البداية و النهاية - ج6

- ابن كثير الدمشقي‏ المزيد...
354 /
151

أزواج بغال و أربعة أزواج خفاف، و عشر أواق ذهب و فضة، و حمار أسود، و مكتل، قال: فكلم النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) الحمار فكلمه الحمار، فقال له: ما اسمك، قال: يزيد بن شهاب، أخرج اللَّه من نسل جدي ستين حمارا كلهم لم يركبهم إلا نبي، لم يبق من نسل جدي غيري، و لا من الأنبياء غيرك، و قد كنت أتوقعك أن تركبني، قد كنت قبلك لرجل يهودي، و كنت أعثر به عمدا، و كان يجيع بطني و يضرب ظهري، فقال النبي (صلى اللَّه عليه و سلم): سميتك يعفور، يا يعفور، قال: لبيك، قال: تشتهي الإناث؟

قال: لا،

فكان النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) يركبه لحاجته، فإذا نزل عنه بعث به إلى باب الرجل فيأتى الباب فيقرعه برأسه فإذا خرج إليه صاحب الدار أومأ إليه أن أجب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فلما قبض النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) جاء الى بئر كان لأبى الهيثم بن النبهان فتردى فيها فصارت قبره جزعا منه على رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)‏] [ (1)]

حديث الحمرة و هو طائر مشهور

قال أبو داود الطيالسي: ثنا المسعودي عن الحسن بن سعد، عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن مسعود، قال:

كنا مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في سفر فدخل رجل غيطة فأخرج بيضة حمرة فجاءت الحمرة ترف على رسول اللَّه و أصحابه، فقال: أيكم فجع هذه؟ فقال رجل من القوم: أنا أخذت بيضتها، فقال: رده رده رحمة بها*

و روى البيهقي عن الحاكم و غيره عن الأصم عن أحمد بن عبد الجبار: ثنا أبو معاوية عن أبى إسحاق الشيباني عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن مسعود عن أبيه قال:

كنا مع رسول اللَّه في سفر فمررنا بشجرة فيها فرخا حمرة فأخذناهما، قال: فجاءت الحمرة إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و هي تفرّش، فقال: من فجع هذه بفرخيها؟ قال: فقلنا: نحن، قال: ردوهما، فرددناهما إلى موضعهما فلم ترجع*

حديث آخر في ذلك و فيه غرابة

قال البيهقي: أنا أبو عبد اللَّه الحافظ و محمد بن الحسين بن داود العلويّ قالا: ثنا أبو العباس محمد ابن يعقوب الأموي، ثنا محمد بن عبيد بن عتبة الكندي، ثنا محمد بن الصلت، ثنا حبان، ثنا أبو سعيد البقال، عن عكرمة، عن ابن عباس رضى اللَّه عنهما قال:

كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إذا أراد الحاجة أبعد، قال: فذهب يوما فقعد تحت سمرة و نزع خفيه، قال: و لبس أحدهما، فجاء طير فأخذ الخفّ الآخر فحلّق به في السماء. فانسلت منه أسود سالخ، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): هذه كرامة أكرمنى اللَّه بها، اللَّهمّ إني أعوذ بك من شر ما مشى على رجليه، و من شر ما يمشى على بطنه.

حديث آخر

قال البخاري: ثنا محمد بن المثنى، ثنا معاذ، حدثني أبى عن قتادة قال: حدثنا أنس بن مالك‏

____________

[ (1)] جميع ما بين الأقواس المربعة زيادة من التيمورية.

152

أن رجلين من أصحاب النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) خرجا من عند النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) و معهما مثل المصباحين بين أيديهما، فلما افترقا صار مع كل واحد منهما واحد حتى أتى أهله* و قال عبد الرزاق: أنا معمر، عن ثابت، عن أنس أن أسيد بن حضير الأنصاري و رجلا آخر من الأنصاري تحدثا عند النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) في حاجة لهما حتى ذهب من الليل ساعة، و هي ليلة شديدة الظلمة حتى خرجا من عند رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ينقلبان، و بيد كل واحد منهما عصية فأضاءت عصى أحدهما لهما حتى مشيا في ضوئها، حتى إذا افترقت بهما الطريق أضاءت للآخر عصاه حتى مشى في ضوئها حتى أتى كل واحد منهما في ضوء عصاه حتى بلغ أهله* و قد علقه البخاري. فقال: و قال معمر فذكره* و علقه البخاري أيضا عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس: أن عباد بن بشر و أسيد بن حضير خرجا من عند النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، فذكر مثله* و قد رواه النسائي عن أبى بكر بن نافع عن بشر بن أسيد، و أسنده البيهقي من طريق يزيد بن هارون كلاهما عن حماد بن سلمة به.

حديث آخر

قال البيهقي: أنا أبو عبد اللَّه الحافظ، ثنا أبو عبد اللَّه محمد بن عبد اللَّه الأصبهاني، ثنا أحمد ابن مهران، ثنا عبيد اللَّه بن موسى، أنا كامل بن العلاء، عن أبى صالح، عن أبى هريرة. قال:

كنا نصلّى مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) العشاء و كان يصلّى فإذا سجد وثب الحسن و الحسين على ظهره، فإذا رفع رأسه أخذهما فوضعهما وضعا رفيقا، فإذا عاد عادا، فلما صلّى جعل واحدا هاهنا و واحدا هاهنا، فجئته فقلت يا رسول اللَّه ألا أذهب بهما إلى أمهما؟ فبرقت برقة فقال: الحقا بأمكما، فما زالا يمشيان في ضوئها حتى دخلا.

حديث آخر

قال البخاري في التاريخ: حدثني أحمد بن الحجاج، ثنا سفيان بن حمزة، عن كثير بن يزيد، عن محمد بن حمزة بن عمرو الأسلمي عن أبيه قال: كنا مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فتفرقنا في ليلة ظلماء دحسة، فأضاءت أصابعى حتى جمعوا عليها ظهرهم و ما هلك منهم، و إن أصابعى لتنير* و رواه البيهقي من حديث إبراهيم بن المنذر الحزامي. عن سفيان بن حمزة* و رواه الطبراني من حديث إبراهيم ابن حمزة الزهري عن سفيان بن حمزة به.

حديث آخر

قال البيهقي: حدثنا أبو عبد اللَّه الحافظ، ثنا أبو محمد بن أحمد بن عبد اللَّه المدني، ثنا محمد بن عبد اللَّه الحضرميّ، ثنا أبو كريب، ثنا زيد بن الحباب، ثنا عبد الحميد بن أبى عبس الأنصاري من بنى حارثة، أخبرنى ميمون بن زيد بن أبى عبس، أخبرنى أبى أن أبا عبس، كان يصلّى مع‏

153

رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) الصلوات ثم يرجع إلى بنى حارثة، فخرج في ليلة مظلمة مطيرة، فنوّر له في عصاه حتى دخل دار بنى حارثة* قال البيهقي: أبو عبس ممن شهد بدرا. قلت: و روينا عن يزيد بن الأسود و هو من التابعين أنه كان يشهد الصلاة بجامع دمشق من جسرين فربما أضاءت له إبهام قدمه في الليلة المظلمة* و قد قدمنا في قصة إسلام الطفيل بن عمرو الدوسيّ بمكة قبل الهجرة، و أنه سأل رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) آية يدعو قومه بها، فلما ذهب إليهم و انهبط من الثنية أضاء له نور بين عينيه. فقال: اللَّهمّ [لا] يقولوا: هو مثلة. فحوله اللَّه إلى طرف سوطه حتى جعلوا يرونه مثل القنديل.

حديث آخر فيه كرامة لتميم الداريّ‏

روى الحافظ البيهقي من حديث عفان بن مسلّم عن حماد بن سلمة عن الجريريّ عن معاوية ابن حرمل قال: خرجت نار بالحرة فجاء عمر إلى تميم الداريّ فقال: قم إلى هذه النار، قال: يا أمير المؤمنين و من أنا و ما أنا؟ قال: فلم يزل به حتى قام معه، قال: و تبعتهما، فانطلقا إلى النار، فجعل تميم يحوشها بيديه حتى دخلت الشّعب و دخل تميم خلفها، قال: فجعل عمر يقول: ليس من رأى كمن لم ير، قالها ثلاثا.

حديث فيه كرامة لو لي من هذه الأمة

و هي معدودة من المعجزات لأن كل ما يثبت لو لي فهو معجزة لنبيه.

قال الحسن بن عروة: ثنا عبد اللَّه بن إدريس عن إسماعيل بن أبى خالد عن أبى سبرة النخعي، قال: أقبل رجل من اليمن فلما كان ببعض الطريق، نفق حماره فقام فتوضأ ثم صلّى ركعتين ثم قال:

اللَّهمّ إني جئت من الدفينة مجاهدا في سبيلك و ابتغاء مرضاتك، و أنا أشهد أنك تحيى الموتى و تبعث من في القبور، لا تجعل لأحد عليّ اليوم منة، أطلب إليك اليوم أن تبعث حماري، فقام الحمار ينفض أذنيه، قال البيهقي: هذا إسناد صحيح* و مثل هذا يكون كرامة لصاحب الشريعة* قال البيهقي:

و كذلك رواه محمد بن يحيى الذهلي و غيره عن محمد بن عبيد عن إسماعيل بن أبى خالد عن الشعبي و كأنه عند إسماعيل عنهما و اللَّه أعلم.

طريق أخرى‏

قال أبو بكر بن أبى الدنيا في كتاب «من عاش بعد الموت»: حدثنا إسحاق بن إسماعيل و أحمد بن بجير و غيرهما قالوا: ثنا محمد بن عبيد عن إسماعيل بن أبى خالد عن الشعبي أن قوما أقبلوا من اليمن متطوعين في سبيل اللَّه فنفق حمار رجل منهم فأرادوه أن ينطلق معهم فأبى، فقام فتوضأ و صلّى ثم قال: اللَّهمّ إني جئت من الدفينة مجاهدا في سبيلك و ابتغاء مرضاتك، و إني أشهد أنك تحيى الموتى و تبعث من في القبور، لا تجعل لأحد عليّ منة، فانى أطلب إليك أن تبعث لي حماري ثم قام‏

154

إلى الحمار فقام الحمار ينفض أذنيه فأسرجه و ألجمه، ثم ركبه و أجراه فلحق بأصحابه، فقالوا له: ما شأنك؟

قال: شأنى أن اللَّه بعث حماري* قال الشعبي: فأنا رأيت الحمار بيع أو يباع في الكناسة- يعنى بالكوفة-* قال ابن أبى الدنيا: و أخبرنى العباس بن هشام عن أبيه عن جده عن مسلّم بن عبد اللَّه بن شريك النخعي، أن صاحب الحمار رجل من النخع، يقال له نباتة بن يزيد، خرج في زمن عمر غازيا، حتى إذا كان يلقى عميرة نفق حماره فذكر القصة، غير أنه قال: فباعه بعد بالكناسة فقيل له: تبيع حمارك و قد أحياه اللَّه لك؟ قال: فكيف أصنع؟ و قد قال رجل من رهطه ثلاثة أبيات فحفظت هذا البيت:

و منا الّذي أحيا الإله حماره‏* * * و قد مات منه كل عضو و مفصل‏

و قد ذكرنا في باب رضاعه (عليه السلام)، ما كان من حمارة حليمة السعدية و كيف كانت تسبق الركب في رجوعها لما ركب معها عليها رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و هو رضيع، و قد كانت أدمت بالركب في مسيرهم إلى مكة. و كذلك ظهرت بركته عليهم في شارفهم- و هي الناقة التي كانوا يحلبونها- و شياههم و سمنهم و كثرة ألبانها، (صلوات اللَّه و سلامه عليه).

قصة أخرى مع قصة العلاء بن الحضرميّ‏

قال أبو بكر بن أبى الدنيا: حدثني خالد بن خداش بن عجلان المهلبي و إسماعيل بن بشار قالا:

ثنا صالح المزي عن ثابت البناني عن أنس بن مالك قال: عدنا شابا من الأنصار، فما كان بأسرع من أن مات فأغمضناه و مددنا عليه الثوب، و قال بعضنا لأمه: احتسبيه، قالت: و قد مات؟

قلنا: نعم، فمدت يديها إلى السماء و قالت: اللَّهمّ إني آمنت بك، و هاجرت إلى رسولك، فإذا نزلت بى شدة دعوتك ففرجتها، فأسألك اللَّهمّ لا تحمل على هذه المصيبة، قال: فكشف الثوب عن وجهه فما برحنا حتى أكلنا و أكل معنا* و قد رواه البيهقي عن أبى سعيد الماليني عن ابن عدي عن محمد ابن طاهر بن أبى الدميل عن عبد اللَّه بن عائشة عن صالح بن بشير المزني- أحد زهاد البصرة و عبادها- مع لين في حديثه عن أنس فذكر القصة و فيه أن أم السائب كانت عجوزا عمياء* قال البيهقي: و قد روى من وجه آخر مرسل- يعنى فيه انقطاع- عن ابن عدي و أنس بن مالك* ثم ساقه من طريق عيسى بن يونس عن عبد اللَّه بن عون عن أنس قال: أدركت في هذه الأمة ثلاثا لو كانت في بنى إسرائيل لما تقاسمها الأمم، قلنا: ما هي يا أبا حمزة؟ قال: كنا في الصفة عند رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فأتته امرأة مهاجرة و معها ابن لها قد بلغ، فأضاف المرأة إلى النساء و أضاف ابنها إلينا، فلم يلبث أن أصابه وباء المدينة فمرض أياما ثم قبض، فغمضه النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) و أمر بجهازه، فلما أردنا أن نغسله قال: يا أنس ائت أمه فأعلمها، فأعلمتها، قال: فجاءت حتى جلست عند قدميه فأخذت بهما ثم‏

155

قالت: اللَّهمّ إني أسلمت لك طوعا، و خالفت الأوثان زهدا، و هاجرت لك رغبة، اللَّهمّ لا تشمت بى عبدة الأوثان، و لا تحملني من هذه المصيبة ما لا طاقة لي بحملها، قال: فو اللَّه ما انقضى كلامها حتى حرك قدميه و ألقى الثوب عن وجهه و عاش حتى قبض اللَّه رسوله (صلى اللَّه عليه و سلم)، و حتى هلكت أمه* قال: ثم جهز عمر بن الخطاب جيشا و استعمل عليهم العلاء بن الحضرميّ، قال أنس: و كنت في غزاته فأتينا مغازينا فوجدنا القوم قد بدروا بنا فعفوا آثار الماء، و الحر شديد، فجهدنا العطش و دوابنا و ذلك يوم الجمعة، فلما مالت الشمس لغروبها صلّى بنا ركعتين ثم مد يده إلى السماء، و ما نرى في السماء شيئا. قال: فو اللَّه ما حط يده حتى بعث اللَّه ريحا و أنشأ سحابا و أفرغت حتى ملأت الغدر و الشعاب، فشربنا و سقينا ركابنا و استقينا، ثم أتينا عدونا و قد جاوزوا خليجا في البحر إلى جزيرة، فوقف على الخليج و قال: يا على، يا عظيم، يا حليم، يا كريم، ثم قال: أجيزوا بسم اللَّه، قال: فأجزنا ما يبل الماء حوافر دوابنا، فلم نلبث إلا يسيرا فأصبنا العدو عليه فقتلنا و أسرنا و سبينا، ثم أتينا الخليج، فقال مثل مقالته، فأجزنا ما يبل الماء حوافر دوابنا، قال: فلم نلبث إلا يسيرا حتى رمى في جنازته، قال:

فحفرنا له و غسلناه و دفناه، فأتى رجل بعد فراغنا من دفنه فقال: من هذا؟ فقلنا: هذا خير البشر، هذا ابن الحضرميّ، فقال: إن هذه الأرض تلفظ الموتى، فلو نقلتموه إلى ميل أو ميلين، إلى أرض تقبل الموتى، فقلنا: ما جزاء صاحبنا أن نعرضه للسباع تأكله، قال: فاجتمعنا على نبشه، فلما وصلنا إلى اللحد إذا صاحبنا ليس فيه، و إذا اللحد مد البصر نور يتلألأ، قال: فأعدنا التراب إلى اللحد ثم ارتحلنا* قال البيهقي (رحمه اللَّه): و قد روى عن أبى هريرة في قصة العلاء بن الحضرميّ في استسقائه و مشيهم على الماء دون قصة الموت بنحو من هذا* و ذكر البخاري في التاريخ لهذه القصة إسنادا آخر، و قد أسنده ابن أبى الدنيا عن أبى كريب عن محمد بن فضيل عن الصلت بن مطر العجليّ عن عبد الملك بن سهم عن سهم بن منجاب قال: غزونا مع العلاء بن الحضرميّ، فذكره.

و قال في الدعاء: يا عليم، يا حليم، يا على، يا عظيم، إنا عبيدك و في سبيلك نقاتل عدوك، اسقنا غيثا نشرب منه و نتوضأ، فإذا تركناه فلا تجعل لأحد فيه نصيبا غيرنا، و قال في البحر: اجعل لنا سبيلا إلى عدوك، و قال في الموت: أخف جثتي و لا تطلع على عورتي أحدا فلم يقدر عليه* و اللَّه أعلم.

قصة أخرى‏

قال البيهقي: أنا الحسين بن بشران، أنا إسماعيل الصفار، ثنا الحسن بن على بن عثمان، ثنا ابن نمير عن الأعمش عن بعض أصحابه قال: انتهينا إلى دجلة و هي مادة و الأعاجم خلفها، فقال رجل من المسلمين: بسم اللَّه، ثم اقتحم بفرسه فارتفع على الماء، فقال الناس: بسم اللَّه ثم اقتحموا فارتفعوا على الماء فنظر إليهم الأعاجم و قالوا: ديوان ديوان، ثم ذهبوا على وجوههم* قال: فما فقد

156

الناس إلا قدحا كان معلقا بعذبة سرج، فلما خرجوا أصابوا الغنائم فاقتسموها فجعل الرجل يقول:

من يبادل صفراء ببيضاء؟.

قصة أخرى‏

قال البيهقي: أنا أبو عبد الرحمن السلمي، أنا أبو عبد اللَّه بن محمد السمري، ثنا أبو العباس السراج، ثنا الفضل بن سهل و هارون بن عبد اللَّه قالا: ثنا أبو النضر، ثنا سليمان بن المغيرة أن أبا مسلّم الخولانيّ جاء إلى دجلة و هي ترمى بالخشب من مدّها، فمشى على الماء و التفت إلى أصحابه و قال: هل تفقدون من متاعكم شيئا فندعو اللَّه عز و جل؟ قال البيهقي: هذا إسناد صحيح. قلت: و ستأتي قصة مسلّم الخولانيّ- و اسمه عبد اللَّه بن ثوب- مع الأسود العنسيّ حين ألقاه في النار فكانت عليه بردا و سلاما كما كانت على الخليل إبراهيم (عليه السلام).

قصة زيد بن خارجة و كلامه بعد الموت‏

و شهادته بالرسالة لمحمد (صلى اللَّه عليه و سلم) و بالخلافة لأبى بكر الصديق ثم لعمر ثم لعثمان رضى اللَّه عنهم.

قال الحافظ أبو بكر البيهقي: أنا أبو صالح بن أبى طاهر العنبري، أنا جدي يحيى بن منصور القاضي، ثنا أبو على بن محمد بن عمرو بن كشمرد، أنا القعنبي، أنا سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أن زيد بن خارجة الأنصاري ثم من بنى الحارث بن الخزرج توفى زمن عثمان ابن عفان فسجى بثوبه، ثم إنهم سمعوا جلجلة في صدره ثم تكلم ثم قال: أحمد أحمد في الكتاب الأول، صدق صدق أبو بكر الصديق الضعيف في نفسه القوى في أمر اللَّه، في الكتاب الأول، صدق صدق عمر بن الخطاب القوى الأمين في الكتاب الأول، صدق صدق عثمان بن عفان على منهاجهم مضت أربع و بقيت ثنتان أتت بالفتن، و أكل الشديد الضعيف و قامت الساعة و سيأتيكم عن جيشكم خبر، بئر أريس، و ما بئر أريس* قال يحيى: قال سعيد: ثم هلك رجل من بنى خطمة فسجى بثوبه، فسمع جلجلة في صدره، ثم تكلم فقال: إن أخا بنى الحارث بن الخزرج صدق صدق* ثم رواه البيهقي عن الحاكم عن أبى بكر بن إسحاق عن موسى بن الحسن عن القعنبي فذكره و قال:

هذا إسناد صحيح و له شواهد* ثم ساقه من طريق أبى بكر عبد اللَّه بن أبى الدنيا في كتاب «من عاش بعد الموت»: حدثنا أبو مسلّم عبد الرحمن بن يونس، ثنا عبد اللَّه بن إدريس عن إسماعيل بن أبى خالد. قال: جاء يزيد بن النعمان بن بشير إلى حلقة القاسم بن عبد الرحمن بكتاب أبيه النعمان ابن بشير- يعنى إلى أمه- بسم اللَّه الرحمن الرحيم من النعمان بن بشير إلى أم عبد اللَّه بنت أبى هاشم، سلام عليك فانى أحمد إليك اللَّه الّذي لا إله إلا هو فإنك كتبت إليّ لأكتب إليك بشأن زيد بن خارجة، و أنه كان من شأنه أنه أخذه وجع في حلقه- و هو يومئذ من أصح الناس أو أهل‏

157

المدينة- فتوفى بين صلاة الأولى و صلاة العصر فأضجعناه لظهره و غشيناه ببردين و كساء، فأتانى آت في مقامي، و أنا أسبح بعد المغرب فقال: إن زيدا قد تكلم بعد وفاته، فانصرفت إليه مسرعا، و قد حضره قوم من الأنصار، و هو يقول أو يقال على لسانه: الأوسط أجلد الثلاثة الّذي كان لا يبالي في اللَّه لومة لائم، كان لا يأمر الناس أن يأكل قويهم ضعيفهم، عبد اللَّه أمير المؤمنين صدق صدق كان ذلك في الكتاب الأول. ثم قال: عثمان أمير المؤمنين و هو يعافى الناس من ذنوب كثيرة، خلت اثنتان و بقي أربع، ثم اختلف الناس و أكل بعضهم بعضا فلا نظام و أنتجت الأكماء، ثم ارعوى المؤمنين [ (1)] و قال: كتاب اللَّه و قدره، أيها الناس: أقبلوا على أميركم و اسمعوا و أطيعوا، فمن تولى فلا يعهدن دما و كان أمر اللَّه قدرا مقدورا، اللَّه أكبر هذه الجنة و هذه النار، و يقول النبيون و الصديقون: سلام عليكم: يا عبد اللَّه بن رواحة هل أحسست لي خارجة لأبيه و سعدا اللذين قتلا يوم أحد؟ (كلا إنها لظى نزاعة للشوى تدعو من أدبر و تولى و جمع فأوعى) ثم خفت صوته، فسألت الرهط عما سبقني من كلامه، فقالوا: سمعناه يقول: أنصتوا أنصتوا، فنظر بعضنا إلى بعض فإذا الصوت من تحت الثياب، قال: فكشفنا عن وجهه فقال: هذا أحمد رسول اللَّه، سلام عليك يا رسول اللَّه و رحمة اللَّه و بركاته، ثم قال: أبو بكر الصديق الأمين، خليفة رسول اللَّه كان ضعيفا في جسمه، قويا في أمر اللَّه صدق صدق و كان في الكتاب الأول* ثم رواه الحافظ البيهقي عن أبى نصر بن قتادة عن أبى عمرو بن بجير عن على بن الحسين عن المعافى بن سليمان عن زهير بن معاوية عن إسماعيل بن أبى خالد فذكره و قال: هذا إسناد صحيح* [و قد روى هشام بن عمار في كتاب البعث عن الوليد بن مسلّم عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال: حدثني عمير بن هانئ، حدثني النعمان بن بشير قال: توفى رجل منا يقال له: خارجة بن زيد فسجينا عليه ثوبا، فذكر نحو ما تقدم‏]* قال:

البيهقي: و روى ذلك عن حبيب بن سالم عن النعمان بن بشير و ذكر بئر أريس، كما ذكرنا في رواية ابن المسيب. قال البيهقي: و الأمر فيها أن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) اتخذ خاتما فكان في يده، ثم كان في يد أبى بكر من بعده، ثم كان في يد عمر، ثم كان في يد عثمان حتى وقع منه في بئر أريس، بعد ما مضى من خلافته ست سنين فعند ذلك تغيرت عماله، و ظهرت أسباب الفتن كما قيل على لسان زيد بن خارجة. قلت:

و هي المرادة من قوله مضت اثنتان و بقي أربع أو مضت أربع و بقي اثنتان، على اختلاف الرواية و اللَّه أعلم* و قد قال البخاري في التاريخ: زيد بن خارجة الخزرجي الأنصاري شهد بدرا، توفى زمن عثمان و هو الّذي تكلم بعد الموت* قال البيهقي: و قد روى في التكلم بعد الموت عن جماعة بأسانيد صحيحة و اللَّه أعلم* قال ابن أبى الدنيا: ثنا خلف بن هشام البزار، ثنا خالد الطحان عن حصين‏

____________

[ (1)] كذا بالأصول التي بأيدينا و لعلها «المؤمنون».

158

عن عبد اللَّه بن عبيد الأنصاري أن رجلا من بنى سلمة تكلم فقال: محمد رسول اللَّه، أبو بكر الصديق، عثمان اللين الرحيم، قال: و لا أدرى أيش قال في عمر* كذا رواه ابن أبى الدنيا في كتابه، و قد قال الحافظ البيهقي: أنا أبو سعيد بن أبى عمرو، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا يحيى بن أبى طالب، أنا عليّ بن عاصم، أنا حصين بن عبد الرحمن عن عبد اللَّه بن عبيد الأنصاري قال:

بينما هم يثورون القتلى يوم صفين أو يوم الجمل، إذ تكلم رجل من الأنصار من القتلى، فقال: محمد رسول اللَّه أبو بكر الصديق عمر الشهيد عثمان الرحيم ثم سكت* [و قال هشام بن عمار في كتاب البعث.

باب في كلام الأموات و عجائبهم‏

حدثنا الحكم بن هشام الثقفي، حدثنا عبد الحكم بن عمير عن ربعي بن خراش العبسيّ قال:

مرض أخى الربيع بن خراش فمرضته ثم مات فذهبنا نجهزه، فلما جئنا رفع الثوب عن وجهه ثم قال:

السلام عليكم، قلنا: و عليك السلام، قدمت، قال: بلى و لكن لقيت بعدكم ربى و لقيني بروح و ريحان و رب غير غضبان، ثم كساني ثيابا من سندس أخضر، و إني سألته أن يأذن لي أن أبشركم فأذن لي، و إن الأمر كما ترون، فسددوا و قاربوا، و بشروا و لا تنفروا، فلما قالها كانت كحصاة وقعت في ماء* ثم أورد بأسانيد كثيرة في هذا الباب و هي آخر كتابه‏]. [ (1)]

حديث غريب جدا

قال البيهقي: أنا عليّ بن أحمد بن عبدان، ثنا أحمد بن عبيد الصفار، ثنا محمد بن يونس الكديمي، ثنا شاصونة بن عبيد أبو محمد اليماني- و انصرفنا من عدن بقرية يقال لها الحردة- حدثني معرض بن عبد اللَّه بن معرض بن معيقيب اليماني عن أبيه عن جده قال:

حججت حجة الوداع فدخلت دارا بمكة فرأيت فيها رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و وجهه مثل دارة القمر، و سمعت منه عجبا، جاءه رجل بغلام يوم ولد فقال له رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): من أنا؟ قال: أنت رسول اللَّه، قال: صدقت، بارك اللَّه فيك، ثم قال: إن الغلام لم يتكلم بعد ذلك حتى شبّ،

قال أبى: فكنا نسميه مبارك اليمامة، قال شاصونة: و قد كنت أمرّ على معمر فلا أسمع منه. قلت: هذا الحديث مما تكلم الناس في محمد ابن يونس الكديمي بسببه و أنكروه عليه و استغربوا شيخه هذا، و ليس هذا مما ينكر عقلا و لا شرعا، فقد ثبت في الصحيح في قصة جريج العابد أنه أستنطق ابن تلك البغي، فقال له: يا أبا يونس، ابن من أنت؟ قال: ابن الراعي، فعلم بنو إسرائيل براءة عرض جريج مما كان نسب إليه*

____________

[ (1)] ما بين الأقواس المربعة زيادة من التيمورية.

159

و قد تقدم ذلك. على أنه قد روى هذا الحديث من غير طريق الكديمي إلا أنه باسناد غريب أيضا*

قال البيهقي: أنا أبو سعد عبد الملك بن أبى عثمان الزاهد، أنا أبو الحسين محمد بن أحمد ابن جميع الغساني- بثغر صيدا-، ثنا العباس بن محبوب بن عثمان بن عبيد أبو الفضل، ثنا أبى، ثنا جدي شاصونة بن عبيد، حدثني معرض بن عبد اللَّه بن معيقيب عن أبيه عن جده. قال:

حججت حجة الوداع فدخلت دارا بمكة فرأيت فيها رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) وجهه كدارة القمر، فسمعت منه عجبا أتاه رجل من أهل اليمامة بغلام يوم ولد و قد لفه في خرقة، فقال له رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): يا غلام من أنا؟

قال: أنت رسول اللَّه، فقال له: بارك اللَّه فيك، ثم إن الغلام لم يتكلم بعدها.

قال البيهقي: و قد ذكره شيخنا أبو عبد اللَّه الحافظ عن أبى الحسن على بن العباس الوراق عن أبى الفضل أحمد بن خلف بن محمد المقري القزويني عن أبى الفضل العباس بن محمد بن شاصونة به*

قال الحاكم: و قد أخبرنى الثقة من أصحابنا عن أبى عمر الزاهد قال: لما دخلت اليمن دخلت حردة. فسألت عن هذا الحديث فوجدت فيها لشاصونة عقبا، و حملت إلى قبره فزرته* قال البيهقي: و لهذا الحديث أصل من حديث الكوفيين باسناد مرسل يخالفه في وقت الكلام. ثم أورد من‏

حديث وكيع عن الأعمش عن شمر بن عطية، عن بعض أشياخه‏

أن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) أتى بصبىّ قد شب لم يتكلم قط، قال: من أنا؟ قال: أنت رسول اللَّه.

ثم روى عن الحاكم عن الأصم عن أحمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير عن الأعمش عن شمر بن عطية عن بعض أشياخه قال:

جاءت امرأة بابن لها قد تحرك فقالت: يا رسول اللَّه، إن ابني هذا لم يتكلم منذ ولد، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): ادنيه منى، فأدنته منه، فقال: من أنا؟ فقال: أنت رسول اللَّه.

قصة الصبى الّذي كان يصرع فدعا له (عليه السلام) فبرأ

قد تقدم ذلك من رواية أسامة بن زيد و جابر بن عبد اللَّه و يعلى بن مرة الثقفي مع قصة الجمل الحديث بطوله. و قال الامام أحمد: حدثنا يزيد، ثنا حماد بن سلمة عن فرقد السنجى عن سعيد بن جبير بن عباس أن امرأة جاءت بولدها إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقالت: يا رسول اللَّه إن به لمما و انه يأخذه عند طعامنا فيفسد علينا طعامنا، قال: فمسح رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) صدره و دعا له فثع ثعة فخرج منه مثل الجر و الأسود يسعى، تفرد به أحمد. و فرقد السنجى رجل صالح و لكنه سيئ الحفظ، و قد روى عنه شعبة و غير واحد و احتمل حديثه و لما رواه هاهنا شاهد مما تقدم و اللَّه أعلم* و قد تكون هذه القصة هي كما سبق إيرادها و يحتمل أن تكون أخرى غيرها و اللَّه أعلم.

حديث آخر في ذلك‏

قال أبو بكر البزار: ثنا محمد بن مرزوق، ثنا مسلّم بن إبراهيم، ثنا صدقة- يعنى ابن موسى-

160

ثنا فرقد- يعنى السنجى- عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال:

كان النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) بمكة فجاءته امرأة من الأنصار فقالت: يا رسول اللَّه إن هذا الخبيث قد غلبني، فقال لها: إن تصبرى على ما أنت عليه تجيئين يوم القيامة ليس عليك ذنوب و لا حساب، قالت: و الّذي بعثك بالحق لأصبرن حتى ألقى اللَّه،

قالت: إني أخاف الخبيث أن يجردنى، فدعا لها فكانت إذا خشيت أن يأتيها تأتى أستار الكعبة فتعلق بها و تقول له: اخسأ، فيذهب عنها. قال البزار: لا نعلمه يروى بهذا اللفظ إلا من هذا الوجه، و صدقة ليس به بأس، و فرقد حدث عنه جماعة من أهل العلم، منهم شعبة و غيره و احتمل حديثه على سوء حفظه فيه.

طريق أخرى عن ابن عباس‏

قال الامام أحمد: حدثنا يحيى بن عمران أبى بكر، ثنا عطاء بن أبى رباح قال: قال لي ابن عباس:

ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت: بلى، قال: هذه السوداء أتت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقالت: إني أصرع و أنكشف فادع اللَّه لي، قال: إن شئت صبرت و لك الجنة، و إن شئت دعوت اللَّه لك أن يعافيك، قالت: لا بل أصبر فادع اللَّه ألا أنكشف و لا ينكشف عنى، قال:

فدعا لها*

و هكذا رواه البخاري عن مسدد عن يحيى- و هو ابن سعيد القطان- و أخرجه مسلّم عن القواريري عن يحيى القطان و بشر بن الفضل كلاهما عن عمران بن مسلّم أبى بكر الفقيه البصري عن عطاء بن أبى رباح عن ابن عباس فذكر مثله‏

* ثم قال البخاري: حدثنا محمد، ثنا مخلد عن ابن جريج قال: أخبرنى عطاء أنه رأى أم زفر تلك امرأة طويلة سوداء على ستر الكعبة* و قد ذكر الحافظ ابن الأثير في الغاية أن أم زفر هذه كانت مشاطة خديجة بنت خويلد قديما، و أنها عمرت حتى أدركها عطاء بن أبى رباح فاللَّه أعلم.

حديث آخر

قال البيهقي: أنا على بن أحمد بن عبدان، أنا أحمد بن عبيد، ثنا محمد بن يونس، ثنا قرة بن حبيب الضوى، ثنا إياس بن أبى تميمة عن عطاء عن أبى هريرة قال:

جاءت الحمى إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقالت: يا رسول اللَّه ابعثني إلى أحبّ قومك إليك أو أحب أصحابك إليك، شك قرة، فقال: اذهبي إلى الأنصار، فذهبت إليهم فصرعتهم، فجاءوا إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقالوا: يا رسول اللَّه قد أتت الحمى علينا فادع اللَّه لنا بالشفاء فدعا لهم، فكشفت عنهم، قال: فاتبعته امرأة فقالت: يا رسول اللَّه ادع اللَّه لي، فانى لمن الأنصار فادع اللَّه لي كما دعوت لهم، فقال: أيهما أحب إليك أن أدعو لك فيكشف عنك، أو تصبرين و تجب لك الجنة؟ فقالت: لا و اللَّه يا رسول اللَّه بل أصبر ثلاثا و لا أجعل و اللَّه لجنته خطرا*

محمد بن يونس الكديمي ضعيف*

و قد قال البيهقي: أنا على‏

161

ابن أحمد بن عبدان، أنا أحمد بن عبيد الصفار، ثنا عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل، ثنا أبى، ثنا هشام ابن لاحق- سنة خمس و ثمانين و مائة- ثنا عاصم الأحول عن أبى عثمان النهدي عن سلمان الفارسي قال:

استأذنت الحمى على رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فقال: من أنت؟ قالت: أنا الحمى، أبري اللحم، و أمص الدم، قال: اذهبي إلى أهل قباء، فأتتهم فجاءوا إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و قد اصفرت وجوههم، فشكوا إليه الحمى فقال لهم: ما شئتم؟ إن شئتم دعوت اللَّه فيكشف عنكم، و إن شئتم تركتموها فأسقطت ذنوبكم، قالوا: بل ندعها يا رسول اللَّه*

و هذا الحديث ليس هو في مسند الامام أحمد و لم يروه أحد من أصحاب الكتب الستة. و قد ذكرنا في أول الهجرة دعاءه (عليه السلام) لأهل المدينة أن يذهب حماها إلى الجحفة، فاستجاب اللَّه له ذلك فان المدينة كانت من أوبإ أرض اللَّه فصححها اللَّه ببركة حلوله بها، و دعائه لأهلها (صلوات اللَّه و سلامه عليه).

حديث آخر في ذلك‏

قال الامام أحمد: ثنا روح، ثنا شعبة عن أبى جعفر المديني سمعت عمارة بن خزيمة بن ثابت يحدث عن عثمان بن حنيف:

أن رجلا ضريرا أتى النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فقال: يا رسول اللَّه ادع اللَّه أن يعافيني، فقال: إن شئت أخرت ذلك فهو أفضل لآخرتك، و إن شئت دعوت لك قال: لا، بل ادع اللَّه لي، قال: فأمره رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أن يتوضأ و يصلّى ركعتين، و أن يدعو بهذا الدعاء: اللَّهمّ إني أسألك و أتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك في حاجتي هذه فتقضى و تشفعني فيه و تشفعه فىّ. قال: فكان يقول هذا مرارا. ثم قال بعد: أحسب أن فيها أن تشفعني فيه، قال:

ففعل الرجل فبرأ.

و قد رواه أحمد أيضا عن عثمان بن عمرو عن شعبة به.

و قال: اللَّهمّ شفعه فىّ، و لم يقل الأخرى، و كأنها غلط من الراويّ و اللَّه أعلم* و هكذا رواه الترمذي و النسائي عن محمود بن غيلان، و ابن ماجة عن أحمد بن منصور بن سيار، كلاهما عن عثمان بن عمرو. و قال الترمذي: حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن جعفر الخطميّ* ثم رواه أحمد أيضا عن مؤمل بن حماد ابن سلمة بن أبى جعفر الخطميّ عن عمارة بن خزيمة عن عثمان بن حنيف فذكر الحديث* و هكذا رواه النسائي عن محمد بن معمر عن حبان عن حماد بن سلمة به* ثم رواه النسائي عن زكريا بن يحيى عن محمد بن المثنى عن معاذ بن هشام عن أبيه عن أبى جعفر عن أبى أمامة بن سهل بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف* و هذه الرواية تخالف ما تقدم، و لعله عند أبى جعفر الخطميّ من الوجهين و اللَّه عمه عثمان بن حنيف* و هذه الرواية تخالف ما تقدم، و لعله عند أبى جعفر الخطميّ من الوجهين و اللَّه أعلم*

و قد روى البيهقي و الحاكم من حديث يعقوب بن سفيان عن أحمد بن شبيب عن سعيد الحنطبى عن أبيه عن روح بن القاسم عن أبى جعفر المديني عن أبى أمامة بن سهل بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف قال: سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)

و جاءه رجل ضرير، فشكا إليه ذهاب بصره،

162

فقال: يا رسول اللَّه ليس لي قائد و قد شق عليّ، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ائت الميضأة فتوضأ ثم صلّ ركعتين ثم قال: اللَّهمّ إني أسألك و أتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربى فينجلي بصرى، اللَّهمّ فشفعه فىّ و شفعنى في نفسي.

قال عثمان: فو اللَّه ما تفرقنا، و لا طال الحديث بنا حتى دخل الرجل كأنه لم يكن به ضر قط* قال البيهقي: و رواه أيضا هشام الدستوائى عن أبى جعفر عن أبى أمامة بن سهل عن عمه عثمان بن حنيف.

حديث آخر

قال أبو بكر بن أبى شيبة: ثنا محمد بن بشر، ثنا عبد العزيز بن عمر، حدثني رجل من بنى سلامان و بنى سعد عن أبيه عن خاله أو أن خاله أو خالها حبيب بن مريط حدثها أن أباه خرج إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و عيناه مبيضتان لا يبصر بهما شيئا أصلا، فسأله: ما أصابك؟ فقال كنت أرعى جملا لي فوقعت رجلي على بطن حية فأصبت ببصرى، قال: فنفث رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في عينيه فأبصر، فرأيته و إنه ليدخل الخيط في الابرة و إنه لابن ثمانين سنة، و إن عينيه لمبيضتان* قال البيهقي: كذا في كتابه: و غيره يقول، حبيب بن مدرك، قال: و قد مضى في هذا المعنى حديث قتادة بن النعمان أنه أصيبت عينه فسالت حدقته فردها رسول اللَّه إلى موضعها، فكان لا يدرى أيهما أصيبت، قلت:

و قد تقدم ذلك في غزوة أحد، و قد ذكرنا في مقتل أبى رافع مسحه بيده الكريمة على رجل جابر [ (1)] بن عتيك- و قد انكسر ساقه- فبرأ من ساعته* و ذكر البيهقي باسناده: أنه (صلى اللَّه عليه و سلم) مسح يد محمد بن حاطب- و قد احترقت يده بالنار- فبرأ من ساعته، و أنه (عليه السلام) نفث في كف شرحبيل الجعفي فذهبت من كفه سلعة كانت به* قلت: و تقدم في غزوة خيبر تفله في عيني على و هو أرمد فبرأ* و روى الترمذي عن عليّ حديثه في تعليمه (عليه السلام) ذلك الدعاء لحفظ القرآن فحفظه* و في الصحيح أنه قال لأبى هريرة و جماعة: من يبسط رداءه اليوم فإنه لا ينسى شيئا من مقالتي، قال: فبسطته فلم أنس شيئا من مقالته تلك، فقيل: كان ذلك حفظا من أبى هريرة لكل ما سمعه منه في ذلك اليوم، و قيل: و في غيره فاللَّه أعلم* و دعا لسعد بن أبى وقاص فبرأ* و روى البيهقي أنه دعا لعمه أبى طالب في مرضة مرضها و طلب من رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أن يدعو له ربه فدعا له فبرأ من ساعته* و الأحاديث في هذا كثيرة جدا يطول استقصاؤها. و قد أورد البيهقي من هذا النوع كثيرا طيبا أشرنا إلى أطراف منه و تركنا أحاديث ضعيفة الاسناد و اكتفينا بما أوردنا عما تركنا و باللَّه المستعان.

حديث آخر

ثبت في الصحيحين من حديث زكريا بن أبى زائدة، زاد مسلّم و المغيرة كلاهما عن شراحيل‏

____________

[ (1)] في التيمورية «عبد اللَّه».

163

الشعبي عن جابر بن عبد اللَّه أنه كان يسير على جمل قد أعيا. فأراد أن يسيبه، قال: فلحقني رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فضربه و دعا لي، فسار سيرا لم يسر مثله،

و في رواية

فما زال بين يدي الإبل قدامها حتى كنت أحبس خطامه فلا أقدر عليه، فقال: كيف ترى جملك؟ فقلت: قد أصابته بركتك يا رسول اللَّه،

ثم ذكر أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) اشتراه منه، و اختلف الرواة في مقدار ثمنه على روايات كثيرة، و أنه استثنى حملانه إلى المدينة، ثم لما قدم المدينة جاءه بالجمل فنقده ثمنه و زاده ثم أطلق له الجمل أيضا، الحديث بطوله.

حديث آخر

روى البيهقي و اللفظ له، و هو في صحيح البخاري من حديث حسن بن محمد المروزي عن جرير ابن حازم عن محمد بن سيرين عن أنس بن مالك. قال: فزع الناس فركب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فرسا لأبى طلحة بطيئا ثم خرج يركض وحده، فركب الناس يركضون خلف رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم). فقال:

لن تراعوا إنه لبحر، قال فو اللَّه ما سبق بعد ذلك اليوم.

حديث آخر

قال البيهقي: أنا أبو بكر القاضي، أنا حامد بن محمد الهروي، ثنا على بن عبد العزيز، ثنا محمد بن عبد اللَّه الرقاشيّ، ثنا رافع بن سلمة بن زياد، حدثني عبد اللَّه بن أبى الجعد عن جعيل الأشجعي، قال:

غزوت مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في بعض غزواته و أنا على فرس لي عجفاء ضعيفة، قال: فكنت في أخريات الناس، فلحقني رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم). و قال: سر يا صاحب الفرس، فقلت: يا رسول اللَّه عجفاء ضعيفة، قال: فرفع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) مخفقة [ (1)] معه فضربها بها و قال: اللَّهمّ بارك له،

قال: فلقد رأيتني أمسك برأسها أن تقدم الناس، و لقد بعت من بطنها باثني عشر ألفا* و رواه النسائي عن محمد ابن رافع عن محمد بن عبد اللَّه الرقاشيّ فذكره، و هكذا رواه أبو بكر بن أبى خيثمة عن عبيد بن يعيش عن زيد بن الخباب عن رافع بن سلمة الأشجعي فذكره* و قال البخاري في التاريخ: و قال رافع بن زياد بن الجعد بن أبى الجعد: حدثني أبى عبد اللَّه بن أبى الجعد أخى سالم عن جعيل فذكره.

حديث آخر

قال البيهقي: أنا أبو الحسين بن الفضل القطان ببغداد، أنا أبو سهل بن زياد القطان، ثنا محمد ابن شاذان الجوهري، حدثنا زكريا بن عدي، ثنا مروان بن معاوية عن يزيد بن كيسان عن أبى حازم عن أبى هريرة قال:

جاء رجل إلى النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فقال: إني تزوجت امرأة، فقال: هلا نظرت إليها فان في أعين الأنصار شيئا؟ قال: قد نظرت إليها، قال: على كم تزوجتها؟ فذكر شيئا،

قال‏

____________

[ (1)] المخفقة: الدرّة.

164

كأنهم ينحتون الذهب و الفضة من عرض هذه الجبال، ما عندنا اليوم شي‏ء نعطيكه، و لكن سأبعثك في وجه تصيب فيه، فبعث بعثا إلى بنى عبس و بعث الرجل فيهم، فأتاه فقال: يا رسول اللَّه أعيتني ناقتي أن تنبعث، قال: فناوله رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يده كالمعتمد عليه للقيام، فأتاها فضربها برجله، قال أبو هريرة: و الّذي نفسي بيده لقد رأيتها تسبق به القائد* رواه مسلّم في الصحيح عن يحيى بن معين عن مروان.

حديث آخر

قال البيهقي: أنا أبو زكريا بن أبى إسحاق المزني، أنا أبو عبد اللَّه محمد بن يعقوب، ثنا أبو أحمد محمد بن عبد الوهاب، أنا أبو جعفر بن عون، أنا الأعمش عن مجاهد

أن رجلا اشترى بعيرا فأتى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقال: إني اشتريت بعيرا فادع اللَّه أن يبارك لي فيه، فقال: اللَّهمّ بارك له فيه، فلم يلبث الا يسيرا أن نفق، ثم اشترى بعيرا آخر فأتى به رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقال: إني اشتريت بعيرا فادع اللَّه أن يبارك لي فيه، فقال: اللَّهمّ بارك له فيه، فلم يلبث حتى نفق، ثم اشترى بعيرا آخر فأتى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقال: يا رسول اللَّه قد اشتريت بعيرين فدعوت اللَّه أن يبارك لي فيهما فادع اللَّه أن يحملني عليه، فقال: اللَّهمّ احمله عليه،

فمكث عنده عشرين سنة* قال البيهقي: و هذا مرسل و دعاؤه (عليه السلام) صار إلى أمر الآخرة في المرتين الأوليين.

حديث آخر

قال الحافظ البيهقي: أنا أبو عبد الرحمن السلمي، أنا إسماعيل بن عبد اللَّه الميكالى، ثنا على بن سعد العسكري، أنا أبو أمية عبد اللَّه بن محمد بن خلاد الواسطي، ثنا يزيد بن هارون، أنا المستلم بن سعيد، ثنا حبيب بن عبد الرحمن بن حبيب بن أساف عن أبيه عن جده حبيب بن أساف قال:

أتيت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، أنا و رجل من قومي في بعض مغازيه فقلنا: إنا نشتهي أن نشهد معك مشهدا، قال: أسلمتم؟ قلنا: لا، قال: فانا لا نستعين بالمشركين على المشركين، قال: فأسلمنا،

و شهدت مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فأصابتني ضربة على عاتقي فجافتنى، فتعلقت يدي، فأتيت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فتفل فيها و ألزقها فالتأمت و برأت و قتلت الّذي ضربني، ثم تزوجت ابنة الّذي قتلته و ضربني، فكانت تقول: لا عدمت رجلا و شحك هذا الوشاح، فأقول: لا عدمت رجلا أعجل أباك إلى النار* و قد روى الامام أحمد هذا الحديث عن يزيد بن هارون باسناده مثله و لم يذكر فتفل فيها فبرأت.

حديث آخر

ثبت في الصحيحين من حديث أبى النضر هاشم بن القاسم عن ورقاء بن عمر السكرى عن عبد اللَّه بن يزيد عن ابن عباس، قال:

أتى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) الخلاء فوضعت له وضوءا فلما خرج قال:

165

من صنع هذا؟ قالوا: ابن عباس، قال: اللَّهمّ فقهه في الدين*

و روى البيهقي عن الحاكم و غيره عن الأصم عن عباس الدورقي عن الحسن بن موسى الأسيب عن زهير عن عبد اللَّه بن عثمان بن خيثم عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس‏

أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) وضع يده على كتفي- أو قال: منكبى، شك سعيد- ثم قال: اللَّهمّ فقهه في الدين و علمه التأويل،

و قد استجاب اللَّه لرسوله (صلى اللَّه عليه و سلم) هذه الدعوة في ابن عمه، فكان إماما يهتدى بهداه و يقتدى بسناه في علوم الشريعة، و لا سيما في علم التأويل و هو التفسير، فإنه انتهت إليه علوم الصحابة قبله، و ما كان عقله من كلام ابن عمه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)* و قد قال الأعمش عن أبى الضحى عن مسروق قال: قال عبد اللَّه بن مسعود: لو أن ابن عباس أدرك أسناننا ما عاشره أحد منا، و كان يقول لهم: نعم ترجمان القرآن ابن عباس* هذا و قد تأخرت وفاة ابن عباس عن وفاة عبد اللَّه بن مسعود ببضع و ثلاثين سنة، فما ظنك بما حصله بعده في هذه المدة؟ و قد روينا عن بعض أصحابه أنه قال: خطب الناس ابن عباس في عشية عرفة ففسر لهم سورة البقرة، أو قال سورة، ففسرها تفسيرا لو سمعه الروم و الترك و الديلم لأسلموا، رضى اللَّه عنه و أرضاه.

حديث آخر

ثبت في الصحيح أنه (عليه السلام) دعا لأنس بن مالك بكثرة المال و الولد، فكان كذلك حتى روى الترمذي عن محمود بن غيلان عن أبى داود الطيالسي عن أبى خلدة، قال: قلت لأبى العالية: سمع أنس من النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)؟ فقال: خدمه عشر سنين و دعا له، و كان له بستان يحمل في السنة الفاكهة مرتين، و كان فيه ريحان يجي‏ء منه ريح المسك* و قد روينا في الصحيح أنه ولد له لصلبه قريب من مائة أو ما ينيف عليها، و

في رواية: أنه (صلى اللَّه عليه و سلم)، قال:

اللَّهمّ أطل عمره، فعمر مائة،

و قد دعا (صلى اللَّه عليه و سلم) لأم سليم و لأبى طلحة في غابر ليلتهما، فولدت له غلاما سماه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) عبد اللَّه، فجاء من صلبه تسعة كلهم قد حفظ القرآن، ثبت ذلك في الصحيح* و ثبت في صحيح مسلّم من حديث عكرمة بن عمار عن أبى كثير العنبري عن أبى هريرة أنه سأل من رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أن يدعو لأمه فيهديها اللَّه فدعا لها، فذهب أبو هريرة فوجد أمه تغتسل خلف الباب فلما فرغت قالت: أشهد أن لا إله إلا اللَّه، و أشهد أن محمدا رسول اللَّه، فجعل أبو هريرة يبكى من الفرح، ثم ذهب فأعلم بذلك رسول اللَّه، و سأل منه أن يدعو لهما أن يحببهما اللَّه إلى عباده المؤمنين فدعا لهما، فحصل ذلك. قال أبو هريرة: فليس مؤمن و لا مؤمنة إلا و هو يحبنا، و قد صدق أبو هريرة في ذلك رضى اللَّه عنه و أرضاه، و من تمام هذه الدعوة أن اللَّه شهر ذكره في أيام الجمع حيث يذكره الناس بين يدي خطبة الجمعة، و هذا من التقييض القدري و التقدير المعنوي* و ثبت في الصحيح أنه (عليه السلام)، دعا لسعد بن أبى وقاص و هو مريض فعوفي، و دعا له أن يكون مجاب الدعوة، فقال: اللَّهمّ أجب دعوته، و سدد

166

رميته، فكان كذلك، فنعم أمير السرايا و الجيوش كان* و قد دعا على أبى سعدة أسامة بن قتادة حين شهد فيه بالزّور بطول العمر و كثرة الفقر و التعرض للفتن، فكان ذلك، فكان إذا سئل ذلك الرجل يقول: شيخ كبير مفتون أصابتنى دعوة سعد* و ثبت في صحيح البخاري و غيره أنه (صلى اللَّه عليه و سلم) دعا للسائب بن يزيد و مسح بيده على رأسه فطال عمره حتى بلغ أربعا و تسعين سنة و هو تام القامة معتدل، و لم يشب منه موضع أصابت يد رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و متع بحواسه و قواه*

و قال أحمد: ثنا جرير بن عمير، ثنا عروة بن ثابت، ثنا عليّ بن أحمد، حدثني أبو زيد الأنصاري، قال: قال لي رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

ادن منى، فمسح بيد على رأسي ثم قال: اللَّهمّ جمله و أدم جماله،

قال: فبلغ بضعا و مائة- يعنى سنة- و ما في لحيته بياض الا نبذة يسيرة، و لقد كان منبسط الوجه لم ينقبض وجهه حتى مات* قال السهيليّ إسناد صحيح موصول* و لقد أورد البيهقي لهذا نظائر كثيرة في هذا المعنى، تشفى القلوب، و تحصل المطلوب* و قد قال الامام أحمد: حدثنا عارم، ثنا معتمر، و قال يحيى بن معين: ثنا عبد الأعلى، ثنا معتمر- هو ابن سليمان-. قال: سمعت أبى يحدث عن أبى العلاء قال: كنت عند قتادة بن ملحان في موضعه الّذي مات فيه، قال: فمر رجل في مؤخر الدار، قال: فرأيته في وجه قتادة، و قال:

كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قد مسح وجهه، قال: و كنت قبل ما رأيته إلا و رأيت كأن على وجهه الدهان* و ثبت في الصحيحين أنه (عليه السلام) دعا لعبد الرحمن بن عوف بالبركة حين رأى عليه ذلك الدرع من الزعفران لأجل العرس، فاستجاب اللَّه لرسوله (صلى اللَّه عليه و سلم) ففتح له في المتجر و المغانم حتى حصل له مال جزيل بحيث إنه لما مات صولحت امرأة من نسائه الأربع عن ربع الثمن على ثمانين ألفا* و ثبت في الحديث من طريق شبيب بن غرقد أنه سمع الحي يخبرون عن عروة بن أبى الجعد المازني، أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أعطاه دينارا ليشترى له به شاة فاشترى به شاتين و باع إحداهما بدينار و أتاه بشاة و دينار، فقال له: بارك اللَّه لك في صفقة يمينك، و في رواية: فدعا له بالبركة في البيع، فكان لو اشترى التراب لربح فيه* و قال البخاري: ثنا عبد اللَّه بن يوسف، أنا ابن وهب، ثنا سعيد بن أبى أيوب عن أبى عقيل أنه كان يخرج به جده عبد اللَّه بن هشام إلى السوق فيشترى الطعام فيلقاه ابن الزبير و ابن عمر فيقولان: أشركنا في بيعك فان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قد دعا لك بالبركة فيشركهم، فربما أصاب الراحلة كما هي فبعث بها إلى المنزل*

و قال البيهقي: أنا أبو سعد الماليني، أنا ابن عدي، ثنا على بن محمد بن سليمان الحليمي، ثنا محمد بن يزيد المستملي، ثنا سبابة بن عبد اللَّه، ثنا أيوب بن سيار عن محمد بن المنكدر عن جابر عن أبى بكر عن بلال قال:

أذنت في غداة باردة فخرج النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فلم ير في المسجد واحدا، فقال: أين الناس؟ فقلت: منعهم البرد، فقال: اللَّهمّ أذهب عنهم البرد، فرأيتهم يتروحون*

ثم قال البيهقي: تفرد به أيوب بن سيار، و نظيره قد مضى في الحديث المشهور

167

عن حذيفة في قصة الخندق.

حديث آخر

قال البيهقي: أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ، أنا عبد العزيز بن عبد اللَّه عن محمد بن عبد اللَّه الأصبهاني- إملاء- أنا أبو إسماعيل الترمذي عن محمد بن إسماعيل، ثنا عبد العزيز بن عبد اللَّه الأويسي، ثنا على ابن أبى على اللهبي عن أبى ذئب عن نافع عن ابن عمر

أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) خرج و عمر بن الخطاب معه، فعرضت له امرأة، فقالت: يا رسول اللَّه، إني امرأة مسلمة محرمة و معى زوج لي في بيتي مثل المرأة، فقال لها رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): ادعى لي زوجك، فدعته و كان خرازا، فقال له: ما تقول في امرأتك يا عبد اللَّه؟ فقال الرجل: و الّذي أكرمك ما جف رأسي منها، فقالت امرأته: جاء مرة واحدة في الشهر، فقال لها رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): أ تبغضينه؟ قالت: نعم، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): ادنيا رءوسكما، فوضع جبهتها على جبهة زوجها ثم قال: اللَّهمّ ألف بينهما و حبب أحدهما إلى صاحبه* ثم مرّ رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بسوق النمط و معه عمر بن الخطاب فطلعت المرأة تحمل أدما على رأسها، فلما رأت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) طرحته و أقبلت فقبلت رجليه، فقال: كيف أنت و زوجك؟ فقالت:

رأت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) طرحته و أقبلت فقبلت رجليه، فقال: كيف أنت و زوجك؟ فقالت:

و الّذي أكرمك ما طارف و لا تالد أحب إليّ منه، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): أشهد أنى رسول اللَّه، فقال عمر: و أنا أشهد أنك رسول اللَّه*

قال أبو عبد اللَّه: تفرد به على بن عليّ اللهبي و هو كثير الرواية للمناكير. قال البيهقي: و قد روى يوسف بن محمد بن المنكدر عن أبيه عن جابر بن عبد اللَّه- يعنى هذه القصة- إلا أنه لم يذكر عمر بن الخطاب.

حديث آخر

قال أبو القاسم البغوي: ثنا كامل بن طلحة، ثنا حماد بن سلمة، ثنا على بن زيد بن جدعان عن أبى الطفيل أن رجلا ولد له غلام فأتى به رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فدعا له بالبركة و أخذ بجبهته فنبتت شعرة في جبهته كأنها هلبة فرس، فشب الغلام، فلما كان زمن الخوارج أجابهم فسقطت الشعرة عن جبهته. فأخذه أبوه فحبسه و قيده مخافة أن يلحق بهم، قال: فدخلنا عليه فوعظناه و قلنا له: أ لم تر إلى بركة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) وقعت؟ فلم نزل به حتى رجع عن رأيهم، قال: فرد اللَّه تلك الشعرة إلى جبهته إذ تاب* و قد رواه الحافظ أبو بكر البيهقي عن الحاكم و غيره عن الأصم عن أبى أسامة الكلبي عن سريج بن مسلّم عن أبى يحيى إسماعيل بن إبراهيم التيمي، حدثني سيف بن وهب عن أبى الطفيل أن رجلا من بنى ليث يقال له: فراس بن عمرو أصابه صداع شديد فذهب به أبوه إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فأجلسه بين يديه، و أخذ بجلدة بين عينيه فجذبها حتى تبعصت فنبتت في موضع أصابع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) شعرة، و ذهب عنه الصداع فلم يصدع* و ذكر بقية القصة في الشعرة كنحو ما تقدم.

168

حديث آخر

قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا هاشم بن القاسم الحراني، ثنا يعلى بن الأشدق، سمعت عبد اللَّه ابن حراد العقيلي، حدثني النابغة- يعنى الجعديّ- قال:

أتيت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فأنشدته من قولي:

بلغنا السماء عفة و تكرما* * * و إنا لنرجو فوق ذلك مظهرا

قال: أين المظهر يا أبا ليلى؟ قال: قلت: أي الجنة، قال: أجل إن شاء اللَّه، قال: أنشدنى، فأنشدته من قولي:

و لا خير في حلم إذا لم يكن له‏* * * بوادر تحمى صفوه أن يكدرا

و لا خير في جهل إذا لم يكن له‏* * * حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا

قال: أحسنت لا يفضض اللَّه فاك*

هكذا

رواه البزار إسنادا و متنا، و قد رواه الحافظ البيهقي من طريق أخرى فقال: أخبرنا أبو عثمان سعيد بن محمد بن محمد بن عبدان، أنا أبو بكر بن محمد بن المؤمل، ثنا جعفر بن محمد بن سوار، ثنا إسماعيل بن عبد اللَّه بن خالد السكرى الرقى، حدثني يعلى بن الأشدق قال: سمعت النابغة- نابغة بنى جعدة- يقول:

أنشدت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) هذا الشعر، فأعجبه:

بلغنا السما مجدنا و تراثنا* * * و إنا لنرجو فوق ذلك مظهرا

فقال: أين المظهر يا أبا ليلى؟ قلت: الجنة. قال: كذلك إن شاء اللَّه:

و لا خير في حلم إذا لم يكن له‏* * * بوادر تحمى صفوه أن يكدرا

و لا خير في جهل إذا لم يكن له‏* * * حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا

فقال النبي (صلى اللَّه عليه و سلم): أجدت لا يفضض اللَّه فاك،

قال يعلى: فلقد رأيته و لقد أتى عليه نيف و مائة سنة و ما ذهب له سن* قال البيهقي: و روى عن مجاهد بن سليم عن عبد اللَّه بن حراد سمعت نابغة يقول: سمعني رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و أنا أنشد من قولي:

بلغنا السماء عفة و تكرما* و إنا لنرجو فوق ذلك مظهرا ثم ذكر الباقي بمعناه، قال: فلقد رأيت سنه كأنها البرد و المنهل ما سقط له سن و لا انفلت.

حديث آخر

قال الحافظ البيهقي: أنا أبو بكر القاضي و أبو سعيد بن يوسف أبى عمرو، قالا: ثنا الأصم، ثنا عباس الدوري، ثنا على بن بحر القطان، ثنا هاشم بن يوسف، ثنا معمر، ثنا ثابت و سليمان التيمي عن أنس‏

أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، نظر قبل العراق و الشام و اليمن- لا أدرى بأيتهن بدأ- ثم قال:

اللَّهمّ أقبل بقلوبهم إلى طاعتك و حط من أوزارهم*

ثم رواه عن الحاكم عن الأصم عن محمد بن إسحاق الصنعاني عن على بن بحر بن سرى فذكره بمعناه* و قال أبو داود الطيالسي: ثنا عمران القطان‏

169

عن قتادة عن أنس بن مالك عن زيد بن ثابت قال:

نظر رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قبل اليمن فقال: اللَّهمّ أقبل بقلوبهم، ثم نظر قبل الشام فقال: اللَّهمّ أقبل بقلوبهم، ثم نظر قبل العراق فقال: اللَّهمّ أقبل بقلوبهم، و بارك لنا في صاعنا و مدنا*

و هكذا وقع الأمر، أسلّم أهل اليمن قبل أهل الشام، ثم كان الخير و البركة قبل العراق، و وعد أهل الشام بالدوام على الهداية و القيام بنصرة الدين إلى آخر الأمر* و روى أحمد في مسندة: لا تقوم الساعة حتى يتحول خيار أهل العراق إلى الشام، و يتحول شرار أهل الشام إلى العراق.

فصل‏

و روى مسلّم عن أبى بكر بن أبى شيبة عن زيد بن الحباب عن عكرمة بن عمار: حدثني إياس ابن سلمة بن الأكوع أن أباه حدثه‏

أن رجلا أكل عند رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بشماله، فقال له: كل بيمينك، قال: لا أستطيع، قال: لا استطعت، ما يمنعه إلا الكبر، قال: فما رفعها إلى فيه*

و قد رواه أبو داود الطيالسي عن عكرمة عن إياس عن أبيه قال:

أبصر رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بشر بن راعى العير و هو يأكل بشماله فقال: كل بيمينك، قال: لا أستطيع، قال: لا استطعت، قال: فما وصلت يده إلى فيه بعد*

و ثبت في صحيح مسلّم من حديث شعبة عن أبى حمزة عن ابن عباس قال:

كنت ألعب مع الغلمان فجاء رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فاختبأت منه، فجاءني فحطاني حطوة أو حطوتين و أرسلنى إلى معاوية في حاجة، فأتيته و هو يأكل، فقلت: أتيته و هو يأكل، فأرسلنى الثانية فأتيته و هو يأكل، فقلت: أتيته و هو يأكل، فقال: لا أشبع اللَّه بطنه*

و قد روى البيهقي عن الحاكم عن على بن حماد عن هشام ابن على عن موسى بن إسماعيل: حدثني أبو عوانة عن أبى حمزة: سمعت ابن عباس قال:

كنت ألعب مع الغلمان فإذا رسول اللَّه قد جاء فقلت: ما جاء إلا إلى، فذهبت فاختبأت على باب، فجاء فحطاني خطوة و قال: اذهب فادع لي معاوية- و كان يكتب [ (1)] الوحي- قال: فذهبت فدعوته له فقيل: إنه يأكل، فأتيت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقلت: إنه يأكل، فقال: اذهب فادعه لي، فأتيته الثانية، فقيل إنه يأكل، فأتيت رسول اللَّه فأخبرته فقال في الثانية: لا أشبع اللَّه بطنه [ (2)]، قال: فما شبع بعدها،

قلت: و قد كان معاوية رضى اللَّه عنه لا يشبع بعدها، و وافقته هذه الدعوة في أيام إمارته، فيقال:

إنه كان يأكل في اليوم سبع مرات طعاما بلحم، و كان يقول: و اللَّه لا أشبع و إنما أعيى* و قدمنا في غزوة تبوك أنه مرّ بين أيديهم و هم يصلون غلام فدعا عليه فأقعد فلم يقم بعدها* و جاء من طرق أوردها البيهقي أن رجلا حاكى النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) في كلام و اختلج بوجهه، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): كن كذلك، فلم‏

____________

[ (1)] في التيمورية «يثبت».

[ (2)] في التيمورية «لا أشبعه اللَّه».

170

يزل يختلج و يرتعش مدة عمره حتى مات* و قد ورد في بعض الروايات أنه الحكم بن أبى العاص، أبو مروان بن الحكم فاللَّه أعلم*

و قال مالك عن زيد بن أسلم عن جابر بن عبد اللَّه قال:

خرجنا مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في غزوة بنى أنمار، فذكر الحديث في الرجل الّذي عليه ثوبان قد خلقا، و له ثوبان في القنية، فأمره رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فلبسهما ثم ولى، فقال رسول اللَّه: ما له؟ ضرب اللَّه عنقه، فقال الرجل:

في سبيل اللَّه، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): في سبيل اللَّه، فقتل الرجل في سبيل اللَّه* و قد ورد من هذا في سبيل اللَّه، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): في سبيل اللَّه، فقتل الرجل في سبيل اللَّه*

و قد ورد من هذا النوع كثير. و قد ثبت في الأحاديث الصحيحة بطرق متعددة عن جماعة من الصحابة تفيد القطع كما سنوردها قريبا

في باب فضائله (صلى اللَّه عليه و سلم) أنه قال:

اللَّهمّ من سببته أو جلدته أو لعنته و ليس لذلك أهلا فاجعل ذلك قربة له تقربه بها عندك يوم القيامة

* و قد قدمنا في أول البعثة

حديث ابن مسعود

في دعائه (صلى اللَّه عليه و سلم) على أولئك النفر السبعة، الذين أحدهم أبو جهل بن هشام و أصحابه، حين طرحوا على ظهره (عليه السلام) سلا الجزور، و ألقته عنه ابنته فاطمة، فلما انصرف قال: اللَّهمّ عليك بقريش، اللَّهمّ عليك بأبي جهل بن هشام، و شيبة بن ربيعة، و عتبة بن ربيعة، و الوليد بن عتبة، ثم سمّى بقية السبعة،

قال ابن مسعود: فو الّذي بعثه بالحق لقد رأيتهم صرعى في القليب قليب بدر الحديث. و هو متفق عليه.

حديث آخر

قال الامام أحمد: حدثني هشام، ثنا سليمان- يعنى ابن المغيرة- عن ثابت عن أنس بن مالك قال: كان منا رجل من بنى النجار قد قرأ البقرة و آل عمران، و كان يكتب لرسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فانطلق هاربا حتى لحق بأهل الكتاب، قال: فرفعوه و قالوا: هذا كان يكتب لمحمد، و أعجبوا به، فما لبث أن قصم اللَّه عنقه فيهم، فحفروا له فواروه، فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها، ثم عادوا فحفروا له و واروه، فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها فتركوه منبوذا* و رواه مسلم عن محمد بن راضي عن أبى النضر هاشم بن القاسم به.

طريق أخرى عن أنس‏

قال الامام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، ثنا حميد عن أنس‏

أن رجلا كان يكتب للنّبيّ (صلى اللَّه عليه و سلم) و كان قد قرأ البقرة و آل عمران، و كان الرجل إذا قرأ البقرة و آل عمران عز فينا- يعنى عظم- فكان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يملى عليه: غفورا رحيما، فيكتب: عليما حكيما، فيقول له النبي (صلى اللَّه عليه و سلم):

اكتب كذا و كذا فيقول: أكتب كيف شئت، و يملى عليه: عليما حكيما، فيكتب: سميعا بصيرا، فيقول: اكتب كيف شئت، قال فارتد ذلك الرجل عن الإسلام فلحق بالمشركين، و قال: أنا أعلمكم بمحمد، و إني كنت لا أكتب إلا ما شئت، فمات ذلك الرجل، فقال النبي (صلى اللَّه عليه و سلم): إن‏

171

الأرض لا تقبله،

قال أنس: فحدثني أبو طلحة أنه أتى الأرض التي مات فيها ذلك الرجل فوجده منبوذا، فقال أبو طلحة: ما شأن هذا الرجل؟ قالوا: قد دفناه مرارا فلم تقبله الأرض* و هذا على شرط الشيخين و لم يخرجوه.

طريق أخرى عن أنس‏

و قال البخاري: ثنا أبو معمر، ثنا عبد الرزاق، ثنا عبد العزيز عن أنس بن مالك قال: كان رجل نصراني فأسلّم و قرأ البقرة و آل عمران، و كان يكتب للنّبيّ (صلى اللَّه عليه و سلم) فعاد نصرانيا، و كان يقول:

لا يدرى محمد إلا ما كتبت له، فأماته اللَّه فدفنوه فأصبح و قد لفظته الأرض، فقالوا: هذا فعل محمد و أصحابه- لما هرب منهم نبشوا عن صاحبنا فألقوه-، فحفروا له فأعمقوا له في الأرض ما استطاعوا، فأصبحوا و قد لفظته الأرض، فعلموا أنه ليس من الناس فألقوه*

باب‏

المسائل التي سئل عنها رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فأجاب عنها بما يطابق الحق الموافق لما يشهد به الكتب المتقدمة الموروثة عن الأنبياء قبله‏

قد ذكرنا في أول البعثة ما تعنتت به قريش و بعثت إلى يهود المدينة يسألونهم عن أشياء يسألون عنها رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فقالوا: سلوه عن الروح، و عن أقوام ذهبوا في الدهر فلا يدرى ما صنعوا، و عن رجل طواف في الأرض بلغ المشارق و المغارب، فلما رجعوا سألوا عن ذلك رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فأنزل اللَّه عز و جل قوله تعالى: وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَ ما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا و أنزل سورة الكهف يشرح فيها خبر الفتية الذين فارقوا دين قومهم و آمنوا باللَّه العزيز الحميد، و أفردوه بالعبادة، و اعتزلوا قومهم، و نزلوا غارا و هو الكهف، فناموا فيه، ثم أيقظهم اللَّه بعد ثلاثمائة سنة و تسع سنين، و كان من أمرهم ما قصّ اللَّه علينا في كتابه العزيز، ثم قصّ خبر الرجلين المؤمن و الكافر، و ما كان من أمرهما، ثم ذكر خبر موسى و الخضر و ما جرى لهما من الحكم و المواعظ، ثم قال: وَ يَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً، ثم شرح، ثم ذكر خبره و ما وصل إليه من المشارق و المغارب، و ما عمل من المصالح في العالم، و هذا الإخبار هو الواقع في الواقع، و إنما يوافقه من الكتب التي بأيدي أهل الكتاب، ما كان منها حقا، و أما ما كان محرفا مبدلا فذاك مردود، فان اللَّه بعث محمدا بالحق و أنزل عليه الكتاب ليبين للناس ما اختلفوا فيه من الأخبار و الأحكام، قال اللَّه تعالى بعد ذكر التوراة و الإنجيل: وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَ مُهَيْمِناً عَلَيْهِ‏ و ذكرنا في أول الهجرة قصة إسلام عبد اللَّه بن سلام، و أنه‏

172

قال لما قدم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) المدينة انجفل الناس إليه فكنت فيمن انجفل، فلما رأيت وجهه قلت [ (1)]: إن وجهه ليس بوجه كذاب،

فكان أول ما سمعته يقول:

أيها الناس، أفشوا السلام، و صلوا الأرحام، و أطعموا الطعام، و صلّوا بالليل و الناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام*

و ثبت في صحيح البخاري و غيره من حديث إسماعيل بن عطية و غيره عن حميد عن أنس‏

قصة سؤاله رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): ثلاث لا يعلمهن إلا نبي، ما أول أشراط الساعة؟ و ما أول طعام يأكله أهل الجنة؟ و ما ينزع الولد إلى أبيه و إلى أمه؟ فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): أخبرنى بهنّ جبريل آنفا، ثم قال: أما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، و أما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت، و أما الولد فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد إلى أبيه، و إذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزع الولد إلى أمه*

و قد رواه البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن أحمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير عن أبى معشر عن سعيد المقبري، فذكر مساءلة عبد اللَّه بن سلام إلا أنه قال: فسأله عن السواد الّذي في القمر، بدل أشراط الساعة، فذكر الحديث إلى أن قال: و أما السواد الّذي في القمر فإنهما كانا شمسين فقال اللَّه عز و جل: وَ جَعَلْنَا اللَّيْلَ وَ النَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ‏ فالسواد الّذي رأيت هو المحو، فقال عبد اللَّه بن سلام: أشهد أن لا إله إلا اللَّه و أن محمدا رسول اللَّه.

حديث آخر في معناه‏

قال الحافظ البيهقي: أنا أبو زكريا يحيى بن إبراهيم المزكي، أنا أبو الحسن- أحمد بن محمد بن ابن عيدروس- ثنا عثمان بن سعيد، أنا الربيع بن نافع، أبو توبة، ثنا معاوية بن سلام عن زيد ابن سلام أنه سمع أبا سلام يقول: أخبرنى أبو أسماء الرجبى أن ثوبان حدثه قال:

كنت قائما عند رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فجاءه حبر من أحبار اليهود، فقال: السلام عليك يا محمد، فدفعته دفعة كاد يصرع منها، قال: لم تدفعني؟ قال: قلت: ألا تقول: يا رسول اللَّه؟ قال: إنما سميته باسمه الّذي سماه به أهله، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): إن اسمى الّذي سماني به أهلي محمد، فقال اليهودي: جئت أسألك، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): ينفعك شي‏ء إن حدثتك؟ قال: أسمع بأذني، فنكت بعود معه، فقال له: سل، فقال له اليهودي: أين الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض و السموات؟ فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): في الظلمة دون الجسر، قال: فمن أول الناس إجازة؟ فقال: فقراء المهاجرين، قال اليهودي: فما تحفتهم حين يدخلون الجنة؟ قال: زيادة كبد الحوت، قال: و ما غذاؤهم على إثره؟ قال: ينحر لهم ثور الجنة الّذي كان يأكل من أطرافها، قال: فما شرابهم عليه؟ قال: من عين فيها تسمى سلسبيلا، قال:

صدقت، قال: و جئت أسألك عن شي‏ء لا يعلمه أحد من الأرض إلا نبي أو رجل أو رجلان. قال:

____________

[ (1)] في التيمورية «علمت».

173

ينفعك إن حدثتك؟ قال: أسمع بأذني، قال: جئت أسألك عن الولد، قال: ماء الرجل أبيض و ماء المرأة أصفر، فإذا اجتمعا فعلا منى الرجل منى المرأة أذكرا بأذن اللَّه، و إذا علا منىّ المرأة منىّ الرجل أنثا بأذن اللَّه، فقال اليهودي: صدقت و إنك لنبي، ثم انصرف، فقال النبي (صلى اللَّه عليه و سلم): إنه سألني عنه و ما أعلم شيئا منه حتى أتانى اللَّه به*

و هكذا رواه مسلّم عن الحسن بن على الحلواني عن أبى توبة الربيع ابن نافع به،

و هذا الرجل يحتمل أن يكون هو عبد اللَّه بن سلام، و يحتمل أن يكون غيره و اللَّه أعلم.

حديث آخر

قال أبو داود الطيالسي: حدثنا عبد الحميد بن بهرام عن شهر بن حوشب، حدثني ابن عباس قال:

حضرت عصابة من اليهود يوما عند رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقالوا: يا رسول اللَّه حدثنا عن خلال نسألك عنها لا يعلمها إلا نبي، قال: سلوني عما شئتم، و لكن اجعلوا لي ذمة اللَّه و ما أخذ يعقوب على بنيه إن أنا حدثتكم بشي‏ء تعرفونه صدقا لتتابعنى على الإسلام، قالوا: لك ذلك، قال: سلوا عما شئتم، قالوا: أخبرنا عن أربع خلال ثم نسألك، أخبرنا عن الطعام الّذي حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة، و أخبرنا عن ماء الرجل كيف يكون الذكر منه حتى يكون ذكرا، و كيف تكون الأنثى حتى تكون الأنثى، و أخبرنا عن هذا النبي في النوم و من وليك من الملائكة، قال: فعليكم عهد اللَّه لئن أنا حدثتكم لتتابعنى، فأعطوه ما شاء من عهد و ميثاق، قال: أنشدكم باللَّه الّذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن إسرائيل- يعقوب- مرض مرضا شديدا طال سقمه فيه، فنذر للَّه نذرا لئن شفاه اللَّه من سقمه ليحرمن أحب الشراب إليه و أحب الطعام إليه، و كان أحبّ الشراب إليه ألبان الإبل، و أحب الطعام إليه لحمان الإبل؟ قالوا: اللَّهمّ نعم، فقال رسول اللَّه: اللَّهمّ اشهد عليهم، قال: فأنشدكم اللَّه الّذي لا إله إلا هو، الّذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن ماء الرجل أبيض، و أن ماء المرأة رقيق أصفر، فأيهما علا كان له الولد و الشبه باذن اللَّه، و إن علا ماء الرجل ماء المرأة كان ذكرا باذن اللَّه، و إن علا ماء المرأة ماء الرجل كان أنثى باذن اللَّه؟ قالوا:

اللَّهمّ نعم، قال رسول اللَّه: اللَّهمّ اشهد عليهم، قال: و أنشدكم باللَّه الّذي لا إله إلا هو، الّذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن هذا النبي تنام عيناه و لا ينام قلبه؟ قالوا، اللَّهمّ نعم، قال: اللَّهمّ اشهد عليهم، قالوا: أنت الآن حدثنا عن وليك من الملائكة فعندها نجامعك أو نفارقك، قال:

وليي جبريل (عليه السلام)، و لم يبعث اللَّه نبيا قط إلا و هو وليه، فقالوا: فعندها نفارقك، لو كان وليك غيره من الملائكة لبايعناك و صدقناك، قال: فما يمنعكم أن تصدقوه؟ قالوا: إنه عدونا من الملائكة، فأنزل اللَّه عز و جل‏

قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى‏ قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ‏

الآية، و نزلت‏

فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى‏ غَضَبٍ‏

الآية.

174

حديث آخر

قال الامام أحمد، ثنا يزيد، ثنا شعبة عن عمرو بن مرة، سمعت عبد اللَّه بن سلمة يحدث عن صفوان بن عسال المرادي، قال:

قال يهودي لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا النبي حتى نسأله عن هذه الآية،

وَ لَقَدْ آتَيْنا مُوسى‏ تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ‏

فقال: لا تقل له شيئا، فإنه لو سمعك لصارت له أربع أعين، فسألاه: فقال النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) لا تشركوا باللَّه شيئا و لا تسرقوا و لا تزنوا و لا تقتلوا النفس التي حرم اللَّه إلا بالحق و لا تسحروا و لا تأكلوا الربا و لا تمشوا ببري‏ء إلى ذي سلطان ليقتله و لا تقذفوا محصنة، أو قال: لا تفروا من الزحف- شعبة الشاك- و أنتم يا معشر يهود عليكم خاصة أن لا تعدوا في السبت، قال: فقبلا يديه و رجليه و قالا: نشهد أنك نبي، قال: فما يمنعكما أن تتبعانى؟ قالا: إن داود (عليه السلام) دعا أن لا يزال من ذريته نبي، و إنا نخشى إن أسلمنا أن تقتلنا يهود*

و قد رواه الترمذي و النسائي و ابن ماجة و ابن جرير و الحاكم و البيهقي من طرق عن شعبة به،

و قال الترمذي:

حسن صحيح* قلت: و في رجاله من تكلم فيه، و كأنه اشتبه على الراويّ التسع الآيات بالعشر الكلمات، و ذلك أن الوصايا التي أوصاها اللَّه إلى موسى و كلمه بها ليلة القدر بعد ما خرجوا من ديار مصر و شعب بنى إسرائيل حول الطور حضور، و هارون و من معه وقوف على الطور أيضا، و حينئذ كلم اللَّه موسى تكليما آمرا له بهذه العشر كلمات، و قد فسرت في هذا الحديث، و أما التسع الآيات فتلك دلائل و خوارق عادات أيد بها موسى (عليه السلام)، و أظهرها اللَّه على يديه بديار مصر، و هي العصا و اليد و الطوفان و الجراد و القمل و الضفادع و الدم و الجدب و نقص الثمرات، و قد بسطت القول على ذلك في التفسير بما فيه الكفاية و اللَّه أعلم.

فصل‏

و قد ذكرنا في التفسير عند قوله تعالى في سورة البقرة قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* وَ لَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ‏ و مثلها في سورة الجمعة و هي قوله: قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* وَ لا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ‏ و ذكرنا أقوال المفسرين في ذلك و أن الصواب أنه دعاهم إلى المباهلة و أن يدعو بالموت على المبطل منهم أو المسلمين، فنكلوا عن ذلك لعلمهم بظلم أنفسهم، و أن الدعوة تنقلب عليهم، و يعود وبالها إليهم، و هكذا دعا النصارى من أهل نجران حين حاجوه في عيسى بن مريم، فأمره اللَّه أن يدعوهم إلى المباهلة في قوله‏ فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ‏

175

وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ‏ و هكذا دعا على المشركين على وجه المباهلة في قوله‏ قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا و قد بسطنا القول في ذلك عند هذه الآيات في كتابنا التفسير بما فيه كفاية و للَّه الحمد و المنة.

حديث آخر يتضمن اعتراف اليهود بأنه رسول اللَّه و يتضمن تحاكمهم إليه و رجوعهم إلى ما يحكم به و لكن بقصد منهم مذموم‏

و ذلك أنهم ائتمروا بينهم أنه إن حكم بما يوافق هواهم اتبعوه، و إلا فاحذروا ذلك، و قد ذمهم اللَّه في كتابه العزيز على هذا القصد*

قال عبد اللَّه بن المبارك: ثنا معمر عن الزهري قال: كنت جالسا عند سعيد بن المسيب و عند سعيد رجل و هو يوقره، و إذا هو رجل من مزينة، كان أبوه شهد الحديبيّة و كان من أصحاب أبى هريرة، قال: قال أبو هريرة:

كنت جالسا عند رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، إذ جاء نفر من اليهود- و قد زنا رجل منهم و امرأة- فقال بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى هذا النبي فإنه نبي بعث بالتخفيف، فان أفتانا حدا دون الرجم فعلناه و احتججنا عند اللَّه حين نلقاه بتصديق نبي من أنبيائه، قال مرة عن الزهري، و إن أمرنا بالرجم عصيناه فقد عصينا اللَّه فيما كتب علينا من الرجم في التوراة، فأتوا رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و هو جالس في المسجد في أصحابه، فقالوا: يا أبا القاسم ما ترى في رجل منا زنا بعد ما أحصن؟ فقام رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و لم يرجع إليهم شيئا، و قام معه رجال من المسلمين، حتى أتوا بيت مدراس اليهود فوجدوهم يتدارسون التوراة، فقال لهم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): يا معشر اليهود، أنشدكم باللَّه الّذي أنزل التوراة على موسى، ما تجدون في التوراة من العقوبة على من زنا إذا أحصن؟ قالوا:

نجبيه، و التجبية أن يحملوا اثنين على حمار فيولوا ظهر أحدهما ظهر الآخر، قال: و سكت حبرهم و هو فتى شاب، فلما رآه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) صامتا ألظ به النشدة، فقال حبرهم: أما إذ نشدتهم فانا نجد في التوراة الرجم على من أحصن، قال النبي (صلى اللَّه عليه و سلم): فما أول ما ترخصتم أمر اللَّه عز و جل؟ فقال:

زنى رجل منا ذو قرابة بملك من ملوكنا، فأخر عنه الرجم، فزنى بعده آخر في أسرة من الناس فأراد ذلك الملك أن يرجمه فقام قومه دونه، فقالوا: لا و اللَّه لا نرجمه حتى يرجم فلانا ابن عمه، فاصطلحوا بينهم على هذه العقوبة، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): فانى أحكم بما حكم في التوراة، فأمر رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بهما فرجما*

قال الزهري: و بلغنا أن هذه الآية نزلت فيهم‏ إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَ نُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا و له شاهد في الصحيح عن ابن عمر، قلت: و قد ذكرنا ما ورد في هذا السياق من الأحاديث عند قوله تعالى‏ يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَ مِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ‏ يعنى الجلد

176

و التحميم الّذي اصطلحوا عليه و ابتدعوه من عند أنفسهم، يعنى إن حكم لكم محمد بهذا فخذوه، (و إن لم تؤتوه فاحذروا)، يعنى و إن لم يحكم لكم بذلك فاحذروا قبوله، قال اللَّه تعالى‏ وَ مَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ‏ إلى أن قال‏ وَ كَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَ عِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَ ما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ‏ فذمهم اللَّه تعالى على سوء ظنهم و قصدهم بالنسبة إلى اعتقادهم في كتابهم، و أن فيه حكم اللَّه بالرجم، و هم مع ذلك يعلمون صحته، ثم يعدلون عنه إلى ما ابتدعوه من التحميم و التجبيه*

و قد روى هذا الحديث محمد بن إسحاق عن الزهري قال: سمعت رجلا من مزينة يحدث سعيد بن المسيب أن أبا هريرة حدثهم فذكره، و عنده فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) لابن صوريا:

أنشدك باللَّه و أذكرك أيامه عند بنى إسرائيل، هل تعلم أن اللَّه حكم فيمن زنا بعد إحصانه بالرجم في التوراة؟

فقال: اللَّهمّ نعم، أما و اللَّه يا أبا القاسم إنهم يعرفون أنك نبيّ مرسل، و لكنهم يحسدونك، فخرج رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فأمر بهما فرجما عند باب مسجده في بنى تميم عند مالك بن النجار، قال: ثم كفر بعد ذلك ابن صوريا، فأنزل اللَّه‏

يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ

الآيات*

و قد ورد ذكر عبد اللَّه بن صوريا الأعور في حديث ابن عمير و غيره بروايات صحيحة قد بيناها في التفسير.

حديث آخر

قال حماد بن سلمة: ثنا ثابت عن أنس‏

أن غلاما يهوديا كان يخدم النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فمرض فأتاه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يعوده، فوجد أباه عند رأسه يقرأ التوراة، فقال له رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): يا يهودي، أنشدك باللَّه الّذي أنزل التوراة على موسى، هل تجدون في التوراة نعتي و صفتي و مخرجي؟ فقال: لا، فقال الفتى: بلى و اللَّه يا رسول اللَّه، إنا نجد في التوراة نعتك و صفتك و مخرجك، و إني أشهد أن لا إله إلا اللَّه و أنك رسول اللَّه، فقال النبي لأصحابه: أقيموا هذا من عند رأسه، و لوا أخاكم*

و رواه البيهقي من هذا الوجه بهذا اللفظ

.

حديث آخر

قال أبو بكر بن أبى شيبة، ثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن أبى عبيدة بن عبد اللَّه عن أبيه قال:

إن اللَّه ابتعث نبيه (صلى اللَّه عليه و سلم) لا لإدخال رجل الجنة، فدخل النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) كنيسة و إذا يهودي يقرأ التوراة، فلما أتى على صفته أمسك، قال: و في ناحيتها رجل مريض، فقال النبي (صلى اللَّه عليه و سلم): ما لكم أمسكتم؟ فقال المريض: إنهم أتوا على صفة نبي فأمسكوا، ثم جاء المريض يحبو حتى أخذ التوراة و قال: ارفع يدك، فقرأ حتى أتى على صفته، فقال: هذه صفتك و صفة أمتك،

177

أشهد أن لا إله إلا اللَّه و أشهد أن محمدا رسول اللَّه، ثم مات، فقال النبي (صلى اللَّه عليه و سلم): لوا أخاكم.

حديث آخر

إن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم): وقف على مدراس اليهود فقال: يا معشر يهود أسلموا، فو الّذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنى رسول اللَّه إليكم، فقالوا: قد بلغت يا أبا القاسم، فقال: ذلك أريد.

فصل‏

فالذي يقطع به من كتاب اللَّه و سنة رسوله، و من حيث المعنى، أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قد بشرت به الأنبياء قبله، و أتباع الأنبياء يعلمون ذلك، و لكن أكثرهم يكتمون ذلك و يخفونه، قال اللَّه تعالى‏ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَ الْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ، بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَ يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَ الْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَ عَزَّرُوهُ وَ نَصَرُوهُ وَ اتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ* قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يُحيِي وَ يُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ كَلِماتِهِ وَ اتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ‏ و قال تعالى:

وَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِ‏ و قال تعالى‏ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَ إِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ‏ و قال تعالى: وَ قُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَ الْأُمِّيِّينَ أَ أَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَ إِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ‏ و قال تعالى:

هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَ لِيُنْذَرُوا بِهِ‏ و قال تعالى: لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَ مَنْ بَلَغَ‏ و قال تعالى: وَ مَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ‏ و قال تعالى: لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَ يَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ‏ فذكر تعالى بعثته إلى الأميين و أهل الكتاب و سائر الخلق من عربهم و عجمهم، فكل من بلغه القرآن فهو نذير له،

قال (صلى اللَّه عليه و سلم):

و الّذي نفسي بيده لا يسمع بى أحد من هذه الأمة يهودي و لا نصراني و لا يؤمن بى إلا دخل النار*

رواه مسلّم، و في الصحيحين:

أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي، «نصرت بالرعب مسيرة شهر، و أحلت لي الغنائم و لم تحل لأحد قبلي، و جعلت لي الأرض مسجدا و طهورا، و أعطيت السماحة، [ (1)]

و كان النبي يبعث إلى قومه و بعثت إلى الناس عامة. و فيهما:

بعثت إلى الأسود و الأحمر، قيل: إلى العرب و العجم، و قيل: إلى الأنس و الجن، و الصحيح أعم من ذلك، و المقصود أن البشارات به (صلى اللَّه عليه و سلم) موجودة في الكتب الموروثة عن الأنبياء قبله حتى تناهت النبوة إلى آخر أنبياء بنى إسرائيل، و هو عيسى بن مريم، و قد قام بهذه البشارة في بنى‏

____________

[ (1)] في التيمورية «الشفاعة».

178

إسرائيل، و قص اللَّه خبره في ذلك فقال تعالى: وَ إِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَ مُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فأخبار محمد (صلوات اللَّه و سلامه عليه) بأن ذكره موجود في الكتب المتقدمة، فيما جاء به من القرآن، و فيما ورد عنه من الأحاديث الصحيحة كما تقدم، و هو مع ذلك من أعقل الخلق باتفاق الموافق و المفارق، يدل على صدقه في ذلك قطعا، لأنه لو لم يكن واثقا بما أخبر به من ذلك، لكان ذلك من أشد المنفرات عنه، و لا يقدم على ذلك عاقل، و الغرض أنه من أعقل الخلق حتى عند من يخالفه، بل هو أعقلهم في نفس الأمر* ثم إنه قد انتشرت دعوته في المشارق و المغارب، و عمت دولة أمته في أقطار الآفاق عموما لم يحصل لأمة من الأمم قبلها، فلو لم يكن محمد (صلى اللَّه عليه و سلم) نبيا، لكان ضرره أعظم من كل أحد، و لو كان كذلك لحذر عنه الأنبياء أشد التحذير، و لنفروا أممهم منه أشد التنفير، فإنهم جميعهم قد حذروا من دعاة الضلالة في كتبهم، و نهوا أممهم عن اتباعهم و الاقتداء بهم، و نصوا على المسيح الدجال، الأعور الكذاب، حتى قد أنذر نوح- و هو أول الرسل- قومه، و معلوم أنه لم ينص نبي من الأنبياء على التحذير من محمد، و لا التنفير عنه، و لا الأخبار عنه بشي‏ء خلاف مدحه، و الثناء عليه، و البشارة بوجوده، و الأمر باتباعه، و النهى عن مخالفته، و الخروج من طاعته، قال اللَّه تعالى:

وَ إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَ حِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَ لَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَ أَقْرَرْتُمْ وَ أَخَذْتُمْ عَلى‏ ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَ أَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ، فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ‏ قال ابن عباس رضى اللَّه عنهما: ما بعث اللَّه نبيا إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد و هو حي ليؤمنن به و لينصرنه، و أمره أن يأخذ على أمته الميثاق لئن بعث محمد و هم أحياء ليؤمنن به و ليتبعنه، رواه البخاري* و قد وجدت البشارات به (صلى اللَّه عليه و سلم) في الكتب المتقدمة و هي أشهر من أن تذكر، و أكثر من أن تحصر* و قد قدمنا قبل مولده (عليه السلام) طرفا صالحا من ذلك، و قررنا في كتاب التفسير عند الآيات المقتضية لذلك آثارا كثيرة، و نحن نورد هاهنا شيئا مما وجد في كتبهم التي يعترفون بصحتها، و يتدينون بتلاوتها، مما جمعه العلماء قديما و حديثا ممن آمن منهم، و اطلع على ذلك من كتبهم التي بأيديهم، ففي السفر الأول من التوراة التي بأيديهم في قصة إبراهيم الخليل (عليه السلام) ما مضمونه و تعريبه: إن اللَّه أوحى إلى إبراهيم (عليه السلام)، بعد ما سلمه من نار النمروذ: أن قم فاسلك الأرض مشارقها و مغاربها لولدك، فلما قص ذلك على سارة طمعت أن يكون ذلك لولدها منه، و حرصت على إبعاد هاجر و ولدها، حتى ذهب بهما الخليل إلى برية الحجاز و جبال فاران، و ظن إبراهيم (عليه السلام) أن هذه البشارة تكون لولده إسحاق، حتى أوحى اللَّه إليه ما مضمونه: أما ولدك إسحاق فإنه يرزق ذرية عظيمة، و أما ولدك إسماعيل فانى باركته و عظمته،

179

و كثرت ذريته، و جعلت من ذريته ماذماذ، يعنى محمدا (صلى اللَّه عليه و سلم)، و جعلت في ذريته اثنا عشر إماما، و تكون له أمة عظيمة، و كذلك بشرت هاجر حين وضعها الخليل عند البيت فعطشت و حزنت على ولدها، و جاء الملك فأنبع زمزم، و أمرها بالاحتفاظ بهذا الولد، فإنه سيولد له منه عظيم، له ذرية عدد نجوم السماء* و معلوم أنه لم يولد من ذرية إسماعيل، بل من ذرية آدم، أعظم قدرا و لا أوسع جاها، و لا أعلى منزلة، و لا أجل منصبا، من محمد (صلى اللَّه عليه و سلم)، و هو الّذي استولت دولة أمته على المشارق و المغارب، و حكموا على سائر الأمم* و هكذا في قصة إسماعيل من السفر الأول: أن ولد إسماعيل تكون يده على كل الأمم، و كل الأمم تحت يده و بجميع مساكن إخوته يسكن، و هذا لم يكن لأحد يصدق على الطائفة إلا لمحمد (صلى اللَّه عليه و سلم)* و أيضا في السفر الرابع في قصة موسى، أن اللَّه أوحى إلى موسى (عليه السلام): أن قل لبني إسرائيل: سأقيم لهم نبيا من أقاربهم مثلك يا موسى، و أجعل وحيي بفيه و إياه تسمعون* و في السفر الخامس- و هو سفر الميعاد- أن موسى (عليه السلام) خطب بنى إسرائيل في آخر عمره- و ذلك في السنة التاسعة و الثلاثين من سنى التيه- و ذكرهم بأيام اللَّه و أياديه عليهم، في آخر عمره- و ذلك في السنة التاسعة و الثلاثين من سنى التيه- و ذكرهم بأيام اللَّه و أياديه عليهم، و إحسانه إليهم، و قال لهم فيما قال: و اعلموا أن اللَّه سيبعث لكم نبيا من أقاربكم مثل ما أرسلنى إليكم، يأمركم بالمعروف، و ينهاكم عن المنكر، و يحل لكم الطيبات، و يحرم عليكم الخبائث، فمن عصاه فله الخزي في الدنيا، و العذاب في الآخرة* و أيضا في آخر السفر الخامس و هو آخر التوراة التي بأيديهم: جاء اللَّه من طور سيناء، و أشرق من ساعير، و استعلن من جبال فاران: و ظهر من ربوات قدسه، عن يمينه نور، و عن شماله نار، عليه تجتمع الشعوب. أي جاء أمر اللَّه و شرعه من طور سيناء- و هو الجبل الّذي كلم اللَّه موسى (عليه السلام) عنده- و أشرق من ساعير و هي جبال بيت المقدس- المحلة التي كان بها عيسى بن مريم (عليه السلام)- و استعلن أي ظهر و علا أمره من جبال فاران، و هي جبال الحجاز بلا خلاف، و لم يكن ذلك إلا على لسان محمد (صلى اللَّه عليه و سلم)* فذكر تعالى هذه الأماكن الثلاثة على الترتيب الوقوعي، ذكر محلة موسى، ثم عيسى، ثم بلد محمد (صلى اللَّه عليه و سلم)، و لما أقسم تعالى بهذه الأماكن الثلاثة ذكر الفاضل أولا، ثم الأفضل منه، ثم الأفضل منه، على قاعدة القسم فقال تعالى: وَ التِّينِ وَ الزَّيْتُونِ‏ و المراد بها محلة بيت المقدس حيث كان عيسى (عليه السلام) وَ طُورِ سِينِينَ‏ و هو الجبل الّذي كلم اللَّه عليه موسى‏ وَ هذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ‏ و هو البلد الّذي ابتعث منه محمدا (صلى اللَّه عليه و سلم)* قاله غير واحد من المفسرين في تفسير هذه الآيات الكريمات* و في زبور داود (عليه السلام) صفة هذه الأمة بالجهاد و العبادة، و فيه مثل ضربه لمحمد (صلى اللَّه عليه و سلم)، بأنه ختام القبة المبنية،

كما ورد به الحديث في الصحيحين:

«مثلي و مثل الأنبياء قبلي كمثل رجل بنى دارا فأكملها إلا موضع لبنة، فجعل الناس يطيفون بها و يقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟»

و مصداق ذلك أيضا في‏

180

قوله تعالى‏ وَ لكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَ خاتَمَ النَّبِيِّينَ‏ و في الزبور صفة محمد (صلى اللَّه عليه و سلم) بأنه ستنبسط نبوته و دعوته و تنفذ كلمته من البحر إلى البحر، و تأتيه الملوك من سائر الأقطار طائعين بالقرابين و الهدايا، و أنه يخلص المضطر، و يكشف الضر عن الأمم، و ينقذ الضعيف الّذي لا ناصر له، و يصلى عليه في كل وقت، و يبارك اللَّه عليه في كل يوم، و يدوم ذكره إلى الأبد. و هذا إنما ينطبق على محمد (صلى اللَّه عليه و سلم)* و في صحف شعيا في كلام طويل فيه معاتبة لبني إسرائيل، و فيه فانى أبعث إليكم و إلى الأمم نبيا أميا ليس بفظ و لا غليظ القلب و لا سخاب في الأسواق، أسدده لكل جميل، و أهب له كل خلق كريم، ثم أجعل السكينة لباسه، و البر شعاره، و التقوى في ضميره، و الحكمة معقولة، و الوفاء طبيعته، و العدل سيرته، و الحق شريعته، و الهدى ملته، و الإسلام دينه، و القرآن كتابه، أحمد اسمه، أهدى به من الضلالة، و أرفع به بعد الخمالة، و أجمع به بعد الفرقة، و أؤلف به بين القلوب المختلفة، و أجعل أمته خير أمة أخرجت للناس، قرا بينهم دماؤهم، أنا جيلهم في صدورهم، رهبانا بالليل، ليوثا بالنهار ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ‏ و في الفصل الخامس [ (1)] من كلام شعيا:

يدوس الأمم كدوس البيادر، و ينزل البلاء بمشركي العرب، و ينهزمون قدامه* و في الفصل السادس و العشرين منه: ليفرح أرض البادية العطشى، و يعطى أحمد محاسن لبنان، و يرون جلال اللَّه بمهجته* و في صحف إلياس (عليه السلام): أنه خرج مع جماعة من أصحابه سائحا، فلما رأى العرب بأرض الحجاز قال لمن معه: انظروا إلى هؤلاء فإنهم هم الذين يملكون حصونكم العظيمة، فقالوا: يا نبي اللَّه فما الّذي يكون معبودهم؟ فقال: يعظمون رب العزة فوق كل رابية عالية* و من صحف حزقيل: إن عبدي خيرتي أنزل عليه و حيي، يظهر في الأمم عدلي، اخترته و اصطفيته لنفسي، و أرسلته إلى الأمم بأحكام صادقة* و من كتاب النبوات: أن نبيا من الأنبياء مرّ بالمدينة فأضافه بنو قريظة و النضير، فلما رآهم بكى، فقالوا له: ما الّذي يبكيك يا نبي اللَّه؟ فقال: نبي يبعثه اللَّه من الحرة، يخرب دياركم و يسبى حريمكم، قال: فأراد اليهود قتله فهرب منهم* و من كلام حزقيل (عليه السلام): يقول اللَّه: من قبل أن صورتك في الأحشاء قدستك و جعلتك نبيا، و أرسلتك إلى سائر الأمم* و في صحف شعيا أيضا، مثل مضروب لمكة شرفها اللَّه: افرحى يا عاقر بهذا الولد الّذي يهبه لك ربك، فان ببركته تتسع لك الأماكن، و تثبت أوتادك في الأرض و تعلو أبواب مساكنك، و يأتيك ملوك الأرض عن يمينك و شمالك بالهدايا و التقادم، و ولدك هذا يرث جميع الأمم، و يملك سائر المدن و الأقاليم، و لا تخافي و لا تحزني فما بقي يلحقك ضيم من عدو أبدا، و جميع أيام ترملك تنسيها* و هذا كله إنما حصل على يدي محمد (صلى اللَّه عليه و سلم)* و إنما المراد بهذه العاقر مكة، ثم صارت كما ذكر

____________

[ (1)] في التيمورية «العاشر»

181

في هذا الكلام لا محالة* و من أراد من أهل الكتاب أن يصرف هذا و يتأوله على بيت المقدس و هذا [ (1)] لا يناصبه من كل وجه و اللَّه أعلم* و في صحف أرميا: كوكب ظهر من الجنوب، أشعته صواعق، سهامه خوارق، دكت له الجبال. و هذا المراد به محمد (صلى اللَّه عليه و سلم)* و في الإنجيل يقول عيسى (عليه السلام): إني مرتق إلى جنات العلى، و مرسل إليكم الفارقليط روح الحق يعلمكم كل شي‏ء، و لم يقل شيئا من تلقاء نفسه. و المراد بالفارقليط محمد (صلوات اللَّه و سلامه عليه)، و هذا كما تقدم عن عيسى أنه قال‏ وَ مُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ* و هذا باب متسع، و لو تقصينا جميع ما ذكره الناس لطال هذا الفصل جدا، و قد أشرنا إلى نبذ من ذلك يهتدى بها من نور اللَّه بصيرته و هداه إلى صراطه المستقيم، و أكثر هذه النصوص يعلمها كثير من علمائهم و أحبارهم، و هم مع ذلك يتكاتمونها و يخفونها*

و قال الحافظ أبو بكر البيهقي: أنا أبو عبد اللَّه الحافظ و محمد بن موسى بن الطفيل قالا: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا محمد بن عبيد اللَّه بن أبى داود المنادي، ثنا يونس ابن محمد المؤدب، ثنا صالح بن عمر، ثنا عاصم بن كليب عن أبيه عن الغليان [ (2)] بن عاصم قال:

كنا جلوسا عند النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، إذ شخص ببصره إلى رجل فدعاه فأقبل رجل من اليهود مجتمع عليه قميص و سراويل و نعلان، فجعل يقول: يا رسول اللَّه، فجعل رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول: أ تشهد أنى رسول اللَّه؟

فجعل لا يقول شيئا إلا قال: يا رسول اللَّه، فيقول: أ تشهد أنى رسول اللَّه؟ فيأبى، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): أ تقرأ التوراة؟ قال: نعم، قال: و الإنجيل؟ قال: نعم، و الفرقان و رب محمد لو شئت لقرأته، قال: فأنشدك بالذي أنزل التوراة و الإنجيل و أنشأ خلقه بها، تجدني فيهما؟ قال: نجد مثل نعتك، يخرج من مخرجك، كنا نرجو أن يكون فينا، فلما خرجت رأينا أنك هو، فلما نظرنا إذا أنت لست به، قال: من أين؟ قال: نجد من أمتك سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب، و إنما أنتم قليل، قال: فهلل رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و كبر، و هلل و كبر، ثم قال: و الّذي نفس محمد بيده إنني لأنا هو، و إن من أمتى لأكثر من سبعين ألفا و سبعين و سبعين‏

حديث في جوابه (صلى اللَّه عليه و سلم) لمن سأل عما سأل قبل أن يسأله عن شي‏ء منه‏

قال الامام أحمد: حدثنا عفان، ثنا حماد بن سلمة، أنا الزبير بن عبد السلام، عن أيوب بن عبد اللَّه بن مكرز- و لم يسمعه منه- قال: حدثني جلساؤه و قد رأيته عن وابصة الأسدي، و قال عفان: ثنا غير مرة و لم يقل: حدثني جلساؤه، قال:

أتيت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و أنا أريد أن لا أدع شيئا من البر و الإثم إلا سألته عنه، و حوله عصابة من المسلمين يستفتونه، فجعلت أتخطاهم، فقالوا:

إليك وابصة عن رسول اللَّه، فقلت: دعوني فأدنو منه، فإنه أحب الناس إلى أن أدنو منه، قال:

____________

[ (1)] كذا بالنسخ و لعلها «فهذا»

[ (2)] كذا بالنسخ التي بأبدينا.

182

دعوا وابصة، ادن يا وابصة، مرتين أو ثلاثا، قال: فدنوت منه حتى قعدت بين يديه، فقال:

يا وابصة أخبرك أم تسألنى؟ فقلت: لا، بل أخبرنى: فقال، جئت تسأل عن البر و الإثم، فقلت:

نعم، فجمع أنامله فجعل ينكت بهن في صدري و يقول يا وابصة استفت قلبك و استفت نفسك (ثلاث مرات) البر ما اطمأنت اليه النفس، و الإثم ما حاك في النفس و تردد في الصدر، و إن أفتاك الناس و أفتوك‏

باب‏

ما أخبر به (صلى اللَّه عليه و سلم) من الكائنات المستقبلة في حياته و بعده فوقعت طبق ما أخبر به سواء بسواء

و هذا باب عظيم لا يمكن استقصاء جميع ما فيه لكثرتها، و لكن نحن نشير إلى طرف منها و باللَّه المستعان، و عليه التكلان، و لا حول و لا قوة إلا باللَّه العزيز الحكيم. و ذلك منتزع من القرآن و من الأحاديث، أما القرآن فقال تعالى في سورة المزمل- و هي من أوائل ما نزل بمكة- عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى‏ وَ آخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَ آخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ‏ و معلوم أن الجهاد لم يشرع إلا بالمدينة بعد الهجرة. و قال تعالى في سورة اقترب- و هي مكية- أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَ يُوَلُّونَ الدُّبُرَ و وقع هذا يوم بدر، و قد تلاها رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و هو خارج من العريش و رماهم بقبضة من الحصباء فكان النصر و الظفر، و هذا مصداق ذاك* و قال تعالى: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَ تَبَّ* ما أَغْنى‏ عَنْهُ مالُهُ وَ ما كَسَبَ* سَيَصْلى‏ ناراً ذاتَ لَهَبٍ وَ امْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ فأخبر أن عمه عبد العزى بن عبد المطلب الملقب بأبي لهب سيدخل النار هو و امرأته، فقدر اللَّه عز و جل أنهما ماتا على شركهما لم يسلما، حتى و لا ظاهرا، و هذا من دلائل النبوة الباهرة، و قال تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلى‏ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً و قال تعالى في سورة البقرة: وَ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى‏ عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَ ادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَ لَنْ تَفْعَلُوا الآية، فأخبر أن جميع الخليقة لو اجتمعوا و تعاضدوا و تناصروا و تعاونوا على أن يأتوا بمثل هذا القرآن في فصاحته و بلاغته، و حلاوته و إحكام أحكامه، و بيان حلاله و حرامه، و غير ذلك من وجوه إعجازه، لما استطاعوا ذلك، و لما قدروا عليه، و لا على عشر سور منه، بل و لا سورة، و أخبر أنهم لن يفعلوا ذلك أبدا، و لن لنفى التأبيد في المستقبل، و مثل هذا التحدي، و هذا القطع، و هذا الاخبار الجازم، لا يصدر إلا عن واثق بما يخبر به، عالم بما يقوله، قاطع أن أحدا لا يمكنه أن يعارضه، و لا يأتى بمثل ما جاء به عن ربه عز و جل، و قال تعالى: وَعَدَ اللَّهُ‏

183

الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى‏ لَهُمْ وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً الآية، و هكذا وقع سواء بسواء، مكن اللَّه هذا الدين و أظهره، و أعلاه و نشره في سائر الآفاق، و أنفذه و أمضاه، و قد فسر كثير من السلف هذه الآية بخلافة الصديق، و لا شك في دخوله فيها، و لكن لا تختص به، بل تعمه كما تعم غيره،

كما ثبت في الصحيح‏

«إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، و إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، و الّذي نفسي بيده لننفقنّ كنوزهما في سبيل اللَّه»،

و قد كان ذلك في زمن الخلفاء الثلاثة أبى بكر و عمر و عثمان رضى اللَّه عنهم و أرضاهم، و قال تعالى: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى‏ وَ دِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ‏ و هكذا وقع و عم هذا الدين، و غلب و علا على سائر الأديان، في مشارق الأرض و مغاربها، و علت كلمته في زمن الصحابة و من بعدهم، و ذلت لهم سائر البلاد، و دان لهم جميع أهلها، على اختلاف أصنافهم، و صار الناس إما مؤمن داخل في الدين، و إما مهادن باذل الطاعة و المال، و إما محارب خائف و جل من سطوة الإسلام و أهله* و قد ثبت في الحديث: إن اللَّه زوى لي مشارق الأرض و مغاربها، و سيبلغ ملك أمتى ما زوى لي منها. و قال تعالى: قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى‏ قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ‏ الآية، و سواء كان هؤلاء هوازن أو أصحاب مسيلمة، أو الروم، فقد وقع ذلك، و قال تعالى‏ وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ وَ كَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَ لِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَ يَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً* وَ أُخْرى‏ لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها وَ كانَ اللَّهُ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيراً و سواء كانت هذه الأخرى خيبر أو مكة فقد فتحت و أخذت كما وقع به الوعد سواء بسواء، و قال تعالى‏ لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَ مُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً فكان هذا الوعد في سنة الحديبيّة عام ست، و وقع إنجازه في سنة سبع عام عمرة القضاء كما تقدم.

و ذكرنا هناك الحديث بطوله،

و فيه أن عمر قال:

يا رسول اللَّه أ لم تكن تخبرنا أنا سنأتي البيت و نطوف به؟ قال: بلى، أ فأخبرتك أنك تأتيه عامك هذا؟ قال: لا، قال فإنك تأتيه و تطوف به.

و قال تعالى:

وَ إِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَ تَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ‏ و هذا الوعد كان في وقعة بدر لما خرج رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) من المدينة ليأخذ عير قريش، فبلغ قريشا خروجه إلى عيرهم، فنفروا في قريب من ألف مقاتل، فلما تحقق رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و أصحابه قدومهم وعده اللَّه إحدى الطائفتين أن سيظفره بها، إما العير و إما النفير، فود كثير من الصحابة- ممن كان معه- أن يكون الوعد للعير، لما فيه من الأموال و قلة الرجال، و كرهوا لقاء النفير لما فيه من العدد و العدد، فخار اللَّه لهم و أنجز لهم وعده في النفير فأوقع بهم بأسه الّذي لا يرد، فقتل من سراتهم سبعون و أسر سبعون‏

184

و فادوا أنفسهم بأموال جزيلة، فجمع لهم بين خيرى الدنيا و الآخرة، و لهذا قال تعالى‏ وَ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَ يَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ‏ و قد تقدم بيان هذا في غزوة بدر، و قال تعالى‏ يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى‏ [ (1)] إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ‏ و هكذا وقع فان اللَّه عوض من أسلّم منهم بخير الدنيا و الآخرة*

و من ذلك ما ذكره البخاري‏

أن العباس جاء إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقال: يا رسول اللَّه أعطنى، فانى فأديت نفسي، و فاديت عقيلا، فقال له: خذ، فأخذ في ثوب مقدارا لم يمكنه أن يقله،

ثم وضع منه مرة بعد مرة حتى أمكنه أن يحمله على كاهله، و انطلق به كما ذكرناه في موضعه مبسوطا* و هذا من تصديق هذه الآية الكريمة، و قال تعالى: وَ إِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ الآية، و هكذا وقع عوضهم اللَّه عما كان يغدو إليهم مع حجاج المشركين، بما شرعه لهم من قتال أهل الكتاب، و ضرب الجزية عليهم، و سلب أموال من قتل منهم على كفره، كما وقع بكفار أهل الشام من الروم و مجوس الفرس، بالعراق و غيرها من البلدان التي انتشر الإسلام على أرجائها، و حكم على مدائنها و فيفائها، قال تعالى: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى‏ وَ دِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ‏ و قال تعالى: سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ‏ الآية، و هكذا وقع، لما رجع (صلى اللَّه عليه و سلم) من غزوة تبوك كان قد تخلف عنه طائفة من المنافقين، فجعلوا يحلفون باللَّه لقد كانوا معذورين في تخلفهم، و هم في ذلك كاذبون، فأمر اللَّه رسوله أن يجرى أحوالهم على ظاهرها، و لا يفضحهم عند الناس، و قد أطلعه اللَّه على أعيان جماعة منهم أربعة عشر رجلا كما قدمناه لك في غزوة تبوك، فكان حذيفة بن اليمان ممن يعرفهم بتعريفه إياه (صلى اللَّه عليه و سلم).

و قال تعالى: وَ إِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها وَ إِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلًا و هكذا وقع، لما اشتوروا عليه ليثبتوه: أو يقتلوه أو يخرجوه من بين أظهرهم، ثم وقع الرأى على القتل، فعند ذلك أمر اللَّه رسوله بالخروج من بين أظهرهم، فخرج هو و صديقه أبو بكر، فكمنا في غار ثور ثلاثا، ثم ارتحلا بعدها كما قدمنا، و هذا هو المراد بقوله‏ إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَ أَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَ جَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى‏ وَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا وَ اللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ‏ و هو المراد من قوله‏ وَ إِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَ يَمْكُرُونَ وَ يَمْكُرُ اللَّهُ وَ اللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ‏ و لهذا قال: وَ إِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلًا و قد وقع كما أخبر فان الملأ الذين اشتوروا على ذلك لم يلبثوا بمكة بعد هجرته (صلى اللَّه عليه و سلم) إلا ريثما استقر ركابه الشريف بالمدينة

____________

[ (1)] كذا في النسخ و لعلها قراءة سبعية.

185

و تابعه المهاجرون و الأنصار، ثم كانت وقعة بدر فقتلت تلك النفوس، و كسرت تلك الرءوس، و قد كان (صلى اللَّه عليه و سلم) يعلم ذلك قبل كونه من إخبار اللَّه له بذلك، و لهذا قال سعد بن معاذ لأمية بن خلف:

أما إني سمعت محمدا (صلى اللَّه عليه و سلم) يذكر أنه قاتلك، فقال: أنت سمعته؟ قال: نعم، قال: فإنه و اللَّه لا يكذب، و سيأتي الحديث في بابه. و قد قدمنا أنه (عليه السلام) جعل يشير لأصحابه قبل الوقعة إلى مصارع القتلى، فما تعدى أحد منهم موضعه الّذي أشار إليه، (صلوات اللَّه و سلامه عليه)* و قال تعالى:

الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَ هُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ بَعْدُ وَ يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ* وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ‏ و هذا الوعد وقع كما أخبر به، و ذلك أنه لما غلبت فارس الروم فرح المشركون، و اغتم بذلك المؤمنون، لأن النصارى أقرب إلى الإسلام من المجوس، فأخبر اللَّه رسوله (صلى اللَّه عليه و سلم) بأن الروم ستغلب الفرس بعد هذه المدة بسبع سنين، و كان من أمر مراهنة الصديق رءوس المشركين على أن ذلك سيقع في هذه المدة، ما هو مشهور كما قررنا في كتابنا التفسير، فوقع الأمر كما أخبر به القرآن، غلبت الروم فارس بعد غلبهم غلبا عظيما جدا، و قصتهم في ذلك يطول بسطها، و قد شرحناها في التفسير بما فيه الكفاية و للَّه الحمد و المنة* و قال تعالى‏ سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَ وَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ شَهِيدٌ و كذلك وقع، أظهر اللَّه من آياته و دلائله في أنفس البشر و في الآفاق بما أوقعه من الناس بأعداء النبوة، و مخالفي الشرع ممن كذب به من أهل الكتابين، و المجوس و المشركين، ما دل ذوى البصائر و النّهى على أن محمدا رسول اللَّه حقا، و أن ما جاء به من الوحي عن اللَّه صدق، و قد أوقع له في صدور أعدائه و قلوبهم رعبا و مهابة و خوفا،

كما ثبت عنه في الصحيحين أنه قال:

نصرت بالرعب مسيرة شهر،

و هذا من التأييد و النصر الّذي آتاه اللَّه عز و جل، و كان عدوه يخافه و بينه و بينه مسيرة شهر، و قيل:

كان إذا عزم على غزو قوم أرعبوا قبل مجيئه إليهم، و وروده عليهم بشهر، (صلوات اللَّه و سلامه عليه) دائما إلى يوم الدين.

فصل‏

و أما الأحاديث الدالة على إخباره بما وقع كما أخبر، فمن ذلك ما أسلفناه في قصة الصحيفة التي تعاقدت فيها بطون قريش، و تمالئوا على بنى هاشم و بنى المطلب أن لا يؤووهم، و لا يناكحوهم، و لا يبايعوهم، حتى يسلموا إليهم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فدخلت بنو هاشم و بنو المطلب، بمسلمهم و كافرهم شعب أبى طالب آنفين لذلك ممتنعين منه أبدا، ما بقوا دائما، ما تناسلوا و تعاقبوا، و في ذلك عمل‏

186

أبو طالب قصيدته اللامية التي يقول فيها:

كذبتم و بيت اللَّه نبزى محمدا* * * و لما نقاتل دونه و نناضل‏

و نسلمه حتى نصرّع حوله‏* * * و نذهل عن أبنائنا و الحلائل‏

و ما ترك قوم لا أبا لك سيدا* * * يحوط الذمار غير ذرب مواكل‏

و أبيض يستسقي الغمام بوجهه‏* * * ثمال اليتامى عصمة للأرامل‏

يلوذ به الهلّاك من آل هاشم‏* * * فهم عنده في نعمة و فواضل‏

و كانت قريش قد علقت صحيفة الزعامة في سقف الكعبة، فسلط اللَّه عليها الأرضة فأكلت ما فيها من أسماء اللَّه، لئلا يجتمع بما فيها من الظلم و الفجور، و قيل: إنها أكلت ما فيها إلا أسماء اللَّه عز و جل، فأخبر بذلك رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) عمه أبا طالب، فجاء أبو طالب إلى قريش فقال: إن ابن أخى قد أخبرنى بخبر عن صحيفتكم، فان اللَّه قد سلط عليها الأرضة فأكلتها إلا ما فيها من أسماء اللَّه، أو كما قال: فأحضروها، فأن كان كما قال و إلا أسلمته إليكم، فأنزلوها ففتحوها فإذا الأمر كما أخبر به رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فعند ذلك نقضوا حكمها و دخلت بنو هاشم و بنو المطلب مكة، و رجعوا إلى ما كانوا عليه قبل ذلك، كما أسلفنا ذكره و للَّه الحمد* و من ذلك حديث خباب بن الأرت، حين جاء هو و أمثاله من المستضعفين يستنصرون النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، و هو يتوسد رداءه في ظل الكعبة فيدعو لهم لما هم فيه من العذاب و الإهانة، فجلس محمرّا وجهه و قال: إن من كان قبلكم كان أحدهم يشق باثنتين ما يصرفه ذلك عن دينه، و اللَّه ليتمّنّ اللَّه هذا الأمر و لكنكم تستعجلون* و من ذلك الحديث الّذي رواه البخاري: ثنا محمد بن العلاء، ثنا حماد بن أسامة عن يزيد بن عبد اللَّه بن أبى بردة عن أبيه عن جده أبى بردة عن أبى موسى، أراه عن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) قال: رأيت في المنام أنى أهاجر من مكة إلى أرض فيها نخل، فذهب وهلي إلى أنها اليمامة أو هجر، فإذا هي المدينة يثرب، و رأيت في رؤياي هذه أنى هززت سيفا فانقطع صدره، فإذا هو ما أصيب من المؤمنين يوم أحد، ثم هززته أخرى فعاد أحسن ما كان، فإذا هو ما جاء به من الفتح و اجتماع المؤمنين، و رأيت فيها بقرا و اللَّه خير، فإذا هم المؤمنون يوم أحد، و إذا الخير ما جاء اللَّه به من الخير و ثواب الصدق الّذي أتانا بعد يوم بدر* و من ذلك قصة سعد بن معاذ مع أمية بن خلف حين قدم عليه مكة. قال البخاري: ثنا أحمد بن إسحاق، ثنا عبيد اللَّه بن موسى، ثنا إسرائيل عن أبى إسحاق عن عمرو بن ميمون عن عبد اللَّه بن مسعود قال: انطلق سعد بن معاذ معتمرا فنزل على أمية بن خلف، أبى صفوان، و كان أمية إذا انطلق إلى الشام فمرّ بالمدينة نزل على سعد، فقال أمية لسعد: انتظر حتى إذا انتصف النهار و غفل الناس انطلقت فطفت، فبينا سعد يطوف فإذا أبو جهل، فقال: من‏

187

هذا الّذي يطوف بالكعبة؟ فقال سعد: أنا سعد، فقال أبو جهل: تطوف بالكعبة آمنا و قد آويتم محمدا و أصحابه؟ فقال: نعم، فتلاحيا بينهما، فقال أمية لسعد: لا ترفع صوتك على أبى الحكم فإنه سيد أهل الوادي، ثم قال سعد: و اللَّه لئن منعتني أن أطوف بالبيت لأقطعنّ متجرك بالشام، قال:

فجعل أمية يقول لسعد: لا ترفع صوتك، و جعل يمسكه، فغضب سعد فقال: دعنا عنك، فانى سمعت محمدا (صلى اللَّه عليه و سلم) يزعم أنه قاتلك، قال: إياي؟ قال: نعم، قال: و اللَّه ما يكذب محمد إذا حدث، فرجع إلى امرأته فقال: أما تعلمين ما قال لي أخى اليثربي؟ قالت: و ما قال لك؟ قال: زعم أنه سمع محمدا يزعم أنه قاتلي، قالت: فو اللَّه ما يكذب محمد، قال: فلما خرجوا إلى بدر و جاء الصريخ، قالت له امرأته: ما ذكرت ما قال لك أخوك اليثربي؟ قال: فأراد أن لا يخرج، فقال له أبو جهل: إنك من أشراف الوادي، فسر يوما أو يومين، فسار معهم فقتله اللَّه* و هذا الحديث من أفراد البخاري، و قد تقدم بأبسط من هذا السياق*

و من ذلك قصة أبىّ بن خلف الّذي كان يعلف حصانا له، فإذا مر برسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول: إني سأقتلك عليه، فيقول له رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): بل أنا أقتلك إن شاء اللَّه،

فقتله يوم أحد كما قدمنا بسطه* و من ذلك إخباره عن مصارع القتلى يوم بدر كما تقدم الحديث في الصحيح أنه جعل يشير قبل الوقعة إلى محلها و يقول: هذا مصرع فلان غدا إن شاء اللَّه، و هذا مصرع فلان، قال: فو الّذي بعثه بالحق ما حاد أحد منهم عن مكانه الّذي أشار إليه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)* و من ذلك قوله لذلك الرجل الّذي كان لا يترك للمشركين شاذة و لا فاذة إلا اتبعها ففراها بسيفه، و ذلك يوم أحد، و قيل: خيبر و هو الصحيح، و قيل: في يوم حنين، فقال الناس: ما أغنى أحد اليوم ما أغنى فلان، يقال: إنه قرمان، فقال: إنه من أهل النار، فقال بعض الناس: أنا صاحبه، فاتبعه فجرح فاستعجل الموت فوضع ذباب سيفه في صدره ثم تحامل عليه حتى أنفذه، فرجع ذلك الرجل فقال: أشهد أن لا إله إلا اللَّه و أنك رسول اللَّه، فقال: و ما ذاك؟ فقال: إن الرجل الّذي ذكرت آنفا كان من أمره كيت و كيت، فذكر الحديث كما تقدم* و من ذلك إخباره عن فتح مدائن كسرى و قصور الشام و غيرها من البلاد يوم حفر الخندق، لما ضرب بيده الكريمة تلك الصخرة فبرقت من ضربه، ثم أخرى، ثم أخرى كما قدمناه* و من ذلك إخباره (صلى اللَّه عليه و سلم) عن ذلك الذراع أنه مسموم، فكان كما أخبر به، اعترف اليهود بذلك، و مات من أكل معه- بشر بن البراء بن معرور-*

و من ذلك ما ذكره عبد الرزاق عن معمر أنه بلغه أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال ذات يوم:

اللَّهمّ نج أصحاب السفينة، ثم مكث ساعة، ثم قال: قد استمرت*

و الحديث بتمامه في دلائل النبوة للبيهقي، و كانت تلك السفينة قد أشرفت على الغرق و فيها الأشعريون الذين قدموا عليه و هو بخيبر* و من ذلك إخباره عن قبر أبى رغال، حين مرّ عليه و هو ذاهب إلى الطائف و أن معه غصنا من ذهب، فحفروه فوجدوه كما أخبر،

188

(صلوات اللَّه و سلامه عليه)* رواه أبو داود من حديث أبى إسحاق عن إسماعيل بن أمية عن بحر بن أبى بحر عن عبد اللَّه بن عمرو به* و من ذلك‏

قوله (عليه السلام) للأنصار

، لما خطبهم تلك الخطبة مسليا لهم عما كان وقع في نفوس بعضهم من الإيثار عليهم في القسمة لما تألف قلوب من تألف من سادات العرب، و رءوس قريش، و غيرهم، فقال: أما ترضون أن يذهب الناس بالشاة و البعير، و تذهبون برسول اللَّه تحوزونه إلى رحالكم؟* و قال: إنكم ستجدون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض* و قال: إن الناس يكثرون و تقل الأنصار* و قال لهم في الخطبة قبل هذه على الصفا: بل المحيا محياكم، و الممات مماتكم*

و قد وقع جميع ذلك كما أخبر به سواء بسواء.

و قال البخاري: ثنا يحيى بن بكير، ثنا الليث عن يونس عن ابن شهاب قال: و أخبرنى سعيد ابن المسيب عن أبى هريرة قال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، و إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، و الّذي نفس محمد بيده لتنفقنّ كنوزهما في سبيل اللَّه*

و رواه مسلم عن حرملة عن أبى وهب عن يونس به*

و قال البخاري: ثنا قبيصة، ثنا سفيان عن عبد الملك بن عمير عن جابر بن سمرة رفعه:

إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، و إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، و قال:

لتنفقنّ كنوزهما في سبيل اللَّه*

و قد رواه البخاري أيضا و مسلم من حديث جرير، و زاد البخاري و ابن عوانة ثلاثتهم عن عبد الملك بن عمير به‏

،

و قد وقع مصداق ذلك بعده في أيام الخلفاء الثلاثة أبى بكر، و عمر، و عثمان، استوثقت هذه الممالك فتحا على أيدي المسلمين، و أنفقت أموال قيصر ملك الروم، و كسرى ملك الفرس، في سبيل اللَّه، على ما سنذكره بعد إن شاء اللَّه. و في هذا الحديث بشارة عظيمة للمسلمين، و هي أن ملك فارس قد انقطع فلا عودة له، و ملك الروم للشام قد زال عنها، فلا يملكوها بعد ذلك، و للَّه الحمد و المنة* و فيه دلالة على صحة خلافة أبى بكر، و عمر، و عثمان، و الشهادة لهم بالعدل، حيث أنفقت الأموال المغنومة في زمانهم في سبيل اللَّه على الوجه المرضى الممدوح*

و قال البخاري: ثنا محمد بن الحكم، ثنا النضر، ثنا إسرائيل، ثنا سعد الطائي، أنا محل بن خليفة عن عدي بن حاتم، قال:

بينا أنا عند النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) إذ أتاه رجل فشكى إليه الفاقة، ثم أتاه آخر فشكى إليه قطع السبيل، فقال: يا عدي هل رأيت الحيرة؟ قلت: لم أرها، و قد أنبئت عنها، قال: فأن طالت بك حياة لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة ما تخاف أحدا إلا اللَّه عز و جل قلت فيما بيني و بين نفسي: فأين دعار طيِّئ الذين قد سعروا البلاد؟ و لئن طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى، قلت: كسرى بن هرمز؟ قال: كسرى بن هرمز، و لئن طالت بك حياة لترين الرجل يخرج مل‏ء كفه من ذهب أو فضة يطلب من يقبله منه فلا يجد أحدا يقبله منه، و ليلقين اللَّه أحدكم يوم يلقاه و ليس بينه و بينه ترجمان يترجم له فيقولن له: أ لم أبعث‏

189

إليك رسولا فيبلغك؟ فيقول: بلى، فيقول: أ لم أعطك مالا [و ولدا] و أفضلت عليك؟ فيقول: بلى، فينظر عن يمينه فلا يرى إلا جهنم، و ينظر عن يساره فلا يرى إلا جهنم، قال عدي: سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول: اتقوا النار و لو بشق تمرة، فأن لم تجد فبكلمة طيبة،

قال عدي: فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة فلا تخاف إلا اللَّه عز و جل، و كنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز، و لئن طالت بكم حياة لترون ما قال النبي أبو القاسم (صلى اللَّه عليه و سلم) يخرج مل‏ء كفه* ثم رواه البخاري عن عبيد اللَّه بن محمد- هو أبو بكر بن أبى شيبة- عن أبى عاصم النبيل عن سعد بن بشر عن أبى مجاهد- سعد الطائي- عن محل عنه به، و قد تفرد به البخاري من هذين الوجهين، و رواه النسائي من حديث شعبة عن محل عنه: اتقوا النار و لو بشق تمرة* و قد رواه البخاري من حديث شعبة، و مسلم من حديث زهير، كلاهما عن أبى إسحاق عن عبد اللَّه بن مغفل عن عدي مرفوعا اتقوا النار و لو بشق تمرة* و كذلك أخرجاه في الصحيحين من حديث الأعمش عن خيثمة عن عبد الرحمن عن عدي، و فيها من حديث شعبة عن عمرو بن مرة عن خيثمة عن عدي به* و هذه كلها شواهد لأصل هذا الحديث الّذي أوردناه، و قد تقدم في غزوة الخندق الأخبار بفتح مدائن كسرى و قصوره و قصور الشام و غير ذلك من البلاد*

و قال الامام أحمد: حدثنا محمد بن عبيد، ثنا إسماعيل عن قيس عن خباب قال:

أتينا رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و هو في ظل الكعبة متوسدا بردة له، فقلنا: يا رسول اللَّه، ادع اللَّه لنا و استنصره، قال: فاحمر لونه أو تغير، فقال: لقد كان من قبلكم تحفر له الحفيرة و يجاء بالميشار فيوضع على رأسه فيشق ما يصرفه عن دينه، و يمشط بأمشاط الحديد ما دون عظم أو لحم أو عصب ما يصرفه عن دينه، و ليتمّنّ اللَّه هذا الأمر حتى يسير الراكب ما بين صنعاء إلى حضرموت ما يخشى إلا اللَّه و الذئب على غنمه و لكنكم تعجلون*

و هكذا رواه البخاري عن مسدد، و محمد بن المثنى عن يحيى بن سعيد، عن إسماعيل بن أبى خالد به*

ثم قال البخاري في كتاب علامات النبوة: حدثنا سعيد بن شرحبيل، ثنا ليث عن يزيد بن أبى حبيب عن أبى الحسين عن عتبة عن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)

أنه خرج يوما فصلّى على أهل أحد صلاته على الميت، ثم انصرف إلى المنبر فقال: أنا فرطكم، و أنا شهيد عليكم، إني و اللَّه لأنظر إلى حوضي الآن، و إني قد أعطيت مفاتيح خزائن الأرض، و إني و اللَّه ما أخاف بعدي أن تشركوا، و لكنى أخاف أن تنافسوا فيها*

و قد رواه البخاري أيضا من حديث حيوة بن شريح، و مسلم من حديث يحيى بن أيوب، كلاهما عن يزيد بن أبى حبيب كرواية الليث عنه‏

* ففي هذا الحديث مما نحن بصدده أشياء، منها أنه أخبر الحاضرين أنه فرطهم، أي المتقدم عليهم في الموت، و هكذا وقع، فأن هذا كان في مرض موته (عليه السلام)، ثم أخبر أنه شهيد عليهم و إن تقدم وفاته‏

190

عليهم، و أخبر أنه أعطى مفاتيح خزائن الأرض، أي فتحت له البلاد كما جاء في حديث أبى هريرة المتقدم، قال أبو هريرة: فذهب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و أنتم تفتحونها كفرا كفرا، أي بلدا بلدا، و أخبر أن أصحابه لا يشركون بعده، و هكذا وقع و للَّه الحمد و المنة، و لكن خاف عليهم أن ينافسوا في الدنيا، و قد وقع هذا في زمان على و معاوية رضى اللَّه عنهما ثم من بعدهما، و هلم جرا إلى وقتنا هذا*

ثم قال البخاري: ثنا على بن عبد اللَّه، أنا أزهر بن سعد، أنا ابن عون، أنبأنى موسى بن أنس بن مالك عن أنس‏

أن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) افتقد ثابت بن قيس، فقال رجل: يا رسول اللَّه أعلم لك علمه؟ فأتاه فوجده جالسا في بيته منكسا رأسه، فقال: ما شأنك؟ فقال: شرا كان يرفع صوته فوق صوت النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، فقد حبط عمله و هو من أهل النار، فأتى الرجل فأخبره أنه قال كذا و كذا، قال موسى: فرجع المرة الآخرة ببشارة عظيمة، فقال: اذهب إليه فقل له: إنك لست من أهل النار، و لكن من أهل الجنة،

تفرد به البخاري* و قد قتل ثابت بن قيس بن شماس شهيدا يوم اليمامة كما سيأتي تفصيله، و هكذا ثبت في الحديث الصحيح البشارة لعبد اللَّه بن سلام أنه يموت على الإسلام، و يكون من أهل الجنة، و قد مات رضى اللَّه عنه على أكمل أحواله و أجملها، و كان الناس يشهدون له بالجنة في حياته لأخبار الصادق عنه بأنه يموت على الإسلام، و كذلك وقع* و قد ثبت في الصحيح الأخبار عن العشرة بأنهم من أهل الجنة، بل ثبت أيضا الأخبار عنه (صلوات اللَّه و سلامه عليه) بأنه لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة، و كانوا ألفا و أربعمائة، و قيل: و خمسمائة، و لم ينقل أن أحدا من هؤلاء رضى اللَّه عنه عاش إلا حميدا، و لا مات إلا على السداد و الاستقامة و التوفيق، و للَّه الحمد و المنة* و هذا من أعلام النبوات، و دلالات الرسالة.

فصل في الأخبار بغيوب ماضية و مستقبلة

روى البيهقي من حديث إسرائيل عن سماك عن جابر بن سمرة قال:

جاء رجل فقال: يا رسول اللَّه إن فلانا مات، فقال: لم يمت، فعاد الثانية فقال: إن فلانا مات، فقال: لم يمت، فعاد الثالثة فقال: إن فلانا نحر نفسه بمشقص عنده، فلم يصلّ عليه*

ثم قال البيهقي تابعه زهير عن سماك* و من ذلك الوجه رواه مسلم مختصرا في الصلاة* و قال أحمد: حدثنا أسود بن عامر، ثنا هريم بن سفيان عن سنان بن بشر عن قيس بن أبى حازم عن قيس بن أبى شهم قال: مرت بى جارية بالمدينة فأخذت بكشحها، قال: و أصبح الرسول (صلى اللَّه عليه و سلم) يبايع الناس، قال: فأتيته فلم يبايعني، فقال: صاحب الجبيذة؟

قال: قلت: و اللَّه لا أعود، قال: فبايعني* و رواه النسائي عن محمد بن عبد الرحمن الحربي عن‏

191

أسود بن عامر به، ثم رواه أحمد عن سريج عن يزيد بن عطاء عن سنان بن بشر عن قيس عن أبى هاشم فذكره* و في صحيح البخاري: عن أبى نعيم عن سفيان عن عبد اللَّه بن دينار عن عبد اللَّه ابن عمر قال: كنا نتقي الكلام و الانبساط إلى نسائنا في عهد رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) خشية أن ينزل فينا شي‏ء، فلما توفى تكلمنا و انبسطنا* و قال ابن وهب: أخبرنى عمرو بن الحرث عن سعيد بن أبى هلال عن أبى حازم عن سهل بن سعد أنه قال: و اللَّه لقد كان أحدنا يكف عن الشي‏ء مع امرأته و هو و إياها في ثوب واحد تخوفا أن ينزل فيه شي‏ء من القرآن*

و قال أبو داود: ثنا محمد بن العلاء، ثنا ابن إدريس، ثنا عاصم بن كليب عن أبيه عن رجل من الأنصار قال:

خرجنا مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في جنازة فرأيت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و هو على القبر يوصى الحافر: أوسع من قبل رجليه، أوسع من قبل رأسه، فلما رجع استقبله داعي امرأة، فجاء و جي‏ء بالطعام فوضع يده فيه و وضع القوم أيديهم فأكلوا فنظر آباؤنا رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يلوك لقمة في فيه، ثم قال: أجد لحم شاة أخذت بغير إذن أهلها، قال فأرسلت المرأة: يا رسول اللَّه إني أرسلت إلى البقيع يشترى لي شاة فلم توجد، فأرسلت إلى جار لي قد اشترى شاة: أن أرسل بها إليّ بثمنها فلم يوجد، فأرسلت إلى امرأته فأرسلت إلى بها، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): أطعميه الأسارى.

فصل في ترتيب الأخبار بالغيوب المستقبلة بعده (عليه الصلاة و السلام)

ثبت في صحيح البخاري و مسلم من حديث الأعمش عن أبى وائل عن حذيفة بن اليمان:

قال: قام رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فينا مقاما ما ترك فيه شيئا إلى قيام الساعة إلا ذكره، علمه من علمه، و جهله من جهله، و قد كنت أرى الشي‏ء قد كنت نسيته فأعرفه كما يعرف الرجل الرجل إذا غاب عنه فرآه فعرفه*

و قال البخاري: ثنا يحيى بن موسى، حدثنا الوليد، حدثني ابن جابر، حدثني بشر بن عبيد اللَّه الحضرميّ، حدثني أبو إدريس الخولانيّ أنه سمع حذيفة بن اليمان يقول:

كان الناس يسألون رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) عن الخير، و كنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول اللَّه إنا كنا في جاهلية و شرّ، فجاء اللَّه بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شرّ؟ قال: نعم، قلت: و هل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم، و فيه دخن، قلت: و ما دخنه؟ فقال: قوم يهدون بغير هديي يعرف منهم و ينكر، قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها، قلت: يا رسول اللَّه صفهم لنا، قال: هم من جلدتنا، و يكلمون بألسنتنا، قلت: فما تأمرنى إن أدركنى ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين و إمامهم، قلت: فان لم يكن لهم جماعة و لا إمام‏

192

قال: فاعتزل تلك الفرق كلها و لو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت و أنت على ذلك*

و قد رواه البخاري أيضا و مسلم عن محمد بن المثنى عن الوليد عن عبد الرحمن بن يزيد عن جابر به*

قال البخاري، ثنا محمد بن مثنى، ثنا يحيى بن سعيد عن إسماعيل عن قيس عن حذيفة قال: تعلم أصحابى الخير: و تعلمت الشر، تفرد به البخاري، و في صحيح مسلم من حديث شعبة عن عدي بن ثابت عن عبد اللَّه بن يزيد عن حذيفة قال: لقد حدثني رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بما يكون حتى تقوم الساعة، غير أنى لم أسأله ما يخرج أهل المدينة منها* و في صحيح مسلم من حديث على بن أحمر عن أبى يزيد- عمرو بن أخطب- قال: أخبرنا رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بما كان و بما هو كائن إلى يوم القيامة، فأعلمنا أحفظنا* و في الحديث الآخر: حتى دخل أهل الجنة الجنة، و أهل النار النار* و قد تقدم حديث خباب بن الأرت: و اللَّه ليتمن اللَّه هذا الأمر و لكنكم تستعجلون* و كذا حديث عدي بن حاتم في ذلك، و قال اللَّه تعالى‏ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ‏ و قال تعالى‏ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ‏ الآية*

و في صحيح مسلم من حديث أبى نضرة عن أبى سعيد قال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

إن الدنيا حلوة خضرة، و إن اللَّه مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا، و اتقوا النساء، فان أول فتنة بنى إسرائيل كانت في النساء*

و في حديث آخر:

ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء*

و في الصحيحين من حديث الزهري عن عروة بن المسور عن عمرو بن عوف، فذكر قصة بعث أبى عبيدة إلى البحرين قال: و فيه قال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

أبشروا و أملوا ما يسركم، فو اللَّه ما الفقر أخشى عليكم، و لكن أخشى أن تنبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم*

و في الصحيحين من حديث سفيان الثوري عن محمد بن المنكدر عن جابر قال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

هل لكم من أنماط؟ قال: قلت يا رسول اللَّه: و أنى يكون لنا أنماط؟ فقال: أما إنها ستكون لكم أنماط، قال: فأنا أقول لامرأتى: نحى عنى أنماطك، فتقول:

أ لم يقل رسول اللَّه: إنها ستكون لكم أنماط؟ فأتركها

* و في الصحيحين و المسانيد و السنن و غيرها من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عبد اللَّه بن الزبير عن سفيان بن أبى زهير قال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

تفتح اليمن فيأتى قوم يبثون فيتحملون بأهليهم و من أطاعهم، و المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون*

كذلك رواه عن هشام بن عروة جماعة كثيرون و قد أسنده الحافظ ابن عساكر من حديث مالك و سفيان بن عيينة و ابن جريج و أبو معاوية و مالك بن سعد بن الحسن و أبو ضمرة أنس بن عياض و عبد العزيز بن أبى حازم و سلمة بن دينار و جرير بن عبد الحميد* و رواه أحمد. عن يونس عن حماد بن زيد عن هشام بن عروة* و عبد الرزاق عن ابن جريج عن هشام، و من‏

193

حديث مالك عن هشام به بنحوه‏

* ثم روى أحمد عن سليمان بن داود الهاشمي عن إسماعيل بن جعفر: أخبرنى يزيد بن حصيفة أن بشر بن سعيد أخبره أنه سمع في مجلس المكيين يذكرون أن سفيان أخبرهم، فذكر قصة و فيها: أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال له:

و يوشك الشام أن يفتح فيأتيه رجال من هذا البلد- يعنى المدينة- فيعجبهم ربعهم و رخاؤه و المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، ثم يفتح العراق فيأتى قوم يثبون فيحملون بأهليهم و من أطاعهم، و المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون*

و أخرجه ابن خزيمة من طريق إسماعيل، و رواه الحافظ ابن عساكر من حديث أبى ذر عن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) بنحوه‏

،

و كذا حديث ابن حوالة و يشهد لذلك: منعت الشام مدها و دينارها، و منعت العراق درهمها و قفيزها، و منعت مصر أردبها و دينارها، و عدتم من حيث بدأتم* و هو في الصحيح، و كذا حديث:

المواقيت لأهل الشام و اليمن، و هو في الصحيحين و عند مسلم: ميقات أهل العراق، و يشهد لذلك أيضا

حديث:

إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، و إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، و الّذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل اللَّه عز و جل*

و في صحيح البخاري من حديث أبى إدريس الخولانيّ عن عوف بن مالك أنه قال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في غزوة تبوك:

اعدد ستا بين يدي الساعة، فذكر موته (عليه السلام)، ثم فتح بيت المقدس، ثم موتان- و هو الوباء- ثم كثرة المال، ثم فتنة، ثم هدنة بين المسلمين و الروم،

و سيأتي الحديث فيما بعد*

و في صحيح مسلم من حديث عبد الرحمن بن شماسة عن أبى زرّ قال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

إنكم ستفتحون أرضا يذكر فيها القيراط فاستوصوا بأهلها خيرا، فان لهم ذمة و رحما، فإذا رأيت رجلين يختصمان في موضع لبنة فاخرج منها.

قال: فمر بربيعة و عبد الرحمن بن شرحبيل بن حسنة يختصمان في موضع لبنة فخرج منها- يعنى ديار مصر على يدي عمرو بن العاص في سنة عشرين كما سيأتي*

و روى ابن وهب عن مالك و الليث عن الزهري عن ابن لكعب بن مالك، أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال:

إذا افتتحتم مصر فاستوصوا بالقبط خيرا، فان لهم ذمة و رحما*

رواه البيهقي من حديث إسحاق بن راشد عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه*

و حكى أحمد بن حنبل عن سفيان بن عيينة أنه سئل عن قوله: ذمة و رحما، فقال:

من الناس من قال: إن أم إسماعيل- هاجر- كانت قبطية، و من الناس من قال: أم إبراهيم، قلت:

الصحيح الّذي لا شك فيه أنهما قبطيتان كما قدمنا ذلك، و معنى قوله: ذمة، يعنى بذلك هدية المقوقس إليه و قبوله ذلك منه، و ذلك نوع ذمام و مهادنة، و اللَّه تعالى أعلم* و تقدم ما رواه البخاري من حديث محل بن خليفة عن عدي بن حاتم في فتح كنوز كسرى و انتشار الأمن، و فيضان المال حتى لا يتقبله أحد، و في الحديث أن عديا شهد الفتح و رأى الظعينة ترتحل من الحيرة إلى مكة لا تخاف إلا اللَّه، قال: و لئن طالت بكم حياة لترون ما قال أبو القاسم (صلى اللَّه عليه و سلم)، من كثرة المال حتى لا يقبله أحد* قال‏

194

البيهقي: و قد كان ذلك في زمن عمر بن عبد العزيز، قلت: و يحتمل أن يكون ذلك متأخرا إلى زمن المهدي كما جاء في صفته، أو إلى زمن نزول عيسى بن مريم (عليه السلام) بعد قتله الدجال، فأنه قد ورد في الصحيح أنه يقتل الخنزير، و يكسر للصليب، و يفيض المال حتى لا يقبله أحد و اللَّه تعالى أعلم*

و في صحيح مسلم من حديث ابن أبى ذئب عن مهاجر بن مسمار عن عامر بن سعد عن جابر بن سمرة قال: سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول:

لا يزال هذا الدين قائما ما كان اثنا عشر خليفة كلهم من قريش، ثم يخرج كذابون بين يدي الساعة، و ليفتحن عصابة من المسلمين كنز القصر الأبيض، قصر كسرى، و أنا فرطكم على الحوض،

الحديث بمعناه* و تقدم‏

حديث عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبى هريرة مرفوعا:

إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، و إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، و الّذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل اللَّه عز و جل*

أخرجاه، و قال البيهقي: المراد زوال ملك قيصر، عن الشام، و لا يبقى فيها ملكه على الروم، لقوله (عليه السلام)، لما عظم كتابه: ثبت ملكه، و أما ملك فارس فزال بالكلية، لقوله: مزق اللَّه ملكه، و قد روى أبو داود عن محمد بن عبيد عن حماد عن يونس عن الحسن أن عمر بن الخطاب. و روينا في طريق أخرى عن عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه لما جي‏ء بفروة كسرى و سيفه و منطقته و تاجه و سواريه، ألبس ذلك كله لسراقة بن مالك بن جعشم، و قال: قل الحمد للَّه الّذي ألبس ثياب كسرى لرجل أعرابى من البادية، قال الشافعيّ: إنما ألبسه ذلك لأن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) قال لسراقة- و نظر إلى ذراعيه-: كأنى بك و قد لبست سواري كسرى، و اللَّه أعلم*

و قال سفيان بن عيينة: عن إسماعيل بن أبى خالد عن قيس بن أبى حازم عن عدي بن حاتم قال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)

مثلت لي الحيرة كأنياب الكلاب و إنكم ستفتحونها، فقام رجل فقال: يا رسول اللَّه هب لي ابنته نفيلة، قال: هي لك، فأعطوه إياها، فجاء أبوها فقال: أ تبيعها؟

قال: نعم، قال: فبكم؟ أحكم ما شئت، قال: ألف درهم، قال: قد أخذتها، فقالوا له: لو قلت ثلاثين ألفا لأخذها، فقال: و هل عدد أكثر من ألف؟*

و قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، ثنا معاوية عن ضمرة بن حبيب أن ابن زغب الأيادي حدثه قال: نزل على عبد اللَّه بن حوالة الأزدي فقال لي: بعثنا رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) حول المدينة على أقدامنا لنغنم، فرجعنا و لم نغنم شيئا، و عرف الجهد في وجوهنا، فقام فينا فقال: اللَّهمّ لا تكلهم إليّ فأضعف، و لا تكلم إلى أنفسهم فيعجزوا عنها، و لا تكلهم إلى الناس فيستأثروا عليهم، ثم قال: لتفتحن لكم الشام و الروم و فارس، أو الروم و فارس، و حتى يكون لأحدكم من الإبل كذا و كذا، و من البقر كذا و كذا، و من الغنم كذا و كذا، و حتى يعطى أحدكم مائة دينار فيسخطها، ثم وضع يده على رأسي أو على هامتي فقال:

يا ابن حوالة، إذا رأيت الخلافة قد نزلت الأرض المقدسة فقد دنت الزلازل و البلابل و الأمور

195

العظام، و الساعة يومئذ أقرب إلى الناس من يدي هذه من رأسك* و رواه أبو داود من حديث معاوية بن صالح*

و قال أحمد: حدثنا حيوة بن شريح، و يزيد بن عبد ربه قالا: ثنا بقية، حدثني بجير بن سعد عن خالد بن معدان عن أبى قيلة عن ابن حوالة أنه قال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

سيصير الأمر إلى أن تكون جنود مجندة، جند بالشام، و جند باليمن، و جند بالعراق، فقال ابن حوالة: خر لي يا رسول اللَّه إن أدركت ذلك، فقال: عليك بالشام فإنه خيرة اللَّه من أرضه يجي‏ء إليه خيرته من عباده، فان أبيتم فعليكم بيمنكم و اسعوا من غدره. فان اللَّه تكفل لي بالشام و أهله*

و هكذا رواه أبو داود عن حيوة بن شريح به. و قد رواه أحمد أيضا عن عصام بن خالد و على بن عباس كلاهما عن جرير بن عثمان عن سليمان بن سمير عن عبد اللَّه بن حوالة، فذكر نحوه، و رواه الوليد بن مسلّم الدمشقيّ عن سعيد بن عبد العزيز عن مكحول، و ربيعة بن يزيد عن أبى إدريس عن عبد اللَّه بن حوالة به‏

* و قال البيهقي: أنا أبو الحسين بن الفضل القطان، أنا عبد اللَّه بن جعفر، ثنا يعقوب بن سفيان، ثنا عبد اللَّه بن يوسف، ثنا يحيى بن حمزة، حدثني أبو علقمة- نصر بن علقمة- يروى الحديث إلى جبير بن نفير. قال: قال عبد اللَّه بن حوالة:

كنا عند رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فشكونا إليه العرى و الفقر، و قلة الشي‏ء، فقال: أبشروا فو اللَّه لأنا بكثرة الشي‏ء أخوفنى عليكم من قلته، و اللَّه لا يزال هذا الأمر فيكم حتى يفتح اللَّه عليكم أرض الشام، أو قال: أرض فارس و أرض الروم و أرض حمير، و حتى تكونوا أجنادا ثلاثة، جند بالشام، و جند بالعراق، و جند باليمن، و حتى يعطى الرجل المائة فيسخطها، قال ابن حوالة: قلت: يا رسول اللَّه و من يستطيع الشام و به الروم ذوات القرون؟ قال: و اللَّه ليفتحها اللَّه عليكم، و ليستخلفنكم فيها حتى تطل العصابة البيض منهم، قمصهم الملحمية. أقباؤهم قياما على الرويحل، الأسود منكم المحلوق ما أمرهم من شي‏ء فعلوه،

و ذكر الحديث، قال أبو علقمة: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: فعرف أصحاب رسول اللَّه نعت هذا الحديث في جزء بن سهيل السلمي، و كان على الأعاجم في ذلك الزمان، فكانوا إذا رجعوا إلى المسجد نظروا إليه و إليهم قياما حوله فيعجبون لنعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فيه و فيهم*

و قال أحمد: حدثنا حجاج، ثنا الليث بن سعد، حدثني يزيد بن أبى حبيب عن ربيعة بن لقيط النجيبى عن عبد اللَّه بن حوالة الأزدي أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال:

من نجا من ثلاث فقد نجا، قالوا: ما ذا يا رسول اللَّه؟ قال: موتى، و من قتال خليفة مصطبر بالحق يعطيه، و الدجال*

و قال أحمد: ثنا إسماعيل بن إبراهيم، ثنا الجريريّ عن عبد اللَّه بن شقيق عن عبد اللَّه بن حوالة قال:

أتيت على رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و هو جالس في ظل دومة، و هو عنده كاتب له يملى عليه، فقال: ألا نكتبك يا ابن حوالة؟ قلت: فيم يا رسول اللَّه؟ فأعرض عنى و أكب على كاتبه يملى عليه، ثم قال: ألا نكتبك يا ابن حوالة؟ قلت: لا أدرى ما خار اللَّه لي و رسوله، فأعرض‏

196

عنى و أكب على كاتبه يملى عليه، ثم قال: ألا نكتبك يا ابن حوالة؟ قلت: لا أدرى ما خار اللَّه لي و رسوله؟ فأعرض عنى و أكب على كاتبه يملى عليه، قال: فنظرت فإذا في الكتاب عمر، فقلت:

لا يكتب عمر إلا في خير، ثم قال: أ نكتبك يا ابن حوالة؟ قلت: نعم، فقال: يا ابن حوالة، كيف تفعل في فتنة تخرج في أطراف الأرض كأنها صياصي نفر؟ قلت: لا أدرى ما خار اللَّه لي و رسوله، قال: فكيف تفعل في أخرى تخرج بعدها كأن الأولى منها انتفاجة أرنب؟ قلت:

لا أدرى ما خار اللَّه لي و رسوله، قال: ابتغوا هذا، قال: و رجل مقفى حينئذ، قال: فانطلقت فسعيت و أخذت بمنكبه فأقبلت بوجهه إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فقلت: هذا؟ قال: نعم،

قال: فإذا هو عثمان ابن عفان رضى اللَّه عنه*

و ثبت في صحيح مسلّم من حديث يحيى بن آدم عن زهير بن معاوية عن سهل عن أبيه عن أبى هريرة قال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

منعت العراق درهمها و قفيزها، و منعت الشام مدها و دينارها، و منعت مصر أردبها و دينارها، و عدتم من حيث بدأتم، و عدتم من حيث بدأتم، و عدتم من حيث بدأتم، شهد على ذلك لحم أبى هريرة و دمه*

و قال يحيى بن آدم و غيره من أهل العلم: هذا من دلائل النبوة حيث أخبر عما ضربه عمر على أرض العراق من الدراهم و القفزان، و عما ضرب من الخراج بالشام و مصر قبل وجود ذلك، (صلوات اللَّه و سلامه عليه)* و قد اختلف الناس في معنى قوله (عليه السلام): منعت العراق إلخ، فقيل: معناه أنهم يسلمون فيسقط عنهم الخراج، و رجحه البيهقي، و قيل: معناه أنهم يرجعون عن الطاعة و لا يؤدون الخراج المضروب عليهم، و لهذا قال: و عدتم من حيث بدأتم، أي رجعتم إلى ما كنتم عليه قبل ذلك،

كما ثبت في صحيح مسلّم:

إن الإسلام بدأ غريبا و سيعود غريبا فطوبى للغرباء*

و يؤيد هذا القول ما رواه الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل عن الجريريّ عن أبى نصرة قال: كنا عند جابر بن عبد اللَّه فقال: يوشك أهل العراق أن لا يجي‏ء إليهم قفيز و لا درهم، قلنا: من أين ذلك؟ قال: من قبل العجم، يمنعون ذلك، ثم قال: يوشك أهل الشام أن لا يجي‏ء إليهم دينار و لا مد، قلنا: من أين ذلك؟ قال: من قبل الروم، يمنعون ذلك، قال: ثم سكت هنيهة، ثم‏

قال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

يكون في آخر أمتى خليفة يحثى المال حثيا، لا يعده عدا،

قال الجريريّ: فقلت لأبى نصرة و أبى العلاء: أ تريانه عمر بن عبد العزيز؟ فقالا: لا* و قد رواه مسلّم من حديث إسماعيل بن إبراهيم بن علية و عبد الوهاب الثقفي كلاهما عن سعيد بن إياس الجريريّ عن أبى نصرة المنذر بن مالك بن قطفة العبديّ عن جابر كما تقدم، و العجب أن الحافظ أبا بكر البيهقي احتج به على ما رجحه من أحد القولين المتقدمين، و فيما سلكه نظر، و الظاهر خلافه* و ثبت في الصحيحين من غير وجه أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، و لأهل الشام الجحفة، و لأهل اليمن يلملم، و في صحيح مسلّم عن جابر: و لأهل العراق‏

197

ذات عرق، فهذا من دلائل النبوة، حيث أخبر عما وقع من حج أهل الشام و اليمن و العراق، (صلوات اللَّه و سلامه عليه)*

و في الصحيحين من حديث سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن جابر عن أبى سعيد قال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)

ليأتين على الناس زمان يغزو فيه فئام من الناس، فيقال لهم: هل فيكم من صحب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)؟ فيقال: نعم، فيفتح اللَّه لهم، ثم يأتى على الناس زمان فيغزو فئام من الناس، فيقال لهم: هل فيكم من صحب أصحاب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)؟ فيقال: نعم، فيفتح لهم، ثم يأتى على الناس زمان يغزو فيه فئام من الناس، فيقال: هل فيكم من صحب من صاحبهم؟ فيقال:

نعم، فيفتح اللَّه لهم*

و ثبت في الصحيحين من حديث ثور بن زيد عن أبى الغيث عن أبى هريرة قال:

كنا جلوسا عند رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فأنزلت عليه سورة الجمعة

وَ آخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ‏

فقال رجل: من هؤلاء يا رسول اللَّه؟ فوضع يده على سلمان الفارسي و قال: لو كان الأيمان عند الثريا لناله رجال من هؤلاء،

و هكذا وقع كما أخبر به (عليه السلام)*

و روى الحافظ البيهقي من حديث محمد ابن عبد الرحمن بن عوف عن عبد اللَّه بن بشر قال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

و الّذي نفسي بيده لتفتحن عليكم فارس و الروم حتى يكثر الطعام فلا يذكر عليه اسم اللَّه عز و جل*

و روى الامام أحمد و البيهقي و ابن عدي و غير واحد من حديث أوس بن عبد اللَّه بن بريدة عن أخيه سهل عن أبيه عبد اللَّه بن بريدة بن الخصيب مرفوعا:

ستبعث بعوث فكن في بعث خراسان، ثم اسكن مدينة مرو، فإنه بناها ذو القرنين، و دعا لها بالبركة، و قال: لا يصيب أهلها سوء

* و هذا الحديث يعد من غرائب المسند، و منهم من يجعله موضوعا، فاللَّه أعلم* و قد تقدم حديث أبى هريرة، من جميع طرقه في قتال الترك، و قد وقع ذلك كما أخبر به سواء بسواء، و سيقع أيضا*

و في صحيح البخاري من حديث شعبة عن فرات القزاز عن أبى حازم عن أبى هريرة عن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال:

كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، و إنه لا نبي بعدي و إنه سيكون خلفاء فيكثرون، قالوا: فما تأمرنا يا رسول اللَّه؟ قال: فوا ببيعة الأول فالأول، و أعطوهم حقهم، فان اللَّه سائلهم عما استرعاهم*

و في صحيح مسلّم من حديث أبى رافع عن عبد اللَّه بن مسعود قال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

ما كان نبي إلا كان له حواريون يهدون بهداه، و يستنون بسنته، ثم يكون من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، و يعملون ما ينكرون*

و روى الحافظ البيهقي من حديث عبد اللَّه بن الحرث بن محمد بن حاطب الجمحيّ عن إسماعيل بن أبى صالح عن أبيه عن أبى هريرة قال:

قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

يكون بعد الأنبياء خلفاء يعملون بكتاب اللَّه، و يعدلون في عبادة اللَّه، ثم يكون من بعد الخلفاء ملوك يأخذون بالثأر، و يقتلون الرجال، و يصطفون الأموال، فمغير بيده، و مغير بلسانه، و ليس وراء ذلك من الايمان شي‏ء*

و قال أبو داود الطيالسي: ثنا جرير بن حازم عن‏

198

ليث عن عبد الرحمن بن سابط عن أبى ثعلبة الخشنيّ عن أبى عبيدة بن الجراح و معاذ بن جبل عن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) قال:

إن اللَّه بدأ هذا الأمر نبوة و رحمة، و كائنا خلافة و رحمة، و كائنا ملكا عضوضا، و كائنا عزة و جبرية و فسادا في الأمة، يستحلون الفروج و الخمور و الحرير، و ينصرون على ذلك، و يرزقون أبدا حتى يلقوا اللَّه عز و جل، و هذا كله واقع*

و في الحديث الّذي‏

رواه الامام أحمد و أبو داود و الترمذي- و حسنه- و النسائي من حديث سعيد بن جهمان عن سفينة مولى رسول اللَّه أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال:

الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم تكون ملكا* و في رواية: ثم يؤتى اللَّه ملكه من يشاء،

و هكذا وقع سواء، فأن أبا بكر رضى اللَّه عنه كانت خلافته سنتين و أربعة أشهر إلا عشر ليال، و كانت خلافة عمر عشر سنين و ستة أشهر و أربعة أيام، و خلافة عثمان اثنتا عشرة سنة إلا اثنا عشر يوما، و كانت خلافة على بن أبى طالب خمس سنين إلا شهرين، قلت: و تكميل الثلاثين بخلافة الحسن بن على نحوا من ستة أشهر، حتى نزل عنها لمعاوية عام أربعين من الهجرة، كما سيأتي بيانه و تفصيله*

و قال يعقوب بن سفيان: حدثني محمد بن فضيل، ثنا مؤمل، ثنا حماد بن سلمة عن على بن زيد عن عبد الرحمن بن أبى بكرة قال: سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول:

خلافة نبوة ثلاثون عاما ثم يؤتى اللَّه ملكه من يشاء،

فقال معاوية: رضينا بالملك* و هذا الحديث فيه رد صريح على الروافض المنكرين لخلافة الثلاثة، و على النواصب من بنى أمية و من تبعهم من أهل الشام، في إنكار خلافة على بن أبى طالب، فان قيل: فما وجه الجمع بين حديث سفينة هذا و بين‏

حديث جابر بن سمرة المتقدم في صحيح مسلّم:

لا يزال هذا الدين قائما ما كان في الناس اثنا عشر خليفة كلهم من قريش‏

؟ فالجواب: إن من الناس من قال: إن الدين لم يزل قائما حتى ولى اثنا عشر خليفة، ثم وقع تخبيط بعدهم في زمان بنى أمية، و قال آخرون: بل هذا الحديث فيه بشارة بوجود اثنى عشر خليفة عادلا من قريش، و إن لم يوجدوا على الولاء، و إنما اتفق وقوع الخلافة المتتابعة بعد النبوة في ثلاثين سنة، ثم كانت بعد ذلك خلفاء راشدون، فيهم عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم الأموي رضى اللَّه عنه، و قد نص على خلافته و عدله و كونه من الخلفاء الراشدين، غير واحد من الأئمة، حتى قال أحمد بن حنبل رضى اللَّه عنه: ليس قول أحد من التابعين حجة إلا قول عمر بن عبد العزيز، و منهم من ذكر من هؤلاء المهدي بأمر اللَّه العباسي، و المهدي المبشر بوجوده في آخر الزمان منهم أيضا بالنص على كونه من أهل البيت، و اسمه محمد بن عبد اللَّه، و ليس بالمنتظر في سرداب سامرّا، فأن ذاك ليس بموجود بالكلية، و إنما ينتظره الجهلة من الروافض*

و قد تقدم في الصحيحين من حديث الزهري عن عروة عن عائشة أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال:

لقد هممت أن أدعو أباك و أخاك و أكتب كتابا لئلا يقول قائل، أو يتمنى متمنّ، ثم قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): يأبى اللَّه و المؤمنون إلا

199

أبا بكر*

و هكذا وقع، فأن اللَّه ولاه و بايعه المؤمنون قاطبة كما تقدم*

و في صحيح البخاري:

أن امرأة قالت: يا رسول اللَّه أ رأيت إن جئت فلم أجدك؟- كأنها تعرض بالموت- فقال: إن لم تجديني فأت أبا بكر*

و ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر و أبى هريرة أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال:

بينا أنا نائم رأيتني على قليب، فنزعت منها ما شاء اللَّه، ثم أخذها ابن أبى قحافة فنزع منها ذنوبا أو ذنوبين، و في نزعه ضعف و اللَّه يغفر له، ثم أخذها ابن الخطاب فاستحالت غربا، فلم أر عبقريا من الناس يفرى فريه، حتى ضرب الناس بعطن،

قال الشافعيّ (رحمه اللَّه): رؤيا الأنبياء وحي، و قوله: و في نزعه ضعف، قصر مدته، و عجلة موته، و اشتغاله بحرب أهل الردة عن الفتح الّذي ناله عمر بن الخطاب في طول مدته، قلت: و هذا فيه البشارة بولايتهما على الناس، فوقع كما أخبر سواء، و لهذا جاء في الحديث الآخر الّذي‏

رواه أحمد و الترمذي و ابن ماجة و ابن حبان من حديث ربعي بن خراش عن حذيفة بن اليمان عن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) أنه قال:

اقتدوا باللذين من بعدي، أبى بكر و عمر رضى اللَّه عنهما،

و قال الترمذي: حسن، و أخرجه من حديث ابن مسعود عن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، و تقدم من طريق الزهري عن رجل عن أبى ذر حديث تسبيح الحصى في يد رسول اللَّه، ثم يد أبى بكر، ثم عمر، ثم عثمان، و قوله (عليه السلام): هذه خلافة النبوة*

و في الصحيح عن أبى موسى قال:

دخل رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) حائطا فدلى رجليه في القف فقلت: لأكونن اليوم بواب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فجلست خلف الباب فجاء رجل فقال: افتح، فقلت: من أنت؟

قال: أبو بكر، فأخبرت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فقال: افتح له و بشره بالجنة، ثم جاء عمر فقال كذلك، ثم جاء عثمان فقال: ائذن له و بشره بالجنة على بلوى تصيبه، فدخل و هو يقول: اللَّه المستعان*

و ثبت في صحيح البخاري من حديث سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن أنس قال:

صعد رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أحدا و معه أبو بكر و عمر و عثمان، فرجف بهم الجبل، فضربه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) برجله و قال:

اثبت، فأنما عليك نبي و صديق و شهيدان*

و قال عبد الرزاق: أنا معمر عن أبى حازم عن سهل بن سعد

أن حراء ارتج و عليه النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) و أبو بكر و عمر و عثمان، فقال النبي (صلى اللَّه عليه و سلم): اثبت ما عليك إلا نبي و صديق و شهيدان،

قال معمر: قد سمعت قتادة عن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) مثله،

و قد روى مسلّم عن قتيبة عن الدراوَرْديّ عن سهيل عن أبيه عن أبى هريرة

أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) كان على حراء هو و أبو بكر و عمر و عثمان و على و طلحة و الزبير، فتحركت الصخرة فقال النبي (صلى اللَّه عليه و سلم): اهدأ فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد*

و هذا من دلائل النبوة، فان هؤلاء كلهم أصابوا الشهادة، و اختص رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بأعلى مراتب الرسالة و النبوة، و اختص أبو بكر بأعلى مقامات الصديقية* و قد ثبت في الصحيح الشهادة للعشرة بالجنة بل لجميع من شهد بيعة الرضوان عام الحديبيّة، و كانوا ألفا و أربعمائة، و قيل:

200

و ثلاثمائة، و قيل: و خمسمائة، و كلهم استمر على السداد و الاستقامة حتى مات رضى اللَّه عنهم أجمعين* و ثبت في صحيح البخاري البشارة لعكاشة بأنه من أهل الجنة فقتل شهيدا يوم اليمامة*

و في الصحيحين من حديث يونس عن الزهري عن سعيد عن أبى هريرة أنه سمع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول:

يدخل الجنة من أمتى سبعون ألفا بغير حساب، تضي‏ء وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر، فقام عكاشة ابن محصن الأسدي يجر نمرة عليه، فقال: يا رسول اللَّه ادع اللَّه أن يجعلني منهم، فقال النبي (صلى اللَّه عليه و سلم):

اللَّهمّ اجعله منهم، ثم قام رجل من الأنصار فقال: يا رسول اللَّه ادع اللَّه أن يجعلني منهم، فقال:

سبقك بها عكاشة*

و هذا الحديث قد روى من طرق متعددة تفيد القطع، و سنورده في باب صفة الجنة، و سنذكر في قتال أهل الردة أن طلحة الأسدي قتل عكاشة بن محصن شهيدا رضى اللَّه عنه، ثم رجع طلحة الأسدي عما كان يدعيه من النبوة و تاب إلى اللَّه، و قدم على أبى بكر الصديق و اعتمر و حسن إسلامه*

و ثبت في الصحيحين من حديث أبى هريرة أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال:

بينا أنا نائم رأيت كأنه وضع في يدي سواران فقطعتهما، فأوحى إلى في المنام: أن انفخهما، فنفختهما فطارا، فأولتهما كذا بين يخرجان، صاحب صنعاء، و صاحب اليمامة*

و قد تقدم في الوفود

أنه قال لمسيلمة حين قدم مع قومه و جعل يقول:

إن جعل لي محمد الأمر من بعده اتبعته، فوقف عليه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و قال له: و اللَّه لو سألتني هذا العسيب ما أعطيتكه، و لئن أدبرت ليعقرنك اللَّه، و إني لأراك الّذي أريت فيه ما أريت*

و هكذا وقع، عقره اللَّه و أهانه و كسره و غلبه يوم اليمامة، كما قتل الأسود العنسيّ بصنعاء، على ما سنورده إن شاء اللَّه تعالى*

و روى البيهقي من حديث مبارك بن فضالة عن الحسن عن أنس قال:

لقي رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) مسيلمة فقال له مسيلمة: أ تشهد أنى رسول اللَّه؟

فقال النبي (صلى اللَّه عليه و سلم): آمنت باللَّه و برسله، ثم قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): إن هذا رجل أخّر لهلكة قومه‏

* و قد ثبت في الحديث الآخر أن مسيلمة كتب بعد ذلك إلى النبي (صلى اللَّه عليه و سلم):

بسم اللَّه الرحمن الرحيم، من مسيلمة رسول اللَّه، إلى محمد رسول اللَّه، سلام عليك، أما بعد فأنى قد أشركت في الأمر بعدك، فلك المدر ولى الوبر، و لكن قريشا قوم يعتدون، فكتب إليه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): بسم اللَّه الرحمن الرحيم، من محمد رسول اللَّه إلى مسيلمة الكذاب، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فان الأرض للَّه يورثها من يشاء من عباده و العاقبة للمتقين. و قد جعل اللَّه العاقبة لمحمد و أصحابه، لأنهم هم المتقون و هم العادلون المؤمنون، لا من عداهم*

و قد وردت الأحاديث المروية من طرق عنه (صلى اللَّه عليه و سلم) في الأخبار عن الردة التي وقعت في زمن الصديق فقاتلهم الصديق بالجنود المحمدية حتى رجعوا إلى دين اللَّه أفواجا، و عذب ماء الأيمان كما كان بعد ما صار أجاجا، و قد قال اللَّه تعالى‏ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى‏