البداية و النهاية - ج6

- ابن كثير الدمشقي‏ المزيد...
354 /
251

السفاح و هو المنصور الباني لمدينة بغداد، في سنة خمس و أربعين و مائة* قال نعيم بن حماد في كتابه:

عن أبى المغيرة عن أرطاة بن المنذر عمن حدثه عن ابن عباس أنه أتاه رجل و عنده حذيفة فقال:

يا ابن عباس قوله حمعسق. فأطرق ساعة و أعرض عنه، ثم كررها فلم يجبه بشي‏ء، فقال له حذيفة: أنا أنبئك، و قد عرفت لم كررها، إنما نزلت في رجل من أهل بيته يقال له عبد الإله، أو عبد اللَّه، ينزل على نهر من أنهار المشرق، يبنى عليه مدينتين يشق النهر بينهما شقا، يجتمع فيهما كل جبار عنيد*

و قال أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن عبد الوهاب بن نجد الحوطى، حدثنا أبو المغيرة، حدثنا عبد اللَّه بن السمط، حدثنا صالح بن على الهاشمي عن أبيه عن جده عن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) قال:

لأن يربى أحدكم بعد أربع و خمسين و مائة جرو كلب، خير من أن يربى ولدا لصلبه*

قال شيخنا الذهبي: هذا الحديث موضوع، و اتهم به عبد اللَّه بن السمط هذا* و قال نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري، في كتابه الفتن و الملاحم: حدثنا أبو عمرو البصري عن أبى بيان المعافري عن بديع عن كعب قال: إذا كانت سنة ستين و مائة انتقص فيها حلم ذوى الأحلام، و رأى ذوى الرأى.

حديث آخر

فيه إشارة إلى مالك بن أنس الامام (رحمه اللَّه) روى الترمذي من حديث ابن عيينة عن ابن جريج عن أبى الزبير عن أبى صالح عن أبى هريرة رواية: يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل يطلبون العلم فلا يجدون أحدا أعلم من عالم المدينة* ثم قال: هذا حديث حسن و هو حديث ابن عيينة، و قد روى عنه أنه قال: هو مالك بن أنس، و كذا قال عبد الرزاق، قلت: و قد توفى مالك (رحمه اللَّه) سنة تسع و سبعين و مائة

حديث آخر

فيه إشارة إلى محمد بن إدريس الشافعيّ‏

قال أبو داود الطيالسي: حدثنا جعفر بن سليمان عن النضر بن معبد الكندي أو العبدلي عن الجارود عن أبى الأحوص عن عبد اللَّه قال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

لا تسبوا قريشا فان عالمها يملأ الأرض علما، اللَّهمّ إنك أذقت أولها وبالا، فأذق آخرها نوالا*

و قد رواه الحاكم من طريق أبى هريرة

،

قال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني: و هو الشافعيّ، قلت: و قد توفى الشافعيّ (رحمه اللَّه) في سنة أربع و مائتين و قد أفردنا ترجمته في مجلد و ذكرنا معه تراجم أصحابه من بعده.

حديث آخر

روى رواد ابن الجراح عن سفيان الثوري عن منصور عن ربعي عن حذيفة مرفوعا:

خيركم بعد المائتين خفيف الحاذ، قالوا: و ما خفيف الحاذ يا رسول اللَّه؟ قال: من لا أهل له و لا مال و لا ولد.

252

حديث آخر

قال ابن ماجة: حدثنا الحسن بن على الخلال، حدثنا عون بن عمارة، حدثني عبد اللَّه بن المثنى، ثنا ثمامة بن عبد اللَّه بن أنس بن مالك عن أبيه عن جده أنس بن مالك عن أبى قتادة قال:

قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

الآيات بعد المائتين*

و حدثنا نصر بن على الجهضمي، حدثنا نوح بن قيس، حدثنا عبد اللَّه بن معقل عن يزيد الرقاشيّ عن أنس بن مالك عن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال:

أمتى على خمس طبقات، فأربعون سنة أهل بر و تقوى، ثم الذين يلونهم إلى عشرين و مائة سنة أهل تراحم و تواصل، ثم الذين يلونهم الى ستين و مائة، أهل تدابر و تقاطع ثم الهرج الهرج النجاء النجاء*

و حدثنا نصر بن على، حدثنا حازم أبو محمد العنزي، حدثنا المسور بن الحسن عن أبى معن عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

أمتى على خمس طبقات كل طبقة أربعون عاما، فأما طبقتي و طبقة أصحابى فأهل علم و إيمان، و أما الطبقة الثانية ما بين الأربعين إلى الثمانين، فأهل بر و تقوى،

ثم ذكره نحوه.

هذا لفظه و هو حديث غريب من هذين الوجهين، و لا يخلو عن نكارة و اللَّه أعلم*

و قد قال الامام أحمد: ثنا وكيع بن الأعمش، حدثنا هلال بن بيان عن عمران بن حصين قال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يجي‏ء قوم يتسمنون يحبون السمن يعطون الشهادة قبل أن يسألوها*

و رواه الترمذي من طريق الأعمش‏

،

و قد رواه البخاري و مسلّم من حديث شعبة عن أبى حمزة عن زهدم بن مضرب سمعت عمران بن حصين قال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

خير أمتى قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم-

قال عمران: فلا أدرى أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة- ثم إن بعدكم قوما يشهدون و لا يستشهدون، و يخونون و لا يؤتمنون، و ينذرون و لا يوفون، و يظهر فيهم السمن، لفظ البخاري*

و قال البخاري: حدثنا محمد بن كثير، أنا سفيان عن منصور عن إبراهيم عن عبيدة عن عبد اللَّه أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال:

خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجي‏ء قوم يسبق شهادة أحدهم يمينه و يمينه شهادته،

قال إبراهيم:

و كانوا يضربوننا على الشهادة و العهد و نحن صغار* و قد رواه بقية الجماعة إلا أبا داود من طرق متعددة عن منصور به.

حديث آخر

قال نعيم بن حماد: حدثنا أبو عمرو البصري عن ابن لهيعة عن عبد الوهاب بن حسين عن محمد بن ثابت البناني عن أبيه عن الحرث الهمدانيّ عن ابن مسعود عن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) قال:

السابع من ولد العباس يدعو الناس إلى الكفر فلا يجيبونه، فيقول له أهل بيته: تريد أن تخرجنا من معايشنا؟

فيقول: إني أسير فيكم بسيرة أبى بكر و عمر، فيأبون عليه فيقتله عدو له من أهل بيته من بنى هاشم،

253

فإذا وثب عليه اختلفوا فيما بينهم فذكر اختلافا طويلا إلى خروج السفياني*

و هذا الحديث ينطبق على عبد اللَّه المأمون الّذي دعا الناس إلى القول بخلق القرآن، و وقى اللَّه شرها، كما سنورد ذلك في موضعه، و السفياني رجل يكون آخر الزمان منسوب إلى أبى سفيان يكون من سلالته، و سيأتي في آخر كتاب الملاحم.

حديث آخر

قال الامام أحمد: حدثنا هاشم، ثنا ليث عن معاوية بن صالح عن عبد الرحمن بن جبير عن أبيه سمعت أبا ثعلبة الخشنيّ صاحب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أنه سمعه يقول و هو بالفسطاط في خلافة معاوية و كان معاوية اغزى الناس القسطنطينية فقال: و اللَّه لا تعجز هذه الأمة من نصف يوم إذا رأيت الشام مائدة رجل واحد و أهل بيته فعند ذلك فتح القسطنطينية* هكذا رواه أحمد موقوفا على أبى ثعلبة،

و قد أخرجه أبو داود في سننه من حديث ابن وهب عن معاوية بن صالح عن عبد الرحمن بن جبير عن أبيه عن أبى ثعلبة قال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

لن يعجز اللَّه هذه الأمة من نصف يوم*

تفرد به أبو داود ثم‏

قال أبو داود: ثنا عمرو بن عثمان، ثنا أبو المغيرة حدثني صفوان عن سريج بن عبيد عن سعد بن أبى وقاص عن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) أنه قال:

إني لأرجو أن لا يعجز أمتى عند ربها أن يؤخرهم نصف يوم،

قيل لسعد: و كم نصف يوم؟ قال: خمسمائة سنة* تفرد به أبو داود و إسناده جيد، و هذا من دلائل النبوة، فان هذا يقتضي وقوع تأخير الأمة نصف يوم و هو خمسمائة سنة كما فسره الصحابي، و هو مأخوذ من قوله تعالى: وَ إِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ‏ ثم هذا الاخبار بوقوع هذه المدة لا ينفى وقوع ما زاد عليها، فأما ما يذكره كثير من الناس من أنه (عليه السلام) لا يؤلف في قبره، بمعنى لا يمضى عليه ألف سنة من يوم مات الى حين تقام الساعة، فإنه حديث لا أصل له في شي‏ء من كتب الإسلام و اللَّه أعلم*

حديث آخر

فيه الأخبار عن ظهور النار التي كانت بأرض الحجاز حتى أضاءت لها أعناق الإبل ببصرى، و قد وقع هذا في سنة أربع و خمسين و ستمائة.

قال البخاري في صحيحه: ثنا أبو اليمان، ثنا شعيب عن الزهري قال: قال سعيد بن المسيب:

أخبرنى أبو هريرة أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال:

«لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضي‏ء لها أعناق الإبل ببصرى»

تفرد به البخاري، و قد ذكر أهل التاريخ و غيرهم من الناس، و تواتر وقوع هذا في سنة أربع و خمسين و ستمائة، قال الشيخ الامام الحافظ شيخ الحديث و إمام المؤرخين في زمانه، شهاب الدين عبد الرحمن بن إسماعيل الملقب بأبي شامة في تاريخه: إنها ظهرت يوم الجمعة في‏

254

خامس جمادى الآخرة سنة أربع و خمسين و ستمائة، و أنها استمرت شهرا و أزيد منه، و ذكر كتبا متواترة عن أهل المدينة، في كيفية ظهورها شرق المدينة من ناحية وادي شظا، تلقاء أحد، و أنها ملأت تلك الأودية، و انه يخرج منها شرر يأكل الحجاز، و ذكر أن المدينة زلزلت بسببها، و أنهم سمعوا أصواتا مزعجة قبل ظهورها بخمسة أيام، أول ذلك مستهل الشهر يوم الاثنين، فلم تزل ليلا و نهارا حتى ظهرت يوم الجمعة فانبجست تلك الأرض عند وادي شظا عن نار عظيمة جدا صارت مثل طوله أربعة فراسخ في عرض أربعة أميال و عمقه قامة و نصف، يسيل الصخر حتى يبقى مثل الآنك، ثم يصير كالفحم الأسود، و ذكر أن ضوءها يمتد الى تيماء بحيث كتب الناس على ضوئها في الليل، و كأن في بيت كل منهم مصباحا، و رأى الناس سناها من مكة شرفها اللَّه، قلت: و أما بصرى فأخبرني قاضى القضاة صدر الدين على بن أبى قاسم التيمي الحنفي قال: أخبرنى والدي، و هو الشيخ صفى الدين أحد مدرسي بصرى، أنه أخبره غير واحد من الأعراب صبيحة تلك الليلة من كان بحاضرة بلد بصرى، أنهم رأوا صفحات أعناق إبلهم في ضوء هذه النار التي ظهرت من أرض الحجاز، و قد ذكر الشيخ شهاب الدين أن أهل المدينة لجئوا في هذه الأيام إلى المسجد النبوي، و تابوا إلى اللَّه من ذنوب كانوا عليها، و استغفروا عند قبر النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) مما سلف منهم و أعتقوا الغلمان، و تصدقوا على فقرائهم و مجاريحهم و قد قال قائلهم في ذلك:

يا كاشف الضر صفحا عن جرائمنا* * * فقد أحاطت بنا يا رب بأساء

نشكو إليك خطوبا لا نطيق لها* * * حملا و نحن بها حقا أحقاء

زلازل تخشع الصم الصلاد لها* * * و كيف تقوى على الزلزال صماء

أقام سبعا يرج الأرض فانصدعت‏* * * عن منظر منه عين الشمس عشواء

بحر من النار تجرى فوقه سفن‏* * * من الهضاب لها في الأرض إرساء

يرى لها شرر كالقصر طائشة* * * كأنها ديمة تنصب هطلاء

تنشق منها قلوب الصخر إن زفرت‏* * * رعبا و ترعد مثل الشهب أضواء

منها تكاثف في الجوالد خان إلى‏* * * أن عادت الشمس منه و هي دهماء

قد أثرت سعفة في البدر لفحتها* * * فليلة التم بعد النور ليلاء

فيا لها آية من معجزات رسول‏* * * اللَّه يعقلها القوم الألباء

و مما قيل من هذه النار مع غرق بغداد في هذه السنة:

سبحان من أصبحت مشيئته‏* * * جارية في الورى بمقدار

أغرق بغداد بالمياه كما* * * أحرق أرض الحجاز بالنار

255

حديث آخر

قال الامام أحمد: حدثنا أبو عامر، ثنا أفلح بن سعيد الأنصاري، شيخ من أهل قبا من الأنصار، حدثني عبد اللَّه بن رافع مولى أم سلمة، قال: سمعت أبا هريرة يقول: سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول:

إن طالت بكم مدة أوشك أن تروا قوما يغدون في سخط اللَّه و يروحون في لعنته، في أيديهم مثل أذناب البقر،

و رواه مسلّم عن محمد بن عبد اللَّه بن نمير عن زيد بن الخباب عن أفلح ابن سعيد به،

و روى مسلّم أيضا عن زهير بن حرب عن جرير عن سهيل عن أبيه عن أبى هريرة قال:

قال (صلى اللَّه عليه و سلم):

صنفان من أهل النار لم أرهما بعد، قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، و نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رءوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة، و لا يجدن ريحها، و إن ريحها ليوجد من مسيرة كذا و كذا، و هذان الصنفان و هما الجلادون الذين يسمون بالرجالة، و الجاندارية، كثيرون في زماننا هذا و من قبله و قبل قبله بدهر، و النساء الكاسيات العاريات أي عليهنّ لبس لا يوارى سوآتهن، بل هو زيادة في العورة، و إبداء للزينة، مائلات في مشيهن مميلات غيرهن إليهن، و قد عم البلاء بهن في زماننا هذا، و من قبله أيضا،

و هذا من أكبر دلالات النبوة إذ وقع الأمر في الخارج طبق ما أخبر به (عليه السلام)، و قد تقدم حديث جابر: أما إنها ستكون لكم أنماط، و ذكر تمام الحديث في وقوع ذلك و احتجاج امرأته عليه بهذا.

حديث آخر

روى الامام أحمد عن عبد الصمد بن عبد الوارث عن داود بن أبى هند، و أخرجه البيهقي من حديثه عن أبى حرب بن أبى الأسود الدؤلي عن طلحة بن عمرو البصري‏

أنه قدم المدينة على رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فبينما هو يصلّى إذ أتاه رجل فقال: يا رسول اللَّه أحرق بطوننا التمر و تحرقت عنا الحيف، قال: فحمد اللَّه و أثنى عليه ثم قال: لقد رأيتني و صاحبي و ما لنا طعام غير البرير حتى أتينا إخواننا من الأنصار فآسونا من طعامهم و كان طعامهم التمر، و الّذي لا إله إلا هو لو قدرت لكم على الخبز و التمر لأطعمتكموه، و سيأتي عليكم زمان أو من أدركه منكم يلبسون مثل أستار الكعبة، و يغدى و يراح عليكم بالجفان، قالوا: يا رسول اللَّه أ نحن يومئذ خير أم اليوم؟ قال: بل أنتم اليوم خير، أنتم اليوم إخوان، و أنتم يومئذ يضرب بعضكم رقاب بعض،

و قد روى سفيان الثوري عن يحيى بن سعيد عن أبى موسى بحلس قال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

إذا مشت أمتى المطيطا و خدمتهم فارس و الروم، سلط اللَّه بعضهم على بعض*

و قد أسنده البيهقي من طريق موسى بن عبيدة، عن عبد اللَّه بن دينار عن ابن عمر عن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم).

256

حديث آخر

قال أبو داود: حدثنا سليمان بن داود المهري، ثنا ابن وهب، ثنا سعيد بن أبى أيوب عن شراحيل بن زيد المعافري عن أبى علقمة عن أبى هريرة فيما أعلم عن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): إن اللَّه يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجددها لها أمر دينها* قال أبو داود: عبد الرحمن بن شريح الإسكندراني لم يحدثه شراحيل* تفرد به أبو داود، و قد ذكر كل طائفة من العلماء في رأس كل مائة سنة عالما من علمائهم ينزلون هذا الحديث عليه، و قال طائفة من العلماء هل الصحيح أن الحديث يشمل كل فرد فرد من آحاد العلماء من هذه الأعصار ممن يقوم بفرض الكفاية في أداء العلم عمن أدرك من السلف إلى من يدركه من الخلف كما جاء في الحديث من طرق مرسلة و غير مرسلة: يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين، و انتحال المبطلين* و هذا موجود و للَّه الحمد و المنة إلى زماننا هذا، و نحن في القرن الثامن، و اللَّه المسئول أن يختم لنا بخير و أن يجعلنا من عباده الصالحين، و من ورثة جنة النعيم آمين آمين يا رب العالمين* و سيأتي الحديث المخرج من الصحيح: لا تزال طائفة من أمتى ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم و لا من خالفهم حتى يأتى أمر اللَّه و هم كذلك* و في صحيح البخاري و هم بالشام و قد قال كثير من علماء السلف: أنهم أهل الحديث و هذا أيضا من دلائل النبوة فان أهل الحديث بالشام أكثر من سائر أقاليم الإسلام، و للَّه الحمد، و لا سيما بمدينة دمشق حماها اللَّه و صانها، كما ورد في الحديث الّذي سنذكره أنها تكون معقل المسلمين عند وقوع الفتن، و في صحيح مسلّم عن النواس بن سمعان أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أخبر عن عيسى بن مريم أنه ينزل من السماء على المنارة البيضاء شرقى دمشق و لعل أصل لفظ الحديث على المنارة البيضاء الشرقية بدمشق و قد بلغني أنه كذلك في بعض الأجزاء و لم أقف عليه إلى الآن و اللَّه الميسر، و قد جددت هذه المنارة البيضاء الشرقية بجامع دمشق بعد ما أحرقها النصارى من أيامنا هذه بعد سنة أربعين و سبعمائة فأقاموها من أموال النصارى مقاصة على ما فعلوا من العدوان و في هذا حكمة عظيمة و هو أن ينزل على هذه المبنية من أموالهم عيسى بن مريم نبي اللَّه فيكذبهم فيما افتروه عليه من الكذب عليه و على اللَّه و يكسر الصليب و يقتل الخنزير و يضع الجزية أي يتركها و لا يقبل من أحد منهم و لا من غيرهم إلا الإسلام، يعنى أو يقتله و قد أخبر بهذا عنه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و قرره عليه و سوغه له (صلوات اللَّه و سلامه عليه) دائما إلى يوم الدين و على آله و صحبه أجمعين و التابعين لهم بإحسان.

257

باب البينة على ذكر معجزات لرسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) مماثلة لمعجزات جماعة من الأنبياء قبله، و أعلى منها،

خارجة عما اختص به من المعجزات العظيمة التي لم يكن لأحد قبله منهم (عليهم السلام).

فمن ذلك القرآن العظيم الّذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، فأنه معجزة مستمرة على الآباد، و لا يخفى برهانها، و لا يتفحص مثلها، و قد تحدى به الثقلين من الجن و الأنس على أن يأتوا بمثله أو بعشر سور أو بسورة من مثله، فعجزوا عن ذلك كما تقدم تقرير ذلك في أول كتاب المعجزات، و قد سبق الحديث المتفق على إخراجه‏

في الصحيحين من حديث الليث بن سعد بن سعيد بن أبى سعيد المقبري عن أبيه عن أبى هريرة عن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أنه قال:

ما من نبي إلا و قد أوتى من الآيات ما آمن على مثله البشر، و إنما كان الّذي أوتيت و حيا أوحاه اللَّه إلى، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة*

و المعنى أن كل نبي أوتى من خوارق المعجزات ما يقتضي إيمان من رأى ذلك من أولى البصائر و النهى، لا من أهل العناد و الشقاء، و إنما كان الّذي أوتيته، أي جله و أعظمه و أبهره، القرآن الّذي أوحاه اللَّه الىّ، فأنه لا يبيد و لا يذهب كما ذهبت معجزات الأنبياء و انقضت بانقضاء أيامهم، فلا تشاهد، بل يخبر عنها بالتواتر و الآحاد، بخلاف القرآن العظيم الّذي أوحاه اللَّه إليه فأنه معجزة متواترة عنه، مستمرة دائمة البقاء بعده، مسموعة لكل من ألقى السمع و هو شهيد* و قد تقدم في الخصائص ذكر ما اختص به رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) عن بقية إخوانه من الأنبياء (عليهم السلام)،

كما ثبت في الصحيحين عن جابر بن عبد اللَّه قال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي، نصرت بالرعب مسيرة شهر، و جعلت لي الأرض مسجدا و طهورا، فأينما رجل من أمتى أدركته الصلاة فليصل، و أحلت لي الغنائم و لم تحل لأحد قبلي، و أعطيت الشفاعة، و كان النبي يبعث إلى قومه، و بعثت إلى الناس عامة*

و قد تكلمنا على ذلك و ما شاكله فيما سلف بما أغنى عن إعادته و للَّه الحمد. و قد ذكر غير واحد من العلماء أن كل معجزة [لنبي‏] من الأنبياء فهي معجزة لخاتمهم محمد (صلى اللَّه عليه و سلم) و ذلك أن كلا منهم بشر بمبعثه، و أمر بمتابعته، كما قال تعالى: وَ إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَ حِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَ لَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَ أَقْرَرْتُمْ وَ أَخَذْتُمْ عَلى‏ ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَ أَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ* فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ‏ و قد ذكر البخاري و غيره عن ابن عباس رضى اللَّه عنهما أنه قال: ما بعث اللَّه نبيا من الأنبياء إلا أخذ عليه العهد و الميثاق لئن بعث محمد و هو حي ليؤمنن به و ليتبعنه و لينصرنه* و ذكر غير واحد من العلماء أن كرامات الأولياء معجزات للأنبياء،

258

لان الولي إنما نال ذلك ببركة متابعته لنبيه، و ثواب إيمانه* و المقصود أنه كان الباعث لي على عقد هذا الباب أنى وقفت على مولد اختصره من سيرة الامام محمد بن إسحاق بن يسار و غيرهما شيخنا الإمام العلامة شيخ الإسلام كمال الدين أبو المعالي محمد بن على الأنصاري السماكى، نسبه إلى أبى دجانة الأنصاري سماك بن حرب بن حرشة الأوسي، رضى اللَّه عنه، شيخ الشافعية في زمانه بلا مدافعة، المعروف بابن الزملكانى عليه رحمة اللَّه، و قد ذكر في أواخره شيئا من فضائل رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و عقد فصلا في هذا الباب فأورد فيه أشياء حسنة، و نبه على فوائد جمة، و فوائد مهمة، و ترك أشياء أخرى حسنة، ذكرها غيره من الائمة المتقدمين، و لم أره استوعب الكلام إلى آخره، فأما أنه قد سقط من خطه، أو أنه لم يكمل تصنيفه، فسألني بعض أهله من أصحابنا ممن تتأكد إجابته، و تكرر ذلك منه، في تكميله و تبويبه و ترتيبه، و تهذيبه، و الزيادة عليه و الإضافة إليه، فاستخرت اللَّه حينا من الدهر، ثم نشطت لذلك ابتغاء الثواب و الأجر، و قد كنت سمعت من شيخنا الإمام العلامة الحافظ، أبى الحجاج المزي تغمده اللَّه برحمته، أن أول من تكلم في هذا المقام الإمام أبو عبد اللَّه محمد بن إدريس الشافعيّ رضى اللَّه عنه، و قد روى الحافظ أبو بكر البيهقي (رحمه اللَّه) في كتابه دلائل النبوة، عن شيخه الحاكم أبى عبد اللَّه، أخبرنى أبو أحمد بن أبى الحسن، أنا عبد الرحمن بن أبى حاتم الرازيّ عن أبيه، قال عمر بن سوار: قال الشافعيّ: مثل ما أعطى اللَّه نبيا ما أعطى محمدا (صلى اللَّه عليه و سلم)، فقلت: أعطى عيسى إحياء الموتى، فقال: أعطى محمدا (صلى اللَّه عليه و سلم) الجذع الّذي كان يخطب إلى جنبه حين بنى له المنبر حنّ الجذع حتى سمع صوته، فهذا أكبر من ذلك، هذا لفظه رضى اللَّه عنه* و المراد من إيراد ما نذكره في هذا الباب، البينة على ما أعطى اللَّه أنبياءه (عليهم السلام) من الآيات البينات، و الخوارق القاطعات، و الحجج الواضحات، و أن اللَّه جمع لعبده و رسوله سيد الأنبياء و خاتمهم من جميع أنواع المحاسن و الآيات، مع ما اختصه اللَّه به مما لم يؤت أحدا قبله، كما ذكرنا في خصائصه و شمائله (صلى اللَّه عليه و سلم)، و وقفت على فصل مليح في هذا المعنى، في كتاب دلائل النبوة للحافظ أبى نعيم، أحمد بن عبد اللَّه الأصبهاني، و هو كتاب حافل في ثلاث مجلدات، عقد فيه فصلا في هذا المعنى، و كذا ذكر ذلك الفقيه أبو محمد عبد اللَّه بن حامد، في كتابه دلائل النبوة، و هو كتاب كبير جليل حافل، مشتمل على فرائد نفيسة* و كذا الصرصرى الشاعر يورد في بعض قصائده أشياء من ذلك كما سيأتي* و ها أنا أذكر بعون اللَّه مجامع ما ذكرنا من هذه الأماكن المتفرقة بأوجز عبارة، و أقصر إشارة، و باللَّه المستعان، و عليه التكلان، و لا حول و لا قوة إلا باللَّه العزيز الحكيم.

القول فيما أوتى نوح (عليه السلام) قال اللَّه تعالى: فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ، وَ فَجَّرْنَا الْأَرْضَ‏

259

عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى‏ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ* وَ حَمَلْناهُ عَلى‏ ذاتِ أَلْواحٍ وَ دُسُرٍ* تَجْرِي بِأَعْيُنِنا جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ* وَ لَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ، و قد ذكرت القصة مبسوطة في أول هذا الكتاب و كيف دعا على قومه فنجاه اللَّه و من اتبعه من المؤمنين فلم يهلك منهم أحد، و أغرق من خالفه من الكافرين فلم يسلّم منهم أحد حتى و لا ولده* قال شيخنا العلامة أبو المعالي محمد بن على الأنصاري الزملكانى، و من خطه نقلت: و بيان أن كل معجزة لنبي فلنبينا أمثالها، إذا تمّ يستدعى كلاما طويلا، و تفصيلا لا يسعه مجلدات عديدة، و لكن ننبه بالبعض على البعض، فلنذكر جلائل معجزات الأنبياء (عليهم السلام)، فمنها نجاة نوح في السفينة بالمؤمنين، و لا شك أن حمل الماء للناس من غير سفينة أعظم من السلوك عليه في السفينة، و قد مشى كثير من الأولياء على متن الماء، و في قصة العلاء بن زياد، صاحب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ما يدل على ذلك، روى منجاب قال: غزونا مع العلاء بن الحضرميّ دارين، فدعا بثلاث دعوات فاستجيبت له، فنزلنا منزلا فطلب الماء فلم يجده، فقام و صلّى ركعتين و قال: اللَّهمّ إنا عبيدك و في سبيلك، نقاتل عدوك، اللَّهمّ اسقنا غيثا نتوضأ به و نشرب، و لا يكون لأحد فيه نصيب غيرنا، فسرنا قليلا فإذا نحن بماء حين أقلعت السماء عنه، فتوضأنا منه و تزودنا، و ملأت إداوتي و تركتها مكانها حتى انظر هل استجيب له أم لا، فسرنا قليلا ثم قلت لأصحابى:

نسيت إداوتي، فرجعت إلى ذلك المكان فكأنه لم يصبه ماء قط، ثم سرنا حتى أتينا دارين و البحر بيننا و بينهم، فقال: يا على يا حكيم، إنا عبيدك و في سبيلك، نقاتل عدوك، اللَّهمّ فاجعل لنا إليهم سبيلا، فدخلنا البحر فلم يبلغ الماء لبودنا، و مشينا على متن الماء و لم يبتل لنا شي‏ء، و ذكر بقية القصة، فهذا أبلغ من ركوب السفينة، فأن حمل الماء للسفينة معتاد، و أبلغ من فلق البحر لموسى، فأن هناك انحسر الماء حتى مشوا على الأرض، فالمعجز انحسار الماء، و ها هنا صار الماء جسدا يمشون عليه كالأرض، و إنما هذا منسوب إلى النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) و بركته* انتهى ما ذكره بحروفه فيما يتعلق بنوح (عليه السلام)* و هذه القصة التي ساقها شيخنا ذكرها الحافظ أبو بكر البيهقي في كتابه الدلائل من طريق أبى بكر بن أبى الدنيا عن أبى كريب عن محمد بن فضيل عن الصلت بن مطر العجليّ عن عبد الملك ابن أخت سهم عن سهم بن منجاب قال: غزونا مع العلاء بن الحضرميّ فذكره* و قد ذكرها البخاري في التاريخ الكبير من وجه آخر، و رواها البيهقي من طريق أبى هريرة رضى اللَّه عنه أنه كان مع العلاء و شاهد ذلك، و ساقها البيهقي من طريق عيسى بن يونس عن عبد اللَّه عن عون عن أنس بن مالك قال: أدركت في هذه الأمة ثلاثا لو كانت في بنى إسرائيل لما تقاسمها الأمم، قلنا:

ما هن يا أبا حمزة؟ قال: كنا في الصفة عند رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فأتته امرأة مهاجرة و معها ابن لها قد بلغ، فأضاف المرأة إلى النساء، و أضاف ابنها إلينا، فلم يلبث أن أصابه وباء المدينة فمرض أياما ثم قبض،

260

فغمضه النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) و أمر بجهازه، فلما أردنا أن نغسله قال: يا أنس ائت أمه، فأعلمها فأعلمتها، قال:

فجاءت حتى جلست عند قدميه، فأخذت بهما ثم قالت: اللَّهمّ إني أسلمت لك طوعا، و خلعت الأوثان، فلا تحمّلني من هذه المصيبة ما لا طاقة لي بحمله، قال: فو اللَّه ما انقضى كلامها حتى حرك قدميه و ألقى الثوب عن وجهه، و عاش حتى قبض اللَّه رسوله (صلى اللَّه عليه و سلم)، و حتى هلكت أمه، قال أنس:

ثم جهز عمر بن الخطاب جيشا و استعمل عليهم العلاء بن الحضرميّ، قال أنس: و كنت في غزاته، فأتينا مغازينا فوجدنا القوم قد بدروا بنا فعفوا آثار الماء، و الحر شديد، فجهدنا العطش و دوابنا، و ذلك يوم الجمعة، فلما مالت الشمس لغروبها صلّى بنا ركعتين ثم مد يده إلى السماء و ما نرى في السماء شيئا، قال: فو اللَّه ما حط يده حتى بعث اللَّه ريحا و أنشأ سحابا و أفرغت حتى ملأت الغدر و الشعاب، فشربنا و سقينا ركابنا و استقينا، قال: ثم أتينا عدونا و قد جاوز خليجا في البحر إلى جزيرة، فوقف على الخليج و قال: يا على يا عظيم، يا حليم يا كريم، ثم قال: أجيزوا بسم اللَّه، قال: فأجزنا ما يبل الماء حوافر دوابنا، فلم نلبث إلا يسيرا فأصبنا العدو عليه، فقتلنا و أسرنا و سبينا، ثم أتينا الخليج، فقال مثل مقالته، فأجزنا ما يبل الماء حوافر دوابنا، ثم ذكر موت العلاء و دفنهم إياه في أرض لا تقبل الموتى، ثم إنهم حفروا عليه لينقلوه منها إلى غيرها فلم يجدوه ثم، و إذا اللحد يتلألأ نورا، فأعادوا التراب عليه ثم ارتحلوا* فهذا السياق أتم، و فيه قصة المرأة التي أحيى اللَّه لها ولدها بدعائها، و سننبه على ذلك فيما يتعلق بمعجزات المسيح عيسى بن مريم، مع ما يشابهها إن شاء اللَّه تعالى، كما سنشير إلى قصة العلاء هذه مع ما سنورده معها هاهنا، فيما يتعلق بمعجزات موسى (عليه السلام)، في قصة فلق البحر لبني إسرائيل، و قد أرشد إلى ذلك شيخنا في عيون كلامه*

قصة أخرى تشبه قصة العلاء بن الحضرميّ‏

روى البيهقي في الدلائل- و قد تقدم ذلك أيضا- من طريق سليمان بن مروان الأعمش عن بعض أصحابه، قال: انتهينا إلى دجلة و هي مادة و الأعاجم خلفها، فقال رجل من المسلمين: بسم اللَّه، ثم اقتحم بفرسه فارتفع على الماء، فقال الناس: بسم اللَّه، ثم اقتحموا فارتفعوا على الماء، فنظر إليهم الأعاجم و قالوا: ديوان، ديوان، أي مجانين، ثم ذهبوا على وجوههم، قال فما فقد الناس إلا قدحا كان معلقا بعذبة سرج، فلما خرجوا أصابوا الغنائم و اقتسموا، فجعل الرجل يقول: من يبادل صفراء ببيضاء؟ و قد ذكرنا في السيرة العمرية و أيامها، و في التفسير أيضا: أن أول من اقتحم دجلة يومئذ أبو عبيدة النفيعى أمير الجيوش في أيام عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه، و أنه نظر إلى دجلة فتلا قوله تعالى: وَ ما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلًا ثم سمى اللَّه تعالى و اقتحم بفرسه الماء و اقتحم الجيش وراءه، و لما نظر إليهم الأعاجم يفعلون ذلك جعلوا يقولون: ديوان ديوان، أي‏

261

مجانين مجانين، ثم ولوا مدبرين فقتلهم المسلمون و غنموا منهم مغانم كثيرة.

قصة أخرى شبيهة بذلك‏

و روى البيهقي من طريق أبى النضر عن سليمان بن المغيرة أن أبا مسلّم الخولانيّ جاء إلى دجلة و هي ترمى الخشب من مدها فمشى على الماء و التفت إلى أصحابه، و قال: هل تفقدون من متاعكم شيئا فندعو اللَّه تعالى؟ ثم قال: هذا إسناد صحيح* قلت: و قد ذكر الحافظ الكبير، أبو القاسم بن عساكر، في ترجمة أبى عبد اللَّه بن أيوب الخولانيّ هذه القصة بأبسط من هذه من طريق بقية ابن الوليد: حدثني محمد بن زياد عن أبى مسلّم الخولانيّ أنه كان إذا غزا أرض الروم فمروا بنهر قال:

أجيزوا بسم اللَّه، قال: و يمر بين أيديهم فيمرون على الماء فما يبلغ من الدواب إلا إلى الركب، أو في بعض ذلك، أو قريبا من ذلك، قال: و إذا جازوا قال للناس: هل ذهب لكم شي‏ء؟ من ذهب له شي‏ء فأنا ضامن، قال: فألقى مخلاة عمدا، فلما جاوزوا قال للناس: هل ذهب لكم شي‏ء؟ من ذهب له شي‏ء فأنا ضامن، قال: فألقى مخلاة عمدا، فلما جاوزوا قال الرجل: مخلاتى وقعت في النهر، قال له:

اتبعنى، فإذا المخلاة قد تعلقت ببعض أعواد النهر، فقال: خذها* و قد رواه أبو داود من طريق الأعرابي عنه عن عمرو بن عثمان عن بقية به* ثم قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا سليمان بن المغيرة عن حميد أن أبا مسلّم الخولانيّ أتى على دجلة و هي ترمى بالخشب من مدها فوقف عليها ثم حمد اللَّه و أثنى عليه و ذكر مسير بنى إسرائيل في البحر، ثم لهز دابته فخاضت الماء و تبعه الناس حتى قطعوا، ثم قال: هل فقدتم شيئا من متاعكم فأدعو اللَّه أن يرده عليّ؟* و قد رواه ابن عساكر من طريق أخرى عن عبد الكريم بن رشيد عن حميد بن هلال العدوي: حدثني ابن عمى أخى أبى قال: خرجت مع أبى مسلّم في جيش فأتينا على نهر عجاج منكر، فقلنا لأهل القرية: أين المخاضة؟

فقالوا: ما كانت هاهنا مخاضة و لكن المخاضة أسفل منكم على ليلتين، فقال أبو مسلّم: اللَّهمّ أجزت بنى إسرائيل البحر، و إنا عبيدك و في سبيلك، فأجزنا هذا النهر اليوم، ثم قال: اعبروا بسم اللَّه، قال ابن عمى: و أنا على فرس فقلت: لأدفعنه أول الناس خلف فرسه، قال: فو اللَّه ما بلغ الماء بطون الخيل عمى: و أنا على فرس فقلت: لأدفعنه أول الناس خلف فرسه، قال: فو اللَّه ما بلغ الماء بطن ابن حتى عبر الناس كلهم، ثم وقف و قال: يا معشر المسلمين، هل ذهب لأحد منكم شي‏ء فأدعو اللَّه تعالى يرده؟* فهذه الكرامات لهؤلاء. الأولياء، هي معجزات لرسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) كما تقدم تقريره، لأنهم إنما نالوها ببركة متابعته، و يمن سفارته، إذ فيها حجة في الدين، أكيدة للمسلمين، و هي مشابهة نوح (عليه السلام) في مسيره فوق الماء بالسفينة التي أمره اللَّه تعالى بعملها، و معجزة موسى (عليه السلام) في فلق البحر، و هذه فيها ما هو أعجب من ذلك، من جهة مسيرهم على متن الماء من غير حائل، و من جهة أنه ماء جار و السير عليه أعجب من السير على الماء القار الّذي يجاز، و إن كان ماء الطوفان أطم و أعظم، فهذه خارق، و الخارق لا فرق بين قليله و كثيره، فأن من سلك على وجه الماء الخضم الجاري‏

262

العجاج فلم يبتل منه نعال خيولهم، أو لم يصل إلى بطونها، فلا فرق في الخارق بين أن يكون قامة أو ألف قامة، أو أن يكون نهرا أو بحرا، بل كونه نهرا عجاجا كالبرق الخاطف و السيل الجاري، أعظم و أغرب، و كذلك بالنسبة إلى فلق البحر، و هو جانب بحر القلزم، حتى صار كل فرق كالطود العظيم، أي الجبل الكبير، فانحاز الماء يمينا و شمالا حتى بدت أرض البحر، و أرسل اللَّه عليها الريح حتى أيبسها، و مشت الخيول عليها بلا انزعاج، حتى جاوزوا عن آخرهم، و أقبل فرعون بجنوده (فغشيهم من اليم ما غشيهم و أضل فرعون قومه و ما هدى) و ذلك أنهم لما توسطوه و هموا بالخروج منه، أمر اللَّه البحر فارتطم عليهم فغرقوا عن آخرهم، فلم يفلت منهم أحد، كما لم يفقد من بنى إسرائيل واحد، ففي ذلك آية عظيمة بل آيات معدودات، كما بسطنا ذلك في التفسير و للَّه الحمد و المنة* و المقصود أن ما ذكرناه من قصة العلاء بن الحضرميّ، و أبى عبد اللَّه الثقفي، و أبى مسلّم الخولانيّ، من مسيرهم على تيار الماء الجاري، فلم يفقد منهم أحد، و لم يفقدوا شيئا من أمتعتهم، هذا و هم أولياء، منهم صحابى و تابعيان فما الظن لو [كان‏] الاحتياج إلى ذلك بحضرة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، سيد الأنبياء و خاتمهم، و أعلاهم منزلة ليلة الأسراء، و إمامهم ليلتئذ ببيت المقدس الّذي هو محل ولايتهم، و دار بدايتهم، و خطيبهم يوم القيامة، و أعلاهم منزلة في الجنة، و أول شافع في الحشر، و في الخروج من النار، و في دخول الجنة، و في رفع الدرجات بها، كما بسطنا أقسام الشفاعة و أنواعها، في آخر الكتاب في أهوال يوم القيامة، و باللَّه المستعان. و ستذكر في المعجزات الموسوية ما ورد من المعجزات المحمدية، مما هو أظهر و أبهر منها، و نحن الآن فيما يتعلق بمعجزات نوح (عليه السلام)، و لم يذكر شيخنا سوى ما تقدم، و أما الحافظ أبو نعيم أحمد بن عبد اللَّه الأصبهاني، فأنه قال في آخر كتابه في دلائل النبوة، و هو في مجلدات ثلاث:

الفصل الثالث و الثلاثون في ذكر موازنة الأنبياء في فضائلهم، بفضائل نبينا، و مقابلة ما أوتوا من الآيات بما أوتى، إذ أوتى ما أوتوا و شبهه و نظيره، فكان أول الرسل نوح (عليه السلام)، و آيته التي أوتى شفاء غيظه، و إجابة دعوته، في تعجيل نقمة اللَّه لمكذبيه، حتى هلك من على بسيط الأرض من صامت و ناطق، إلا من آمن به و دخل معه في سفينته، و لعمري إنها آية جليلة، وافقت سابق قدر اللَّه و ما قد علمه في هلاكهم، و كذلك نبينا (صلى اللَّه عليه و سلم) لما كذبه قومه و بالغوا في أذيته، و الاستهانة بمنزلته من اللَّه عز و جل، حتى ألقى السفيه عقبة بن أبى معيط سلا الجزور على ظهره و هو ساجد، فقال:

اللَّهمّ عليك بالملإ من قريش، ثم ساق الحديث عن ابن مسعود كما تقدم، كما ذكرنا له في صحيح البخاري و غيره في وضع الملأ من قريش على ظهر رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و هو ساجد عند الكعبة سلا تلك الجزور، و استضحاكهم من ذلك، حتى أن بعضهم يميل على بعض من شدة الضحك، و لم يزل على ظهره حتى جاءت ابنته فاطمة (عليها السلام) فطرحته عن ظهره، ثم أقبلت عليهم تسبهم،

فلما سلّم‏

263

رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) من صلاته رفع يديه فقال: اللَّهمّ عليك بالملإ من قريش، ثم سمى فقال: اللَّهمّ عليك بأبي جهل و عتبة و شيبة و الوليد بن عتبة و أمية بن خلف و عقبة بن أبى معيط و عمارة بن الوليد،

قال عبد اللَّه بن مسعود:

فو الّذي بعثه بالحق لقد رأيتهم صرعى يوم بدر، ثم سحبوا إلى القليب قليب بدر، و كذلك لما أقبلت قريش يوم بدر في عددها و عديدها، فحين عاينهم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال رافعا يديه:

اللَّهمّ هذه قريش جاءتك بفخرها و خيلائها، تجادل و تكذب رسولك، اللَّهمّ أصبهم الغداة، فقتل من سراتهم سبعون و أسر من أشرافهم سبعون، و لو شاء اللَّه لاستأصلهم عن آخرهم،

و لكن من حلم و شرف نبيه أبقى منهم من سبق في قدره أن سيؤمن به و برسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و قد دعا على عتبة بن أبى لهب أن يسلط عليه كلبه بالشام، فقتله الأسد عند وادي الزرقاء قبل مدينة بصرى* و كم له من مثلها و نظيرها، [ (1)] كسبع يوسف فقحطوا حتى أكلوا العكبر، و هو الدم بالوتر، و أكلوا العظام و كل شي‏ء، ثم توصلوا إلى تراحمه و شفقته و رأفته، فدعا لهم، ففرج اللَّه عنهم و سقوا الغيث ببركة دعائه* و قال الامام الفقيه أبو محمد عبد اللَّه بن حامد في كتاب دلائل النبوة- و هو كتاب حافل-: ذكر ما أوتى نوح (عليه السلام) من الفضائل، و بيان ما أوتى محمد (صلى اللَّه عليه و سلم) مما يضاهى فضائله و يزيد عليها، إن قوم نوح لما بلغوا من أذيته و الاستخفاف به، و ترك الايمان بما جاءهم به من عند اللَّه، دعا عليهم فقال: (رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً) فاستجاب اللَّه دعوته، و غرق قومه، حتى لم يسلّم شي‏ء من الحيوانات و الدواب إلا من ركب السفينة، و كان ذلك فضيلة أوتيها، إذ أجيبت دعوته، و شفى صدره بإهلاك قومه* قلنا: و قد أوتى محمد (صلى اللَّه عليه و سلم) مثله حين ناله من قريش ما ناله من التكذيب و الاستخفاف، فأنزل اللَّه إليه ملك الجبال و أمره بطاعته فيما يأمره به من إهلاك قومه، فاختار الصبر على أذيتهم، و الابتهال في الدعاء لهم بالهداية* قلت: و هذا أحسن، و قد تقدم الحديث بذلك عن عائشة عن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، في قصة ذهابه إلى الطائف، فدعاهم فآذوه فرجع و هو مهموم، فلما كان عند قرن الثعالب ناداه ملك الجبال فقال: يا محمد إن ربك قد سمع قول قومك و ما ردوا عليك، و قد أرسلنى إليك لأفعل ما تأمرنى به، فأن شئت أطبقت عليهم الأخشبين- يعنى جبلي مكة اللذين يكتنفانها جنوبا و شمالا، أبو قبيس وزر، فقال: بل استأنى بهم لعل اللَّه أن يخرج من أصلابهم من لا يشرك باللَّه شيئا* و قد ذكر الحافظ أبو نعيم في مقابلة قوله تعالى: فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ، فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ، وَ فَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى‏ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ أحاديث الاستسقاء عن أنس و غيره، كما تقدم ذكرنا لذلك في دلائل النبوة قريبا

أنه (صلى اللَّه عليه و سلم) سأله ذلك الأعرابي أن يدعو اللَّه لهم، لما بهم من الجدب و الجوع، فرفع يديه فقال: اللَّهمّ اسقنا،

____________

[ (1)] كذا، و الظاهر أن فيه سقطا.

264

اللَّهمّ اسقنا،

فما نزل عن المنبر حتى رئي المطر يتحادر على لحيته الكريمة، (صلى اللَّه عليه و سلم)، فاستحضر من استحضر من الصحابة رضى اللَّه عنهم قول عمه أبى طالب فيه:-

و أبيض يستسقى الغمام بوجهه‏* * * ثمال اليتامى عصمة للأرامل‏

يلوذ به الهلاك من آل هاشم‏* * * فهم عنده في نعمة و فواضل‏

و كذلك استسقى في غير ما موضع للجدب و العطش فيجاب كما يريد على قدر الحاجة المائية، و لا أزيد و لا أنقص، و هكذا وقع أبلغ في المعجزة، و أيضا فأن هذا ماء رحمة و نعمة، و ماء الطوفان ماء غضب و نقمة، و أيضا فأن عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه كان يستسقى بالعباس عم النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فيسقون، و كذلك ما زال المسلمون في غالب الأزمان و البلدان، يستسقون فيجابون فيسقون، و [غيرهم‏] لا يجابون غالبا و لا يسقون و للَّه الحمد* قال أبو نعيم: و لبث نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، فبلغ جميع من آمن رجالا و نساء، الذين ركبوا معه سفينته، دون مائة نفس، و آمن بنبينا- في مدة عشرين سنة،- الناس شرقا و غربا، و دانت له جبابرة الأرض و ملوكها، و خافت زوال ملكهم، ككسرى و قيصر، و أسلّم النجاشي و الأقيال رغبة في دين اللَّه، و التزم من لم يؤمن به من عظماء الأرض الجزية، و الايادة عن صغار، أهل نجران، و هجر، و أيلة، و أنذر دومة، فذلوا له منقادين، لما أيده اللَّه به من الرعب الّذي يسير بين يديه شهرا، و فتح الفتوح، و دخل الناس في دين اللَّه أفواجا كما قال اللَّه تعالى: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَ الْفَتْحُ وَ رَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً قلت: مات رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و قد فتح اللَّه له المدينة و خيبر و مكة و أكثر اليمن و حضرموت، و توفى عن مائة ألف صحابى أو يزيدون* و قد كتب في آخر حياته الكريمة إلى سائر ملوك الأرض يدعوهم إلى اللَّه تعالى، فمنهم من أجاب و منهم من صانع و داري عن نفسه، و منهم من تكبر فخاب و خسر، كما فعل كسرى بن هرمز حين عتى و بغى و تكبر، فمزق ملكه، و تفرق جنده شذر مذر، ثم فتح خلفاؤه من بعده، أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم على التالي على الأثر مشارق الأرض و مغاربها، من البحر الغربي إلى البحر الشرقي، كما

قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

زويت لي الأرض فرأيت مشارقها و مغاربها، و سيبلغ ملك أمتى ما زوى لي منها*

و قال (صلى اللَّه عليه و سلم):

إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، و إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، و الّذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل اللَّه*

و كذا وقع سواء بسواء، فقد استولت الممالك الإسلامية على ملك قيصر و حواصله، إلا القسطنطينية، و جميع ممالك كسرى و بلاد المشرق، و إلى أقصى بلاد المغرب، إلى أن قتل عثمان رضى اللَّه عنه في سنة ستة و ثلاثين* فكما عمت جميع أهل الأرض النقمة بدعوة نوح (عليه السلام)، لما رآهم عليه من التمادي في الضلال و الكفر و الفجور، فدعا عليهم غضبا للَّه و لدينه و رسالته، فاستجاب اللَّه له، و غضب لغضبه، و انتقم منهم بسببه، كذلك عمت جميع‏

265

أهل الأرض ببركة رسالة محمد (صلى اللَّه عليه و سلم) و دعوته، فآمن من آمن من الناس، و قامت الحجة على من كفر منهم، كما قال تعالى: وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ‏ و كما

قال (صلى اللَّه عليه و سلم):

إنما أنا رحمة مهداة*

و قال هشام بن عمار في كتاب البعث: حدثني عيسى بن عبد اللَّه النعماني، حدثنا المسعودي عن سعيد بن أبى سعيد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ‏ قال: من آمن باللَّه و رسله تمت له الرحمة في الدنيا و الآخرة، و من لم يؤمن باللَّه و رسله عد فيمن يستحق تعجيل ما كان يصيب الأمم قبل ذلك من العذاب و الفتن و القذف و الخسف* و قال تعالى: أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَ أَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ قال ابن عباس: النعمة محمد، و الذين بدلوا نعمة اللَّه كفرا كفار قريش- يعنى و كذلك كل من كذب به من سائر الناس- كما قال: وَ مَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ‏. قال أبو نعيم: فأن قيل: فقد سمى اللَّه نوحا (عليه السلام) باسم من أسمائه الحسنى، فقال: إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً قلنا: و قد سمى اللَّه محمدا (صلى اللَّه عليه و سلم) باسمين من أسمائه فقال: بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ‏ قال: و قد خاطب اللَّه الأنبياء بأسمائهم: يا نوح، يا إبراهيم، يا موسى يا داود، يا يحيى، يا عيسى، يا مريم، و قال مخاطبا لمحمد (صلى اللَّه عليه و سلم): يا أيها الرسول، يا أيها النبي، يا أيها المزمل، يا أيها المدثر، و ذلك قائم مقام الكنية بصفة الشرف* و لما نسب المشركون أنبياءهم إلى السفه و الجنون، كلّ أجاب عن نفسه، قال نوح: يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ وَ لكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ‏ و كذا قال هود (عليه السلام)، و لما قال فرعون: و إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى‏ مَسْحُوراً، قال [موسى‏] لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ بَصائِرَ وَ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً و أما محمد (صلى اللَّه عليه و سلم) فأن اللَّه تعالى هو الّذي يتولى جوابهم عنه بنفسه الكريمة، كما قال: وَ قالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ‏ قال اللَّه تعالى‏ ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَ ما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ‏ و قال تعالى: أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى‏ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَ أَصِيلًا قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً* أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ* قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ‏ و قال تعالى: وَ ما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ* وَ لا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ* تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ‏* وَ إِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَ يَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ‏ قال اللَّه تعالى: وَ ما هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ‏ و قال تعالى‏ ن وَ الْقَلَمِ وَ ما يَسْطُرُونَ ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ وَ إِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ وَ إِنَّكَ لَعَلى‏ خُلُقٍ عَظِيمٍ‏ و قال تعالى: وَ لَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَ هذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ‏.

266

القول فيما أوتى هود (عليه السلام)

قال أبو نعيم ما معناه: إن اللَّه تعالى أهلك قومه بالريح العقيم، و قد كانت ريح غضب، و نصر اللَّه تعالى محمدا (صلى اللَّه عليه و سلم) بالصبا يوم الأحزاب، كما قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً ثم قال:

حدثنا إبراهيم بن إسحاق، حدثنا محمد بن إسحاق بن خزيمة ح و حدثنا عثمان بن محمد العثماني، أنا زكريا بن يحيى السّاجيّ، قالا: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا حفص بن عتاب عن داود بن أبى هند عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما كان يوم الأحزاب انطلقت الجنوب إلى الشمال فقالت:

انطلقي بنا ننصر محمدا رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فقالت الشمال للجنوب: إن الحرة لا ترى بالليل، فأرسل اللَّه عليهم الصبا، فذلك قوله: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها و يشهد له الحديث المتقدم‏

عن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أنه قال:

نصرت بالصبا و أهلكت عاد بالدبور.

القول فيما أوتى صالح (عليه السلام)

قال أبو نعيم: فأن قيل: فقد أخرج اللَّه لصالح ناقة من الصخرة جعلها اللَّه له آية و حجة على قومه و جعل لها شرب يوم، و لهم شرب يوم معلوم. قلنا: و قد أعطى اللَّه محمدا (صلى اللَّه عليه و سلم) مثل ذلك، بل أبلغ لأن ناقة صالح لم تكلمه و لم تشهد له بالنّبوّة و الرسالة، و محمد (صلى اللَّه عليه و سلم) شهد له البعير بالرسالة، و شكى إليه ما يلقى من أهله، من أنهم يجيعونه و يريدون ذبحه، ثم ساق الحديث بذلك كما قدمنا في دلائل النبوة بطرقه و ألفاظه و غرره بما أغنى عن إعادته هاهنا، و هو في الصحاح و الحسان و المسانيد، و قد ذكرنا مع ذلك حديث الغزالة، و حديث الضب و شهادتهما له (صلى اللَّه عليه و سلم) بالرسالة، كما تقدم التنبيه على ذلك و الكلام فيه، و ثبت الحديث في الصحيح بتسليم الحجر عليه قبل أن يبعث، و كذلك سلام الأشجار و الأحجار و المدر عليه قبل أن يبعث (صلى اللَّه عليه و سلم).

القول فيما أوتى إبراهيم الخليل (عليه السلام)

قال شيخنا العلامة أبو المعالي بن الزملكانى (رحمه اللَّه): و أما خمود النار لإبراهيم (عليه الصلاة و السلام)، فقد خمدت لنبينا (صلى اللَّه عليه و سلم) نار فارس لمولده (صلى اللَّه عليه و سلم)، و بينه و بين بعثته أربعون سنة، و خمدت نار إبراهيم لمباشرته لها، و خمدت نار فارس لنبينا (صلى اللَّه عليه و سلم) و بينه و بينها مسافة أشهر كذا، و هذا الّذي أشار إليه من خمود نار فارس ليلة مولده الكريم، قد ذكرناه بأسانيده و طرقه في أول السيرة، عند ذكر المولد المطهر الكريم، بما فيه كفاية و مقنع، ثم قال شيخنا: مع أنه قد ألقى بعض هذه الأمة في النار فلم تؤثر فيه ببركة نبينا (صلى اللَّه عليه و سلم)، منهم أبو مسلّم الخولانيّ، قال: بينما الأسود بن قيس العنسيّ باليمن، فأرسل إلى أبى مسلّم الخولانيّ فقال: أ تشهد أن محمدا رسول اللَّه؟ قال: نعم، قال: أ تشهد أنى رسول‏

267

اللَّه؟ قال: ما أسمع، فأعاد إليه، قال: ما أسمع، فأمر بنار عظيمة فأججت فطرح فيها أبو مسلّم فلم تضره، فقيل له: لئن تركت هذا في بلادك أفسدها عليك، فأمره بالرحيل، فقدم المدينة و قد قبض رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و استخلف أبو بكر، فقام إلى سارية من سواري المسجد يصلى، فبصر به عمر فقال من أين الرجل؟ قال: من اليمن، قال: ما فعل اللَّه بصاحبنا الّذي حرق بالنار فلم تضره؟ قال: ذاك عبد اللَّه بن أيوب، قال: نشدتك باللَّه أنت هو؟ قال: اللَّهمّ نعم، قال: فقبل ما بين عينيه ثم جاء به حتى أجلسه بينه و بين أبى بكر الصديق و قال: الحمد للَّه الّذي لم يمتنى حتى أرانى في أمة محمد (صلى اللَّه عليه و سلم) من فعل به كما فعل بإبراهيم خليل الرحمن (عليه السلام)* و هذا السياق الّذي أورده شيخنا بهذه الصفة، و قد رواه الحافظ الكبير، أبو القاسم بن عساكر (رحمه اللَّه) في ترجمة أبى مسلّم عبد اللَّه بن أيوب في تاريخه من غير وجه، عن عبد الوهاب بن محمد عن إسماعيل بن عياش الحطيمى: حدثني شراحيل ابن مسلّم الخولانيّ أن الأسود بن قيس بن ذي الحمار العنسيّ تنبّأ باليمن، فأرسل إلى أبى مسلّم الخولانيّ فأتى به، فلما جاء به قال أ تشهد أنى رسول اللَّه؟ قال: ما أسمع، قال: أ تشهد أن محمدا رسول اللَّه؟

قال: نعم، قال: أ تشهد أنى رسول اللَّه؟ قال: ما أسمع، قال: أ تشهد أن محمدا رسول اللَّه؟ قال: نعم، قال: فردد عليه ذلك مرارا ثم أمر بنار عظيمة فأججت فألقى فيها فلم تضره، فقيل للأسود: انفه عنك و إلا أفسد عليك من اتبعك، فأمره فارتحل، فأتى المدينة و قد قبض رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و استخلف أبو بكر، فأناخ أبو مسلّم راحلته بباب المسجد، ثم دخل المسجد و قام يصلى إلى سارية، فبصر به عمر بن الخطاب فأتاه فقال: ممن الرجل؟ فقال: من أهل اليمن، قال: ما فعل الرجل الّذي حرقة الكذاب بالنار؟ قال: ذاك عبد اللَّه بن أيوب، قال: فأنشدك باللَّه أنت هو؟ قال: اللَّهمّ نعم، قال: فاعتنقه ثم ذهب به حتى أجلسه بينه و بين أبى بكر الصديق، فقال: الحمد اللَّه الّذي لم يمتنى حتى أرانى من أمة محمد (صلى اللَّه عليه و سلم) من فعل به كما فعل بإبراهيم خليل الرحمن* قال إسماعيل بن عياش:

فأنا أدركت رجالا من الامداد الذين يمدون إلينا من اليمن من خولان، ربما تمازحوا فيقول الخولانيون للعنسيين: صاحبكم الكذاب حرق صاحبنا بالنار و لم تضره* و روى الحافظ ابن عساكر أيضا من غير وجه عن إبراهيم بن دحيم: حدثنا هشام بن عمار، حدثنا الوليد، أخبرنى سعيد بن بشير عن أبى بشر- جعفر بن أبى وحشية- أن رجلا أسلّم فأراده قومه على الكفر فألقوه في نار فلم يحترق منه إلا أنملة لم يكن فيما مضى يصيبها الوضوء، فقدم على أبى بكر فقال: استغفر لي، قال: أنت أحق قال أبو بكر: أنت ألقيت في النار فلم تحترق، فاستغفر له ثم خرج إلى الشام، و كانوا يسمونه بإبراهيم (عليه السلام)، و هذا الرجل هو أبو مسلّم الخولانيّ، و هذه الرواية بهذه الزيادة تحقق أنه إنما نال ذلك ببركة متابعته الشريعة المحمدية المطهرة المقدسة، كما جاء في حديث الشفاعة: و حرم اللَّه على النار أن‏

268

تأكل مواضع السجود* و قد نزل أبو مسلّم بداريّا من غربي دمشق و كان لا يسبقه أحد إلى المسجد الجامع بدمشق وقت الصبح، و كان يغازى ببلاد الروم، و له أحوال و كرامات كثيرة جدا، و قبره مشهور بداريا، و الظاهر أنه مقامه الّذي كان يكون فيه، فأن الحافظ ابن عساكر رجح أنه مات ببلاد الروم، في خلافة معاوية، و قيل: في أيام ابنه يزيد، بعد الستين و اللَّه أعلم* و قد وقع لأحمد بن أبى الحواري من غير وجه أنه جاء إلى أستاذه أبى سليمان يعلمه بأن التنور قد سجروه و أهله ينتظرون ما يأمرهم به، فوجده يكلم الناس و هم حوله فأخبره بذلك فاشتغل عنه بالناس، ثم أعلمه فلم يلتفت إليه، ثم أعلمه مع أولئك الذين حوله، فقال: اذهب فاجلس فيه، فذهب أحمد بن أبى الحواري إلى التنور فجلس فيه و هو يتضرم نارا فكان عليه بردا و سلاما، و ما زال فيه حتى استيقظ أبو سليمان من كلامه فقال لمن حوله: قوموا بنا إلى أحمد بن أبى الحواري، فأنى أظنه قد ذهب إلى التنور فجلس فيه امتثالا لما أمرته، فذهبوا فوجدوه جالسا فيه، فأخذ بيده الشيخ أبو سليمان و أخرجه منه، رحمة اللَّه عليهما و رضى اللَّه عنهما* و قال شيخنا أبو المعالي: و أما إلقاؤه- يعنى إبراهيم (عليه السلام)- من المنجنيق، فقد وقع في حديث البراء بن مالك في وقعة مسيلمة الكذاب، و أن أصحاب مسيلمة انتهوا إلى حائط حفير فتحصنوا به و أغلقوا الباب، فقال البراء بن مالك: ضعونى على برش و احملوني على رءوس الرماح ثم ألقونى من أعلاها داخل الباب، ففعلوا ذلك و ألقوه عليهم فوقع و قام و قاتل المشركين، و قتل مسيلمة* قلت: و قد ذكر ذلك مستقصى في أيام الصديق حين بعث خالد بن الوليد لقتال مسيلمة و بنى حنيفة، و كانوا في قريب [من‏] مائة ألف أو يزيدون، و كان المسلمون بضعة عشر ألفا، فلما التقوا جعل كثير من الأعراب يفرون، فقال المهاجرون و الأنصار: خلصنا يا خالد، فميزهم عنهم، و كان المهاجرون و الأنصار قريبا من ألفين و خمسمائة، فصمموا الحملة و جعلوا يتدابرون و يقولون:

يا أصحاب سورة البقرة، بطل السحر اليوم، فهزموهم بأذن اللَّه و لجئوهم إلى حديقة هناك، و تسمى حديقة الموت، فتحصنوا بها، فحصروهم فيها، ففعل البراء بن مالك، أخو أنس بن مالك- و كان الأكبر- ما ذكر من رفعه على الأسنة فوق الرماح حتى تمكن من أعلى سورها، ثم ألقى نفسه عليهم و نهض سريعا إليهم، و لم يزل يقاتلهم وحده و يقاتلونه حتى تمكن من فتح الحديقة و دخل المسلمون يكبرون و انتهوا إلى قصر مسيلمة و هو واقف خارجة عند جدار كأنه جمل أزرق، أي من سمرته، فابتدره وحشي بن حرب الأسود، قاتل حمزة، بحربته، و أبو دجانة سماك بن حرشة الأنصاري- و هو الّذي ينسب اليه شيخنا هذا أبو المعالي بن الزملكانى- فسبقه وحشي فأرسل الحربة عليه من بعد فأنفذها منه، و جاء إليه أبو دجانة فعلاه بسيفه فقتله، لكن صرخت جارية من فوق القصر: وا أميراه، قتل العبد الأسود، و يقال: إن عمر مسيلمة يوم قتل مائة و أربعين سنة، لعنه‏

269

اللَّه، فمن طال عمره و ساء عمله قبحه اللَّه* و هذا ما ذكره شيخنا فيما يتعلق بإبراهيم الخليل (عليه السلام). و أما الحافظ أبو نعيم فأنه قال: فأن قيل: فأن إبراهيم اختص بالخلة مع النبوة، قيل: فقد اتخذ اللَّه محمدا خليلا و حبيبا، و الحبيب ألطف من الخليل.

ثم ساق من حديث شعبة عن أبى إسحاق عن أبى الأحوص عن عبد اللَّه بن مسعود رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه‏

لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، و لكن صاحبكم خليل اللَّه*

و قد رواه مسلّم من طريق شعبة و الثوري عن أبى إسحاق، و من طريق عبد اللَّه بن مرة، و عبد اللَّه بن أبى الهديل، كلهم عن أبى الأحوص، عوف بن مالك الجشيمى، قال: سمعت عبد اللَّه بن مسعود يحدث عن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال:

لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، و لكنه أخى و صاحبي، و قد اتخذ اللَّه صاحبكم خليلا*

هذا لفظ مسلّم، و رواه أيضا منفردا به عن جندب بن عبد اللَّه البجلي كما سأذكره، و أصل الحديث في الصحيحين عن أبى سعيد، و في إفراد البخاري عن ابن عباس و ابن الزبير

كما سقت ذلك في فضائل الصديق رضى اللَّه عنه، و قد أوردناه هنالك من رواية أنس و البراء و جابر و كعب بن مالك و أبى الحسين بن العلى و أبى هريرة و أبى واقد الليثي و عائشة أم المؤمنين رضى اللَّه عنهم أجمعين*

ثم إنما رواه أبو نعيم من حديث عبيد اللَّه بن زحر عن على بن يزيد عن القاسم عن أبى أمامة عن كعب بن مالك أنه قال:

عهدي نبيكم (صلى اللَّه عليه و سلم) فسمعته يقول: لم يكن نبي إلا له خليل من أمته، و إن خليلي أبو بكر، و إن اللَّه اتخذ صاحبكم خليلا*

و هذا الاسناد ضعيف،

و من حديث محمد بن عجلان عن أبيه عن أبى هريرة قال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

لكل نبي خليل، و خليلي أبو بكر بن أبى قحافة، و خليل صاحبكم الرحمن*

و هو غريب من هذا الوجه،

و من حديث عبد الوهاب بن الضحاك عن إسماعيل بن عياش عن صفوان بن عمرو عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن كثير بن مرة عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص قال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

إن اللَّه اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا، و منزلي و منزل إبراهيم في الجنة تجاهين و العباس بيننا مؤمن بين خليلين*

غريب و في إسناده نظر، انتهى ما أورده أبو نعيم (رحمه اللَّه)*

و قال مسلّم بن الحجاج في صحيحه: حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة و إسحاق بن إبراهيم، قالا: حدثنا زكريا بن عدي، حدثنا عبيد اللَّه بن عمرو، حدثنا زيد بن أبى أنيسة عن عمرو بن مرة عن عبد اللَّه بن الحارث، حدثني جندب بن عبد اللَّه قال:

سمعت النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) قبل أن يموت بخمس و هو يقول: إني أبرأ إلى اللَّه عز و جل أن يكون لي بينكم خليلا فأن اللَّه قد اتخذني خليلا كما اتخذ اللَّه إبراهيم خليلا، و لو كنت متخذا من أمتى خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ألا و إن من كان قبلكم يتخذون قبور أنبيائهم و صالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك*

و أما اتخاذه حسينا خليلا،

270

فلم يتعرض لأسناده أبو نعيم، و قد قال هشام بن عمار في كتابه المبعث:

حدثنا يحيى بن حمزة الحضرميّ و عثمان بن علان القرشي، قالا: حدثنا عروة بن رويم اللخمي أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال:

إن اللَّه أدرك بى الأجل المرقوم و أخذنى لقربه، و احتضرنى احتضارا، فنحن الآخرون، و نحن السابقون يوم القيامة، و أنا قائل قولا غير فخر: إبراهيم خليل اللَّه، و موسى صفى اللَّه، و أنا حبيب اللَّه، و أنا سيد ولد آدم يوم القيامة و أن بيدي لواء الحمد، و أجارنى اللَّه عليكم من ثلاث أن لا يهلككم بسنة، و أن يستبيحكم عدوكم، و أن لا تجمعوا على ضلالة*

و أما الفقيه أبو محمد عبد اللَّه بن حامد فتكلم على مقام الخلة بكلام طويل إلى أن قال: و يقال: الخليل الّذي يعبد ربه على الرغبة و الرهبة، من قوله: إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ‏ من كثرة ما يقول: أواه، و الحبيب الّذي يعبد ربه على الرؤية و المحبة، و يقال:

الخليل الّذي يكون معه انتظار العطاء، و الحبيب الّذي يكون معه انتظار اللقاء، و يقال: الخليل الّذي يصل بالواسطة من قوله: وَ كَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ لِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ‏ و الحبيب الّذي يصل إليه من غير واسطة، من قوله: فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى‏ و قال الخليل:

الَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ‏ و قال اللَّه للحبيب محمد (صلى اللَّه عليه و سلم): لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ و قال الخليل: وَ لا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ‏ و قال اللَّه للنّبيّ: يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ‏ و قال الخليل حين ألقى في النار: حسبي اللَّه و نعم الوكيل و قال اللَّه لمحمد: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ‏ و قال الخليل: إِنِّي ذاهِبٌ إِلى‏ رَبِّي سَيَهْدِينِ‏ و قال اللَّه لمحمد: وَ وَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى‏ و قال الخليل: وَ اجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ‏ و قال اللَّه لمحمد: وَ رَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ‏ و قال الخليل: وَ اجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ‏ و قال اللَّه للحبيب:

إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً و قال الخليل: وَ اجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ‏ و قال اللَّه لمحمد: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ* و ذكر أشياء أخر، و سيأتي الحديث‏

في صحيح مسلّم عن أبىّ بن كعب أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال:

إني سأقوم مقاما يوم القيامة يرغب إلى الخلق كلهم حتى أبوهم إبراهيم الخليل*

فدل على أنه أفضل إذ هو يحتاج إليه في ذلك المقام، و دل على أن إبراهيم أفضل الخلق بعده، و لو كان أحد أفضل من إبراهيم بعده لذكره* ثم قال أبو نعيم: فأن قيل: إن إبراهيم (عليه السلام) حجب عن نمروذ بحجب ثلاثة، قيل: فقد كان كذلك و حجب محمد (صلى اللَّه عليه و سلم) عمن أرادوه بخمسة حجب، قال اللَّه تعالى في أمره: وَ جَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَ مِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ‏ فهذه ثلاث، ثم قال: وَ إِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَ بَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً ثم قال: فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ‏ فهذه خمس حجب* و قد ذكر مثله سواء الفقيه أبو محمد بن حامد، و ما أدرى أيهما أخذ من الآخر و اللَّه أعلم* و هذا

271

الّذي قاله غريب، و الحجب التي ذكرها لإبراهيم (عليه السلام) لا أدرى ما هي، كيف و قد ألقاه في النار التي نجاه اللَّه منها، و أما ما ذكره من الحجب التي استدل عليها بهذه الآيات، فقد قيل: إنها جميعها معنوية لا حسية، بمعنى أنهم مصرفون عن الحق، لا يصل إليهم، و لا يخلص إلى قلوبهم، كما قال تعالى: وَ قالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَ فِي آذانِنا وَقْرٌ وَ مِنْ بَيْنِنا وَ بَيْنِكَ حِجابٌ‏ و قد حررنا ذلك في التفسير، و قد ذكرنا في السيرة و في التفسير أن أم جميل امرأة أبى لهب، لما نزلت السورة في ذمها و ذم زوجها، و دخولهما النار، و خسارهما، جاءت بفهر- و هو الحجر الكبير- لترجم النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، فانتهت إلى أبى بكر و هو جالس عند النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فلم تر رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و قالت لأبى بكر: أين صاحبك؟ فقال: و ما له؟ فقالت: إنه هجاني، فقال: ما هجاك، فقالت: و اللَّه لئن رأيته لأضربنه بهذا الفهر، ثم رجعت و هي تقول: مذممّا أتينا* و دينه قلينا* و كذلك حجب و منع أبا جهل حين هم أن يطأ برجله رأس النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) و هو ساجد، فرأى جدثا من نار و هولا عظيما و أجنحة الملائكة دونه، فرجع القهقرى و هو يتقى بيديه،

فقالت له قريش: مالك، ويحك؟ فأخبرهم بما رأى، و قال النبي (صلى اللَّه عليه و سلم): لو أقدم لاختطفته الملائكة عضوا عضوا*

و كذلك لما خرج رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ليلة الهجرة و قد أرصدوا على مدرجته و طريقه، و أرسلوا إلى بيته رجالا يحرسونه لئلا يخرج، و متى عاينوه قتلوه، فأمر عليا فنام على فراشه، ثم خرج عليهم و هم جلوس، فجعل يذر على رأس كل إنسان منهم ترابا و يقول: شاهت الوجوه، فلم يروه حتى صار هو و أبو بكر الصديق إلى غار ثور، كما بسطنا ذلك في السيرة، و كذلك ذكرنا أن العنكبوت سد على باب الغار ليعمى اللَّه عليهم مكانه،

و في الصحيح أن أبا بكر قال:

يا رسول اللَّه، لو نظر أحدهم إلى موضع قدميه لأبصرنا، فقال: يا أبا بكر، ما ظنك باثنين اللَّه ثالثهما؟

و قد قال بعض الشعراء في ذلك:

نسج داود ما حمى صاحب الغار* * * و كان الفخار للعنكبوت‏

و كذلك حجب و منع من سراقة بن مالك بن جعشم حين اتبعهم، بسقوط قوائم فرسه في الأرض حتى أخذ منه أمانا كما تقدم بسطه في الهجرة* و ذكر ابن حامد في كتابه في مقابلة إضجاع إبراهيم (عليه السلام) ولده للذبح مستسلما لأمر اللَّه تعالى، ببذل رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) نفسه للقتل يوم أحد و غيره حتى نال منه العدو ما نالوا، من هشم رأسه، و كسر ثنيته اليمنى السفلى، كما تقدم بسط ذلك في السيرة* ثم قال: قالوا: كان إبراهيم (عليه السلام) ألقاه قومه في النار فجعلها اللَّه بردا و سلاما، قلنا:

و قد أوتى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) مثله، و ذلك أنه لما نزل بخيبر سمته الخيبرية، فصير ذلك السم في جوفه بردا و سلاما إلى منتهى أجله، و السم عرق إذ لا يستقر في الجوف كما تحرق النار* قلت: و قد تقدم الحديث بذلك في فتح خيبر، و يؤيد ما قاله أن بشر بن البراء بن معرور مات سريعا من تلك‏

272

الشاة المسمومة، و أخبر ذراعها رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بما أودع فيه من السم، و كان قد نهش منه نهشة، و كان السم فيه أكثر، لأنهم كانوا يفهمون أنه (صلى اللَّه عليه و سلم) يحب الذراع، فلم يضره السم الّذي حصل في باطنه باذن اللَّه عز و جل، حتى انقضى أجله (صلى اللَّه عليه و سلم)، فذكر أنه وجد حينئذ من ألم ذلك السم الّذي كان في تلك الأكلة، (صلى اللَّه عليه و سلم)* و قد ذكرنا في ترجمة خالد بن الوليد المخزومي، فاتح بلاد الشام، أنه أتى بسم فحثاه بحضرة الأعداء ليرهبهم بذلك، فلم ير بأسا، رضى اللَّه عنه* ثم قال أبو نعيم: فأن قيل: فأن إبراهيم خصم نمروذ ببرهان نبوته فبهته، قال اللَّه تعالى: فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ قيل: محمد (صلى اللَّه عليه و سلم) أتاه الكذاب بالبعث، أبىّ بن خلف، بعظم بال ففركه و قال‏ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَ هِيَ رَمِيمٌ‏ فأنزل اللَّه تعالى البرهان الساطع‏ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ هُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ‏ فانصرف مبهوتا ببرهان نبوته* قلت: و هذا أقطع للحجة، و هو استدلاله للمعاد بالبداءة، فالذي خلق الخلق بعد أن لم يكونوا شيئا مذكورا، قادر على إعادتهم كما قال: أَ وَ لَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى‏ أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى‏ وَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ‏ أي يعيدهم كما بدأهم كما قال في الآية الأخرى:

بِقادِرٍ عَلى‏ أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى‏ و قال: وَ هُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَ هُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ‏ هذا و أمر المعاد نظري لا فطري ضروري في قول الأكثرين، فأما الّذي حاجّ إبراهيم في ربه فأنه معاند مكابر، فأن وجود الصانع مذكور في الفطر، و كل واحد مفطور على ذلك، إلا من تغيرت فطرته، فيصير نظريا عنده، و بعض المتكلمين يجعل وجود الصانع من باب النظر لا الضروريات، و على كل تقدير فدعواه أنه هو الّذي يحيى الموتى، لا يقبله عقل و لا سمع، و كل واحد يكذبه بعقله في ذلك، و لهذا ألزمه إبراهيم بالإتيان بالشمس من المغرب إن كان كما ادعى‏ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ‏ و كان ينبغي أن يذكر مع هذا أن اللَّه تعالى سلط محمدا على هذا المعاند لما

بارز النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) يوم أحد، فقتله بيده الكريمة، طعنه بحربة فأصاب ترقوته فتردى عن فرسه مرارا، فقالوا له: ويحك مالك؟ فقال: و اللَّه إن بى لما لو كان بأهل ذي المجاز لماتوا أجمعين: أ لم يقل: بل أنا أقتله؟ و اللَّه لو بصق على لقتلني- و كان هذا لعنه اللَّه قد أعد فرسا و حربة ليقتل بها رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فقال: بل أنا أقتله إن شاء اللَّه‏

- فكان كذلك يوم أحد،* ثم قال أبو نعيم: فأن قيل:

فأن إبراهيم (عليه السلام) كسر أصنام قومه غضبا للَّه،

قيل:

فأن محمدا (صلى اللَّه عليه و سلم) كسر ثلاثمائة و ستين صنما، قد ألزمها الشيطان بالرصاص و النحاس، فكان كلما دنا منها بمخصرته تهوى من غير أن يمسها، و يقول:

جاءَ الْحَقُّ وَ زَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً

فتساقط لوجوهها، ثم أمر بهن فأخرجن إلى الميل، و هذا أظهر و أجلى من الّذي قبله، و قد ذكرنا هذا في أول دخول النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) مكة عام الفتح بأسانيده و طرقه من الصحاح و غيرها، بما فيه كفاية* و قد ذكر غير واحد من علماء السير أن الأصنام‏

273

تساقطت أيضا لمولده الكريم، و هذا أبلغ و أقوى في المعجز من مباشرة كسرها، و قد تقدم أن نار فارس التي كانوا يعبدونها خمدت أيضا ليلتئذ، و لم تخمد قبل ذلك بألف عام، و أنه سقط من شرفات قصر كسرى أربع عشر شرفة، مؤذنة بزوال دولتهم بعد هلاك أربعة عشر من ملوكهم في أقصر مدة، و كان لهم في الملك قريب من ثلاثة آلاف سنة، و أما إحياء الطيور الأربعة لإبراهيم (عليه السلام)، فلم يذكره أبو نعيم و لا ابن حامد، و سيأتي في إحياء الموتى على يد عيسى (عليه السلام) ما وقع من المعجزات المحمدية من هذا النمط ما هو مثل ذلك كما سيأتي التنبيه عليه إذا انتهينا إليه، من إحياء أموات بدعوات أمته، و حنين الجذع، و تسليم الحجر و الشجر و المدر عليه، و تكليم الذراع له و غير ذلك* و أما قوله تعالى: وَ كَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ لِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ‏ و الآيات بعدها، فقد قال اللَّه تعالى: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى‏ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ، لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ و قد ذكر ذلك ابن حامد فيما وقفت عليه بعد، و قد ذكرنا في أحاديث الأسراء من كتابنا هذا، و من التفسير ما شاهده رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ليلة أسرى به من الآيات فيما بين مكة إلى بيت المقدس، و فيما بين ذلك إلى سماء الدنيا، ثم عاين من الآيات في السموات السبع و ما فوق ذلك، و سدرة المنتهى، و جنة المأوى، و النار التي هي بئس المصير و المثوى، و قال عليه أفضل الصلاة و السلام في حديث المنام- و قد رواه أحمد و الترمذي و صححه، و غيرهما- فتجلى لي كل شي‏ء و عرفت* و ذكر ابن حامد في مقابلة ابتلاء اللَّه يعقوب (عليه السلام) بفقده ولده يوسف (عليه السلام) و صبره و استعانته ربه عز و جل، موت إبراهيم بن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و صبره عليه، و

قوله:

تدمع العين و يحزن القلب، و لا نقول إلا ما يرضى ربنا، و إنا بك يا إبراهيم لمحزونون*

قلت: و قد مات بناته الثلاثة: رقية، و أم كلثوم، و زينب، و قتل عمه الحمزة، أسد اللَّه و أسد رسوله يوم أحد، فصبر و احتسب* و ذكر في مقابلة حسن يوسف (عليه السلام) ما ذكر من جمال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و مهابته و حلاوته شكلا و نفعا و هديا، و دلا، و يمنا، كما تقدم في شمائله من الأحاديث الدالة على ذلك، كما قالت الربيع بنت مسعود:

لو رأيته لرأيت الشمس طالعة* و ذكر في مقابلة ما ابتلى به يوسف (عليه السلام) من الفرقة و الغربة، هجرة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) من مكة إلى المدينة، و مفارقته وطنه و أهله و أصحابه الذين كانوا بها*

القول فيما أوتى موسى (عليه السلام) من الآيات البينات‏

و أعظمهن تسع آيات كما قال تعالى: وَ لَقَدْ آتَيْنا مُوسى‏ تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ‏ و قد شرحناها في التفسير، و حكينا قول السلف فيها، و اختلافهم فيها، و أن الجمهور على أنها هي العصا في انقلابها حية تسعى، و اليد، إذا أدخل يده في جيب درعه أخرجها تضي‏ء كقطعة قمر يتلألأ إضاءة، و دعاؤه على‏

274

قوم فرعون حين كذبوه فأرسل عليهم الطوفان و الجراد و القمل و الضفادع و الدم، آيات مفصلات، كما بسطنا ذلك في التفسير، و كذلك أخذهم اللَّه بالسنين، و هي نقص الحبوب: و بالجدب و هو نقص الثمار، و بالموت الذريع و هو نقص الأنفس، و هو الطوفان في قول، و منها فلق البحر لإنجاء بنى إسرائيل و إغراق آل فرعون، و منها تضليل بنى إسرائيل في التيه، و إنزال المن و السلوى عليهم و استسقاؤه لهم، فجعل اللَّه ماءهم يخرج من حجر يحمل معهم على دابة، له أربعة وجوه، إذا ضربه موسى بعصاه يخرج من كل وجه ثلاثة أعين لكل سبط عين، ثم يضربه فينقلع، إلى غير ذلك من الآيات الباهرات، كما بسطنا ذلك في التفسير، و في قصة موسى (عليه السلام) من كتابنا هذا في قصص الأنبياء منه، و للَّه الحمد و المنة، و قيل: كل من عبد العجل أماتهم ثم أحياهم اللَّه تعالى، و قصة البقرة* أما العصا فقال شيخنا العلامة ابن الزملكانى: و أما حياة عصا موسى، فقد سبح الحصا في كف رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و هو جماد، و الحديث في ذلك صحيح، و هذا الحديث مشهور عن الزهري عن رجل عن أبى ذر، و قد قدمنا ذلك مبسوطا في دلائل النبوة بما أغنى عن إعادته، و قيل: إنهن سبحن في كف أبى بكر ثم عمر ثم عثمان، كما سبحن في كف رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فقال هذه خلافة النبوة* و قد روى الحافظ بسنده إلى بكر بن حبيش عن رجل سماه قال: كان بيد أبى مسلّم الخولانيّ سبحة يسبح بها، قال: فنام و السبحة في يده، قال: فاستدارت السبحة فالتفت على ذراعه و هي تقول: سبحانك يا منبت النبات، و يا دائم الثبات، فقال: هلم يا أم مسلم و انظري إلى أعجب الأعاجيب، قال: فجاءت أم مسلم و السبحة تدور و تسبح فلما جلست سكتت* و أصح من هذا كله و أصرح حديث البخاري عن ابن مسعود قال: كنا نسمع تسبيح الطعام و هو يؤكل* قال شيخنا: و كذلك قد سلمت عليه الأحجار، قلت: و هذا قد

رواه مسلم عن جابر بن سمرة قال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)

إني لأعرف حجرا كان يسلّم عليّ بمكة قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن*

قال بعضهم: هو الحجر الأسود،

و قال الترمذي: حدثنا عباد بن يعقوب الكوفي، حدثنا الوليد بن أبى ثور عن السدي عن عباد بن يزيد عن على بن أبى طالب رضى اللَّه عنه قال:

كنت مع النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) بمكة في بعض نواحيها، فما استقبله جبل و لا شجر إلا قال: السلام عليك يا رسول اللَّه، ثم قال: غريب.

و رواه أبو نعيم في الدلائل من حديث السدي عن أبى عمارة الحيواني عن على قال:

خرجت مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فجعل لا يمر بحجر و لا شجر و لا مدر و لا شي‏ء إلا قال: السلام عليك يا رسول اللَّه، قال:

و أقبلت الشجرة عليه بدعائه، و ذكر اجتماع تينك الشجرتين لقضاء حاجته من ورائهما ثم رجوعهما إلى منابتهما

* و كلا الحديثين في الصحيح، و لكن لا يلزم من ذلك حلول حياة فيهما، إذ يكونان ساقهما سائق، و لكن في قوله: انقادا على بأذن اللَّه، ما يدل على حصول شعور منهما لمخاطبته، و لا

275

سيما مع امتثالهما ما أمرهما به،

قال:

و أمر عذقا من نخلة أن ينزل فنزل يبقر في الأرض حتى وقف بين يديه فقال: أ تشهد أنى رسول اللَّه؟ فشهد بذلك ثلاثا ثم عاد إلى مكانه،

و هذا أليق و أظهر في المطابقة من الّذي قبله، و لكن هذا السياق فيه غرابة، و الّذي رواه الامام أحمد و صححه الترمذي،

و رواه البيهقي و البخاري في التاريخ من رواية أبى ظبيان حصين بن المنذر عن ابن عباس قال:

جاء أعرابى إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقال: بم أعرف أنك رسول اللَّه؟ قال: أ رأيت إن دعوت هذا العذق من هذه النخلة أ تشهد أنى رسول اللَّه؟ قال: نعم، قال: فدعا العذق فجعل العذق ينزل من النخلة حتى سقط في الأرض فجعل ينقر حتى أتى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ثم قال له: ارجع، فرجع إلى مكانه، فقال: أشهد أنك رسول اللَّه، و آمن به*

هذا لفظ البيهقي، و هو ظاهر في أن الّذي شهد بالرسالة هو الأعرابي، و كان رجلا من بنى عامر، و لكن‏

في رواية البيهقي من طريق الأعمش عن سالم بن أبى الجعد عن ابن عباس قال:

جاء رجل إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقال: ما هذا الّذي يقول أصحابك؟ قال و حول رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أعذاق و شجر، فقال: هل لك أن أريك آية؟ قال: نعم، فدعا غصنا منها فأقبل يخد الأرض حتى وقف بين يديه و جعل يسجد و يرفع رأسه، ثم أمره فرجع،

قال: فرجع العامري و هو يقول، قال عامر بن صعصعة: و اللَّه لا أكذبه بشي‏ء يقوله أبدا* و تقدم فيما

رواه الحاكم في مستدركه متفردا به عن ابن عمر

أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) دعا رجلا إلى الإسلام فقال: هل من شاهد على ما تقول؟ قال: هذه الشجرة، فدعاها رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و هي على شاطئ الوادي فأقبلت تخد الأرض خدا فقامت بين يديه فاستشهدها ثلاثا فشهدت أنه كما قال، ثم إنها رجعت إلى منبتها

و رجع الأعرابي إلى قومه و قال: إن يتبعوني أتيتك بهم و إلا رجعت إليك و كنت معك* قال: و أما حنين الجذع الّذي كان يخطب اليه النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، فعمل له المنبر، فلما رقى عليه و خطب حن الجذع اليه حنين العشار و الناس يسمعون بمشهد الخلق يوم الجمعة، و لم يزل يئن و يحن حتى نزل إليه النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فاعتنقه و سكنه و خيره بين أن يرجع غصنا طريا أو يغرس في الجنة يأكل منه أولياء اللَّه، فاختار الغرس في الجنة و سكن عند ذلك* فهو حديث مشهور معروف، قد رواه من الصحابة عدد كثير متواتر، و كان بحضور الخلائق، و هذا الّذي ذكره من تواتر حنين الجذع كما قال، فأنه قد روى هذا الحديث جماعة من الصحابة، و عنهم أعداد من التابعين، ثم من بعدهم آخرون عنهم لا يمكن تواطؤهم على الكذب فهو مقطوع به في الجملة، و أما تخيير الجذع كما ذكره شيخنا فليس بمتواتر، بل و لا يصح إسناده، و قد أوردته في الدلائل عن أبىّ بن كعب، و ذكر في مسند أحمد، و سنن ابن ماجة، و عن أنس من خمس طرق اليه، صحح الترمذي إحداها، و روى ابن ماجة أخرى، و أحمد ثالثة، و البزار رابعة، و أبو نعيم خامسة. و عن جابر بن عبد اللَّه في صحيح البخاري من طريقين عنه، و البزار من ثالثة و رابعة، و أحمد

276

من خامسة و سادسة، و هذه على شرط مسلم، و عن سهل بن سعد في مصنف ابن أبى شيبة على شرط الصحيحين، و عن ابن عباس في مسند أحمد و سنن ابن ماجة بإسناد على شرط مسلم، و عن ابن عمر في صحيح البخاري، و رواه أحمد من وجه آخر عن ابن عمر، و عن أبى سعيد في مسند عبد بن حميد بإسناد على شرط مسلم، و قد رواه يعلى الموصلي من وجه آخر عنه، و عن عائشة رواه الحافظ أبو نعيم من طريق على بن أحمد الخوارزمي عن قبيصة بن حبان بن على عن صالح بن حبان عن عبد اللَّه ابن بريدة عن عائشة، فذكر الحديث بطوله، و فيه أنه خيره بين الدنيا و الآخرة فاختار الجذع الآخرة و غار حتى ذهب فلم يعرف، و هذا غريب إسنادا و متنا، و عن أم سلمة رواه أبو نعيم بإسناد جيد، و قدمت الأحاديث ببسط أسانيدها و تحرير ألفاظها و غررها بما فيه كفاية عن إعادته هاهنا، و من تدبرها حصل له القطع بذلك و للَّه الحمد و المنة* قال القاضي عياض بن موسى السبتي المالكي في كتابه الشفا: و هو حديث مشهور متواتر خرجه أهل الصحيح. و رواه من الصحابة بضعة عشر، منهم أبىّ و أنس و بريدة و سهل بن سعد، و ابن عباس، و ابن عمر و المطلب بن أبى وداعة و أبو سعيد و أم سلمة رضى اللَّه عنهم أجمعين، قال شيخنا: فهذه جمادات و نباتات و قد حنت و تكلمت، و في ذلك ما يقابل انقلاب العصاحية* قلت: و سنشير إلى هذا عند ذكر معجزات عيسى (عليه السلام) في إحيائه الموتى بأذن اللَّه تعالى في ذلك كما رواه البيهقي عن الحاكم عن أبى أحمد بن أبى الحسن عن عبد الرحمن بن أبى حاتم عن أبيه عن عمرو بن سوار قال: قال لي الشافعيّ: ما أعطى اللَّه نبيا ما أعطى محمدا (صلى اللَّه عليه و سلم)، فقلت: أعطى عيسى إحياء الموتى، فقال: أعطى محمد الجذع الّذي كان يخطب إلى جنبه حتى هيئ له المنبر، فلما هيئ له حن الجذع حتى سمع صوته، فهذا أكبر من ذلك* و هذا إسناد صحيح إلى الشافعيّ (رحمه اللَّه)، و هو مما كنت أسمع شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي (رحمه اللَّه) يذكره عن الشافعيّ (رحمه اللَّه) و أكرم مثواه، و إنما قال: فهذا أكبر من ذلك لأن الجذع ليس محلا للحياة و مع هذا حصل له شعور و وجد لما تحول عنه إلى المنبر فأن و حن حنين العشار حتى نزل إليه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فاحتضنه و سكنه حتى سكن، قال الحسن البصري: فهذا الجذع حن إليه، فأنهم أحق أن يحنوا إليه، و أما عود الحياة إلى جسد كانت فيه بأذن اللَّه فعظيم، و هذا أعجب و أعظم من إيجاد حياة و شعور في محل ليس مألوفا لذلك لم تكن فيه قبل بالكلية فسبحان اللَّه رب العالمين (تنبيه) و قد كان لرسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) لواء يحمل معه في الحرب يخفق في قلوب أعدائه مسيرة شهر بين يديه، و كان له عنزة تحمل بين يديه فإذا أراد الصلاة إلى غير جدار و لا حائل ركزت بين يديه، و كان له قضيب يتوكأ عليه إذا مشى، و هو الّذي عبر عنه سطيح في قوله لابن أخيه عبد المسيح بن نفيلة: يا عبد المسيح، إذا كثرت التلاوة، و ظهر صاحب الهراوة

277

و غاضت بحيرة ساوة، فليست الشام لسطيح شاما، و لهذا كان ذكر هذه الأشياء عند إحياء عصا موسى و جعلها حية أليق، إذ هي مساوية لذلك، و هذه متعددة في محال متفرقة بخلاف عصا موسى فأنها و إن تعدد جعلها حية، فهي ذات واحدة و اللَّه أعلم* ثم ننبه على ذلك عند ذكر إحياء الموتى على يد عيسى لأن هذه أعجب و أكبر و أظهر و أعلم، قال شيخنا: و أما أن اللَّه كلم موسى تكليما، فقد تقدم حصول الكلام للنّبيّ (صلى اللَّه عليه و سلم) ليلة الأسراء مع الرؤية و هو أبلغ* هذا أورده فيما يتعلق بمعجزات موسى (عليه السلام) ليلة الأسراء فيشهد له: فنوديت يا محمد قد كلفت فريضتين و خففت عن عبادي، و سياق بقية القصة يرشد إلى ذلك، و قد حكى بعض العلماء الإجماع على ذلك، لكن رأيت في كلام القاضي عياض نقل خلاف فيه و اللَّه أعلم* و أما الرؤية ففيها خلاف مشهور بين الخلف و السلف، و نصرها من الأئمة أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة المشهور بإمام الأئمة، و اختار ذلك القاضي عياض و الشيخ محيي الدين النووي، و جاء عن ابن عباس تصديق الرؤية، و جاء عنه تفنيدها، و كلاهما في صحيح مسلم، و في الصحيحين عن عائشة إنكار ذلك، و قد ذكرنا في الاسراء عن ابن مسعود و أبى هريرة و أبى ذر و عائشة رضى اللَّه عنهم أن المرئي في المرتين المذكورتين في أول سورة النجم، إنما هو جبريل (عليه السلام)، و في صحيح مسلم عن أبى ذر قال: قلت: يا رسول اللَّه هل رأيت ربك؟ فقال: نورا لي أراه، و في رواية: رأيت نورا* و قد تقدم بسط ذلك في الأسراء في السيرة و في التفسير في أول سورة بنى إسرائيل، و هذا الّذي ذكره شيخنا فيما يتعلق بالمعجزات الموسوية عليه أفضل الصلاة و السلام* و أيضا فأن اللَّه تعالى كلم موسى و هو بطور سينا، و سأل الرؤية فمنعها، و كلم محمدا (صلى اللَّه عليه و سلم) ليلة الأسراء و هو بالملإ الأعلى حين رفع لمستوى سمع فيه صريف الأقلام، و حصلت له الرؤية في قول طائفة كبيرة من علماء السلف و الخلف و اللَّه أعلم* ثم رأيت ابن حامد قد طرق هذا في كتابه و أجاد و أفاد و قال ابن حامد: قال اللَّه تعالى لموسى: وَ أَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي‏ و قال لمحمد قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ‏* و أما اليد التي جعلها اللَّه برهانا و حجة لموسى على فرعون و قومه كما قال تعالى بعد ذكر صيرورة العصاحية: أَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ ... فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى‏ فِرْعَوْنَ وَ مَلَائِهِ‏ و قال في سورة طه: آيَةً أُخْرى‏ لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى‏ فقد أعطى اللَّه محمدا انشقاق القمر بإشارته إليه فرقتين، فرقة من وراء جبل حراء، و أخرى أمامه، كما تقدم بيان ذلك بالأحاديث المتواترة مع قوله تعالى:

اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَ انْشَقَّ الْقَمَرُ وَ إِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَ يَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ و لا شك أن هذا أجل و أعظم و أبهر في المعجزات و أعم و أظهر و أبلغ من ذلك* و قد قال كعب بن مالك في حديثه الطويل في قصة توبته: و كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إذا سرّ استنار وجهه كأنه فلقة قمر، و ذلك في صحيح البخاري* و قال‏

278

ابن حامد: قالوا: فان موسى أعطى اليد البيضاء، قلنا لهم: فقد أعطى محمد (صلى اللَّه عليه و سلم) ما هو أفضل من ذلك نورا كان يضي‏ء عن يمينه حيث ما جلس، و عن يساره حيث ما جلس و قام، يراه الناس كلهم، و قد بقي ذلك النور إلى قيام الساعة، ألا ترى أنه يرى النور الساطع من قبره (صلى اللَّه عليه و سلم) من مسيرة يوم و ليلة؟

هذا لفظه، و هذا الّذي ذكره من هذا النور غريب جدا، و قد ذكرنا في السيرة عند إسلام‏

الطفيل بن عمرو الدوسيّ أنه طلب من النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) آية تكون له عونا على إسلام قومه من بيته هناك، فسطع نور بين عينيه كالصباح، فقال: اللَّهمّ في غير هذا الموضع فإنهم يظنونه مثلة، فتحول النور إلى طرف سوطه فجعلوا ينظرون اليه كالمصباح فهداهم اللَّه على يديه ببركة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و بدعائه لهم في قوله: اللَّهمّ اهد دوسا، و آت بهم،

و كان يقال للطفيل: ذو النور لذلك* و ذكر أيضا حديث أسيد بن حضير و عباد بن بشر في خروجهما من عند النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) في ليلة مظلمة فأضاء لهما طرف عصا أحدهما، فلما افترقا أضاء لكل واحد منهما طرف عصاه، و ذلك في صحيح البخاري و غيره* و قال أبو زرعة الرازيّ في كتاب دلائل النبوة: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت بن أنس بن مالك أن عباد بن بشر و أسيد بن حضير خرجا من عند النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) في ليلة ظلماء حندس فأضاءت عصا أحدهما مثل السراج و جعلا يمشيان بضوئها، فلما تفرقا إلى منزلهما أضاءت عصا ذا و عصا ذا* ثم روى عن إبراهيم بن حمزة بن محمد بن حمزة بن مصعب بن الزبير بن العوام، و عن يعقوب بن حميد المدني، كلاهما عن سفيان بن حمزة بن يزيد الأسلمي عن كثير بن زيد عن محمد بن حمزة بن عمرو الأسلمي عن أبيه قال:

سرنا في سفر مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في ليلة ظلماء دحمسة فأضاءت أصابعى حتى جمعوا عليها ظهرهم و ما هلك منهم، و إن أصابعى لتستنير* و روى هشام بن عمار في البعث: حدثنا عبد الأعلى بن محمد البكري، حدثنا جعفر بن سليمان البصري، حدثنا أبو التياح الضبعي قال: كان مطرف بن عبد اللَّه يبدر فيدخل كل جمعة فربما نور له في سوطه، فأدلج ذات ليلة و هو على فرسه حتى إذا كان عند المقابر هدم به، قال: فرأيت صاحب كل قبر جالسا على قبره، فقال: هذا مطرف يأتى الجمعة، فقلت لهم: و تعلمون عندكم يوم الجمعة؟ قالوا: نعم، و نعلم ما يقول فيه الطير، قلت: و ما يقول فيه الطير؟ قالوا: يقول: رب سلّم سلّم قوم صالح* و أما دعاؤه (عليه السلام) بالطوفان، و هو الموت الذريع في قول، و ما بعده من الآيات و القحط و الجدب، فأنما كان ذلك لعلهم يرجعون إلى متابعته و يقلعون عن مخالفته، فما زادهم الا طغيانا كبيرا، قال اللَّه تعالى: وَ ما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها وَ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ* وَ قالُوا يا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ‏* وَ قالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ* فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَ الْجَرادَ وَ الْقُمَّلَ وَ الضَّفادِعَ وَ الدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَ كانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ* وَ لَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا

279

يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَ لَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ* فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى‏ أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ* فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَ كانُوا عَنْها غافِلِينَ‏ و قد دعا رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) على قريش حين تمادوا على مخالفته بسبع كسبع يوسف فقحطوا حتى أكلوا كل شي‏ء، و كان أحدهم يرى بينه و بين السماء مثل الدخان من الجوع.

و قد فسر ابن مسعود قوله تعالى: فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ‏ بذلك كما رواه البخاري عنه في غير ما موضع من صحيحه، ثم توسلوا إليه، (صلوات اللَّه و سلامه عليه)، بقرابتهم منه مع أنه بعث بالرحمة و الرأفة، فدعا لهم فأقلع عنهم و رفع عنهم العذاب، و أحيوا بعد ما كانوا أشرفوا على الهلكة* و أما فلق البحر لموسى (عليه السلام) حين أمره اللَّه تعالى- حين تراءى الجمعان- أن يضرب البحر بعصاه فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم، فأنه معجزة عظيمة باهرة، و حجة قاطعة قاهرة، و قد بسطنا ذلك في التفسير و في قصص الأنبياء من كتابنا هذا، و في إشارته (صلى اللَّه عليه و سلم) بيده الكريمة إلى قمر السماء فانشق القمر فلقتين وفق ما سأله قريش، و هم معه جلوس في ليلة البدر، أعظم آية، و أيمن دلالة و أوضح حجة و أبهر برهان على نبوته و جاهه عند اللَّه تعالى، و لم ينقل معجزة عن نبي من الأنبياء من الآيات الحسنات أعظم من هذا، كما قررنا ذلك بأدلته من الكتاب و السنة، في التفسير في أول البعثة، و هذا أعظم من حبس الشمس قليلا ليوشع بن نون حتى تمكن من الفتح ليلة السبت، كما سيأتي في تقرير ذلك مع ما يناسب ذكره عنده، و قد تقدم من سيرة العلاء بن الحضرميّ، و أبى عبيد الثقفي و أبى مسلم الخولانيّ، و سير الجيوش التي كانت معهم على تيار الماء و منها دجلة و هي جارية عجاجة تقذف الخشب من شدة جريها، و تقدم تقرير أن هذا أعجب من فلق البحر لموسى من عدة وجوه و اللَّه أعلم*

و قال ابن حامد:

فأن قالوا: فان موسى (عليه السلام) ضرب بعصاه البحر فانفلق فكان ذلك آية لموسى (عليه السلام)، قلنا: فقد أوتى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) مثلها، قال على رضى اللَّه عنه: لما خرجنا إلى خيبر فإذا نحن بواد يشخب و قدرناه فإذا هو أربع عشرة قامة، فقالوا: يا رسول اللَّه العدو من ورائنا و الوادي من أمامنا، كما قال أصحاب موسى: إنا لمدركون. فنزل رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فعبرت الخيل لا تبدى حوافرها و الإبل لا تبدي أخفافها، فكان ذلك فتحا،

و هذا الّذي ذكره بلا إسناد و لا أعرفه في شي‏ء من الكتب المعتمدة باسناد صحيح و لا حسن بل و لا ضعيف فاللَّه أعلم* و أما تظليله بالغمام في التيه، فقد تقدم ذكر حديث الغمامة التي رآها بحيرا تظله من بين أصحابه، و هو ابن اثنتي عشرة سنة، صحبة عمه أبى طالب و هو قادم إلى الشام في تجارة، و هذا أبهر من جهة أنه كان و هو قبل أن يوحى إليه، و كانت الغمامة تظله وحده من بين أصحابه، فهذا أشد في الاعتناء، و أظهر من غمام بنى إسرائيل و غيرهم، و أيضا فان المقصود من تظليل الغمام إنما كان لاحتياجهم إليه من شدة الحر، و قد ذكرنا في الدلائل‏

280

حين‏

سئل النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) أن يدعو لهم ليسقوا لما هم عليه من الجوع و الجهد و القحط، فرفع يديه و قال:

اللَّهمّ اسقنا، اللَّهمّ اسقنا، اللَّهمّ اسقنا،

قال أنس: و لا و اللَّه ما نرى في السماء من سحاب و لا قزعة، و ما بيننا و بين سلع من بيت و لا دار، فأنشأت من ورائه سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت، قال أنس: فلا و اللَّه ما رأينا الشمس سبتنا، و لما سألوه أن يستصحى لهم رفع يده و قال: اللَّهمّ حوالينا و لا علينا، فما جعل يشير بيديه إلى ناحية إلا انحاز السحاب اليها حتى صارت المدينة مثل الإكليل يمطر ما حولها و لا تمطر* فهذا تظليل عام محتاج اليه، آكد من الحاجة الى ذلك، و هو أنفع منه و التصرف فيه و هو يشير أبلغ في المعجز و أظهر في الاعتناء و اللَّه أعلم* و أما إنزال المن و السلوى عليهم فقد كثّر رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) الطعام و الشراب في غير ما موطن كما تقدم بيانه في دلائل النبوة من إطعام الجم الغفير من الشي‏ء اليسير، كما أطعم يوم الخندق من شويهة جابر بن عبد اللَّه و صاعه الشعير، أزيد من ألف نفس جائعة (صلوات اللَّه و سلامه عليه) دائما إلى يوم الدين* و أطعم من حفنة قوما من الناس و كانت تمد من السماء، إلى غير ذلك من هذا القبيل مما يطول ذكره* و قد ذكر أبو نعيم و ابن حامد أيضا هاهنا أن المراد بالمن و السلوى إنما هو رزق رزقوه من غير كد منهم و لا تعب، ثم أورد في مقابلته حديث تحليل المغنم و لا يحل لأحد قبلنا، و حديث جابر في سيره إلى عبيدة و جوعهم حتى أكلوا الخبط فحسر البحر لهم عن دابة تسمى العنبر فأكلوا منها ثلاثين من يوم و ليلة حتى سمنوا و تكسرت عن بطونهم، و الحديث في الصحيح كما تقدم، و سيأتي عند ذكر المائدة في معجزات المسيح بن مريم.

«قصة أبى موسى الخولانيّ» أنه خرج هو و جماعة من أصحابه إلى الحج و أمرهم أن لا يحملوا زادا و لا مزادا فكانوا إذا نزلوا منزلا صلّى ركعتين فيؤتون بطعام و شراب و علف يكفيهم و يكفى دوابهم غداء و عشاء مدة ذهابهم و إيابهم، و أما قوله تعالى: وَ إِذِ اسْتَسْقى‏ مُوسى‏ لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ‏ الآية فقد ذكرنا بسط ذلك في قصة موسى (عليه السلام) و في التفسير. و قد ذكرنا الأحاديث الواردة في وضع النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) يده في ذلك الإناء الصغير الّذي لم يسع بسطها فيه، فجعل الماء ينبع من بين أصابعه أمثال العيون، و كذلك كثر الماء في غير ما موطن، كمزادتى تلك المرأة، و يوم الحديبيّة، و غير ذلك، و قد استسقى اللَّه لأصحابه في المدينة و غيرها فأجيب طبق السؤال وفق الحاجة لا أزيد و لا أنقص و هذا أبلغ في المعجز، و نبع الماء من بين أصابعه من نفس يده، على قول طائفة من العلماء، أعظم من نبع الماء من الحجر فإنه محل لذلك* قال أبو نعيم الحافظ:

فان قيل: إن موسى كان يضرب بعصاه الحجر فينفجر منه اثنتا عشرة عينا في التيه، قد علم كل أناس‏

281

مشربهم. قيل: كان لمحمد (صلى اللَّه عليه و سلم) مثله أو أعجب، فان نبع الماء من الحجر مشهور في العلوم و المعارف، و أعجب من ذلك نبع الماء من بين اللحم و الدم و العظم، فكان يفرج بين أصابعه في محصب فينبع من بين أصابعه الماء فيشربون و يسقون ماء جاريا عذبا، يروى العدد الكثير من الناس و الخيل و الإبل* ثم روى من طريق المطلب بن عبد اللَّه بن أبى حنطب: حدثني عبد الرحمن بن أبى عمرة الأنصاري، حدثني أبى. قال: كنا مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في غزوة غزاها، فبات الناس في مخمصة فدعا بركوة فوضعت بين يديه، ثم دعا بماء فصبه فيها، ثم مج فيها و تكلم ما شاء اللَّه أن يتكلم، ثم أدخل إصبعه فيها، فأقسم باللَّه لقد رأيت أصابع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) تتفجر منها ينابيع الماء، ثم أمر الناس فسقوا و شربوا و ملئوا قربهم و أداواتهم* و أما قصة إحياء الذين قتلوا بسبب عبادة العجل و قصة البقرة، فسيأتي ما يشابههما من إحياء حيوانات و أناس، عند ذكر إحياء الموتى على يد عيسى ابن مريم و اللَّه أعلم* و قد ذكر أبو نعيم هاهنا أشياء أخر تركناها اختصارا و اقتصادا* و قال هشام ابن عمارة في كتابه المبعث:

باب‏

ما أعطى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و ما أعطى الأنبياء قبله‏

حدثنا محمد بن شعيب، حدثنا روح بن مدرك، أخبرنى عمر بن حسان التميمي أن موسى (عليه السلام) أعطى آية من كنوز العرش، رب لا تولج الشيطان في قلبي و أعذنى منه و من كل سوء، فأن لك اليد و السلطان و الملك و الملكوت، دهر الداهرين و أبد الآبدين آمين آمين، قال: و أعطى محمد (صلى اللَّه عليه و سلم) آيتان من كنوز العرش، آخر سورة البقرة: آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه إلى آخرها.

قصة حبس الشمس‏

على يوشع بن نون بن افرائم بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن (عليهم السلام)، و قد كان نبي بنى إسرائيل بعد موسى (عليه السلام)، و هو الّذي خرج ببني إسرائيل من التيه و دخل بهم بيت المقدس بعد حضار و مقاتلة، و كان الفتح قد ينجز بعد العصر يوم الجمعة و كادت الشمس تغرب و يدخل عليهم السبت فلا يتمكنون معه من القتال، فنظر إلى الشمس فقال: إنك مأمورة و أنا مأمور، ثم قال: اللَّهمّ احبسها على، فحبسها اللَّه عليه حتى فتح البلد ثم غربت، و قد قدمنا في قصة من قصص الأنبياء الحديث الوارد

في صحيح مسلم من طريق عبد الرزاق عن معمر ابن همام عن أبى هريرة عن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) قال:

غزا نبي من الأنبياء فدنا من القرية حين صلّى العصر أو قريبا من ذلك فقال للشمس: أنت مأمورة و أنا مأمور، اللَّهمّ أمسكها عليّ شيئا، فحبست عليه‏

282

حتى فتح اللَّه عليه،

الحديث بطوله، و هذا النبي هو يوشع بن نون، بدليل ما

رواه الامام أحمد:

حدثنا أسود بن عامر، حدثنا أبو بكر بن هشام عن محمد بن سيرين عن أبى هريرة قال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

إن الشمس لم تحبس لبشر إلا ليوشع (عليه السلام) ليالي سار إلى بيت المقدس*

تفرد به أحمد و إسناده على شرط البخاري* إذا علم هذا فانشقاق القمر فلقتين حتى صارت فلقة من وراء الجبل- أعنى حراء- و أخرى من دونه، أعظم في المعجزة من حبس الشمس قليلا. و قد قدمنا في الدلائل حديث رد الشمس بعد غروبها، و ذكرنا ما قيل فيه من المقالات فاللَّه أعلم* قال شيخنا العلامة أبو المعالي بن الزملكانى: و أما حبس الشمس ليوشع في قتال الجبارين، فقد انشق القمر لنبينا (صلى اللَّه عليه و سلم) و انشقاق القمر فلقتين أبلغ من حبس الشمس عن مسيرها، و صحت الأحاديث و تواترت بانشقاق القمر، و أنه كان فرقة خلف الجبل و فرقة أمامه، و أن قريشا قالوا: هذا سحر أبصارنا، فوردت المسافرون و أخبروا أنهم رأوه مفترقا، قال اللَّه تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَ انْشَقَّ الْقَمَرُ* وَ إِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَ يَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ قال: و قد حبست الشمس لرسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) مرتين، إحداهما ما رواه الطحاوي و قال: رواته ثقات، و سماهم و عدهم واحدا واحدا، و هو أن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) كان يوحى إليه و رأسه في حجر على رضى اللَّه عنه فلم يرفع رأسه حتى غربت الشمس، و لم يكن عليّ صلّى العصر،

فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

اللَّهمّ إنه كان في طاعتك و طاعة رسولك، فاردد عليه الشمس، فرد اللَّه عليه الشمس؟ حتى رئيت، فقام على فصلى العصر، ثم غربت*

و الثانية صبيحة الأسراء فأنه (صلى اللَّه عليه و سلم) أخبر قريشا عن مسراه من مكة إلى بيت المقدس، فسألوه عن أشياء من بيت المقدس فجلاه اللَّه له حتى نظر إليه و وصفه لهم، و سألوه عن غير كانت لهم في الطريق فقال: إنها تصل إليكم مع شروق الشمس، فتأخرت فحبس اللَّه الشمس عن الطلوع حتى كانت العصر* روى ذلك ابن بكير في زياداته على السنن، أما حديث رد الشمس بسبب على رضى اللَّه عنه، فقد تقدم ذكرنا له من طريق أسماء بنت عميس، و هو أشهرها، و ابن سعيد و أبى هريرة و عليّ نفسه، و هو مستنكر من جميع الوجوه، و قد مال إلى تقويته أحمد بن صالح المصري الحافظ، و أبو حفص الطحاوي، و القاضي عياض، و كذا صححه جماعة من العلماء الرافضة كابن المطهر و ذويه، و رده و حكم بضعفه آخرون من كبار حفاظ الحديث و نقادهم، كعليّ بن المديني، و إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني، و حكاه عن شيخه محمد و يعلى بن عبيد الطنافسيين، و كأبى بكر محمد بن حاتم البخاري المعروف بابن زنجويه أحد الحفاظ، و الحافظ الكبير أبى القاسم بن عساكر، و ذكره الشيخ جمال الدين أبو الفرج بن الجوزي في كتاب الموضوعات، و كذلك صرح بوضعه شيخاي الحافظان الكبيران أبو الحجاج المزي، و أبو عبد اللَّه الذهبي* و أما ما ذكره يونس ابن بكير في زياداته على السيرة من تأخر طلوع الشمس عن إبان طلوعها، فلم ير لغيره من العلماء، على‏

283

أن هذا ليس من الأمور المشاهدة، و أكثر ما في الباب أن الراويّ روى تأخير طلوعها و لم نشاهد حبسها عن وقته* و أغرب من هذا ما ذكره ابن المطهر في كتابه المنهاج، أنها ردت لعلى مرتين، فذكر الحديث المتقدم، كما ذكر، ثم قال: و أما الثانية فلما أراد أن يعبر الفرات ببابل، اشتغل كثير من أصحابه بسبب دوابهم، و صلّى لنفسه في طائفة من أصحابه العصر، و فاتت كثيرا منهم فتكلموا في ذلك، فسأل اللَّه رد الشمس فردت* قال: و ذكر أبو نعيم بعد موسى إدريس (عليه السلام) و هو عند كثير من المفسرين من أنبياء بنى إسرائيل، و عند محمد بن إسحاق بن يسار و آخرين من علماء النسب قبل نوح (عليه السلام)، في عمود نسبه إلى آدم (عليه السلام)، كما تقدم التنبيه على ذلك. فقال:

القول فيما أعطى إدريس (عليه السلام)

من الرفعة التي نوه اللَّه بذكرها فقال: وَ رَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا قال: و القول فيه أن نبينا محمدا (صلى اللَّه عليه و سلم) أعطى أفضل و أكمل من ذلك، لأن اللَّه تعالى رفع ذكره في الدنيا و الآخرة فقال: وَ رَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ‏ فليس خطيب و لا شفيع و لا صاحب صلاة إلا ينادى بها: أشهد أن لا إله إلا اللَّه و أن محمدا رسول اللَّه، فقرن اللَّه اسمه باسمه، في مشارق الأرض و مغاربها، و ذلك مفتاحا للصلاة المفروضة،

ثم أورد حديث ابن لهيعة عن دراج عن أبى الهشيم عن أبى سعيد عن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في قوله: وَ رَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ‏

قال: قال جبريل: قال اللَّه: إذا ذكرت ذكرت*

و رواه ابن جرير و ابن أبى عاصم من طريق دراج‏

.

ثم قال:

حدثنا أبو أحمد محمد بن أحمد الغطريفى، حدثنا موسى بن سهل الجونى، حدثنا أحمد بن القاسم بن بهرام الهيتى، حدثنا نصر بن حماد عن عثمان بن عطاء عن الزهري عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

لما فرغت مما أمرنى اللَّه تعالى به من أمر السموات و الأرض قلت: يا رب إنه لم يكن نبي قبلي إلا قد كرمته، جعلت إبراهيم خليلا، و موسى كليما، و سخرت لداود الجبال، و لسليمان الريح و الشياطين، و أحييت لعيسى الموتى، فما جعلت لي؟ قال:

أو ليس قد أعطيتك أفضل من ذلك كله، أن لا أذكر إلا ذكرت معى، و جعلت صدور أمتك أناجيل يقرءون القرآن ظاهرا و لم أعطها أمة، و أنزلت عليك كلمة من كنوز عرشي: لا حول و لا قوة إلا باللَّه.

و هذا إسناد فيه غرابة، و لكن أورد له شاهدا من طريق أبى القاسم ابن بنت منيع البغوي عن سليمان بن داود المهرانى عن حماد بن زيد عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مرفوعا بنحوه* و قد رواه أبو زرعة الرازيّ في كتاب دلائل النبوة بسياق آخر، و فيه انقطاع،

فقال: حدثنا هشام بن عمار الدمشقيّ، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا شعيب بن زريق أنه سمع عطاء الخراساني يحدث عن أبى هريرة و أنس بن مالك عن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) من حديث ليلة أسرى به. قال:

لما أرانى اللَّه من آياته فوجدت ريحا طيبة فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذه الجنة، قلت: يا ربى‏

284

ائتني بأهلى، قال اللَّه تعالى: لك ما وعدتك، كل مؤمن و مؤمنة لم يتخذ من دوني أندادا، و من أقرضنى قربته، و من توكل عليّ كفيته، و من سألني أعطيته، و لا ينقص نفقته، و لا ينقص ما يتمنى، لك ما وعدتك، فنعم دار المتقين أنت، قلت: رضيت، فلما انتهينا إلى سدرة المنتهى خررت ساجدا فرفعت رأسي فقلت: يا رب اتخذت إبراهيم خليلا، و كلمت موسى تكليما، و آتيت داود زبورا، و آتيت سليمان ملكا عظيما، قال: فأنى قد رفعت لك ذكرك، و لا تجوز لأمتك خطبة حتى يشهدوا أنك رسولي، و جعلت قلوب أمتك أنا جيل، و آتيتك خواتيم سورة البقرة من تحت عرشي*

ثم روى من طريق الربيع بن أنس عن أبى العالية عن أبى هريرة، حديث الأسراء بطوله، كما سقناه من طريق ابن جرير في التفسير، و قال أبو زرعة في سياقه: ثم لقي أرواح الأنبياء (عليهم السلام) فأثنوا على ربهم عز و جل، فقال إبراهيم: الحمد للَّه الّذي اتخذني خليلا، و أعطانى ملكا عظيما، و جعلني أمة قانتا للَّه محياي و مماتي، و أنقذنى من النار، و جعلها عليّ بردا و سلاما. ثم إن موسى أثنى على ربه فقال: الحمد للَّه الّذي كلمني تكليما، و اصطفاني برسالته و بكلامه، و قربني نجيا، و أنزل عليّ التوراة، و جعل هلاك فرعون على يدي. ثم إن داود أثنى على ربه فقال: الحمد للَّه الّذي جعلني ملكا و أنزل عليّ الزبور، و ألان لي الحديد، و سخر لي الجبال يسبحن معه و الطير، و آتاني الحكمة و فصل الخطاب. ثم إن سليمان أثنى على ربه فقال: الحمد للَّه الّذي سخر لي الرياح و الجن و الانس، و سخر لي الشياطين يعملون لي ما شئت من محاريب و تماثيل و جفان كالجواب و قدور راسيات، و علمني منطق الطير، و أسال لي عين القطر، و أعطانى ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي. ثم إن عيسى أثنى على اللَّه عز و جل فقال: الحمد للَّه الّذي علمني التوراة و الإنجيل، و جعلني أبرئ الأكمه و الأبرص و أحيى الموتى بأذن اللَّه، و طهرني و رفعني من الذين كفروا، و أعاذنى من الشيطان الرجيم، فلم يكن للشيطان علينا سبيل.

ثم إن محمدا (صلى اللَّه عليه و سلم) أثنى على ربه فقال: كلكم أثنى على ربه، و أنا مثن على ربى، الحمد للَّه الّذي أرسلنى رحمة للعالمين: و كافة للناس بشيرا و نذيرا، و أنزل عليّ الفرقان فيه تبيان كل شي‏ء، و جعل أمتى خير أمة أخرجت للناس، و جعل أمتى وسطا، و جعل أمتى هم الأولون و هم الآخرون، و شرح لي صدري، و وضع عنى وزري، و رفع لي ذكرى، و جعلني فاتحا و خاتما.

فقال إبراهيم: بهذا فضلكم محمد (صلى اللَّه عليه و سلم)* ثم أورد إبراهيم الحديث المتقدم فيما رواه الحاكم و البيهقي من طريق عبد الرحمن بن يزيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب مرفوعا في قول آدم: يا رب أسألك بحق محمد إلا غفرت لي، فقال اللَّه: و ما أدراك و لم أخلقه بعد؟ فقال: لأني رأيت مكتوبا مع اسمك على ساق العرش: لا إله إلا اللَّه محمد رسول اللَّه، فعرفت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك، فقال اللَّه: صدقت يا آدم، و لو لا محمد ما خلقتك* و قال بعض الأئمة: رفع اللَّه ذكره، و قرنه‏

285

باسمه في الأولين و الآخرين، و كذلك يرفع قدره و يقيمه مقاما محمودا يوم القيامة، يغبطه به الأولون و الآخرون، و يرغب إليه الخلق كلهم حتى إبراهيم الخليل، كما ورد في صحيح مسلم فيما سلف و سيأتي أيضا، فأما التنويه بذكره في الأمم الخالية، و القرون السابقة، ففي صحيح البخاري عن ابن عباس قال: ما بعث اللَّه نبيا إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد و هو حي ليؤمنن به و ليتبعنه و لينصرنه، و أمره أن يأخذ على أمته العهد و الميثاق لئن بعث محمد و هم أحياء ليؤمنن به و ليتبعنه، و قد بشرت بوجوده الأنبياء حتى كان آخر من بشر به عيسى بن مريم خاتم أنبياء بنى إسرائيل، و كذلك بشرت به الأحبار و الرهبان و الكهان، كما قدمنا ذلك مبسوطا، و لما كانت ليلة الأسراء رفع من سماء إلى سماء حتى سلم على إدريس (عليه السلام)، و هو في السماء الرابعة، ثم جاوزه إلى الخامسة ثم إلى السادسة فسلم على موسى بها، ثم جاوزه إلى السابعة فسلم على إبراهيم الخليل عند البيت المعمور، ثم جاوز ذلك المقام، فرفع لمستوى سمع فيه صريف الأقلام، و جاء سدرة المنتهى و رأى الجنة و النار و غير ذلك من الآيات الكبرى، و صلى بالأنبياء، و شيعه من كلّ مقربوها، و سلم عليه رضوان خازن الجنان، و مالك خازن النار، فهذا هو الشرف، و هذه هي الرفعة، و هذا هو التكريم و التنويه و الإشهار و التقديم و العلو و العظمة، (صلوات اللَّه و سلامه عليه) و على سائر أنبياء اللَّه أجمعين، و أما رفع ذكره في الآخرين، فأن دينه باق ناسخ لكل دين، و لا ينسخ هو أبد الآبدين و دهر الداهرين إلى يوم الدين، و لا تزال طائفة من أمته ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم و لا من خالفهم حتى تقوم الساعة، و النداء في كل يوم خمس مرات على كل مكان مرتفع من الأرض: أشهد أن لا إله إلا اللَّه و أشهد أن محمدا رسول اللَّه، و هكذا كل خطيب يخطب لا بد أن يذكره في خطبته، و ما أحسن قول حسان:

أغر عليه للنبوة خاتم‏* * * من اللَّه مشهود يلوح و يشهد

و ضم الإله اسم النبي الى اسمه‏* * * إذا قال في الخمس المؤذن أشهد

و شق له من اسمه ليجلّه‏* * * فذو العرش محمود و هذا محمد

و قال الصرصرى (رحمه اللَّه):

أ لم تر أنا لا يصح أذاننا* * * و لا فرضنا إن لم نكرره فيهما

القول فيما أوتى داود (عليه السلام)

قال اللَّه تعالى: وَ اذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ* إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَ الْإِشْراقِ* وَ الطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ‏ و قال تعالى: وَ لَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَ الطَّيْرَ وَ أَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَ قَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَ اعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ

286

و قد ذكرنا قصته (عليه السلام) في التفسير، و طيب صوته (عليه السلام)، و أن اللَّه تعالى كان قد سخر له الطير تسبح معه، و كانت الجبال أيضا تجيبه و تسبح معه، و كان سريع القراءة، يأمر بدوا به فتسرح فيقرأ الزبور بمقدار ما يفرغ من شأنها ثم يركب، و كان لا يأكل إلا من كسب يده، (صلوات اللَّه و سلامه عليه)، و قد كان نبينا (صلى اللَّه عليه و سلم) حسن الصوت طيبه بتلاوة القرآن، قال جبير بن مطعم: قرأ رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في المغرب بالتين و الزيتون، فما سمعت صوتا أطيب من صوته (صلى اللَّه عليه و سلم)، و كان يقرأ ترتيلا كما أمره اللَّه عز و جل بذلك* و أما تسبيح الطير مع داود، فتسبيح الجبال الصم أعجب من ذلك، و قد تقدم في الحديث أن الحصا سبح في كف رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم). قال ابن حامد: و هذا حديث معروف مشهور، و كانت الأحجار و الأشجار و المدر تسلم عليه (صلى اللَّه عليه و سلم). و في صحيح البخاري عن ابن مسعود قال: لقد كنا نسمع تسبيح الطعام و هو يؤكل- يعنى بين يدي النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)- و كلمه ذراع الشاة المسمومة، و أعلمه بما فيه من السم، و شهدت بنبوته الحيوانات الانسية و الوحشية، و الجمادات أيضا، كما تقدم بسط ذلك كله، و لا شك أن صدور التسبيح من الحصا الصغار الصم التي لا تجاويف فيها، أعجب من صدور ذلك من الجبال، لما فيها من التجاويف و الكهوف، فأنها و ما شاكلها تردد صدى الأصوات العالية غالبا، كما قال عبد اللَّه بن الزبير: كان إذا خطب- و هو أمير المدينة بالحرم الشريف- تجاوبه الجبال، أبو قبيس و زرود، و لكن من غير تسبيح، فأن ذلك من معجزات داود (عليه السلام). و مع هذا كان تسبيح الحصا في كف رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و أبى بكر و عمر و عثمان، أعجب* و أما أكل داود من كسب يده،

فقد كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يأكل من كسبه أيضا، كما كان يرعى غنما لأهل مكة على قراريط. و قال: و ما من نبي إلا و قد رعى الغنم.

و خرج إلى الشام في تجارة لخديجة مضاربة، و قال اللَّه تعالى: وَ قالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَ يَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْ لا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً أَوْ يُلْقى‏ إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها، وَ قالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً* انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا إلى قوله: وَ ما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَ يَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ‏ أي للتكسب و التجارة طلبا للربح الحلال. ثم لما شرع اللَّه الجهاد بالمدينة، كان يأكل مما أباح له من المغانم التي لم تبح قبله، و مما أفاء اللَّه عليه من أموال الكفار التي أبيحت له دون غيره، كما جاء في المسند

و الترمذي عن ابن عمر قال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد اللَّه وحده لا شريك له، و جعل رزقي تحت ظل رمحي، و جعل الذلة و الصغار على من خالف أمرى، و من تشبه بقوم فهو منهم*

و أما إلانة الحديد بغير نار كما يلين العجين في يده، فكان يصنع هذه الدروع الداوديّة، و هي الزرديات السابغات، و أمره اللَّه تعالى بنفسه بعملها، و قدر في السرد، أي ألا يدق المسمار فيعلق، و لا يعظله فيقصم، كما جاء في‏

287

البخاري، و قال تعالى: وَ عَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ‏ و قد قال بعض الشعراء في معجزات النبوة:

نسيج داود ما حمى صاحب الغار* * * و كان الفخار للعنكبوت‏

و المقصود المعجز في إلانة الحديد، و قد تقدم في السيرة عند ذكر حفر الخندق عام الأحزاب، في سنة أربع، و قيل: خمس، أنهم عرضت لهم كدية- و هي الصخرة في الأرض- فلم يقدروا على كسرها و لا شي‏ء منها، فقام إليها رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)- و قد ربط حجرا على بطنه من شدة الجوع- فضربها ثلاث ضربات، لمعت الأولى حتى أضاءت له منها قصور الشام، و بالثانية قصور فارس، و ثالثة، ثم انسالت الصخرة كأنها كثيب من الرمل، و لا شك أن انسيال الصخرة التي لا تنفعل و لا بالنار، أعجب من لين الحديد الّذي إن أحمى لانه كما قال بعضهم:

فلو أن ما عالجت لين فؤادها* بنفسي للان الجندل ...

و الجندل الصخر، فلو أن شيئا أشد قوة من الصخر لذكره هذا الشاعر المبالغ، قال اللَّه تعالى:

ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً الآية. و أما قوله تعالى: قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ‏ الآية، فذلك لمعنى آخر في التفسير، و حاصله أن الحديد أشد امتناعا في الساعة الراهنة من الحجر ما لم يعالج، فإذا عولج انفعل الحديد و لا ينفعل الحجر و اللَّه أعلم* و قال أبو نعيم: فأن قيل: فقد لين اللَّه لداود (عليه السلام) الحديد حتى سرد منه الدروع السوابغ، قيل: لينت لمحمد (صلى اللَّه عليه و سلم) الحجارة و صم الصخور، فعادت له غارا استتر به من المشركين، يوم أحد، مال إلى الجبل ليخفى شخصه عنهم فلين الجبل حتى أدخل رأسه فيه، و هذا أعجب لان الحديد تلينه النار، و لم نر النار تلين الحجر، قال: و ذلك بعد ظاهر باق يراه الناس. قال: و كذلك في بعض شعاب مكة حجر من جبل في صلايه [ (1)] إليه فلان الحجر حتى ادرأ فيه بذراعيه و ساعديه، و ذلك مشهور يقصده الحجاج و يرونه. و عادت الصخرة ليلة أسرى به كهيئة العجين، فربط بها دابته- البراق- و موضعه يمسونه الناس إلى يومنا هذا. و هذا الّذي أشار اليه، من يوم أحد و بعض شعاب مكة غريب جدا، و لعله قد أسنده هو فيما سلف، و ليس ذلك بمعروف في السيرة المشهورة. و أما ربط الدابة في الحجر فصحيح، و الّذي ربطها جبريل كما هو في صحيح مسلّم (رحمه اللَّه)* و أما قوله: و أوتيت الحكمة و فصل الخطاب، فقد كانت الحكمة التي أوتيها محمد (صلى اللَّه عليه و سلم) و الشرعة التي شرعت له، أكمل من كل حكمة و شرعة كانت لمن قبله من الأنبياء (صلوات اللَّه عليه و عليهم أجمعين)، فأن اللَّه جمع له محاسن من كان قبله، و فضله، و أكمله [و آتاه‏] ما لم يؤت أحدا قبله، و قد قال (صلى اللَّه عليه و سلم): أوتيت جوامع‏

____________

[ (1)] كذا بالأصل.

288

الكلم، و اختصرت لي الحكمة اختصارا* و لا شك أن العرب أفصح الأمم، و كان النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) أفصحهم نطقا، و أجمع لكل خلق جميل مطلقا*

القول فيما أوتى سليمان بن داود (عليه السلام)

قال اللَّه تعالى: فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ* وَ الشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَ غَوَّاصٍ وَ آخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ* هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ* وَ إِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى‏ وَ حُسْنَ مَآبٍ‏ و قال تعالى: وَ لِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى‏ الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها وَ كُنَّا بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عالِمِينَ* وَ مِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَ يَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذلِكَ وَ كُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ‏ و قال تعالى‏ وَ لِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَ رَواحُها شَهْرٌ وَ أَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَ مِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَ مَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ* يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَ تَماثِيلَ وَ جِفانٍ كَالْجَوابِ وَ قُدُورٍ راسِياتٍ اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ و قد بسطنا ذلك في قصته، و في التفسير أيضا، و في الحديث الّذي‏

رواه الإمام أحمد و صححه الترمذي و ابن حبان و الحاكم في مستدركه عن عبد اللَّه بن عمرو عن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم):

أن سليمان (عليه السلام) لما فرغ من بناء بيت المقدس سأل اللَّه خلالا ثلاثا، سأل اللَّه حكما يوافق حكمه، و ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، و أنه لا يأتى هذا المسجد أحد إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه. أما تسخير الريح لسليمان فقد قال اللَّه تعالى في شأن الأحزاب:

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً

و قد تقدم في الحديث الّذي‏

رواه مسلّم من طريق شعبة عن الحاكم عن مجاهد عن ابن عباس أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال:

نصرت بالصبا و أهلكت عاد بالدبور*

و رواه مسلّم من طريق الأعمش عن مسعود بن مالك عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) مثله‏

.

و ثبت في الصحيحين:

نصرت بالرعب مسيرة شهر.

و معنى ذلك أنه (صلى اللَّه عليه و سلم) كان إذا قصد قتال قوم من الكفار ألقى اللَّه الرعب في قلوبهم قبل وصوله إليهم بشهر، و لو كان مسيره شهرا، فهذا في مقابلة: غدوها شهر و رواحها شهر، بل هذا أبلغ في التمكن و النصر و التأييد و الظفر، و سخرت الرياح تسوق السحاب لا نزال المطر الّذي امتن اللَّه به حين استسقى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في غير ما موطن كما تقدم* و قال أبو نعيم: فأن قيل: فأن سليمان سخرت له الريح فسارت به في بلاد اللَّه و كان غدوها شهرا و رواحها شهرا. قيل: ما أعطى محمد (صلى اللَّه عليه و سلم) أعظم و أكبر، لانه سار في ليلة واحدة من مكة إلى بيت المقدس مسيرة شهر، و عرج به في ملكوت السموات مسيرة خمسين ألف سنة، في أقل من ثلث ليلة، فدخل السموات سماء سماء، و رأى عجائبها، و وقف على الجنة و النار، و عرض عليه أعمال أمته، و صلّى بالأنبياء و بملائكة السموات، و اخترق الحجب، و هذا كله في‏

289

ليلة قائما، أكبر و أعجب. و أما تسخير الشياطين بين يديه تعمل ما يشاء من محاريب و تماثيل و جفان كالجواب و قدور راسيات، فقد أنزل اللَّه الملائكة المقربين لنصرة عبده و رسوله محمد (صلى اللَّه عليه و سلم) في غير ما موطن، يوم أحد و بدر، و يوم الأحزاب و يوم حنين، كما تقدم ذكرناه ذلك مفصلا في مواضعه. و ذلك أعظم و أبهر، و أجل و أعلا من تسخير الشياطين. و قد ذكر ذلك ابن حامد في كتابه.

و في الصحيحين من حديث شعبة عن محمد بن زياد عن أبى هريرة عن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) قال:

إن عفريتا من الجن تفلت عليّ البارحة، أو كلمة نحوها، ليقطع عليّ الصلاة فأمكننى اللَّه منه، فأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى يصبحوا و ينظروا إليه، فذكرت دعوة أخى سليمان: رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي،

قال روح فرده اللَّه خاسئا. لفظ البخاري* و لمسلّم عن أبى الدرداء نحوه، قال: ثم أردت أخذه، و اللَّه لو لا دعوة أخينا سليمان لأصبح يلعب به ولدان أهل المدينة.

و قد روى الإمام أحمد بسند جيد عن أبى سعيد

أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قام يصلّى صلاة الصبح و هو خلفه، فقرأ فالتبست عليه القراءة، فلما فرغ من صلاته قال: لو رأيتموني و إبليس فأهويت بيدي فما زلت أختنقه حتى وجدت برد لعابه بين إصبعي هاتين، الإبهام و التي تليها، و لو لا دعوة أخى سليمان لأصبح مربوطا بسارية من سواري المسجد يتلاعب به صبيان أهل المدينة*

و قد ثبت في الصحاح و الحسان و المسانيد أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال:

إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب الجنة و غلقت أبواب النار و صفدت الشياطين، و في رواية: مردة الجن*

فهذا من بركة ما شرعه اللَّه له من صيام شهر رمضان و قيامه، و سيأتي عند إبراء الأكمه و الأبرص من معجزات المسيح عيسى بن مريم (عليه السلام)، دعاء رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) لغير ما واحد ممن أسلّم من الجن فشفى، و فارقهم خوفا منه و مهابة له، و امتثالا لأمره. (صلوات اللَّه و سلامه عليهم)، و قد بعث اللَّه نفرا من الجن يستمعون القرآن فآمنوا به و صدقوه و رجعوا إلى قومهم فدعوهم إلى دين محمد (صلى اللَّه عليه و سلم) و حذروهم مخالفته، لأنه كان مبعوثا إلى الأنس و الجن، فآمنت طوائف من الجن كثيرة كما ذكرنا، و وفدت إليه منهم وفود كثيرة و قرأ عليهم سورة الرحمن، و خبرهم بما لمن آمن منهم من الجنان، و ما لمن كفر من النيران، و شرع لهم ما يأكلون و ما يطعمون دوابهم، فدل على أنه بين لهم ما هو أهم من ذلك و أكبر* و قد ذكر أبو نعيم هاهنا حديث الغول التي كانت تسرق التمر من جماعة من أصحابه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و يريدون إحضارها إليه فتمتنع كل الامتناع خوفا من المثول بين يديه، ثم افتدت منهم بتعليمهم قراءة آية الكرسي التي لا يقرب قارئها الشيطان، و قد سقنا ذلك بطرقه و ألفاظه عند تفسير آية الكرسي من كتابنا التفسير و للَّه الحمد* و الغول هي الجن المتبدى بالليل في صورة مرعبة* و ذكر أبو نعيم هاهنا حماية جبريل له (عليه السلام) غير ما مرّة من أبى جهل كما ذكرنا في السيرة، و ذكر مقاتلة جبريل و ميكائيل عن يمينه‏

290

و شماله يوم أحد* و أما ما جمع اللَّه تعالى لسليمان من النبوة و الملك كما كان أبوه من قبله، فقد خير اللَّه عبده محمدا (صلى اللَّه عليه و سلم) بين أن يكون ملكا نبيا أو عبدا رسولا، فاستشار جبريل في ذلك فأشار إليه و عليه أن يتواضع، فاختار أن يكون عبدا رسولا، و قد روى ذلك من حديث عائشة و ابن عباس، و لا شك أن منصب الرسالة أعلى.

و قد عرضت على نبينا (صلى اللَّه عليه و سلم) كنوز الأرض فأباها، قال:

و لو شئت لأجرى اللَّه معى جبال الأرض ذهبا، و لكن أجوع يوما و أشبع يوما،

و قد ذكرنا ذلك كله بأدلته و أسانيده في التفسير و في السيرة أيضا و للَّه الحمد و المنة*

و قد أورد الحافظ أبو نعيم هاهنا طرفا منها من حديث عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سعيد و أبى سلمة عن أبى هريرة قال:

قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

بينا أنا نائم جي‏ء بمفاتيح خزائن الأرض فجعلت في يدي*

و من حديث الحسين بن واقد عن الزبير عن جابر مرفوعا

أوتيت مفاتيح خزائن الدنيا على فرس أبلق جاءني به جبريل عليه قطيفة من سندس*

و من حديث القاسم عن أبى لبابة مرفوعا:

عرض عليّ ربى ليجعل لي بطحاء مكة ذهبا فقلت: لا يا رب، و لكن أشبع يوما و أجوع يوما، فإذا جعت تضرعت إليك، و إذا شبعت حمدتك و شكرتك*

قال أبو نعيم: فأن قيل: سليمان (عليه السلام) كان يفهم كلام الطير و النملة كما قال تعالى: وَ قالَ يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ الآية و قال: حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى‏ وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَ جُنُودُهُ وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ* فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها الآية. قيل: قد أعطى محمد (صلى اللَّه عليه و سلم) مثل ذلك و أكثر منه، فقد تقدم ذكرنا لكلام البهائم و السباع و حنين الجذع و رغاء البعير و كلام الشجر و تسبيح الحصا و الحجر، و دعائه إياه و استجابته لأمره، و إقرار الذئب بنبوته، و تسبيح الطير لطاعته، و كلام الظبية و شكواها إليه، و كلام الضب و إقراره بنبوته، و ما في معناه، كل ذلك قد تقدم في الفصول بما يغنى عن إعادته.

انتهى كلامه. قلت: و كذلك أخبره ذراع الشاة بما فيه من السم و كان ذلك بأقرار من وضعه فيه من اليهود، و قال إن هذه السحابة لتبتهل بنصرك يا عمرو بن سالم- يعنى الخزاعي- حين أنشده تلك القصيدة يستعديه فيها على بنى بكر الذين نقضوا صلح الحديبيّة، و كان ذلك سبب فتح مكة كما تقدم‏

و قال (صلى اللَّه عليه و سلم):

إني لأعرف حجرا كان يسلم على بمكة قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن*

فهذا إن كان كلاما مما يليق بحاله ففهم عنه الرسول ذلك، فهو من هذا القبيل و أبلغ، لانه جماد بالنسبة إلى الطير و النمل، لأنهما من الحيوانات ذوات الأرواح، و إن كان سلاما نطقيا و هو الأظهر، فهو أعجب من هذا الوجه أيضا، كما

قال على:

خرجت مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في بعض شعاب مكة، فما مرّ بحجر و لا شجر و لا مدر إلّا قال: السلام عليك يا رسول اللَّه، فهذا النطق سمعه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و على رضى اللَّه عنه*

ثم قال أبو نعيم: حدثنا أحمد بن محمد بن الحارث العنبري، حدثنا أحمد بن‏

291

يوسف بن سفيان، حدثنا إبراهيم بن سويد النخعي، حدثنا عبد اللَّه بن أذينة الطائي عن ثور بن يزيد عن خالد بن معلاة بن جبل قال:

أتى النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)- و هو بخيبر- حمار أسود فوقف بين يديه فقال: من أنت؟ فقال: أنا عمرو بن فهران، كنا سبعة إخوة و كلنا ركبنا الأنبياء و أنا أصغرهم، و كنت لك فملكنى رجل من اليهود، و كنت إذ أذكرك عثرت به فيوجعنى ضربا، فقال النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فأنت يعفور*

و هذا الحديث فيه نكارة شديدة و لا يحتاج إلى ذكره مع ما تقدم من الأحاديث الصحيحة التي فيها غنية عنه. و قد روى على غير هذه الصفة، و قد نص على نكارته ابن أبى حاتم عن أبيه، و اللَّه أعلم.

القول فيما أوتى عيسى بن مريم (عليه السلام)

و يسمى المسيح، فقيل: لمسحه الأرض، و قيل: لمسح قدمه، و قيل: لخروجه من بطن أمه ممسوحا بالدهان، و قيل: لمسح جبريل بالبركة، و قيل: لمسح اللَّه الذنوب عنه، و قيل: لأنه كان لا يمسح أحدا إلا برأ. حكاها كلها الحافظ أبو نعيم (رحمه اللَّه). و من خصائصه أنه (عليه السلام) مخلوق بالكلمة من أنثى بلا ذكر، كما خلقت حواء من ذكر بلا أنثى، و كما خلق آدم لا من ذكر و لا من أنثى، و إنما خلقه اللَّه تعالى من تراب ثم قال له: كن فيكون. و كذلك يكون عيسى بالكلمة و بنفخ جبريل مريم فخلق منها عيسى* و من خصائصه و أمه أن إبليس لعنه اللَّه حين ولد ذهب يطعن فطعن في الحجاب كما جاء في الصحيح، و من خصائصه أنه حي لم يمت، و هو الآن بجسده في السماء الدنيا، و سينزل قبل يوم القيامة على المنارة البيضاء الشرقية بدمشق، فيملأ الأرض قسطا و عدلا، كما ملئت جورا و ظلما، و يحكم بهذه الشريعة المحمدية، ثم يموت و يدفن بالحجرة النبويّة، كما رواه الترمذي و قد بسطنا ذلك في قصته* و قال شيخنا العلامة ابن الزملكانى (رحمه اللَّه): و أما معجزات عيسى (عليه السلام)، فمنها إحياء الموتى، و للنّبيّ (صلى اللَّه عليه و سلم) من ذلك كثير، و إحياء الجماد أبلغ من إحياء الميت، و قد كلم النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) الذراع المسمومة، و هذا الأحياء أبلغ من إحياء الإنسان الميت من وجوه، أحدها، أنه إحياء جزء من الحيوان دون بقيته، و هذا معجز لو كان متصلا بالبدن، الثاني أنه أحياه وحده منفصلا عن بقية أجزاء ذلك الحيوان مع موت البقية، الثالث أنه أعاد عليه الحياة مع الإدراك و العقل، و لم يكن هذا الحيوان يعقل في حياته الّذي هو جزؤه مما يتكلم [ (1)]، و في هذا ما هو أبلغ من حياة الطيور التي أحياها اللَّه لإبراهيم (صلى اللَّه عليه و سلم)* قلت: و في حلول الحياة و الإدراك و العقل في الحجر الّذي كان يخاطب النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) بالسلام عليه، كما روى في صحيح مسلّم، من المعجز ما هو أبلغ من إحياء الحيوان في الجملة، لأنه كان محلا للحياة في وقت، بخلاف هذا حيث لا حياة له بالكلية قبل ذلك، و كذلك تسليم الأحجار و المدر عليه، و كذلك الأشجار و الأغصان و شهادتها بالرسالة، و حنين‏

____________

[ (1)] لعل الصواب «و لم يكن هذا الحيوان الّذي هو جزؤه يعقل في حياته و لا مما يتكلم».

292

الجذع* و قد جمع ابن أبى الدنيا كتابا فيمن عاش بعد الموت، و ذكر منها كثيرا، و قد ثبت عن أنس رضى اللَّه عنه أنه قال: دخلنا على رجل من الأنصار و هو مريض يعقل فلم نبرح حتى قبض، فبسطنا عليه ثوبه و سجيناه، و له أم عجوز كبيرة عند رأسه، فالتفت إليها بعضنا و قال: يا هذه احتسبي مصيبتك عند اللَّه فقالت: و ما ذاك؟ أمات ابني؟ قلنا: نعم، قالت: أحق ما تقولون؟ قلنا: نعم، فمدت يدها إلى اللَّه تعالى فقالت: اللَّهمّ إنك تعلم أنى أسلمت و هاجرت إلى رسولك رجاء أن تعينني عند كل شدة و رخاء، فلا تحملني هذه المصيبة اليوم. قال: فكشف الرجل عن وجهه و قعد، و ما برحنا حتى أكلنا معه* و هذه القصة قد تقدم التنبيه عليها في دلائل النبوة. و قد ذكر معجز الطوفان مع قصة العلاء بن الحضرميّ* و هذا السياق الّذي أورده شيخنا ذكر بعضه بالمعنى، و قد رواه أبو بكر ابن أبى الدنيا، و الحافظ أبو بكر البيهقي من غير وجه عن صالح بن بشير المرّي- أحد زهاء البصرة و عبادها- و في حديثه لين عن ثابت عن أنس فذكره. و في رواية البيهقي أن أمه كانت عجوزا عمياء ثم ساقه البيهقي من طريق عيسى بن يونس عن عبد اللَّه بن عون عن أنس كما تقدم، و سياقه أتم، و فيه أن ذلك كان بحضرة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و هذا إسناد رجاله ثقات، و لكن فيه انقطاع بين عبد اللَّه بن عون و أنس و اللَّه أعلم.

قصة أخرى‏

قال الحسن بن عرفة: حدثنا عبد اللَّه بن إدريس عن إسماعيل بن أبى خالد عن أبى سبرة النخعي قال: أقبل رجل من اليمن، فلما كان في بعض الطريق نفق حماره فقام و توضأ ثم صلّى ركعتين ثم قال: اللَّهمّ إني جئت من المدينة مجاهدا في سبيلك و ابتغاء مرضاتك، و أنا أشهد أنك تحيى الموتى و تبعث من في القبور، لا تجعل لأحد عليّ اليوم منة، أطلب إليك اليوم أن تبعث حماري، فقام الحمار ينفض أذنيه. قال البيهقي: هذا إسناد صحيح، و مثل هذا يكون كرامة لصاحب الشريعة. قال البيهقي: و كذلك رواه محمد بن يحيى الذهلي عن محمد بن عبيد عن إسماعيل بن أبى خالد عن الشعبي و كأنه عند إسماعيل من الوجهين. و اللَّه أعلم* قلت: كذلك رواه ابن أبى الدنيا من طريق إسماعيل عن الشعبي فذكره قال الشعبي: فأنا رأيت الحمار بيع أو يباع في الكناسة- يعنى بالكوفة- و قد أوردها ابن أبى الدنيا من وجه آخر، و أن ذلك كان في زمن عمر بن الخطاب، و قد قال بعض قومه في ذلك:

و منا الّذي أحيى الإله حماره‏* * * و قد مات منه كل عضو و مفصل‏

و أما قصة زيد بن خارجة و كلامه بعد الموت و شهادته للنّبيّ (صلى اللَّه عليه و سلم) و لأبى بكر و عمر و عثمان بالصدق فمشهورة مروية من وجوه كثيرة صحيحة. قال البخاري في التاريخ الكبير: زيد بن خارجة الخزرجي الأنصاري شهد بدرا و توفى في زمن عثمان، و هو الّذي تكلم بعد الموت* و روى الحاكم في مستدركه‏

293

و البيهقي في دلائله و صححه كما تقدم من طريق العتبى عن سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيب أن زيد بن خارجة الأنصاري ثم من الحارث بن الخزرج، توفى زمن عثمان بن عفان فسجى بثوبه، ثم إنهم سمعوا جلجلة في صدره، ثم تكلم فقال: أحمد في الكتاب الأول صدق صدق، أبو بكر الضعيف في نفسه القوى في أمر اللَّه، في الكتاب الأول صدق صدق، عمر بن الخطاب القوى في الكتاب الأول، صدق صدق، عثمان بن عفان على منهاجهم مضت أربع و بقيت ثنتان، أتت الفتن و أكل الشديد الضعيف، و قامت الساعة، و سيأتيكم عن جيشكم خير* قال يحيى بن سعيد: قال سعيد بن المسيب: ثم هلك رجل من بنى حطمة فسجى بثوبه فسمع جلجلة في صدره، ثم تكلم فقال: إن أخا بنى حارث بن الخزرج صدق صدق، و رواه ابن أبى الدنيا و البيهقي أيضا من وجه آخر بأبسط من هذا و أطول، و صححه البيهقي. قال: و قد روى في التكلم بعد الموت عن جماعة بأسانيد صحيحة و اللَّه أعلم* قلت: قد ذكرت في قصة سخلة جابر يوم الخندق و أكل الألف منها و من قليل شعير ما تقدم. و قد أورد الحافظ محمد بن المنذر المعروف بيشكر، في كتابه الغرائب و العجائب بسنده، كما سبق أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) جمع عظامها ثم دعا اللَّه تعالى فعادت كما كانت فتركها في منزله و اللَّه أعلم* قال شيخنا: و من معجزات عيسى الإبراء من الجنون، و قد أبرأ النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)- يعنى من ذلك- هذا آخر ما وجدته فيما حكيناه عنه. فأما إبراء عيسى من الجنون، فما أعرف فيه نقلا خاصا، و إنما كان يبرئ الأكمه و الأبرص و الظاهر و من جميع العاهات و الأمراض المزمنة* و أما إبراء النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) من الجنون،

فقد روى الامام أحمد و الحافظ البيهقي من غير وجه عن يعلى بن مرة

أن امرأة أتت بابن لها صغير به لمم ما رأيت لمما أشد منه، فقالت: يا رسول اللَّه ابني هذا كما ترى أصابه بلاء، و أصابنا منه بلاء، يوجد منه في اليوم ما يؤذى، ثم قالت: مرة، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): ناولينيه، فجعلته بينه و بين واسطة الرحل، ثم فغر فاه و نفث فيه ثلاثا و قال:

بسم اللَّه، أنا عبد اللَّه، اخسأ عدو اللَّه، ثم ناولها إياه فذكرت أنه بري‏ء من ساعته و ما رابهم شي‏ء بعد ذلك*

و قال أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا حماد بن سلمة عن فرقد السبخى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن امرأة جاءت بولدها إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقالت: يا رسول اللَّه إن به لمما، و إنه يأخذه عند طعامنا فيفسد علينا طعامنا، قال: فمسح رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) صدره و دعا له فثع ثعة فخرج منه مثل الجرو الأسود فشفى* غريب من هذا الوجه، و فرقد فيه كلام و إن كان من زهاد البصرة، لكن ما تقدم له شاهد و إن كانت القصة واحدة و اللَّه أعلم*

و روى البزار من طريق فرقد أيضا عن سعد بن عباس قال:

كان النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) بمكة فجاءته امرأة من الأنصار فقالت: يا رسول اللَّه إن هذا الخبيث قد غلبني، فقال لها: تصبرى على ما أنت عليه و تجيئى يوم القيامة ليس عليك ذنوب و لا

294

حساب؟ فقالت: و الّذي بعثك بالحق لأصبرن حتى ألقى اللَّه، ثم قالت: إني أخاف الخبيث أن يجردنى، فدعا لها، و كانت إذا أحست أن يأتيها تأتى أستار الكعبة فتتعلق بها و تقول له: اخسأ، فيذهب عنها*

و هذا دليل على أن فرقد قد حفظ،

فأن هذا له شاهد في صحيح البخاري و مسلّم من حديث عطاء بن أبى رباح قال: قال لي ابن عباس:

ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت: بلى، قال:

هذه السوداء أتت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقالت: إني أصرع و أنكشف فادع اللَّه لي، قال: إن شئت صبرت و لك الجنة، و إن شئت دعوت اللَّه أن يعافيك، قالت: لا بل أصبر، فادع اللَّه أن لا أنكشف،

قال: فدعا لها فكانت لا تنكشف* ثم قال البخاري: حدثنا محمد، حدثنا مخلد عن ابن جريج، قال: أخبرنى عطاء أنه رأى أم زفر- امرأة طويلة سوداء- على ستر الكعبة* و ذكر الحافظ ابن الأثير في كتاب أسد الغابة في أسماء الصحابة، أن أم زفر هذه كانت ماشطة لخديجة بنت خويلد، و أنها عمرت حتى رآها عطاء بن أبى رباح رحمهما اللَّه تعالى* و أما إبراء عيسى الأكمه و هو الّذي يولد أعمى، و قيل: هو الّذي لا يبصر في النهار و يبصر في الليل، و قيل: غير ذلك كما بسطنا ذلك في التفسير، و الأبرص الّذي به بهق، فقد رد رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يوم أحد عين قتادة بن النعمان إلى موضعها بعد ما سالت على خده، فأخذها في كفه الكريم و أعادها إلى مقرها فاستمرت بحالها و بصرها، و كانت أحسن عينيه رضى اللَّه عنه، كما ذكر محمد بن إسحاق بن يسار في السيرة و غيره، و كذلك بسطناه ثم و للَّه الحمد و المنة، و قد دخل بعض ولده و هو عاصم بن عمر بن قتادة على عمر بن عبد العزيز فسأل عنه فأنشأ يقول:

أنا ابن الّذي سالت على الخد عينه‏* * * فردت بكف المصطفى أحسن الرد

فعادت كما كانت لأول أمرها* * * فيا حسن ما عين و يا حسن ما خد

فقال عمر بن عبد العزيز:

تلك المكارم لا قعبان من لبن‏* * * شيبا بماء فعادا بعد أبوالا

ثم أجازه فأحسن جائزته* و قد روى الدار قطنى أن عينيه أصيبتا معا حتى سالتا على خديه، فردهما رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إلى مكانهما. و المشهور الأول كما ذكر ابن إسحاق.

قصة الأعمى الّذي رد اللَّه عليه بصره بدعاء رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)

قال الإمام أحمد: حدثنا روح و عثمان بن عمر قالا: حدثنا شعبة عن أبى جعفر المديني سمعت عمارة بن خزيمة بن ثابت يحدث عن عثمان بن حنيف‏

أن رجلا ضريرا أتى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقال:

يا رسول اللَّه ادع اللَّه لي أن يعافيني، فقال: إن شئت أخرت ذلك فهو أفضل لآخرتك، و إن شئت دعوت: قال: بل ادع اللَّه لي، قال: فأمره رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أن يتوضأ و يصلّى ركعتين و أن يدعو

295

بهذا الدعاء: اللَّهمّ إني أسألك و أتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، إني أتوجه به في حاجتي هذه فتقضى،

و قال في رواية عثمان بن عمر:

فشفعه في، قال: ففعل الرجل فبرأ

* و رواه الترمذي و قال:

حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث أبى جعفر الخطميّ. و قد رواه البيهقي عن الحاكم بسنده إلى أبى جعفر الخطميّ عن أبى أمامة بن سهل بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف فذكر نحوه، قال عثمان: فو اللَّه ما تفرقنا و لا طال الحديث بنا حتى دخل الرجل كأن لم يكن به ضرّ قط.

قصة أخرى‏

قال أبو بكر بن أبى شيبة: حدثنا محمد بن بشر، حدثنا عبد العزيز بن عمر، حدثني رجل من بنى سلامان بن سعد عن أمه عن خاله، أو أن خاله أو خالها حبيب بن قريط حدثها

أن أباه خرج إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و عيناه مبيضتان لا يبصر بهما شيئا، فقال له: ما أصابك؟ قال: كنت [ (1)] حملا لي فوقعت رجلي على بيض حية فأصيب بصرى، فنفث رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في عينيه فأبصر،

فرأيته و إنه ليدخل الخيط في الإبرة، و إنه لابن ثمانين سنة، و إن عينيه لمبيضتان. قال البيهقي: و غيره يقول حبيب بن مدرك* و ثبت في الصحيح أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) نفث في عيني عليّ يوم خيبر و هو أرمد فبرأ من ساعته، ثم لم يرمد بعدها أبدا، و مسح رجل جابر بن عتيك و قد انكسرت رجله ليلة قتل أبا رافع- تاجر أهل الحجاز الخيبري- فبرأ من ساعته أيضا* و روى البيهقي أنه (صلى اللَّه عليه و سلم) مسح يد محمد بن حاطب و كانت قد احترقت بالنار فبرأ من ساعته، و مسح رجل سلمة بن الأكوع و قد أصيبت يوم خيبر فبرأت من ساعتها، و دعا لسعد بن أبى وقاص أن يشفى من مرضه ذلك فشفى* و روى البيهقي أن عمه أبا طالب مرض فسأل منه (صلى اللَّه عليه و سلم) أن يدعو له ربه فدعا له فشفى من مرضه ذلك، و كم له من مثلها و على مسلكها، من إبراء آلام، و إزالة أسقام، مما يطول شرحه و بسطه* و قد وقع في كرامات الأولياء إبراء الأعمى بعد الدعاء عليه بالعمى أيضا، كما رواه الحافظ ابن عساكر من طريق أبى سعيد بن الأعرابي عن أبى داود: حدثنا عمر بن عثمان، حدثنا بقية عن محمد بن زياد عن أبى مسلّم أن امرأة خبثت عليه امرأته، فدعا عليها فذهب بصرها فأتته فقالت: يا أبا مسلّم، إني كنت فعلت و فعلت، و إني لا أعود لمثلها، فقال: اللَّهمّ إن كانت صادقة فاردد عليها بصرها، فأبصرت* و رواه أيضا من طريق أبى بكر بن أبى الدنيا: حدثنا عبد الرحمن بن واقد، حدثنا ضمرة حدثنا عاصم، حدثنا عثمان بن عطاء قال: كان أبو مسلّم الخولانيّ إذا دخل منزله [ (2)] فإذا بلغ وسط الدار كبر و كبرت امرأته فإذا دخل البيت كبر و كبرت امرأته فيدخل فينزع رداءه و حذاءه و تأتيه بطعام يأكل، فجاء ذات ليلة فكبر فلم تجبه، ثم جاء إلى باب البيت فكبر و سلّم فلم تجبه، و إذا

____________

[ (1)] بياض بالأصل.

[ (2)] كذا بالأصل.

296

البيت ليس فيه سراج، و إذا هي جالسة بيدها عود تنكت في الأرض به، فقال لها: مالك؟ فقالت الناس بخير، و أنت لو أتيت معاوية فيأمر لنا بخادم و يعطيك شيئا تعيش به، فقال: اللَّهمّ من أفسد عليّ أهلي فأعم بصره، قال: و كانت أتتها امرأة فقالت لامرأة أبى مسلم: لو كلمت زوجك ليكلم معاوية فيخدمكم و يعطيكم؟ قال: فبينما هذه المرأة في منزلها و السراج مزهر، إذ أنكرت بصرها، فقالت: سراجكم طفئ؟ قالوا: لا، قالت: إن اللَّه أذهب بصرى، فأقبلت كما هي إلى أبى مسلم فلم تزل تناشده و تتلطف إليه، فدعا اللَّه فرد بصرها، و رجعت امرأته على حالها التي كانت عليها* و أما قصة المائدة التي قال اللَّه تعالى: إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ* قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَ تَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَ نَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَ نَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ* قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَ آخِرِنا وَ آيَةً مِنْكَ وَ ارْزُقْنا وَ أَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ* قالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ‏ و قد ذكرنا في التفسير بسط ذلك و اختلاف المفسرين فيها هل نزلت أم لا على قولين، و المشهور عن الجمهور أنها نزلت، و اختلفوا فيما كان عليها من الطعام على أقوال، و ذكر أهل التاريخ أن موسى بن نصير، الّذي فتح البلاد المغربية أيام بنى أمية وجد المائدة، و لكن قيل: إنها مائدة سليمان بن داود مرصعة بالجواهر و هي من ذهب فأرسل بها إلى الوليد بن عبد الملك فكانت عنده حتى مات، فتسلمها أخوه سليمان، و قيل: إنها مائدة عيسى* لكن يبعد هذا أن النصارى لا يعرفون المائدة كما قاله غير واحد من العلماء و اللَّه أعلم* و المقصود أن المائدة سواء كانت قد نزلت أم لم تنزل [ (1)] و قد كانت موائد رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) تمد من السماء و كانوا يسمعون تسبيح الطعام و هو يؤكل بين يديه، و كم قد أشبع من طعام يسير ألوفا و مئات و عشرات (صلى اللَّه عليه و سلم) ما تعاقبت الأوقات، و ما دامت الأرض و السموات* و هذا أبو مسلم الخولانيّ، و قد ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمته من تاريخه أمرا عجيبا و شأنا غريبا، حيث روى من طريق إسحاق بن يحيى الملطي عن الأوزاعي قال: أتى أبا مسلم الخولانيّ نفر من قومه فقالوا: يا أبا مسلم أما تشتاق إلى الحج؟ قال: بلى لو أصبت لي أصحابا، فقالوا: نحن أصحابك، قال: لستم لي بأصحاب، إنما أصحابى قوم لا يريدون الزاد و لا المزاد، فقالوا: سبحان اللَّه، و كيف يسافر أقوام بلا زاد و لا مزاد؟ قال لهم: ألا ترون إلى الطير تغدو و تروح بلا زاد و لا مزاد و اللَّه يرزقها؟ و هي لا تبيع و لا تشترى، و لا تحرث و لا تزرع و اللَّه يرزقها؟ قال: فقالوا: فأنا نسافر معك، قال: فهبوا على بركة اللَّه تعالى، قال: فغدوا من غوطة دمشق ليس معهم زاد و لا مزاد، فلما انتهوا إلى المنزل قالوا: يا أبا مسلم‏

____________

[ (1)] كذا و الظاهر أن فيه سقطا.

297

طعام لنا و علف لدوابنا، قال: فقال لهم: نعم، فسجا غير بعيد فيمم مسجد أحجار فصلّى فيه ركعتين، ثم جثى على ركبتيه فقال: إلهي قد تعلم ما أخرجني من منزلي، و إنما خرجت آمرا لك، و قد رأيت البخيل من ولد آدم تنزل به العصابة من الناس فيوسعهم قرى، و إنا أضيافك و زوارك، فأطعمنا، و اسقنا، و اعلف دوابنا، قال: فأتى بسفرة مدت بين أيديهم، و جي‏ء بجفنة من ثريد، و جي‏ء بقلتين من ماء، و جي‏ء بالعلف لا يدرون من يأتى به، فلم تزل تلك حالهم منذ خرجوا من عند أهاليهم حتى رجعوا، لا يتكلفون زادا و لا مزادا* فهذه حال و لي من هذه الأمة، نزل عليه و على أصحابه مائدة كل يوم مرتين مع ما يضاف إليها من الماء و العلوفة لدواب أصحابه، و هذا اعتناء عظيم، و إنما نال ذلك ببركة متابعته لهذا النبي الكريم عليه أفضل الصلاة و التسليم* و أما قوله عن عيسى بن مريم (عليه السلام): إنه قال لبني إسرائيل‏ وَ أُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَ ما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ‏ الآية، فهذا شي‏ء يسير على الأنبياء، بل و على كثير من الأولياء، و قد قال يوسف الصديق لذينك الفتيين المحبوسين معه: لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي‏ الآية. و قد أخبر رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بالأخبار الماضية طبق ما وقع و عن الاخبار الحاضرة سواء بسواء كما أخبر عن أكل الأرضة لتلك الصحيفة الظالمة التي كانت بطون قريش قديما كتبتها على مقاطعة بنى هاشم و بنى المطلب حتى يسلموا اليهم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و كتبوا بذلك صحيفة و علقوها في سقف الكعبة، فأرسل اللَّه الأرضة فأكلتها إلا مواضع اسم اللَّه تعالى، و في رواية: فأكلت اسم اللَّه منها تنزيها لها أن تكون مع الّذي فيها من الظلم و العدوان، فأخبر بذلك رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) عمه أبا طالب و هم بالشعب، فخرج إليهم أبو طالب و قال لهم عما أخبرهم به، فقالوا: إن كان كما قال و إلا فسلموه إلينا، فقالوا: نعم، فأنزلوا الصحيفة فوجدوها كما أخبر عنها رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) سواء بسواء، فأقلعت بطون قريش عما كانوا عليه لبني هاشم و بنى المطلب، و هدى اللَّه بذلك خلقا كثيرا، و كم له مثلها كما تقدم بسطه و بيانه في مواضع من السيرة و غيرها و للَّه الحمد و المنة*

و في يوم بدر لما طلب من العباس عمه فداء ادعى أنه لا مال له، فقال له: فأين المال الّذي دفنته أنت و أم الفضل تحت أسكفة الباب، و قلت لها: إن قتلت فهو للصبية؟ فقال: و اللَّه يا رسول اللَّه إن هذا شي‏ء لم يطلع عليه غيري و غير أم الفضل إلا اللَّه عز و جل*

و أخبر بموت النجاشي يوم مات و هو بالحبشة، و صلّى عليه، و أخبر عن قتل الأمراء يوم مؤتة واحدا بعد واحد و هو على المنبر و عيناه تذرفان، و أخبر عن الكتاب الّذي أرسل به حاطب بن بلتعة مع شاكر مولى بنى عبد المطلب، و أرسل في طلبها عليا و الزبير و المقداد، فوجدوها قد جعلته في عقاصها، و في رواية في حجزتها، و قد تقدم ذلك في غزوة الفتح، و قال لأميرى كسرى اللذين بعث بهما نائب اليمن لكسرى ليستعلما أمر رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): إن ربى قد قتل الليلة ربكما،

298

فأرخا تلك الليلة، فإذا كسرى قد سلط اللَّه عليه ولده فقتله، فأسلما و أسلم نائب اليمن، و كان سبب ملك اليمن لرسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)* و أما إخباره (صلى اللَّه عليه و سلم) عن الغيوب المستقبلة فكثيرة جدا كما تقدم بسط ذلك، و سيأتي في أنباء التواريخ ليقع ذلك طبق ما كان سواء* و ذكر ابن حامد في مقابلة جهاد عيسى (عليه الصلاة و السلام) جهاد رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و في مقابلة زهد عيسى (عليه الصلاة و السلام)،

زهادة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) عن كنوز الأرض حين عرضت عليه فأباها، و قال: أجوع يوما و أشبع يوما

و أنه كان له ثلاث عشرة زوجة يمضى عليهنّ الشهر و الشهران لا توقد عندهن نار و لا مصباح إنما هو الأسودان التمر و الماء، و ربما ربط على بطنه الحجر من الجوع، و ما شبعوا من خبز بر ثلاث ليال تباعا، و كان فراشه من أدم و حشوه ليف، و ربما اعتقل الشاة فيحلبها، و رقع ثوبه، و خصف نعله بيده الكريمة، (صلوات اللَّه و سلامه عليه)، و مات (صلى اللَّه عليه و سلم) و درعه مرهونة عند يهودي على طعام اشتراه لأهله، هذا و كم آثر بآلاف مؤلفة و الإبل و الشاء و الغنائم و الهدايا، على نفسه و أهله للفقراء و المحاويج و الأرامل و الأيتام و الأسرى و المساكين* و ذكر أبو نعيم في مقابلة تبشير الملائكة لمريم الصديقة بوضع عيسى ما بشرت به آمنة أم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) حين حملت به في منامها، و ما قيل لها: إنك قد حملت بسيد هذه الأمة فسميه محمدا، و قد بسطنا ذلك في المولد كما تقدم* و قد أورد الحافظ أبو نعيم هاهنا حديثا غريبا مطولا بالمولد أحببنا أن نسوقه ليكون الختام نظير الافتتاح، و باللَّه المستعان، و عليه التكلان و للَّه الحمد* فقال: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا حفص بن عمرو بن الصباح، حدثنا يحيى بن عبد اللَّه البابلي، أنا أبو بكر بن أبى مريم عن سعيد بن عمر الأنصاري عن أبيه. قال: قال ابن عباس: فكان من دلالات حمل محمد (صلى اللَّه عليه و سلم) أن كل دابة كانت لقريش نطقت تلك الليلة: قد حمل برسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و رب الكعبة، و هو أمان الدنيا و سراج أهلها، و لم يبق كاهن في قريش و لا قبيلة من قبائل العرب إلا حجبت عن صاحبتها، و انتزع علم الكهنة منها، و لم يبق سرير ملك من ملوك الدنيا إلا أصبح منكوسا، و الملك مخرسا لا ينطق يومه لذلك، و فرت وحوش المشرق إلى وحوش المغرب بالبشارات، و كذلك أهل البحار بشر بعضهم بعضا، و في كل شهر من شهوره نداء في الأرض و نداء في السموات: أبشروا فقد آن لأبى القاسم أن يخرج إلى الأرض ميمونا مباركا. قال:

و بقي في بطن أمه تسعة أشهر، و هلك أبوه عبد اللَّه و هو في بطن أمه، فقالت الملائكة: إلهنا و سيدنا، بقي نبيك هذا يتيما، فقال اللَّه تعالى للملائكة: أنا له ولى و حافظ و نصير، فتبركوا بمولده ميمونا مباركا. و فتح اللَّه لمولده أبواب السماء و جناته، و كانت آمنة تحدث عن نفسها و تقول: أتى لي آت حين مر لي من حمله ستة أشهر فوكزني برجله في المنام و قال: يا آمنة إنك حملت بخير العالمين طرا، فإذا ولدتيه فسميه محمدا أو النبي، شأنك. قال: و كانت تحدث عن نفسها و تقول: لقد أخذنى‏

299

ما يأخذ النساء و لم يعلم بى أحد من القوم، ذكر و لا أنثى، و إني لوحيدة في المنزل و عبد المطلب في طوافه، قالت: فسمعت وجبة شديدة، و أمرا عظيما، فهالني ذلك، و ذلك يوم الإثنين، و رأيت كأن جناح طير أبيض قد مسح على فؤادي فذهب كل رعب و كل فزع و وجل كنت أجد، ثم التفت فإذا أنا بشربة بيضاء ظننتها لبنا، و كنت عطشانة، فتناولتها فشربتها فأصابنى نور عال، ثم رأيت نسوة كالنخل الطوال، كأنهن من بنات عبد المطلب يحدقن بى، فبينا أنا أعجب و أقول: وا غوثاه، من أين علمن بى؟ و اشتد بى الأمر و أنا أسمع الوجبة في كل ساعة أعظم و أهول، و إذا أنا بديباج أبيض قد مد بين السماء و الأرض، و إذا قائل يقول: خذوه عن أعين الناس، قالت: رأيت رجالا وقفوا في الهواء بأيديهم أباريق فضة و أنا يرشح منى عرق كالجمان، أطيب ريحا من المسك الأذفر، و أنا أقول:

ياليت عبد المطلب قد دخل على، قالت: و رأيت قطعة من الطير قد أقبلت من حيث لا أشعر حتى غطت حجرتي، مناقيرها من الزمرد، و أجنحتها من اليواقيت، فكشف اللَّه لي عن بصيرتي، فأبصرت من ساعتي مشارق الأرض و مغاربها، و رأيت ثلاث علامات مضروبات، علم بالمشرق، و علم بالمغرب، و علم على ظهر الكعبة، فأخذني المخاض و اشتد بى الطلق جدا، فكنت كأنى مسندة إلى أركان النساء، و كثرن على حتى كأنى مع البيت و أنا لا أرى شيئا، فولدت محمدا، فلما خرج من بطني درت فنظرت إليه فإذا هو ساجد و قد رفع إصبعيه كالمتضرع المبتهل، ثم رأيت سحابة بيضاء قد أقبلت من السماء تنزل حتى غشيته، فغيب عن عيني، فسمعت مناديا ينادى يقول: طوفوا بمحمد (صلى اللَّه عليه و سلم) شرق الأرض و غربها، و أدخلوه البحار كلها، ليعرفوه باسمه و نعته و صورته، و يعلموا أنه سمى الماحي، لا يبقى شي‏ء من الشرك إلا محي به، قالت: ثم تخلوا عنه في أسرع وقت فإذا أنابه مدرج في ثوب صوف أبيض، أشد بياضا من اللبن، و تحته حريرة خضراء، و قد قبض محمد ثلاثة مفاتيح من اللؤلؤ الرطب الأبيض، و إذا قائل يقول: قبض محمد مفاتيح النصر، و مفاتيح الريح، و مفاتيح النبوة* هكذا أورده و سكت عليه، و هو غريب جدا* و قال الشيخ جمال الدين أبو زكريا، يحيى بن يوسف بن منصور بن عمر الأنصاري الصرصرى، الماهر الحافظ للأحاديث و اللغة، ذو المحبة الصادقة لرسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فلذلك يشبه في عصره بحسان بن ثابت رضى اللَّه عنه، و في ديوانه المكتوب عنه في مديح رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و قد كان ضرير البصر، بصير البصيرة، و كانت وفاته ببغداد في سنة ست و خمسين و ستمائة، قتله التتار في كل بنت [ (1)] بغداد كما سيأتي ذلك في موضعه، في كتابنا هذا إن شاء اللَّه تعالى، و به الثقة، و عليه التكلان، قال في قصيدته من حرف الحاء المهملة من ديوانه:

محمد المبعوث للناس رحمة* * * يشيد ما أوهى الضلال و يصلح‏

____________

[ (1)] كذا بالأصل.

300

لئن سبحت صم الجبال مجيبة* * * لداود أو لان الحديد المصفح‏

فان الصخور الصم لانت بكفه‏* * * و إن الحصا في كفه ليسبح‏

و إن كان موسى أنبع الما من العصا* * * فمن كفه قد أصبح الماء يطفح‏

و إن كانت الريح الرخاء مطيعة* * * سليمان لا تألو تروح و تسرح‏

فان الصبا كانت لنصر نبينا* * * برعب على شهر به الخصم يكلح‏

و إن أوتى الملك العظيم و سخرت‏* * * له الجن تشفى ما رضيه و تلدح‏

فان مفاتيح الكنوز بأسرها* * * أتته فرد الزاهد المترجح‏

و إن كان إبراهيم أعطى خلة* * * و موسى بتكليم على الطور يمنح‏

فهذا حبيب بل خليل مكلّم‏* * * و خصص بالرؤيا و بالحق أشرح‏

و خصص بالحوض العظيم و باللوا* * * و يشفع للعاصين و النار تلفح‏

و بالمقعد الأعلى المقرب عنده‏* * * عطاء ببشراه أقر و أفرح‏

و بالرتبة العليا الأسيلة دونها* * * مراتب أرباب المواهب تلمح‏

و في جنة الفردوس أول داخل‏* * * له سائر الأبواب بالخار تفتح‏

و هذا آخر ما يسر اللَّه جمعه من الأخبار بالمغيبات التي وقعت إلى زماننا مما يدخل في دلائل النبوة و اللَّه الهادي، و إذا فرغنا إن شاء اللَّه من إيراد الحادثات من بعد موته (عليه السلام) إلى زماننا، نتبع ذلك بذكر الفتن و الملاحم الواقعة في آخر الزمان ثم نسوق بعد ذلك أشراط الساعة ثم نذكر البعث و النشور، ثم ما يقع يوم القيامة من الأهوال و ما فيه من العظمة و نذكر الحوض و الميزان و الصراط ثم نذكر صفة النار ثم صفة الجنة.