البداية و النهاية - ج6

- ابن كثير الدمشقي‏ المزيد...
354 /
201

الْكافِرِينَ‏ الآية، قال المفسرون: هم أبو بكر و أصحابه رضى اللَّه عنهم* و ثبت في الصحيحين من حديث عامر الشعبي عن مسروق عن عائشة في قصة مسارة النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) ابنته فاطمة و إخباره إياها بأن جبريل كان يعارضه بالقرآن في كل عام مرة، و أنه عارضني العام مرتين، و ما أرى ذلك إلا لاقتراب أجلى، فبكت، ثم سارها فأخبرها بأنها سيدة نساء أهل الجنة، و أنها أول أهله لحوقا به* و كان كما أخبر، قال البيهقي: و اختلفوا في مكث فاطمة بعد رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقيل: شهران، و قيل: ثلاثة، و قيل: ستة، و قيل: ثمانية، قال: و أصح الروايات رواية الزهري عن عروة عن عائشة قالت: مكثت فاطمة بعد وفاة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ستة أشهر* أخرجاه في الصحيحين.

و من كتاب دلائل النبوة في باب إخباره (عليه الصلاة و السلام) عن الغيوب المستقبلة

فمن ذلك ما

ثبت في الصحيحين من حديث إبراهيم بن سعد عن أبيه عن أبى سلمة عن عائشة قالت: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

إنه قد كان في الأمم محدّثون، فأن يكن في أمتى فعمر بن الخطاب*

و قال يعقوب بن سفيان: ثنا عبيد اللَّه بن موسى، أنا أبو إسرائيل كوفى عن الوليد بن العيزار عن عمر بن ميمون عن على رضى اللَّه عنه. قال:

ما كنا ننكر و نحن متوافرون أصحاب محمد (صلى اللَّه عليه و سلم)، أن السكينة تنطق على لسان عمر،

قال البيهقي: تابعه زر بن حبيش و الشعبي عن على* و قال يعقوب بن سفيان:

ثنا مسلّم بن إبراهيم، ثنا شعبة عن قيس بن مسلّم عن طارق بن شهاب قال: كنا نتحدث أن عمر بن الخطاب ينطق على لسان ملك* و قد ذكرنا في سيرة عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه أشياء كثيرة، من مكاشفاته و ما كان يخبر به من المغيبات كقصة سارية بن زنيم، و ما شاكلها و للَّه الحمد و المنة* و من ذلك ما

رواه البخاري من حديث فراس عن الشعبي عن مسروق عن عائشة رضى اللَّه عنها

أن نساء النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) اجتمعن عنده فقلن يوما: يا رسول اللَّه أيتنا أسرع بك لحوقا؟ فقال: أطولكن يدا، و كانت سودة أطولنا ذراعا، فكانت أسرعنا به لحوقا*

هكذا وقع في الصحيح عند البخاري أنها سودة، و قد رواه يونس بن بكير عن زكريا بن أبى زائدة عن الشعبي فذكر الحديث مرسلا و قال: فلما توفيت زينب علمن أنها كانت أطولهن يدا في الخير و الصدقة، و الّذي رواه مسلّم عن محمود بن غيلان عن الفضل بن موسى عن طلحة بن يحيى بن طلحة عن عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين رضى اللَّه عنها، فذكرت الحديث و فيه: فكانت زينب أطولنا يدا، لأنها كانت تعمل بيدها و تصدّق، و هذا هو المشهور عن علماء التاريخ أن زينب بنت جحش كانت أول أزواج النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) وفاة* قال الواقدي: توفيت سنة عشرين، و صلّى عليها عمر بن الخطاب، قلت: و أما سودة فإنها توفيت في آخر إمارة عمر بن الخطاب أيضا، قاله ابن أبى خيثمة* و من ذلك ما رواه مسلّم من‏

202

حديث أسيد بن جابر عن عمر بن الخطاب في قصة أويس القرني، و إخباره (عليه السلام) عنه بأنه خبر التابعين و أنه كان به برص فدعا اللَّه فأذهبه عنه، إلا موضعا قدر الدرهم من جسده، و أنه بار بأمه و أمره لعمر بن الخطاب أن يستغفر له، و قد وجد هذا الرجل في زمان عمر بن الخطاب على الصفة و النعت الّذي ذكره في الحديث سواء* و قد ذكرت طرق هذا الحديث و ألفاظه و الكلام عليه مطولا في الّذي جمعته من مسند عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه و للَّه الحمد و المنة* و من ذلك‏

ما رواه أبو داود: حدثنا عثمان بن أبى شيبة، ثنا وكيع، ثنا الوليد بن عبد اللَّه بن جميع، حدثني جرير بن عبد اللَّه و عبد الرحمن بن خلاد الأنصاري عن أم ورقة بنت نوفل‏

أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) لما غزا بدرا قالت: يا رسول اللَّه ائذن لي في الغزو معك أمرض مرضاكم، لعل اللَّه يرزقني بالشهادة، فقال لها: قرّى في بيتك فأن اللَّه يرزقك الشهادة، فكانت تسمى الشهيدة،

و كانت قد قرأت القرآن، فاستأذنت النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) أن تتخذ في بيتها مؤذنا يؤذن لها، و كانت دبرت غلاما لها و جارية، فقاما إليها بالليل فغمّاها في قطيفة لها حتى ماتت و ذهبا، فأصبح عمر فقام في الناس و قال: من عنده من هذين علم أو من رآهما فليجئ بهما، فجي‏ء بهما، فأمر بهما فصلبا، و كانا أول مصلوبين بالمدينة* و قد رواه البيهقي من حديث أبى نعيم: ثنا الوليد بن جميع، حدثتني جدتى عن أم ورقة بنت عبد اللَّه بن الحارث و كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يزورها و يسميها الشهيدة، فذكر الحديث و في آخره فقال عمر: صدق رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) كان يقول: انطلقوا بنا نزور الشهيدة* و من ذلك ما رواه البخاري من حديث أبى إدريس الخولانيّ عن عوف بن مالك في حديثه عنه في الآيات الست بعد موته و فيه: ثم موتان بأحدكم كقصاص الغنم، و هذا قد وقع في أيام عشر، و هو طاعون عمواس سنة ثماني عشرة، و مات بسببه جماعات من سادات الصحابة، منهم معاذ بن جبل، و أبو عبيدة، و يزيد بن أبى سفيان، و شرحبيل بن حسنة، و أبو جندل سهل بن عمر و أبوه، و الفضل بن العباس بن عبد المطلب، رضى اللَّه عنهم أجمعين*

و قد قال الامام أحمد: حدثنا وكيع، ثنا النهاس بن قهم، ثنا شداد أبو عمار عن معاذ بن جبل قال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

ست من أشراط الساعة، موتى، و فتح بيت المقدس، و موت يأخذ في الناس كقصاص الغنم، و فتنة يدخل حريمها بيت كل مسلّم، و أن يعطى الرجل ألف دينار فيسخطها، و أن يغزو الروم فيسيرون إليه بثمانين بندا تحت كل بند اثنا عشر ألفا*

و قد قال الحافظ البيهقي: أنا أبو زكريا بن أبى إسحاق، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا بحر بن نصر، ثنا ابن وهب، أخبرنى ابن لهيعة عن عبد اللَّه بن حبان أنه سمع سليمان بن موسى يذكر أن الطاعون وقع بالناس يوم جسر عموسة فقام عمرو بن العاص فقال: يا أيها الناس، إنما هذا الوجع رجس فتنحوا عنه، فقام شرحبيل بن حسنة فقال: يا أيها الناس، إني قد سمعت قول صاحبكم،

203

و إني و اللَّه لقد أسلمت و صليت، و إن عمرا لأضل من بعير أهله، و إنما هو بلاء أنزله اللَّه عز و جل، فاصبروا،

فقام معاذ بن جبل فقال: يا أيها الناس، إني قد سمعت قول صاحبيكم هذين، و إن هذا الطاعون رحمة بكم و دعوة نبيكم (صلى اللَّه عليه و سلم)، و إني قد سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول:

إنكم ستقدمون الشام فتنزلون أرضا يقال لها: أرض عموسة، فيخرج بكم فيها خرجان له ذباب كذباب الدمل، يستشهد اللَّه به أنفسكم و ذراريكم و يزكى به أموالكم،

اللَّهمّ إن كنت تعلم أنى قد سمعت هذا من رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فارزق معاذا و آل معاذ منه الحظ الأوفى و لا تعافه منه، قال: فطعن في السبابة فجعل ينظر إليها و يقول: اللَّهمّ بارك فيها، فأنك إذا باركت في الصغير كان كبيرا، ثم طعن ابنه فدخل عليه فقال: الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ‏ فقال‏ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ‏* و ثبت في الصحيحين من حديث الأعمش و جامع بن أبى راشد عن شقيق بن سلمة عن حذيفة قال: كنا جلوسا عند عمر فقال: أيكم يحفظ حديث رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في الفتنة؟ قلت: أنا، قال هات، إنك لجري‏ء، فقلت: ذكر فتنة الرجل في أهله و ماله و ولده و جاره يكفرها الصلاة و الصدقة و الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر، فقال: ليس هذا أعنى إنما أعنى التي تموج موج البحر، فقلت:

يا أمير المؤمنين إن بينك و بينها بابا مغلقا، قال: ويحك، يفتح اللَّه أم يكسر؟ قلت: بل يكسر، قال: إذا لا يغلق أبدا، قلت: أجل، فقلنا لحذيفة: فكان عمر يعلم من الباب؟ قال: نعم، و إني حدثته حديثا ليس بالأغاليط، قال: فهبنا أن نسأل حذيفة من الباب، فقلنا لمسروق فسأله، فقال من بالباب؟ قال: عمر، و هكذا وقع من بعد مقتل عمر، وقعت الفتن في الناس، و تأكد ظهورها بمقتل عثمان بن عفان رضى اللَّه عنهما* و قد قال يعلى بن عبيد عن الأعمش عن سفيان عن عروة بن قيس قال خطبنا خالد بن الوليد فقال: إن أمير المؤمنين عمر بعثني إلى الشام فحين ألقى بوانيه بثنية و عسلا أراد أن يؤثر بها غيري و يبعثني إلى الهند، فقال رجل من تحته: اصبر أيها الأمير، فان الفتن قد ظهرت، فقال خالد: أما و ابن الخطاب حي فلا، و إنما ذاك بعده*

و قد روى الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه قال:

أبصر رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) على عمر ثوبا فقال:

أ جديد ثوبك أم غسيل؟ قال: بل غسيل، قال: البس جديدا، و عش حميدا، و مت شهيدا، و أظنه قال: و يرزقك اللَّه قرة عين في الدنيا و الآخرة*

و هكذا رواه النسائي و ابن ماجة من حديث عبد الرزاق به‏

،

ثم قال النسائي: هذا حديث منكر، أنكره يحيى القطان على عبد الرزاق، و قد روى عن الزهري من وجه آخر مرسلا، قال حمزة بن محمد الكناني الحافظ: لا أعلم أحدا رواه عن الزهري غير معمر، و ما أحسبه بالصحيح، و اللَّه أعلم* قلت: رجال إسناده و اتصاله على شرط الصحيحين و قد قيل الشيخان، تفرد معمر عن الزهري في غير ما حديث، ثم قد روى البزار هذا الحديث من‏

204

طريق جابر الجعفي- و هو ضعيف- عن عبد الرحمن بن سابط [ (1)] عن جابر بن عبد اللَّه مرفوعا مثله سواء، و قد وقع ما أخبر به في هذا الحديث فإنه رضى اللَّه عنه قتل شهيدا و هو قائم يصلّى الفجر في محرابه من المسجد النبوي، على صاحبه أفضل الصلاة و السلام* و قد تقدم حديث أبى ذر في تسبيح الحصا في يد أبى بكر ثم عمر ثم عثمان،

و قوله (عليه السلام):

هذه خلافة النبوة*

و قال نعيم بن حماد:

ثنا عبد اللَّه بن المبارك، أنا خرج بن نباتة عن سعيد بن جهمان عن سفينة قال:

لما بنى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) مسجد المدينة جاء أبو بكر بحجر فوضعه، ثم جاء عمر بحجر فوضعه، ثم جاء عثمان بحجر فوضعه، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): هؤلاء يكونون خلفاء بعدي*

و قد تقدم في‏

حديث عبد اللَّه بن حوالة قوله (صلى اللَّه عليه و سلم):

ثلاث من نجا منهن فقد نجا، موتى، و قتل خليفة مضطهد، و الدجال،

و في حديثه الآخر، الأمر باتباع عثمان عند وقوع الفتنة*

و ثبت في الصحيحين من حديث سليمان بن بلال عن شريك ابن أبى نمير عن سعيد بن المسيب عن أبى موسى قال:

توضأت في بيتي، ثم خرجت فقلت:

لأكونن اليوم مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فجئت المسجد فسألت عنه فقالوا: خرج و توجه هاهنا، فخرجت في أثره حتى جئت بئر أريس- و ما بها من جريد- فمكثت عند بابها حتى علمت أن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) قد قضى حاجته و جلس، فجئته فسلمت عليه فإذا هو قد جلس على قف بئر أريس فتوسطه ثم دلى رجليه في البئر و كشف عن ساقيه، فرجعت إلى الباب و قلت: لأكونن بواب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فلم أنشب أن دق الباب فقلت: من هذا؟ قال: أبو بكر، قلت: على رسلك، و ذهبت إلى النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فقلت: يا رسول اللَّه هذا أبو بكر يستأذن، فقال: ائذن له و بشره بالجنة، قال: فخرجت مسرعا حتى قلت لأبى بكر: ادخل و رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يبشرك بالجنة، قال:

فدخل حتى جلس إلى جنب النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) في القف على يمينه و دلى رجليه و كشف عن ساقيه كما صنع النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، قال: ثم رجعت و قد كنت تركت أخى يتوضأ و قد كان قال لي: أنا على إثرك، فقلت:

إن يرد اللَّه بفلان خيرا يأت به، قال: فسمعت تحريك الباب، فقلت: من هذا؟ قال: عمر، قلت: على رسلك، قال: و جئت النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، فسلمت عليه و أخبرته، فقال: ائذن له و بشره بالجنة، قال: فجئت و أذنت له و قلت له: رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يبشرك بالجنة، فقال: ائذن له و بشره بالجنة، قال: فجئت و أذنت له و قلت له: رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يبشرك بالجنة، قال: فدخل حتى جلس مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) على يساره، و كشف عن ساقيه و دلى رجليه في البئر كما صنع النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) و أبو بكر، قال: ثم رجعت فقلت: إن يرد اللَّه بفلان خيرا يأت به، يريد أخاه، فإذا تحريك الباب، فقلت:

من هذا؟ قال: عثمان بن عفان، قلت: على رسلك، و ذهبت إلى رسول اللَّه فقلت: هذا عثمان‏

____________

[ (1)] هو عبد الرحمن بن سابط القرشي الجمحيّ المكيّ. و في احدى النسختين عبد الرحمن بن سليطه التصحيح من التيمورية.

205

يستأذن، فقال: ائذن له و بشره بالجنة على بلوى تصيبه، قال: فجئت فقلت: رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يأذن لك و يبشرك بالجنة على بلوى أو بلاء يصيبك، فدخل و هو يقول: اللَّه المستعان،

فلم يجد في القف مجلسا فجلس و جاههم من شق البئر، و كشف عن ساقيه و دلاهما في البئر، كما صنع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و أبو بكر و عمر، رضى اللَّه عنهما، قال سعيد بن المسيب: فأولتها قبورهم، اجتمعت و انفرد عثمان*

و قد روى البيهقي من حديث عبد الأعلى بن أبى المساور عن إبراهيم بن محمد بن حاطب عن عبد الرحمن بن بجير عن زيد بن أرقم قال:

بعثني رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقال: انطلق حتى تأتى أبا بكر فتجده في داره جالسا محتبيا فقل: إن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقرأ عليك السلام و يقول: أبشر بالجنة، ثم انطلق حتى تأتى الثنية فتلقى عمر راكبا على حمار تلوح صلعته، فقل: إن رسول اللَّه يقرأ عليك السلام و يقول: أبشر بالجنة، ثم انصرف حتى تأتى عثمان فتجده في السوق يبيع و يبتاع، فقل: إن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقرأ عليك السلام. و يقول: أبشر بالجنة بعد بلاء شديد، فذكر الحديث في ذهابه إليهم فوجد كلا منهم كما ذكر رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و كلا منهم يقول: أين رسول اللَّه؟ فيقول: في مكان كذا و كذا، فيذهب إليه، و أن عثمان لما رجع قال: يا رسول اللَّه و أي بلاء يصيبني؟ و الّذي بعثك بالحق ما تغيبت و لا تمنيت و لا مسست ذكرى بيميني منذ بايعتك فأى بلاء يصيبني؟ فقال: هو ذاك‏

ثم قال البيهقي: عبد الأعلى ضعيف، فان كان حفظ هذا الحديث فيحتمل أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بعث إليهم زيد بن أرقم فجاء و أبو موسى الأشعري جالس على الباب كما تقدم* و هذا البلاء الّذي أصابه هو ما اتفق وقوعه على يدي من أنكر عليه من رعاع أهل الأمصار بلا علم، فوقع ما سنذكره في دولته إن شاء اللَّه من حصرهم إياه في داره حتى آل الحال بعد ذلك كله إلى اضطهاده و قتله و إلقائه على الطريق أياما، لا يصلّى عليه و لا يلتفت إليه، حتى غسل بعد ذلك و صلّى عليه و دفن بحش كوكب- بسنان في طريق البقيع- رضى اللَّه عنه و أرضاه و جعل جنات الفردوس متقلبه و مثواه* كما

قال الامام احمد، حدثنا يحيى عن إسماعيل بن قيس عن أبى سهلة مولى عثمان عن عائشة قالت: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

ادعوا لي بعض أصحابى، قلت: أبو بكر؟ قال:

لا، قلت: عمر؟ قال: لا، قلت: ابن عمك على؟ قال: لا، قلت: عثمان؟ قال: نعم، فلما جاء عثمان قال: تنحى، فجعل يسارّه و لون عثمان يتغير،

قال أبو سهلة: فلما كان يوم الدار و حضر فيها، قلنا: يا أمير المؤمنين ألا تقاتل؟ قال: لا، إن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) عهد إليّ عهدا و إني صابر نفسي عليه* تفرد به أحمد، ثم قد رواه أحمد عن وكيع عن إسماعيل عن قيس عن عائشة فذكر مثله، و أخرجه ابن ماجة من حديث وكيع* و قال نعيم بن حماد في كتابه الفتن و الملاحم: حدثنا عتاب بن‏

206

بشير [ (1)] عن خصيف عن مجاهد عن عائشة رضى اللَّه عنها قالت: دخلت على رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و عثمان بين يديه يناجيه، فلم أدرك من مقالته شيئا إلا قول عثمان: ظلما و عدوانا يا رسول اللَّه؟ فما دريت ما هو حتى قتل عثمان، فعلمت أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إنما عنى قتله، قالت عائشة: و ما أحببت أن يصل إلى عثمان شي‏ء إلا وصل إليّ مثله غيره إن شاء اللَّه علم أنى لم أحب قتله، و لو أحببت قتله لقتلت، و ذلك لما رمى هودجها من النبل حتى صار مثل القنفذ*

و قال أبو داود الطيالسي: ثنا إسماعيل بن جعفر عن عمرو بن أبى عمرو مولى المطلب عن حذيفة قال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

لا تقوم الساعة حتى تقتلوا إمامكم و تجتلدوا بأسيافكم، و يرث دنياكم شراركم*

و قال البيهقي: أنا أبو الحسين بن بشران، أنا على بن محمد المصري، ثنا محمد بن إسماعيل السلمي، ثنا عبد اللَّه بن صالح، حدثني الليث، حدثني خالد بن يزيد عن سعيد بن أبى هلال عن ربيعة بن سيف أنه حدثه أنه جلس يوما مع شفى الأصبحي فقال: سمعت عبد اللَّه بن عمر يقول: سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول:

سيكون فيكم اثنا عشر خليفة، أبو بكر الصديق، لا يلبث خلفي إلا قليلا، و صاحب رحى العرب يعيش حميدا و يموت شهيدا، فقال رجل: و من هو يا رسول اللَّه؟ قال: عمر بن الخطاب، ثم التفت إلى عثمان فقال: و أنت يسألك الناس أن تخلع قميصا كساكه اللَّه، و الّذي بعثني بالحق لئن خلعته لا تدخل الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط*

ثم روى البيهقي من حديث موسى بن عقبة: حدثني جدي أبو أمى، أبو حبيبة أنه دخل الدار و عثمان محصور فيها، و أنه سمع أبا هريرة

يستأذن عثمان في الكلام فأذن له، فقام فحمد اللَّه و أثنى عليه، ثم قال: إني سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول: إنكم ستلقون بعدي فتنة و اختلافا، فقال له قائل من الناس: فمن لنا يا رسول اللَّه؟ أو ما تأمرنا؟ فقال: عليكم بالأمين و أصحابه، و هو يشير إلى عثمان بذلك*

و قد رواه الامام أحمد عن عفان عن وهيب عن موسى بن عقبة به،

و قد تقدم في حديث عبد اللَّه بن حوالة شاهدان له بالصحة و اللَّه أعلم*

و قال الامام أحمد: حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن منصور عن ربعي عن البراء بن ناجية عن عبد اللَّه- هو ابن مسعود- عن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) قال:

تدور رحى الإسلام لخمس و ثلاثين، أو ست و ثلاثين، أو سبع و ثلاثين، فان هلكوا فسبيل من قد هلك، و إن يقم لهم دينهم يقم لهم سبعين عاما، قال:

قلت: أ مما مضى أو مما بقي؟*

و رواه أبو داود عن محمد بن سليمان الأنباري عن عبد الرحمن [ (2)] ابن مهدي به،

ثم رواه أحمد عن إسحاق، و حجاج عن سفيان عن منصور عن ربعي عن البراء بن ناجية الكاهلي عن عبد اللَّه بن مسعود قال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

إن رحى‏

____________

[ (1)] هو عتاب بن بشير الأموي مولاهم أبو سهل الجزري. و في احدى النسختين عتاب بن بشير و التصحيح من التيمورية.

[ (2)] في التيمورية «عن محمد بن مهدي».

207

الإسلام ستزول لخمس و ثلاثين، أو سبع و ثلاثين، فان تهلك فسبيل من هلك، و إن يقم لهم دينهم يقم لهم سبعين عاما، قال. قال: عمر: يا رسول اللَّه أ بما مضى أو بما بقي؟ قال: بل بما بقي*

و هكذا رواه يعقوب بن سفيان عن عبيد اللَّه بن موسى عن إسرائيل عن منصور به،

فقال له عمر فذكره، قال البيهقي: و قد تابع إسرائيل الأعمش و سفيان الثوري عن منصور، قال: و بلغني أن في هذا إشارة إلى الفتنة التي كان منها قتل عثمان سنة خمس و ثلاثين، ثم إلى الفتن التي كانت في أيام على، و أراد بالسبعين ملك بنى أمية، فإنه بقي بين ما استقر لهم الملك إلى أن ظهرت الدعاة بخراسان و ضعف أمر بنى أمية و دخل الوهن فيه، نحوا من سبعين سنة* قلت: ثم انطوت هذه الحروب أيام صفين، و قاتل عليّ الخوارج في أثناء ذلك، كما تقدم الحديث المتفق على صحته، في الأخبار بذلك، و في صفتهم و صفة الرجل المخدج فيهم*

حديث آخر

قال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثني يحيى بن سليم عن عبد اللَّه بن عثمان عن مجاهد عن إبراهيم بن الأشتر عن أبيه عن أم ذر قالت:

لما حضرت أبا ذر الوفاة بكيت فقال: ما يبكيك؟ فقلت: و ما لي لا أبكى و أنت تموت بفلاة من الأرض و لا يد لي بدفنك، و ليس عندي ثوب يسعك فأكفنك فيه، قال فلا تبكى و ابشرى، فأنى سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول: ليموتن رجل منكم بفلاة من الأرض يشهده عصابة من المؤمنين، و ليس من أولئك النفر أحد إلا و قد مات في قرية أو جماعة، و إني أنا الّذي أموت بالفلاة، و اللَّه ما كذب و لا كذبت*

تفرد به أحمد (رحمه اللَّه)، و قد رواه البيهقي من حديث على بن المديني عن يحيى بن سليم الطائفي به مطولا

،

و الحديث مشهور في موته رضى اللَّه عنه بالربذة سنة ثنتين و ثلاثين، في خلافة عثمان بن عفان، و كان في النفر الذين قدموا عليه [و هو] في السياق عبد اللَّه بن مسعود و هو الّذي صلّى عليه ثم قدم المدينة فأقام بها عشر ليال و مات رضى اللَّه عنه.

حديث آخر

قال البيهقي: أنا الحاكم، أنا الأصم، ثنا محمد بن إسحاق الصنعاني، ثنا عمر بن سعيد الدمشقيّ، ثنا سعيد بن عبد العزيز عن إسماعيل بن عبيد اللَّه عن أبى عبد اللَّه الأشعري عن أبى الدرداء. قال:

قلت: يا رسول اللَّه بلغني أنك تقول: ليرتدن أقوام بعد إيمانهم، قال: أجل، و لست منهم. قال:

فتوفى أبو الدرداء قبل أن يقتل عثمان*

و قال يعقوب بن سفيان: ثنا صفوان، ثنا الوليد بن مسلم، ثنا عبد اللَّه أو عبد الغفار بن إسماعيل بن عبد اللَّه عن أبيه أنه حدثه عن شيخ من السلف قال: سمعت أبا الدرداء يقول: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

إني فرطكم على الحوض، أنتظر من يرد عليّ منكم، فلا

208

ألفين أنازع أحدكم، فأقول: إنه من أمتى، فيقال: هل تدري ما أحدثوا بعدك؟ قال أبو الدرداء:

فتخوفت أن أكون منهم، فأتيت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فذكرت ذلك له، فقال: إنك لست منهم،

قال فتوفى أبو الدرداء قبل أن يقتل عثمان، و قبل أن تقع الفتن* قال البيهقي: تابعه يزيد بن أبى مريم عن أبى عبيد اللَّه مسلم بن يشكر عن أبى الدرداء إلى قوله: لست منهم، قلت: قال سعيد بن عبد العزيز توفى أبو الدرداء لسنتين بقيتا من خلافة عثمان، و قال الواقدي و أبو عبيد و غير واحد: توفى سنة ثنتين و ثلاثين، رضى اللَّه عنه.

ذكر إخباره (صلى اللَّه عليه و سلم) عن الفتن الواقعة في آخر أيام عثمان بن عفان و في خلافة على بن أبى طالب رضى اللَّه عنهما

ثبت في الصحيحين من حديث سفيان بن عيينة عن الزهري عن عروة عن أسامة بن زيد

أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أشرف على أطم من آطام المدينة فقال: هل ترون ما أرى؟ إني لأرى مواقع الفتن خلال بيوتكم كمواقع القطر*

و روى الامام أحمد و مسلم من حديث الزهري عن أبى إدريس الخولانيّ: سمعت حذيفة بن اليمان يقول: و اللَّه إني لأعلم الناس بكل فتنة هي كائنة فيما بيني و بين الساعة، و ما ذاك أن يكون رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) حدثني من ذلك شيئا أسره إلى لم يكن حدث به غيري، و لكن‏

رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال:

- و هو يحدث مجلسا أنا فيه- سئل عن الفتن و هو يعد الفتن فيهنّ ثلاث لا تذوق شيئا منهن كرياح الصيف منها صغار و منها كبار،

قال حذيفة: فذهب أولئك الرهط كلهم غيري، و هذا لفظ أحمد* قال البيهقي: مات حذيفة بعد الفتنة الأولى بقتل عثمان، و قيل الفتنتين الآخرتين في أيام على، قلت: قال العجليّ و غير واحد من علماء التاريخ: كانت وفاة حذيفة بعد مقتل عثمان بأربعين يوما، و هو الّذي قال: لو كان قتل عثمان هدى لاحتلبت به الأمة لبنا، و لكنه كان ضلالة فاحتلبت به الأمة دما، و قال: لو أن أحدا ارتقص لما صنعتم بعثمان لكان جديرا أن يرقص*

و قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن عروة عن زينب بنت أبى سلمة عن حبيبة بنت أم حبيبة بنت أبى سفيان عن أمها أم حبيبة عن زينب بنت جحش زوج النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) قال سفيان أربع نسوة، قالت:

استيقظ النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) من نومه و هو محمر الوجه و هو يقول: لا إله إلا اللَّه ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج و مأجوج مثل هذه- و حلق بإصبعه الإبهام و التي تليها- قلت: يا رسول اللَّه أ نهلك و فينا الصالحون؟ قال: نعم، إذا كثر الخبث*

هكذا رواه الإمام أحمد عن سفيان بن عيينة به، و كذلك رواه مسلم عن أبى بكر بن أبى شيبة و سعد بن عمرو و الأشعثي و زهير بن حرب و ابن أبى عمر كلهم عن سفيان بن عيينة به سواء* و رواه الترمذي عن سعيد بن عبد الرحمن المخزومي و غير واحد: كلهم عن سفيان بن عيينة

،

و قال الترمذي: حسن صحيح،

209

و قال الترمذي: قال الحميدي عن سفيان: حفظت من الزهري في هذا الإسناد أربع نسوة، قلت:

و قد أخرجه البخاري عن مالك بن إسماعيل و مسلم عن عمرو الناقد عن الزهري عن عروة عن زينب عن أم حبيبة عن زينب بنت جحش فلم يذكروا حبيبة في الأسناد، و كذلك رواه عن الزهري شعيب و صالح بن كيسان و عقيل و محمد بن إسحاق و محمد بن أبى عتيق و يونس بن يزيد فلم يذكروا عنه في الأسناد حبيبة و اللَّه أعلم* فعلى ما رواه أحمد و من تابعه عن سفيان بن عيينة، يكون قد اجتمع في هذا الإسناد تابعيان، و هما الزهري و عروة بن الزبير، و أربع صحابيات و بنتان و زوجتان و هذا عزيز جدا* ثم قال البخاري بعد رواية الحديث المتقدم: عن أبى اليمان عن شعيب عن الزهري فذكره إلى آخره، ثم‏

قال: و عن الزهري حدثتني هند بنت الحارث أن أم سلمة قالت:

استيقظ رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقال: سبحان اللَّه ما ذا أنزل من الخزائن؟! و ما ذا أنزل من الفتن؟!*

و قد أسنده البخاري في مواضع أخر من طرق عن الزهري به* و رواه الترمذي من حديث معمر عن الزهري‏

و قال:

حسن صحيح* و قال أبو داود الطيالسي: ثنا الصلت بن دينار، ثنا عقبة بن صهبان و أبو رجاء العطاردي قالا: سمعنا الزبير و هو يتلو هذه الآية وَ اتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً قال: لقد تلوت هذه الآية زمنا و ما أرانى من أهلها، فأصبحنا من أهلها* و هذا الإسناد ضعيف، و لكن روى من وجه آخر، فقال الامام أحمد: حدثنا أسود بن عامر، ثنا جرير قال: سمعت أنسا قال: قال الزبير بن العوام: نزلت هذه الآية و نحن متوافرون مع النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، وَ اتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً فجعلنا نقول: ما هذه الفتنة؟ و ما نشعر أنها تقع حيث وقعت* و رواه النسائي عن إسحاق بن إبراهيم عن مهدي عن جرير بن حازم به، و قد قتل الزبير بوادي السباع مرجعه من قتال يوم الجمل على ما سنورده في موضعه إن شاء اللَّه تعالى*

و قال أبو داود السجستاني في سننه:

ثنا مسدد، ثنا أبو الأحوص- سلام بن سليم- عن منصور عن هلال بن يساف عن سعيد بن زيد، قال:

كنا عند النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فذكر فتنة و عظم أمرها، فقلنا: يا رسول اللَّه لئن أدركتنا هذه لتهلكنا فقال: كلا إن بحسبكم القتل،

قال سعيد: فرأيت إخواني قتلوا* تفرد به أبو داود،

و قال أبو داود السجستاني: حدثنا الحسن بن على، ثنا يزيد، أنا هشام عن محمد. قال قال حذيفة:

ما أحد من الناس تدركه الفتنة إلا أنا أخافها عليه إلا محمد بن مسلمة فأنى سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول: لا تضرك الفتنة،

و هذا منقطع* و قال أبو داود الطيالسي، ثنا شعبة عن أشعث بن أبى أشعث سمعت أبا بردة يحدث عن ثعلبة بن أبى ضبيعة سمعت حذيفة يقول: إني لأعرف رجلا لا تضره الفتنة، فأتينا المدينة فإذا فسطاط مضروب، و إذا محمد بن مسلمة الأنصاري، فسألته فقال: لا أستقر بمصر من أمصارهم حتى تنجلي هذه الفتنة عن جماعة المسلمين* قال البيهقي: و رواه أبو داود- يعنى‏

210

السجستاني- عن عمرو بن مرزوق عن شعبة به* و قال أبو داود: ثنا مسدد، ثنا أبو عوانة عن أشعث بن سليم عن أبى بردة عن ضبيعة بن حصين الثعلبي عن حذيفة بمعناه، قال البخاري في التاريخ:

هذا عندي أولى*

و قال الامام أحمد: حدثنا يزيد، ثنا حماد بن سلمة عن على بن زيد عن أبى بردة قال:

مررت بالربذة فإذا فسطاط، فقلت: لمن هذا؟ فقيل: لمحمد بن مسلمة، فاستأذنت عليه فدخلت عليه فقلت: رحمك اللَّه إنك من هذا الأمر بمكان، فلو خرجت إلى الناس فأمرت و نهيت، فقال: إن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال: إنها ستكون فتنة و فرقة و اختلاف، فإذا كان ذلك فأت بسيفك أحدا فاضرب به عرضه، و كسر نبلك، و اقطع و ترك، و اجلس في بيتك حتى تأتيك يد خاطئة أو يعافيك اللَّه،

فقد كان ما قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و فعلت ما أمرنى به، ثم استنزل سيفا كان معلقا بعمود الفسطاط و اخترطه فإذا سيف من خشب فقال قد فعلت ما أمرنى به و اتخذت هذا أرهب به الناس، تفرد به أحمد*

و قال البيهقي: أنا الحاكم، ثنا على بن عيسى المدني، أنا أحمد بن بحرة القرشي، ثنا يحيى بن عبد الحميد، أنا إبراهيم بن سعد، ثنا سالم بن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن ابن عوف عن أبيه عن محمود بن لبيد عن محمد بن مسلمة أنه قال:

يا رسول اللَّه كيف أصنع إذا اختلف المضلون؟ قال: اخرج بسيفك إلى الحرة فتضربها به ثم تدخل بيتك حتى تأتيك منية قاضية أو يد خاطئة*

و قال الامام أحمد: حدثنا عبد الصمد، ثنا زياد بن مسلم أبو عمر، ثنا أبو الأشعث الصنعاني قال: بعثنا يزيد بن معاوية إلى ابن الزبير، فلما قدمت المدينة دخلت على فلان- نسي زياد اسمه- فقال:

إن الناس قد صنعوا ما صنعوا فما ترى؟ قال: أوصاني خليلي أبو القاسم إن أدركت شيئا من هذه الفتن فاعمد إلى أحد فاكسر به حد سيفك ثم اقعد في بيتك، فأن دخل عليك أحد البيت فقم إلى المخدع، فان دخل عليك المخدع فاجثو على ركبتيك و قل: بؤ بأثمى و إثمك فتكون من أصحاب النار و ذلك جزاء الظالمين، فقد كسرت سيفي و قعدت في بيتي‏

* هكذا وقع إيراد هذا الحديث في مسند محمد بن مسلمة عند الإمام أحمد، و لكن وقع إبهام اسمه، و ليس هو لمحمد بن مسلمة بل صحابى آخر، فأن محمد بن مسلمة رضى اللَّه عنه لا خلاف عند أهل التاريخ أنه توفى فيما بين الأربعين إلى الخمسين، فقيل سنة ثنتين و قيل: ثلاث، و قيل: سبع و أربعين، و لم يدرك أيام يزيد بن معاوية و عبد اللَّه بن الزبير بلا خلاف، فتعين أنه صحابى آخر خبره كخبر محمد بن مسلمة*

و قال نعيم بن حماد في الفتن و الملاحم: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث عن حماد بن سلمة، ثنا أبو عمرو السلمي عن بنت أهبان الغفاريّ أن عليا أتى أهبان فقال:

ما يمنعك أن تتبعنا؟ فقال: أوصاني خليلي و ابن عمك (صلى اللَّه عليه و سلم): أن ستكون فرقة و فتنة و اختلاف، فإذا كان ذلك فاكسر سيفك و اقعد في بيتك و اتخذ سيفا من خشب*

و قد رواه أحمد عن عفان و أسود بن عامر و مؤمل ثلاثتهم عن حماد بن سلمة به، و زاد

211

مؤمل في روايته بعد قوله:

و اتخذ سيفا من خشب و اقعد في بيتك حتى تأتيك يد خاطئة أو منية قاضية*

و رواه الامام أحمد أيضا و الترمذي و ابن ماجة من حديث عبد اللَّه بن عبيد الديليّ عن عديسة بنت أهبان بن صيفي عن أبيها به،

و قال الترمذي: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد اللَّه بن عبيد، كذا قال، و قد تقدم من غير طريقه*

و قال البخاري: ثنا عبد العزيز الأويسي، ثنا إبراهيم بن سعد عن صالح بن كيسان عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب و أبى سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم و القائم فيها خير من الماشي، و الماشي فيها خير من الساعي، من تشرف لها تستشرفه، و من وجد ملجأ أو معاذا فليعذبه*

و عن ابن شهاب: حدثني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث عن عبد الرحمن بن مطيع بن الأسود عن نوفل ابن معاوية مثل حديث أبى هريرة هذا،

و قد روى مسلم حديث أبى هريرة من طريق إبراهيم بن سعد كما رواه البخاري، و كذلك حديث نوفل بن معاوية بإسناد البخاري و لفظه، ثم‏

قال البخاري:

ثنا محمد بن كثير، أخبرنى سفيان عن الأعمش عن زيد بن وهب عن ابن مسعود عن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) قال:

ستكون أثرة و أمور تنكرونها، فقالوا: يا رسول اللَّه فما تأمرنا؟ قال: تؤدون الحق الّذي عليكم و تسألون اللَّه الّذي لكم*

و رواه مسلم من حديث الأعمش به*

و قال الامام أحمد: حدثنا روح، ثنا عثمان الشحام، ثنا سلمة بن أبى بكرة عن أبى بكرة عن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أنه قال:

إنها ستكون فتنة ثم تكون فتنة، ألا فالماشى فيها خير من الساعي إليها، و القاعد فيها خير من القائم فيها، ألا و المضطجع فيها خير من القاعد، ألا فإذا نزلت فمن كان له غنم فليلحق بغنمه، ألا و من كانت له أرض فليلحق بأرضه، ألا و من كانت له إبل فليلحق بأبله، فقال رجل من القوم: يا نبي اللَّه جعلني اللَّه فداك، أ رأيت من ليست له غنم و لا أرض و لا إبل كيف يصنع؟ قال: ليأخذ سيفه ثم ليعمد به إلى صخرة، ثم ليدق على حده بحجر، ثم لينج إن استطاع النجاء، اللَّهمّ هل بلغت، إذ قال رجل: يا رسول اللَّه جعلني اللَّه فداك، أ رأيت إن أخذ بيدي مكرها حتى ينطلق بى إلى أحد الصفين أو إحدى الفئتين؟

- شك عثمان- فيحذفنى رجل بسيفه فيقتلني، ما ذا يكون من شأنى؟ قال: يبوء بإثمك و إثمه و يكون من أصحاب النار*

و هكذا رواه مسلم من حديث عثمان الشحام بنحوه‏

،

و هذا إخبار عن إقبال الفتن، و قد وردت أحاديث كثيرة في معنى هذا*

و قال الامام أحمد: حدثنا يحيى بن إسماعيل، ثنا قيس قال:

لما أقبلت عائشة- يعنى في مسيرها إلى وقعة الجمل- و بلغت مياه بنى عامر ليلا، نبحت الكلاب فقالت: أي ماء هذا؟ قالوا: ماء الحوأب، فقالت: ما أظننى إلا راجعة، فقال بعض من كان معها:

بل تقدمين فيراك المسلمون فيصلح اللَّه ذات بينهم، قالت: إن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال لنا ذات يوم: كيف بإحداكنّ تنبح عليها كلاب الحوأب*

و رواه أبو نعيم بن حماد في الملاحم‏

212

عن يزيد بن هارون عن أبى خالد عن قيس بن أبى حازم به*

ثم رواه أحمد عن غندر عن شعبة عن إسماعيل بن أبى خالد عن قيس بن أبى حازم‏

أن عائشة لما أتت على الحوأب فسمعت نباح الكلاب فقالت: ما أظننى إلا راجعة، إن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال لنا:

أيتكن ينبح عليها كلاب الحوأب، فقال لها الزبير: ترجعين؟ عسى اللَّه أن يصلح بك بين الناس*

و هذا إسناد على شرط الصحيحين و لم يخرجوه*

و قال الحافظ أبو بكر البزار: ثنا محمد بن عثمان بن كرامة، ثنا عبيد اللَّه بن موسى عن عصام بن قدامة البجلي عن عكرمة عن ابن عباس قال:

قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

ليت شعرى أيتكن صاحبة الجمل الأديب تسير حتى تنبحها كلاب الحوأب، يقتل عن يمينها و عن يسارها خلق كثير*

ثم قال: لا نعلمه يروى عن ابن عباس إلا بهذا الإسناد*

و قال الطبراني: ثنا إبراهيم بن نائلة الأصبهاني، ثنا إسماعيل بن عمرو البجلي، ثنا نوح بن دراج عن الأجلح بن عبد اللَّه عن زيد بن على عن أبيه عن ابن الحسين عن ابن عباس قال:

لما بلغ أصحاب على، حين ساروا إلى البصرة، أن أهل البصرة قد اجتمعوا لطلحة و الزبير، شق عليهم، و وقع في قلوبهم، فقال على: و الّذي لا إله غيره ليظهرنه على أهل البصرة، و ليقتلن طلحة و الزبير، و ليخرجن إليكم من الكوفة ستة آلاف و خمسمائة و خمسون رجلا، أو خمسة آلاف و خمسمائة و خمسون رجلا، شك الأجلح،

قال ابن عباس: فوقع ذلك في نفسي، فلما أتى الكوفة خرجت فقلت: لأنظرن، فان كان كما يقول فهو أمر سمعه، و إلا فهو خديعة الحرب، فلقيت رجلا من الجيش فسألته، فو اللَّه ما عتم أن قال ما قال على، قال ابن عباس: و هو ما كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يخبره*

و قال البيهقي: أنا عبد اللَّه الحافظ، ثنا أبو بكر محمد بن عبد اللَّه الحفيد، ثنا أحمد بن نصر، ثنا أبو نعيم الفضل، ثنا عبد الجبار بن الورد عن عمار الذهبي عن سالم بن أبى الجعد عن أم سلمة قالت:

ذكر النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) خروج بعض أمهات المؤمنين، فضحكت عائشة، فقال لها: انظري يا حميراء أن لا تكوني أنت، ثم التفت إلى على و قال: يا على إن وليت من أمرها شيئا فارفق بها*

و هذا حديث غريب جدا، و أغرب منه ما

رواه البيهقي أيضا عن الحاكم عن الأصم عن محمد بن إسحاق الصنعاني عن أبى نعيم عن عبد الجبار بن العباس الشامي عن عطاء بن السائب عن عمر بن الهجيع عن أبى بكرة قال:

قيل له ما يمنعك أن لا تكون قاتلت على نصرتك يوم الجمل؟ فقال: سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول:

يخرج قوم هلكى لا يفلحون، قائدهم امرأة، قائدهم في الجنة،

و هذا منكر جدا* و المحفوظ ما

رواه البخاري من حديث الحسن البصري عن أبى بكرة قال:

نفعني اللَّه بكلمة سمعتها من رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)- و بلغه أن فارس ملّكوا عليهم امرأة كسرى- فقال: لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة*

و قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة عن الحكم، سمعت أبا وائل قال: لما بعث على عمارا و الحسن‏

213

إلى الكوفة يستنفرهم، خطب عمار فقال: إني لأعلم أنها زوجته في الدنيا و الآخرة، لكن اللَّه ابتلاكم لتتبعوه أو إياها* و رواه البخاري عن بندار عن غندر، و هذا كله وقع في أيام الجمل، و قد ندمت عائشة رضى اللَّه عنها على ما كان من خروجها، على ما سنورده في موضعه، و كذلك الزبير بن العوام أيضا، تذكر و هو واقف في المعركة أن قتاله في هذا الموطن ليس بصواب، فرجع عن ذلك*

قال عبد الرزاق: أنا معمر عن قتادة قال:

لما لما ولّى الزبير يوم الجمل بلغ عليا، فقال: لو كان ابن صفية يعلم أنه على حق ما ولّى، و ذلك أن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) لقيهما في سقيفة بنى ساعدة فقال: أ تحبه يا زبير؟

فقال: و ما يمنعني؟ قال: فكيف بك إذا قاتلته و أنت ظالم له؟ قال: فيرون أنه إنما ولى لذلك،

و هذا مرسل من هذا الوجه* و قد أسنده الحافظ البيهقي من وجه آخر

فقال: أنا أبو بكر- أحمد بن الحسن القاضي- ثنا أبو عمرو بن مطر، أنا أبو العباس عبد اللَّه بن محمد بن سوار الهاشمي الكوفي، ثنا منجاب بن الحرث، ثنا عبد اللَّه بن الأجلح، ثنا أبى عن يزيد الفقير عن أبيه قال: و سمعت فضل بن فضالة يحدث أبى عن أبى حرب بن أبى الأسود الدقلى عن أبيه، دخل حديث أحدهما في حديث صاحبه، قال:

لما دنا على و أصحابه من طلحة و الزبير، و دنت الصفوف بعضها من بعض، خرج على و هو على بغلة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فنادى: ادعوا لي الزبير بن العوام، فأتى على، فدعى له الزبير فأقبل حتى اختلفت أعناق دوابهما، فقال على: يا زبير ناشدتك باللَّه أ تذكر يوم مرّ بك رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) مكان كذا و كذا فقال: يا زبير تحب عليا؟ فقلت: ألا أحب ابن خالي و ابن عمى و على ديني؟ فقال: يا على أ تحبه؟ فقلت: يا رسول اللَّه ألا أحب ابن عمتي و على ديني؟ فقال:

يا زبير، أما و اللَّه لتقاتلنه و أنت ظالم له، فقال الزبير: بلى، و اللَّه لقد نسيته منذ سمعته من رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ثم ذكرته الآن، و اللَّه لا أقاتلك، فرجع الزبير على دابته يشق الصفوف، فعرض له ابنه عبد اللَّه ابن الزبير فقال: مالك؟ فقال: ذكّرني على حديثا سمعته من رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، سمعته و هو يقول:

لتقاتلنه و أنت ظالم له، فلا أقاتلنه، فقال و للقتال جئت؟ إنما جئت تصلح بين الناس و يصلح اللَّه هذا الأمر، قال: قد حلفت أن لا أقاتله، قال: فأعتق غلامك خير وقف حتى تصلح بين الناس، فأعتق غلامه‏

و وقف، فلما اختلف أمر الناس ذهب على فرسه*

قال البيهقي: و أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ، أنا الامام أبو الوليد، ثنا الحسن بن سفيان، ثنا قطن بن بشير، ثنا جعفر بن سليمان، ثنا عبد اللَّه بن محمد الرقاشيّ، ثنا جدي- و هو عبد الملك بن مسلّم- عن أبى و جرة المازني، قال: سمعت عليا و الزبير و عليّ يقول له:

ناشدتك اللَّه يا زبير، أما سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول:

إنك تقاتلني و أنت لي ظالم؟ قال: بلى و لكنى نسيت*

و هذا غريب كالسياق الّذي قبله،

و قد روى البيهقي من طريق الهذيل بن بلال- و فيه ضعف- عن عبد الرحمن بن مسعود العبديّ عن على‏

214

قال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

من سره أن ينظر إلى رجل يسبقه بعض أعضائه إلى الجنة فلينظر إلى زيد بن صوحان،

قلت: قتل زيد هذا في وقعة الجمل من ناحية على*

و ثبت في الصحيحين من حديث همام بن منية عن أبى هريرة قال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان دعواهما واحدة*

و رواه البخاري أيضا عن أبى اليمان عن شعيب عن أبى الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة مثله* و رواه البخاري أيضا عن أبى اليمان عن شعيب عن الزهري عن أبى سلمة عن أبى هريرة

* و هاتان الفئتان هما أصحاب الجمل، و أصحاب صفين، فإنهما جميعا يدعون إلى الإسلام، و إنما يتنازعون في شي‏ء من أمور الملك، و مراعاة المصالح العائد نفعها على الأمة و الرعايا، و كان ترك القتال أولى من فعله، كما هو مذهب جمهور الصحابة كما سنذكره* و قال يعقوب بن سفيان:

ثنا أبو اليمان، ثنا صفوان بن عمرو قال: كان أهل الشام ستين ألفا، فقتل منهم عشرون ألفا، و كان أهل العراق مائة و عشرين ألفا، فقتل منهم أربعون ألفا، و لكن كان على و أصحابه أدنى الطائفتين إلى الحق من أصحاب معاوية، و أصحاب معاوية كانوا باغين عليهم،

كما ثبت في صحيح مسلّم من حديث شعبة عن أبى سلمة عن أبى نضرة عن أبى سعيد الخدريّ قال: حدثني من هو خير منى- يعنى أبا قتادة- أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال لعمار:

تقتلك الفئة الباغية*

و رواه أيضا من حديث ابن علية عن ابن عون عن الحسن عن أمه عن أم سلمة قالت: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

يقتل عمارا الفئة الباغية، و في رواية: و قاتله في النار*

و قد تقدم الحديث بطرقه عند بناء المسجد النبوي في أول الهجرة النبويّة، و ما يزيده بعض الرافضة في هذا الحديث من قولهم بعد: لا أنالها اللَّه شفاعتي يوم القيامة، فليس له أصل يعتمد عليه، بل هو من اختلاق الروافض قبحهم اللَّه*

و قد روى البيهقي من حديث أبى عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر عن مولاة لعمار قالت:

اشتكى عمار شكوى أرق منها، فغشى عليه فأفاق و نحن نبكي حوله، فقال: ما تبكون؟ أ تخشون أن أموت على فراشي؟ أخبرنى حبيبي (صلى اللَّه عليه و سلم) أنه تقتلني الفئة الباغية، و أن آخر زادي من الدنيا مذقة لبن*

و قال الامام أحمد: حدثني وكيع، ثنا سفيان عن حبيب بن أبى ثابت عن أبى البختري قال: قال عمار يوم صفين:

ائتوني بشربة لبن، فأن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال: آخر شربة تشربها من الدنيا شربة لبن، فشربها ثم تقدم فقتل*

و حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن حبيب عن أبى البختري،

أن عمار بن ياسر أتى بشربة لبن فضحك و قال: إن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال لي: آخر شراب أشربه لبن حين أموت‏

* و روى البيهقي من حديث عمار الذهبي عن سالم بن أبى الجعد عن ابن مسعود سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول:

إذا اختلف الناس كان ابن سمية مع الحق*

و معلوم أن عمارا كان في جيش على يوم صفين، و قتله أصحاب معاوية من أهل الشام، و كان الّذي تولى قتله رجل يقال له أبو الفادية، رجل من أفناد الناس، و قيل:

215

إنه صحابى* و قد ذكر أبو عمر بن عبد البر و غيره في أسماء الصحابة و هو أبو الفادية مسلّم، و قيل:

يسار بن أزيهر الجهنيّ من قضاعة، و قيل: مزنى، و قيل: هما اثنان، سكن الشام ثم صار إلى واسط، روى له أحمد حديثا و له عند غيره آخر، قالوا: و هو قاتل عمار بن ياسر، و كان يذكر صفة قتله لعمار لا يتحاشى من ذلك، و سنذكر ترجمته عند قتله لعمار أيام معاوية في وقعة صفين، و أخطأ من قال: كان بدريا*

و قال الامام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، ثنا العوام، حدثني ابن مسعود عن حنظلة بن خويلد العنزي قال:

بينا أنا عند معاوية إذ جاءه رجلان يختصمان في رأس عمار، يقول كل واحد منهما: أنا قتلته، فقال عبد اللَّه بن عمرو: ليطب به أحدكما لصاحبه نفسا فأنى سمعت النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول: تقتله الفئة الباغية، فقال معاوية: ألا نحّ عنا مجنونك يا عمرو، فما بالك معنا، قال: إن أبى شكاني إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقال: أطع أباك ما دام حيا و لا تعصه، فأنا معكم و لست أقاتل*

و قال الامام أحمد: ثنا أبو معاوية، ثنا الأعمش عن عبد الرحمن بن زياد عن عبد اللَّه بن الحرث بن نوفل قال:

إني لأسير مع معاوية منصرفه من صفين، بينه و بين عمرو بن العاص، فقال عبد اللَّه بن عمرو:

يا أبة، أما سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول لعمار: ويحك يا ابن سمية تقتلك الفئة الباغية؟

قال: فقال عمرو لمعاوية: ألا تسمع ما يقول هذا؟ فقال معاوية: لا يزال يأتينا نهيه، أو نحن قتلناه؟ إنما قتله من جاءوا به* ثم رواه أحمد عن أبى نعيم عن الثوري عن الأعمش عن عبد الرحمن بن أبى زياد فذكر مثله. فقول معاوية: إنما قتله من قدمه إلى سيوفنا، تأويل بعيد جدا، إذ لو كان كذلك لكان أمير الجيش هو القاتل للذين يقتلون في سبيل اللَّه، حيث قدمهم إلى سيوف الأعداء* و قال عبد الرزاق أنا ابن عيينة، أخبرنى عمرو بن دينار عن ابن أبى مليكة عن المسور بن مخرمة قال عمرو لعبد الرحمن ابن عوف: أما علمت أنا كنا نقرأ (وَ جاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ) في آخر الزمان، كما جاهدتم في أوله؟ فقال عبد الرحمن [بن عوف‏]: و متى ذلك يا أمير المؤمنين؟ قال: إذا كان بنو أمية الأمراء و بنو المغيرة الوزراء* ذكره البيهقي هاهنا، و كأنه يستشهد به على ما عقد له الباب بعده من ذكر الحكمين و ما كان من أمرهما، فقال:

باب ما جاء في إخباره عن الحكمين اللذين بعثا في زمن على رضى اللَّه عنه‏

أخبرنا على بن أحمد بن عبدان، أنا أحمد بن عبيد الصفار، ثنا إسماعيل بن الفضل، ثنا قتيبة ابن سعيد عن جرير عن زكريا بن يحيى عن عبد اللَّه بن يزيد و حبيب بن بشار عن سويد بن غفلة قال:

إني لأمشى مع على بشط الفرات فقال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): إن بنى إسرائيل اختلفوا فلم يزل اختلافهم بينهم حتى بعثوا حكمين فضلا و أضلّا من اتبعهما، و إن هذه الأمة ستختلف فلا يزال اختلافهم بينهم حتى يبعثوا حكمين ضلا و أضلّا من اتبعهما*

هكذا أورده و لم يبين شيئا من‏

216

أمره، و هو حديث منكر جدا، و آفته من زكريا بن يحيى هذا- و هو الكندي الحميري الأعمى- قال يحيى بن معين: ليس بشي‏ء، و الحكمان كانا من خيار الصحابة، و هما عمرو بن العاص السهمي من جهة أهل الشام، و الثاني أبو موسى عبد اللَّه بن قيس الأشعري، من جهة أهل العراق، و إنما نصبا ليصلحا بين الناس و يتفقا على أمر فيه رفق بالمسلمين، و حقن لدمائهم، و كذلك وقع و لم يضل بسببهما إلا فرقة الخوارج حيث أنكروا على الأميرين التحكيم، و خرجوا عليهما و كفروهما، حتى قاتلهم على بن أبى طالب، و ناظرهم ابن عباس، فرجع منهم شرذمة إلى الحق، و استمر بقيتهم حتى قتل أكثرهم بالنهروان و غيره من المواقف المرذولة عليهم كما سنذكره.

ذكر إخباره (صلى اللَّه عليه و سلم) عن الخوارج و قتالهم و علامتهم بالرجل المخدج ذي الثديين فوجد ذلك في خلافة على بن أبى طالب‏

قال البخاري: ثنا أبو اليمان، ثنا شعيب عن الزهري، قال: أخبرنى أبو سلمة بن عبد الرحمن أن أبا سعيد الخدريّ قال:

بينما نحن عند رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و هو يقسم قسما، أتاه ذو الخويصرة- و هو رجل من بنى تميم- فقال: يا رسول اللَّه اعدل، فقال: ويلك، و من يعدل؟ قد خبت و خسرت إن لم أكن أعدل، فقال عمر: يا رسول اللَّه ائذن لي فيه فأضرب عنقه، فقال: دعه فان له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم و صيامه مع صيامهم، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شي‏ء ثم ينظر إلى رصافه فلا يوجد فيه شي‏ء، ثم ينظر إلى نضبه و هو قدحه فلا يوجد فيه شي‏ء ثم ينظر إلى قذذه فلم يوجد فيه شي‏ء، قد سبق الفرث و الدم، آيتهم رجل أسود، إحدى عضديه مثل ثدي المرأة أو مثل البضعة تدردر، و يخرجون على حين فرقة من الناس،

قال أبو سعيد فأشهد أنى سمعت هذا الحديث من رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)؟ و أشهد أن على بن أبى طالب قاتلهم و أنا معه فأمر بذلك الرجل فالتمس فأتى به حتى نظرت إليه على نعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) الّذي نعته* و هكذا رواه مسلّم من حديث أبى سعيد* و رواه البخاري أيضا من حديث الأوزاعي عن الزهري عن أبى سلمة و الضحاك عن أبى سعيد. و أخرجه البخاري أيضا من حديث سفيان بن سعيد الثوري عن أبيه، و مسلّم عن هناد عن أبى الأحوص سلام بن سليم عن سعيد بن مسروق عن عبد الرحمن بن يعمر عن أبى سعيد الخدريّ به*

و قد روى مسلّم في صحيحه من حديث داود بن أبى هند و القاسم بن الفضل و قتادة عن أبى نضرة عن أبى سعيد قال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

تمرق مارقة عند فرقة المسلمين يقتلها أولى الطائفتين بالحق*

و رواه أيضا من حديث أبى إسحاق الثوري عن حبيب بن أبى ثابت عن الضحاك المشرقي عن أبى سعيد مرفوعا.

و روى مسلّم عن أبى بكر بن أبى شيبة عن ابن مسهر عن الشيباني عن بشير بن عمرو قال: سألت سهل بن‏

217

حنيف، هل سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يذكر هؤلاء الخوارج؟ فقال: سمعته و أشار بيده نحو المشرق- و في رواية نحو العراق- يخرج قوم يقرءون القرآن بألسنتهم لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، محلقة رءوسهم* و روى مسلّم من حديث حميد بن هلال عن عبد اللَّه ابن الصامت عن أبى ذر نحوه و قال: سيماهم التحليق، شر الخلق و الخليقة* و كذلك رواه محمد بن كثير المصيصي عن الأوزاعي عن قتادة عن أنس بن مالك مرفوعا، و قال: سيماهم التحليق، شر الخلق و الخليقة*

و في الصحيحين من حديث الأعمش عن خيثمة عن سويد بن غفلة عن على:

سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول:

يخرج قوم في آخر الزمان حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من قول خير البرية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فأن في قتلهم أجرا لمن قتلهم إلى يوم القيامة*

و قد روى مسلّم عن قتيبة عن حماد عن أيوب عن محمد بن عبيدة عن على في خبر مؤذن الليل و هو ذو الثدية* و أسنده من وجه آخر عن ابن عون عن ابن سيرين عن عبيدة عن على و فيه: أنه حلّف عليا على ذلك فحلف له أنه سمع ذلك من رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)* و رواه مسلّم عن عبد بن حميد عن عبد الرزاق عن عبد الملك بن أبى سليمان عن زيد بن وهب عن على بالقصة مطولة و فيه قصة ذي الثدية* و رواه من حديث عبيد اللَّه بن أبى رافع عن على، و رواه أبو داود الطيالسي عن حماد بن زيد عن حميد بن مرة عن أبى العرضى و السحيمى عن على في قصة ذي الثدية* و رواه الثوري عن محمد بن قيس عن أبى موسى- رجل من قومه- عن على بالقصة*

و قال يعقوب بن سفيان:

ثنا الحميدي، ثنا سفيان حدثني العلاء بن أبى العباس أنه سمع أبا الطفيل يحدث عن بكر بن قرقاش عن سعيد بن أبى وقاص قال:

ذكر رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ذا الثدية فقال: شيطان الردهة كراعى الخيل يحذره رجل من بجيلة يقال له: الأشهب، أو ابن الأشهب علامة في قوم ظلمة،

قال سفيان: فأخبرني عمار الذهبي أنه جاء به رجل منهم يقال له: الأشهب، أو ابن الأشهب* قال يعقوب بن سفيان:

و حدثنا عبيد اللَّه بن معاذ عن أبيه عن شعبة عن أبى إسحاق عن حامد الهمدانيّ سمعت سعد بن مالك يقول: قتل على بن أبى طالب شيطان الردهة- يعنى المخدج- يريد و اللَّه أعلم قتلة أصحاب على* و قال على بن عياش عن حبيب عن سلمة قال: لقد علمت عائشة أن جيش المروة و أهل النهروان ملعونون على لسان محمد (صلى اللَّه عليه و سلم)، قال ابن عباس: جيش المروة قتلة عثمان* رواه البيهقي، ثم‏

قال البيهقي: أنا الحاكم، أنا الأصم، ثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن إسماعيل بن رجاء عن أبيه عن أبى سعيد الخدريّ قال: سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول:

إن منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله، فقال أبو بكر: أنا هو يا رسول اللَّه، قال: لا، فقال عمر: أنا هو يا رسول اللَّه، قال: لا، و لكن خاصف النعل- يعنى عليّا-

و قال يعقوب بن‏

218

سفيان عن عبيد اللَّه بن معاذ عن أبيه عن عمران بن جرير عن لاحق قال: كان الذين خرجوا على على بالنهروان أربعة آلاف في الحديد، فركبهم المسلمون فقتلوهم و لم يقتلوا من المسلمين إلا تسعة رهط، و إن شئت فاذهب إلى أبى برزة فإنه يشهد بذلك* قلت: الأخبار بقتال الخوارج متواترة عن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، لأن ذلك من طرق تفيد القطع عند أئمة هذا الشأن، و وقوع ذلك في زمان عليّ معلوم ضرورة لأهل العلم قاطبة، و أما كيفية خروجهم و سببه و مناظرة ابن عباس لهم في ذلك، و رجوع كثير منهم إليه، فسيأتي بيان ذلك في موضعه إن شاء اللَّه تعالى.

إخباره (صلى اللَّه عليه و سلم) بمقتل على بن أبى طالب رضى اللَّه عنه فكان كما أخبر سواء بسواء

قال الامام أحمد: ثنا على بن بحر، ثنا عيسى بن يونس، ثنا محمد بن إسحاق، حدثني زيد بن محمد بن خيثم المحاربي عن محمد بن كعب بن خيثم عن عمار بن ياسر قال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) لعلى- حين ولى غزوة العثيرة-:

يا أبا تراب- لما يرى عليه من التراب- ألا أحدثك بأشقى الناس رجلين؟

قلنا: بلى يا رسول اللَّه، قال أحيمر ثمود الّذي عقر الناقة، و الّذي يضربك يا على على هذه- يعنى قرنه- حتى يبل هذه- يعنى لحيته-*

و روى البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن الحسن بن مكرم عن أبى النضر عن محمد بن راشد عن عبد اللَّه بن محمد بن عقيل عن فضالة بن أبى فضالة الأنصاري- و كان أبوه من أهل بدر- قال:

خرجت مع أبى عائدا لعلى بن أبى طالب في مرض أصابه فقتل منه، قال:

فقال أبى ما يقيمك بمنزلك هذا؟ فلو أصابك أجلك لم يكن إلا أعراب جهينة، تحملك إلى المدينة، فأن أصابك أجلك وليك أصحابك و صلوا عليك، فقال على: إن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) عهد إليّ أن لا أموت حتى تخضب هذه- يعنى لحيته- من دم هذه- يعنى هامته- فقتل و قتل أبو فضالة مع على يوم صفين*

و قال أبو داود الطيالسي: ثنا شريك عن عثمان بن المغيرة عن زيد بن وهب قال:

جاء رأس الخوارج إلى على فقال له: اتّق اللَّه فأنك ميت، فقال: لا و الّذي فلق الحبة و برأ النسمة، و لكن مقتول من ضربة على هذه تخضب هذه- و أشار بيده إلى لحيته- عهد معهود، و قضاء مقضي، و قد خاب من افترى*

و قد روى البيهقي بإسناد صحيح عن زيد بن أسلّم عن أبى سنان المدركي عن على في إخبار النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) بقتله، و روى من حديث هيثم عن إسماعيل بن سالم عن أبى إدريس الأزدي عن على قال:

إن مما عهد إليّ رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): أن الأمة ستغدر بك بعدي،

ثم ساقه من طريق قطر بن خليفة و عبد العزيز بن سياه عن حبيب بن أبى ثابت عن ثعلبة بن يزيد الحمامي قال: سمعت عليا يقول:

إنه لعهد النبي الأمي إليّ، إن الأمة ستغدر بك بعدي*

قال البخاري: ثعلبة هذا فيه نظر و لا يتابع على حديثه هذا، و

روى البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن محمد بن إسحاق الصنعاني عن أبى الأجوب الأحوص بن خباب عن عمار بن زريق عن الأعمش عن حبيب بن أبى ثابت عن‏

219

ثعلبة بن يزيد قال: قال على:

و الّذي فلق الحبة و برأ النسمة لتخضبن هذه من هذه، للحيته من رأسه، فما يحبس أشقاها، فقال عبد اللَّه بن سبيع: و اللَّه يا أمير المؤمنين لو أن رجلا فعل ذلك لأثرنا عشيرته، فقال: أنشدك باللَّه أن لا تقتل بى غير قاتلي، قالوا يا أمير المؤمنين ألا تستخلف؟ قال:

و لكن أترككم كما ترككم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، قالوا: فما تقول لربك إذا تركتنا هملا؟ قال: أقول:

اللَّهمّ استخلفتنى فيهم ما بدا لك، ثم قبضتني و تركتك فيهم، فأن شئت أصلحتهم، و إن شئت أفسدتهم*

و هكذا روى البيهقي هذا

،

و هو موقوف، و فيه غرابة من حيث اللفظ و من حيث المعنى، ثم المشهور عن على أنه لما طعنه عبد الرحمن بن ملجم الخارجي و هو خارج لصلاة الصبح عند السدة، فبقي على يومين من طعنته، و حبس ابن ملجم، و أوصى على إلى ابنه الحسن بن على كما سيأتي بيانه و أمره أن يركب في الجنود و قال له: لا يجر على كما تجر الجارية، فلما مات قتل عبد الرحمن بن ملجم قودا، و قيل: حدا، و اللَّه أعلم، ثم ركب الحسن بن على في الجنود و سار إلى معاوية كما سيأتي بيانه إن شاء اللَّه تعالى.

ذكر إخباره (صلى اللَّه عليه و سلم) بذلك و سيادة ولده الحسن بن على‏

في تركه الأمر من بعده و إعطائه ذلك الأمر معاوية و تقليده إياه ما كان يتولاه و يقوم بأعبائه‏

قال البخاري في دلائل النبوة: حدثنا عبد اللَّه بن محمد، ثنا يحيى بن آدم، ثنا حسين الجعفي عن أبى موسى عن الحسن عن أبى بكرة قال:

أخرج النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) ذات يوم الحسن بن على فصعد به على المنبر فقال: إن ابني هذا سيد: و لعل اللَّه أن يصلح به بين فئتين من المسلمين*

و قال في كتاب الصلح: حدثنا عبد اللَّه بن محمد، ثنا سفيان عن أبى موسى قال: سمعت الحسن يقول:

استقبل و اللَّه الحسن بن على معاوية بن أبى سفيان بكتائب أمثال الجبال، فقال عمرو بن العاص: إني لأرى كتائب لا تولى حتى تقتل أقرانها، فقال له معاوية، فكان و اللَّه خير الرجلين: أي عمرو إن قتل هؤلاء هؤلاء، و هؤلاء هؤلاء، من لي بأمور الناس؟ من لي بنسائهم؟ من لي بضيعتهم؟ فبعث إليه رجلين من قريش من بنى عبد شمس، عبد الرحمن بن سمرة، و عبد اللَّه بن عامر بن كريز، فقال:

اذهبا إلى هذا الرجل فاعرضا عليه و قولا. له و اطلبا إليه، فأتياه فدخلا عليه فتكلما و قالا له، و طلبا إليه، فقال لهما الحسن بن على: إنا بنو عبد المطلب قد أصبنا من هذا المال، و إن هذه الأمة قد عاثت في دمائها، قالا: فإنه يعرض عليك كذا و كذا، و يطلب إليك و يسألك، قال: فمن لي بهذا؟ قالا:

نحن لك به، فما سألهما شيئا إلا قالا: نحن لك به، فصالحه، فقال الحسن: و لقد سمعت أبا بكرة يقول:

رأيت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) على المنبر و الحسن بن على إلى جنبه و هو يقبل على الناس مرة و عليه أخرى، و يقول: إن ابني هذا سيد، و لعل اللَّه أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين*

و قال البخاري:

220

قال لي على بن عبد اللَّه: إنما ثبت لنا سماع الحسن بن أبى بكرة بهذا الحديث: إنما ثبت لنا سماع الحسن بن أبى بكرة بهذا الحديث* و قد رواه البخاري أيضا في فضل الحسن و في كتاب الفتن عن على بن المديني عن سفيان بن عيينة عن أبى موسى و هو إسرائيل بن موسى بن أبى إسحاق- و رواه أبو داود و الترمذي من حديث أشعث، و أبو داود أيضا و النسائي من حديث على بن زيد بن جدعان كلهم عن الحسن البصري عن أبى بكرة به، و قال الترمذي: صحيح، و له طرق عن الحسن مرسلا، و عن الحسن و عن أم سلمة به، و هكذا وقع الأمر كما أخبر به النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) سواء، فأن الحسن بن على لما صار إليه الأمر بعد أبيه و ركب في جيوش أهل العراق، و سار إليه معاوية، فتصافا بصفين على ما ذكره الحسن البصري، فمال الحسن بن على إلى الصلح، و خطب الناس و خلع نفسه من الأمر و سلمه إلى معاوية، و ذلك سنة أربعين، فبايعه الأمراء من الجيشين، و استقل بأعباء الأمة، فسمى ذلك العام عام الجماعة، لاجتماع الكلمة فيه على رجل واحد، و سنورد ذلك مفصلا في موضعه إن شاء اللَّه تعالى* و قد شهد الصادق المصدوق للفرقتين بالإسلام، فمن كفرهم أو واحدا منهم لمجرد ما وقع فقد أخطأ و خالف النص النبوي المحمدي الّذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، و قد تكمل بهذه السنة المدة التي أشار إليها رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أنها مدة الخلافة المتتابعة بعده، كما تقدم في‏

حديث سفينة مولاه أنه قال:

الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم تكون ملكا،

و في رواية عضوضا، و في رواية عن معاوية أنه قال: رضينا بها ملكا،

و قد قال نعيم بن حماد في كتابه الفتن و الملاحم: سمعت محمد بن فضيل عن السري بن إسماعيل عن عامر الشعبي عن سفيان بن عيينة قال: سمعت الحسن بن على يقول: سمعت عليا يقول: سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول:

لا تذهب الأيام و الليالي حتى يجتمع أمر هذه الأمة على رجل واسع القدم، ضخم البلغم، يأكل و لا يشبع و هو عرى،

و هكذا وقع في هذه الرواية،

و في رواية بهذا الإسناد:

لا تذهب الأيام و الليالي حتى تجتمع هذه الأمة على معاوية*

و روى البيهقي من حديث إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر- و هو ضعيف- عن عبد الملك بن عمار قال: قال معاوية:

و اللَّه ما حملني على الخلافة إلا قول رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) لي: يا معاوية إن ملكت فأحسن*

ثم قال البيهقي: و له شواهد، من ذلك‏

حديث عمرو بن يحيى عن سعيد بن العاص عن جده سعيد

أن معاوية أخذ الإداوة فتبع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فنظر إليه فقال: يا معاوية إن وليت أمرا فاتق اللَّه و اعدل،

قال معاوية: فما زلت أظن أنى مبتلى بعمل لقول رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)*

و منها حديث الثوري عن ثور بن يزيد عن راشد بن سعد الداريّ عن معاوية قال: سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول:

إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم، أو كدت أن تفسدهم، ثم يقول أبو الدرداء كلمة سمعها معاوية من رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فنفعه اللَّه بها*

رواه أبو داود

* و روى البيهقي من طريق هشيم عن العوام بن حوشب عن سليمان‏

221

ابن أبى سليمان عن أبيه عن أبى هريرة قال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

الخلافة بالمدينة و الملك بالشام*

و قال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى، ثنا يحيى بن حمزة عن زيد بن واقد، حدثني بشر بن عبيد اللَّه، حدثني أبو إدريس الخولانيّ عن أبى الدرداء قال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

بينا أنا نائم إذ رأيت عمود الكتاب رفع احتمل من تحت رأسي، فظننت أنه مذهوب به، فأتبعته بصرى، فعمد به إلى الشام، ألا و إن الأيمان- حين تقع الفتن- بالشام هاهنا

رواه البيهقي من طريق يعقوب بن سفيان عن عبد اللَّه بن يوسف عن يحيى بن حمزه السلمي به،

قال البيهقي: و هذا إسناد صحيح، و روى من وجه آخر*

ثم ساقه من طريق عقبة بن علقمة عن سعيد بن عبد العزيز الدمشقيّ عن عطية بن قيس عن عبد اللَّه بن عمرو قال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

إني رأيت أن عمود الكتاب انتزع من تحت وسادتي فنظرت فإذا نور ساطع عمد به إلى الشام، ألا إن الأيمان إذا وقعت الفتن بالشام*

ثم أورده البيهقي من طريق الوليد بن مسلّم عن سعيد بن عبد العزيز عن يونس بن ميسرة عن عبد اللَّه بن عمرو قال: قال لي رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فذكر نحوه، إلا أنه قال:

فأتبعته بصرى حتى ظننت أنه مذهوب به، قال: و إني أولت أن الفتن إذا وقعت، أن الايمان بالشام‏

* قال الوليد:

حدثني عنبر بن معدان أنه سمع سليمان بن عامر يحدث عن أبى أمامة عن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) مثل ذلك*

و قال يعقوب بن سفيان: حدثني نصر بن محمد بن سليمان الحمصي، ثنا أبى أبو ضمرة- محمد بن سليمان السلمي- حدثني عبد اللَّه بن أبى قيس، سمعت عمر بن الخطاب يقول: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

رأيت عمودا من نور خرج من تحت رأسي ساطعا حتى استقر بالشام*

و قال عبد الرزاق: أنا معمر عن الزهري عن عبد اللَّه بن صفوان قال:

قال رجل يوم صفين: اللَّهمّ العن أهل الشام، فقال له على:

لا تسب أهل الشام جما غفيرا، فان بها الأبدال، فان بها الأبدال*

و قد روى من وجه آخر عن على*

قال الإمام أحمد: ثنا أبو المغيرة، ثنا صفوان، حدثني شريح- يعنى ابن عبيد الحضرميّ- قال:

ذكر أهل الشام عند على بن أبى طالب و هو بالعراق فقالوا: العنهم يا أمير المؤمنين، قال: لا، إني سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول: الأبدال يكونون بالشام، و هم أربعون رجلا، كلما مات رجل أبدل اللَّه مكانه رجلا، يستسقى بهم الغيث، و ينتصر بهم على الأعداء، و يصرف عن أهل الشام بهم العذاب*

تفرد به أحمد، و فيه انقطاع، فقد نص أبو حاتم الرازيّ على أن شريح ابن عبيد هذا لم يسمع من أبى أمامة و لا من أبى مالك الأشعري و أنه رواية عنهما مرسلة، فما ظنك بروايته عن على بن أبى طالب، و هو أقدم وفاة منهما.

222

إخباره (عليه السلام) عن غزاة البحر إلى قبرص التي كانت في أيام أمير المؤمنين معاوية بن أبى سفيان رضى اللَّه عنه‏

قال مالك عن إسحاق بن عبد اللَّه بن أبى طلحة عن أنس بن مالك أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) كان يدخل على أم حرام بنت ملحان فتطعمه، و كانت تحت عبادة بن الصامت، فدخل عليها يوما فأطعمته ثم جلست تفلى رأسه، فنام رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ثم استيقظ و هو يضحك، قالت: فقلت: ما يضحكك يا رسول اللَّه؟ قال: ناس من أمتى عرضوا على غزاة في سبيل اللَّه يركبون ثبج هذا البحر، ملوكا على الأسرة، أو مثل الملوك على الأسرة، شك إسحاق، فقلت: يا رسول اللَّه ادع اللَّه أن يجعلني منهم، فدعا لها، ثم وضع رأسه فنام ثم استيقظ و هو يضحك، قالت: قلت ما يضحكك يا رسول اللَّه؟ قال:

ناس من أمتى عرضوا على غزاة في سبيل اللَّه، كما قال في الأولى، قالت: قلت يا رسول اللَّه: ادع اللَّه أن يجعلني منهم، فقال: أنت من الأولين، قال: فركبت أم حرام بنت ملحان البحر في زمان معاوية فصرعت عن دابتها حين خرجت من البحر فهلكت* رواه البخاري عن عبد اللَّه بن يوسف و مسلّم عن يحيى بن يحيى كلاهما عن مالك به، و أخرجاه في الصحيحين من حديث الليث و حماد بن زيد، كلاهما عن يحيى بن سعيد. و عن محمد بن يحيى بن حبان عن أنس بن مالك عن خالته أم حرام بنت ملحان، فذكر الحديث إلى أن قال: فخرجت مع زوجها عبادة بن الصامت غازية أول ما ركبوا مع معاوية، أو أول ما ركب المسلمون البحر مع معاوية بن أبى سفيان، فلما انصرفوا من غزاتهم قافلين فنزلوا الشام، فقربت إليها دابة لتركبها فصرعتها فماتت* و رواه البخاري من حديث أبى إسحاق الفزاري عن زائدة عن أبى حوالة عبد اللَّه بن عبد الرحمن عن أنس به، و أخرجه أبو داود من حديث معمر عن زيد بن أسلّم عن عطاء بن يسار عن أخت أم سليم* و قال البخاري:

باب ما قيل في قتال الروم‏

حدثنا إسحاق بن يزيد الدمشقيّ، ثنا يحيى بن حمزة، حدثني ثور بن يزيد عن خالد بن معدان أن عمير بن الأسود العنسيّ حدثه أنه أتى عبادة بن الصامت و هو نازل إلى ساحل حمص، و هو في بناء له، و معه أم حرام، قال عمير: فحدثتنا أم حرام أنها سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول:

أول جيش من أمتى يغزون البحر قد أوجبوا، قالت أم حرام: فقلت: يا رسول اللَّه أنا فيهم؟ قال: أنت فيهم، قالت: ثم قال النبي (صلى اللَّه عليه و سلم): أول جيش من أمتى يغزون مدينة قيصر مغفور لهم، قلت: أنا فيهم يا رسول اللَّه؟ قال: لا،

تفرد به البخاري دون أصحاب الكتب الستة* و قد رواه البيهقي في‏

223

الدلائل عن الحاكم عن أبى عمرو بن أبى جعفر عن الحسن بن سفيان عن هشام بن عمار الخطيب عن يحيى بن حمزة القاضي به‏

و هو يشبه معنى الحديث الأول* و فيه من دلائل النبوة ثلاث إحداها الأخبار عن الغزوة الأولى في البحر و قد كانت في سنة سبع و عشرين مع معاوية بن أبى سفيان حين غزا قبرص و هو نائب الشام عن عثمان بن عفان، و كانت معهم أم حرام بنت ملحان هذه صحبة زوجها عبادة بن الصامت، أحد النقباء ليلة العقبة، فتوفيت مرجعهم من الغزو قتل بالشام كما تقدم في الرواية عند البخاري، و قال ابن زيد: توفيت بقبرص سنة سبع و عشرين، و الغزوة الثانية غزوة قسطنطينية مع أول جيش غزاها، و كان أميرها يزيد بن معاوية بن أبى سفيان، و ذلك في سنة ثنتين و خمسين، و كان معهم أبو أيوب، خالد بن زيد الأنصاري، فمات هنالك رضى اللَّه عنه و أرضاه، و لم تكن هذه المرأة معهم، لأنها كانت قد توفيت قبل ذلك في الغزوة الأولى* فهذا الحديث فيه ثلاث آيات من دلائل النبوة، الأخبار عن الغزوتين، و الأخبار عن المرأة بأنها من الأولين و ليست من الآخرين، و كذلك وقع (صلوات اللَّه و سلامه عليه).

الاخبار عن غزوة الهند

قال الامام أحمد: حدثنا هشيم عن سيار بن حسين بن عبيدة عن أبى هريرة قال: وعدنا رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) غزوة الهند فأن استشهدت كنت من خير الشهداء، و إن رجعت فأنا أبو هريرة المحرر* رواه النسائي من حديث هشيم و زيد بن أنيسة عن يسار عن جبر، و يقال: جبير، عن أبى هريرة قال: وعدنا رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) غزوة الهند فذكره، و قال أحمد: حدثنا يحيى بن إسحاق، ثنا البراء عن الحسن عن أبى هريرة قال: حدثني خليلي الصادق المصدوق، رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أنه قال: يكون في هذه الأمة بعث إلى السند و الهند، فان أنا أدركته فاستشهدت فذاك، و إن أنا و إن أنا فذكر كلمة رجعت فأنا أبو هريرة المحدث قد أعتقنى من النار* تفرد به أحمد، و قد غزا المسلمون الهند في أيام معاوية سنة أربع و أربعين، و كانت هنالك أمور سيأتي بسطها في موضعها، و قد غزا الملك الكبير الجليل محمود بن سبكتكين، صاحب غزنة، في حدود أربعمائة، بلاد الهند فدخل فيها و قتل و أسر و سبى و غنم و دخل السومنات و كسر الند الأعظم الّذي يعبدونه، و استلب سيوفه و قلائده، ثم رجع سالما مؤيدا منصورا

فصل في الأخبار عن قتال الترك كما سنبينه إن شاء اللَّه و به الثقة

قال البخاري: ثنا أبو اليمان، أنا شعيب، ثنا أبو الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة عن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) قال:

لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوما نعالهم الشعر، و حتى تقاتل الترك صغار الأعين‏

224

حمر الوجوه، ذلف الأنوف، كأن وجوههم المجانّ المطرقة، و تجدون من خير الناس أشدهم كراهية لهذا الأمر حتى يقع فيه، و الناس معادن: خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام، و ليأتين على أحدكم زمان لأن يراني أحب إليه من أن يكون له مثل أهله و ماله*

تفرد به من هذا الوجه*

ثم قال البخاري:

ثنا يحيى، ثنا عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبى هريرة أن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) قال:

لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا خوزا و كرمان من الأعاجم، حمر الوجوه، فطس الأنوف، صغار الأعين كأن وجوههم المجان المطرقة، نعالهم الشعر*

تابعه غيره عن عبد الرزاق، و قد ذكر عن الامام أحمد أنه قال: أخطأ عبد الرزاق في قوله: خوزا، بالخاء، و إنما هو بالجيم جوزا و كرمان، هما بلدان معروفان بالشرق، فاللَّه أعلم*

و قال الامام أحمد: حدثنا سفيان عن الزهري عن سعيد عن أبى هريرة فبلغ به النبي (صلى اللَّه عليه و سلم):

لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوما كأن وجوههم المجان المطرقة، نعالهم الشعر*

و قد رواه الجماعة إلا النسائي من حديث سفيان بن عيينة به* و قال البخاري: ثنا على بن عبد اللَّه، ثنا سفيان قال: قال إسماعيل: أخبرنى قيس قال: أتينا أبا هريرة رضى اللَّه عنه فقال: صحبت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ثلاث سنين لم أكن في سنى أحرص على أن أعي الحديث منى فيهن، سمعته يقول: و قال هكذا بيده بين يدي الساعة تقاتلون قوما نعالهم الشعر* و هو هذا البارز، و قال سفيان مرة: و هم أهل البارز،

و قد رواه مسلّم عن أبى كريب عن أبى أسامة و وكيع كلاهما عن إسماعيل بن أبى خالد عن قيس بن أبى حازم عن أبى هريرة قال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

لا تقوم القيامة حتى تقاتلوا قوما نعالهم الشعر كأن وجوههم المجان المطرقة، حمر الوجوه، صغار الأعين*

قلت: و أما قول سفيان بن عيينة: إنهم هم أهل البارز فالمشهور في الرواية تقديم الراء على الزاى، و لعله تصحيف اشتبه على القائل البارز و هو السوق بلغتهم، فاللَّه أعلم*

و قال الامام أحمد: حدثنا عفان، ثنا جرير بن حازم سمعت الحسن قال:

ثنا عمرو بن ثعلب قال: سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول:

إن من أشراط الساعة أن تقاتلوا قوما نعالهم الشعر، أو ينتعلون الشعر، و إن من أشراط الساعة أن تقاتلوا قوما عراض الوجوه كأن وجوههم المجانّ المطرقة*

و رواه البخاري عن سليمان بن حرب و أبى النعمان عن جرير بن حازم به،

و المقصود أن قتال الترك وقع في آخر أيام الصحابة، قاتلوا القان الأعظم، فكسروه كسرة عظيمة على ما سنورده في موضعه إذا انتهينا [إليه‏] بحول اللَّه و قوته و حسن توفيقه.

خبر آخر عن عبد اللَّه بن سلام‏

قال الامام أحمد: حدثنا إسحاق بن يوسف الأزرق، ثنا ابن عون عن محمد هو ابن سيرين عن بشر بن عباد قال: كنت في المسجد فجاء رجل في وجهه أثر خشوع فدخل فصلّى ركعتين فأوجز فيهما، فقال القوم: هذا رجل من أهل الجنة، فلما خرج اتبعته حتى دخل منزله فدخلت معه فحدثته،

225

فلما استأنس قلت له: إن القوم لما دخلت المسجد قالوا كذا و كذا، قال: سبحان اللَّه، و اللَّه ما ينبغي لأحد أن يقول ما لا يعلم، و سأحدثك أنى رأيت رؤيا على عهد رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقصصتها عليه، رأيت كأنى في روضة خضراء- قال ابن عون: فذكر من خضرتها و سعتها- وسطها عمود حديد أسفله في الأرض و أعلاه في السماء، في أعلاه عروة، فقيل لي: اصعد عليه، فقلت: لا أستطيع، فجاء بنصيف- قال ابن عون: و هو الوصيف- فرفع ثيابي من خلفي فقال: اصعد عليه، فصعدت حتى أخذت بالعروة، فقال: استمسك بالعروة، فاستيقظت و إنها لفي يدي،

قال:

فأتيت النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، فقصصتها عليه فقال: أما الروضة فروضة الإسلام، و أما العمود فعمود الإسلام، و أما العروة فهي العروة الوثقى، أنت على الإسلام تموت،

قال: و هو عبد اللَّه بن سلام* و رواه البخاري من حديث عون. ثم قد رواه الامام أحمد من حديث حماد بن سلمة عن عاصم بن بهدلة عن المسيب بن رافع عن حرشة بن الحر عن عبد اللَّه بن سلام، فذكره مطولا، و فيه قال: حتى انتهيت إلى جبل زلق فأخذ بيدي و دحانى، فإذا أنا على ذروته، فلم أتقارّ و لم أتماسك، و إذا عمود حديد في يدي ذروته حلقة ذهب، فأخذ بيدي و دحانى حتى أخذت بالعروة، و ذكر تمام الحديث*

و أخرجه مسلّم في صحيحه من حديث الأعمش عن سليمان بن مسهر عن حرشة بن الحر عن عبد اللَّه بن سلام فذكره و قال:

حتى أتى بى جبلا فقال لي: اصعد، فجعلت إذا أردت أن أصعد خررت على رأسي، حتى فعلت ذلك مرارا، و أن رسول اللَّه قال له حين ذكر رؤياه: و أما الجبل فهو منزل الشهداء، و لن تناله‏

قال البيهقي: و هذه معجزة ثانية، حيث أخبر أنه لا ينال الشهادة* و هكذا وقع، فأنه مات سنة ثلاث و أربعين فيما ذكره أبو عبيد القاسم بن سلام و غيره.

الأخبار عن بيت ميمونة بنت الحارث بسرف‏

قال البخاري في التاريخ: أنا موسى بن إسماعيل، ثنا عبد الواحد بن زياد، ثنا عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن الأصم، ثنا يزيد بن الأصم قال: ثقلت ميمونة بمكة و ليس عندها من بنى أختها أحد، فقالت: أخرجونى من مكة فانى لا أموت بها، إن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أخبرنى أنى لا أموت بمكة، فحملوها حتى أتوا بها إلى سرف، الشجرة التي بنى بها رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) تحتها في موضع القبة، فماتت رضى اللَّه عنها، قلت: و كان موتها سنة إحدى و خمسين على الصحيح.

ما روى في إخباره عن مقتل حجر بن عدي و أصحابه‏

قال يعقوب بن سفيان: ثنا ابن بكير، ثنا ابن لهيعة، حدثني الحارث عن يزيد عن عبد اللَّه بن رزين الغافقي قال: سمعت على بن أبى طالب يقول:

يا أهل العراق، سيقتل منكم سبعة نفر بعذراء، مثلهم كمثل أصحاب الأخدود* فقتل حجر بن عدي و أصحابه،

و قال يعقوب بن سفيان: قال أبو

226

نعيم: ذكر زياد بن سمية على بن أبى طالب على المنبر فقبض حجر على الحصباء ثم أرسلها و حصب من حوله زيادا فكتب إلى معاوية يقول: إن حجرا حصبنى و أنا على المنبر، فكتب إليه معاوية أن يحمل حجرا، فلما قرب من دمشق بعث من يتلقاهم، فالتقى معهم بعذراء فقتلهم، قال البيهقي: لا يقول على مثل هذا إلا أنه يكون سمعه من رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)*

و قال يعقوب بن سفيان: حدثنا حرملة ثنا ابن وهب، أخبرنى ابن لهيعة عن أبى الأسود قال:

دخل معاوية على عائشة فقالت: ما حملك على قتل أهل عذراء حجرا و أصحابه؟ فقال: يا أم المؤمنين، إني رأيت قتلهم إصلاحا للأمة، و أن بقاءهم فسادا، فقالت: سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول: سيقتل بعذراء ناس يغضب اللَّه لهم و أهل السماء*

و قال يعقوب بن سفيان: ثنا عمرو بن عاصم، ثنا حماد بن سلمة عن على بن زيد عن سعيد ابن المسيب عن مروان بن الحكم قال:

دخلت مع معاوية على أم المؤمنين عائشة رضى اللَّه عنها، فقالت: يا معاوية قتلت حجرا و أصحابه و فعلت الّذي فعلت، أما خشيت أن أخبأ لك رجلا فيقتلك؟

قال: لا، إني في بيت أمان، سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول: الايمان قيد الفتك لا يفتك، لا يفتك مؤمن‏

يا أم المؤمنين، كيف أنا فيما سوى ذلك من حاجاتك؟ قالت: صالح، قال: فدعيني و حجرا حتى نلتقي عند ربنا عز و جل.

حديث آخر

قال يعقوب بن سفيان: ثنا عبيد اللَّه بن معاذ، ثنا أبى، ثنا شعبة عن أبى سلمة عن أبى نضرة عن أبى هريرة أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال لعشرة من أصحابه:

آخركم موتا في النار، فيهم سمرة بن جندب،

قال أبو نضرة: فكان سمرة آخرهم موتا، قال البيهقي: رواته ثقات إلا أن أبا نضرة العبديّ لم يثبت له من أبى هريرة سماع و اللَّه أعلم* ثم‏

روى من طريق إسماعيل بن حكيم عن يونس بن عبيد عن الحسن عن أنس بن حكيم قال:

كنت أمر بالمدينة فألقى أبا هريرة فلا يبدأ بشي‏ء حتى يسألنى عن سمرة، فلو أخبرته بحياته و صحته فرح و قال: إنا كنا عشرة في بيت، و إن رسول اللَّه قام علينا و نظر في وجوهنا و أخذ بعضادتي الباب و قال: آخركم موتا في النار،

فقد مات منا ثمانية و لم يبق غيري و غيره، فليس شي‏ء أحب إلى من أن أكون قد ذقت الموت* و له شاهد من وجه آخر،

و قال يعقوب ابن سفيان: ثنا حجاج بن منهال، ثنا حماد بن سلمة عن على بن زيد عن أوس بن خالد قال:

كنت إذا قدمت على أبى محذورة سألني عن سمرة، و إذا قدمت على سمرة سألني عن أبى محذورة، فقلت لأبى محذورة: مالك إذا قدمت عليك تسألنى عن سمرة، و إذا قدمت على سمرة سألني عنك؟

فقال: إني كنت أنا و سمرة و أبو هريرة في بيت فجاء النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فقال: آخركم موتا في النار*

قال:

فمات أبو هريرة ثم مات أبو محذورة ثم مات سمرة*

و قال عبد الرزاق: أنا معمر: سمعت ابن طاوس‏

227

و غيره يقولون: قال النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)

لأبى هريرة و سمرة بن جندب و لرجل آخر: آخركم موتا في النار،

فمات الرجل قبلهما و بقي أبو هريرة و سمرة، فكان الرجل إذا أراد أن يغيظ أبا هريرة يقول: مات سمرة، فإذا سمعه غشي عليه و صعق، ثم مات أبو هريرة قبل سمرة و قتل سمرة بشرا كثيرا* و قد ضعف البيهقي عامة هذه الروايات لانقطاع بعضها و إرساله، ثم قال: و قد قال بعض أهل العلم: إن سمرة مات في الحريق، ثم قال: و يحتمل أن يورد النار بذنوبه ثم ينجو منها بأيمانه فيخرج منها بشفاعة الشافعين، و اللَّه أعلم* ثم أورد من طريق هلال بن العلاء الرقى أن عبد اللَّه بن معاوية حدثهم عن رجل قد سماه أن سمرة استجمر فغفل عن نفسه و غفل أهله عنه حتى أخذته النار، قلت:

و ذكر غيره أن سمرة بن جندب رضى اللَّه عنه أصابه كرار شديد، و كان يوقد له على قدر مملوءة ماء حارا فيجلس فوقها ليتدفأ ببخارها فسقط يوما فيها فمات رضى اللَّه عنه، و كان موته سنة تسع و خمسين بعد أبى هريرة بسنة، و قد كان ينوب عن زياد بن سمية في البصرة إذا سار إلى الكوفة، و في الكوفة إذا سار إلى البصرة، فكان يقيم في كل منهما ستة أشهر من السنة، و كان شديدا على الخوارج، مكثرا للقتل فيهم، و يقول: هم شر قتلى تحت أديم السماء، و قد كان الحسن البصري و محمد بن سيرين و غيرهما من علماء البصرة يثنون عليه رضى اللَّه عنه.

خبر رافع بن خديج‏

روى البيهقي من حديث مسلّم بن إبراهيم عن عمرو بن مرزوق الواضحى، ثنا يحيى بن عبد الحميد ابن رافع عن جدته أن رافع بن خديج رمى- قال عمر:

لا أدرى أيهما قال- يوم أحد أو يوم حنين بسهم في ثندوته، فأتى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقال: يا رسول اللَّه انزع لي السهم، فقال له: يا رافع إن شئت نزعت السهم و القبضة جميعا، و إن شئت نزعت السهم و تركت القبضة و شهدت لك يوم القيامة أنك شهيد، فقال: يا رسول اللَّه، انزع السهم و اترك القبضة و اشهد لي يوم القيامة أنى شهيد، قال: فعاش حتى كانت خلافة معاوية انتقض الجرح فمات بعد العصر*

هكذا وقع في هذه الرواية أنه مات في إمارة معاوية، و الّذي ذكره الواقدي و غير واحد أنه مات سنة ثلاث، و قيل: أربع و سبعين، و معاوية رضى اللَّه عنه كانت وفاته في سنة ستين بلا خلاف، و اللَّه أعلم.

ذكر إخباره (عليه السلام) لما وقع من الفتن بعد موته من أغيلمة بنى هاشم و غير ذلك‏

قال البخاري: حدثنا محمد بن كثير، أخبرنى سفيان عن الأعمش عن زيد بن وهب عن ابن مسعود عن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) قال:

ستكون أثرة و أمور تنكرونها، قالوا: يا رسول اللَّه: فما تأمرنا؟

قال: تؤدون الحق الّذي عليكم، و تسألون اللَّه الّذي لكم*

و قال البخاري: ثنا محمد بن عبد الرحيم، أنا أبو معمر إسماعيل بن إبراهيم، ثنا أبو أسامة، ثنا شعبة عن أبى التياح عن أبى زرعة عن‏

228

أبى هريرة قال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

يهلك الناس هذا الحي من قريش، قالوا: فما تأمرنا يا رسول اللَّه؟ قال: لو أن الناس اعتزلوهم*

و رواه مسلّم عن أبى بكر بن أبى شيبة عن أبى أسامة،

و قال البخاري: قال محمود: ثنا أبو داود، أخبرنا شعبة عن أبى التياح قال: سمعت أبا زرعة، و حدثنا أحمد بن محمد المكيّ، ثنا عمرو بن يحيى بن سعيد الأموي عن جده قال: كنت مع مروان و أبى هريرة فسمعت أبا هريرة يقول: سمعت الصادق المصدوق يقول:

هلاك أمتى على يدي غلمة من قريش، فقال مروان: غلمة؟ قال أبو هريرة: إن شئت أن أسميهم فلان و بنى فلان*

تفرد به البخاري*

و قال أحمد: ثنا روح، ثنا أبو أمية عمرو بن يحيى بن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص، أخبرنى جدي سعيد بن عمرو بن سعيد عن أبى هريرة قال: سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول:

هلكة أمتى على يدي غلمة،

قال مروان: و هم معنا في الحلقة قبل أن يلي شيئا، فلعنة اللَّه عليهم غلمة، قال: أما و اللَّه لو أشاء أن أقول بنى فلان و بنى فلان لفعلت، قال: فكنت أخرج مع أبى وجدي إلى بنى مروان- بعد ما ملكوا- فإذا هم يبايعون الصبيان، و منهم من يبايع له و هو في خرقة، قال لنا: عسى أصحابكم هؤلاء أن يكونوا الّذي سمعت أبا هريرة يذكران هذه الملوك يشبه بعضها بعضا*

و قال أحمد: حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن سماك، حدثني عبد اللَّه بن ظالم قال: سمعت أبا هريرة قال: سمعت حبي أبا القاسم (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول:

إن فساد أمتى على يدي غلمة سفهاء من قريش*

ثم رواه أحمد عن زيد بن الخباب عن سفيان و هو الثوري عن سماك عن مالك بن ظالم عن أبى هريرة فذكره‏

،

ثم روى غندر و روح بن عبادة عن سفيان عن سماك بن حرب عن مالك بن ظالم قال: سمعت أبا هريرة، زاد روح: يحدث مروان بن الحكم، قال: سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) الصادق المصدوق يقول:

هلاك أمتى على يد غلمة أمراء سفهاء من قريش*

و قال الامام أحمد: حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا حيوة، حدثني بشر بن أبى عمرو الخولانيّ: أن الوليد بن قيس التجيبي حدثه أنه سمع أبا سعيد الخدريّ يقول: سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول:

يكون خلف من بعد الستين سنة (أضاعوا الصلاة، و اتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا) ثم يكون خلف يقرءون القرآن لا يعدو تراقيهم، و يقرأ القرآن ثلاثة مؤمن، و منافق، و فاجر،

و قال بشير: فقلت للوليد: ما هؤلاء الثلاثة؟ قال: المنافق كافر به، و الفاجر يتأكل به، و المؤمن يؤمن به* تفرد به أحمد، و إسناده جيد قوى على شرط السنن* و

قد روى البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن الحسن بن على بن عفان عن أبى أسامة عن مجالد عن الشعبي قال:

لما رجع على من صفين قال: أيها الناس، لا تكرهوا إمارة معاوية، فإنه لو فقدتموه لقد رأيتم الرءوس تنزو من كواهلها كالحنظل*

ثم روى عن الحاكم و غيره عن الأصم عن العباس ابن الوليد بن زيد عن أبيه عن جابر عن عمير بن هانئ أنه حدثه أنه قال: كان أبو هريرة يمشى في‏

229

سوق المدينة و هو يقول: اللَّهمّ لا تدركني سنة الستين، ويحكم تمسكوا بصدغى معاوية، اللَّهمّ لا تدركني إمارة الصبيان، قال البيهقي: و على و أبو هريرة إنما يقولان: هذا الشي‏ء سمعناه من رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)*

و قال يعقوب بن سفيان: أنا عبد الرحمن بن عمرو الحزامي، ثنا محمد بن سليمان عن أبى تميم البعلبكي عن هشام بن الغار عن ابن مكحول عن أبى ثعلبة الخشنيّ عن أبى عبيدة بن الجراح قال:

قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

لا يزال هذا الأمر معتدلا قائما بالقسط حتى يثلمه رجل من بنى أمية*

و روى البيهقي من طريق عوف الأعرابي عن أبى خلدة عن أبى العالية عن أبى ذرّ قال: سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول:

إن أول من يبدل سنتي رجل من بنى أمية، و هذا منقطع بين أبى العالية و أبى ذر

و قد رجحه البيهقي بحديث أبى عبيدة المتقدم، قال: و يشبه أن يكون هذا الرجل هو يزيد بن معاوية ابن أبى سفيان، و اللَّه أعلم* قلت: الناس في يزيد بن معاوية أقسام فمنهم من يحبه و يتولاه، و هم طائفة من أهل الشام، من النواصب، و أما الروافض فيشنعون عليه و يفترون عليه أشياء كثيرة ليست فيه و يتهمه كثير منهم بالزندقة، و لم يكن كذلك، و طائفة أخرى لا يحبونه و لا يسبونه لما يعلمون من أنه لم يكن زنديقا كما تقوله الرافضة، و لما وقع في زمانه من الحوادث الفظيعة، و الأمور المستنكرة البشعة الشنيعة، فمن أنكرها قتل الحسين بن على بكربلاء، و لكن لم يكن ذلك من علم منه، و لعله لم يرض به و لم يسؤه، و ذلك من الأمور المنكرة جدا، و وقعة الحرة كانت من الأمور القبيحة بالمدينة النبويّة على ما سنورده إذا انتهينا إليه في التاريخ إن شاء اللَّه تعالى.

الاخبار بمقتل الحسين بن على رضى اللَّه عنهما

و قد ورد في الحديث بمقتل الحسين فقال الامام أحمد: حدثنا عبد الصمد بن حسان، ثنا عمارة- يعنى ابن زاذان- عن ثابت عن أنس قال:

استأذن ملك المطر أن يأتى النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، فأذن له، فقال لأم سلمة: احفظى علينا الباب لا يدخل علينا أحد، فجاء الحسين بن على، فوثب حتى دخل، فجعل يصعد على منكب النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، فقال له الملك: أ تحبه؟ فقال النبي (صلى اللَّه عليه و سلم): نعم، قال: فأن أمتك تقتله، و إن شئت أريتك المكان الّذي يقتل فيه، قال: فضرب بيده فأراه ترابا أحمر، فأخذت أم سلمة ذلك التراب فصرته في طرف ثوبها، قال: فكنا نسمع يقتل بكربلاء*

و رواه البيهقي من حديث بشر بن موسى عن عبد الصمد عن عمارة، فذكره، ثم قال: و كذلك رواه سفيان بن فروخ عن عمارة

،

و عمارة بن زاذان هذا هو الصيدلاني أبو سلمة البصري اختلفوا فيه، و قد قال فيه أبو حاتم: يكتب حديثه و لا يحتج به ليس بالمتين، و ضعفه أحمد مرة و وثقه أخرى، و حديثه هذا قد روى عن غيره من وجه آخر، فرواه الحافظ البيهقي من طريق عمارة بن عرفة عن محمد بن إبراهيم عن أبى سلمة عن عائشة رضى اللَّه عنها نحو هذا*

و قد قال البيهقي: أنا الحاكم في آخرين، قالوا: أنا الأصم، أنا عباس‏

230

الدوري، ثنا محمد بن خالد بن مخلد، ثنا موسى بن يعقوب عن هاشم بن هاشم عن عتبة بن أبى وقاص عن عبد اللَّه بن وهب بن زمعة، أخبرتنى أم سلمة

أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) اضطجع ذات يوم فاستيقظ و هو حائر، ثم اضطجع فرقد، ثم استيقظ و هو حائر دون ما رأيت منه في المرة الأولى، ثم اضطجع و استيقظ و في يده تربة حمراء و هو يقلبها، فقلت: ما هذه التربة يا رسول اللَّه؟ فقال: أخبرنى جبريل أن هذا مقتل بأرض العراق للحسين، قلت له: يا جبريل أرنى تربة الأرض التي يقتل بها، فهذه تربتها*

ثم قال البيهقي: تابعه أبو موسى الجهنيّ عن صالح بن يزيد النخعي عن أم سلمة، و أبان عن شهر بن حوشب عن أم سلمة*

و قال الحافظ أبو بكر البزار في مسندة: ثنا إبراهيم بن يوسف الصيرفي، ثنا الحسين بن عيسى، ثنا الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس قال:

كان الحسين جالسا في حجر النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فقال جبريل: أ تحبه؟ فقال: و كيف لا أحبه و هو ثمرة فؤادي؟ فقال: أما إن أمتك ستقتله، ألا أريك من موضع قبره؟ فقبض قبضة فإذا تربة حمراء*

ثم قال البزار: لا نعلمه يروى إلا بهذا الإسناد، و الحسين بن عيسى قد حدث عن الحكم بن أبان بأحاديث لا نعلمها عند غيره.

قلت: هو الحسين بن عيسى بن مسلّم الحنفي أبو عبد الرحمن الكوفي أخو سليم القاري، قال البخاري:

مجهول- يعنى مجهول الحال- و إلا فقد روى عنه سبعة نفر، و قال أبو زرعة: منكر الحديث، و قال أبو حاتم: ليس بالقوى، روى عن الحكم بن أبان أحاديث منكرة، و ذكره ابن حبان في الثقات، و قال ابن عدي: قليل الحديث، و عامة حديثه غرائب، و في بعض أحاديثه المنكرات* و

روى البيهقي عن الحكم و غيره عن أبى الأحوص عن محمد بن الهيثم القاضي: ثنا محمد بن مصعب، ثنا الأوزاعي عن أبى عمار شداد بن عبد اللَّه عن أم الفضل بنت الحارث‏

أنها دخلت على رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقالت: يا رسول اللَّه إني رأيت حلما منكرا الليلة، قال: و ما هو؟ قالت: رأيت كأن قطعة من جسدك قطعت و وضعت في حجري، قال: رأيت خيرا، تلك فاطمة إن شاء اللَّه تلد غلاما فيكون في حجرك، فولدت فاطمة الحسين، فكان في حجري كما قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فوضعته في حجره ثم حانت منى التفاتة فإذا عينا رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) تهريقان الدموع، قالت: قلت يا نبي اللَّه بأبي أنت و أمى، مالك؟ قال: أتانى جبريل (عليه السلام) فأخبرني أن أمتى ستقتل ابني هذا، فقلت:

هذا؟ قال: نعم، و أتانى بتربة من تربته حمراء*

و قد روى الإمام أحمد عن عفان عن وهيب عن أيوب عن صالح أبى الخليل عن عبد اللَّه بن الحارث عن أم الفضل قالت:

أتيت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقلت: إني رأيت في منامي أن في بيتي أو حجري عضوا من أعضائك، قال: تلد فاطمة إن شاء اللَّه غلاما فتكفلينه، فولدت له فاطمة حسينا، فدفعته إليها فأرضعته بلبن قثم، فأتيت به رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يوما أزوره، فأخذه فوضعه على صدره فبال فأصاب البول إزاره، فزخخت بيدي على كتفيه،

231

فقال: أوجعت ابني أصلحك اللَّه، أو قال: رحمك اللَّه، فقلت: أعطني إزارك أغسله، فقال: إنما يغسل بول الجارية و يصب على بول الغلام*

و رواه أحمد أيضا عن يحيى بن بكير عن إسرائيل عن سماك عن قابوس بن مخارق عن أم الفضل فذكر مثله سواء،

و ليس فيه الأخبار بقتله فاللَّه أعلم* و قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، ثنا حماد، أنا عمار بن أبى عمارة عن ابن عباس. قال: رأيت النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فيما يرى النائم بنصف النهار و هو قائل، أشعث أغبر، بيده قارورة فيها دم، فقلت: بأبي أنت و أمى يا رسول اللَّه، ما هذا؟ قال: دم الحسين و أصحابه، لم أزل ألتقطه منذ اليوم، قال: فأحصينا ذلك اليوم فوجدوه قتل في ذلك اليوم رضى اللَّه عنه* قال قتادة: قتل الحسين يوم الجمعة، يوم عاشوراء سنة إحدى و ستين، و له أربع و خمسون سنة و ستة أشهر و نصف شهر* و هكذا قال الليث و أبو بكر بن عياش الواقدي و الخليفة بن خياط و أبو معشر و غير واحد: إنه قتل يوم عاشوراء عام إحدى و ستين، و زعم بعضهم أنه قتل يوم السبت، و الأول أصح* و قد ذكروا في مقتله أشياء كثيرة أنها وقعت من كسوف الشمس يومئذ، و هو ضعيف، و تغيير آفاق السماء، و لم ينقلب حجر إلا وجد تحته دم، و منهم من خصص ذلك بحجارة بيت المقدس، و أن الورس استحال رمادا، و أن اللحم صار مثل العلقم و كان فيه النار، إلى غير ذلك مما في بعضها نكارة، و في بعضها احتمال، و اللَّه أعلم* و قد مات رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و هو سيد ولد آدم في الدنيا و الآخرة، و لم يقع شي‏ء من هذه الأشياء، و كذلك الصديق بعده، مات و لم يكن شي‏ء من هذا، و كذا عمر بن الخطاب قتل شهيدا و هو قائم يصلّى في المحراب صلاة الفجر، و حصر عثمان في داره و قتل بعد ذلك شهيدا، و قتل على بن أبى طالب شهيدا بعد صلاة الفجر، و لم يكن شي‏ء من هذه الأشياء، و اللَّه أعلم* و قد روى حماد بن سلمة عن عمار بن أبى عمارة عن أم سلمة أنها سمعت الجن تنوح على الحسين بن على* و هذا صحيح، و قال شهر بن حوشب: كنا عند أم سلمة فجاءها الخبر بقتل الحسين فخرت مغشيا عليها* و كان سبب قتل الحسين أنه كتب إليه أهل العراق يطلبون منه أن يقدم إليهم ليبايعوه بالخلافة، و كثر تواتر الكتب عليه من العامة و من ابن عمه مسلّم بن عقيل، فلما ظهر على ذلك عبيد اللَّه بن زياد نائب العراق ليزيد بن معاوية، فبعث إلى مسلّم بن عقيل يضرب عنقه و رماه من القصر إلى العامة، فتفرق ملؤهم و تبددت كلمتهم، هذا و قد تجهز الحسين من الحجاز إلى العراق، و لم يشعر بما وقع، فتحمل بأهله و من أطاعه و كانوا قريبا من ثلاثمائة، و قد نهاه عن ذلك جماعة من الصحابة، منهم أبو سعيد، و جابر، و ابن عباس، و ابن عمر، فلم يطعهم، و ما أحسن ما نهاه ابن عمر عن ذلك، و استدل له على أنه لا يقع ما يريده فلم يقبل، فروى الحافظ البيهقي من حديث يحيى بن سالم الأسدي، و رواه أبو داود الطيالسي في مسندة عنه، قال: سمعت الشعبي يقول: كان ابن عمر قدم المدينة فأخبر أن الحسين بن‏

232

على قد توجه إلى العراق، فلحقه على مسيرة ليلتين أو ثلاث من المدينة، قال: أين تريد؟ قال العراق و معه طوامير و كتب، فقال: لا تأتهم، فقال: هذه كتبهم و بيعتهم، فقال: إن اللَّه خير نبيه (صلى اللَّه عليه و سلم) بين الدنيا و الآخرة، فاختار الآخرة و لم يرد الدنيا، و إنكم بضعة من رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و اللَّه لا يليها أحد منكم أبدا، و ما صرفها عنكم إلى الّذي هو خير منكم، فارجعوا، فأبى و قال: هذه كتبهم و بيعتهم، قال: فاعتنقه ابن عمر و قال: أستودعك اللَّه من قتيل، و قد وقع ما فهمه عبد اللَّه بن عمر من ذلك سواء، من أنه لم يل أحد من أهل البيت الخلافة على سبيل الاستقلال و يتم له الأمر، و قد قال ذلك عثمان بن عفان، و على بن أبى طالب إنه لا يلي أحد من أهل البيت أبدا* و رواه عنهما أبو صالح الخليل بن أحمد بن عيسى بن الشيخ في كتابه الفتن و الملاحم. قلت: و أما الخلفاء الفاطميون الذين كانوا بالديار المصرية، فان أكثر العلماء على أنهم أدعياء و على بن أبى طالب ليس من أهل البيت، و مع هذا لم يتم له الأمر كما كان للخلفاء الثلاثة قبله، و لا اتسعت يده في البلاد كلها، ثم تنكدت عليه الأمور، و أما ابنه الحسن رضى اللَّه عنه فإنه لما جاء في جيوشه و تصافى هو و أهل الشام، و رأى أن المصلحة في ترك الخلافة، تركها للَّه عز و جل، و صيانة لدماء المسلمين، أثابه اللَّه و رضى اللَّه عنه، و أما الحسين رضى اللَّه عنه فأن ابن عمر لما أشار عليه بترك الذهاب إلى العراق و خالفه، اعتنقه مودعا و قال: أستودعك اللَّه من قتيل، و قد وقع ما تفرسه ابن عمر، فإنه لما استقل ذاهبا بعث إليه عبيد اللَّه بن زياد بكتيبة فيها أربعة آلاف يتقدمهم عمرو بن سعد ابن أبى وقاص، و ذلك بعد ما استعفاه فلم يعفه، فالتقوا بمكان يقال له كربلاء بالطف، فالتجأ الحسين ابن على و أصحابه إلى مقصبة هنالك، و جعلوها منهم بظهر، و واجهوا أولئك، و طلب منهم الحسين إحدى ثلاث: إما أن يدعوه يرجع من حيث جاء، و إما أن يذهب إلى ثغر من الثغور فيقاتل فيه، أو يتركوه حتى يذهب إلى يزيد بن معاوية فيضع يده في يده. فيحكم فيه بما شاء، فأبوا عليه واحدة منهن، و قالوا: لا بد من قدومك على عبيد اللَّه بن زياد فيرى فيك رأيه، فأبى أن يقدم عليه أبدا، و قاتلهم دون ذلك، فقتلوه (رحمه اللَّه)، و ذهبوا برأسه إلى عبيد اللَّه بن زياد فوضعوه بين يديه، فجعل ينكت بقضيب في يده على ثناياه، و عنده أنس بن مالك جالس، فقال له: يا هذا، ارفع قضيبك، قد طال ما رأيت رسول اللَّه يقبل هذه الثنايا، ثم أمر عبيد اللَّه بن زياد أن يسار بأهله و من كان معه إلى الشام، إلى يزيد بن معاوية، و يقال: إنه بعث معهم بالرأس حتى وضع بين يدي يزيد فأنشد حينئذ قول بعضهم:

نفلق هاما من رجال أعزة* * * علينا و هم كانوا أعق و أظلما

ثم أمر بتجهيزهم إلى المدينة النبويّة، فلما دخلوها تلقتهم امرأة من بنات عبد المطلب ناشرة

233

شعرها، واضعة كفها على رأسها تبكى و هي تقول:

ما ذا تقولون إن قال النبي لكم‏* * * ما ذا فعلتم و أنتم آخر الأمم‏

بعترتي و بأهلى بعد مفتقدي‏* * * منهم أسارى و قتلى ضرجوا بدم‏

ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم‏* * * أن تخلفوني بشر في ذوى رحمي‏

و سنورد هذا مفصلا في موضعه إذا انتهينا إليه إن شاء اللَّه، و به الثقة و عليه التكلان* و قد رثاه الناس بمراث كثيرة و من أحسن ذلك ما أورده الحاكم أبو عبد اللَّه النيسابورىّ و كان فيه تشيع:

جاءوا برأسك يا ابن بنت محمد* * * متزملا بدمائه تزميلا

فكأنما بك يا ابن بنت محمد* * * قتلوا جهارا عامدين رسولا

قتلوك عطشانا و لم يترقبوا* * * في قتلك التنزيل و التأويلا

و يكبرون بأن قتلت و إنما* * * قتلوا بك التكبير و التهليلا

ذكر الأخبار عن وقعة الحرة التي كانت في زمن يزيد أيضا

قال يعقوب بن سفيان: حدثني إبراهيم بن المنذر، حدثني ابن فليح عن أبيه عن أيوب بن عبد الرحمن عن أيوب بن بشير المعافري‏

أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) خرج في سفر من أسفاره، فلما مر بحرة زهرة وقف فاسترجع، فساء ذلك من معه، و ظنوا أن ذلك من أمر سفرهم، فقال عمر بن الخطاب: يا رسول اللَّه ما الّذي رأيت؟ فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): أما إن ذلك ليس من سفركم هذا، قالوا: فما هو يا رسول اللَّه؟ قال: يقتل بهذه الحرة خيار أمتى بعد أصحابى*

هذا مرسل، و قد قال يعقوب بن سفيان: قال وهب بن جرير: قالت جويرية: حدثني ثور بن زيد عن عكرمة عن ابن عباس قال: جاء تأويل هذه الآية على رأس ستين سنة وَ لَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْها قال: لأعطوها، يعنى إدخال بنى حارثة أهل الشام على أهل المدينة* و هذا إسناد صحيح إلى ابن عباس، و تفسير الصحابي في حكم المرفوع عند كثير من العلماء*

و قال نعيم بن حماد في كتاب الفتن و الملاحم: حدثنا أبو عبد الصمد العمى، ثنا أبو عمران الجونى، عن عبد اللَّه بن الصامت عن أبى ذر قال: قال لي رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

يا أبا ذر أ رأيت ان الناس قتلوا حتى تغرق حجارة الزيت من الدماء، كيف أنت صانع؟ قال قلت: اللَّه و رسوله أعلم، قال: تدخل بيتك، قال قلت: فان أتى عليّ؟ قال: يأتى من أنت منه، قال قلت: و أحمل السلاح؟ قال: إذا تشرك معهم، قال قلت: فكيف أصنع يا رسول اللَّه؟ قال: إن خفت أن يبهرك شعاع السيف فألق طائفة من ردائك على وجهك يبوء بإثمك و إثمه*

و رواه الإمام أحمد في مسندة عن مرحوم- هو ابن عبد العزيز- عن أبى عمران الجونى، فذكره مطولا

* قلت: و كان سبب وقعة الحرة أن وفدا من أهل المدينة قدموا على يزيد بن معاوية بدمشق فأكرمهم‏

234

و أحسن جائزتهم، و أطلق لأميرهم- و هو عبد اللَّه بن حنظلة بن أبى عامر- قريبا من مائة ألف، فلما رجعوا ذكروا لأهليهم عن يزيد ما كان يقع منه من القبائح في شربه الخمر، و ما يتبع ذلك من الفواحش التي من أكبرها ترك الصلاة عن وقتها، بسبب السكر، فاجتمعوا على خلعه، فخلعوه عند المنبر النبوي، فلما بلغه ذلك بعث إليهم سرية، يقدمها رجل يقال له مسلّم بن عقبة، و إنما يسميه السلف: مسرف بن عقبة، فلما ورد المدينة استباحها ثلاثة أيام، فقتل في غضون هذه الأيام بشرا كثيرا حتى كاد لا يفلت أحد من أهلها، و زعم بعض علماء السلف أنه قتل في غضون ذلك ألف بكر فاللَّه أعلم* و قال عبد اللَّه بن وهب عن الامام مالك: قتل يوم الحرة سبعمائة رجل من حملة القرآن، حسبت أنه قال: و كان فيهم ثلاثة من أصحاب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و ذلك في خلافة يزيد* و قال يعقوب ابن سفيان: سمعت سعيد بن كثير بن عفير الأنصاري يقول: قتل يوم الحرة عبد اللَّه بن يزيد المازني و معقل بن سليمان الأشجعي، و معاذ بن الحارث القاري، و قتل عبد اللَّه بن حنظلة بن أبى عامر* قال يعقوب: و حدثنا يحيى بن عبد اللَّه بن بكير عن الليث قال: كانت وقعة الحرة يوم الأربعاء لثلاث بقين من الحجة سنة ثلاث و ستين، ثم انبعث مسرف بن عقبة إلى مكة قاصدا عبد اللَّه بن الزبير ليقتله بها، لانه فر من بيعة يزيد، فمات يزيد بن معاوية في غضون ذلك، و استفحل أمر عبد اللَّه بن الزبير في الخلافة بالحجاز، ثم أخذ العراق و مصر، و بويع بعد يزيد لابنه معاوية بن يزيد، و كان رجلا صالحا، فلم تطل مدته، مكث أربعين يوما، و قيل عشرين يوما، ثم مات (رحمه اللَّه)، فوثب مروان بن الحكم على الشام فأخذها، فبقي تسعة أشهر ثم مات، و قام بعده ابنه عبد الملك، فنازعه فيها عمرو بن سعيد بن الأشدق و كان نائبا على المدينة من زمن معاوية و أيام يزيد و مروان، فلما هلك مروان زعم أنه أوصى له بالأمر من بعد ابنه عبد الملك، فضاق به ذرعا، و لم يزل به حتى أخذه بعد ما استفحل أمره بدمشق فقتله في سنة تسع و ستين، و يقال: في سنة سبعين، و استمرت أيام عبد الملك حتى ظفر بابن الزبير سنة ثلاث و سبعين، قتله الحجاج بن يوسف الثقفي عن أمره بمكة، بعد محاصرة طويلة اقتضت أن نصب المنجنيق على الكعبة من أجل أن ابن الزبير لجأ إلى الحرم، فلم يزل به حتى قتله، ثم عهد في الأمر إلى بنيه الأربعة بعده الوليد، ثم سليمان، ثم يزيد، ثم هشام بن عبد الملك*

و قد قال الإمام أحمد: حدثنا أسود و يحيى بن أبى بكير، ثنا كامل أبو العلاء، سمعت أبا صالح و هو مولى ضباعة المؤذن و اسمه مينا- قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

تعوذوا باللَّه من رأس السبعين، و إمارة الصبيان، و قال: لا تذهب الدنيا حتى يظهر اللكع ابن لكع،

و قال الأسود: يعنى اللئيم ابن اللئيم*

و قد روى الترمذي من حديث أبى كامل عن أبى صالح عن أبى هريرة قال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

عمر أمتى من ستين سنة إلى سبعين سنة،

ثم قال: حسن غريب*

و قد روى الامام أحمد عن عفان‏

235

و عبد الصمد عن حماد بن سلمة عن على بن يزيد: حدثني من سمع أبا هريرة يقول: سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول:

لينعقن (و قال عبد الصمد في روايته ليزعقن) جبار من جبابرة بنى أمية على منبري هذا،

زاد عبد الصمد حتى يسيل رعافه، قال: فحدثني من رأى عمرو بن سعيد بن العاص:

يرعف على منبر النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) حتى سال رعافه، قلت: على بن يزيد بن جدعان في روايته غرابة و نكارة و فيه تشيع، و عمرو بن سعيد هذا، يقال له: الأشدق، كان من سادات المسلمين و أشرافهم، [في الدنيا لا في الدين‏] [ (1)] و روى عن جماعة من الصحابة، منهم في صحيح مسلّم عن عثمان في فصل الطهور، و كان نائبا على المدينة لمعاوية و لابنه يزيد بعده، ثم استفحل أمره حتى كان يصاول عبد الملك بن مروان، ثم خدعه عبد الملك حتى ظفر به فقتله في سنة تسع و ستين، أو سنة سبعين، فاللَّه أعلم* و قد روى عنه من المكارم أشياء كثيرة من أحسنها أنه لما حضرته الوفاة قال لبنيه، و كانوا ثلاثة، عمر و هذا، و أمية، و موسى، فقال لهم: من يتحمل ما على؟ فبدر ابنه عمرو هذا و قال: أنا يا أبة، و ما عليك؟ قال: ثلاثون ألف دينار، قال: نعم، قال و أخواتك لا تزوجهن إلا بالأكفاء و لو أكلن خبز الشعير، قال: نعم، قال: و أصحابى من بعدي، إن فقدوا وجهي فلا يفقدوا معروفى، قال: نعم، قال: أما لئن، قلت ذلك، فلقد كنت أعرفه من حماليق وجهك و أنت في مهدك* و قد ذكر البيهقي من طريق عبد اللَّه بن صالح- كاتب الليث- عن حرملة بن عمران عن أبيه عن يزيد بن أبى حبيب أنه سمعه يحدث عن محمد بن يزيد بن أبى زياد الثقفي، قال: اصطحب قيس ابن حرشة و كعب حتى إذا بلغا صفين، وقف كعب الأحبار فذكر كلامه فيما يقع هناك من سفك دماء المسلمين، و أنه يجد ذلك في التوراة،

و ذكر عن قيس بن حرشة

أنه بايع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) على أن يقول الحق، و قال: يا قيس بن حرشة عسى إن عذبك الدهر حتى يكبك بعدي من لا تستطيع أن تقول بالحق معهم، فقال: و اللَّه لا أبايعك على شي‏ء إلا وفيت لك به، فقال له رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): إذا لا يضرك بشر، فبلغ قيس إلى أيام عبيد اللَّه بن زياد بن أبى سفيان، فنقم عليه عبيد اللَّه في شي‏ء فأحضره فقال: أنت الّذي زعم أنه لا يضرك بشر؟ قال: نعم، قال: لتعلمن اليوم أنك قد كذبت، ائتوني بصاحب العذاب،

قال: فمال قيس عند ذلك فمات.

معجزة أخرى‏

روى البيهقي من طريق الدراوَرْديّ عن ثور بن يزيد عن موسى بن ميسرة: أن بعض بنى عبد اللَّه سايره في بعض طريق مكة،

قال: حدثني العباس بن عبد المطلب‏

أنه بعث ابنه عبد اللَّه إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في حاجة، فوجد عنده رجلا فرجع و لم يكلمه من أجل مكان الرجل، فلقى العباس رسول‏

____________

[ (1)] من التيمورية.

236

اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فأخبره بذلك، فقال: و رآه؟ قال: نعم، قال: أ تدري من ذلك الرجل؟ ذاك جبريل، و لن يموت حتى يذهب بصره و يؤتى علما،

و قد مات ابن عباس سنة ثمان و ستين بعد ما عمى رضى اللَّه عنه*

و روى البيهقي من حديث المعتمر بن سليمان، حدثتنا سيابة بنت يزيد عن خمارة عن أنيسة بنت زيد بن أرقم عن أبيها،

أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) دخل على زيد يعوده في مرض كان به، قال: ليس عليك من مرضك بأس، و لكن كيف بك إذا عمرت بعدي فعميت؟ قال: إذا أحتسب و أصبر، قال: إذا تدخل الجنة بغير حساب،

قال: فعمى بعد ما مات رسول اللَّه، ثم ردّ اللَّه عليه بصره، ثم مات.

فصل‏

و ثبت في الصحيحين عن أبى هريرة، و عند مسلم عن جابر بن سمرة عن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أنه قال:

إن بين يدي الساعة ثلاثين كذابا دجالا، كلهم يزعم أنه نبي*

و قال البيهقي عن الماليني عن أبى عدي عن أبى يعلى الموصلى: حدثنا عثمان بن أبى شيبة، ثنا محمد بن الحسن الأسدي، ثنا شريك عن أبى إسحاق عن عبد اللَّه بن الزبير قال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذابا، منهم مسيلمة، و العنسيّ، و المختار.

و شر قبائل العرب بنو أمية و بنو حنيفة و ثقيف، قال ابن عدي: محمد بن الحسن له إفرادات، و قد حدث عنه الثقات، و لم أر بتحديثه بأسا، و قال البيهقي: لحديثه في المختار شواهد صحيحة* ثم أورد من طريق أبى داود الطيالسي، حدثنا الأسود بن شيبان عن أبى نوفل عن أبى عقرب عن أسماء بنت أبى بكر أنها قالت للحجاج بن يوسف:

أما إن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) حدثنا أن في ثقيف كذابا و مبيرا، فأما الكذاب فقد رأيناه، و أما المبير فلا إخالك إلا إياه* قال: و رواه مسلم من حديث الأسود بن شيبان، و له طرق عن أسماء و ألفاظ سيأتي إيرادها في موضعه* و قال البيهقي: أنا الحاكم و أبو سعيد عن الأصم عن عباس الدراوَرْديّ عن عبيد اللَّه بن الزبير الحميدي، ثنا سفيان بن عيينة عن أبى المحيا عن أمه قالت: لما قتل الحجاج عبد اللَّه بن الزبير دخل الحجاج على أسماء بنت أبى بكر فقال: يا أمّه، إن أمير المؤمنين أوصاني بك، فهل لك من حاجة؟ فقالت: لست لك بأم، و لكنى أم المصلوب على رأس الثنية، و ما لي من حاجة، و لكن انتظر حتى أحدثك ما

سمعت من رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، يقول:

يخرج من ثقيف كذاب و مبير، فأما الكذاب فقد رأيناه، و أما المبير فأنت،

فقال الحجاج: مبير المنافقين*

و قال أبو داود الطيالسي: حدثنا شريك عن أبى علوان- عبد اللَّه بن عصمة- عن ابن عمر قال: سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول.

إن في ثقيف كذابا و مبيرا،

و قد تواتر خبر المختار بن أبى عبيد الكذاب‏

237

الّذي كان نائبا على العراق و كان يزعم أنه نبي، و أن جبريل كان يأتيه بالوحي، و قد قيل لابن عمر و كان زوج أخت المختار و صفيه، إن المختار يزعم أن الوحي يأتيه. قال: صدق، قال اللَّه تعالى: وَ إِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى‏ أَوْلِيائِهِمْ‏*

و قال أبو داود الطيالسي: ثنا قرة بن خالد عن عبد الملك بن عمير عن رفاعة بن شداد، قال:

كنت ألصق شي‏ء بالمختار الكذاب، قال: فدخلت عليه ذات يوم فقال:

دخلت و قد قام جبريل قبل من هذا الكرسي، قال: فأهويت إلى قائم السيف لأضربه حتى ذكرت حديثا حدثنيه عمرو بن الحمق الخزاعي، أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال: إذا أمن الرجل الرجل على دمه ثم قتله رفع له لواء الغدر يوم القيامة، فكففت عنه*

و قد رواه أسباط بن نصر و زائدة و الثوري عن إسماعيل السدي عن رفاعة بن شداد القباني فذكر نحوه‏

* و قال يعقوب بن سفيان: ثنا أبو بكر الحميدي، ثنا سفيان بن عيينة عن مجالد عن الشعبي، قال: فأخرت أهل البصرة فغلبتهم بأهل الكوفة، و الأحنف ساكت لا يتكلم، فلما رآني غلبتهم أرسل غلاما له فجاء بكتاب فقال: هاك اقرأ: فقرأته فإذا فيه: من المختار للَّه يذكر أنه نبي، يقول الأحنف: أنى فينا مثل هذا، و أما الحجاج بن يوسف فقد تقدم الحديث أنه الغلام المبير الثقفي، و سنذكر ترجمته إذا انتهينا إلى أيامه، فإنه كان نائبا على العراق لعبد الملك بن مروان، ثم لابنه الوليد بن عبد الملك، و كان من جبابرة الملوك، على ما كان فيه من الكرم و الفصاحة على ما سنذكره* و قد قال البيهقي: ثنا الحاكم عن أبى نصر الفقيه، ثنا عثمان بن سعيد الدارميّ، أن معاوية بن صالح حدثه عن شريح بن عبيد عن أبى عذبة قال: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب فأخبره أن أهل العراق قد حصبوا أميرهم، فخرج غضبان فصلّى لنا الصلاة فسها فيها حتى جعل الناس يقولون: سبحان اللَّه، سبحان اللَّه، فلما سلّم أقبل على الناس فقال: من هاهنا من أهل الشام؟ فقام رجل ثم قام آخر، ثم قمت أنا ثالثا أو رابعا، فقال: يا أهل الشام استعدّوا لأهل العراق، فان الشيطان قد باض فيهم و فرخ، اللَّهمّ إنهم قد لبسوا على فألبس عليهم بالغلام الثقفي يحكم فيهم بحكم أهل الجاهلية، لا يقبل من محسنهم، و لا يتجاوز عن مسيئهم* قال عبد اللَّه: و حدثني ابن لهيعة بمثله، قال: و ولد الحجاج يومئذ* و رواه الدارميّ أيضا عن أبى اليمان عن جرير بن عثمان عن عبد الرحمن [ (1)] بن ميسرة عن أبى عذبة الحمصي عن عمر فذكر مثله، قال أبو اليمان: علم عمر أن الحجاج خارج لا محالة، فلما أغضبوه استعجل لهم العقوبة، قلت: فان كان هذا نقله عمر عن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) لقد تقدم له شاهد عن غيره، و إن كان عن تحديث، فكرامة الولي معجزة لنبيه* و قال عبد الرزاق: أنا جعفر- يعنى ابن سليمان- عن مالك بن دينار عن الحسن قال: قال على لأهل الكوفة: اللَّهمّ كما ائتمنتهم فخانوني، و نصحت لهم فغشوني، فسلط عليهم فتى‏

____________

[ (1)] في التيمورية «عبد الملك»

238

ثقيف الذيال الميال، يأكل خضرتها، و يلبس فروتها، و يحكم فيهم بحكم الجاهلية، قال: فتوفى الحسن و ما خلق اللَّه الحجاج يومئذ* و هذا منقطع‏

و قد رواه البيهقي أيضا من حديث معتمر بن سليمان عن أبيه عن أيوب عن مالك بن أوس بن الحدثان عن على بن أبى طالب أنه قال:

الشاب الذيال أمير المصرين، يلبس فروتها، و يأكل خضرتها، و يقتل أشراف أهلها، يشتد منه العرق، و يكثر منه الأرق، و يسلطه اللَّه على شيعته*

و له من‏

حديث يزيد بن هارون: أنا العوام بن حوشب، حدثني حبيب بن أبى ثابت قال: قال على:

لا متّ حتى تدرك فتى ثقيف، فقيل: يا أمير المؤمنين و ما فتى ثقيف؟ فقال: ليقالن له يوم القيامة: اكفنا زاوية من زوايا جهنم رجل يملك عشرين سنة أو بضعا و عشرين سنة، لا يدع للَّه معصية إلا ارتكبها، حتى لو لم يبق إلا معصية واحدة و كان بينه و بينها باب مغلق لكسره حتى يرتكبها، يفتن بمن أطاعه من عصاه*

و هذا معضل، و في صحته عن على نظر و اللَّه أعلم* و قال البيهقي عن الحاكم عن الحسين بن الحسن بن أيوب عن أبى حاتم الرازيّ عن عبد اللَّه بن يوسف الثنينى، ثنا هشام بن يحيى الغساني قال: قال عمر بن عبد العزيز: لو جاءت كل أمة بخبيثها، و جئناهم بالحجاج لغلبناهم* و قال أبو بكر بن عياش عن عاصم عن أبى عن أبى النجود: ما بقيت للَّه حرمة إلا و قد ارتكبها الحجاج* و قال عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس أن أباه لما تحقق موت الحجاج تلا قوله تعالى‏ فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ‏ قلت: و قد توفى الحجاج سنة خمس و تسعين.

ذكر الإشارة النبويّة إلى دولة عمر بن عبد العزيز، تاج بنى أمية

قد تقدم‏

حديث أبى إدريس الخولانيّ عن حذيفة قال:

سألت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) هل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم، قلت: و هل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم و فيه دخن، قلت: و ما دخنه؟ قال: قوم يستنون بغير سنتي، و يهدون بغير هديي، يعرف منهم و ينكر،

الحديث، فحمل البيهقي و غيره هذا الخير الثاني على أيام عمر بن عبد العزيز* و روى عن الحاكم عن الأصم عن العباس بن الوليد بن مرثد عن أبيه قال: سئل الأوزاعي عن تفسير حديث حذيفة حين سأل رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) عن الشر الّذي يكون بعد ذلك الخير، فقال الأوزاعي: هي الردة التي كانت بعد وفاة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و في مسألة حذيفة، فهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم، و فيه دخن، قال الأوزاعي: فالخير الجماعة، و في ولاتهم من يعرف سيرته، و فيهم من ينكر سيرته، قال: فلم يأذن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في قتالهم ما صلوا الصلاة*

و روى أبو داود الطيالسي عن داود الواسطي، و كان ثقة، عن حبيب بن سالم عن نعمان بن سالم عن حذيفة قال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

إنكم في النبوة ما شاء اللَّه أن يكون، ثم يرفعها لكم إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة،

قال: فقدم‏

239

عمر بن عبد العزيز و معه يزيد بن النعمان، فكتبت إليه أذكره الحديث و كتبته إليه أقول: إني أرجو أن تكون أمير المؤمنين بعد الخيرية، قال: فأخذ يزيد الكتاب فأدخله على عمر فسر به و أعجبه*

و قال نعيم بن حماد: حدثنا روح بن عبادة عن سعيد بن أبى عروبة عن قتادة قال: قال عمر بن عبد العزيز:

رأيت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و عنده عمر و عثمان و على، فقال لي: ادن، فدنوت حتى قمت بين يديه، فرفع بصره إلى و قال: أما إنك ستلي أمر هذه الأمة و ستعدل عليهم*

و سيأتي في الحديث الآخر إن شاء اللَّه أن اللَّه يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها، و قد قال كثير من الأئمة إنه عمر بن عبد العزيز، فإنه تولى سنة إحدى و مائة* و قال البيهقي: أنا الحاكم، أنا أبو حامد أحمد بن على المقري، ثنا أبو عيسى، ثنا أحمد بن إبراهيم، ثنا عفان بن مسلم، ثنا عثمان بن عبد الحميد ابن لاحق عن جويرية بن أسماء عن نافع عن ابن عمر قال: بلغنا أن عمر بن الخطاب قال: إن من ولدى رجلا بوجهه شين يلي فيملأ الأرض عدلا، قال نافع من قبله: و لا أحسبه إلا عمر بن عبد العزيز* و قد رواه نعيم بن حماد عن عثمان بن عبد الحميد به، و لهذا طرق عن ابن عمر أنه كان يقول: ليت شعرى، من هذا الّذي من ولد عمر بن الخطاب في وجهه علامة يملأ الأرض عدلا؟* و قد روى ذلك عن عبد الرحمن بن حرملة عن سعيد بن المسيب نحوا من هذا، و قد كان هذا الأمر مشهورا قبل ولايته و ميلاده بالكلية أنه يلي رجل من بنى أمية يقال له: أشج بنى مروان، و كانت أمه أروى بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، و كان أبوه عبد العزيز بن مروان نائبا لأخيه عبد الملك على مصر، و كان يكرم عبد اللَّه بن عمر، و يبعث إليه بالتحف و الهدايا و الجوائز فيقبلها، و بعث إليه مرة بألف دينار فأخذها، و قد دخل عمر بن عبد العزيز يوما إلى اصطبل أبيه و هو صعير، فرمحه فرس فشجه في جبينه، فجعل أبوه يسلت عنه الدم و يقول: أما لئن كنت أشج بنى مروان، إنك إذا لسعيد، و كان الناس يقولون: الأشج و الناقص أعدلا بنى مروان، فالأشج هو عمر بن عبد العزيز، و الناقص هو يزيد بن الوليد بن عبد الملك، الّذي يقول فيه الشاعر:

رأيت اليزيد بن الوليد مباركا* * * شديدا بأعباء الخلافة كاهله‏

قلت: و قد ولى عمر بن عبد العزيز بعد سليمان بن عبد الملك سنتين و نصفا، فملأ الأرض عدلا، و فاض المال حتى كان الرجل يهمه لمن يعطى صدقته، و قد حمل البيهقي الحديث المتقدم عن عدي بن حاتم، على أيام عمر بن عبد العزيز، و عندي في ذلك نظر، و اللَّه أعلم* و قد روى البيهقي من حديث إسماعيل بن أبى أويس: حدثني أبو معن الأنصاري، ثنا أسيد قال: بينما عمر بن عبد العزيز يمشى إلى مكة بفلاة من الأرض إذ رأى حية ميتة فقال: عليّ بمحفار، فقالوا: نكفيك أصلحك اللَّه، قال: لا، ثم أخذه ثم لفه في خرقة و دفنه، فإذا هاتف يهتف: رحمة اللَّه عليك يا سرّق،

240

فقال له عمر بن عبد العزيز: من أنت يرحمك اللَّه؟ قال: أنا رجل من الجنّ و هذا سرّق، و لم يبق ممن بايع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) غيري و غيره، و أشهد

لسمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول:

تموت يا سرق بفلاة من الأرض و يدفنك خير أمتى*

و قد روى هذا من وجه آخر و فيه: أنهم كانوا تسعة بايعوا رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و فيه أن عمر بن عبد العزيز حلفه، فلما حلف بكى عمر بن عبد العزيز* و قد رجحه البيهقي و حسنه، فاللَّه أعلم.

حديث آخر

في صحته نظر في ذكر وهب بن منبه بالمدح، و ذكر غيلان بالذم‏

روى البيهقي من حديث هشام بن عمار و غيره عن الوليد بن أسلّم [ (1)] عن مروان بن سالم اليرقانى عن الأحوص بن حكيم عن خالد بن معدان عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

يكون في أمتى رجل يقال له: وهب، يهب اللَّه له الحكمة، و رجل يقال له: غيلان، هو أضر على أمتى من إبليس*

و هذا لا يصح لأن مروان بن سالم هذا متروك، و به إلى الوليد:

حدثنا ابن لهيعة عن موسى بن وردان عن أبى هريرة قال: قال النبي (صلى اللَّه عليه و سلم):

ينعق الشيطان بالشام نعقة يكذب ثلثاهم بالقدر*

قال البيهقي: و في هذا و أمثاله إشارة إلى غيلان و ما ظهر بالشام بسببه من التكذيب بالقدر حتى قتل.

الإشارة إلى محمد بن كعب القرظي و علمه بتفسير القرآن و حفظه‏

قال حرملة عن ابن وهب: أخبرنى أبو صخر عن عبد اللَّه بن مغيث عن أبى بردة الظفري عن أبيه عن جده قال: سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول:

يخرج في أحد الكاهنين رجل قد درس القرآن دراسة لا يدرسها أحد يكون من بعده*

و روى البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن إسماعيل القاضي، ثنا أبو ثابت، ثنا ابن وهب، حدثني عبد الجبار بن عمر عن ربيعة بن أبى عبد الرحمن قال:

قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

يكون في أحد الكاهنين رجل يدرس القرآن دراسة لا يدرسها أحد غيره،

قال: فكانوا يرون أنه محمد بن كعب القرظي، قال أبو ثابت: الكاهنان، قريظة و النضير* و قد روى من وجه آخر مرسل: يخرج من الكاهنين رجل أعلم الناس بكتاب اللَّه، و قد قال عون بن عبد اللَّه: ما رأيت أحدا أعلم بتأويل القرآن من محمد بن كعب.

ذكر الاخبار بانخرام قرنه (صلى اللَّه عليه و سلم) بعد مائة سنة من ليلة إخباره و كان كما أخبر

ثبت في الصحيحين من حديث الزهري عن سالم و أبى بكر بن سليمان بن أبى خيثمة عن عبد اللَّه‏

____________

[ (1)] في التيمورية «ابن مسلم».

241

ابن عمر قال:

صلّى بنا رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) صلاة العشاء ليلة في آخر عمره، فلما سلّم قام فقال: أ رأيتكم ليلتكم هذه؟ فان رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد،

قال عمر: فوهل الناس من مقالة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، إلى ما يحدثون من هذه الأحاديث من مائة سنة، و إنما يريد بذلك أنها تخرم ذلك القرن، و في رواية: إنما أراد رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) انخرام قرنه*

و في صحيح مسلم من حديث ابن جريج: أخبرنى أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد اللَّه يقول: سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول‏

قبل موته بشهر: يسألون عن الساعة، و إنما علمها عند اللَّه، فأقسم باللَّه ما على ظهر الأرض من نفس منفوسة اليوم، يأتى عليها مائة سنة*

و هذا الحديث و أمثاله مما يحتج به من ذهب من الأئمة إلى أن الخضر ليس بموجود الآن، كما قدمنا ذلك في ترجمته في قصص الأنبياء (عليهم السلام)، و هو نص على أن جميع الأحياء في الأرض يموتون إلى تمام مائة سنة من إخباره (عليه السلام)، و كذا وقع سواء، فما نعلم تأخر أحد من أصحابه إلى ما يجاوز هذه المدة، و كذلك جميع الناس* ثم قد طرد بعض العلماء هذا الحكم في كل مائة سنة، و ليس في الحديث تعرض لهذا، و اللَّه أعلم.

حديث آخر

قال محمد بن عمر الواقدي: حدثني شريح بن يزيد عن إبراهيم بن محمد بن زياد الألهاني عن أبيه عن عبد اللَّه بن بسر، قال:

وضع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يده على رأسي و قال: هذا الغلام يعيش قرنا، قال: فعاش مائة سنة*

و قد رواه البخاري في التاريخ عن أبى حيوة شريح بن يزيد به فذكره‏

،

قال: و زاد غيره: و كان في وجهه ثالول، فقال: و لا يموت حتى يذهب الثالول من وجهه، فلم يمت حتى ذهب الثالول من وجهه* و هذا إسناد على شرط السنن، و لم يخرجوه* و

رواه البيهقي عن الحاكم عن محمد بن المؤمل بن الحسن بن عيسى عن الفضل بن محرز الشعراني، ثنا حيوة بن شريح عن إبراهيم بن محمد بن زياد الألهاني عن أبيه عن عبد اللَّه بن بسر، أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال له:

يعيش هذا الغلام قرنا،

فعاش مائة سنة* قال الواقدي و غير واحد: توفى عبد اللَّه بن بسر بحمص سنة ثمان و ثمانين عن أربع و تسعين، و هو آخر من بقي من الصحابة بالشام.

ذكر الأخبار عن الوليد بما فيه له من الوعيد الشديد و إن صح فهو الوليد بن يزيد لا الوليد بن عبد الملك باني الجامع السعيد

قال يعقوب بن سفيان: حدثني محمد بن خالد بن العباس السكسكي، حدثني الوليد بن مسلم، حدثني أبو عمر الأوزاعي عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب قال:

ولد لأخى أم سلمة [ (1)] غلام فسموه الوليد، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): قد جعلتم تسمون بأسماء فراعنتكم، إنه سيكون في هذه‏

____________

[ (1)] في التيمورية «أم سليم».

242

الأمة رجل يقال له الوليد، هو أضرّ على أمتى من فرعون على قومه*

قال أبو عمر الأوزاعي: فكان الناس يرون أنه الوليد بن عبد الملك، ثم رأينا أنه الوليد بن يزيد، لفتنة الناس به، حتى خرجوا عليه فقتلوه، و انفتحت على الأمة الفتنة و الهرج* و قد رواه البيهقي عن الحاكم، و غيره عن الأصم عن سعيد بن عثمان التنوخي عن بشر بن بكر عن الأوزاعي عن الزهري عن سعيد، فذكره و لم يذكر قول الأوزاعي، ثم قال: و هذا مرسل حسن* و قد رواه نعيم بن حماد عن الوليد بن مسلم به، و عنده قال الزهري: إن استخلف الوليد بن يزيد، فهو هو، و إلا فهو الوليد بن عبد الملك*

و قال نعيم بن حماد: ثنا هشيم عن أبى حمزة عن الحسن قال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

سيكون رجل اسمه الوليد، يسد به ركن من أركان جهنم و زاوية من زواياها*

و هذا مرسل أيضا.

حديث آخر

قال سليمان بن بلال عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه عن أبى هريرة قال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

إذا بلغ بنو أبى العاص أربعين رجلا، اتخذوا دين اللَّه دغلا، و عباد اللَّه خولا، و مال اللَّه دولا*

رواه البيهقي من حديثه‏

،

و قال نعيم بن حماد: ثنا بقية بن الوليد و عبد القدوس عن أبى بكر بن أبى مريم عن راشد بن سعد عن أبى ذر قال: سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول:

إذا بلغت بنو أمية أربعين، اتخذوا عباد اللَّه خولا، و مال اللَّه نحلا، و كتاب اللَّه دغلا*

و هذا منقطع بين راشد بن سعد و بين أبى ذر*

و قال إسحاق بن راهويه: أنا جرير عن الأعمش عن عطية عن أبى سعيد قال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

إذا بلغ بنو أبى العاص ثلاثين رجلا اتخذوا دين اللَّه دغلا، و مال اللَّه دولا، و عباد اللَّه خولا*

و رواه أحمد عن عثمان بن أبى شيبة عن جرير به*

و قال البيهقي: أنا على بن أحمد بن عبدان، أنا أحمد بن عبيد الصفار، ثنا بسام- و هو محمد بن غالب-، ثنا كامل بن طلحة، ثنا ابن لهيعة عن أبى قبيل أن ابن وهب أخبره‏

أنه كان عند معاوية بن أبى سفيان فدخل عليه مروان فكلمه في حاجته فقال: اقض حاجتي يا أمير المؤمنين، فو اللَّه إن مؤنتي لعظيمة، و إني لأبو عشرة، و عم عشرة، و أخو عشرة، فلما أدبر مروان- و ابن عباس جالس مع معاوية على السرير- قال معاوية: أنشدك باللَّه يا ابن عباس، أما تعلم أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال: إذا بلغ بنو الحكم ثلاثين رجلا اتخذوا مال اللَّه بينهم دولا، و عباد اللَّه خولا، و كتاب اللَّه دغلا؟ فإذا بلغوا سبعة و تسعين و أربعمائة، كان هلاكهم أسرع من لوك ثمرة؟ فقال ابن عباس: اللَّهمّ نعم،

قال: و ذكر مروان حاجة له فرد مروان عبد الملك إلى معاوية فكلمه فيها، فلما أدبر عبد الملك قال معاوية:

أنشدك باللَّه يا ابن عباس، أما تعلم أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ذكر هذا فقال: أبو الجبابرة الأربعة؟ فقال ابن عباس: اللَّهمّ نعم* و هذا الحديث فيه غرابة و نكارة شديدة، و ابن لهيعة ضعيف* و قد قال‏

243

أبو محمد عبد اللَّه بن عبد الرحمن الدارميّ: ثنا مسلم بن إبراهيم، ثنا سعد بن زيد، أخو حماد بن زيد، عن على بن الحكم البناني عن أبى الحسن عن عمرو بن مرة، و كانت له صحبة، قال: جاء الحكم بن أبى العاص يستأذن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، فعرف كلامه فقال: ائذنوا له، حية، أو ولد حية، عليه لعنة اللَّه، و على من يخرج من صلبه إلا المؤمنين، و قليل ما هم، ليترفون في الدنيا و يوضعون في الآخرة، ذو و مكر و خديعة، يعطون في الدنيا و ما لهم في الآخرة من خلاق*

قال الدارميّ: أبو الحسن هذا حمصى، و قال نعيم بن حماد في الفتن و الملاحم: ثنا عبد اللَّه بن مروان المرواني عن أبى بكر بن أبى مريم عن راشد بن سعد

أن مروان بن الحكم لما ولد دفع إلى النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) ليدعو له، فأبى أن يفعل ثم قال: ابن الزرقاء، هلاك أمتى على يديه و يدي ذريته*

و هذا حديث مرسل.

ذكر الأخبار عن خلفاء بنى أمية جملة من جملة، و الإشارة إلى مدة دولتهم‏

قال يعقوب بن سفيان: ثنا أحمد بن محمد أبو محمد الزرقيّ، ثنا الزنجي- يعنى مسلم بن خالد- عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبى هريرة أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال:

رأيت في المنام بنى الحكم- أو بنى أبى العاص- ينزون على منبري كما تنزو القردة،

قال: فما رآني رسول اللَّه مستجمعا ضاحكا حتى توفى* و قال الثوري: عن على بن زيد بن جدعان عن سعيد بن المسيب قال: رأى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بنى أمية على منابرهم فساءه ذلك، فأوحى إليه: إنما هي دنيا أعطوها، فقرت به عينه و هي قوله: وَ ما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ‏ يعنى بلاء للناس. عليّ بن زيد بن جدعان ضعيف، و الحديث مرسل أيضا*

و قال أبو داود الطيالسي: ثنا القاسم بن الفضل- هو الحدائى- ثنا يوسف بن مازن الراسبي قال:

قام رجل إلى الحسن بن على بعد ما بايع معاوية، فقال يا مسود وجوه المؤمنين، فقال الحسن: لا تؤنبنى رحمك اللَّه، فان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) رأى بنى أمية يخطبون على منبره رجلا رجلا، فساءه ذلك فنزلت‏

إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ

- يعنى نهرا في الجنة- و نزلت:

إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَ ما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ، لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ

يملكه بنو أمية*

قال القاسم: فحسبنا ذلك فإذا هو ألف شهر لا يزيد يوما و لا ينقص يوما* و قد رواه الترمذي و ابن جرير الطبري، و الحاكم في مستدركه، و البيهقي في دلائل النبوة، كلهم من حديث القاسم بن الفضل الحذاء، و قد وثقه يحيى بن سعيد القطان، و ابن مهدي، عن يوسف بن سعد، و يقال: يوسف بن مازن الراسبي، و في رواية ابن جرير عيسى بن مازن، قال الترمذي: و هو رجل مجهول، و هذا الحديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، فقوله: إن يوسف هذا مجهول، مشكل، و الظاهر أنه أراد أنه مجهول الحال، فأنه قد روى عنه جماعة، منهم حماد بن سلمة، و خالد الحذاء، و يونس بن عبيد، و قال يحيى بن معين: هو مشهور، و في رواية عنه قال: هو ثقة، فارتفعت الجهالة عنه مطلقا،

244

قلت: و لكن في شهوده قصة الحسن و معاوية نظر، و قد يكون أرسلها عمن لا يعتمد عليه، و اللَّه أعلم، و قد سألت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي (رحمه اللَّه) عن هذا الحديث فقال: هو حديث منكر و أما قول القاسم بن الفضل (رحمه اللَّه): إنه حسب دولة بنى أمية فوجدها ألف شهر، لا تزيد يوما و لا تنقصه، فهو غريب جدا، و فيه نظر، و كذلك لأنه لا يمكن إدخال دولة عثمان بن عفان رضى اللَّه عنه، و كانت ثنتا عشرة سنة، في هذه المدة، لا من حيث الصورة و لا من حيث المعنى، و ذلك أنها ممدوحة لأنه أحد الخلفاء الراشدين و الأئمة المهديين الذين قضوا بالحق و به كانوا يعدلون* و هذا الحديث إنما سيق لذم دولتهم، و في دلالة الحديث على الذم نظر، و ذلك أنه دل على أن ليلة القدر خير من ألف شهر التي هي دولتهم، و ليلة القدر ليلة خيرة، عظيمة المقدار و البركة، كما وصفها اللَّه تعالى به، فما يلزم من تفضيلها على دولتهم ذم دولتهم، فليتأمل هذا فإنه دقيق يدل على أن الحديث في صحته نظر، لانه إنما سيق لذم أيامهم و اللَّه تعالى أعلم* و أما إذا أراد أن ابتداء دولتهم منذ ولى معاوية حين تسلمها من الحسن بن على، فقد كان ذلك سنة أربعين، أو إحدى و أربعين، و كان يقال له عام الجماعة، لأن الناس كلهم اجتمعوا على إمام واحد*

و قد تقدم الحديث في صحيح البخاري عن أبى بكرة أنه سمع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول للحسن بن على:

إن ابني هذا سيد، و لعل اللَّه أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين*

فكان هذا في هذا العام، و للَّه الحمد و المنة. و استمر الأمر في أيدي بنى أمية من هذه السنة إلى سنة ثنتين و ثلاثين و مائة، حتى انتقل إلى بنى العباس كما سنذكره، و مجموع ذلك ثنتان و تسعون سنة، و هذا لا يطابق ألف شهر، لأن معدل ألف شهر ثلاث و ثمانون سنة و أربعة أشهر، فان قال: أنا أخرج منها ولاية ابن الزبير و كانت تسع سنين، فحينئذ يبقى ثلاث و ثمانون سنة، فالجواب أنه و إن خرجت ولاية ابن الزبير، فإنه لا يكون ما بقي مطابقا لألف شهر تحديدا، بحيث لا ينقص يوما و لا يزيده، كما قاله، بل يكون ذلك تقريبا، هذا وجه، الثاني أن ولاية ابن الزبير كانت بالحجاز و الأهواز و العراق في بعض أيامه، و في مصرفى قول، و لم تنسلب يد بنى أمية من الشام أصلا، و لا زالت دولتهم بالكلية في ذلك الحين، الثالث أن هذا يقتضي دخول دولة عمر بن عبد العزيز في حساب بنى أمية، و مقتضى ما ذكره أن تكون دولته مذمومة، و هذا لا يقوله أحد من أئمة الإسلام، و إنهم مصرحون بأنه أحد الخلفاء الراشدين، حتى قرنوا أيامه تابعة لأيام الأربعة، و حتى اختلفوا في أيهما أفضل؟ هو أو معاوية بن أبى سفيان أحد الصحابة، و قد قال أحمد بن حنبل: لا أرى قول أحد من التابعين حجة إلا قول عمر بن عبد العزيز، فإذا علم هذا، فأن أخرج أيامه من حسابه انخرم حسابه، و إن أدخلها فيه مذمومة، خالف الأئمة، و هذا ما لا محيد عنه* و كل هذا مما يدل على نكارة هذا الحديث و اللَّه أعلم*

و قال نعيم بن حماد: حدثنا

245

سفيان عن العلاء بن أبى العباس، سمع أبا الطفيل، سمع عليا يقول:

لا يزال هذا الأمر في بنى أمية ما لم يختلفوا بينهم*

حدثنا ابن وهب عن حرملة بن عمران عن سعد بن سالم عن أبى سالم الجيشانيّ سمع عليا يقول:

الأمر لهم حتى يقتلوا قتيلهم، و يتنافسوا بينهم، فإذا كان ذلك بعث اللَّه عليهم أقواما من المشرق يقتلوهم بددا و يحصروهم عددا، و اللَّه لا يملكون سنة إلا ملكنا سنتين، و لا يملكون سنتين إلا ملكنا أربعا*

و قال نعيم بن حماد: حدثنا الوليد بن مسلم عن حصين بن الوليد عن الزهري بن الوليد سمعت أم الدرداء سمعت أبا الدرداء يقول: إذا قتل الخليفة الشاب من بنى أمية بين الشام و العراق مظلوما، ما لم تزل طاعة يستخف بها، و دم مسفوك بغير حق- يعنى الوليد ابن يزيد- و مثل هذه الأشياء إنما تقال عن توقيف.

ذكر الأخبار عن دولة بنى العباس و كان ظهورهم من خراسان بالرايات السود، في سنة ثنتين و ثلاثين و مائة

قال يعقوب بن سفيان: حدثني محمد بن خالد بن العباس، ثنا الوليد بن مسلم، حدثني أبو عبد اللَّه عن الوليد بن هشام المعيطي عن أبان بن الوليد بن عقبة بن أبى معيط قال: قدم عبد اللَّه بن عباس على معاوية و أنا حاضر، فأجازه فأحسن جائزته، ثم قال: يا أبا العباس هل لكم دولة؟ فقال: اعفنى يا أمير المؤمنين، فقال: لتخبرني، قال: نعم، فأخبره، قال: فمن أنصاركم؟ قال: أهل خراسان، و لبني أمية من بنى هاشم بطحات* رواه البيهقي، و قال ابن عدي: سمعت ابن حماد، أنا محمد بن عبده ابن حرب، ثنا سويد بن سعيد، أنا حجاج بن تميم عن ميمون بن مهران عن ابن عباس قال: مررت بالنبيّ (صلى اللَّه عليه و سلم) و إذا معه جبريل، و أنا أظنه دحية الكلبي، فقال جبريل للنّبيّ (صلى اللَّه عليه و سلم) إنه لوسخ الثياب و سيلبس ولده من بعده السواد، و ذكر تمام الحديث في ذهاب بصره، ثم عوده إليه قبل موته* قال البيهقي: تفرد به حجاج بن تميم و ليس بالقوى*

و قال البيهقي: أنا الحاكم، ثنا أبو بكر بن إسحاق و أبو بكر بن بالونة في آخرين قالوا: حدثنا عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل، ثنا يحيى بن معين، ثنا عبيد اللَّه ابن أبى قرة، ثنا الليث بن سعيد عن أبى فضيل عن أبى ميسرة مولى العباس قال: سمعت العباس قال‏

كنت عند النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) ذات ليلة فقال: انظر هل ترى في السماء من شي‏ء؟ قلت: نعم، قال: ما ترى؟ قلت: الثريا، قال: أما إنه سيملك هذه الأمة بعددها من صلبك*

قال البخاري: عبيد بن أبى قرة بغدادي سمع الليث، لا يتابع على حديثه في قصة العباس*

و روى البيهقي من حديث محمد بن عبد الرحمن العامري- و هو ضعيف- عن سهيل عن أبيه عن أبى هريرة: أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال للعباس:

فيكم النبوة و فيكم الملك*

و قال أبو بكر بن خيثمة: ثنا يحيى بن معين، ثنا سفيان عن عمرو ابن دينار عن أبى معبد قال: قال ابن عباس: كما فتح اللَّه بأولنا فأرجو أن يختمه بنا* هذا إسناد

246

جيد، و هو موقوف على ابن عباس من كلامه* و قال يعقوب بن سفيان: حدثني إبراهيم بن أيوب، ثنا الوليد، ثنا عبد الملك بن حميد عن أبى عتبة عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير قال: سمعت ابن عباس و نحن نقول: اثنا عشر أميرا و اثنا عشر، ثم هي الساعة، فقال ابن عباس: ما أحمقكم؟! إن منا أهل البيت بعد ذلك، المنصور، و السفاح، و المهدي، يرفعها إلى عيسى بن مريم* و هذا أيضا موقوف، و قد رواه البيهقي من طريق الأعمش عن الضحاك عن ابن عباس مرفوعا: منا السفاح، و المنصور، و المهدي. و هذا إسناد ضعيف، و الضحاك لم يسمع من ابن عباس شيئا على الصحيح، فهو منقطع و اللَّه أعلم*

و قد قال عبد الرزاق عن الثوري عن خالد الحذاء عن أبى قلابة بن أبى أسماء عن ثوبان، قال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

يقتل عند كيركم هذه ثلاثة كلهم ولد خليفة، لا يصير إلى واحد منهم، ثم تقبل الرايات السود من خراسان فيقتلونهم مقتلة لم يروا مثلها، ثم يجي‏ء خليفة اللَّه المهدي، فإذا سمعتم فأتوه فبايعوه و لو حبوا على الثلج، فإنه خليفة اللَّه المهدي*

أخرجه ابن ماجة عن أحمد بن يوسف السلمي، و محمد بن يحيى الذهلي، كلاهما عن عبد الرزاق به، و رواه البيهقي من طرق عن عبد الرزاق، ثم قال: تفرد به عبد الرزاق، قال البيهقي: و رواه عبد الوهاب بن عطاء عن خالد الحذاء عن أبى قلابة عن أسماء موقوفا

* ثم‏

قال البيهقي: أنا على بن أحمد بن عبدان، أنا أحمد بن عبيد الصفار، ثنا محمد بن غالب، ثنا كثير بن يحيى، ثنا شريك عن على بن زيد عن أبى قلابة عن أبى أسماء عن ثوبان قال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

إذا أقبلت الرايات السود من عقب خراسان فأتوها و لو حبوا على الثلج، فأن فيها خليفة اللَّه المهدي*

و قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا الفضل بن سهل، ثنا عبد اللَّه بن داهر الرازيّ، ثنا أبى عن ابن أبى ليلى عن الحكم عن إبراهيم عن عبد اللَّه بن مسعود

أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ذكر فتية من بنى هاشم، فاغر و رقت عيناه، و ذكر الرايات، قال: فمن أدركها فليأتها و لو حبوا على الثلج*

ثم قال: و هذا الحديث لا نعلم رواه عن الحكم الا ابن أبى ليلى، و لا نعلم يروى إلا من حديث داهر بن يحيى، و هو من أهل الرأى صالح الحديث، و إنما يعرف من حديث يزيد بن أبى زياد عن إبراهيم* و

قال الحافظ أبو يعلى: ثنا أبو هشام بن يزيد بن رفاعة، ثنا أبو بكر ابن عياش، ثنا يزيد بن أبى زياد عن إبراهيم عن علقمة عن عبد اللَّه- هو ابن مسعود- قال:

قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

تجي‏ء رايات سود من قبل المشرق، تخوض الخيل الدم إلى أن يظهروا العدل و يطلبون العدل فلا يعطونه، فيظهرون فيطلب منهم العدل فلا يعطونه*

و هذا إسناد حسن*

و قال الامام أحمد: حدثنا يحيى بن غيلان، و قتيبة بن سعيد، قالا: ثنا رشد بن سعد، قال يحيى بن غيلان في حديثه قال: حدثني يونس بن يزيد عن ابن شهاب عن قبيصة- هو ابن ذؤيب الخزاعي- عن أبى هريرة عن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، أنه قال:

يخرج من خراسان رايات سود لا يردها شي‏ء حتى تنصب‏

247

بإيليا*

و قد رواه الترمذي عن قتيبة به و قال: غريب، و رواه البيهقي و الحاكم من حديث عبد اللَّه ابن مسعود عن رشد بن سعد

،

و قال البيهقي: تفرد به رشد بن سعد، و قد روى قريب من هذا عن كعب الأحبار و لعله أشبه و اللَّه أعلم* ثم روى من طريق يعقوب بن سفيان: حدثنا محمد عن أبى المغيرة عبد القدوس عن إسماعيل بن عياش عمن حدثه عن كعب الأحبار قال: تظهر رايات سود لبني العباس حتى ينزلوا بالشام، و يقتل اللَّه على أيديهم كل جبار و كل عدو لهم*

و قال الامام أحمد:

حدثنا عثمان بن أبى شيبة، ثنا جرير عن الأعمش عن عطية العوفيّ عن أبى سعيد الخدريّ قال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

يخرج عند انقطاع من الزمان، و ظهور من الفتن، رجل يقال له السفاح، فيكون إعطاؤه المال حثوا*

و رواه البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن أحمد بن عبد الصمد عن أبى عوانة عن الأعمش به،

و قال فيه يخرج رجل من أهل بيتي يقال له السفاح، فذكره، و هذا الإسناد على شرط أهل السنن و لم يخرجوه* فهذه الأخبار في خروج الرايات السود من خراسان و في ولاية السفاح و هو أبو العباس عبد اللَّه بن محمد بن على بن عبد اللَّه بن العباس بن عبد المطلب، و قد وقعت ولايته في حدود سنة ثلاثين و مائة، ثم ظهر بأعوانه و معهم الرايات السود، و شعارهم السواد، كما دخل رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) مكة يوم الفتح، و على رأسه المغفر و فوقه عمامة سوداء، ثم بعث عمه عبد اللَّه لقتال بنى أمية، فكسرهم في سنة اثنتين و ثلاثين و مائة، و هرب من المعركة آخر خلفائهم، و هو مروان بن محمد بن مروان و يلقب بمروان الحمار، و يقال له مروان الجعديّ، لاشتغاله على الجعد بن درهم فيما قيل، و دخل عمه دمشق و استحوذ على ما كان لبني أمية من الملك و الأملاك و الأموال، و جرت خطوب كثيرة سنوردها مفصلة في موضعها إن شاء اللَّه تعالى* و قد ورد عن جماعة من السلف في ذكر الرايات السود التي تخرج من خراسان بما يطول ذكره، و قد استقصى ذلك نعيم بن حماد في كتابه، و في بعض الروايات ما يدل على أنه لم يقع أمرها بعد، و أن ذلك يكون في آخر الزمان، كما سنورده في موضعه إن شاء اللَّه تعالى، و به الثقة و عليه التكلان*

و قد روى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري، قال قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

لا تقوم الساعة حتى تكون الدنيا للكع بن لكع،

قال أبو معمر: هو أبو مسلم الخراساني- يعنى الّذي أقام دولة بنى العباس- و المقصود أنه تحولت الدولة من بنى أمية إلى بنى العباس في هذه السنة، و كان أول قائم منهم أبو العباس السفاح، ثم أخوه أبو جعفر عبد اللَّه المنصور باني مدينة السلام، ثم من بعده ابنه المهدي محمد بن عبد اللَّه، ثم من بعده ابنه الهادي، ثم ابنه الآخر هارون الرشيد، ثم انتشرت الخلافة في ذريته على ما سنفصله إذا وصلنا إلى تلك الأيام* و قد نطقت هذه الأحاديث التي أوردناها آنفا بالسفاح و المنصور و المهدي، و لا شك أن المهدي الّذي هو ابن المنصور ثالث خلفاء بنى العباس، ليس هو المهدي الّذي وردت الأحاديث المستفيضة

248

بذكره، و أنه يكون في آخر الزمان، يملأ الأرض عدلا و قسطا كما ملئت جورا و ظلما، و قد أفردنا للأحاديث الواردة فيه جزءا على حدة، كما أفرد له أبو داود كتابا في سننه، و قد تقدم في بعض هذه الأحاديث آنفا أنه يسلم الخلافة إلى عيسى بن مريم إذا نزل إلى الأرض، و اللَّه أعلم* و أما السفاح فقد تقدم أنه يكون في آخر الزمان، فيبعد أن يكون هو الّذي بويع أول خلفاء بنى العباس فقد يكون خليفة آخر، و هذا هو الظاهر، فإنه قد روى نعيم بن حماد عن ابن وهب عن ابن لهيعة عن يزيد بن عمرو المعافري من قدوم الحميري سمع نفيع بن عامر يقول: يعيش السفاح أربعين سنة اسمه في التوراة طائر السماء قلت: و قد تكون صفة للمهدي الّذي يظهر في آخر الزمان لكثرة ما يسفح أي يريق من الدماء لإقامة العدل، و نشر القمط، و تكون الرايات السود المذكورة في هذه الأحاديث إن صحت هي التي تكون مع المهدي، و يكون أول ظهور بيعته بمكة، ثم تكون أنصاره من خراسان، كما وقع قديما للسفاح، و اللَّه تعالى أعلم* هذا كله تفريع على صحة هذه الأحاديث، و إلا فلا يخلو سند منها عن كلام، و اللَّه سبحانه و تعالى أعلم بالصواب.

ذكر الأخبار عن الأئمة الاثني عشر الذين كلهم من قريش‏

و ليسوا بالاثني عشر الذين يدعون إمامتهم الرافضة، فان هؤلاء الذين يزعمون لم يل أمور الناس منهم إلا على بن أبى طالب و ابنه الحسن، و آخرهم في زعمهم المهدي المنتظر في زعمهم بسرداب سامرا و ليس له وجود، و لا عين، و لا أثر، بل هؤلاء من الأئمة الاثني عشر المخبر عنهم في الحديث، الأئمة الأربعة أبو بكر و عمر و عثمان و على، رضى اللَّه عنهم، و منهم عمر بن عبد العزيز بلا خلاف بين الأئمة على كلا القولين لأهل السنة في تفسير الاثني عشر كما سنذكره بعد إيراد الحديث.

ثبت في صحيح البخاري من حديث شعبة، و مسلم من حديث سفيان بن عيينة، كلاهما عن عبد الملك بن عمير عن جابر بن سمرة قال: سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول:

يكون اثنا عشر خليفة، ثم قال كلمة لم أسمعها، فقلت لأبى: ما قال؟ قال: قال كلهم من قريش*

و قال أبو نعيم بن حماد في كتاب الفتن و الملاحم: حدثنا عيسى بن يونس، حدثنا مجالد عن الشعبي عن مسروق عن عبد اللَّه ابن مسعود قال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

يكون بعدي من الخلفاء عدة أصحاب موسى*

و قد روى مثل هذا عن عبد اللَّه بن عمر و حذيفة و ابن عباس و كعب الأحبار من قولهم، و

قال أبو داود:

حدثنا عمرو بن عثمان، حدثنا مروان بن معاوية عن إسماعيل بن أبى خالد عن أبيه عن جابر بن سمرة قال: سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول:

لا يزال هذا الأمر قائما حتى يكون عليهم اثنى عشر خليفة أو أميرا كلهم يجتمع عليهم الأمة، و سمعت كلاما من النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) لم أفهمه، فقلت لأبى: ما يقول: قال: يقول: كلهم من قريش*

و قال أبو داود أيضا: حدثنا ابن نفيل، حدثنا زهير بن‏

249

معاوية، حدثنا زياد بن خيثمة، حدثنا الأسود بن سعيد الهمدانيّ عن جابر بن سمرة قال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

لا تزال هذه الأمة مستقيما أمرها، ظاهرة على عدوها، حتى يمضى اثنا عشر خليفة كلهم من قريش، قال: فلما رجع إلى منزله أتته قريش فقالوا: ثم يكون ما ذا؟ قال: ثم يكون الهرج*

قال البيهقي: ففي الرواية الأولى بيان العدد، و في الثانية بيان المراد بالعدد، و في الثالثة بيان وقوع الهرج و هو القتل بعدهم، و قد وجد هذا العدد بالصفة المذكورة إلى وقت الوليد بن يزيد بن عبد الملك، ثم وقع الهرج و الفتنة العظيمة كما أخبر في هذه الرواية، ثم ظهر ملك العباسية، كما أشار إليه في الباب قبله، و إنما يزيدون على العدد المذكور في الخبر، إذا تركت الصفة المذكورة فيه أو عد منهم من كان بعد الهرج المذكور فيه*

و قد قال النبي (صلى اللَّه عليه و سلم):

لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي من الناس اثنان.

ثم ساقه من حديث عاصم بن محمد عن أبيه عن ابن عمر عن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فذكره*

و في صحيح البخاري من طريق الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم عن معاوية بن أبى سفيان قال:

قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

إن الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا كبه اللَّه على وجهه ما أقاموا الدين*

قال البيهقي: أي أقاموا معالمه و إن قصروا هم في أعمال أنفسهم، ثم ساق أحاديث بقية ما ذكره في هذا و اللَّه أعلم* فهذا الّذي سلكه البيهقي و قد وافقه عليه جماعة، من أن المراد بالخلفاء الاثني عشر المذكورين في هذا الحديث هم المتتابعون إلى زمن الوليد بن يزيد بن عبد الملك الفاسق الّذي قدمنا الحديث فيه بالذم و الوعيد فأنه مسلك فيه نظر، و بيان ذلك أن الخلفاء إلى زمن الوليد بن اليزيد هذا أكثر من اثنى عشر على كل تقدير، و برهانه أن الخلفاء الأربعة، أبو بكر و عمر و عثمان و على، خلافتهم محققة بنص حديث سفينة: الخلافة بعدي ثلاثون سنة* ثم بعدهم الحسن بن على كما وقع، لأن عليا أوصى إليه، و بايعه أهل العراق، و ركب و ركبوا معه لقتال أهل الشام حتى اصطلح هو و معاوية، كما دل عليه حديث أبى بكرة في صحيح البخاري، ثم معاوية، ثم ابنه يزيد بن معاوية، ثم ابنه معاوية بن يزيد، ثم مروان بن الحكم، ثم ابنه عبد الملك بن مروان، ثم ابنه الوليد بن عبد الملك، ثم سليمان بن عبد الملك، ثم عمر بن عبد العزيز، ثم يزيد بن عبد الملك، ثم هشام بن عبد الملك، فهؤلاء خمسة عشر، ثم الوليد بن يزيد بن عبد الملك، فأن اعتبرنا ولاية الزبير قبل عبد الملك صاروا ستة عشر، و على كل تقدير فهم اثنا عشر قبل عمر بن عبد العزيز، فهذا الّذي سلكه على هذا التقدير يدخل في الاثني عشر يزيد بن معاوية، و يخرج منهم عمر بن عبد العزيز، الّذي أطبق الأئمة على شكره و على مدحه، و عدوه من الخلفاء الراشدين، و أجمع الناس قاطبة على عدله، و أن أيامه كانت من أعدل الأيام حتى الرافضة يعترفون بذلك، فان قال: أنا لا أعتبر إلا من اجتمعت الأمة عليه، لزمه على هذا القول أن لا يعد على بن أبى طالب و لا ابنه، لان الناس لم يجتمعوا عليهما،

250

و ذلك أن أهل الشام بكمالهم لم يبايعوهما، و عد حبيب معاوية و ابنه يزيد و ابن ابنه معاوية بن يزيد و لم يقيد بأيام مروان و لا ابن الزبير، كأن الأمة لم تجتمع على واحد منهما، فعلى هذا نقول في مسلكه هذا عادا للخلفاء أبى بكر و عمر و عثمان ثم معاوية ثم يزيد بن معاوية ثم عبد الملك ثم الوليد بن سليمان ثم عمر بن عبد العزيز ثم يزيد ثم هشام فهؤلاء عشرة، ثم من بعدهم الوليد بن يزيد بن عبد الملك الفاسق، و لكن هذا لا يمكن أن يسلك، لانه يلزم منه إخراج على و ابنه الحسن من هؤلاء الاثني عشر و هو خلاف ما نص عليه أئمة السنة بل و الشيعة، ثم هو خلاف ما دل عليه نصا

حديث سفينة عن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أنه قال:

الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم تكون ملكا عضوضا*

و قد ذكر سفينة تفصيل هذه الثلاثين سنة فجمعها من خلافة الأربعة، و قد بينا دخول خلافة الحسن و كانت نحوا من ستة أشهر فيها أيضا، ثم صار الملك إلى معاوية لما سلّم الأمر اليه الحسن بن على، و هذا الحديث فيه المنع من تسمية معاوية خليفة، و بيان أن الخلافة قد انقطعت بعد الثلاثين سنة لا مطلقا، بل انقطع تتابعها، و لا ينفى وجود خلفاء راشدين بعد ذلك، كما دل عليه حديث جابر بن سمرة* و قال نعيم بن حماد:

حدثنا راشد بن سعد عن ابن لهيعة عن خالد بن أبى عمران عن حذيفة بن اليمان قال: يكون بعد عثمان اثنا عشر ملكا من بنى أمية، قيل له: خلفاء؟ قال: لا بل ملوك. و قد روى البيهقي من حديث حاتم بن صفرة عن أبى بحر قال: كان أبو الجلد جارا لي، فسمعته يقول يحلف عليه: أن هذه الأمة لن تهلك حتى يكون فيها اثنا عشر خليفة كلهم يعمل بالهدى و دين الحق، منهم رجلان من أهل البيت، أحدهما يعيش أربعين سنة، و الآخر ثلاثين سنة* ثم شرع البيهقي في رد ما قاله أبو الجلد بما لا يحصل به الرد، و هذا عجيب منه، و قد وافق أبا الجلد طائفة من العلماء، و لعل قوله أرجح لما ذكرنا و قد كان ينظر في شي‏ء من الكتب المتقدمة، و في التوراة التي بأيدي أهل الكتاب ما معناه: إن اللَّه تعالى بشر إبراهيم بإسماعيل، و إنه ينميه و يكثره و يجعل من ذريته اثنى عشر عظيما* قال شيخنا العلامة أبو العباس بن تيمية: و هؤلاء المبشر بهم في حديث جابر بن سمرة، و قرر أنهم يكونون مفرقين في الأمة، و لا تقوم الساعة حتى يوجدوا، و غلط كثير ممن تشرف بالإسلام من اليهود فظنوا أنهم الذين تدعو إليهم فرقة الرافضة فاتبعوهم* و قد قال نعيم بن حماد: حدثنا ضمرة عن ابن شوذب عن أبى المنهال عن أبى زياد عن كعب قال: إن اللَّه وهب لإسماعيل من صلبه اثنى عشر قيما، أفضلهم أبو بكر و عمر و عثمان* و قال نعيم: حدثنا ضمرة عن ابن شوذب عن يحيى بن عمرو الشيباني قال:

ليس من الخلفاء من لم يملك المسجدين المسجد الحرام و المسجد الأقصى.

ذكر الأخبار عن أمور وقعت في دولة بنى العباس إلى زماننا هذا

فمن ذلك حدثنا أبو جعفر عبد اللَّه و محمد بن على بن عبد اللَّه بن عباس الخليفة بعد أخيه الخليفة