البداية و النهاية - ج6

- ابن كثير الدمشقي‏ المزيد...
354 /
301

كتاب تاريخ الإسلام الأول من الحوادث الواقعة في الزمان، و وفيات المشاهير و الأعيان «سنة إحدى عشرة من الهجرة»

تقدم ما كان في ربيع الأول منها من وفاة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في يوم الإثنين و ذلك لثانى عشر منه على المشهور و قد بسطنا الكلام في ذلك بما فيه كفاية و باللَّه التوفيق.

خلافة أبى بكر الصديق رضى اللَّه عنه و ما كان في أيامه من الحوادث و الأمور

قد تقدم أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) توفى يوم الاثنين و ذلك ضحى فاشتغل الناس ببيعة أبى بكر الصديق في سقيفة بنى ساعدة ثم في المسجد البيعة العامة في بقية يوم الاثنين و صبيحة الثلاثاء كما تقدم ذلك بطوله ثم أخذوا في غسل رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و تكفينه و الصلاة عليه (صلى اللَّه عليه و سلم) تسليما بقية يوم الثلاثاء و دفنوه ليلة الأربعاء كما تقدم ذلك مبرهنا في موضعه. و قال محمد بن إسحاق بن يسار: حدثني الزهري حدثني أنس بن مالك قال: لما بويع أبو بكر في السقيفة و كان الغد جلس أبو بكر فقام عمر فتكلم قبل أبى بكر فحمد اللَّه و أثنى عليه بما هو أهله ثم قال: أيها الناس إني قد قلت لكم بالأمس مقالة ما كانت و ما وجدتها في كتاب اللَّه و لا كانت عهدا عهده إليّ رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و لكنى قد كنت أرى أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) سيدبر أمرنا، يقول: يكون آخرنا، و إن اللَّه قد أبقى فيكم الّذي به هدى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فأن اعتصمتم به هداكم اللَّه لما كان هداه اللَّه، و إن اللَّه قد جمع أمركم على خيركم صاحب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و ثانى اثنين إذ هما في الغار، فقوموا فبايعوه، فبايع الناس أبا بكر بعد بيعة السقيفة، ثم تكلم أبو بكر فحمد اللَّه و أثنى عليه بالذي هو أهله ثم قال: أما بعد أيها الناس فأنى قد و ليت عليكم و لست بخيركم فان أحسنت فأعينونى و إن أسأت فقوموني الصدق أمانة و الكذب خيانة، و الضعيف فيكم قوى عندي حتى أرجع عليه حقه إن شاء اللَّه، و القوى فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه إن شاء اللَّه لا يدع قوم الجهاد في سبيل اللَّه إلا خذلهم اللَّه بالذل، و لا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمهم اللَّه بالبلاء، أطيعونى ما أطعت اللَّه و رسوله، فإذا عصيت اللَّه و رسوله فلا طاعة لي عليكم، قوموا الى صلاتكم يرحمكم اللَّه* و هذا إسناد صحيح. و قد اتفق الصحابة رضى اللَّه عنهم على بيعة الصديق في ذلك الوقت، حتى على بن أبى طالب و الزبير بن العوام رضى اللَّه عنهما، و الدليل على ذلك ما رواه البيهقي حيث قال: أنبأنا أبو الحسين على بن محمد بن على الحافظ الأسفراييني، ثنا أبو على الحسين بن على الحافظ، ثنا أبو بكر بن خزيمة و إبراهيم بن أبى طالب‏

302

قالا: ثنا بندار بن يسار، ثنا أبو هشام المخزومي، ثنا وهيب، ثنا داود بن أبى هند، ثنا أبو نصرة عن أبى سعيد الخدريّ قال: قبض رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و اجتمع الناس في دار سعد بن عبادة، و فيهم أبو بكر و عمر قال: فقام خطيب الأنصار فقال: أ تعلمون أنا أنصار رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فنحن أنصار خليفته كما كنا أنصاره، قال: فقام عمر بن الخطاب فقال: صدق قائلكم و لو قلتم غير هذا لم نبايعكم فأخذ بيد أبى بكر و قال: هذا صاحبكم فبايعوه، فبايعه عمر، و بايعه المهاجرون و الأنصار، و قال:

فصعد أبو بكر المنبر فنظر في وجوه القوم فلم ير الزبير، قال: فدعا الزبير فجاء قال: قلت: ابن عمة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أردت أن تشق عصا المسلمين، قال: لا تثريب يا خليفة رسول اللَّه، فقام فبايعه، ثم نظر في وجوه القوم فلم ير عليا، فدعا بعلي بن أبى طالب قال: قلت: ابن عم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و ختنه على ابنته، أردت أن تشق عصا المسلمين، قال: لا تثريب يا خليفة رسول اللَّه فبايعه، هذا أو معناه قال الحافظ أبو على النيسابورىّ: سمعت ابن خزيمة يقول: جاءني مسلّم بن الحجاج فسألني عن هذا الحديث فكتبته له في رقعة و قرأت عليه، فقال: هذا حديث يساوى بدنة، فقلت: يسوى بدنة، بل هذا يسوى بدرة* و قد رواه الامام أحمد عن الثقة عن وهيب مختصرا، و أخرجه الحاكم في مستدركه من طريق عفان بن مسلّم عن وهيب مطولا كنحو ما تقدم* و روينا من طريق المحاملي عن القاسم بن سعيد بن المسيب عن على بن عاصم عن الحريري عن أبى نصرة عن أبى سعيد فذكره مثله في مبايعة على و الزبير رضى اللَّه عنهما يومئذ* و قال موسى بن عقبة في مغازيه عن سعد بن إبراهيم: حدثني أبى أن أباه عبد الرحمن بن عوف كان مع عمرو أن محمد بن مسلمة كسر سيف الزبير، ثم خطب أبو بكر و اعتذر إلى الناس و قال: و اللَّه ما كنت حريصا على الإمارة يوما و لا ليلة، و لا سألتها اللَّه في سر و لا علانية، فقبل المهاجرون مقالته، و قال على و الزبير ما إلا لأننا أخرنا عن المشورة، و إنا نرى أبا بكر أحق الناس بها، إنه لصاحب الغار، و إنا لنعرف شرفه و خيره، و لقد أمره رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بالصلاة بالناس و هو حي، و هذا اللائق بعلي رضى اللَّه عنه و الّذي يدل عليه الآثار من شهوده معه الصلوات، و خروجه معه إلى ذي القصة بعد موت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، كما سنورده، و بذله له النصيحة و المشورة، بين يديه، و أما ما يأتى من مبايعته إياه بعد موت فاطمة، و قد ماتت بعد أبيها (عليه السلام) بستة أشهر، فذلك محمول على أنها بيعة ثانية أزالت ما كان قد وقع من وحشة بسبب الكلام في الميراث و منعه إياهم ذلك بالنص عن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في قوله: لا نورث ما تركنا فهو صدقة، كما تقدم إيراد أسانيده و ألفاظه و للَّه الحمد* و قد كتبنا هذه الطرق مستقصاة في الكتاب الّذي أفردناه في سيرة الصديق رضى اللَّه عنه و ما أسنده من الأحاديث عن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و ما روى عنه من الأحكام مبوبة على أبواب العلم و للَّه الحمد و المنة، و قال سيف بن عمر

303

التميمي عن أبى ضمرة عن أبيه عن عاصم بن عدي، قال نادى منادى أبى بكر من الغد من متوفى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ليتمم بعث أسامة: ألا لا يبقين بالمدينة أحد من جيش أسامة إلا خرج إلى عسكره بالجرف، و قام أبو بكر في الناس فحمد اللَّه و أثنى عليه، و قال: أيها الناس إنما أنا مثلكم و انى لعلكم تكافوننى ما كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يطيق، إن اللَّه اصطفى محمدا على العالمين، و عصمه من الآفات، و إنما أنا متبع و لست بمبتدع، فان استقمت فبايعوني، و إن زغت فقوموني، و إن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قبض و ليس أحد من هذه الأمة يطلبه بمظلمة ضربة سوط فما دونها، و إن لي شيطانا يعتريني فإذا أتانى فاجتنبوني لا أؤثر في أشعاركم و أبشاركم، و إنكم تغدون و تروحون في أجل قد غيب عنكم علمه، و إن استطعتم أن لا يمضى إلا و أنتم في عمل صالح فافعلوا، و لن تستطيعوا ذلك الا باللَّه، و سابقوا في مهل آجالكم من قبل أن تسلمكم آجالكم إلى انقطاع الأعمال، فان قوما نسوا آجالهم و جعلوا أعمالهم بعدهم، فإياكم أن تكونوا أمثالهم، الجد الجد، النجاة النجاة، الوحا الوحا فان وراءكم طالبا حثيثا، و أجلا أمره سريع، احذروا الموت، و اعتبروا بالآباء و الأبناء و الأخوان، و لا تطيعوا الأحياء إلا بما تطيعوا به الأموات، قال: و قام أيضا فحمد اللَّه و أثنى عليه ثم قال: إن اللَّه لا يقبل من الأعمال إلا ما أريد به وجهه، فأريدوا اللَّه بأعمالكم، فأنما أخلصتم لحين فقركم و حاجتكم، اعتبروا عباد اللَّه بمن مات منكم، و تفكروا فيمن كان قبلكم، أين كانوا أمس، و أين هم اليوم، أين الجبارون الذين كان لهم ذكر القتال و الغلبة في مواطن الحروب، قد تضعضع بهم الدهر، و صاروا رميما، قد تولت عليهم العالات، الخبيثات للخبيثين، و الخبيثون للخبيثات، و أين الملوك الذين أثاروا الأرض و عمروها؟ قد بعدوا و نسي ذكرهم، و صاروا كلا شي‏ء، الا أن اللَّه عز و جل قد أبقى عليهم التبعات، و قطع عنهم الشهوات، و مضوا و الأعمال أعمالهم، و الدنيا دنيا غيرهم، و بعثنا خلفا بعدهم، فان نحن اعتبرنا بهم نجونا، و إن انحدرنا كنا مثلهم، أين الوضاءة الحسنة وجوههم، المعجبون بشبابهم؟ صاروا ترابا، و صار ما فرطوا فيه حسرة عليهم، أين الذين بنوا المدائن و حصنوها بالحوائط، و جعلوا فيها الأعاجيب؟ قد تركوها لمن خلفهم، فتلك مساكنهم خاوية و هم في ظلمات القبور، هل (تحسّ منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا)؟ أين من تعرفون من آبائكم و إخوانكم، قد انتهت بهم آجالهم، فوردوا على ما قدموا فحلوا عليه و أقاموا للشقوة أو السعادة بعد الموت، ألا إن اللَّه لا شريك له ليس بينه و بين أحد من خلقه سبب يعطيه به خيرا، و لا يصرف به عنه سوءا، إلا بطاعته و اتباع أمره، و اعلموا أنكم عبيد مدينون، و أن ما عنده لا يدرك إلا بطاعته أما آن لأحدكم أن تحسر عنه النار و لا تبعد عنه الجنة؟.

304

فصل في تنفيذ جيش أسامة بن زيد

الذين كانوا قد أمرهم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بالمسير الى تخوم البلقاء من الشام، حيث قتل زيد بن حارثة، و جعفر و ابن رواحة: فيغتزوا على تلك الأراضي، فخرجوا إلى الجرف فخيموا به، و كان بينهم عمر بن الخطاب، و يقال: و أبو بكر الصديق فاستثناه رسول اللَّه منهم للصلاة، فلما ثقل رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أقاموا هنالك، فلما مات عظم الخطب و اشتد الحال و نجم النفاق بالمدينة، و ارتد من ارتد من أحياء العرب حول المدينة، و امتنع آخرون من أداء الزكاة إلى الصديق، و لم يبق للجمعة مقام في بلد سوى مكة و المدينة، و كانت جواثا من البحرين أول قرية أقامت الجمعة بعد رجوع الناس الى الحق كما في صحيح البخاري عن ابن عباس كما سيأتي، و قد كانت ثقيف بالطائف ثبتوا على الإسلام، لم يفروا و لا ارتدوا، و المقصود أنه لما وقعت هذه الأمور أشار كثير من الناس على الصديق أن لا ينفذ جيش أسامة لاحتياجه إليه فيما هو أهم، لأن ما جهز بسببه في حال السلامة، و كان من جملة من أشار بذلك عمر بن الخطاب، فامتنع الصديق من ذلك، و أبى أشد الإباء، إلا أن ينفذ جيش أسامة، و قال: و اللَّه لا أحل عقدة عقدها رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و لو أن الطير تخطفنا، و السباع من حول المدينة و لو أن الكلاب جرت بأرجل أمهات المؤمنين لأجهزن جيش أسامة و آمر الحرس يكونون حول المدينة فكان خروجه في ذلك الوقت من أكبر المصالح و الحالة تلك، فساروا لا يمرون بحي من أحياء العرب إلا أرعبوا منهم، و قالوا: ما خرج هؤلاء من قوم إلا و بهم منعة شديدة، فقاموا أربعين يوما و يقال سبعين يوما، ثم أتوا سالمين غانمين، ثم رجعوا فجهزهم حينئذ مع الاحياء الذين أخرجهم لقتال المرتدة، و مانعي الزكاة على ما سيأتي تفصيله، قال سيف بن عمر: عن هشام بن عروة عن أبيه قال:

لما بويع أبو بكر و جمع الأنصار في الأمر الّذي افترقوا فيه، قال: ليتم بعث أسامة و قد ارتدت العرب إما عامة و إما خاصة، في كل قبيلة، و نجم النفاق و اشرأبت اليهودية و النصرانية، و المسلمون كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية، لفقد نبيهم (صلى اللَّه عليه و سلم)، و قلتهم و كثرة عدوهم، فقال له الناس: إن هؤلاء جل المسلمين و العرب على ما ترى قد انتقصت بك، و ليس ينبغي لك أن تفرق عنك جماعة المسلمين، فقال: و الّذي نفس أبى بكر بيده لو ظننت أن السباع تخطفني لأنفذت بعث أسامة كما أمر به رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و لو لم يبق في القرى غيري لأنفذته* و قد روى هذا عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، و من حديث القاسم و عمرة عن عائشة قالت: لما قبض رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ارتدت العرب قاطبة و أشربت النفاق، و اللَّه لقد نزل بى ما لو نزل بالجبال الراسيات لهاضها، و صار أصحاب محمد (صلى اللَّه عليه و سلم)

305

كأنهم معزى مطيرة في حش في ليلة مطيرة بأرض مسبعة، فو اللَّه ما اختلفوا في نقطة الإطار أبى بخطلها و عنانها و فصلها، ثم ذكرت عمر فقالت: من رأى عمر علم أنه خلق غنى للإسلام، كان و اللَّه أحوذيا نسيج وحده قد أعد للأمور أقرانها* و قال الحافظ أبو بكر البيهقي: أنا أبو عبد اللَّه الحافظ، أنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا محمد بن على الميموني، ثنا الفريابي، ثنا عباد بن كثير عن أبى الأعرج عن أبى هريرة قال: و اللَّه الّذي لا إله إلا هو لو لا أن أبا بكر استخلف ما عبد اللَّه، ثم قال الثانية، ثم قال الثالثة، فقيل له: مه يا أبا هريرة؟ فقال: إن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) وجه أسامة بن زيد في سبعمائة إلى الشام، فلما نزل بذي خشب قبض رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و ارتدت العرب حول المدينة، فاجتمع إليه أصحاب رسول اللَّه فقالوا: يا أبا بكر رد هؤلاء، توجه هؤلاء إلى الروم و قد ارتدت العرب حول المدينة؟ فقال: و الّذي لا إله غيره لو جرت الكلاب بأرجل أزواج رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ما رددت جيشا وجهه رسول اللَّه، و لا حللت لواء عقده رسول اللَّه. فوجه أسامة، فجعل لا يمر بقبيل يريدون الارتداد إلا قالوا: لو لا أن لهؤلاء قوة ما خرج مثل هؤلاء من عندهم، و لكن ندعهم حتى يلقوا الروم، فلقوا الروم فهزموهم و قتلوهم، و رجعوا سالمين، فثبتوا على الإسلام- عباد بن كثير هذا أظنه البرمكي- لرواية الفريابي عنه، و هو متقارب الحديث، فأما البصري الثقفي فمتروك الحديث و اللَّه أعلم* و روى سيف بن عمر عن أبى ضمرة و أبى عمرو و غيرهما عن الحسن البصري: أن أبا بكر لما صمم على تجهيز جيش أسامة قال بعض الأنصار لعمر: قل له فليؤمّر علينا غير أسامة، فذكر له عمر ذلك، فيقال: إنه أخذ بلحيته و قال: ثكلتك أمك يا ابن الخطاب، أؤمر غير أمير رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)؟ ثم نهض بنفسه إلى الجرف فاستعرض جيش أسامة و أمرهم بالمسير، و سار معهم ماشيا، و أسامة راكبا، و عبد الرحمن بن عوف يقود براحلة الصديق، فقال أسامة: يا خليفة رسول اللَّه، إما أن تركب و إما أن أنزل، فقال: و اللَّه لست بنازل و لست براكب، ثم استطلق الصديق من أسامة عمر بن الخطاب- و كان مكتتبا في جيشه- فأطلقه له، فلهذا كان عمر لا يلقاه بعد ذلك إلا قال: السلام عليك أيها الأمير.

مقتل الأسود العنسيّ المتنبي الكذاب لعنه اللَّه و أخزاه‏

قال أبو جعفر بن جرير: حدثني عمرو بن شيبة النميري، ثنا على بن محمد- يعنى المدائني- عن أبى معشر و يزيد بن عياض عن جعد به، و غسان بن عبد الحميد و جويرية بن أسماء عن مشيختهم قالوا:

أمضى أبو بكر جيش أسامة بن زيد في آخر ربيع الأول، و أتى مقتل الأسود في آخر ربيع الأول بعد مخرج أسامة، فكان ذلك أول فتح فتح أبو بكر و هو بالمدينة.

306

صفة خروجه و تمليكه و مقتله‏

قد أسلفنا فيما تقدم أن اليمن كانت لحمير، و كانت ملوكهم يسمون التبابعة، و تكلمنا في أيام الجاهلية على طرف صالح من هذا، ثم إن ملك الحبشة بعث أميرين من قواده، و هما أبرهة الأشرم، و ارياط، فتملكا له اليمن من حمير، و صار ملكها للحبشة، ثم اختلف هذان الأميران، فقتل ارياط و استقل أبرهة بالنيابة، و بنى كنيسة سماها العانس، لارتفاعها، و أراد أن يصرف حج العرب إليها دون الكعبة، فجاء بعض قريش فأحدث في هذه الكنيسة، فلما بلغه ذلك حلف ليخربن بيت مكة، فسار إليه و معه الجنود و الفيل محمود، فكان من أمرهم ما قص اللَّه في كتابه* و قد تقدم بسط ذلك في موضعه، فرجع أبرهة ببعض من بقي من جيشه في أسوأ حال و شر خيبة، و ما زال تسقط أعضاؤه أنملة أنملة، فلما وصل إلى صنعاء انصدع صدره فمات، فقام بالملك بعده ولده بلسيوم بن أبرهة ثم أخوه مسروق بن أبرهة، فيقال: إنه استمر ملك اليمن بأيدي الحبشة سبعين سنة، ثم ثار سيف بن ذي يزن الحميري، فذهب إلى قيصر ملك الروم يستنصره عليهم، فأبى ذلك عليه- لما بينه و بينهم من الاجتماع في دين النصرانية- فسار إلى كسرى ملك الفرس فاستغاث به، و له معه مواقف و مقامات في الكلام تقدم بسط بعضها، ثم اتفق الحال على أن بعث معه ممن بالسجون طائفة تقدمهم رجل منهم يقال له: وهرز، فاستنقذ ملك اليمن من الحبشة، و كسر مسروق بن أبرهة و قتله، و دخلوا إلى صنعاء و قرروا سيف بن ذي يزن في الملك على عادة آبائه، و جاءت العرب تهنئة من كل جانب، غير أن لكسرى نوابا على البلاد، فاستمر الحال على ذلك حتى بعث رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فأقام بمكة ما أقام، ثم هاجر إلى المدينة فلما كتب كتبه إلى الآفاق يدعوهم إلى عبادة اللَّه وحده لا شريك له،

فكتب في جملة ذلك إلى كسرى ملك الفرس:

بسم اللَّه الرحمن الرحيم من محمد رسول اللَّه إلى كسرى عظيم الفرس، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فأسلّم تسلّم،

إلى آخره، فلما جاءه الكتاب قال: ما هذا؟ قالوا: هذا كتاب جاء من عند رجل بجزيرة العرب يزعم أنه نبي، فلما فتح الكتاب فوجده قد بدأ باسمه قبل اسم كسرى، غضب كسرى غضبا شديدا، و أخذ الكتاب فمزقه قبل أن يقرأه، و كتب إلى عامله على اليمن- و كان اسمه باذام- أما بعد فإذا جاءك كتابي هذا فابعث من قبلك أميرين إلى هذا الرجل الّذي بجزيرة العرب، الّذي يزعم أنه نبي، فابعثه إليّ في جامعة، فلما جاء الكتاب إلى باذام، بعث من عنده أميرين عاقلين، و قال: اذهبا الى هذا الرجل، فانظرا ما هو، فأن كان كاذبا فخذاه في جامعة حتى تذهبا به إلى كسرى، و إن كان غير ذلك فارجعا إلى فأخبراني ما هو، حتى انظر في أمره، فقدما على رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) الى المدينة، فوجداه على أسدّ الأحوال و أرشدها، و رأيا منه أمورا عجيبة، يطول ذكرها، و مكثا عنده‏

307

شهرا حتى بلغا ما جاءا له، ثم تقاضاه الجواب بعد ذلك،

فقال لهما:

ارجعا إلى صاحبكما فأخبراه أن ربى قد قتل الليلة ربه،

فأرخا ذلك عندهما ثم رجعا سريعا إلى اليمن فأخبرا باذام بما قال لهما فقال:

أحصوا تلك الليلة، فان ظهر الأمر كما قال فهو نبي، فجاءت الكتب من عند ملكهم أنه قد قتل كسرى في ليلة كذا و كذا، لتلك الليلة، و كان قد قتله بنوه و لهذا قال بعض الشعراء:

و كسرى إذ تقاسمه بنوه‏* * * بأسياف كما اقتسم اللحام‏

تمخضت المنون له بيوم‏* * * أنى و لكل حاملة تمام‏

و قام بالملك بعده ولده يزدجرد و كتب إلى باذام أن خذ لي البيعة من قبلك، و اعمد إلى ذلك الرجل فلا تهنه و أكرمه، فدخل الإسلام في قلب باذام و ذريته من أبناء فارس ممن باليمن، و بعث إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بإسلامه، فبعث إليه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بنيابة اليمن بكمالها، فلم يعزله عنها حتى مات، فلما مات استناب ابنه شهر بن باذام على صنعاء و بعض مخاليف، و بعث طائفة من أصحابه نوابا على مخاليف أخر، فبعث أولا في سنة عشر، عليا و خالدا، ثم أرسل معاذا و أبا موسى الأشعري و فرق عمالة اليمن بين جماعة من الصحابة، فمنهم شهر بن باذام، و عامر بن شهر الهمدانيّ، على همدان، و أبو موسى على ما رب، و خالد بن سعيد بن العاص على عامر نجران و رفع و زبيد، و يعلى ابن أمية على الجند، و الطاهر بن أبى هالة على عل و الأشعريين، و عمرو بن حرام على نجران، و على بلاد حضرموت زياد بن لبيد، و على السكاسك عكاشة بن مور بن أخضر، و على السكون معاوية بن كندة، و بعث معاذ بن جبل معلما لأهل البلدين- اليمن و حضرموت- يتنقل من بلد إلى بلد، ذكره سيف بن عمر، و ذلك كله في سنة عشر، آخر حياة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فبينما هم على ذلك إذ نجم هذا اللعين الأسود العنسيّ.

خروج الأسود العنسيّ‏

و اسمه عبهلة بن كعب بن غوث- من بلد يقال لها: كهف حنان- في سبعمائة مقاتل، و كتب إلى عمال النبي (صلى اللَّه عليه و سلم): أيها المتمردون علينا، أمسكوا علينا ما أخذتم من أرضنا، و وفروا ما جمعتم، فنحن أولى به، و أنتم على ما أنتم عليه، ثم ركب فتوجه إلى نجران فأخذها بعد عشر ليال من مخرجه ثم قصد إلى صنعاء، فخرج اليه شهر بن باذام فتقاتلا، فغلبه الأسود و قتله، و كسر جيشه من الأبناء و احتل بلدة صنعاء لخمس و عشرين ليلة من مخرجه، ففر معاذ بن جبل من هنالك و اجتاز بأبي موسى الأشعري، فذهبا الى حضرموت و انحاز عمال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إلى الطاهر، و رجع عمر بن حرام و خالد بن سعيد بن العاص إلى المدينة، و استوثقت اليمن بكمالها للأسود العنسيّ، و جعل أمره يستطير استطارة الشرارة، و كان جيشه يوم لقي شهرا سبعمائة فارس، و أمراؤه قيس بن عبد يغوث و معاوية

308

ابن قيس و يزيد بن محرم بن حصن الحارثي، و يزيد بن الأفكل الأزدي، و اشتد ملكه، و استغلظ أمره، و ارتد خلق من أهل اليمن و عامله المسلمون الذين هناك بالتقية، و كان خليفته على مذحج عمرو بن معديكرب و أسند أمر الجند الى قيس بن عبد يغوث، و أسند أمر الأبناء الى فيروز الديلميّ و داذويه و تزوج بامرأة شهر بن باذام و هي ابنة عم فيروز الديلميّ، و اسمها زاذ، و كانت امرأة حسناء جميلة، و هي مع ذلك مؤمنة باللَّه و رسوله محمد (صلى اللَّه عليه و سلم)، و من الصالحات، قال سيف بن عمر التميمي: و بعث رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) كتابه، حين بلغه خبر الأسود العنسيّ مع رجل يقال له: وبر بن يحنس الديلميّ: يأمر المسلمين الذين هناك بمقاتلة الأسود العنسيّ و مصاولته، و قام معاذ بن جبل بهذا الكتاب أتم القيام، و كان قد تزوج امرأة من السكون يقال لها: رملة، فحزبت عليه السكون لصبره فيهم، و قاموا معه في ذلك، و بلغوا هذا الكتاب إلى عمال النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، و من قدروا عليه من الناس، و اتفق اجتماعهم بقيس بن عبد يغوث أمير الجند- و كان قد غضب على الأسود، و استخف به، و هم بقتله- و كذلك كان أمر فيروز الديلميّ، قد ضعف عنده أيضا، و كذا داذويه، فلما أعلم وبر بن نحيس قيس بن عبد يغوث، و هو قيس بن مكشوح، كان كأنما نزلوا عليه من السماء، و وافقهم على الفتك بالأسود و توافق المسلمون على ذلك، و تعاقدوا عليه، فلما أيقن ذلك في الباطن اطلع شيطان الأسود للأسود على شي‏ء من ذلك، فدعا قيس بن مكشوح، فقال له: يا قيس ما يقول هذا؟ قال: و ما يقول؟ قال يقول: عمدت إلى قيس فأكرمته حتى إذا دخل منك كل مدخل، و صار في العز مثلك، مال ميل عدوك، و حاول ملكك، و أضمر على الغدر، إنه يقول يا أسود يا أسود يا سوآه يا سوآه، فطف به و خذ من قيس أعلاه و إلا سلبك و قطف‏ف‏ك؟؟ [ (1)] فقال له قيس و حلف له فكذب: و ذي الخمار لانت أعظم في نفسي و أجل عندي من أن أحدث بك نفسي، فقال له الأسود: ما إخالك تكذب الملك، فقد صدق الملك و عرف الآن أنك تائب عما اطلع عليه منك، ثم خرج قيس من بين يديه فجاء إلى أصحابه فيروز و داذويه، و أخبرهم بما قال له ورد عليه، فقالوا: إنا كلنا على حذر، فما الرأى، فبينما هم يشتورون إذ جاءهم رسوله فأحضرهم بين يديه، فقال: أ لم أشرفكم على قومكم؟ قالوا:

بلى، قال: فما ذا يبلغني عنكم؟ فقالوا: أقلنا مرتنا هذه، فقال: لا يبلغني عنكم فأقيلكم، قال:

فخرجنا من عنده و لم نكد، و هو في ارتياب من أمرنا، و نحن على خطر، فبينما نحن في ذلك إذ جاءتنا كتب من عامر بن شهر، أمير همدان، و ذي ظليم، و ذي كلاع، و غيرهم من أمراء اليمن، يبذلون لنا الطاعة و النصر، على مخالفة الأسود، و ذلك حين جاءهم كتاب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يحثهم على مصاولة الأسود العنسيّ، فكتبنا اليهم أن لا يحدثوا شيئا حتى نبرم الأمر، قال قيس: فدخلت على امرأته‏

____________

[ (1)] كذا بالأصل.

309

ازاذ، فقلت: يا ابنة عمى قد عرفت بلاء هذا الرجل عند قومك، قتل زوجك، و طأطأ في قومك القتل، و فضح النساء، فهل عندك ممالأة عليه؟ قالت: على أي أمر، قلت إخراجه، قالت: أو قتله، قلت: أو قتله، قالت: نعم، و اللَّه ما خلق اللَّه شخصا هو أبغض إليّ منه، فما يقوم للَّه على حق و لا ينتهى له عن حرمة، فإذا عزمتم أخبرونى أعلمكم بما في هذا الأمر، قال فأخرج فإذا فيروز و داذويه، ينتظر انى يريدون أن يناهضوه، فما استقر اجتماعه بهما حتى بعث إليه الأسود فدخل في عشرة من قومه، فقال: أ لم أخبرك بالحق و تخبرني بالكذابة؟ إنه يقول: يا سوأة يا سوأة، إن لم تقطع من قيس يده يقطع رقبتك العليا، حتى ظن قيس أنه قاتله، فقال: إنه ليس من الحق، أن أهلك و أنت رسول اللَّه، فقتلى أحب إليّ من موتات أموتها كل يوم، فرق له و أمره بالانصراف، فخرج إلى أصحابه فقال: اعملوا عملكم، فبينما هم وقوف بالباب يشتورون، إذ خرج الأسود عليهم و قد جمع له مائة ما بين بقرة و بعير، فقام و خط خطا و أقيمت من ورائه، و قام دونها، فنحرها، غير محبسة و لا معقلة، ما يقتحم الخط منها شي‏ء، فجالت إلى أن زهقت أرواحها، قال قيس: فما رأيت أمرا كان أفظع منه، و لا يوما أوحش منه، ثم قال الأسود: أحق ما بلغني عنك يا فيروز؟ لقد هممت أن أنحرك فألحقك بهذه البهيمة، و أبدى له الحربة، فقال له فيروز: اخترتنا لصهرك، و فضلتنا على الأبناء، فلو لم تكن نبيا ما بعنا نصيبنا منك بشي‏ء، فكيف و قد اجتمع لنا بك أمر الآخرة و الدنيا؟ فلا تقبل علينا أمثال ما يبلغك، فأنا بحيث تحب، فرضى عنه و أمره بقسم لحوم تلك الانعام ففرقها فيروز في أهل صنعاء، ثم أسرع اللحاق به، فإذا رجل يحرضه على فيروز و يسعى إليه فيه، و استمع له فيروز، فإذا الأسود يقول: أنا قاتله غدا و أصحابه، فاغد عليّ به، ثم التفت فإذا فيروز، فقال: مه، فأخبره فيروز بما صنع من قسم ذلك اللحم، فدخل الأسود داره، و رجع فيروز إلى أصحابه فأعلمهم بما سمع و بما قال و قيل له، فاجتمع رأيهم على أن عاودوا المرأة في أمره، فدخل أحدهم- و هو فيروز- إليها فقالت: إنه ليس من الدار بيت إلا و الحرس محيطون به، غير هذا البيت، فأن ظهره إلى مكان كذا و كذا من الطريق، فإذا أمسيتم فانقبوا عليه من دون الحرس، و ليس من دون قتله شي‏ء، و إني سأضع في البيت سراجا و سلاحا، فلما خرج من عندها تلقاه الأسود فقال له: ما أدخلك على أهلي؟ و وجأ رأسه، و كان الأسود شديدا، فصاحت المرأة فأدهشته عنه، و لو لا ذلك لقتله، و قالت: ابن عمى جاءني زائرا، فقال: اسكتي لا أبا لك، قد وهبته لك، فخرج على أصحابه فقال: النجاء النجاء، و أخبرهم الخبر، فحاروا ما ذا يصنعون؟ فبعثت المرأة إليهم تقول لهم: لا تنثنوا عما كنتم عازمين عليه، فدخل عليها فيروز الديلميّ فاستثبت منها الخبر، و دخلوا إلى ذلك البيت فنقبوا من داخله بطائن ليهون عليهم النقب من خارج، ثم جلس عندهما

310

جهرة كالزائر، فدخل الأسود فقال: و ما هذا؟ فقالت: إنه أخى من الرضاعة، و هو ابن عمى، فنهره و أخرجه، فرجع إلى أصحابه، فلما كان الليل نقبوا ذلك البيت فدخلوا فوجدوا فيه سراجا تحت جفنة فتقدم اليه فيروز الديلميّ و الأسود نائم على فراش من حرير، قد غرق رأسه في جسده، و هو سكران يغط، و المرأة جالسة عنده، فلما قام فيروز على الباب أجلسه شيطانه و تكلم على لسانه- و هو مع ذلك يغط- فقال: ما لي و ما لك يا فيروز؟ فخشي إن رجع يهلك و تهلك المرأة، فعاجله و خالطه و هو مثل الجمل فأخذ رأسه فدق عنقه و وضع ركبتيه في ظهره حتى قتله، ثم قام ليخرج إلى أصحابه ليخبرهم، فأخذت المرأة بذيله و قالت: أين تذهب عن حرمتك. فظنت أنها لم تقتله، فقال:

أخرج لأعلمهم بقتله، فدخلوا عليه ليحتزوا رأسه، فحركه شيطانه فاضطرب، فلم يضبطوا أمره حتى جلس اثنان على ظهره، و أخذت المرأة بشعره، و جعل يبربر بلسانه فاحتزّ الآخر رقبته، فخار كأشد خوار ثور سمع قط، فابتدر الحرس إلى المقصورة، فقالوا: ما هذا ما هذا؟ فقالت المرأة: النبي يوحى إليه، فرجعوا، و جلس قيس و داذويه و فيروز يأتمرون كيف يعلمون أشياعهم، فاتفقوا على أنه إذا كان الصباح ينادون بشعارهم الّذي بينهم و بين المسلمين، فلما كان الصباح قام أحدهم، و هو قيس على سور الحصن فنادى بشعارهم، فاجتمع المسلمون و الكافرون حول الحصن، فنادى قيس و يقال: وبر بن يحنش، الأذان: أشهد أن محمدا رسول اللَّه، و أن عبهلة كذاب، و ألقى إليهم رأسه فانهزم أصحابه و تبعهم الناس يأخذونهم و يرصدونهم في كل طريق يأسرونهم، و ظهر الإسلام و أهله، و تراجع نواب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إلى أعمالهم و تنازع أولئك الثلاثة في الإمارة، ثم اتفقوا على معاذ ابن جبل يصلّى بالناس، و كتبوا بالخبر إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و قد أطلعه اللَّه على الخبر من ليلته، كما قال سيف بن عمر التميمي عن أبى القاسم الشنوى عن العلاء بن زيد عن ابن عمر: أتى الخبر إلى النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) من السماء الليلة التي قتل فيها العنسيّ ليبشرنا، فقال:

قتل العنسيّ البارحة قتله رجل مبارك من أهل بيت مباركين، قيل: و من؟ قال: فيروز فيروز، و قد قيل: إن مدة ملكه منذ ظهر إلى أن قتل ثلاثة أشهر، و يقال: أربعة أشهر، فاللَّه أعلم* و قال سيف بن عمر عن المستنير عن عروة عن الضحاك عن فيروز: قال: قتلنا الأسود، و عاد أمرنا في صنعاء كما كان إلا أنا أرسلنا إلى معاذ بن جبل فتراضينا عليه، فكان يصلّى بنا في صنعاء، فو اللَّه ما صلّى بنا إلا ثلاثة أيام حتى أتانا الخبر بوفاة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فانتقضت الأمور، و أنكرنا كثيرا مما كنا نعرف، و اضطربت الأرض* و قد قدمنا أن خبر العنسيّ جاء إلى الصديق في أواخر ربيع الأول بعد ما جهز جيش أسامة، و قيل: بل جاءت البشارة إلى المدينة صبيحة توفى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و الأول أشهر و اللَّه أعلم* و المقصود أنه لم يجئهم فيما يتعلق بمصالحهم و اجتماع كلمتهم و تأليف ما بينهم‏

311

و التمسك بدين الإسلام إلا الصديق رضى اللَّه عنه، و سيأتي إرساله إليهم من يمهد الأمور التي اضطربت في بلادهم و يقوى أيدي المسلمين، و يثبت أركان دعائم الإسلام فيهم، رضى اللَّه عنهم*

فصل في تصدى الصديق لقتال أهل الردة و مانعي الزكاة

قد تقدم أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) لما توفى ارتدت أحياء كثيرة من الأعراب، و نجم النفاق بالمدينة و انحاز إلى مسيلمة الكذاب بنو حنيفة و خلق كثير باليمامة، و التفت على طليحة الأسدي بنو أسد و طيِّئ، و بشر كثير أيضا، و ادعى النبوة أيضا كما ادعاها مسيلمة الكذاب، و عظم الخطب و اشتدت الحال، و نفذ الصديق جيش أسامة، فقل الجند عند الصديق، فطمعت كثير من الأعراب في المدينة و راموا أن يهجموا عليها، فجعل الصديق على أنقاب المدينة حراسا يبيتون بالجيوش حولها، فمن أمراء الحرس على بن أبى طالب، و الزبير بن العوام، و طلحة بن عبد اللَّه، و سعد بن أبى وقاص، و عبد الرحمن بن عوف، و عبد اللَّه بن مسعود، و جعلت وفود العرب تقدم المدينة. يقرون بالصلاة و يمتنعون من أداء الزكاة، و منهم من امتنع من دفعها إلى الصديق، و ذكر أن منهم من احتج بقوله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَ تُزَكِّيهِمْ بِها وَ صَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ‏ قالوا: فلسنا ندفع زكاتنا الا إلى من صلاته سكن لنا، و أنشد بعضهم:

أطعنا رسول اللَّه إذ كان بيننا* * * فوا عجبا ما بال ملك أبى بكر

و قد تكلم الصحابة مع الصديق في أن يتركهم و ما هم عليه من منع الزكاة و يتألفهم حتى يتمكن الايمان في قلوبهم: ثم هم بعد ذلك يزكون، فامتنع الصديق من ذلك و أباه*

و قد روى الجماعة في كتبهم سوى ابن ماجة عن أبى هريرة

أن عمر بن الخطاب قال لأبي بكر: علام تقاتل الناس؟ و قد قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه و أن محمدا رسول اللَّه، فإذا قالوها عصموا منى دماءهم و أموالهم إلا بحقها؟

فقال أبو بكر: و اللَّه لو منعونى عناقا، و في رواية: عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) لأقاتلنهم على منعها، إن الزكاة حق المال، و اللَّه لأقاتلن من فرق بين الصلاة و الزكاة، قال عمر: فما هو الا أن رأيت اللَّه قد شرح صدر أبى بكر للقتال، فعرفت أنه الحق* قلت: و قد قال اللَّه تعالى‏ فَإِنْ تابُوا وَ أَقامُوا الصَّلاةَ وَ آتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ‏ و ثبت في الصحيحين: بنى الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا اللَّه و أن محمدا رسول اللَّه، و إقام الصلاة، و إيتاء الزكاة، و حج البيت، و صوم رمضان* و قد روى الحافظ ابن عساكر من طريقين عن شبابة ابن سوار: ثنا عيسى بن يزيد المديني، حدثني صالح بن كيسان، قال: لما كانت الردة قام أبو بكر

312

في الناس فحمد اللَّه و أثنى عليه ثم قال: الحمد للَّه الّذي هدى فكفى، و أعطى فأغنى، إن اللَّه بعث محمدا (صلى اللَّه عليه و سلم)، و العلم شريد، و الإسلام غريب طريد، قد رث حبله، و خلق عهده، و ضل أهله منه، و مقت اللَّه أهل الكتاب فلا يعطيهم خيرا لخير عندهم، و لا يصرف عنهم شرا لبشر عندهم، قد غيروا كتابهم، و ألحقوا فيه ما ليس منه، و العرب الآمنون يحسبون أنهم في منعة من اللَّه لا يعبدونه و لا يدعونه، فأجهدهم عيشا، و أضلهم دينا، في ظلف من الأرض مع ما فيه من السحاب فختمهم اللَّه بمحمد، و جعلهم الأمة الوسطى، نصرهم بمن اتبعهم، و نصرهم على غيرهم، حتى قبض اللَّه نبيه (صلى اللَّه عليه و سلم) فركب منهم الشيطان مركبه الّذي أنزله عليه، و أخذ بأيديهم، و بغى هلكتهم‏ وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى‏ أَعْقابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى‏ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ‏ إن من حولكم من العرب منعوا شاتهم و بعيرهم، و لم يكونوا في دينهم- و إن رجعوا إليه- أزهد منهم يومهم هذا، و لم تكونوا في دينكم أقوى منكم يومكم هذا، على ما قد تقدم من بركة نبيكم (صلى اللَّه عليه و سلم)، و قد و كلكم إلى المولى الكافي، الّذي وجده ضالا فهداه، و عائلا فأغناه‏ وَ كُنْتُمْ عَلى‏ شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها الآية، و اللَّه لا أدع أن أقاتل على أمر اللَّه حتى ينجز اللَّه وعده، و يوفى لنا عهده، و يقتل من قتل منا شهيدا من أهل الجنة، و يبقى من بقي منها خليفته و ذريته في أرضه، قضاء اللَّه الحق، و قوله الّذي لا خلف له‏ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ‏ الآية، ثم نزل* و قال الحسن و قتادة و غيرهما في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ‏ الآية، قالوا: المراد بذلك أبو بكر و أصحابه، في قتالهم المرتدين، و مانعي الزكاة* و قال محمد بن إسحاق: ارتدت العرب عند وفاة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ما خلا أهل المسجدين، مكة، و المدينة، و ارتدت أسد و غطفان و عليهم طليحة بن خويلد الأسدي الكاهن، و ارتدت كندة و من يليها، و عليهم الأشعث بن قيس الكندي، و ارتدت مذحج و من يليها، و عليهم الأسود بن كعب العنسيّ الكاهن، و ارتدت ربيعة مع المعرور ابن النعمان بن المنذر، و كانت حنيفة مقيمة على أمرها مع مسيلمة بن حبيب الكذاب* و ارتدت سليم مع الفجأة، و اسمه أنس بن عبد يا ليل، و ارتدت بنو تميم مع سجاح الكاهنة* و قال القاسم بن محمد:

اجتمعت أسد و غطفان و طيِّئ على طليحة الأسدي، و بعثوا وفودا إلى المدينة، فنزلوا على وجوه الناس فأنزلوهم إلا العباس، فحملوا بهم إلى أبى بكر، على أن يقيموا الصلاة و لا يؤتوا الزكاة، فعزم اللَّه لأبى بكر على الحق و قال: لو منعونى عقالا لجاهدتهم، فردهم فرجعوا إلى عشائرهم، فأخبروهم بقلة أهل المدينة، و طمعوهم فيها، فجعل أبو بكر الحرس على أنقاب المدينة، و ألزم أهل المدينة بحضور المسجد و قال: إن الأرض كافرة، و قد رأى وفدهم منكم قلة، و إنكم لا تدرون ليلا يأتون أم نهارا، و أدناهم‏

313

منكم على بريد، و قد كان القوم يؤملون أن نقبل منهم و نوادعهم و قد أبينا عليهم، فاستعدوا و أعدوا فما لبثوا إلا ثلاثا حتى طرقوا المدينة غارة، و خلفوا نصفهم بذي حسي ليكونوا ردءا لهم، و أرسل الحرس إلى أبى بكر يخبرونه بالغارة، فبعث إليهم: أن الزموا مكانكم. و خرج أبو بكر في أهل المسجد على النواضح إليهم، فانفشّ العدو و اتبعهم المسلمون على إبلهم، حتى بلغوا ذا حسي فخرج عليهم الردء فالتقوا مع الجمع فكان الفتح و قد قال:

أطعنا رسول اللَّه ما كان وسطنا* * * فيا لعباد اللَّه ما لأبى بكر

أ يورثنا بكرا إذا مات بعده‏* * * و تلك لعمر اللَّه قاصمة الظهر

فهلا رددتم و فدنا بزمانه؟* * * و هلا خشيتم حسّ راعية البكر؟

و إن التي سألوكمو فمنعتمو* * * لكالتمر أو أحلى إليّ من التمر

و في جمادى الآخرة ركب الصديق في أهل المدينة و أمراء الأنقاب، إلى من حول المدينة من الأعراب الذين أغاروا عليها، فلما تواجه هو و أعداؤه من بنى عبس، و بنى مرة، و ذبيان، و من ناصب معهم من بنى كنانة، و أمدهم طليحة بابنه حبال، فلما تواجه القوم كانوا قد صنعوا مكيدة و هي أنهم عمدوا إلى أنحاء فنفخوها ثم أرسلوها من رءوس الجبال، فلما رأتها إبل أصحاب الصديق نفرت و ذهبت كل مذهب، فلم يملكوا من أمرها شيئا إلى الليل، و حتى رجعت إلى المدينة، فقال في ذلك الخطيل بن أوس:

فدى لبني ذبيان رحلي و ناقتي‏* * * عشية يحدى بالرماح أبو بكر

و لكن يدهدى بالرجال فهبنه‏* * * الى قدر ما أن تقيم و لا تسرى‏

و للَّه أجناد تذاق مذاقه‏* * * لتحسب فيما عد من عجب الدهر

أطعنا رسول اللَّه ما كان بيننا* * * فيا لعباد اللَّه ما لأبى بكر

فلما وقع ما وقع ظن القوم بالمسلمين الوهن، و بعثوا إلى عشائرهم من نواحي أخر، فاجتمعوا، و بات أبو بكر رضى اللَّه عنه قائما ليله يعبئ الناس، ثم خرج على تعبئة من آخر الليل، و على ميمنته النعمان ابن مقرّن، و على الميسرة أخوه عبد اللَّه بن مقرن، و على الساقة أخوهما سويد بن مقرن، فما طلع الفجر إلا و هم و العدو في صعيد واحد، فما سمعوا للمسلمين حسا و لا همسا، حتى وضعوا فيهم السيوف، فما طلعت الشمس حتى ولوهم الأدبار، و غلبوهم على عامة ظهرهم، و قتل حبال، و اتبعهم أبو بكر حتى نزل بذي القصة، و كان أول الفتح، و ذل بها المشركون، و عز بها المسلمون، و وثب بنو ذبيان و عبس على من فيهم من المسلمين فقتلوهم، و فعل من وراءهم كفعلهم، فحلف أبو بكر ليقتلن من كل قبيلة بمن قتلوا من المسلمين و زيادة، ففي ذلك يقول زياد بن حنظلة التميمي:

314

غداة سعى أبو بكر إليهم‏* * * كما يسعى لموتته حلال‏

أراح على نواهقها عليا* * * و مجّ لهن مهجته حبال‏

و قال أيضا:

أقمنا لهم عرض الشمال فكبكبوا* * * ككبكبة الغزّى أناخوا على الوفر

فما صبروا للحرب عند قيامها* * * صبيحة يسمو بالرجال أبو بكر

طرقنا بنى عبس بأدنى نباجها* * * و ذبيان نهنهنا بقاصمة الظهر

فكانت هذه الوقعة من أكبر العون على نصر الإسلام و أهله، و ذلك أنه عز المسلمون في كل قبيلة، و ذل الكفار في كل قبيلة، و رجع أبو بكر إلى المدينة مؤيدا منصورا، سالما غانما، و طرقت المدينة في الليل صدقات عدي بن حاتم، و صفوان و الزبرقان، إحداها في أول الليل، و الثانية في أوسطه و الثالثة في آخره، و قدم بكل واحدة منهن بشير من أمراء الأنقاب، فكان الّذي بشر بصفوان سعد ابن أبى وقاص، و الّذي بشر بالزبرقان عبد الرحمن بن عوف، و الّذي بشر بعدي بن حاتم عبد اللَّه ابن مسعود، و يقال: أبو قتادة الأنصاري رضى اللَّه عنه* و ذلك على رأس ستين ليلة من متوفى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)* ثم قدم أسامة بن زيد بعد ذلك بليال، فاستخلفه أبو بكر على المدينة، و أمرهم أن يريحوا ظهرهم، ثم ركب أبو بكر في الذين كانوا معه، في الوقعة المتقدمة، إلى ذي القصة، فقال له المسلمون: لو رجعت إلى المدينة و أرسلت رجلا، فقال: و اللَّه لا أفعل، و لأواسينكم بنفسي، فخرج في تعبئته، الى ذي حسي و ذي القصة، و النعمان و عبد اللَّه و سويد بنو مقرن على ما كانوا عليه، حتى نزل على أهل الرَّبَذَة بالابرق و هناك جماعة من بنى عبس و ذبيان، و طائفة من بنى كنانة، فاقتتلوا فهزم اللَّه الحارث و عوفا و أخذ الحطيئة أسيرا فطارت بنو عبس و بنو بكر، و أقام أبو بكر على الأبرق أياما و قد غلب بنى ذبيان على البلاد، و قال: حرام على بنى ذبيان أن يتملكوا هذه البلاد، إذ غنمناها اللَّه و حمى الأبرق بخيول المسلمين، و أرعى سائر بلاد الرَّبَذَة. و لما فرت عبس و ذبيان صاروا إلى مؤازرة طلحة و هو نازل على بزاخة، و قد قال في يوم الأبرق زياد بن حنظلة:

و يوم بالأبارق قد شهدنا* * * على ذبيان يلتهب التهابا

أتيناهم بداهية نسوف‏* * * مع الصديق إذ ترك العتابا

ذكر خروجه الى ذي القصة حين عقد ألوية الأمراء الأحد عشر على ما سيأتي‏

و ذلك بعد ما جم جيش أسامة و استراحوا، ركب الصديق أيضا في الجيوش الإسلامية شاهرا سيفه مسلولا، من المدينة إلى ذي القصة، و هي من المدينة على مرحلة، و على بن أبى طالب يقود براحلة الصديق رضى اللَّه عنهما، كما سيأتي، فسأله الصحابة، منهم على و غيره، و ألحوا عليه أن يرجع‏

315

إلى المدينة، و أن يبعث لقتال الأعراب غيره ممن يؤمره من الشجعان الأبطال، فأجابهم إلى ذلك، و عقد لهم الألوية لأحد عشر أميرا، على ما سنفصله قريبا إن شاء اللَّه*

و قد روى الدار قطنى من حديث عبد الوهاب بن موسى الزهري عن مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن ابن عمر قال:

لما برز أبو بكر إلى القصة و استوى على راحلته، أخذ على بن أبى طالب بزمامها و قال: إلى أين يا خليفة رسول اللَّه؟ أقول لك ما قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يوم أحد: لم سيفك و لا تفجعنا بنفسك، و ارجع إلى المدينة، فو اللَّه لئن فجعنا بك لا يكون للإسلام نظام أبدا، فرجع*

هذا حديث غريب من طريق مالك،

و قد رواه زكريا الساجي من حديث عبد الوهاب بن موسى بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف [و] الزهري أيضا عن أبى الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت:

خرج أبى شاهرا سيفه راكبا على راحلته الى وادي القصة، فجاء على بن أبى طالب فأخذ بزمام راحلته فقال: إلى أين يا خليفة رسول اللَّه؟ أقول لك ما قال رسول اللَّه يوم أحد: لم سيفك و لا تفجعنا بنفسك فو اللَّه لئن أصبنا بك لا يكون للإسلام بعدك نظام أبدا، فرجع و أمضى الجيش*

و قال سيف بن عمر عن سهل بن يوسف عن القاسم بن محمد: لما استراح أسامة و جنده، و قد جاءت صدقات كثيرة تفضل عنهم، قطع أبو بكر البعوث، و عقد الألوية: فعقد أحد عشر لواء، عقد لخالد بن الوليد و أمره بطليحة ابن خويلد، فإذا فرغ سار إلى مالك بن نويرة بالبطاح إن أقام له. و لعكرمة بن أبى جهل، و أمره بمسيلمة. و بعث شرحبيل بن حسنة في أثره إلى مسيلمة الكذاب، ثم إلى بنى قضاعة. و للمهاجر بن أبى أمية، و أمره بجنود العنسيّ و معونة الأبناء على قيس بن مكشوح* قلت: و ذلك لانه كان قد نزع يده من الطاعة، على ما سيأتي. قال: و لخالد بن سعيد بن العاص إلى مشارف الشام. و لعمرو بن العاص إلى جماع قضاعة و وديعة و الحارث. و لحذيفة بن محصن الغطفانيّ و أمره بأهل دبا و بعرفجة و هرثمة و غير ذلك. و لطرفة بن حاجب و أمره ببني سليم و من معهم من هوازن. و لسويد بن مقرن، و أمره بتهامة اليمن. و للعلاء بن الحضرميّ، و أمره بالبحرين رضى اللَّه عنهم* و قد كتب لكل أمير كتاب عهده على حدته، ففصل كل أمير بجنده من ذي القصة، و رجع الصديق إلى المدينة، و قد كتب معهم الصديق كتابا الى الرَّبَذَة و هذه نسخته «بسم اللَّه الرحمن الرحيم. من أبى بكر خليفة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إلى من بلغه كتابي هذا، من عامة و خاصة، أقام على إسلامه أو رجع عنه، سلام على من اتبع الهدى، و لم يرجع بعد الهدى الى الضلالة و الهوى، فانى أحمد اللَّه إليكم الّذي لا إله إلا هو، و أشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، و أن محمدا عبده و رسوله، نقر بما جاء به، و نكفر من أبى ذلك و نجاهده. أما بعد فأن اللَّه أرسل بالحق من عنده، الى خلقه بشيرا و نذيرا، و داعيا الى اللَّه بأذنه و سراجا منيرا، لينذر من كان حيا و يحق القول على الكافرين، فهدى اللَّه بالحق من‏

316

أجاب إليه، و ضرب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) من أدبر عنه، حتى صار إلى الإسلام طوعا أو كرها، ثم توفى اللَّه رسوله، و قد نفذ لأمر اللَّه، و نصح لأمته، و قضى الّذي عليه، و كان اللَّه قد بين له ذلك، و لأهل الإسلام في الكتاب الّذي أنزل فقال‏ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ‏ و قال: وَ ما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَ فَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ‏ و قال للمؤمنين‏ وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى‏ أَعْقابِكُمْ، وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى‏ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ‏ فمن كان إنما يعبد محمدا فأن محمدا قد مات، و من كان إنما يعبد اللَّه فأن اللَّه حي لا يموت، و لا تأخذه سنة و لا نوم، حافظ لأمره، منتقم من عدوه. و إني أوصيكم بتقوى اللَّه و حظكم و نصيبكم و ما جاءكم به نبيكم (صلى اللَّه عليه و سلم)، و أن تهتدوا بهداه، و أن تعتصموا بدين اللَّه، فأن كل من لم يهده اللَّه ضال، و كل من لم يعنه اللَّه مخذول، و من هداه غير اللَّه كان ضالا، قال اللَّه تعالى‏ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَ مَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً و لن يقبل له في الدنيا عمل [عبد] حتى يقربه، و لم يقبل له في الآخرة صرف و لا عدل، و قد بلغني رجوع من رجع منكم عن دينه بعد أن أقر بالإسلام، و عمل به، اغترارا باللَّه و جهلا بأمره، و إجابة للشيطان، قال اللَّه تعالى: وَ إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَ فَتَتَّخِذُونَهُ وَ ذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَ هُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا و قال: إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ و إني بعثت إليكم في جيش من المهاجرين و الأنصار، و التابعين بأحسان، و أمرته أن لا يقبل من أحد الا الايمان باللَّه، و لا يقتله حتى يدعوه إلى اللَّه عز و جل، فأن أجاب و أقر و عمل صالحا قبل منه، و أعانه عليه و إن أبى حاربه عليه حتى يفي‏ء إلى أمر اللَّه، ثم لا يبقى على أحد منهم قدر عليه، و أن يحرقهم بالنار و أن يقتلهم كل قتلة، و أن يسبى النساء و الذراري و لا يقبل من أحد غير الإسلام، فمن اتبعه فهو خير له، و من تركه فلن يعجز اللَّه، و قد أمرت رسولي أن يقرأ كتابه في كل مجمع لكم، و الداعية الأذان فإذا أذن المسلمون فكفوا عنهم، و إن لم يؤذنوا فسلوهم ما عليهم، فان أبوا عاجلوهم، و إن أقروا حمل منهم على ما ينبغي لهم* رواه سيف بن عمر عن عبد اللَّه بن سعيد عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك.

فصل في مسير الأمراء من ذي القصة على ما عوهدوا عليه‏

و كان سيد الأمراء و رأس الشجعان الصناديد أبو سليمان خالد بن الوليد*

روى الامام أحمد من طريق وحشي بن حرب،

أن أبا بكر الصديق لما عقد لخالد بن الوليد على قتال أهل الردة، قال:

سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول: نعم عبد اللَّه و أخو العشيرة، خالد بن الوليد، سيف من سيوف اللَّه‏

317

سله اللَّه على الكفار و المنافقين،

و لما توجه خالد من ذي القصة و فارقه الصديق، واعده أنه سيلقاه من ناحية خيبر بمن معه من الأمراء- و أظهروا ذلك ليرعبوا الأعراب- و أمره أن يذهب أولا الى طليحة الأسدي، ثم يذهب بعده إلى بنى تميم، و كان طليحة بن خويلد في قومه بنى أسد، و في غطفان، و انضم إليهم بنو عبس و ذبيان، و بعث إلى بنى جديلة و الغوث و طيِّئ يستدعيهم إليه، فبعثوا أقواما منهم بين أيديهم، ليلحقوهم على أثرهم سريعا، و كان الصديق قد بعث عدي بن حاتم قبل خالد بن الوليد، و قال له: أدرك قومك لا يلحقوا بطليحة فيكون دمارهم، فذهب عدي إلى قومه بنى طيِّئ فأمرهم أن يبايعوا الصديق، و أن يراجعوا أمر اللَّه، فقالوا: لا نبايع أبا الفضل أبدا- يعنون أبا بكر رضى اللَّه عنه- فقال: و اللَّه ليأتينكم جيش فلا يزالون يقاتلونكم حتى تعلموا أنه أبو الفحل الأكبر، و لم يزل عدي يفتل لهم في الذروة و الغارب حتى لانوا، و جاء خالد في الجنود و على مقدمة الأنصار الذين معه ثابت بن قيس بن شماس، و بعث بين يديه ثابت بن أقرم، و عكاشة بن محصن طليعة، فتلقاهما طليحة و أخوه سلمة فيمن معهما، فلما وجدا ثابتا و عكاشة تبارزوا فقتل عكاشة جبال بن طليحة، و قيل: بل كان قتل جبالا قبل ذلك و أخذ ما معه، و حمل عليه طليحة فقتله و قتل هو و أخوه سلمة، ثابت بن أقرم، و جاء خالد بمن معه فوجدوهما صريعين، فشق ذلك على المسلمين و قد قال طليحة في ذلك:

عشية غادرت ابن أقرم ثاويا* * * و عكاشة العمى تحت مجال‏

أقمت له صدر الحمالة إنها* * * معودة قبل الكماة نزال‏

فيوم تراها في الجلال مصونة* * * و يوم تراها في ظلال عوالي‏

و إن يك أولاد أصبن و نسوة* * * فلم يذهبوا فرغا بقتل حبال‏

و مال خالد إلى بنى طيئ، فخرج اليه عدي بن حاتم فقال: أنظرني ثلاثة أيام، فأنهم قد استنظرونى حتى يبعثوا إلى من تعجل منهم إلى طليحة حتى يرجعوا اليهم، فأنهم يخشون إن تابعوك أن يقتل طليحة من سار إليه منهم، و هذا أحب إليك من أن يعجلهم الى النار، فلما كان بعد ثلاث جاءه عدي في خمسمائة مقاتل ممن راجع الحق، فانضافوا إلى جيش خالد و قصد خالد بنى جديلة فقال له: يا خالد، أجلنى أياما حتى آتيهم فلعل اللَّه أن ينقذهم كما أنقذ طيِّئا، فأتاهم عدي فلم يزل بهم حتى تابعوه، فجاء خالدا بإسلامهم، و لحق بالمسلمين منهم ألف راكب، فكان عدي خير مولود و أعظمه بركة على قومه، رضى اللَّه عنهم، قالوا: ثم سار خالد حتى نزل بأجأ و سلمى، و عبى جيشه هنالك و التقى مع طليحة الأسدي بمكان يقال له: بزاخة، و وقفت أحياء كثيرة من الأعراب ينظرون على من تكون الدائرة، و جاء طليحة فيمن معه من قومه و من التف معهم و انضاف إليهم، و قد حضر

318

معه عيينة بن حصن في سبعمائة من قومه، بنى فزارة، و اصطف الناس، و جلس طليحة ملتفا في كساء له يتنبأ لهم ينظر ما يوحى إليه فيما يزعم، و جعل عيينة يقاتل ما يقاتل، حتى إذا ضجر من القتال يجي‏ء إلى طليحة و هو ملتف في كسائه فيقول: أ جاءك جبريل؟ فيقول: لا، فيرجع فيقاتل، ثم يرجع فيقول له مثل ذلك و يرد عليه مثل ذلك، فلما كان في الثالثة قال له: هل جاءك جبريل؟ قال نعم، قال: فما قال لك؟ قال: قال لي إن لك رحاء كرحاه، و حديثا لا تنساه، قال يقول عيينة:

أظن أن قد علم اللَّه سيكون لك حديث لا تنساه، ثم قال: يا بنى فزارة انصرفوا، و انهزم و انهزم الناس عن طليحة، فلما جاءه المسلمون ركب على فرس كان قد أعدها له، و أركب امرأته النوار على بعير له، ثم انهزم بها الى الشام و تفرق جمعه، و قد قتل اللَّه طائفة ممن كان معه، فلما أوقع اللَّه بطليحة و فزارة ما أوقع، قالت بنو عامر و سليم و هوازن: ندخل فيما خرجنا منه، و نؤمن باللَّه و رسوله، و نسلّم لحكمه في أموالنا و أنفسنا* قلت: و قد كان طليحة الأسدي ارتد في حياة النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، فلما مات رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قام بمؤازرته عيينة بن حصن من بدر، و ارتد عن الإسلام، و قال لقومه: و اللَّه لنبي من بنى أسد أحب الى من نبي من بنى هاشم، و قد مات محمد و هذا طليحة فاتبعوه، فوافق قومه بنو فزارة على ذلك، فلما كسرهما خالد هرب طليحة بامرأته إلى الشام، فنزل على بنى كلب، و أسر خالد عيينة بن حصن، و بعث به إلى المدينة مجموعة يداه إلى عنقه، فدخل المدينة و هو كذلك فجعل الولدان و الغلمان يطعنونه بأيديهم، و يقولون: أي عدو اللَّه، ارتددت عن الإسلام؟ فيقول:

و اللَّه ما كنت آمنت قط، فلما وقف بين يدي الصديق استتابه و حقن دمه، ثم حسن إسلامه بعد ذلك، و كذلك منّ على قرة بن هبيرة، و كان أحد الأمراء مع طليحة، فأسره مع عيينة، و أما طليحة فأنه راجع الإسلام بعد ذلك أيضا، و ذهب إلى مكة معتمرا أيام الصديق، و استحيى أن يواجهه مدة حياته، و قد رجع فشهد القتال مع خالد، و كتب الصديق الى خالد: أن استشره في الحرب و لا تؤمره- يعنى معاملته له بنقيض ما كان قصده من الرئاسة في الباطن- و هذا من فقه الصديق رضى اللَّه عنه و أرضاه، و قد قال خالد بن الوليد لبعض أصحاب طليحة ممن أسلم و حسن إسلامه: أخبرنا عما كان يقول لكم طليحة من الوحي، فقال: إنه كان يقول: الحمام و اليمام و الصرد و الصوام، قد صمن قبلكم بأعوام ليبلغن ملكنا العراق و الشام، إلى غير ذلك من الخرافات و الهذيانات السمجة* و قد كتب أبو بكر الصديق الى خالد بن الوليد حين جاءه أنه كسر طليحة و من كان في صفه و قام بنصره فكتب اليه: ليزدك ما أنعم اللَّه به خيرا و اتّق اللَّه في أمرك، فان اللَّه مع الذين اتقوا و الذين هم محسنون، جد في أمرك و لا تلن و لا تظفر بأحد من المشركين قتل من المسلمين الا نكلت به، و من أخذت ممن حاد اللَّه أو ضاده ممن يرى أن في ذلك صلاحا فأقتله* فأقام خالد بنراخة شهرا،

319

يصعد فيها و يصوب و يرجع إليها في طلب الذين وصاه بسببهم الصديق، فجعل يتردد في طلب هؤلاء شهرا يأخذ بثأر من قتلوا من المسلمين الذين كانوا بين أظهرهم حين ارتدوا، فمنهم من حرقة بالنار، و منهم من رضخه بالحجارة، و منهم من رمى به من شواهق الجبال، كل هذا ليعتبر بهم من يسمع بخبرهم من مرتدة العرب، رضى اللَّه عنه* و قال الثوري عن قيس بن مسلّم عن طارق بن شهاب قال: لما قدم وفد بزاخة- أسد و غطفان- على أبى بكر يسألونه الصلح، خيرهم أبو بكر بين حرب مجلية أو حطة مخزية، فقالوا: يا خليفة رسول اللَّه أما الحرب المجلية فقد عرفناها، فما الحطة المخزية؟

قال: تؤخذ منكم الحلقة و الكراع و تتركون أقواما يتبعون أذناب الإبل حتى يرى اللَّه خليفة نبيه و المؤمنين أمرا يعذرونكم به، و تؤدون ما أصبتم منا، و لا نؤدي ما أصبنا منكم، و تشهدون أن قتلانا في الجنة و أن قتلاكم في النار، و تدون قتلانا و لا ندي قتلاكم، فقال عمر: أما قولك: تدون قتلانا، فأن قتلانا قتلوا على أمر اللَّه لا ديات لهم، فامتنع عمر و قال عمر في الثاني: نعم ما رأيت* و رواه البخاري من حديث الثوري بسنده مختصرا.

وقعة أخرى‏

كان قد اجتمع طائفة كثيرة من الفلال يوم بزاخة من أصحاب طليحة، من بنى غطفان فاجتمعوا إلى امرأة يقال لها: أم زمل- سلمى بنت ملك بن حذيفة- و كانت من سيدات العرب، كأمها أم قرفة، و كان يضرب بأمها المثل في الشرف لكثرة أولادها و عزة قبيلتها و بيتها، فلما اجتمعوا إليها ذمرتهم لقتال خالد، فهاجوا لذلك، و ناشب إليهم آخرون من بنى سليم و طيِّئ و هوازن و أسد، فصاروا جيشا كثيفا و تفحل أمر هذه المرأة، فلما سمع بهم خالد بن الوليد سار إليهم، و اقتتلوا قتالا شديدا و هي راكبة على جمل أمها الّذي كان يقال له من يمسّ جملها فله مائة من الإبل و ذلك لعزها، فهزمهم خالد و عقر جملها و قتلها و بعث بالفتح الى الصديق رضى اللَّه عنه.

قصة الفجاءة

و اسمه إياس بن عبد اللَّه بن عبد يا ليل بن عميرة بن خفاف من بنى سليم، قاله ابن إسحاق، و قد كان الصديق حرق الفجاءة بالبقيع في المدينة، و كان سببه أنه قدم عليه فزعم أنه أسلّم، و سأل منه أن يجهز معه جيشا يقاتل به أهل الردة، فجهز معه جيشا، فلما سار جعل لا يمر بمسلّم و لا مرتد إلا قتله و أخذ ماله، فلما سمع الصديق بعث وراءه جيشا فرده، فلما أمكنه بعث به الى البقيع، فجمعت يداه الى قفاه و ألقى في النار فحرقه و هو مقموط.

قصة سجاح و بنى تميم‏

كانت بنو تميم قد اختلفت آراؤهم أيام الردة، فمنهم من ارتد و منع الزكاة، و منهم من بعث‏

320

بأموال الصدقات إلى الصديق، و منهم من توقف لينظر في أمره، فبينما هم كذلك إذ أقبلت سجاح بنت الحارث بن سويد بن عقفان التغلبية من الجزيرة، و هي من نصارى العرب، و قد ادعت النبوة و معها جنود من قومها و من التف بهم، و قد عزموا على غزو أبى بكر الصديق، فلما مرت ببلاد بنى تميم دعتهم الى أمرها، فاستجاب لها عامتهم، و كان ممن استجاب لها مالك بن نويرة التميمي، و عطارد بن حاجب، و جماعة من سادات أمراء بنى تميم، و تخلف آخرون منهم عنها، ثم اصطلحوا على أن لا حرب بينهم، الا أن مالك بن نويرة لما وادعها ثناها عن عودها، و حرضها على بنى يربوع، ثم اتفق الجميع على قتال الناس، و قالوا: بمن نبدأ؟ فقالت لهم فيما تسجعه: أعدوا الركاب، و استعدوا للنهاب، ثم أغيروا على الرباب، فليس دونهم حجاب. ثم إنهم تعاهدوا على نصرها، فقال قائل منهم:

أتتنا أخت تغلب في رجال‏* * * جلائب من سراة بنى أبينا

و أرست دعوة فينا سفاها* * * و كانت من عمائر آخرينا

فما كنا لنرزيهم زبالا* * * و ما كانت لتسلم إذ أتينا

ألا سفهت حلومكم و ضلت‏* * * عشية تحشدون لها ثبينا

و قال عطارد بن حاجب في ذلك:

أمست نبيتنا أنثى نطيف بها* * * و أصبحت أنبياء الناس ذكرانا

ثم إن سجاح قصدت بجنودها اليمامة، لتأخذها من مسيلمة بن حبيب الكذاب، فهابه قومها، و قالوا: إنه قد استفحل أمره و عظم، فقالت لهم فيما تقوله: عليكم باليمامة* دفوا دفيف الحمامة* فأنها غزوة صرامة* لا تلحقكم بعدها ملامة* قال: فعمدوا لحرب مسيلمة، فلما سمع بمسيرها إليه خافها على بلاده، و ذلك أنه مشغول بمقاتلة ثمامة بن أثال، و قد ساعده عكرمة بن أبى جهل بجنود المسلمين، و هم نازلون ببعض بلاده ينتظرون قدوم خالد كما سيأتي، فبعث إليها يستأمنها و يضمن لها أن يعطيها نصف الأرض الّذي كان لقريش لو عدلت، فقد رده اللَّه عليك فحباك به، و راسلها ليجتمع بها في طائفة من قومه، فركب اليها في أربعين من قومه، و جاء إليها فاجتمعا في خيمة، فلما خلا بها و عرض عليها ما عرض من نصف الأرض، و قبلت ذلك، قال مسيلمة: سمع اللَّه لمن سمع، و أطمعه بالخير إذا طمع، و لا يزال أمره في كل ما يسر مجتمع، رآكم ربكم فحياكم، و من وحشته أخلاكم، و يوم دينه أنجاكم فأحياكم، علينا من صلوات معشر أبرار، لا أشقياء و لا فجار، يقومون الليل و يصومون النهار لربكم الكبار، رب الغيوم و الامطار* و قال أيضا: لما رأيت وجوههم حسنت، و أبشارهم صفت و أيديهم طفلت، قلت لهم: لا النساء تأتون، و لا الخمر تشربون، و لكنكم معشر أبرار تصومون، فسبحان‏

321

اللَّه إذا جاءت الحياة كيف تحيون، و إلى ملك السماء كيف ترقون، فلو أنها حبة خردلة لقام عليها شهيد يعلم ما في الصدور، و لأكثر الناس فيها الثبور* و قد كان مسيلمة لعنه اللَّه شرع لمن اتبعه أن الأعزب يتزوج فإذا ولد له ذكر فيحرم عليه النساء حينئذ، الا أن يموت ذلك الولد الذكر، فتحل له النساء حتى يولد له ذكر، هذا مما اقترحه لعنه اللَّه، من تلقاء نفسه* و يقال: إنه لما خلا بسجاح سألها ما ذا يوحى إليها؟ فقالت: و هل يكون النساء يبتدئن؟ بل أنت ما ذا أوحى إليك؟

فقال: أ لم تر إلى ربك كيف فعل بالحبلى؟ أخرج منها نسمة تسعى، من بين صفاق وحشا. قالت:

و ما ذا؟ فقال: إن اللَّه خلق للنساء أفراجا، و جعل الرجال لهن أزواجا، فنولج فيهن قعسا إيلاجا، ثم نخرجها إذا نشاء إخراجا، فينتجن لنا سخالا إنتاجا. فقالت: أشهد أنك نبي، فقال لها: هل لك أن أتزوجك و آكل بقومي و قومك العرب؟ قالت: نعم، فقال:

ألا قومي الى النيك‏* * * فقد هيى لك المضجع‏

فأن شئت ففي البيت‏* * * و إن شئت ففي المخدع‏

و إن شئت سلقناك‏* * * و إن شئت على أربع‏

و إن شئت بثلثيه‏* * * و إن شئت به أجمع‏

فقالت: بل به أجمع، فقال: بذلك أوحى إلى، و أقامت عنده ثلاثة أيام، ثم رجعت إلى قومها فقالوا: ما أصدقك؟ فقالت: لم يصدقني شيئا، فقالوا: إنه قبيح على مثلك أن تتزوج بغير صداق فبعثت إليه تسأله صداقا، فقال: أرسلي إلى مؤذّنك، فبعثته إليه- و هو شبت بن ربعي- فقال:

ناد في قومك: إن مسيلمة بن حبيب رسول اللَّه قد وضع عنكم صلاتين مما أتاكم به محمد- يعنى صلاة الفجر و صلاة العشاء الآخرة- فكان هذا صداقها عليه لعنهما اللَّه* ثم انثنت سجاح راجعة إلى بلادها و ذلك حين بلغها دنو خالد من أرض اليمامة فكرت راجعة إلى الجزيرة بعد ما قبضت من مسيلمة نصف خراج أرضه، فأقامت في قومها بنى تغلب، إلى زمان معاوية فأجلاهم منها عام الجماعة كما سيأتي بيانه في موضعه.

فصل في خبر مالك بن نويرة اليربوعي التميمي‏

كان قد صانع سجاح حين قدمت من أرض الجزيرة، فلما اتصلت بمسيلمة لعنهما اللَّه، ثم ترحلت إلى بلادها- فلما كان ذلك- ندم مالك بن نويرة على ما كان من أمره، و تلوم في شأنه، و هو نازل بمكان يقال له: البطاح، فقصدها خالد بجنوده و تأخرت عنه الأنصار، و قالوا: إنا قد قضينا ما أمرنا به الصديق، فقال لهم خالد: ان هذا أمر لا بد من فعله، و فرصة لا بد من انتهازها، و إنه لم يأتنى فيها كتاب، و أنا الأمير و إلى ترد الأخبار، و لست بالذي أجبركم على المسير، و أنا قاصد البطاح. فسار

322

يومين ثم لحقه رسول اللَّه الأنصار يطلبون منه الانتظار، فلحقوا به، فلما وصل البطاح و عليها مالك بن نويرة، فبث خالد السرايا في البطاح يدعون الناس، فاستقبله أمراء بنى تميم بالسمع و الطاعة، و بذلوا الزكوات، إلا ما كان من مالك بن نويرة فأنه متحير في أمره، متنح عن الناس، فجاءته السرايا فأسروه و أسروا معه أصحابه، و اختلفت السرية فيهم، فشهد أبو قتادة- الحرث بن ربعي الأنصاري- أنهم أقاموا الصلاة، و قال آخرون: إنهم لم يؤذنوا و لا صلوا، فيقال إن الأسارى باتوا في كبولهم في ليلة شديدة البرد، فنادى منادى خالد: أن أدفئوا أسراكم، فظن القوم أنه أراد القتل، فقتلوهم، و قتل ضرار بن الأزور مالك بن نويرة، فلما سمع الداعية خرج و قد فرغوا منهم، فقال: إذا أراد اللَّه أمرا أصابه* و اصطفى خالد امرأة مالك بن نويرة، و هي أم تميم ابنة المنهال، و كانت جميلة، فلما حلت بنى بها، و يقال: بل استدعى خالد مالك بن نويرة فأنبه على ما صدر منه من متابعة سجاح، و على منعه الزكاة، و قال: أ لم تعلم أنها قرينة الصلاة؟ فقال مالك: إن صاحبكم كان يزعم ذلك، فقال: أ هو صاحبنا و ليس بصاحبك؟ يا ضرار اضرب عنقه، فضربت عنقه، و أمر برأسه فجعل مع حجرين و طبخ على الثلاثة قدرا، فأكل منها خالد تلك الليلة ليرهب بذلك الأعراب، من المرتدة و غيرهم، و يقال: إن شعر مالك جعلت النار تعمل فيه إلى أن نضج لحم القدر و لم تفرغ الشعر لكثرته، و قد تكلم أبو قتادة مع خالد فيما صنع و تقاولا في ذلك حتى ذهب أبو قتادة فشكاه إلى الصديق، و تكلم عمر مع أبى قتادة في خالد، و قال للصديق: اعزله فأن في سيفه رهقا، فقال أبو بكر لا أشيم سيفا سله اللَّه على الكفار، و جاء متمم بن نويرة فجعل يشكو إلى الصديق خالدا، و عمر يساعده و ينشد الصديق ما قال في أخيه من المراثي، فوداه الصديق من عنده، و من قول متمم في ذلك:

و كنا كندمانى جذيمة برهة* * * من الدهر حتى قيل لن يتصدعا

و عشنا بخير ما حيينا و قبلنا* * * أباد المنايا قوم كسرى و تبعا

فلما تفرقنا كأنى و مالكا* * * لطول اجتماع لم نبت ليلة معا

و قال أيضا:

لقد لا منى عند العبور على البكى‏* * * رفيقي لتذراف الدموع السوافك‏

و قال أ تبكي كل قبر رأيته‏* * * لقبر ثوى بين اللوى فالدكادك‏

فقلت له انّ الأسى يبعث الأسى‏* * * فدعني فهذا كله قبر مالك‏

و المقصود أنه لم يزل عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه يحرض الصديق و يذمره على عزل خالد عن الإمرة و يقول: إن في سيفه لرهقا، حتى بعث الصديق إلى خالد بن الوليد فقدم عليه المدينة، و قد لبس درعه التي من حديد، و قد صدئ من كثرة الدماء، و غرز في عمامته النشاب المضمخ بالدماء،

323

فلما دخل المسجد قام إليه عمر بن الخطاب فانتزع الأسهم من عمامة خالد فحطمها، و قال: أ رياء قتلت امرأ مسلما ثم نزوت على امرأته، و اللَّه لأرجمنك بالجنادل. و خالد لا يكلمه، و لا يظن إلا أن رأى الصديق فيه كرأى عمر، حتى دخل على أبى بكر فاعتذر إليه فعذره و تجاوز عنه ما كان منه في ذلك و ودى مالك بن نويرة، فخرج من عنده و عمر جالس في المسجد، فقال خالد: هلم إليّ يا ابن أم شملة، فلم يرد عليه و عرف أن الصديق قد رضى عنه، و استمر أبو بكر بخالد على الإمرة، و إن كان قد اجتهد في قتل مالك بن نويرة و أخطأ في قتله،

كما أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) لما بعثه إلى أبى جذيمة فقتل أولئك الأسارى الذين قالوا: صبأنا صبأنا، و لم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فوداهم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) حتى رد إليهم ميلغة الكلب، و رفع يديه و قال: اللَّهمّ إني أبرأ إليك مما صنع خالد،

و مع هذا لم يعزل خالدا عن الإمرة.

مقتل مسيلمة الكذاب لعنه اللَّه و أخزاه‏

لما رضى الصديق عن خالد بن الوليد و عذره بما اعتذر به، بعثه إلى قتال بنى حنيفة باليمامة، و أوعب معه المسلمون، و على الأنصار ثابت بن قيس بن شماس، فسار لا يمر بأحد من المرتدين إلا نكل بهم، و قد اجتاز بخيول لأصحاب سجاح فشردهم و أمر بإخراجهم من جزيرة العرب، و أردف الصديق خالدا بسرية لتكون ردءا له من ورائه و قد كان بعث قبله إلى مسيلمة عكرمة بن أبى جهل، و شرحبيل بن حسنة، فلم يقاوما بنى حنيفة، لأنهم في نحو أربعين ألفا من المقاتلة، فعجل عكرمة قبل مجي‏ء صاحبه شرحبيل، فناجزهم فنكب، فانتظر خالدا، فلما سمع مسيلمة بقدوم خالد عسكر بمكان يقال له:

عقربا في طرف اليمامة و الريف وراء ظهورهم، و ندب الناس و حثهم، فحشد له أهل اليمامة، و جعل على مجنبتي جيشة المحكم بن الطفيل، و الرّجال من عنفوة بن نهشل، و كان الرّجال هذا صديقه الّذي شهد له‏

أنه سمع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول:

إنه قد أشرك معه مسيلمة بن حبيب في الأمر، و كان هذا الملعون من أكبر ما أضل أهل اليمامة، حتى اتبعوا مسيلمة، لعنهما اللَّه،

و قد كان الرّجال هذا قد وفد إلى النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) و قرأ البقرة، و جاء زمن الردة إلى أبى بكر فبعثه إلى أهل اليمامة يدعوهم إلى اللَّه و يثبتهم على الإسلام، فارتد مع مسيلمة و شهد له بالنّبوّة*

قال سيف بن عمر عن طلحة عن عكرمة عن أبى هريرة:

كنت يوما عند النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) في رهط معنا الرجال بن عنفوة، فقال: إن فيكم لرجلا ضرسه في النار أعظم من أحد، فهلك القوم و بقيت أنا و الرجال و كنت متخوفا لها، حتى خرج الرجال مع مسيلمة و شهد له بالنّبوّة، فكانت فتنة الرجال أعظم من فتنة مسيلمة*

رواه ابن إسحاق عن شيخ عن أبى هريرة*

و قرب خالد و قد جعل على المقدمة شرحبيل بن حسنة، و على المجنبتين زيدا و أبا حذيفة، و قد مرت المقدمة في الليل بنحو من أربعين، و قيل ستين فارسا، عليهم مجاعة بن مرارة، و كان‏

324

قد ذهب لأخذ ثأر له في بنى تميم و بنى عامر و هو راجع إلى قومه فأخذوهم فلما جي‏ء بهم الى خالد عن آخرهم فاعتذروا اليه فلم يصدقهم، و أمر بضرب أعناقهم كلهم، سوى مجاعة فأنه استبقاه مقيدا عنده- لعلمه بالحرب و المكيدة- و كان سيدا في بنى حنيفة، شريفا مطاعا، و يقال: إن خالدا لما عرضوا عليه قال لهم: ما ذا تقولون يا بنى حنيفة؟ قالوا: نقول منا نبي و منكم نبي، فقتلهم إلا واحدا اسمه سارية، فقال له: أيها الرجل إن كنت تريد عدا بعدول هذا خيرا أو شرا فاستبق هذا الرجل- يعنى مجاعة بن مرارة- فاستبقاه خالد مقيدا، و جعله في الخيمة مع امرأته، و قال: استوصى به خيرا، فلما تواجه الجيشان قال مسيلمة لقومه: اليوم يوم الغيرة، اليوم إن هزمتم تستنكح النساء سبيات، و ينكحن غير حظيات، فقاتلوا عن أحسابكم و امنعوا نساءكم، و تقدم المسلمون حتى نزل بهم خالد على كثيب يشرف على اليمامة، فضرب به عسكره، و راية المهاجرين مع سالم مولى أبى حذيفة، و راية الأنصار مع ثابت بن قيس بن شماس، و العرب على راياتها، و مجاعة بن مرارة مقيد في الخيمة مع أم تميم امرأة خالد، فاصطدم المسلمون و الكفار فكانت جولة و انهزمت الأعراب حتى دخلت بنو حنيفة خيمة خالد بن الوليد و هموا بقتل أم تميم، حتى أجارها مجاعة و قال: نعمت الحرة هذه، و قد قتل الرجال بن عنفوة لعنه اللَّه في هذه الجولة، قتله زيد بن الخطاب، ثم تذامر الصحابة بينهم و قال ثابت بن قيس بن شماس: بئس ما عودتم أقرانكم، و نادوا من كل جانب: أخلصنا يا خالد، فخلصت ثلة من المهاجرين و الأنصار و حمى البراء بن معرور- و كان إذا رأى الحرب أخذته العرواء فيجلس على ظهر الرحال حتى يبول في سراويله، ثم يثور كما يثور الأسد، و قاتلت بنو حنيفة قتالا لم يعهد مثله، و جعلت الصحابة يتواصون بينهم و يقولون: يا أصحاب سورة البقرة، بطل السحر اليوم، و حفر ثابت ابن قيس لقدميه في الأرض إلى أنصاف ساقيه، و هو حامل لواء الأنصار بعد ما تحنط و تكفن، فلم يزل ثابتا حتى قتل هناك، و قال المهاجرون لسالم مولى أبى حذيفة: أ تخشى أن نؤتى من قبلك؟ فقال:

بئس حامل القرآن أنا إذا، و قال زيد بن الخطاب: أيها الناس عضوا على أضراسكم و اضربوا في عدوكم و امضوا قدما، و قال: و اللَّه لا أتكلم حتى يهزمهم اللَّه أو ألقى اللَّه فأكلمه بحجتي، فقتل شهيدا رضى اللَّه عنه* و قال أبو حذيفة: يا أهل القرآن زينوا القرآن بالفعال، و حمل فيهم حتى أبعدهم و أصيب رضى اللَّه عنه، و حمل خالد بن الوليد حتى جاوزهم، و سار لجبال مسيلمة و جعل يترقب أن يصل إليه فيقتله، ثم رجع ثم وقف بين الصفين و دعا البراز، و قال: أنا ابن الوليد العود، أنا ابن عامر و زيد، ثم نادى بشعار المسلمين- و كان شعارهم يومئذ يا محمداه- و جعل لا يبرز لهم أحد إلا قتله، و لا يدنو منه شي‏ء إلا أكله، و دارت رحى المسلمين ثم اقترب من مسيلمة فعرض عليه النصف و الرجوع إلى الحق، فجعل شيطان مسيلمة يلوى عنقه، لا يقبل منه شيئا، و كلما أراد مسيلمة يقارب من الأمر

325

صرفه عنه شيطانه، فانصرف عنه خالد و قد ميز خالد المهاجرين من الأنصار من الأعراب، و كل بنى أب على رايتهم، يقاتلون تحتها، حتى يعرف الناس من أين يؤتون، و صبرت الصحابة في هذا الموطن صبرا لم يعهد مثله، و لم يزالوا ينقدمون إلى نحور عدوهم حتى فتح اللَّه عليهم، و ولى الكفار الأدبار، و اتبعوهم يقتلون في أقفائهم، و يضعون السيوف في رقابهم حيث شاءوا، حتى ألجئوهم إلى حديقة الموت، و قد أشار عليهم محكم اليمامة- و هو محكم بن الطفيل لعنه اللَّه- بدخولها، فدخلوها و فيها عدو اللَّه مسيلمة لعنه اللَّه، و أدرك عبد الرحمن بن أبى بكر محكم بن الطفيل فرماه بسهم في عنقه و هو يخطب فقتله، و أغلقت بنو حنيفة الحديقة عليهم، و أحاط بهم الصحابة، و قال البراء بن مالك:

يا معشر المسلمين ألقونى عليهم في الحديقة، فاحتملوه فوق الجحف و رفعوها بالرماح حتى ألقوه عليهم من فوق سورها، فلم يزل يقاتلهم دون بابها حتى فتحه، و دخل المسلمون الحديقة من حيطانها و أبوابها يقتلون من فيها من المرتدة من أهل اليمامة، حتى خلصوا إلى مسيلمة لعنه اللَّه، و إذا هو واقف في ثلمة جدار كأنه جمل أورق، و هو يريد يتساند، لا يعقل من الغيظ، و كان إذا اعتراه شيطانه أزبد حتى يخرج الزبد من شدقيه، فتقدم إليه وحشي بن حرب مولى جبير بن مطعم- قاتل حمزة- فرماه بحزبته فأصابه و خرجت من الجانب الآخر، و سارع إليه أبو دجانة سماك بن خرشة، فضربه بالسيف فسقط، فنادت امرأة من القصر: وا أمير الوضاءة، قتله العبد الأسود، فكان جملة من قتلوا في الحديقة و في المعركة قريبا من عشرة آلاف مقاتل، و قيل: أحد و عشرون ألفا، و قتل من المسلمين ستمائة، و قيل: خمسمائة، فاللَّه أعلم، و فيهم من سادات الصحابة، و أعيان الناس من يذكر بعد، و خرج خالد و تبعه مجاعة بن مرارة يرسف في قيوده، فجعل يريه القتلى ليعرفه بمسيلمة، فلما مروا بالرجال بن عنفوة قال له خالد: أ هذا هو؟ قال: لا، و اللَّه هذا خير منه، هذا الرجال بن عنفوة، قال سيف بن عمر: ثم مروا برجل أصفر أخنس، فقال: هذا صاحبكم، فقال خالد: قبحكم اللَّه على اتباعكم هذا، ثم بعث خالد الخيول حول اليمامة يلتقطون ما حول حصونها من مال و سبى، ثم عزم على غزو الحصون و لم يكن بقي فيها إلا النساء و الصبيان و الشيوخ الكبار، فخدعه مجاعة فقال: إنها ملأى رجالا و مقاتلة فهلم فصالحني عنها، فصالحه خالد لما رأى بالمسلمين من الجهد و قد كلوا من كثرة الحروب و القتال، فقال: دعني حتى أذهب إليهم ليوافقونى على الصلح، فقال: اذهب، فسار إليهم مجاعة فأمر النساء أن يلبسن الحديد و يبرزن على رءوس الحصون، فنظر خالد فإذا الشرفات ممتلئة من رءوس الناس فظنهم كما قال مجاعة فانتظر الصلح، و دعاهم خالد إلى الإسلام فأسلموا عن آخرهم و رجعوا إلى الحق ورد عليهم خالد بعض ما كان أخذ من السبي، و ساق الباقين إلى الصديق، و قد تسرى على بن أبى طالب بجارية منهم، و هي أم ابنه محمد الّذي يقال له: محمد بن الحنفية رضى اللَّه‏

326

عنه، و قد قال ضرار بن الأزور في غزوة اليمامة هذه:

فلو سئلت عنا جنوب لأخبرت‏* * * عشية سالت عقرباء و ملهم‏

و سال بفرع الواد حتى ترقرقت‏* * * حجارته فيه من القوم بالدم‏

عشية لا تغني الرماح مكانها* * * و لا النبل الّا المشرفي المصمم‏

فأن تبتغي الكفار غير مسلمية* * * جنوب فأنى تابع الدين مسلم‏

أجاهد إذ كان الجهاد غنيمة* * * و للَّه بالمرء المجاهد أعلم‏

و قد قال خليفة بن حناط، و محمد بن جرير، و خلق من السلف: كانت وقعة اليمامة في سنة إحدى عشرة، و قال ابن قانع: في آخرها، و قال الواقدي و آخرون: كانت في سنة ثنتى عشرة، و الجمع بينها أن ابتداءها في سنة إحدى عشرة، و الفراغ منها في سنة ثنتى عشرة و اللَّه أعلم* و لما قدمت وفود بنى حنيفة على الصديق قال لهم: أسمعونا شيئا من قرآن مسيلمة، فقالوا: أو تعفينا يا خليفة رسول اللَّه؟

فقال: لا بد من ذلك، فقالوا: كان يقول: يا ضفدع بنت الضفدعين نقى لكم نقين، لا الماء تكدرين و لا الشارب تمنعين، رأسك في الماء، و ذنبك في الطين، و كان يقول: و المبذرات زرعا، و الحاصدات حصدا، و الذاريات قمحا، و الطاحنات طحنا، و الخابزات خبزا، و الثاردات ثردا، و اللاقمات لقما، إهالة و سمنا، لقد فضلتم على أهل الوبر، و ما سبقكم أهل المدر، رفيقكم فامنعوه، و المعتر فآووه، و الناعي فواسوه، و ذكروا أشياء من هذه الخرافات التي يأنف من قولها الصبيان و هم يلعبون، فيقال:

إن الصديق قال لهم: ويحكم، أين كان يذهب بقولكم؟ إن هذا الكلام لم يخرج من أل، و كان يقول: و الفيل و ما أدراك ما الفيل، له زلوم طويل، و كان يقول: و الليل الدامس، و الذئب الهامس، ما قطعت أسد من رطب و لا يابس، و تقدم قوله: لقد أنعم اللَّه على الحبلى، أخرج منها نسمة تسعى، من بين صفاق وحشي، و أشياء من هذا الكلام السخيف الركيك البارد السميج* و قد أورد أبو بكر ابن الباقلاني (رحمه اللَّه) في كتابه إعجاز القرآن أشياء من كلام هؤلاء الجهلة المتنبئين كمسيلمة و طليحة و الأسود و سجاح و غيرهم، مما يدل على ضعف عقولهم و عقول من اتبعهم على ضلالهم و محالهم* و قد روينا عن عمرو بن العاص أنه وفد الى مسيلمة في أيام جاهليته، فقال له مسيلمة: ما ذا أنزل على صاحبكم في هذا الحين؟ فقال له عمرو: لقد أنزل عليه سورة وجيزة بليغة، فقال: و ما هي؟ قال: أنزل عليه‏ وَ الْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَ تَواصَوْا بِالْحَقِّ وَ تَواصَوْا بِالصَّبْرِ قال: ففكر مسيلمة ساعة ثم رفع رأسه فقال: و لقد أنزل على مثلها، فقال له عمرو: و ما هي؟ فقال مسيلمة: ياوبر ياوبر، إنما أنت إيراد و صدر، و سائرك حفر نقر. ثم قال: كيف ترى يا عمرو؟ فقال له عمرو: و اللَّه إنك لتعلم أنى أعلم أنك تكذب* و ذكر علماء التاريخ أنه كان يتشبه بالنبيّ (صلى اللَّه عليه و سلم)،

327

بلغه أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بصق في بئر فغزر ماؤه، فبصق في بئر فغاض ماؤه بالكلية: و في أخرى فصار ماؤه أجاجا، و توضأ و سقى بوضوئه نخلا فيبست و هلكت، و أتى بولدان يبرك عليهم فجعل يمسح رءوسهم فمنهم من قرع رأسه، و منهم من لثغ لسانه، و يقال: إنه دعا لرجل أصابه وجع في عينيه فمسحهما فعمى* و قال سيف بن عمر عن خليد بن زفر النمري، عن عمير بن طلحة عن أبيه أنه جاء إلى اليمامة فقال: أين مسيلمة؟ فقال: مه رسول اللَّه، فقال: لا حتى أراه، فلما جاء قال: أنت مسيلمة؟ فقال:

نعم. قال: من يأتيك؟ قال: رجس، قال: أ في نور أم في ظلمة؟ فقال: في ظلمة، فقال أشهد أنك كذاب و أن محمدا صادق، و لكن كذاب ربيعة أحب إلينا من صادق مضر، و اتبعه هذا الأعرابي الجلف لعنه اللَّه حتى قتل معه يوم عقربا، لا (رحمه اللَّه).

ذكر ردة أهل البحرين و عودهم إلى الإسلام‏

كان من خبرهم أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) كان قد بعث العلاء بن الحضرميّ إلى ملكها، المنذر بن ساوى العبديّ، و أسلّم على يديه و أقام فيهم الإسلام و العدل، فلما توفى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، توفى المنذر بعده بقليل، و كان قد حضر عنده في مرضه عمرو بن العاص، فقال له: يا عمرو هل كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يجعل للمريض شيئا من ماله؟ قال: نعم، الثلث، قال: ما ذا أصنع به؟ قال: إن شئت تصدقت به على أقربائك، و إن شئت على المحاويج، و إن شئت جعلته صدقة من بعدك حبسا محرما، فقال:

إني أكره أن أجعله كالبحيرة و السائبة و الوصيلة و الحام، و لكنى أتصدق به، ففعل، و مات فكان عمرو بن العاص يتعجب منه، فلما مات المنذر ارتد أهل البحرين و ملكوا عليهم الغرور، و هو المنذر ابن النعمان بن المنذر. و قال قائلهم: لو كان محمد نبيا ما مات، و لم يبق بها بلدة على الثبات سوى قرية يقال لها جواثا، كانت أول قرية أقامت الجمعة من أهل الردة كما ثبت ذلك في البخاري عن ابن عباس، و قد حاصرهم المرتدون و ضيقوا عليهم، حتى منعوا من الأقوات و جاعوا جوعا شديدا حتى فرج اللَّه، و قد قال رجل منهم يقال له عبد اللَّه بن حذف، أحد بنى بكر بن كلاب، و قد اشتد عليه الجوع:-

ألا أبلغ أبا بكر رسولا* * * و فتيان المدينة أجمعينا

فهل لكم إلى قوم كرام‏* * * قعود في جواثا محصرينا

كأن دماءهم في كل فج‏* * * شعاع الشمس يغشى الناظرينا

توكلنا على الرحمن إنا* * * قد وجدنا الصبر للمتوكلينا

و قد قام فيهم رجل من أشرافهم، و هو الجارود بن المعلى- و كان ممن هاجروا إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)- خطيبا و قد جمعهم فقال: يا معشر عبد القيس، إني سائلكم عن أمر فأخبروني إن علمتموه،

328

و لا تجيبوني إن لم تعلموه، فقالوا: سل، قال: أ تعلمون أنه كان للَّه أنبياء قبل محمد؟ قالوا: نعم، قال:

تعلمونه أم ترونه؟ قالوا: نعلمه، قال: فما فعلوا؟ قالوا: ماتوا، قال: فان محمدا (صلى اللَّه عليه و سلم) مات كما ماتوا و إني أشهد أن لا إله إلا اللَّه و أن محمدا رسول اللَّه، فقالوا: و نحن أيضا نشهد أن لا إله إلا اللَّه و أن محمدا رسول اللَّه، و أنت أفضلنا و سيدنا، و ثبتوا على إسلامهم، و تركوا بقية الناس فيما هم فيه، و بعث الصديق رضى اللَّه عنه كما قدمنا إليهم العلاء بن الحضرميّ، فلما دنا من البحرين جاء إليه ثمامة بن أثال في محفل كبير، و جاء كل أمراء تلك النواحي فانضافوا إلى جيش العلاء بن الحضرميّ، فأكرمهم العلاء و ترحب بهم و أحسن إليهم، و قد كان العلاء من سادات الصحابة العلماء العباد مجابي الدعوة، اتفق له في هذه الغزوة أنه نزل منزلا فلم يستقر الناس على الأرض حتى نفرت الإبل بما عليها من زاد الجيش و خيامهم و شرابهم، و بقوا على الأرض ليس معهم شي‏ء سوى ثيابهم- و ذلك ليلا- و لم يقدروا منها على بعير واحد، فركب الناس من الهم و الغم ما لا يحد و لا يوصف، و جعل بعضهم يوصى إلى بعض، فنادى منادى العلاء فاجتمع الناس إليه، فقال: أيها الناس أ لستم المسلمين؟

أ لستم في سبيل اللَّه؟ أ لستم أنصار اللَّه؟ قالوا: بلى، قال: فأبشروا فو اللَّه لا يخذل اللَّه من كان في مثل حالكم، و نودي بصلاة الصبح حين طلع الفجر فصلّى بالناس، فلما قضى الصلاة جثا على ركبتيه و جثا الناس، و نصب في الدعاء و رفع يديه و فعل الناس مثله حتى طلعت الشمس، و جعل الناس ينظرون إلى سراب الشمس يلمع مرة بعد أخرى و هو يجتهد في الدعاء فلما بلغ الثالثة إذا قد خلق اللَّه إلى جانبهم غديرا عظيما من الماء القراح، فمشى و مشى الناس إليه فشربوا و اغتسلوا، فما تعالى النهار حتى أقبلت الإبل من كل فج بما عليها، لم يفقد الناس من أمتعتهم سلكا، فسقوا الإبل عللا بعد نهل. فكان هذا مما عاين الناس من آيات اللَّه بهذه السرية، ثم لما اقترب من جيوش المرتدة- و قد حشدوا و جمعوا خلقا عظيما- نزل و نزلوا، و باتوا متجاورين في المنازل، فبينما المسلمون في الليل إذ سمع العلاء أصواتا عالية في جيش المرتدين، فقال: من رجل يكشف لنا خبر هؤلاء؟ فقام عبد اللَّه ابن حذف فدخل فيهم فوجدهم سكارى لا يعقلون من الشراب، فرجع إليه فأخبره، فركب العلاء من فوره و الجيش معه فكبسوا أولئك فقتلوهم قتلا عظيما، و قل من هرب منهم، و استولى على جميع أموالهم و حواصلهم و أثقالهم، فكانت غنيمة، عظيمة جسيمة، و كان الحطم بن ضبيعة أخو بنى قيس بن ثعلبة من سادات القوم نائما، فقام دهشا حين اقتحم المسلمون عليهم فركب جواده فانقطع ركابه فجعل يقول: من يصلح لي ركابي؟ فجاء رجل من المسلمين في الليل فقال: أنا أصلحها لك، ارفع رجلك، فلما رفعها ضربه بالسيف فقطعها مع قدمه، فقال له: أجهز على، فقال: لا أفعل، فوقع صريعا كلما مرّ به أحد يسأله أن يقتله فيأبى، حتى مرّ به قيس بن عاصم فقال له: أنا الحطم فاقتلني‏

329

فقتله، فلما وجد رجله مقطوعة ندم على قتله و قال: وا سوأتاه، لو أعلم ما به لم أحركه، ثم ركب المسلمون في آثار المنهزمين، يقتلونهم بكل مرصد و طريق، و ذهب من فر منهم أو أكثرهم في البحر إلى دارين ركبوا اليها السفن، ثم شرع العلاء بن الحضرميّ في قسم الغنيمة و نقل الأثقال و فرغ من ذلك و قال للمسلمين: اذهبوا بنا إلى دارين لنغزو من بها من الأعداء، فأجابوا إلى ذلك سريعا، فسار بهم حتى أتى ساحل البحر ليركبوا في السفن، فرأى أن الشقة بعيدة لا يصلون إليهم في السفن حتى يذهب أعداء اللَّه، فاقتحم البحر بفرسه و هو يقول: يا أرحم الراحمين، يا حكيم يا كريم، يا أحد يا صمد، يا حي يا محيي، يا قيوم يا ذا الجلال و الاكرام لا إله إلا أنت يا ربنا. و أمر الجيش أن يقولوا ذلك و يقتحموا، ففعلوا ذلك فأجاز بهم الخليج بأذن اللَّه يمشون على مثل رملة دمثة فوقها ماء لا يغمر أخفاف الإبل، و لا يصل إلى ركب الخيل، و مسيرته للسفن يوم و ليلة، فقطعه إلى الساحل الآخر فقاتل عدوه و قهرهم و احتاز غنائمهم ثم رجع فقطعه إلى الجانب الآخر فعاد إلى موضعه الأول، و ذلك كله في يوم، و لم يترك من العدو مخبرا، و استاق الذراري و الأنعام و الأموال، و لم يفقد المسلمون في البحر شيئا سوى عليقة فرس لرجل من المسلمين و مع هذا رجع العلاء فجاءه بها، ثم قسم غنائم المسلمين فيهم، فأصاب الفارس ألفين و الراجل ألفا، مع كثرة الجيش، و كتب إلى الصديق فأعلمه بذلك، فبعث الصديق يشكره على ما صنع، و قد قال رجل من المسلمين في مرورهم في البحر، و هو عفيف بن المنذر:

أ لم تر أن اللَّه ذلل بحرة* * * و أنزل بالكفار إحدى الجلائل‏

دعونا الى شق البحار فجاءنا* * * بأعجب من فلق البحار الأوائل‏

و قد ذكر سيف بن عمر التميمي أنه كان مع المسلمين في هذه المواقف و المشاهد التي رأوها من أمر العلاء، و ما أجرى اللَّه على يديه من الكرامات، رجل من أهل هجر راهب فأسلّم حينئذ، فقيل له:

ما دعاك إلى الإسلام؟ فقال: خشيت إن لم أفعل أن يمسخنى اللَّه، لما شاهدت من الآيات، قال:

و قد سمعت في الهواء وقت السّحر دعاء، قالوا: و ما هو؟ قال: اللَّهمّ أنت الرحمن الرحيم، لا إله غيرك و البديع ليس قبلك شي‏ء، و الدائم غير الغافل، و الّذي لا يموت، و خالق ما يرى و ما لا يرى، و كل يوم أنت في شأن، و علمت اللَّهمّ كل شي‏ء علما، قال: فعلمت أن القوم لم يعانوا بالملائكة إلا و هم على أمر اللَّه، قال: فحسن إسلامه و كان الصحابة يسمعون منه.

ذكر ردة أهل عمان و مهرة و اليمن‏

أما أهل عمان فنبغ فيهم رجل يقال له: ذو التاج، لقيط بن مالك الأزدي، و كان يسمى في الجاهلية الجلندي، فادعى النبوة أيضا، و تابعه الجهلة من أهل عمان، فتغلب عليها و قهر جيفرا و عبّادا

330

و ألجأهما إلى أطرافها، من نواحي الجبال و البحر، فبعث جيفر إلى الصديق فأخبره الخبر و استجاشه، فبعث إليه الصديق بأميرين و هما حذيفة بن محصن الحميري، و عرفجة البارقي من الأزد، حذيفة إلى عمان، و عرفجة إلى مهرة، و أمرهما أن يجتمعا و يتفقا و يبتدئا بعمان، و حذيفة هو الأمير، فإذا ساروا إلى بلاد مهرة فعرفجة الأمير* و قد قدمنا أن عكرمة بن أبى جهل لما بعثه الصديق إلى مسيلمة و أتبعه بشرحبيل بن حسنة، عجل عكرمة و ناهض مسيلمة قبل مجي‏ء شرحبيل ليفوز بالظفر وحده، فناله من مسيلمة قرح و الذين معه، فتقهقر حتى جاء خالد بن الوليد، فقهر مسيلمة كما تقدم، و كتب إليه الصديق يلومه على تسرعه، قال: لا أرينك و لا أسمعن بك الا بعد بلاء، و أمره أن يلحق بحذيفة و عرفجة إلى عمان، و كل منكم أمير على جيشه و حذيفة ما دمتم بعمان فهو أمير الناس، فإذا فرغتم فاذهبوا إلى مهرة، فإذا فرغتم منها فاذهب إلى اليمن و حضرموت فكن مع المهاجر بن أبى أمية، و من لقيته من المرتدة بين عمان إلى حضرموت و اليمن فنكل به، فسار عكرمة لما أمره به الصديق، فلحق حذيفة و عرفجة قبل أن يصلا إلى عمان، و قد كتب إليهما الصديق أن ينتهيا إلى رأى عكرمة بعد الفراغ من السير من عمان أو المقام بها، فساروا فلما اقتربوا من عمان راسلوا جيفرا، و بلغ لقيط بن مالك مجي‏ء الجيش، فخرج في جموعه فعسكر بمكان يقال له: دبا، و هي مصر تلك البلاد و سوقها العظمى، و جعل الذراري و الأموال وراء ظهورهم، ليكون أقوى لحربهم، و اجتمع جيفر و عباد بمكان يقال له صحار، فعسكرا به و بعثا الى أمراء الصديق فقدموا على المسلمين، فتقابل الجيشان هنالك، و تقاتلوا قتالا شديدا، و ابتلى المسلمون و كادوا أن يولوا، فمن اللَّه بكرمه و لطفه أن بعث إليهم مددا، في الساعة الراهنة من بنى ناجية و عبد القيس، في جماعة من الأمراء، فلما و صلوا إليهم كان الفتح و النصر، فولى المشركون مدبرين، و ركب المسلمون ظهورهم فقتلوا منهم عشرة آلاف مقاتل و سبوا الذراري و أخذوا الأموال و السوق بحذافيرها، و بعثوا بالخمس إلى الصديق رضى اللَّه عنه مع أحد الأمراء، و هو عرفجة، ثم رجع إلى أصحابه. و أما مهرة فأنهم لما فرغوا من عمان كما ذكرنا، سار عكرمة بالناس إلى بلاد مهرة، بمن معه من الجيوش و من أضيف إليها، حتى اقتحم على مهرة بلادها، فوجدهم جندين على أحدهما- و هم الأكثر- أمير يقال له: المصبّح، أحد بنى محارب، و على الجند الآخر أمير يقال له: شخريت، و هما مختلفان، و كان هذا الاختلاف رحمة على المؤمنين فراسل عكرمة شخريت فأجابه و انضاف إلى عكرمة فقوى بذلك المسلمون، و ضعف جأش المصبح، فبعث إليه عكرمة يدعوه إلى اللَّه و إلى السمع و الطاعة، فاغتر بكثرة من معه و مخالفة لشخريت، فتمادى على طغيانه فسار إليه عكرمة بمن معه من الجنود فاقتتلوا مع المصبح أشد من قتال دبا المتقدم، ثم فتح اللَّه بالظفر و النصر، ففر المشركون و قتل المصبح، و قتل خلق كثير من قومه، و غنم المسلمون أموالهم، فكان في‏

331

جملة ما غنموا ألفا نجيبة فخمس عكرمة ذلك كله و بعث بخمسه إلى الصديق مع شخريت، و أخبره بما فتح اللَّه عليه، و البشارة مع رجل يقال له: السائب، من بنى عابد من مخزوم، و قد قال في ذلك رجل يقال له علجوم:

جزى اللَّه شخريتا و أفناء هاشما* * * و فرضم إذ سارت إلينا الحلائب‏

جزاء مسي‏ء لم يراقب لذمة* * * و لم يرجها فيما يرجى الأقارب‏

أ عكرم لو لا جمع قومي و فعلهم‏* * * لضاقت عليكم بالفضاء المذاهب‏

و كنا كمن اقتاد كفا بأختها* * * و حلت علينا في الدهور النوائب‏

و أما أهل اليمن فقد قدمنا أن الأسود العنسيّ لعنه اللَّه لما نبغ باليمن، أضل خلقا كثيرا من ضعفاء العقول و الأديان حتى ارتد كثير منهم أو أكثرهم عن الإسلام، و أنه لما قتله الأمراء الثلاثة قيس بن مكشوح و فيروز الديلميّ، و داذويه، و كان ما قدمنا ذكره، و لما بلغهم موت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ازداد بعض أهل اليمن فيما كانوا فيه من الحيرة و الشك، أجارنا اللَّه من ذلك، و طمع قيس بن مكشوح في الإمرة باليمن، فعمل لذلك، و ارتد عن الإسلام و تابعه عوام أهل اليمن، و كتب الصديق إلى الأمراء و الرؤساء، من أهل اليمن أن يكونوا [عونا إلى‏] فيروز و الأبناء على قيس بن مكشوح حتى تأتيهم جنوده سريعا، و حرص قيس على قتل الأميرين الأخيرين، فلم يقدر إلا على داذويه، و احترز منه فيروز الديلميّ، و ذلك أنه عمل طعاما و أرسل إلى داذويه أولا، فلما جاءه عجل عليه فقتله، ثم أرسل إلى فيروز ليحضر عنده فلما كان ببعض الطريق سمع امرأة تقول لأخرى: و هذا أيضا و اللَّه مقتول كما قتل صاحبه، فرجع من الطريق و أخبر أصحابه بقتل داذويه، و خرج إلى أخواله خولان فتحصن عندهم و ساعدته عقيل، وعك و خلق، و عمد قيس إلى ذراري فيروز و داذويه و الأبناء فأجلاهم عن اليمن، و أرسل طائفة في البر و طائفة في البحر فاحتد فيروز فخرج في خلق كثير، فتصادف هو و قيس فاقتتلوا قتالا شديدا فهزم قيسا و جنده من العوام، و بقية جند الأسود العنسيّ، فهزموا في كل وجه و أسر قيس و عمرو بن معديكرب، و كان عمرو قد ارتد أيضا، و بايع الأسود العنسيّ، و بعث بهما المهاجر بن أبى أمية إلى أبى بكر أسيرين، فعنفهما و أنبهما، فاعتذرا إليه فقبل منهما علانيتهما، و وكل سرائرهما إلى اللَّه عز و جل، و أطلق سراحهما و ردهما إلى قومهما، و رجعت عمال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) الذين كانوا باليمن إلى أماكنهم التي كانوا عليها في حياته (عليه السلام) بعد حروب طويلة، لو استقصينا إيرادها لطال ذكرها، و ملخصها أنه ما من ناحية من جزيرة العرب إلا و حصل في أهلها ردة لبعض الناس، فبعث الصديق إليهم جيوشا و أمراء يكونون عونا لمن في تلك الناحية من المؤمنين فلا يتواجه المشركون و المؤمنون في موطن من تلك المواطن إلا غلب جيش الصديق لمن هناك من‏

332

المرتدين، و للَّه الحمد و المنة، و قتلوا منهم مقتلة عظيمة، و غنموا مغانم كثيرة، فيتقوون بذلك على من هنالك، و يبعثون بأخماس ما يغنمون إلى الصديق فينفقه في الناس فيحصل لهم قوة أيضا و يستعدون به على قتال من يريدون قتالهم من الأعاجم و الروم، على ما سيأتي تفصيله* و لم يزل الأمر كذلك حتى لم يبق بجزيرة العرب إلا أهل طاعة للَّه و لرسوله، و أهل ذمة من الصديق، كأهل نجران و ما جرى مجراهم، و للَّه الحمد، و عامة ما وقع من هذه الحروب كان في أواخر سنة إحدى عشرة و أوائل سنة ثنتى عشرة* و لنذكر بعد إيراد هذه الحوادث من توفى في هذه السنة من الأعيان و المشاهير و باللَّه المستعان، و فيها رجع معاذ بن جبل من اليمن. و فيها استبقى أبو بكر الصديق عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنهما.

ذكر من توفى في هذه السنة

أعنى سنة إحدى عشرة من الأعيان و المشاهير و ذكرنا معهم من قتل باليمامة لأنها كانت في سنة إحدى عشرة على قول بعضهم، و إن كان المشهور أنها في ربيع سنة ثنتى عشرة* توفى فيها رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) محمد بن عبد اللَّه سيد ولد آدم في الدنيا و الآخرة، و ذلك في ربيعها الأول يوم الاثنين ثانى عشره على المشهور، كما قدمنا بيانه، و بعده بستة أشهر على الأشهر، توفيت ابنته فاطمة رضى اللَّه عنها، و تكنى بأم أبيها، و قد كان (صلوات اللَّه و سلامه عليه) عهد إليها أنها أول أهله لحوقا به، و قال لها مع ذلك: أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة؟ و كانت أصغر بنات النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) على المشهور و لم يبق بعده سواها، فلهذا عظم أجرها لأنها أصيبت به (عليه السلام) و يقال إنها كانت توأما لعبد اللَّه ابن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و ليس له (عليه السلام) نسل إلا من جهتها، قال الزبير ابن بكار: و قد روى أنه (عليه السلام) ليلة زفاف عليّ على فاطمة توضأ و صب عليه و على فاطمة و دعا لهما أن يبارك في نسلهما، و قد تزوجها ابن عمها على بن أبى طالب بعد الهجرة، و ذلك بعد بدر و قيل بعد أحد، و قيل بعد تزويج رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) عائشة بأربعة أشهر و نصف، و بنى بها بعد ذلك بسبعة أشهر و نصف، فأصدقها درعه الحطمية و قيمتها أربعمائة درهم، و كان عمرها إذ ذاك خمس عشرة سنة و خمسة أشهر، و كان على أسن منها بست سنين. و قد وردت أحاديث موضوعة في تزويج على بفاطمة لم نذكرها رغبة عنها* فولدت له حسنا و حسينا و محسنا و أم كلثوم- التي تزوج بها عمر بن الخطاب بعد ذلك-

و قد قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، أنا عطاء بن السائب عن أبيه عن على‏

أن رسول اللَّه لما زوجه فاطمة بعث معها بخميلة و وسادة من أدم حشوها ليف، و رحى و سقاء و جرتين، فقال على لفاطمة ذات يوم: و اللَّه لقد سنوت حتى لقد اشتكيت صدري، و قد جاء اللَّه أباك بسبي فاذهبي فاستخدميه، فقالت: و أنا و اللَّه لقد طحنت حتى محلت يداي، فأتت النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فقال: ما جاء بك‏

333

أي بنية؟ قالت جئت لأسلّم عليك- و استحيت أن تسأله- و رجعت، فقال: ما فعلت؟ قالت:

استحييت أن أسأله، فأتياه جميعا فقال على: يا رسول اللَّه و اللَّه لقد سنوت حتى اشتكيت صدري، و قالت فاطمة: لقد طحنت حتى محلت يداي، و قد جاءك اللَّه بسبي و سعة فأخذ منا، فقال: و اللَّه لا أعطيكما و أدع أهل الصفة تطوى بطونهم لا أجد ما أنفق عليهم، فرجعا فأتاهما رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و قد دخلا في قطيفتهما إذا غطت رءوسهما تكشفت أقدامهما و إذا غطت أقدامهما تكشفت رءوسهما، فثارا، فقال: مكانكما، ثم قال: ألا أخبركما بخير مما سألتماني؟ قالا: بلى، قال: كلمات علمنيهن جبريل تسبحان اللَّه في دبر كل صلاة عشرا، و تحمدان عشرا، و تكبران عشرا، و إذا آويتما إلى فراشكما فسبحا ثلاثا و ثلاثين، و احمدا ثلاثا و ثلاثين و كبرا أربعا و ثلاثين قال فو اللَّه ما تركتهن منذ علمنيهن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، قال: فقال له ابن الكواء: و لا ليلة صفين؟ فقال: قاتلكم اللَّه يا أهل العراق، نعم و لا ليلة صفين*

و آخر هذا الحديث ثابت في الصحيحين من غير هذا الوجه‏

، فقد كانت فاطمة صابرة مع على على جهد العيش و ضيقه، و لم يتزوج عليها حتى ماتت، و لكنه أراد أن يتزوج في وقت بدرة بنت أبى جهل، فأنف رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) من ذلك و خطب الناس فقال: لا أحرم حلالا و لا أحل حراما، و إن فاطمة بضعة منى يريبني ما رابها، و يؤذيني ما آذاها، و إني أخشى أن تفتن عن دمها، و لكن إني أحب ابن أبى طالب أن يطلقها و يتزوج بنت أبى جهل فأنه و اللَّه لا تجتمع بنت نبي اللَّه و بنت عدو اللَّه تحت رجل واحد أبدا، قال: فترك على الخطبة* و لما مات رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) سألت من أبى بكر الميراث فأخبرها أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال: لا نورث ما تركنا فهو صدقة،

فسألت أن يكون زوجها ناظرا على هذه الصدقة فأبى ذلك و قال: إني أعول من كان رسول اللَّه يعول، و إني أخشى إن تركت شيئا مما كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يفعله أن أضل، و و اللَّه لقرابة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أحب إلى أن أصل من قرابتي، فكأنها وجدت في نفسها من ذلك، فلم تزل تبغضه مدة حياتها، فلما مرضت جاءها الصديق فدخل عليها فجعل يترضاها و قال: و اللَّه ما تركت الدار و المال و الأهل و العشيرة إلا ابتغاء مرضاة اللَّه و مرضاة رسوله و مرضاتكم أهل البيت، فرضيت رضى اللَّه عنهما* رواه البيهقي من طريق إسماعيل بن أبى خالد عن الشعبي، ثم قال: و هذا مرسل حسن بإسناد صحيح* و لما حضرتها الوفاة أوصت إلى أسماء بنت عميس- امرأة الصديق- أن تغسلها فغسلتها هي و على بن أبى طالب و سلمى أم رافع، قيل و العباس بن عبد المطلب، و ما روى من أنها اغتسلت قبل وفاتها و أوصت أن لا تغسل بعد ذلك فضعيف لا يعول عليه و اللَّه أعلم* و كان الّذي صلّى عليها زوجها على، و قيل عمها العباس، و قيل أبو بكر الصديق فاللَّه أعلم، و دفنت ليلا و ذلك ليلة الثلاثاء لثلاث خلون من رمضان سنة إحدى عشرة

334

و قيل إنها توفيت بعده (عليه السلام) بشهرين، و قيل بسبعين يوما، و قيل بخمسة و سبعين يوما، و قيل بثلاثة أشهر، و قيل بثمانية أشهر، و الصحيح ما ثبت في الصحيح من طريق الزهري عن عروة عن عائشة أن فاطمة عاشت بعد النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) ستة أشهر، و دفنت ليلا، و يقال إنها لم تضحك في مدة بقائها بعده (عليه السلام)، و أنها كانت تذوب من حزنها عليه، و شوقها إليه* و اختلف في مقدار سنها يومئذ فقيل سبع و قيل ثمان و قيل تسع و عشرون، و قيل ثلاثون، و قيل خمس و ثلاثون سنة، و هذا بعيد و ما قبله أقرب منه و اللَّه أعلم* و دفنت بالبقيع و هي أول من ستر سريرها، و قد ثبت في الصحيح أن عليا كان له فرجة من الناس حياة فاطمة، فلما ماتت التمس مبايعة الصديق فبايعه كما هو مروى في البخاري، و هذه البيعة لإزالة ما كان وقع من وحشة حصلت بسبب الميراث و لا ينفى ما ثبت من البيعة المتقدمة عليها كما قررنا و اللَّه أعلم*

و ممن توفى في هذه السنة أم أيمن‏

بركة بنت ثعلبة بن عمرو بن حصين بن مالك بن سلمة بن عمرو بن النعمان مولاة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ورثها من أبيه، و قيل من أمه، و حضنته و هو صغير، و كذلك بعد ذلك و قد شربت بوله فقال لها:

لقد احتضرت بحضار من النار، و قد أعتقها و زوجها عبيدا فولدت منه ابنها أيمن فعرفت به، ثم تزوجها زيد بن حارثة، مولى رسول اللَّه، فولدت أسامة بن زيد، و قد هاجرت الهجرتين الى الحبشة و المدينة و كانت من الصالحات، و كان (عليه السلام) يزورها في بيتها و يقول: هي أمى بعد أمى، و كذلك كان أبو بكر و عمر يزورانها في بيتها، كما تقدم ذلك في ذكر الموالي و قد توفيت بعده (عليه السلام) بخمسة أشهر و قيل بستة أشهر.

و منهم ثابت بن أقرم بن ثعلبة

ابن عدي بن العجلان البلوى حليف الأنصار شهد بدرا و ما بعدها، و كان ممن حضر مؤتة، فلما قتل عبد اللَّه بن رواحة دفعت الراية إليه فسلمها لخالد بن الوليد، و قال: أنت أعلم بالقتال منى، و قد تقدم أن طليحة الأسدي قتله و قتل معه عكاشة بن محصن و ذلك حين يقول طليحة:

عشية غادرت ابن أقرم ثاويا* * * و عكاشة الغنمي تحت مجال‏

و ذلك في سنة إحدى عشرة، و قيل سنة ثنتى عشرة، و عن عروة أنه قتل في حياة النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) و هذا غريب، و الصحيح الأول و اللَّه أعلم*

و منهم ثابت بن قيس بن شماس‏

الأنصاري الخزرجي أبو محمد خطيب الأنصار و يقال له أيضا خطيب النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) و قد ثبت عنه (عليه السلام) أنه بشره بالشهادة، و قد تقدم الحديث في دلائل النبوة، فقتل يوم اليمامة شهيدا، و كانت راية الأنصار يومئذ بيده*

و روى الترمذي بإسناد على شرط مسلم عن أبى هريرة أن رسول اللَّه‏

335

قال:

نعم الرجل ثابت بن قيس بن شماس،

و قال أبو القاسم الطبراني: ثنا أحمد بن المعلى الدمشقيّ:

ثنا سليمان بن عبد الرحمن، ثنا الوليد بن مسلم، حدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن عطاء الخراساني قال:

قدمت المدينة فسألت عمن يحدثني بحديث ثابت بن قيس بن شماس، فأرشدونى إلى ابنته، فسألتها فقالت: سمعت أبى يقول: لما أنزل على رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)

إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ

اشتدت على ثابت و غلق عليه بابه، و طفق يبكى فأخبر رسول اللَّه فسأله فأخبره بما كبر عليه منها، و قال: أنا رجل أحب الجمال، و أنا أسود قومي، فقال: إنك لست منهم، بل تعيش بخير و تموت بخير، و يدخلك اللَّه الجنة، فلما أنزل على رسول اللَّه‏

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَ لا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ‏

فعل مثل ذلك فأخبر النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فأرسل إليه فأخبره بما كبر عليه منها، و أنه جهير الصوت، و أنه يتخوف أن يكون ممن حبط عمله، فقال: إنك لست منهم، بل تعيش حميدا و تقتل شهيدا و يدخلك اللَّه الجنة،

فلما استنفر أبو بكر المسلمين إلى أهل الردة و اليمامة و مسيلمة الكذاب، سار ثابت فيمن سار، فلما لقوا مسيلمة و بنى حنيفة هزموا المسلمين ثلاث مرات، فقال ثابت و سالم مولى أبى حذيفة: ما هكذا كنا نقاتل مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فجعلا لأنفسهما حفرة فدخلا فيها فقاتلا حتى قتلا، قالت: و رأى رجل من المسلمين ثابت بن قيس في منامه فقال:

إني لما قتلت بالأمس مر بي رجل من المسلمين فانتزع منى درعا نفيسة و منزله في أقصى العسكر و عند منزله فرس بتن في طوله، و قد أكفأ على الدرع برمة، و جعل فوق البرمة رحلا، و ائت خالد بن الوليد فليبعث إلى درعي فليأخذها، فإذا قدمت على خليفة رسول اللَّه فأعلمه أن على من الدين كذا و لي من المال كذا و فلان من رقيقي عتيق، و إياك أن تقول: هذا حلم فتضيعه، قال: فأتى خالدا فوجه إلى الدرع فوجدها كما ذكر، و قدم على أبى بكر فأخبره فأنفذ أبو بكر وصيته بعد موته فلا نعلم أحدا جازت وصيته بعد موته إلا ثابت بن قيس بن شماس* و لهذا الحديث و هذه القصة شواهد أخر، و الحديث المتعلق بقوله: لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ، في صحيح مسلم عن أنس* و قال حماد بن سلمة: عن ثابت عن أنس أن ثابت بن قيس بن شماس، جاء يوم اليمامة و قد تحنط و نشر أكفانه و قال: اللَّهمّ إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء و أعتذر إليك مما صنع هؤلاء، فقتل و كانت له درع فسرقت فرآه رجل فيما يرى النائم فقال: إن درعي في قدر تحت الكانون في مكان كذا و كذا و أوصاه بوصايا، فطلبوا الدرع فوجدوها و أنفذوا الوصايا، رواه الطبراني أيضا*

و منهم حزن بن أبى وهب‏

ابن عمرو بن عامر بن عمران المخزومي، له هجرة و يقال: أسلم عام الفتح، و هو جد سعيد بن المسيب أراد رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أن يسميه سهلا فامتنع و قال: لا أغير اسما سمانيه أبواي، فلم تزل الحزونة فينا.

336

استشهد يوم اليمامة و قتل معه أيضا ابناه عبد الرحمن و وهب، و ابن ابنه حكيم بن وهب بن حزن.

و ممن استشهد في هذه السنة داذويه الفارسي أحد أمراء اليمن الذين قتلوا الأسود العنسيّ، قتله غيلة قيس بن مكشوح حين ارتد قبل أن يرجع قيس إلى الإسلام فلما عنفه الصديق على قتله أنكر ذلك فقبل علانيته و إسلامه.

و منهم زيد بن الخطاب‏

ابن نفيل القرشي العدوي أبو محمد، و هو أخو عمر بن الخطاب لأبيه، و كان زيد أكبر من عمر، أسلم قديما، و شهد بدرا، و ما بعدها و قد آخى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بينه و بين معن بن عدي الأنصاري و قد قتلا جميعا باليمامة، و قد كانت راية المهاجرين يومئذ بيده، فلم يزل يتقدم بها حتى قتل فسقطت، فأخذها سالم مولى أبى حذيفة، و قد قتل زيد يومئذ الرجال بن عنفوة، و اسمه نهار، و كان الرجال هذا قد أسلم و قرأ البقرة ثم ارتد و رجع فصدق مسيلمة و شهد له بالرسالة، فحصل به فتنة عظيمة، فكانت وفاته على يد زيد رضى اللَّه عن زيد. ثم قتل زيدا رجل يقال له أبو مريم الحنفي، و قد أسلم بعد ذلك و قال لعمر: يا أمير المؤمنين إن اللَّه أكرم زيدا بيدي و لم يهنى على يده، و قيل: إنما قتله سلمة بن صبيح ابن عم أبى مريم هذا، و رجحه أبو عمر و قال: لأن عمر استقضى أبا مريم، و هذا لا يدل على نفى ما تقدم و اللَّه أعلم* و قد قال عمر لما بلغه مقتل زيد بن الخطاب: سبقني إلى الحسنيين أسلم قبلي، و استشهد قبلي، و قال لمتمم بن نويرة حين جعل يرثى أخاه مالكا بتلك الأبيات المتقدم ذكرها: لو كنت أحسن الشعر لقلت كما قلت، فقال له متمم: لو أن أخى ذهب على ما ذهب عليه أخوك ما حزنت عليه، فقال له عمر: ما عزانى أحد بمثل ما عزيتنى به، و مع هذا كان عمر يقول ما هبت الصبا إلا ذكرتني زيد بن الخطاب، رضى اللَّه عنه.

و منهم سالم بن عبيد

و يقال: ابن يعمل مولى أبى حذيفة بن عتبة بن ربيعة، و إنما كان معتقا لزوجته ثبيتة بنت يعاد و قد تبناه أبو حنيفة و زوجه بابنة أخيه فاطمة بنت الوليد بن عتبة، فلما أنزل اللَّه‏ ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ‏ جاءت امرأة أبى حذيفة سهلة بنت سهل بن عمرو فقالت: يا رسول اللَّه إن سالما يدخل على و أنا غفل، فأمرها أن ترضعه فأرضعته فكان يدخل عليها بتلك الرضاعة، و كان من سادات المسلمين، أسلم قديما و هاجر إلى المدينة قبل رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فكان يصلّى بمن بها من المهاجرين، و فيهم عمر بن الخطاب لكثرة حفظه القرآن، و شهد بدرا و ما بعدها

و هو أحد الأربعة الذين قال فيهم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

استقرءوا القرآن من أربعة،

فذكر منهم سالما مولى أبى حذيفة، و روى عن عمر أنه قال: لما احتضر لو كان سالم حيا لما جعلتها شورى، قال أبو عمر بن عبد البر: معناه أنه كان يصدر عن رأيه فيمن‏

337

يوليه الخلافة. و لما أخذ الراية يوم اليمامة بعد مقتل زيد بن الخطاب قال له المهاجرون: أ تخشى أن نؤتى من قبلك؟ فقال: بئس حامل القرآن أنا إذا. انقطعت يده اليمنى فأخذها بيساره، فقطعت فاحتضنها و هو يقول‏ وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ‏ وَ كَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فلما صرع قال لأصحابه: ما فعل أبو حذيفة؟ قالوا: قتل، قال: فما فعل فلان؟ قالوا: قتل، قال: فأضجعونى بينهما. و قد بعث عمر بميراثه إلى مولاته التي أعتقته «بثينة» فردته و قالت: إنما أعتقته سائبة، فجعله عمر في بيت المال.

و منهم أبو دجانة سماك بن خرشة

و يقال سماك بن أوس بن خرشة بن لوذان بن عبد ودّ بن زيد بن ثعلبة بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الأنصاري الخزرجي، شهد بدرا و أبلى يوم أحد، و قاتل شديدا و أعطاه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يومئذ سيفا فأعطاه حقه و كان يتبختر عند الحرب، فقال (عليه السلام): إن هذه لمشية يبغضها اللَّه، إلا في هذا الموطن. و كان يعصب رأسه بعصابة حمراء، شعارا له بالشجاعة. و شهد اليمامة و يقال إنه ممن اقتحم على بنى حنيفة يومئذ الحديقة فانكسرت رجله، فلم يزل يقاتل حتى قتل يومئذ. و قد قتل مسيلمة مع وحشي بن حرب رماه وحشي بالحربة و علاه أبو دجانة بالسيف، قال وحشي: فربك أعلم أينا قتله. و قد قيل إنه عاش حتى شهد صفين مع على، و الأول أصح. و أما ما يروى عنه من ذكر الحرز المنسوب إلى أبى دجانة فأسناده ضعيف و لا يلتفت إليه و اللَّه أعلم.

و منهم شجاع بن وهب‏

ابن ربيعة الأسدي، حليف بنى عبد شمس، أسلم قديما و هاجر و شهد بدرا و ما بعدها. و كان رسول رسول اللَّه إلى الحارث بن أبى شمر الغساني فلم يسلّم، و أسلم حاجبه سوى. و استشهد شجاع بن وهب يوم اليمامة عن بضع و أربعين سنة، و كان رجلا طوالا نحيفا أحنى.

و منهم الطفيل بن عمرو بن طريف‏

ابن العاص بن ثعلبة بن سليم بن [فهر بن‏] غنم بن دوس الدوسيّ، أسلم قديما قبل الهجرة، و ذهب إلى قومه فدعاهم إلى اللَّه فهداهم اللَّه على يديه، فلما هاجر النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) إلى المدينة جاءه بتسعين أهل بيت من دوس مسلمين، و قد خرج عام اليمامة مع المسلمين و معه ابنه عمرو، فرأى الطفيل في المنام كأن رأسه قد حلق، و كأن امرأة أدخلته في فرجها، و كأن ابنه يجتهد أن يلحقه فلم يصل. فأولها بأنه سيقتل و يدفن، و أن ابنه يحرص على الشهادة فلا ينالها عامه ذلك. و قد وقع الأمر كما أولها، ثم قتل ابنه شهيدا يوم اليرموك كما سيأتي.

و منهم عباد بن بشر بن وقش الأنصاري‏

أسلم على يدي مصعب بن عمير قبل الهجرة قبل إسلام معاذ، و أسيد بن الحضير، و شهد بدرا

338

و ما بعدها. و كان ممن قتل كعب بن الأشرف، و كانت عصاه تضي‏ء له إذا خرج من عند رسول اللَّه في ظلمة. قال موسى بن عقبة عن الزهري: قتل يوم اليمامة شهيدا عن خمس و أربعين سنة، و كان له بلاء و عناء.

و قال محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عباد بن عبد اللَّه بن الزبير عن عائشة قالت:

تهجد رسول اللَّه فسمع صوت عباد فقال: اللَّهمّ اغفر له.

و منهم السائب بن عثمان بن مظعون‏

بدري من الرماة، أصابه يوم اليمامة سهم فقتله و هو شاب، (رحمه اللَّه).

و منهم السائب بن العوام‏

أخو الزبير بن العوام استشهد يومئذ (رحمه اللَّه).

و منهم عبد اللَّه بن سهيل بن عمرو

ابن عبد شمس بن عبد ودّ القرشي العامري، أسلم قديما و هاجر ثم استضعف بمكة، فلما كان يوم بدر خرج معهم فلما تواجهوا فرّ إلى المسلمين فشهدها معهم، و قتل يوم اليمامة فلما حج أبو بكر عزى أباه فيه،

فقال سهيل: بلغني أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال:

إن الشهيد ليشفع لسبعين من أهله،

فأرجو أن يبدأ بى.

و منهم عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن أبى بن سلول‏

الأنصاري الخزرجي، كان من سادات الصحابة و فضلائهم، شهد بدرا و ما بعدها و كان أبوه رأس المنافقين، و كان أشد الناس على أبيه، و لو أذن له رسول اللَّه فيه لضرب عنقه، و كان اسمه الحباب فسماه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) عبد اللَّه، و قد استشهد يوم اليمامة رضى اللَّه عنه.

و منهم عبد اللَّه بن أبى بكر الصديق‏

أسلم قديما، و يقال: إنه الّذي كان يأتى بالطعام و الشراب و الأخبار إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و إلى أبى بكر و هما بغار ثور، و يبيت عندهما و يصبح بمكة كبائت، فلا يسمع بأمر يكادان به إلا أخبرهما به. و قد شهد الطائف فرماه رجل يقال له أبا محجن الثقفي بسهم فذوى منها فاندملت و لكن لم يزل منها حمتا حتى مات [ (1)] في شوال سنة إحدى عشرة.

و منهم عكاشة بن محصن‏

ابن حرثان بن قيس بن مرة بن كثير [ (2)] بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة الأسدي حليف بنى عبد شمس، يكنى أبا محصن، و كان من سادات الصحابة و فضلائهم، هاجر و شهد بدرا و أبلى يومئذ بلاء حسنا و انكسر سيفه فأعطاه رسول اللَّه يومئذ عرجونا فعاد في يده سيفا أمضى من الحديد شديد

____________

[ (1)] كذا. و عبارة الحافظ ابن عبد البر «فدمل جرحه حتى انتقض به فمات».

[ (2)] كذا في الاستيعاب و عليه اعتمد المؤلف. و في الاصابة (بكير) بضم الموحّدة.

339

المتن. و كان ذلك السيف يسمى العون. و شهد أحدا و الخندق و ما بعدها.

و لما ذكر رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب فقال عكاشة: يا رسول اللَّه ادع اللَّه أن يجعلني منهم.

فقال: اللَّهمّ اجعله منهم، ثم قام رجل آخر فقال: يا رسول اللَّه ادع اللَّه أن يجعلني منهم، فقال: سبقك بها عكاشة.

و الحديث مروى من طرق تفيد القطع. و قد خرج عكاشة مع خالد يوم إمرة الصديق بذي القصة فبعثه و ثابت بن أقرم بين يديه طليعة، فتلقاهما طليحة الأسدي و أخوه سلمة فقتلاهما، و قد قتل عكاشة قبل مقتله حبال بن طليحة، ثم أسلم طليحة بعد ذلك كما ذكرنا، و كان عمر عكاشة يومئذ أربعا و أربعين سنة و كان من أجمل الناس رضى اللَّه عنه.

و منهم معن بن عدي‏

ابن الجعد بن عجلان بن ضبيعة البلوى، حليف بنى عمرو بن عوف. و هو أخو عاصم بن عدي شهد العقبة و بدرا و أحدا و الخندق و سائر المشاهد، و كان قد آخى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بينه و بين زيد ابن الخطاب فقتلا جميعا يوم اليمامة رضى اللَّه عنهما، و قال مالك عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه قال: بكى الناس على رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) حين مات و قالوا: و اللَّه وددنا أنا متنا قبله و نخشى أن نفتتن بعده، فقال معن بن عدي: لكنى و اللَّه ما أحب أن أموت قبله لأصدقه ميتا كما صدقته حيا* و منهم الوليد و أبو عبيدة ابنا عمارة بن الوليد بن المغيرة، قتلا مع عمهما خالد بن الوليد بالبطاح و أبوهما عمارة بن الوليد و هو صاحب عمرو بن العاص إلى النجاشي، و قضيته مشهورة.

و منهم أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة

ابن عبد شمس القرشي العبشمي أسلم قديما قبل دار الأرقم، و هاجر إلى الحبشة و إلى المدينة و شهد بدرا و ما بعدها، و آخى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بينه و بين عباد بن بشر و قد قتلا شهيدين يوم اليمامة.

و كان عمر أبى حذيفة يومئذ ثلاثا أو أربعا و خمسين سنة، و كان طويلا حسن الوجه أثعل، و هو الّذي له سن زائدة و كان اسمه هشيم و قيل هاشم.

و منهم أبو دجانة و اسمه سماك بن خرشة تقدم قريبا* و بالجملة فقد قتل من المسلمين يوم اليمامة أربعمائة و خمسون من حملة القرآن و من الصحابة و غيرهم. و إنما أوردنا هؤلاء لشهرتهم و باللَّه المستعان.

قلت: و ممن استشهد يومئذ من المهاجرين مالك بن عمرو حليف بنى غنم مهاجري بدري، و يزيد بن رقيش بن رباب الأسدي بدري، و الحكم بن سعيد بن العاص بن أمية الأموي، و حسن بن مالك بن بحينة أخو عبد اللَّه بن مالك الأزدي، حليف بنى المطلب بن عبد مناف، و عامر بن البكر الليثي حليف بنى عدي بدري، و مالك بن ربيعة حليف بنى عبد شمس، و أبو أمية صفوان بن أمية بن عمرو، و يزيد بن أوس حليف بنى عبد الدار، و حيي و يقال معلى بن‏

340

حارثة الثقفي، و حبيب بن أسيد بن حارثة الثقفي، و الوليد بن عبد شمس المخزومي، و عبد اللَّه بن عمرو بن بجرة العدوي، و أبو قيس بن الحارث بن قيس السهمي، و هو من مهاجرة الحبشة، و عبد اللَّه بن الحارث بن قيس، و عبد اللَّه بن مخرمة بن عبد العزى بن أبى قيس بن عبد ودّ بن نصر العامري، من المهاجرين الأولين، شهد بدرا و ما بعدها، و قتل يومئذ، و عمرو بن أويس بن سعد بن أبى سرح العامري، و سليط بن عمرو العامري، و ربيعة بن أبى خرشة العامري، و عبد اللَّه بن الحارث بن رحضة من بنى عامر.

و من الأنصار

غير من ذكرنا تراجمهم عمارة بن حزم بن زيد بن لوذان النجاري، و هو أخو عمرو بن حزم، كانت معه راية قومه يوم الفتح، و قد شهد بدرا و قتل يومئذ. و عقبة بن عامر بن نابي بن زيد بن حرام السلمي، شهد العقبة الاولى و شهد بدرا و ما بعدها. و ثابت بن هزال من بنى سالم بن عوف بدري.

في قول. و أبو عقيل بن عبد اللَّه بن ثعلبة من بنى جحجبى، شهد بدرا و ما بعدها، فلما كان يوم اليمامة أصابه سهم فنزعه ثم تحزم و أخذ سيفه فقاتل حتى قتل، و قد أصابته جراحات كثيرة. و عبد اللَّه بن عتيك، و رافع بن سهل، و حاجب بن يزيد الأشهلي. و سهل بن عدي. و مالك بن أوس. و عمر بن أوس، و طلحة بن عتبة من بنى جحجبى، و رباح مولى الحارث، و معن بن عدي، و جزء بن مالك بن عامر من بنى جحجبى، و ورقة بن إياس بن عمرو الخزرجي بدري، و مروان بن العباس، و عامر بن ثابت، و بشر بن عبد اللَّه الخزرجي، و كليب بن تميم، و عبد اللَّه بن عتبان، و إياس بن وديعة، و أسيد بن يربوع، و سعد بن حارثة، و سهل بن حمان، و محاسن بن حمير، و سلمة بن مسعود، و قيل مسعود بن سنان، و ضمرة بن عياض، و عبد اللَّه بن أنيس، و أبو حبة بن غزية المازني، و خباب ابن زيد، و حبيب بن عمرو بن محصن، و ثابت بن خالد، و فروة بن النعمان، و عائذ بن ماعص، و يزيد بن ثابت بن الضحاك، أخو زيد بن ثابت. قال خليفة بن حناط: فجميع من استشهد من المهاجرين و الأنصار يوم اليمامة ثمانية و خمسون رجلا، يعنى و بقية الأربعمائة و الخمسين من غيرهم و اللَّه أعلم* و قد قتل من الكفار فيما سقنا من المواطن التي التقى فيها المسلمون و المشركون في هذه و أوائل التي قبلها، ما ينيف على خمسين ألفا و للَّه الحمد و المنة، و به التوفيق و العصمة. فمن مشاهيرهم الأسود العنسيّ لعنه اللَّه، و اسمه عبهلة بن كعب بن غوث، خرج أول مخرجه من بلدة باليمن يقال لها كهف خبان و معه سبعمائة مقاتل، فما مضى شهر حتى تملك صنعاء ثم استوثقت له اليمن بحذافيرها في أقصر مدة، و كان معه شيطان يحذق له و لكن خانه أحوج ما كان إليه. ثم لم تمض له ثلاثة أشهر أو أربعة أشهر حتى قتله اللَّه على يدي إخوان صدق، و أمراء حق، كما قدمنا ذكره و هم دازويه الفارسي، و فيروز الديلميّ، و قيس بن مكشوح المرادي، و ذلك في ربيع الأول من سنة إحدى عشرة. قبل وفاة

341

رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بليال، و قيل بليلة فاللَّه أعلم* و قد أطلع اللَّه رسوله اللَّه ليلة قتله على ذلك كما أسلفناه.

و منهم مسيلمة بن حبيب اليمامي الكذاب لعنه اللَّه‏

قدم المدينة وافدا إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) مع قومه بنى حنيفة، و قد وقف عليه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فسمعه و هو يقول: إن جعل لي محمد الأمر من بعده اتبعته، فقال له: لو سألتني هذا العود- لعرجون في يده- ما أعطيتكه، و لئن أدبرت ليعقرنك اللَّه، و إني لأراك الّذي أريت فيه ما أريت، و كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قد رأى في المنام كأن في يده سوارين من ذهب فأهمه شأنهما، فأوحى اللَّه إليه في المنام انفخهما، فنفخهما فطارا، فأولهما بكذابين يخرجان، و هما صاحب صنعاء، و صاحب اليمامة.

و هكذا وقع، فأنهما ذهبا و ذهب أمرهما. أما الأسود فذبح في داره، و أما مسيلمة فعقره اللَّه على يدي وحشي بن حرب رماه بالحربة فأنفذه كما تعقر الإبل، و ضربه أبو دجانة على رأسه ففلقه و ذلك بعقر داره في الحديقة التي يقال لها حديقة الموت. و قد وقف عليه خالد بن الوليد و هو طريح- أراه إياه من بين القتلى مجاعة بن مرارة.-، و يقال: كان أصفر أخينس و قيل كان ضخما أسمر اللون كأنه جمل أورق، و يقال إنه مات و عمره مائة و أربعون سنة فاللَّه أعلم. و قد قتل قبله وزيراه و مستشاراه لعنهما اللَّه، و هما محكم بن الطفيل الّذي يقال له محكم اليمامة، قتله عبد الرحمن بن أبى بكر، رماه بسهم و هو يخطب قومه يأمرهم بمصالح حربهم فقتله، و الآخر نهار بن عنفوة الّذي يقال له الرجال بن عنفوة، و كان ممن أسلم ثم ارتد و صدق مسيلمة لعنهما اللَّه في هذه الشهادة، و قد رزق اللَّه زيد بن الخطاب قتله قبل أن يقتل زيد رضى اللَّه عنه* و مما يدل على كذب الرجال في هذه الشهادة الضرورة في دين الإسلام، و ما رواه البخاري و غيره أن مسيلمة كتب إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): بسم اللَّه الرحمن الرحيم من مسيلمة رسول اللَّه إلى محمد رسول اللَّه سلام عليك: أما بعد فأنى قد أشركت معك في الأمر، فلك المدر و لي الوبر، و يروى فلكم نصف الأرض و لنا نصفها، و لكن قريشا قوم يعتدون،

فكتب إليه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): «بسم اللَّه الرحمن الرحيم من محمد رسول اللَّه إلى مسيلمة الكذاب، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فأن الأرض للَّه يورثها من يشاء من عباده و العاقبة للمتقين».

و قد قدمنا ما كان يتعاطاه مسيلمة و يتعاناه لعنه اللَّه من الكلام الّذي هو أسخف من الهذيان، مما كان يزعم أنه وحي من الرحمن تعالى اللَّه عما يقوله و أمثاله علوا كبيرا، و لما مات رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) زعم أنه استقل بالأمر من بعده و استخف قومه فأطاعوه و كان يقول:

خذي الدف يا هذه و العبي‏* * * و بثي محاسن هذا النبي‏

تولى نبي بنى هاشم‏* * * و قام نبي بنى يعرب‏

فلم يمهله اللَّه بعد وفاة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إلا قليلا حتى سلط اللَّه عليه سيفا من سيوفه، و حتفا

342

من حتوفه فبعج بطنه، و فلق رأسه و عجل اللَّه بروحه إلى النار فبئس القرار، قال اللَّه تعالى‏ وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى‏ عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَ لَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْ‏ءٌ وَ مَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَ لَوْ تَرى‏ إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَ الْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَ كُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ‏ فمسيلمة و الأسود و أمثالهما لعنهم اللَّه أحق الناس دخولا في هذه الآية الكريمة، و أولاهم بهذه العقوبة العظيمة*

سنة ثنتى عشرة من الهجرة النبويّة

استهلت هذه السنة و جيوش الصديق و أمراؤه الذين بعثهم لقتال أهل الردة جوالون في البلاد يمينا و شمالا، لتمهيد قواعد الإسلام و قتال الطغاة من الأنام، حتى رد شارد الدين بعد ذهابه، و رجع الحق إلى نصابه، و تمهدت جزيرة العرب، و صار البعيد الأقصى كالقريب الأدنى، و قد قال جماعة من علماء السير و التواريخ: إن وقعة اليمامة كانت في ربيع الأول من هذه السنة، و قيل: إنها كانت في أواخر التي قبلها، و الجمع بين القولين أن ابتداءها كان في السنة الماضية، و انتهاءها وقع في هذه السنة الآتية، و على هذا القول ينبغي أن يذكروا في السنة الماضية كما ذكرناه لاحتمال أنهم قتلوا في الماضية، و مبادرة الى استيفاء تراجمهم قبل أن يذكروا مع من قتل بالشام و العراق في هذه السنة على ما سنذكر إن شاء اللَّه و به الثقة و عليه التكلان* و قد قيل: إن وقعة جواثا و عمان و مهرة و ما كان من الوقائع التي أشرنا إليها إنما كانت في سنة ثنتى عشرة و فيها كان قتل الملوك الأربعة حمد و محرس و أبضعة و مشرحا، و أختهم العمردة الذين ورد الحديث في مسند أحمد بلعنهم. و كان الّذي قتلهم زياد بن لبيد الأنصاري.

بعث خالد بن الوليد إلى العراق‏

لما فرغ خالد بن الوليد من اليمامة، بعث إليه الصديق أن يسير إلى العراق، و أن يبدأ بفرج الهند، و هي الأبلة، و يأتى العراق من أعاليها، و أن يتألف الناس و يدعوهم إلى اللَّه عز و جل، فان أجابوا و إلا أخذ منهم الجزية فان امتنعوا عن ذلك قاتلهم، و أمره أن لا يكره أحدا على المسير معه، و لا يستعين بمن ارتد عن الإسلام و إن كان عاد إليه. و أمره أن يستصحب كل امرئ مر به من المسلمين. و شرع أبو بكر في تجهيز السرايا و البعوث و الجيوش إمدادا لخالد رضى اللَّه عنه. قال الواقدي اختلف في خالد، فقائل يقول: مضى من وجهه ذلك من اليمامة إلى العراق، و قائل يقول: رجع من اليمامة إلى المدينة ثم سار إلى العراق من المدينة فمر على طريق الكوفة حتى انتهى إلى الحيرة. قلت:

و المشهور الأول. و قد ذكر المدائني بإسناده أن خالدا توجه إلى العراق في المحرم سنة اثنتي عشرة، فجعل طريقه البصرة و فيها قطبة بن قتادة، و على الكوفة المثنى بن حارثة الشيباني. و قال محمد بن‏

343

إسحاق عن صالح بن كيسان: إن أبا بكر كتب إلى خالد أن يسير إلى العراق فمضى خالد يريد العراق حتى نزل بقريات من السواد يقال لها بانقيا و باروسما، و صاحبها جابان، فصالحه أهلها. قلت: و قد قتل منهم المسلمون قبل الصلح خلقا كثيرا. و كان الصلح على ألف درهم، و قيل دينار، في رجب، و كان الّذي صالحه بصبهرى بن صلوبا، و يقال صلوبا بن بصبهرى، فقبل منهم خالد و كتب لهم كتابا، ثم أقبل حتى نزل الحيرة فخرج إليه أشرافها مع قبيصة بن إياس بن حيّة الطائي و كان أمره عليها كسرى بعد النعمان بن المنذر فقال لهم خالد: أدعوكم إلى اللَّه و إلى الإسلام فأن أجبتم إليه فأنتم من المسلمين لكم ما لهم و عليكم ما عليهم، فأن أبيتم فالجزية فأن أبيتم فقد أتيتكم بأقوام هم أحرص على الموت منكم على الحياة، جاهدناكم حتى يحكم اللَّه بيننا و بينكم. فقال له قبيصة: ما لنا بحر بك من حاجة بل نقيم على ديننا و نعطيكم الجزية. فقال لهم خالد: تبا لكم إن الكفر فلاة مضلة، فأحمق العرب من سلكها، فلقيه رجلان أحدهما عربي و الآخر أعجمى فتركه [ (1)] و استدل بالعجمي، ثم صالحهم على تسعين ألفا، و في رواية مائتي ألف درهم، فكانت أول جزية أخذت من العراق و حملت إلى المدينة هي و القريات قبلها التي صالح عليها ابن صلوبا. قلت: و قد كان مع نائب كسرى على الحيرة ممن وفد إلى خالد عمرو بن عبد المسيح بن حبان بن بقيلة [ (2)]، و كان من نصارى العرب، فقال له خالد:

من أين أثرك؟ قال: من ظهر أبى، قال: و من أين خرجت؟ قال: من بطن أمى، قال: ويحك على أي شي‏ء أنت؟ قال: على الأرض، قال: ويحك و في أي شي‏ء أنت؟ قال: في ثيابي، قال: ويحك على اى شي‏ء أنت؟ قال: على الأرض، قال: و يحك و في أي شي‏ء أنت؟ قال: في ثيابي، قال: ويحك تعقل؟ قال: نعم و أقيد، قال: إنما أسألك، قال: و أنا أجيبك، قال: أسلم أنت أم حرب؟ قال:

بل سلّم، قال: فما هذه الحصون التي أرى؟ قال: بنيناها للسفيه نحبسه حتى يجي‏ء الحليم فينهاه، ثم دعاهم إلى الإسلام أو الجزية أو القتال، فأجابوا إلى الجزية بتسعين أو مائتي ألف كما تقدم* ثم بعث خالد ابن الوليد كتابا إلى أمراء كسرى بالمدائن و مرازبته و وزرائه، كما قال هشام بن الكلبي عن أبى مخنف عن مجالد عن الشعبي قال: أقرأنى بنو بقيلة كتاب خالد بن الوليد إلى أهل المدائن: من خالد ابن الوليد إلى مرازبة أهل فارس، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فالحمد للَّه الّذي فضّ خدمكم و سلب ملككم و وهّن كيدكم، و ان من صلّى صلاتنا و استقبل قبلتنا و أكل ذبيحتنا فذلكم المسلم الّذي له ما لنا و عليه ما علينا، أما بعد فإذا جاءكم كتابي فابعثوا إلى بالرّهن و اعتقدوا منى الذمة، و إلا فو الّذي لا إله غيره لأبعثن إليكم قوما يحبون الموت كما تحبون أنتم الحياة. فلما قرءوا الكتاب أخذوا يتعجبون. و قال سيف بن عمر عن طليحة الأعلم عن المغيرة بن عيينة- و كان قاضى أهل الكوفة- قال: فرق خالد مخرجه من اليمامة إلى العراق جنده ثلاث فرق، و لم يحملهم على طريق‏

____________

[ (1)] كذا بالأصل.

[ (2)] في تاريخ الطبري: عبد المسيح بن عمرو بن بقيلة.

344

واحدة، فسرح المثنى قبله بيومين و دليله ظفر، و سرح عدي بن حاتم و عاصم بن عمرو، و دليلاهما مالك بن عباد و سالم بن نصر، أحدهما قبل صاحبه بيوم، و خرج خالد- يعنى في آخرهم- و دليله رافع فواعدهم جميعا الحفير ليجتمعوا به، و يصادموا عدوهم، و كان فرج الهند أعظم فروج فارس بأسا و أشدها شوكة، و كان صاحبه يحارب في البر و الهند في البحر و هو هرمز، فكتب إليه خالد فبعث هرمز بكتاب خالد إلى شيرى بن كسرى، و أردشير بن شيرى، و جمع هرمز، و هو نائب كسرى جموعا كثيرة و سار بهم إلى كاظمة، و على مجنبتيه قباذ و أنوشجان- و هما من بيت الملك- و قد تفرق الجيش في السلاسل لئلا يفروا، و كان هرمز هذا من أخبث الناس طوية و أشدهم كفرا، و كان شريفا في الفرس و كان الرجل كلما ازداد شرفا زاد في حليته، فكانت قلنسوة هرمز بمائة ألف، و قدم خالد بمن معه من الجيش و هم ثمانية عشر ألفا فنزل تجاههم على غير ماء فشكى أصحابه ذلك، فقال: جالد و هم حتى تجلوهم عن الماء، فأن اللَّه جاعل الماء لأصبر الطائفتين، فلما استقر بالمسلمين المنزل و هم ركبان على خيولهم، بعث اللَّه سحابة فأمطرتهم حتى صار لهم غدران من ماء. فقوى المسلمون بذلك، و فرحوا فرحا شديدا، فلما تواجه الصفان و تقاتل الفريقان، ترجل هرمز و دعا إلى النزال، فترجل خالد و تقدم إلى هرمز، فاختلفا ضربتين و احتضنه خالد، و جاءت حامية هرمز فما شغله عن قتله، و حمل القعقاع بن عمرو على حامية هرمز فأناموهم، و انهزم أهل فارس و ركب المسلمون أكتافهم إلى الليل و استحوذ المسلمون و خالد على أمتعتهم و سلاحهم فبلغ وقر ألف بعير، و سميت هذه الغزوة ذات السلاسل لكثرة من سلسل بها من فرسان فارس، و أفلت قباذ و أنوشجان* و لما رجع الطلب نادى منادى خالد بالرحيل فسار بالناس و تبعته الأثقال حتى نزل بموضع الجسر الأعظم من البصرة اليوم، و بعث بالفتح و البشارة و الخمس، مع زر ابن كليب، إلى الصديق، و بعث معه بفيل، فلما رآه نسوة أهل المدينة جعلن يقلن أ من خلق اللَّه هذا أم شي‏ء مصنوع؟ فرده الصديق مع زر، و بعث أبو بكر لما بلغه الخبر إلى خالد، فنفله سلب هرمز، و كانت قلنسوته بمائة ألف، و كانت مرصعة بالجوهر و بعث خالد الأمراء يمينا و شمالا يحاصرون حصونا هنالك ففتحوها عنوة و صلحا، و أخذوا منها أموالا جمة، و لم يكن خالد يتعرض للفلاحين- من لم يقاتل منهم- و لا أولادهم بل للمقاتلة من أهل فارس* ثم كانت وقعة المذار في صفر من هذه السنة. و يقال لها: وقعة الثني، و هو النهر، قال ابن جرير و يومئذ قال الناس، صفر الأصفار، فيه يقتل كل جبار، على مجمع الأنهار. و كان سببها أن هرمزا كان قد كتب إلى أردشير و شيرى، بقدوم خالد نحوه من اليمامة، فبعث إليه كسرى بمدد مع أمير يقال له: قارن بن قريانس، فلم يصل إلى هرمز حتى كان من أمره مع خالد ما تقدم و فر من فر من الفرس، فتلقاهم قارن، فالتفوا عليه فتذامروا و اتفقوا على العود إلى خالد، فساروا إلى موضع يقال له: المذار، و على مجنبتي قارن قباذ و أنوشجان، فلما انتهى‏

345

الخبر إلى خالد، قسم ما كان معه من أربعة أخماس غنيمة يوم ذات السلاسل و أرسل إلى الصديق بخبره مع الوليد بن عقبة، و سار خالد بمن معه من الجيوش حتى نزل على المذار، و هو على تعبئته، فاقتتلوا قتال حنق و حفيظة، و خرج قارن يدعو إلى البراز فبرز إليه خالد و ابتدره الشجعان من الأمراء فقتل معقل بن الأعشى بن النباش قارنا، و قتل عدي بن حاتم قباذ، و قتل عاصم أنوشجان، و فرت الفرس و ركبهم المسلمون في ظهورهم فقتلوا منهم يومئذ ثلاثين ألفا و غرق كثير منهم في الأنهار و المياه، و أقام خالد بالمذار و سلم الأسلاب إلى من قتل، و كان قارن قد انتهى شرفه في أبناء فارس* و جمع بقية الغنيمة و خمسها، و بعث بالخمس و الفتح و البشارة إلى الصديق، مع سعيد بن النعمان، أخى بنى عدي بن كعب و أقام خالد هناك حتى قسم أربعة الأخماس و سبى ذراري من حصره من المقاتلة، دون الفلاحين فأنه أقرهم بالجزية و كان في هذا السبي حبيب أبو الحسن البصري و كان نصرانيا و مافنّة مولى عثمان و أبو زياد مولى المغيرة بن شعبة* ثم أمر على الجند سعيد بن النعمان و على الجزية سويد ابن مقرّن، و أمره أن ينزل الحفير ليجبى إليه الأموال و أقام خالد يتجسس الأخبار عن الأعداء* ثم كان أمر الولجة في صفر أيضا من هذه السنة، فيما ذكره ابن جرير و ذلك لأنه لما انتهى الخبر بما كان بالمذار من قبل قارن و أصحابه إلى أردشير و هو ملك الفرس يومئذ، بعث أميرا شجاعا يقال له الأندرزغر، و كان من أبناء السواد ولد بالمدائن و نشأ بها و أمده بجيش آخر مع أمير يقال له بهمن جاذويه، فساروا حتى بلغوا مكانا يقال له: الولجة، فسمع بهم خالد فسار بمن معه من الجنود و وصى من استخلفه هناك بالحذر و قلة الغفلة، فنازل أندرزغر و من ناشب معه، و اجتمع عنده بالولجة، فاقتتلوا قتالا شديدا هو أشد مما قبله، حتى ظن الفريقان أن الصبر قد فرغ، و استبطأ كمينه الّذي كان قد أرصدهم وراءه في موضعين، فما كان إلا يسيرا حتى خرج الكمينان من هاهنا و من هاهنا، ففرت صفوف الأعاجم فأخذهم خالد من أمامهم و الكمينان من ورائهم، فلم يعرف رجل منهم مقتل صاحبه، و هرب الأندرزغر من الوقعة فمات عطشا، و قام خالد في الناس خطيبا فرغبهم في بلاد الأعاجم و زهدهم في بلاد العرب و قال: ألا ترون ما هاهنا من الأطعمات؟ و باللَّه لو لم يلزمنا الجهاد في سبيل اللَّه و الدعاء إلى الإسلام و لم يكن إلا المعاش لكان الرأى أن نقاتل على هذا الريف حتى نكون أولى به، و نولي الجوع و الإقلال من تولاه ممن اثاقل عما أنتم عليه. ثم خمس الغنيمة، و قسم أربعة أخماسها بين الغانمين، و بعث الخمس إلى الصديق، و أسر من أسر من ذراري المقاتلة، و أقر الفلاحين بالجزية* و قال سيف بن عمر عن عمرو عن الشعبي، قال: بارز خالد يوم الولجة رجلا من الأعاجم يعدل بألف رجل فقتله، ثم اتكأ عليه و أتى بغدائه فأكله و هو متكئ عليه بين الصفين*

346

ثم كانت وقعة أ ليس في صفر أيضا و ذلك أن خالدا كان قد قتل يوم الولجة طائفة من بكر بن وائل، من نصارى العرب ممن كان مع الفرس، فاجتمع عشائرهم و أشدهم حنقا عبد الأسود العجليّ، و كان قد قتل له ابن بالأمس، فكاتبوا الأعاجم فأرسل إليهم أردشير جيشا، فاجتمعوا بمكان يقال له: أليس، فبينما هم قد نصبوا لهم سماطا فيه طعام يريدون أكله، إذ غافلهم خالد بجيشه، فلما رأوه أشار من أشار منهم بأكل الطعام و عدم الاعتناء بخالد، و قال أمير كسرى: بل ننهض إليه، فلم يسمعوا منه. فلما نزل خالد تقدم بين يدي جيشه و نادى بأعلى صوته لشجعان من هنالك من الأعراب: أين فلان، أين فلان؟ فكلهم تلكئوا عنه إلا رجلا يقال له مالك بن قيس، من بنى جذرة، فأنه برز إليه، فقال له خالد: يا ابن الخبيثة ما جرأك على من بينهم و ليس فيك وفاء؟ فضربه فقتله. و نفرت الأعاجم عن الطعام و قاموا إلى السلاح فاقتتلوا قتالا شديدا جدا، و المشركون يرقبون قدوم بهمن مددا من جهة الملك إليهم، فهم في قوة و شدة و كلب في القتال. و صبر المسلمون صبرا بليغا، و قال خالد: اللَّهمّ لك عليّ إن منحتنا أكتافهم أن لا أستبقي منهم أحدا أقدر عليه حتى أجرى نهرهم بدمائهم. ثم إن اللَّه عز و جل منح المسلمين أكتافهم فنادى منادى خالد: الأسر، الأسر، لا تقتلوا إلا من امتنع من الأسر، فأقبلت الخيول بهم أفواجا يساقون سوقا، و قد و كل بهم رجالا يضربون أعناقهم في النهر، ففعل ذلك بهم يوما و ليلة و يطلبهم في الغد و من بعد الغد، و كلما حضر منهم أحد ضربت عنقه في النهر، و قد صرف ماء النهر إلى موضع آخر فقال له بعض الأمراء: إن النهر لا يجرى بدمائهم حتى ترسل الماء على الدم فيجري معه فتبر بيمينك، فأرسله فسال النهر دما عبيطا، فلذلك سمى نهر الدم إلى اليوم، فدارت الطواحين بذلك الماء المختلط بالدم العبيط ما كفى العسكر بكماله ثلاثة أيام، و بلغ عدد القتلى سبعين ألفا، و لما هزم خالد الجيش و رجع من رجع من الناس، عدل خالد إلى الطعام الّذي كانوا قد وضعوه ليأكلوه فقال للمسلمين: هذا نفل فانزلوا فكلوا، فنزل الناس فأكلوا عشاء.

و قد جعل الأعاجم على طعامهم مرققا كثيرا فجعل من يراه من أهل البادية من الأعراب يقولون:

ما هذه الرقع؟ يحسبونها ثيابا، فيقول لهم من يعرف ذلك من أهل الأرياف و المدن: أما سمعتم رقيق العيش؟ قالوا: بلى، قالوا: فهذا رقيق العيش، فسموه يومئذ رقاقا، و إنما كانت العرب تسميه العود* و قد قال سيف بن عمر عن عمرو بن محمد عن الشعبي عمن حدث عن خالد أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) نفل الناس يوم خيبر الخبز و البطيخ و الشواء و ما أكلوا غير ذلك غير متأثليه* و كان كل من قتل بهذه الوقعة يوم أ ليس من بلدة يقال لها أمغيشيا، فعدل إليها خالد و أمر بخرابها و استولى على ما بها، فوجدوا بها مغنما عظيما، فقسم بين الغانمين فأصاب الفارس بعد النفل ألفا و خمسمائة غير ما تهيأ له مما قبله.

و بعث خالد إلى الصديق بالبشارة و الفتح و الخمس من الأموال و السبي مع رجل يقال له جندل من‏

347

بنى عجل، و كان دليلا صارما، فلما بلغ الصديق الرسالة و أدى الأمانة، أثنى عليه و أجازه جارية من السبي، و قال الصديق: يا معشر قريش إن أسدكم قد عدا على الأسد [فغلبه على خراذيله‏]، عجزت النساء أن يلدن مثل خالد بن الوليد. ثم جرت أمور طويلة لخالد في أماكن متعددة يمل سماعها، و هو مع ذلك لا يكل و لا يمل و لا يهن و لا يحزن، بل كلما له في قوة و صرامة و شدة و شهامة، و مثل هذا إنما خلقه اللَّه عزا للإسلام و أهله، و ذلا للكفر و شتات شمله.

فصل‏

ثم سار خالد فنزل الخورنق و السدير و بالنجف و بث سراياه هاهنا و هاهنا، يحاصرون الحصون من الحيرة و يستنزلون أهلها قسرا و قهرا، و صلحا و يسرا، و كان في جملة ما نزل بالصلح قوم من نصارى العرب فيهم ابن بقيلة المتقدم ذكره، و كتب لأهل الحيرة كتاب أمان، فكان الّذي راوده عليه عمرو بن عبد المسيح ابن نقيلة و وجد خالد معه كيسا، فقال: ما في هذا؟- و فتحه خالد فوجد فيه شيئا-، فقال ابن بقيلة: هو سم ساعة، فقال: و لم استصحبته معك؟ فقال حتى إذا رأيت مكروها في قومي أكلته فالموت أحب إلى من ذلك، فأخذه خالد في يده و قال: إنه لن تموت نفس حتى تأتى على أجلها، ثم قال: بسم اللَّه خير الأسماء، رب الأرض و السماء، الّذي ليس يضر مع اسمه داء، الرحمن الرحيم، قال: و أهوى إليه الأمراء ليمنعوه منه فبادرهم فابتلعه، فلما رأى ذلك ابن بقيلة قال: و اللَّه يا معشر العرب لتملكن ما أردتم ما دام منكم أحد، ثم التفت إلى أهل الحيرة فقال: لم أر كاليوم أوضح إقبالا من هذا، ثم دعاهم و سألوا خالدا الصلح فصالحهم و كتب لهم كتابا بالصلح، و أخذ منهم أربعمائة ألف درهم عاجلة، و لم يكن صالحهم حتى سلموا كرامة بنت عبد المسيح إلى رجل من الصحابة يقال له شويل، و ذلك أنه‏

لما ذكر رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قصور الحيرة كان شرفها أنياب الكلاب فقال له: يا رسول اللَّه هب لي ابنة بقيلة، فقال: هي لك،

فلما فتحت ادعاها شويل و شهد له اثنان من الصحابة، فامتنعوا من تسليمها إليه و قالوا: ما تريد إلى امرأة ابنة ثمانين سنة؟ فقالت لقومها: ادفعوني إليه فأنى سأفتدي منه، و إنه قد رآني و أنا شابة، فسلمت إليه فلما خلا بها قالت:

ما تريد إلى امرأة بنت ثمانين سنة؟ و أنا أفتدي منك فاحكم بما أردت، فقال: و اللَّه لا أفديك بأقل من عشر مائة فاستكثرتها خديعة منها، ثم أتت قومها فأحضروا له ألف درهم، و لامه الناس و قالوا:

لو طلبت أكثر من مائة ألف لدفعوها إليك، فقال: و هل عدد أكثر من عشر مائة؟ و ذهب إلى خالد و قال: إنما أردت أكثر العدد، فقال خالد: أردت أمرا و أراد اللَّه غيره، و إنا نحكم بظاهر قولك، و نيتك عند اللَّه، كاذبا أنت أم صادقا* و قال سيف بن عمر عن عمرو بن محمد عن الشعبي:

لما افتتح خالد الحيرة صلّى ثماني ركعات بتسليمة واحدة، و قد قال عمرو بن القعقاع في هذه الأيام‏

348

و من قتل من المسلمين بها و أيام الردة:

سقى اللَّه قتلى بالفرات مقيمة* * * و أخرى بأثباج النجاف الكوانف‏

و نحن وطئنا بالكواظم هرمزا* * * و بالثنى قرني قارن بالجوارف‏

و يوم أحطنا بالقصور تتابعت‏* * * على الحيرة الروحاء إحدى المصارف‏

حططناهم منها و قد كان عرشهم‏* * * يميل بهم فعل الجبان المخالف‏

رمينا عليهم بالقبول و قد رأوا* * * غبوق المنايا حول تلك المحارف‏

صبيحة قالوا نحن قوم تنزلوا* * * إلى الريف من أرض العريب المقانف‏

و قد قدم جرير بن عبد اللَّه البجلي على خالد بن الوليد و هو بالحيرة بعد الوقعات المتعددة، و الغنائم المتقدم ذكرها، و لم يحضر شيئا منها، و ذلك لأنه كان قد بعثه الصديق مع خالد بن سعيد بن العاص إلى الشام، فاستأذن خالد بن سعيد في الرجوع إلى الصديق ليجمع له قومه من بجيلة فيكونوا معه، فلما قدم على الصديق فسأله ذلك غضب الصديق و قال: أتيتنى لتشغلنى عما هو أرضى للَّه من الّذي تدعوني إليه، ثم سيره الصديق إلى خالد بن الوليد بالعراق* قال سيف بأسانيده: ثم جاء ابن صلوبا فصالح خالدا على بانقيا و بسما و ما حول ذلك على عشرة آلاف دينار، و جاءه دهاقين تلك البلاد فصالحوه على بلدانهم و أهاليهم كما صالح أهل الحيرة، و اتفق في تلك الأيام التي كان قد تمكن بأطراف العراق و استحوذ على الحيرة و تلك البلدان و أوقع بأهل أليس و الثني و ما بعدها بفارس و من ناشب معهم ما أوقع من القتل الفظيع في فرسانهم، أن عدت فارس على ملكهم الأكبر أردشير و ابنه شيرين فقتلوهما و قتلوا كل من ينسب إليهما، و بقيت الفرس حائرين فيمن يولوه أمرهم، و اختلفوا فيما بينهم، غير أنهم قد جهزوا جيوشا تكون حائلة بين خالد و بين المدائن التي فيها إيوان كسرى و سرير مملكته، فحينئذ كتب خالد إلى من هنالك من المرازبة و الأمراء و الدولة يدعوهم إلى اللَّه و إلى الدخول إلى دين الإسلام ليثبت ملكهم عليهم، و إلا فليدفعوا الجزية و إلا فليعلموا و ليستعدوا لقدومه عليهم بقوم يحبون الموت كما يحبون هم الحياة، فجعلوا يعجبون من جرأة خالد و شجاعته، و يسخرون من ذلك لحماقتهم و رعونتهم في أنفسهم، و قد أقام خالد هنالك بعد صلح الحيرة سنة يتردد في بلاد فارس ها هنا و هاهنا، و يوقع بأهلها من البأس الشديد، و السطوة الباهرة، ما يبهر الأبصار لمن شاهد ذلك و يشنف أسماع من بلغه ذلك و يحير العقول لمن تدبره.

فتح خالد للأنبار، و تسمى هذه الغزوة ذات العيون‏

ركب خالد في جيوشه فسار حتى انتهى إلى الأنبار و عليها رجل من أعقل الفرس و أسودهم في أنفسهم، يقال له شيرزاذ، فأحاط بها خالد و عليها خندق و حوله أعراب من قومهم على دينهم، و اجتمع‏

349

معهم أهل أرضهم، فمانعوا خالدا أن يصل إلى الخندق فضرب معهم رأسا، و لما تواجه الفريقان أمر خالد أصحابه فرشقوهم بالنبال حتى فقئوا منهم ألف عين، فتصايح الناس: ذهبت عيون أهل الأنبار، و سميت هذه الغزوة ذات العيون، فراسل شيرزاذ خالدا في الصلح، فاشترط خالد أمورا امتنع شيرزاذ من قبولها، فتقدم خالد إلى الخندق فاستدعى برذايا الأموال من الإبل فذبحها حتى ردم الخندق بها و جاز هو و أصحابه فوقها، فلما رأى شيرزاذ ذلك أجاب إلى الصلح على الشروط التي اشترطها خالد، و سأله أن يرده إلى مأمنه فوفى له خالد بذلك، و خرج شيرزاذ من الأنبار و تسلمها خالد، فنزلها و اطمأن بها، و تعلم الصحابة ممن بها من العرب الكتابة العربية، و كان أولئك العرب قد تعلموها من عرب قبلهم و هم بنو إياد، كانوا بها في زمان بخت‏نصّر حين أباح العراق للعرب، و أنشدوا خالدا قول بعض إياد يمتدح قومه:

قومي إياد لو أنهم أمم‏* * * و لو أقاموا فتهزل النعم‏

قوم لهم باحة العراق إذا* * * ساروا جميعا و اللوح و القلم‏

ثم صالح خالد أهل البوازيج و كلواذى، قال: ثم نقض أهل الأنبار و من حولهم عهدهم لما اضطربت بعض الأحوال، و لم يبق على عهده سوى البوازيج و بانقيا. قال سيف عن عبد العزيز بن سياه عن حبيب بن أبى ثابت قال: ليس لأحد من أهل السواد عهد قبل الوقعة، الا بنو صلوبا و هم أهل الحيرة و كلواذى و قرى من قرى الفرات، غدروا حتى دعوا إلى الذمة بعد ما غدروا. و قال سيف عن محمد بن قيس: قلت للشعبى: أخذ السواد عنوة و كل أرض الا بعض القلاع و الحصون؟ قال: بعض صالح و بعض غالب. قلت: فهل لأهل السواد ذمة اعتقدوها قبل الحرب؟ قال: لا، و لكنهم لما دعوا و رضوا بالخراج و أخذ منهم صاروا ذمة.

وقعة عين التمر

لما استقل خالد بالأنبار استناب عليها الزبرقان بن بدر، و قصد عين التمر و بها يومئذ مهران بن بهرام جوبين في جمع عظيم من العرب، و حولهم من الأعراب طوائف من النمر و تغلب و إياد و من لاقاهم و عليهم عقّة بن أبى عقّة، فلما دنا خالد قال عقة لمهران: إن العرب أعلم بقتال العرب، فدعنا و خالدا، فقال له: دونكم و إياهم، و إن احتجتم إلينا أعناكم، فلامت العجم أميرهم على هذا، فقال:

دعوهم فأن غلبوا خالدا فهو لكم، و إن غلبوا قاتلنا خالدا و قد ضعفوا و نحن أقوياء، فاعترفوا له بفضل الرأى عليهم، و سار خالد و تلقاه عقة فلما تواجهوا قال خالد لمجنبتيه: احفظوا مكانكم فأنى حامل، و أمر حماته أن يكونوا من ورائه، و حمل على عقة و هو يسوى الصفوف فاحتضنه و أسره و انهزم جيش عقة من غير قتال فأكثروا فيهم الأسر، و قصد خالد حصن عين التمر، فلما بلغ مهران هزيمة

350

عقة و جيشه، نزل من الحصن و هرب و تركه، و رجعت فلال نصارى الأعراب إلى الحصن فوجدوه مفتوحا فدخلوه و احتموا به، فجاء خالد و أحاط بهم و حاصرهم أشد الحصار، فلما رأوا ذلك سألوه الصلح فأبى إلا أن ينزلوا على حكم خالد، فنزلوا على حكمه فجعلوا في السلاسل و تسلم الحصن ثم أمر فضربت عنق عقة و من كان أسر معه و الذين نزلوا على حكمه أيضا أجمعين، و غنم جميع ما في ذلك الحصن، و وجد في الكنيسة التي به أربعين غلاما يتعلمون الإنجيل و عليهم باب مغلق، فكسره خالد و فرقهم في الأمراء و أهل الغناء، و كان حمران صار إلى عثمان بن عفان من الخمس، و منهم سيرين والد محمد بن سيرين أخذه أنس بن مالك. و جماعة آخرون من الموالي المشاهير أراد بهم و بذراريهم خيرا. و لما قدم الوليد بن عقبة على الصديق بالخمس رده الصديق إلى عياض بن غنم مددا له و هو محاصر دومة الجندل فلما قدم عليه وجده في ناحية من العراق يحاصر قوما، و هم قد أخذوا عليه الطرق فهو محصور أيضا، فقال عياض للوليد: إن بعض الرأى خير من جيش كثيف، ما ذا ترى فيما نحن فيه؟ فقال له الوليد:

اكتب إلى خالد يمدك بجيش من عنده، فكتب إليه يستمده، فقدم كتابه على خالد عقب وقعة عين التمر و هو يستغيث به، فكتب إليه: من خالد إلى عياض، إياك أريد.

لبّث قليلا تأتك الحلائب‏* * * يحملن آسادا عليها القاشب‏

كتائب تتبعها كتائب

خبر دومة الجندل‏

لما فرغ خالد من عين التمر قصد إلى دومة الجندل، و استخلف على عين التمر عويمر بن الكاهن الأسلمي، فلما سمع أهل دومة الجندل بمسيره إليهم، بعثوا إلى أحزابهم من بهراء و تنوخ و كلب و غسان و الضجاعم، فأقبلوا إليهم و على غسان و تنوخ ابن الأيهم، و على الضجاعم ابن الحدرجان، و جماع الناس بدومة إلى رجلين أكيدر بن عبد الملك، و الجودي بن ربيعة، فاختلفا فقال أكيدر: أنا أعلم الناس بخالد، لا أحد أيمن طائر منه في حرب و لا أحد منه و لا يرى وجه خالد قوم أبدا، قلوا أم كثروا إلا انهزموا عنه، فأطيعوني و صالحوا القوم، فأبوا عليه، فقال: لن أمالئكم على حرب خالد و فارقهم، فبعث إليه خالد عاصم بن عمرو فعارضه فأخذه، فلما أتى به خالدا أمر فضربت عنقه و أخذ ما كان معه، ثم تواجه خالد و أهل دومة الجندل و عليهم الجودي بن ربيعة، و كل قبيلة مع أميرها من الأعراب، و جعل خالد دومة بينه و بين جيش عياض بن غنم، و افترق جيش الأعراب فرقتين، فرقة نحو خالد، و فرقة نحو عياض، و حمل خالد على من قبله، و حمل عياض على أولئك، فأسر خالد الجودي، و أسر الأقرع بن حابس وديعة، و فرت الأعراب إلى الحصن فملئوه و بقي منهم خلق ضاق عنهم، فعطفت بنو تميم على من هو خارج الحصن فأعطوهم ميرة فنجا بعضهم، و جاء خالد فضرب أعناق من وجده خارج الحصن، و أمر بضرب عنق الجودي و من كان معه من‏