البداية و النهاية - ج6

- ابن كثير الدمشقي‏ المزيد...
354 /
351

الأسارى، إلا أسارى بنى كلب فأن عاصم بن عمرو و الأقرع بن حابس، و بنى تميم أجاروهم، فقال لهم خالد: ما لي و ما لكم أ تحفظون أمر الجاهلية و تضيعون أمر الإسلام؟ فقال له عاصم بن عمرو: أ تحسدونهم العافية و تحوّذونهم الشيطان، ثم أطاف خالد بالباب فلم يزل عنه حتى اقتلعه، و اقتحموا الحصن فقتلوا من فيه من المقاتلة، و سبوا الذراري فبايعوهم بينهم فيمن يزيد، و اشترى خالد يومئذ ابنة الجودي، و كانت موصوفة بالجمال، و أقام بدومة الجندل ورد الأقرع إلى الأنبار، ثم رجع خالد إلى الحيرة، فتلقاه أهلها من أهل الأرض بالتقليس، فسمع رجلا منهم يقول لصاحبه: مر بنا فهذا يوم فرح الشر.

خبر وقعتي الحصيد و المضيّح‏

قال سيف عن محمد و طلحة و المهلب قالوا: و كان خالد أقام بدومة الجندل فظن الأعاجم به و كاتبوا عرب الجزيرة فاجتمعوا لحربه، و قصدوا الأنبار يريدون انتزاعها من الزبرقان، و هو نائب خالد عليها، فلما بلغ ذلك الزبرقان كتب إلى القعقاع بن عمرو نائب خالد على الحيرة، فبعث القعقاع أعبد ابن فدكي السعدي و أمره بالحصيد و بعث عروة بن أبى الجعد البارقي و أمره بالخنافس، و رجع خالد من دومة إلى الحيرة و هو عازم على مصادمة أهل المدائن محلة كسرى، لكنه يكره أن يفعل ذلك بغير إذن أبى بكر الصديق، و شغله ما قد اجتمع من جيوش الأعاجم مع نصارى الأعراب يريدون حربه، فبعث القعقاع بن عمرو أميرا على الناس، فالتقوا بمكان يقال له الحصيد، و على العجم رجل منهم يقال له روزبه، و أمده أمير آخر يقال له زرمهر، فاقتتلوا قتالا شديدا، و هزم المشركون فقتل منهم المسلمون خلقا كثيرا، و قتل القعقاع بيده زرمهر، و قتل رجل يقال له عصمة بن عبد اللَّه الضبيّ روزبه، و غنم المسلمون شيئا كثيرا، و هرب من هرب من العجم، فلجئوا إلى مكان يقال له خنافس، فسار إليهم أبو ليلى بن فدكي السعدي، فلما أحسوا بذلك ساروا إلى المضيح، فلما استقروا بها بمن معهم من الأعاجم و الأعارب قصدهم خالد بن الوليد بمن معه من الجنود، و قسم الجيش ثلاث فرق، و أغار عليهم ليلا و هم نائمون فأنامهم، و لم يفلت منهم إلا اليسير فما شبهوا إلا بغنم مصرعة، و قد روى ابن جرير عن عدي بن حاتم قال: انتهينا في هذه الغارة إلى رجل يقال له حرقوص بن النعمان النمري، و حوله بنوه و بناته و امرأته، و قد وضع لهم جفنة من خمر و هم يقولون: أحد يشرب هذه الساعة و هذه جيوش خالد قد أقبلت؟ فقال لهم: اشربوا شرب وداع فما أرى أن تشربوا خمرا بعدها، فشربوا و جعل يقول:

ألا يا اسقيانى قبل نائرة الفجر* * * لعل منايانا قريب و لا ندري‏

القصيدة إلى آخرها، قال: فهجم الناس عليه فضرب رجل رأسه فإذا هو في جفنته، و أخذت‏

352

بنوه و بناته و امرأته، و قد قتل في هذه المعركة رجلان كانا قد أسلما و معهما كتاب من الصديق بالأمان و لم يعلم بذلك المسلمون، و هما عبد العزى بن أبى رهم بن قرواش، قتله جرير بن عبد اللَّه البجلي، و الآخر لبيد بن جرير، قتله بعض المسلمين، فلما بلغ خبرهما الصديق وداهما، و بعث بالوصاة بأولادهما، و تكلم عمر بن الخطاب في خالد بسببهما، كما تكلم فيه بسبب مالك بن نويرة، فقال له الصديق: كذلك يلقى من يساكن أهل الحرب في ديارهم، أي الذنب لهما في مجاورتهما المشركين، و هذا كما

في الحديث‏

«أنا بري‏ء من كل من ساكن المشرك في داره»

و

في الحديث الآخر

«لا ترى نارهما»

أي لا يجتمع المسلمون و المشركون في محلة واحدة* ثم كانت وقعة الثني و الزّميل و قد بيتوهم فقتلوا من كان هنالك من الأعراب و الأعاجم فلم يفلت منهم أحد و لا انبعث بخبر، ثم بعث خالد بالخمس من الأموال و السبي إلى الصديق، و قد اشترى على بن أبى طالب من هذا السبي جارية من العرب و هي ابنة ربيعة بن بجير التغلبي، فاستولدها عمر و رقية رضى اللَّه عنهم أجمعين.

وقعة الفراض‏

ثم سار خالد بمن معه من المسلمين إلى وقعة الفراض و هي تخوم الشام و العراق و الجزيرة، فأقام هنالك شهر رمضان مفطرا لشغله بالأعداء، و لما بلغ الروم أمر خالد و مصيره إلى قرب بلادهم، حموا و غضبوا و جمعوا جموعا كثيرة، و استمدوا تغلب و إياد و التمر، ثم ناهدوا خالدا فحالت الفرات بينهم فقالت الروم لخالد: اعبر إلينا، و قال خالد للروم: بل اعبروا أنتم، فعبرت الروم إليهم، و ذلك للنصف من ذي القعدة سنة ثنتى عشرة، فاقتتلوا هنالك قتالا عظيما بليغا، ثم هزم اللَّه جموع الروم و تمكن المسلمون من اقتفائهم، فقتل في هذه المعركة مائة ألف، و أقام خالد بعد ذلك بالفراض عشرة أيام ثم أذن بالقفول إلى الحيرة، لخمس بقين من ذي القعدة، و أمر عاصم بن عمرو أن يسير في المقدمة و أمر شجرة بن الأعز أن يسير في الساقة، و أظهر خالد أنه يسير في الساقة، و سار خالد في عدة من أصحابه و قصد شطر المسجد الحرام، و سار إلى مكة في طريق لم يسلك قبله قط، و يأتى له في ذلك أمر لم يقع لغيره، فجعل يسير معتسفا على غير جادة، حتى انتهى إلى مكة فأدرك الحج هذه السنة، ثم عاد فأدرك أمر الساقة قبل أن يصلوا إلى الحيرة، و لم يعلم أحد بحج خالد هذه السنة إلا القليل من الناس ممن كان معه، و لم يعلم أبو بكر الصديق بذلك أيضا إلا بعد ما رجع أهل الحج من الموسم، فبعث يعتب عليه في مفارقته الجيش و كانت عقوبته عنده أن صرفه من غزو العراق إلى غزو الشام، و قال له فيما كتب إليه: يقول له: و إن الجموع لم تشج بعون اللَّه شجيك، فليهنئك أبا سليمان النية و الحظوة، فأتمم يتمم اللَّه لك، و لا يدخلنك عجب فتخسر و تخذل، و إياك أن تدل بعمل فان اللَّه له المن و هو ولى الجزاء.

353

فصل فيما كان من الحوادث في هذه السنة

فيها أمر الصديق زيد بن ثابت أن يجمع القرآن من اللحاف و العسب و صدور الرجال، و ذلك بعد ما استحر القتل في القراء يوم اليمامة كما ثبت به الحديث في صحيح البخاري، و فيها تزوج على بن أبى طالب بأمامة بنت زينب بنت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و هي من أبى العاص بن الربيع بن عبد شمس الأموي، و قد توفى أبوها في هذا العام، و هذه هي التي كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يحملها في الصلاة فيضعها إذا سجد و يرفعها إذا قام. و فيها تزوج عمر بن الخطاب عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل، و هي ابنة عمه، و كان لها محبا و بها معجبا، و كان لا يمنعها من الخروج إلى الصلاة و يكره خروجها، فجلس لها ذات ليلة في الطريق في ظلمة فلما مرت ضرب بيده على عجزها، فرجعت إلى منزلها و لم تخرج بعد ذلك، و قد كانت قبله تحت زيد بن الخطاب، فيما قيل، فقتل عنها، و كانت قبل زيد تحت عبد اللَّه ابن أبى بكر فقتل عنها، و لما مات عمر تزوجها بعده الزبير، فلما قتل خطبها على بن أبى طالب فقالت:

إني أرغب بك عن الموت، و امتنعت عن التزوج حتى ماتت، و فيها اشترى عمر مولاه أسلم ثم صار منه أن كان أحد سادات التابعين، و ابنه زيد بن أسلم أحد الثقات الرفعاء. و فيها حج بالناس أبو بكر الصديق رضى اللَّه عنه، و استخلف على المدينة عثمان بن عفان. رواه ابن إسحاق عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب مولى الحرقة عن رجل من بنى سهم، عن أبى ماجدة، قال: حج بنا أبو بكر في خلافته سنة ثنتى عشرة، فذكر حديثا في القصاص من قطع الأذن، و أن عمر حكم في ذلك بأمر الصديق. قال ابن إسحاق: و قال بعض الناس لم يحج أبو بكر في خلافته، و أنه بعث على الموسم سنة ثنتى عشرة عمر بن الخطاب، أو عبد الرحمن بن عوف.

فصل فيمن توفى في هذه السنة

قد قيل إن وقعة اليمامة و ما بعدها كانت في سنة ثنتى عشرة، فليذكر هاهنا من تقدم ذكره في سنة إحدى عشرة من قتل باليمامة و ما بعدها، و لكن المشهور ما ذكرناه.

بشير بن سعد بن ثعلبة الخزرجي‏

والد النعمان بن بشير، شهد العقبة الثانية، و بدرا و ما بعدها، و يقال إنه أول من أسلم من الأنصار، و هو أول من بايع الصديق يوم السقيفة من الأنصار، و شهد مع خالد حروبه إلى أن قتل بعين التمر رضى اللَّه عنه. و روى له النسائي حديث النحل. و الصعب بن جثامة الليثي أخو محكم بن جثامة له عن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أحاديث، قال أبو حاتم: هاجر و كان نزل و دان و مات في خلافة الصديق.

أبو مرثد الغنوي‏

و اسمه معاذ بن الحصين و يقال ابن حصين بن يربوع بن عمرو بن يربوع بن خرشة بن سعد بن طريف بن خيلان بن غنم بن غنى بن أعصر بن سعد بن قيس بن غيلان بن مضر بن نزار أبو مرثد

354

الغنوي، شهد هو و ابنه مرثد بدرا، و لم يشهدها رجل هو و ابنه سواهما، و استشهد ابنه مرثد يوم الرجيع كما تقدم، و ابن ابنه أنيس بن مرثد بن أبى مرثد له صحبة أيضا، شهد الفتح و حنينا و كان عين رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يوم أوطاس فهم ثلاثة نسقا، و قد كان أبو مرثد حليفا للعباس بن عبد المطلب،

و روى له عن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) حديث واحد انه قال:

لا تصلوا إلى القبور و لا تجلسوا إليها،

قال الواقدي: توفى سنة ثنتى عشرة، زاد غيره بالشام، و زاد غيره عن ست و ستين سنة، و كان رجلا طويلا كثير الشعر، قلت: و في قبلىّ دمشق قبر يعرف بقبر كثير، و الّذي قرأته على قبره هذا قبر كناز بن الحصين صاحب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و رأيت على ذلك المكان روحا و جلالة، و العجب أن الحافظ ابن عساكر لم يذكره في تاريخ الشام فاللَّه أعلم.

و ممن توفى في هذه السنة أبو العاص بن الربيع‏

ابن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي القرشي العبشمي زوج أكبر بنات رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) زينب، و كان محسنا إليها و محبا لها، و لما أمره المسلمون بطلاقها حين بعث رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أبى عليهم ذلك، و كان ابن أخت خديجة بنت خويلد و اسم أمه هالة، و يقال هند بنت خويلد و اختلف في اسمه فقيل: لقيط، و هو الأشهر، و قيل: مهشم و قيل: هشيم، و قد شهد بدرا من ناحية الكفار فأسر، فجاء أخوه عمرو بن الربيع ليفاديه و أحضر معه في الفداء قلادة كانت خديجة أخرجتها مع ابنتها زينب حين تزوج أبو العاص بها، فلما رآها رسول اللَّه رق لها رقة شديدة و أطلقه بسببها، و اشترط عليه أن يبعث له زينب إلى المدينة فوفى له بذلك، و استمر أبو العاص على كفره بمكة إلى قبيل الفتح بقليل، فخرج في تجارة لقريش فاعترضه زيد بن حارثة في سرية فقتلوا جماعة من أصحابه و غنموا العير، و فر أبو العاص هاربا إلى المدينة فاستجار بامرأته زينب فأجارته، فأجاز رسول اللَّه جوارها، ورد عليه ما كان معه من أموال قريش، فرجع بها أبو العاص إليهم، فرد كل مال إلى صاحبه، ثم تشهد شهادة الحق و هاجر إلى المدينة، ورد عليه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) زينب بالنكاح الأول و كان بين فراقها له و بين اجتماعهاست سنين و ذلك بعد سنتين من وقت تحريم المسلمات على المشركين في عمرة الحديبيّة، و قيل إنما ردها عليه بنكاح جديد فاللَّه أعلم* و قد ولد له من زينب على بن أبى العاص، و خرج مع على إلى اليمن حين بعثه إليها رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يثنى عليه خيرا في صهارته، و يقول: حدثني فصدقني و واعدني فوفانى، و قد توفى في أيام الصديق سنة ثنتى عشرة. و في هذه السنة تزوج على بن أبى طالب بابنته أمامة بنت أبى العاص، بعد وفاة خالتها فاطمة، و ما أدرى هل كان ذلك قبل وفاة أبى العاص أو بعده فاللَّه أعلم*

(تم الجزء السادس من البداية و النهاية و يليه الجزء السابع و أوله سنة ثلاث عشرة من الهجرة النبويّة، نسأل اللَّه التوفيق و الإعانة على إتمامه.)