض سكك المدينة، قال: فمررنا بخباء أعرابى فإذا ظبية مشدودة إلى الخباء فقالت: يا رسول اللَّه، إن هذا الأعرابي اصطادنى، و إن لي خشفين في البرية، و قد تعقد اللبن في أخلافى، فلا هو يذبحنى فأستريح، و لا هو يدعني فأرجع إلى خشفي في البرية. فقال لها رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): إن تركتك ترجعين؟ قالت: نعم و إلا عذبني اللَّه عذاب العشار، قال: فأطلقها رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فلم تلبث أن جاءت تلمض، فشدها رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إلى الخباء، و أقبل الأعرابي‏

149

و معه قربة فقال له رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): أ تبيعنيها؟ قال: هي لك يا رسول اللَّه، فأطلقها رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)*

قال زيد بن أرقم: فأنا و اللَّه رأيتها تسبح في البرية. و هي تقول: لا إله إلا اللَّه محمد رسول اللَّه* و رواه أبو نعيم: ثنا أبو على محمد بن أحمد بن الحسن بن مطر، ثنا بشر بن موسى فذكره* قلت: و في بعضه نكارة و اللَّه أعلم* و قد ذكرنا في باب تكثيره (عليه السلام) اللبن حديث تلك الشاة التي جاءت و هي في البرية،

فأمر رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) الحسن بن سعيد مولى أبى بكر أن يحلبها فحلبها، و أمره أن يحفظها فذهبت و هو لا يشعر، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): ذهب بها الّذي جاء بها*

و هو مروى من طريقين عن صحابيين كما تقدم و اللَّه أعلم.

حديث الضب على ما فيه من النكارة و الغرابة

قال البيهقي: أنا أبو منصور أحمد بن على الدامغانيّ من ساكني قرية نامين من ناحية بيهق- قراءة عليه من أصل كتابه- ثنا أبو أحمد عبد اللَّه بن عدي الحافظ- في شعبان سنة اثنتين و ثلاثمائة- ثنا محمد بن الوليد السلمي، ثنا محمد بن عبد الأعلى، ثنا معمر بن سليمان، ثنا كهمس، عن داود بن أبى هند، عن عامر بن عمر، عن عمر بن الخطاب،

أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) كان في محفل من أصحابه إذ جاء أعرابى من بنى سليم قد صاد ضبا و جعله في كمه ليذهب به إلى رحله فيشويه و يأكله، فلما رأى الجماعة قال: ما هذا؟ قالوا: هذا الّذي يذكر أنه نبي، فجاء فشق الناس فقال: و اللات و العزى ما شملت السماء على ذي لهجة أبغض إلي منك، و لا أمقت منك، و لو لا أن يسميني قومي عجولا لعجلت عليك فقتلتك فسررت بقتلك الأسود و الأحمر و الأبيض و غيرهم. فقال عمر بن الخطاب: يا رسول اللَّه، دعني فأقوم فأقتله. قال: يا عمر أما علمت أن الحليم كاد أن يكون نبيا؟ ثم أقبل على الأعرابي و قال: ما حملك على أن قلت ما قلت و قلت غير الحق و لم تكرمني في مجلسى؟

فقال: و تكلمني أيضا؟- استخفافا برسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)- و اللات و العزى لا آمنت بك أ و يؤمن بك هذا الضب- و أخرج الضب من كمه و طرحه بين يدي رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)- فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

يا ضب، فأجابه الضب بلسان عربي مبين يسمعه القوم جميعا: لبيك و سعديك يا زين من وافى القيامة قال: من تعبد يا ضب؟ قال: الّذي في السماء عرشه، و في الأرض سلطانه، و في البحر سبيله، و في الجنة رحمته، و في النار عقابه، قال: فمن أنا يا ضب؟ فقال: رسول رب العالمين و خاتم النبيين، و قد أفلح من صدقك، و قد خاب من كذبك، فقال الأعرابي و اللَّه لا أتبع أثرا بعد عين، و اللَّه لقد جئتك و ما على ظهر الأرض أبغض إليّ منك، و إنك اليوم أحب إليّ من والدي و من عيني و منى، و إني لأحبك بداخلى و خارجي، و سرى و علانيتي، و أشهد أن لا إله إلا اللَّه و أنك رسول اللَّه، فقال رسول اللَّه: الحمد اللَّه الّذي هداك بى، إن هذا الدين يعلو و لا يعلى و لا يقبل إلا بصلاة، و لا تقبل‏

150

الصلاة إلا بقرآن، قال: فعلمني، فعلمه قل هو اللَّه أحد، قال: زدني فما سمعت في البسيط و لا في الوجيز أحسن من هذا، قال: يا أعرابى إن هذا كلام اللَّه، ليس بشعر، إنك إن قرأت قل هو اللَّه أحد مرة كان لك كأجر من قرأ ثلث القرآن، و إن قرأتها مرتين كان لك كأجر من قرأ ثلثي القرآن، و إذا قرأتها ثلاث مرات كان لك كأجر من قرأ القرآن كله، قال الأعرابي: نعم الإله إلهنا. يقبل اليسير و يعطى الجزيل. فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): أ لك مال؟ فقال: ما في بنى سليم قاطبة رجل هو أفقر منى، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) لأصحابه: أعطوه، فأعطوه حتى أبطروه، قال: فقام عبد الرحمن بن عوف فقال: يا رسول اللَّه، إن له عندي ناقة عشراء، دون البختية و فوق الأعرى، تلحق و لا تلحق أهديت إليّ يوم تبوك، أتقرب بها إلى اللَّه عز و جل فأدفعها إلى الأعرابي؟ فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

وصفت ناقتك، فأصف ما لك عند اللَّه يوم القيامة؟ قال: نعم، قال: لك ناقة من درة جوفاء قوائمها من زبرجد أخضر و عنقها من زبرجد أصفر عليها هودج، و على الهودج السندس و الإستبرق، و تمر بك على الصراط كالبرق الخاطف. يغبطك بها كل من رآك يوم القيامة» فقال عبد الرحمن: قد رضيت. فخرج الأعرابي فلقيه ألف أعرابى من بنى سليم على ألف دابة، معهم ألف سيف و ألف رمح، فقال لهم: أين تريدون؟ قالوا: نذهب إلى هذا الّذي سفه آلهتنا فنقتله. قال: لا تفعلوا، أنا أشهد أن لا إله إلا اللَّه و أن محمدا رسول اللَّه، و حدثهم الحديث، فقالوا بأجمعهم: نشهد أن لا إله إلا اللَّه و أن محمدا رسول اللَّه، ثم دخلوا، فقيل لرسول اللَّه، فتلقاهم بلا رداء، و نزلوا عن ركبهم يقبلون حيث ولوا عنه و هم يقولون لا إله إلا اللَّه محمد رسول اللَّه، ثم قالوا: يا رسول اللَّه: مرنا بأمرك. قال:

كونوا تحت راية خالد بن الوليد* فلم يؤمن من العرب و لا من غيرهم ألف غيرهم*

قال البيهقي: قد أخرجه شيخنا أبو عبد اللَّه الحافظ في المعجزات بالإجازة عن أبى أحمد بن عدي الحافظ* قلت، و رواه الحافظ أبو نعيم في الدلائل عن أبى القاسم بن أحمد الطبراني- إملاء و قراءة-: حدثنا محمد ابن على بن الوليد السلمي البصري أبو بكر بن كنانة. فذكر مثله. و رواه أبو بكر الإسماعيلي عن محمد ابن على بن الوليد السلمي.

قال البيهقي: روى في ذلك عن عائشة و أبى هريرة، و ما ذكرناه هو أمثل الأسانيد فيه و هو أيضا ضعيف، و الحمل فيه على هذا السلمي، و اللَّه أعلم.

[حديث الحمار

و قد أنكره غير واحد من الحفاظ الكبار

فقال أبو محمد بن عبد اللَّه بن حامد: أخبرنا أبو الحسن أحمد بن حمدان السحركى، حدثنا عمر بن محمد بن بجير، حدثنا أبو جعفر محمد بن يزيد- إملاء-، أنا أبو عبد اللَّه محمد بن عقبة بن أبى الصهباء، حدثنا أبو حذيفة عن عبد اللَّه بن حبيب الهذلي عن أبى عبد الرحمن السلمي عن أبى منظور قال:

لما فتح اللَّه على نبيه (صلى اللَّه عليه و سلم) خيبر أصابه من سهمه أربعة