تاريخ الأمم و الملوك‏‏‏ - ج1

- ابن جرير الطبري المزيد...
632 /
453

ذكر القائم بالملك ببابل من الفرس بعد منوشهر إذ كان التاريخ انما تدرك صحته على سياق مده اعمار ملوكهم.

و لما هلك منوشهر الملك بن منشخورنر، قهر فراسياب بن فشنج ابن رستم بن ترك على خنيارث و مملكه اهل فارس، و صار- فيما قيل- الى ارض بابل، فكان يكثر المقام ببابل و بمهرجان قذق، فاكثر الفساد في مملكه اهل فارس.

و قيل: انه قال حين غلب على مملكتهم: نحن مسرعون في اهلاك البريه، و انه عظم جوره و ظلمه، و خرب ما كان عامرا من بلاد خنيارث، و دفن الانهار و القنى، و قحط الناس في سنه خمس من ملكه، الى ان خرج عن مملكه اهل فارس، و رد الى بلاد الترك، فغارت المياه في تلك السنين، و حالت الأشجار المثمره.

و لم يزل الناس منه في اعظم البليه، الى ان ظهر زو بن طهماسب و قد يلفظ باسم زو بغير ذلك فيقول بعضهم: زاب بن طهماسفان، و يقول بعضهم: زاغ، و يقول بعضهم: راسب بن طهماسب بن كانجو بن زاب بن ارفس بن هراسف بن ونديج بن اريج بن نوذوجوش ابن منسوا- بن نوذر بن منوشهر.

و أم زو ما دول ابنه و امن بن واذرجا بن قود بن سلم بن افريدون.

و قيل: ان منوشهر كان وجد في ايام ملكه على طهماسب بسبب جناية جناها، و هو مقيم في حدود الترك لحرب فراسياب، فاراد منوشهر قتله بسبب ذلك، فكلمه في الصفح عنه عظماء اهل مملكته و كان من عدل‏

454

منوشهر- فيما ذكر- انه قد كان يسوى بين الشريف و الوضيع، و القريب و البعيد في العقوبة، إذا استوجبها بعض رعيته على ذنب أتاه- فأبى اجابتهم الى ما سألوه من ذلك، و قال لهم: هذا في الدين وهن، و لكنكم إذ ابيتم على، فانه لا يسكن في شي‏ء من مملكتي، و لا يقيم به، فنفاه عن مملكته فشخص الى بلاد الترك، فوقع الى ناحيه وامن، فاحتال لابنته و هي محبوسه في قصر من اجل ان المنجمين كانوا ذكروا لوامن أبيها انها تلد ولدا يقتله، حتى أخرجها من القصر الذى كانت محبوسه فيه، بعد ان حملت منه بزو.

ثم ان منوشهر اذن طهماسب بعد ان انقضت ايام عقوبته في العود الى خينارث مملكه فارس، فاخرج مادول ابنه وامن بالحيلة منها و منه في إخراجها من قصرها من بلاد الترك الى مملكه اهل فارس، فولدت له زوا بعد العود الى بلاد ايرانكرد، ثم ان زوا- فيما ذكر- قتل جده، وامن في بعض مغازيه الترك، و طرد فراسياب عن مملكه اهل فارس، حتى رده الى الترك بعد حروب جرت بينه و بينه و قتال، فكانت غلبه فراسياب اهل فارس على إقليم بابل اثنتى عشره سنه، من لدن توفى منوشهر الى ان طرده عنه، و اخرجه زو بن طهماسب الى تركستان.

و ذكر ان طرد زو فراسياب عما كان عليه من مملكه اهل فارس في روز ابان من شهر آبانماه، فاتخذ العجم هذا اليوم عيدا لما رفع عنهم فيه من شر فراسياب و عسفه و جعلوه الثالث من أعيادهم النوروز و المهرجان.

و كان زو محمودا في ملكه، محسنا الى رعيته، فامر بإصلاح ما كان فراسياب افسد من بلاد خنيارث، و مملكه بابل و بناء ما كان هدم من حصون ذلك، و نثل ما كان طم و غور من الانهار و القنى، و كرى ما كان اندفن من المياه حتى اعاد كل ذلك- فيما ذكر- الى احسن ما كان عليه، و وضع‏

455

عن الناس الخراج سبع سنين، و دفعه عنهم، فعمرت بلاد فارس في ملكه، و كثرت المياه فيها، و درت معايش أهلها، و استخرج بالسواد نهرا و سماه الزاب، و امر فبنيت على حافتيه مدينه و هي التي تسمى المدينة العتيقة، و كورها كوره، و سماها الزوابي، و جعل لها ثلاثة طساسيج: منها طسوج الزاب الأعلى، و منها طسوج الزاب الأوسط، و منها طسوج الزاب الأسفل، و امر بحمل بزور الرياحين من الجبال إليها و اصول الأشجار، و بذر ما يبذر من ذلك، و غرس ما يغرس منه، و كان أول من اتخذ له الوان الطبيخ و امر بها و باصناف الاطعمه، و اعطى جنوده مما غنم من الخيل و الركاب، مما اوجف عليه من اموال الترك و غيرهم و قال يوم ملك و عقد التاج على راسه: نحن متقدمون في عماره ما اخر به الساحر فراسياب.

و كان له كرشاسب بن اثرط بن سهم بن نريمان بن طورك بن شيراسب بن اروشسب بن طوج بن افريدون الملك.

و قد نسبه بعض نسابى الفرس غير هذا النسب فيقول: هو كرشاسف بن اشناس بن طهموس بن اشك بن ترس بن رحر بن دودسرو بن منوشهر الملك- مؤازرا له على ملكه.

و يقول بعضهم: كان زو و كرشاسب مشتركين في الملك، و المعروف من امرهما ان الملك كان لزو بن طهماسب و ان كرشاسب كان له مؤازرا و له معينا

456

و كان كرشاسب عظيم الشان في اهل فارس، غير انه لم يملك، فكان جميع ملك زو الى ان انقضى و مات- فيما قيل- ثلاث سنين.

ثم ملك بعد زو كيقباذ، و هو كيقباذ بن زاغ بن نوحياه بن منشو بن نوذر بن منوشهر و كان متزوجا بفرتك ابنه تدرسا التركى، و كان تدرسا من رءوس الاتراك و عظمائهم، فولدت له كى‏افنه، و كى‏كاوس، و كى‏ارش، و كيبه‏ارش، و كيفاشين و كيبيه، و هؤلاء هم الملوك الجبابرة و آباء الملوك الجبابرة.

و قيل ان كيقباذ قال يوم ملك و عقد التاج على راسه: نحن مدوخون بلاد الترك و مجتهدون في اصلاح بلادنا، حدبون عليها، و انه قدر مياه الانهار و العيون لشرب الارضين، و سمى البلاد بأسمائها، و حدها بحدودها، و كور الكور، و بين حير كل كوره منها و حريمها، و امر الناس باتخاذ الارض، و أخذ العشر من غلاتها لارزاق الجند، و كان- فيما ذكر- كيقباذ يشبه في حرصه على العمارة، و منعه البلاد من العدو، و تكبره في نفسه بفرعون.

و قيل ان الملوك الكييه و أولادهم من نسله، و جرت بينه و بين الترك و غيرهم حروب كثيره، و كان مقيما في حد ما بين مملكه الفرس و الترك بالقرب من نهر بلخ، لمنع الترك من تطرق شي‏ء من حدود فارس، و كان ملكه مائه سنه، و الله اعلم.

و نرجع الان الى:

457

ذكر امر بنى إسرائيل و القوام الذين كانوا بامرهم بعد يوشع ابن نون و الاحداث التي كانت في عهد زو و كيقباذ

و لا خلاف بين اهل العلم باخبار الماضين و امور الأمم السالفين من أمتنا و غيرهم ان القيم بامور بنى إسرائيل بعد يوشع كان كالب بن يوفنا، ثم حزقيل بن بوذى من بعده، و هو الذى يقال له ابن العجوز.

فحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، عن ابن إسحاق، قال: انما سمى حزقيل بن بوزى ابن العجوز، انها سالت الله الولد، و قد كبرت و عقمت، فوهبه الله لها، فبذلك قيل له: ابن العجوز، و هو الذى دعا للقوم الذين ذكر الله في الكتاب عليه السلام كما بلغنا: «أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَ هُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ‏».

حدثنى محمد بن سهل بن عسكر، قال: حدثنا اسماعيل بن عبد الكريم قال: حدثنى عبد الصمد بن معقل، انه سمع وهب بن منبه يقول: أصاب ناسا من بنى إسرائيل بلاء و شده من الزمان، فشكوا ما أصابهم فقالوا: يا ليتنا قدمتنا فاسترحنا مما نحن فيه! فاوحى الله الى حزقيل: ان قومك صاحوا من البلاء، و زعموا انهم ودوا لو ماتوا فاستراحوا، و اى راحه لهم في الموت! ا يظنون انى لا اقدر على ان ابعثهم بعد الموت! فانطلق الى جبانه كذا كذا فان فيها اربعه آلاف- قال وهب: و هم الذين قال الله تعالى:

«أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَ هُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ‏»- فقم فيهم فنادهم، و كانت عظامهم قد تفرقت، فرقتها الطير و السباع، فناداها حزقيل، فقال: يا أيتها العظام النخرة، ان الله عز و جل‏

458

يأمرك ان تجتمعى فاجتمع عظام كل انسان منهم معا، ثم نادى ثانيه حزقيل فقال: أيتها العظام، ان الله يأمرك ان تكتسي اللحم، فاكتست اللحم، و بعد اللحم جلدا، فكانت أجسادا، ثم نادى حزقيل الثالثه فقال: أيتها الارواح، ان الله يأمرك ان تعودي في اجسادك فقاموا باذن الله، و كبروا تكبيره واحده.

حدثنى موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا اسباط، عن السدى، في خبر ذكره عن ابى مالك و عن ابى صالح، عن ابن عباس- و عن مره الهمدانى، عن ابن مسعود- و عن ناس من اصحاب النبي(ص)«أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَ هُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ‏» كانت قريه يقال لها داوردان قبل واسط، فوقع بها الطاعون، فهرب عامه أهلها فنزلوا ناحيه منها، فهلك اكثر من بقي في القرية و سلم الآخرون، فلم يمت منهم كثير، فلما ارتفع الطاعون رجعوا سالمين، فقال الذين بقوا: أصحابنا هؤلاء كانوا احزم منا، لو صنعنا كما صنعوا بقينا! و لئن وقع الطاعون ثانيه لنخرجن معهم فوقع في قابل فهربوا و هم بضعه و ثلاثون ألفا، حتى نزلوا ذلك المكان، و هو واد افيح، فناداهم ملك من اسفل الوادى، و آخر من اعلاه: ان موتوا، فماتوا حتى هلكوا، و بليت اجسادهم، فمر بهم نبى يقال له هزقيل، فلما رآهم وقف عليهم فجعل يتفكر فيهم، يلوى شدقه و أصابعه، فاوحى الله اليه: يا هزقيل، ا تريد ان أريك كيف احييهم؟ قال: نعم، و انما كان تفكره انه تعجب من قدره الله عليهم، فقال: نعم، فقيل له: ناد، فنادى يا أيتها العظام، ان الله يأمرك ان تجتمعى، فجعلت العظام يطير بعضها الى بعض، حتى كانت أجسادا من عظام، ثم اوحى الله ان ناد: يأتيها العظام، ان الله يأمرك ان تكتسي لحما فاكتست لحما و دما و ثيابها التي ماتت فيها، و هي عليها، ثم قيل له: ناد،

459

فنادى: يا أيتها الأجساد، ان الله يأمرك ان تقومى، فقاموا حدثنى موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا اسباط، قال: فزعم منصور بن المعتمر عن مجاهد انهم قالوا حين أحيوا: سبحانك ربنا و بحمدك لا اله الا أنت، فرجعوا الى قومهم احياء يعرفون انهم كانوا موتى، سحنه الموت على وجوههم، لا يلبسون ثوبا الا عاد دسما مثل الكفن، حتى ماتوا لآجالهم التي كتبت لهم.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا حكام، عن عنبسة، عن اشعث، عن سالم النصرى، قال: بينما عمر بن الخطاب يصلى و يهوديان خلفه، و كان عمر إذا اراد ان يركع خوى، فقال أحدهما لصاحبه: ا هو هو؟ قال:

فلما انفتل عمر قال: ا رايت قول أحدكما لصاحبه: ا هو هو؟ فقالا: انا نجد في كتابنا قرنا من حديد يعطى ما اعطى حزقيل الذى أحيا الموتى باذن الله، فقال عمر: ما نجد في كتابنا حزقيل، و لا أحيا الموتى باذن الله الا عيسى ابن مريم، فقالا: اما تجد في كتاب الله «وَ رُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ‏»، فقال عمر: بلى، قالا و اما احياء الموتى فسنحدثك ان بنى إسرائيل وقع فيهم الوباء، فخرج منهم قوم حتى إذا كانوا على راس ميل أماتهم الله، فبنوا عليهم حائطا، حتى إذا بليت عظامهم بعث الله حزقيل فقام عليهم، فقال: ما شاء الله! فبعثهم الله له، فانزل الله في ذلك: «أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَ هُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ‏»، الآية.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، قال: حدثنا محمد بن إسحاق،

460

عن وهب بن منبه: ان كالب بن يوفنا لما قبضه الله بعد يوشع، خلف فيهم- يعنى في بنى إسرائيل- حزقيل بن بوذى، و هو ابن العجوز، و هو الذى دعا للقوم الذين ذكر الله في الكتاب لمحمد(ص)كما بلغنا:

«أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ‏» الآية.

قال ابن حميد: قال سلمه قال ابن إسحاق: فبلغني انه كان من حديثهم انهم خرجوا فرارا من بعض الاوباء من الطاعون، او من سقم كان يصيب الناس حذرا من الموت و هم ألوف، حتى إذا نزلوا بصعيد من البلاد قال الله لهم: موتوا، فماتوا جميعا، فعمد اهل تلك البلاد فحظروا عليهم حظيرة دون السباع، ثم تركوهم فيها، و ذلك انهم كثروا عن ان يغيبوا، فمرت بهم الأزمان و الدهور، حتى صاروا عظاما نخرة، فمر بهم حزقيل بن بوذى، فوقف عليهم، فتعجب لامرهم، و دخلته رحمه لهم، فقيل له: ا تحب ان يحييهم الله؟ فقال: نعم، فقيل له: فقل: أيتها العظام الرميم، التي قد رمت و بليت، ليرجع كل عظم الى صاحبه فناداهم بذلك، فنظر الى العظام تتواثب يأخذ بعضها بعضا، ثم قيل له: قل ايها اللحم و العصب و الجلد، اكس العظام باذن ربك، قال فنظر إليها و العصب يأخذ العظام، ثم اللحم و الجلد و الاشعار، حتى استووا خلقا ليست فيهم الارواح، ثم دعا لهم بالحياه، فتغشاه من السماء شي‏ء كربه، حتى غشى عليه منه، ثم افاق و القوم جلوس يقولون: سبحان الله فقد احياهم الله! فلم يذكر لنا مده مكث حزقيل في بنى إسرائيل‏

461

الياس و اليسع (عليهما السلام)

و لما قبض الله حزقيل كثرت الاحداث- فيما ذكر- في بنى إسرائيل، و تركوا عهد الله الذى عهد اليهم في التوراة، و عبدوا الأوثان، فبعث الله اليهم فيما قيل: الياس بن ياسين بن فنحاص بن العيزار بن هارون بن عمران.

فحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، قال: حدثنى محمد بن إسحاق:

ثم ان الله عز و جل قبض حزقيل، و عظمت في بنى إسرائيل الاحداث، و نسوا ما كان من عهد الله اليهم، حتى نصبوا الأوثان و عبدوها من دون الله، فبعث الله اليهم الياس بن ياسين بن فنحاص بن العيزار بن هارون بن عمران نبيا، و انما كانت الأنبياء من بنى إسرائيل بعد موسى يبعثون اليهم بتجديد ما نسوا من التوراة فكان الياس مع ملك من ملوك بنى إسرائيل يقال له احاب، و كان اسم امراته ازبل، و كان يسمع منه و يصدقه، و كان الياس يقيم له امره، و كان سائر بنى إسرائيل قد اتخذوا صنما يعبدونه من دون الله، يقال له: بعل قال ابن إسحاق: و قد سمعت بعض اهل العلم يقول: ما كان بعل الا امراه يعبدونها من دون الله يقول الله لمحمد «وَ إِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَ لا تَتَّقُونَ‏»- الى قوله:

«اللَّهَ رَبَّكُمْ وَ رَبَّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ‏»- فجعل الياس يدعوهم الى الله، و جعلوا لا يسمعون منه شيئا الا ما كان من ذلك الملك، و الملوك متفرقه بالشام، كل ملك له ناحيه منها يأكلها، فقال ذلك الملك، الذى كان الياس معه، يقوم له بامره، و يراه على هدى من بين اصحابه يوما يا الياس، و الله‏

462

ما ارى ما تدعو اليه الا باطلا، و الله ما ارى فلانا و فلانا فعد ملوكا من ملوك بنى إسرائيل قد عبدوا الأوثان من دون الله الا على مثل ما نحن عليه، يأكلون و يشربون و يتنعمون، مملكين، ما ينقص دنياهم امرهم الذى تزعم انه باطل، و ما نرى لنا عليهم من فضل.

فيزعمون- و الله اعلم- ان الياس استرجع و قام شعر راسه و جلده، ثم رفضه و خرج عنه ففعل ذلك الملك فعل اصحابه، عبد الأوثان، و صنع ما يصنعون فقال الياس: اللهم ان بنى إسرائيل قد أبوا الا الكفر بك، و العباده لغيرك، فغير ما بهم من نعمتك او كما قال.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، قال: حدثنى محمد بن إسحاق، قال: ذكر لي انه اوحى اليه: انا قد جعلنا امر أرزاقهم بيدك و إليك، حتى تكون أنت الذى تامر في ذلك فقال الياس: اللهم فامسك عنهم المطر فحبس عنهم ثلاث سنين حتى هلكت الماشية و الدواب و الهوام و الشجر، و جهد الناس جهدا شديدا.

و كان الياس- فيما يذكرون- حين دعا بذلك على بنى إسرائيل قد استخفى شفقا على نفسه منهم، و كان حيث ما كان وضع له رزق، فكانوا إذا وجدوا ريح الخبز في دار او بيت قالوا: لقد دخل الياس هذا المكان، فطلبوه، و لقى اهل ذلك المنزل منهم شرا ثم انه أوى ليله الى امراه من بنى إسرائيل، لها ابن يقال له اليسع بن اخطوب، به ضر، فاوته و اخفت امره، فدعا الياس لابنها فعوفي من الضر الذى كان به، و اتبع اليسع فآمن به و صدقه و لزمه، فكان يذهب معه حيثما ذهب، و كان الياس قد اسن و كبر، و كان اليسع غلاما شابا فيزعمون- و الله اعلم- ان الله اوحى الى الياس انك قد اهلكت كثيرا من الخلق ممن لم يعص، سوى بنى إسرائيل ممن لم أكن اريد هلاكه بخطايا

463

بنى إسرائيل من البهائم و الدواب و الطير و الهوام و الشجر، بحبس المطر عن بنى إسرائيل فيزعمون- و الله اعلم- ان الياس قال: اى رب، دعني أكن انا الذى ادعو لهم به، و أكن انا الذى آتيهم بالفرج مما هم فيه من البلاء الذى أصابهم، لعلهم ان يرجعوا و ينزعوا عما هم عليه من عباده غيرك قيل له نعم، فجاء الياس الى بنى إسرائيل، فقال لهم: انكم قد هلكتم جهدا، و هلكت البهائم و الدواب و الطير و الهوام و الشجر بخطاياكم، و انكم على باطل و غرور- او كما قال لهم- فان كنتم تحبون ان تعلموا ذلك و تعلموا ان الله عليكم ساخط فيما أنتم عليه، و ان الذى ادعوكم اليه الحق، فاخرجوا باصنامكم هذه التي تعبدون و تزعمون انها خير مما ادعوكم اليه، فان استجابت لكم فذلك كما تقولون، و ان هي لم تفعل علمتم انكم على باطل فنزعتم، و دعوت الله ففرج عنكم ما أنتم فيه من البلاء قالوا: أنصفت، فخرجوا باوثانهم و ما يتقربون به الى الله من احداثهم التي لا يرضى، فدعوها فلم تستجب لهم، و لم تفرج عنهم ما كانوا فيه من البلاء، حتى عرفوا ما هم فيه من الضلالة و الباطل،- ثم قالوا لإلياس: يا الياس، انا قد هلكنا، فادع الله لنا، فدعا لهم الياس بالفرج مما هم فيه، و ان يسقوا، فخرجت سحابه مثل الترس باذن الله على ظهر البحر، و هم ينظرون، ثم ترامى اليه السحاب، ثم ادجنت، ثم ارسل الله المطر فأغاثهم، فحييت بلادهم، و فرج عنهم ما كانوا فيه من البلاء، فلم ينزعوا و لم يرجعوا و أقاموا على اخبث ما كانوا عليه فلما راى ذلك الياس من كفرهم دعا ربه ان يقبضه اليه فيريحه منهم، فقيل له- فيما يزعمون: انظر يوم كذا و كذا فاخرج فيه الى بلد كذا و كذا، فما جاءك من شي‏ء فاركبه و لا تهبه، فخرج الياس، و خرج معه اليسع بن اخطوب حتى إذا كان بالبلد الذى ذكر له في المكان الذى امر به اقبل فرس من نار، حتى وقف بين يديه فوثب عليه، فانطلق به فناداه اليسع: يا الياس، يا الياس، ما تأمرني؟

فكان آخر عهدهم به، فكساه الله الريش و البسه النور، و قطع عنه لذة

464

المطعم، و المشرب، و طار في الملائكة، فكان إنسيا ملكيا ارضيا سمائيا.

ثم قام بعد الياس بأمر بنى إسرائيل- فيما حدثنا ابن حميد، قال:

حدثنا سلمه عن ابن إسحاق، قال: كما ذكر لي عن وهب بن منبه قال:

ثم نبئ فيهم- يعنى في بنى إسرائيل- بعده يعنى بعد الياس- اليسع، فكان فيهم ما شاء الله ان يكون، ثم قبضه الله اليه، و خلفت فيهم الخلوف، و عظمت فيهم الخطايا، و عندهم التابوت يتوارثونه كابرا عن كابر، فيه السكينة و بقية مما ترك آل موسى و آل هارون، فكانوا لا يلقاهم عدو فيقدمون التابوت و يزحفون به معهم الا هزم الله ذلك العدو.

و السكينة فيما ذكر ابن إسحاق عن وهب بن منبه عن بعض اهل العلم من بنى إسرائيل راس هره ميته، فإذا صرخت في التابوت بصراخ هر أيقنوا بالنصر، و جاءهم الفتح.

ثم خلف فيهم ملك يقال له إيلاف، و كان الله قد بارك لهم في جبلهم من إيليا، لا يدخله عليهم عدو، و لا يحتاجون معه الى غيره، فكان احدهم- فيما يذكرون- يجمع التراب على الصخرة، ثم ينبذ فيه الحب، فيخرج الله له ما يأكل منه سنه و هو و عياله، و يكون لأحدهم الزيتونه فيعتصر منها ما يأكل، هو و عياله سنه، فلما عظمت احداثهم، و تركوا عهد الله اليهم، نزل بهم عدو فخرجوا اليه و اخرجوا التابوت كما كانوا يخرجونه، ثم زحفوا به فقوتلوا حتى استلب من ايديهم، فاتى ملكهم إيلاف، فاخبر ان التابوت قد أخذ و استلب، فمالت عنقه فمات كمدا عليه، فمرج امرهم بينهم و اختلف و وطئهم عدوهم حتى اصيب من ابنائهم و نسائهم، فمكثوا على اضطراب من امرهم، و اختلاف من أحوالهم يتمادون أحيانا في غيهم و ضلالهم، فسلط الله عليهم من ينتقم به منهم، و يراجعون التوبة أحيانا فيكفيهم الله عند

465

ذلك شر من بغاهم سوءا، حتى بعث الله فيهم طالوت ملكا، و رد عليهم تابوت الميثاق.

و كانت مده ما بين وفاه يوشع بن نون- التي كان امر بنى إسرائيل في بعضها الى القضاه منهم و الساسة، و في بعضها الى غيرهم ممن يقهرهم فيتملك عليهم من غيرهم الى ان ثبت الملك فيهم، و رجعت النبوه اليهم بشمويل بن بالي- أربعمائة سنه و ستين سنه فكان أول من سلط عليهم فيما قيل رجل من نسل لوط، يقال له: كوشان، فقهرهم و اذلهم ثماني سنين، ثم تنقذهم من يده أخ لكالب الاصغر يقال له عتنيل بن قيس- فقام بامرهم فيما قيل- اربعين سنه، سلط عليهم ملك يقال له جعلون فملكهم ثماني عشره سنه، ثم تنقذهم منه- فيما قيل- رجل من سبط بنيامين يقال له اهود بن جيرا الأشل اليمنى، فقام بامرهم ثمانين سنه، ثم سلط عليهم ملك من الكنعانيين يقال له يافين، فملكهم عشرين سنه، ثم تنقذهم- فيما قيل- امراه نبيه من أنبيائهم يقال لها دبورا فدبر امرهم- فيما قيل- رجل من قبلها يقال له باراق اربعين سنه، ثم سلط عليهم قوم من نسل لوط كانت منازلهم في تخوم الحجاز فملكوهم سبع سنين، ثم تنقذهم منهم رجل من ولد نفثالى بن يعقوب يقال له جدعون بن يواش، فدبر امرهم اربعين سنه، ثم دبر امرهم من بعد جدعون ابنه ابيملك بن جدعون ثلاث سنين، ثم دبرهم من بعد ابيملك تولغ بن فوا بن خال ابيملك و قيل انه ابن عمه- ثلاثا و عشرين سنه، ثم دبر

466

امرهم بعد تولغ رجل من بنى إسرائيل يقال له: يائير اثنتين و عشرين سنه، ثم ملكهم بنو عمون، و هم قوم من اهل فلسطين ثماني عشره سنه، ثم قام بامرهم رجل منهم يقال له يفتح ست سنين، ثم دبرهم من بعده يجشون، و هو رجل من بنى إسرائيل سبع سنين، ثم دبرهم بعده الون عشر سنين، ثم من بعده كيرون- و يسميه بعضهم عكرون- ثماني سنين، ثم قهرهم اهل فلسطين و ملوكهم اربعين سنه، ثم وليهم شمسون و هو من بنى إسرائيل عشرين سنه، ثم بقوا بغير رئيس و لا مدبر لامرهم بعد شمسون- فيما قيل- عشر سنين، ثم دبر امرهم بعد ذلك عالى الكاهن، و في ايامه غلب اهل غزه و عسقلان على تابوت الميثاق، فلما مضى من وقت قيامه بامرهم اربعين سنه، بعث سمويل نبيا فدبر شمويل امرهم- فيما ذكر- عشر سنين ثم سألوا شمويل حين نالهم بالذل و الهوان بمعصيتهم ربهم اعداؤهم، ان يبعث لهم ملكا يجاهدون معه في سبيل الله، فقال لهم شمويل ما قد قص الله في كتابه العزيز

467

ذكر خبر شمويل بن بالي بن علقمه بن يرخام بن اليهو ابن تهو بن صوف، و طالوت و جالوت‏

كان من خبر شمويل بن بالي ان بنى إسرائيل لما طال عليهم البلاء، و اذلتهم الملوك من غيرهم، و وطئت بلادهم، و قتلوا رجالهم، و سبوا ذراريهم، و غلبوهم على التابوت الذى فيه السكينة و البقية مما ترك آل موسى و آل هارون، و به كانوا ينصرون إذا لقوا العدو، و رغبوا الى الله عز و جل في ان يبعث لهم نبيا يقيم امرهم.

فحدثني موسى بن هارون الهمدانى، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا اسباط عن السدى، في خبر ذكره عن ابى مالك و ابى صالح عن ابن عباس- و عن مره عن ابن مسعود- و عن ناس من اصحاب رسول الله ص: كانت بنو إسرائيل يقاتلون العمالقه، و كان ملك العمالقه جالوت، و انهم ظهروا على بنى إسرائيل فضربوا عليهم الجزية، و أخذوا توراتهم، فكانت بنو إسرائيل يسألون الله ان يبعث لهم نبيا يقاتلون معه، و كان سبط النبوه قد هلكوا، فلم يبق منهم الا امراه حبلى فأخذوها فحبسوها في بيت، رهبه ان تلد جاريه فتبدله بغلام، لما ترى من رغبه بنى إسرائيل في ولدها، فجعلت المرأة تدعو الله ان يرزقها غلاما، فولدت غلاما فسمته سمعون، تقول: الله سمع دعائي فكبر الغلام، فاسلمته يتعلم التوراة في بيت المقدس، و كفله شيخ من علمائهم، و تبناه، فلما بلغ الغلام ان يبعثه الله نبيا، أتاه جبريل و الغلام نائم الى جنب الشيخ، و كان لا يامن عليه أحدا غيره فدعاه بلحن الشيخ: يا شمويل، فقام الغلام فزعا الى الشيخ، فقال: يا أبتاه،

468

دعوتني! فكره الشيخ ان يقول: لا فيفزع الغلام، فقال: يا بنى، ارجع فنم، فرجع الغلام فنام ثم دعاه الثانيه فلباه الغلام أيضا، فقال: دعوتني! فقال ارجع فنم، فان دعوتك الثالثه فلا تجبني، فلما كانت الثالثه ظهر له جبرئيل(ع)فقال: اذهب الى قومك فبلغهم رساله ربك، فان الله قد بعثك فيهم نبيا فلما أتاهم كذبوه و قالوا: استعجلت بالنبوة و لم يألك و قالوا: ان كنت صادقا فابعث لنا ملكا يقاتل في سبيل الله، آيه من نبوتك، قال لهم سمعون: عسى ان كتب عليكم القتال الا تقاتلوا.

قالوا و ما لنا الا نقاتل في سبيل الله و قد أخرجنا من ديارنا و أبنائنا بأداء الجزية، فدعا الله فاتى بعصا، تكون مقدارا على طول الرجل الذى يبعث فيهم ملكا، فقال: ان صاحبكم يكون طوله طول هذه العصا، فقاسوا انفسهم بها، فلم يكونوا مثلها، و كان طالوت رجلا سقاء يستقى على حمار له، فضل حماره، فانطلق يطلبه في الطريق، فلما راوه دعوه فقاسوه بها فكان مثلها، و قال لهم نبيهم: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً» قال القوم: ما كنت قط اكذب منك الساعة، و نحن من سبط المملكة، و ليس هو من سبط المملكة، و لم يؤت أيضا سعه من المال فنتبعه لذلك، فقال النبي: «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَ زادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَ الْجِسْمِ‏»، فقالوا: فان كنت صادقا فاتنا بايه ان هذا ملك، قال: «إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ بَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى‏ وَ آلُ هارُونَ‏».

و السكينة طست من ذهب يغسل فيها قلوب الأنبياء، أعطاها الله موسى، و فيها وضع الألواح، و كانت الألواح- فيما بلغنا- من در و ياقوت و زبرجد، و اما البقية فإنها عصا موسى و رضاضه الألواح، فاصبح التابوت و ما فيه في دار

469

طالوت، فآمنوا بنبوة سمعون، و سلموا الملك لطالوت.

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنى حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: جاءت الملائكة بالتابوت تحمله بين السماء و الارض، و هم ينظرون اليه حتى وضعته عند طالوت.

حدثنى يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: نزلت الملائكة بالتابوت نهارا ينظرون اليه عيانا، حتى وضعوه بين اظهرهم، قال:

فأقروا غير راضين، و خرجوا ساخطين.

رجع الحديث الى حديث السدى فخرجوا معه و هم ثمانون ألفا، و كان جالوت من اعظم الناس و اشدهم بأسا، يخرج يسير بين يدي الجند، و لا يجتمع اليه اصحابه حتى يهزم هو من لقى، فلما خرجوا قال لهم طالوت:

«إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَ مَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي‏» و هو نهر فلسطين، فشربوا منه هيبة من جالوت، فعبر معه منهم اربعه آلاف و رجع سته و سبعون ألفا، فمن شرب منه عطش، و من لم يشرب منه الا غرفه روى، فلما جاوزه هو و الذين آمنوا معه، فنظروا الى جالوت رجعوا أيضا و قالوا: «لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَ جُنُودِهِ قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ‏»، الذين يستيقنون «كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَ اللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ‏» فرجع عنه أيضا ثلاثة آلاف و ستمائه و بضعه و ثمانون، و خلص في ثلاثمائة و تسعه عشر عده اهل بدر حدثنى المثنى، قال، حدثنا إسحاق بن الحجاج، قال: حدثنا اسماعيل ابن عبد الكريم، قال: حدثنى عبد الصمد بن معقل: انه سمع وهب بن منبه يقول: كان لعيلى الذى ربى شمويل ابنان شابان، أحدثا في القربان‏

470

شيئا لم يكن فيه كان مسوط القربان الذى كانوا يسوطونه به كلابين، فما اخرجا كان للكاهن الذى يسوطه، فجعله ابناه كلاليب، و كانا إذا جاءت النساء يصلين في القدس يتشبثان بهن فبينما اشمويل نائم قبل البيت الذى كان ينام فيه عيلى إذ سمع صوتا يقول: اشمويل! فوثب الى عيلى فقال: لبيك، فقال: مالك دعوتني؟ قال: لا! ارجع، فنم فنام، ثم سمع صوتا آخر يقول:

اشمويل! فوثب الى عيلى أيضا، فقال: لبيك، ما لك دعوتني؟ فقال:

لم افعل، ارجع فنم، فان سمعت شيئا فقل: لبيك مكانك، مرني فافعل، فرجع فنام فسمع صوتا أيضا يقول: اشمويل، فقال: لبيك، انا هذا فمرني افعل، قال: انطلق الى عيلى، فقل له: منعه حب الولد من ان يزجر ابنيه ان يحدثا في قدسي و قرباني، و ان يعصيانى، فلانزعن منه الكهانه و من ولده، و لاهلكنه و إياهما، فلما اصبح ساله عيلى فاخبره، ففزع لذلك فزعا شديدا، فسار اليهم عدو ممن حوله فامر ابنيه ان يخرجا بالناس و يقاتلا ذلك العدو، فخرجا و اخرجا معهم التابوت الذى فيه الألواح و عصا موسى لينتصروا به فلما تهيئوا للقتال هم و عدوهم جعل عيلى يتوقع الخبر: ما ذا صنعوا؟ فجاءه رجل يخبره و هو قاعد على كرسيه: ان ابنيك قد قتلا، و ان الناس قد انهزموا، قال: فما فعل التابوت؟ قال: ذهب به العدو قال فشهق و وقع على قفاه من كرسيه فمات، و ذهب الذين سبوا التابوت حتى وضعوه في بيت آلهتهم، و لهم صنم يعبدونه، فوضعوه تحت الصنم و الصنم من فوقه، فاصبح من الغد الصنم تحته، و هو فوق الصنم، ثم اخذوه فوضعوه فوقه، و سمروا قدميه في التابوت.

فاصبح من الغد قد قطعت يد الصنم و رجلاه، و اصبح ملقى تحت التابوت،.

فقال بعضهم لبعض: اليس قد علمتم ان اله بنى إسرائيل لا يقوم له شي‏ء! فاخرجوه من بيت آلهتكم فاخرجوا التابوت فوضعوه في ناحيه من قريتهم، فاخذ اهل تلك الناحية التي وضعوا فيها التابوت وجع في أعناقهم، فقالوا:

ما هذا؟ فقالت لهم جاريه كانت عندهم من سنى بنى إسرائيل: لا تزالون‏

471

ترون ما تكرهون! ما كان هذا التابوت فيكم، فاخرجوه من قريتكم قالوا:

كذبت، قالت: ان آيه ذلك ان تأتوا ببقرتين، لهما اولاد لم يوضع عليهما نير قط، ثم تضعوا وراءهما العجل، ثم تضعوا التابوت على العجل و تسيروهما و تحبسوا أولادهما، فإنهما تنطلقان به مذعنتين، حتى إذا خرجتا من أرضكم و وقعتا في ادنى ارض بنى إسرائيل كسرتا نيرهما، و أقبلتا الى أولادهما، ففعلوا ذلك، فلما خرجتا من ارضهم، و وقعتا في ادنى ارض بنى إسرائيل، كسرتا نيرهما و أقبلتا الى أولادهما، و وضعتاه في خربه فيها حصاد من بنى إسرائيل، ففزع اليه بنو إسرائيل، و أقبلوا اليه فجعل لا يدنو منه احد الا مات، فقال لهم نبيهم اشمويل اعترضوا، فمن آنس من نفسه قوه فليدن منه، فعرضوا عليه الناس، فلم يقدر احد على ان يدنو منه، الا رجلان من بنى إسرائيل، اذن لهما بان يحملاه الى بيت أمهما، و هي ارمله، فكان في بيت أمهما، حتى ملك طالوت، فصلح امر بنى إسرائيل مع اشمويل فقالت بنو إسرائيل: لأشمويل: ابعث لنا ملكا يقاتل في سبيل الله، قال: قد كفاكم الله القتال، قالوا انا نتخوف من حولنا، فيكون لنا ملك نفزع اليه، فاوحى الله الى اشمويل: ان ابعث لهم طالوت ملكا و ادهنه بدهن القدس، فضلت حمر لأبي طالوت، فأرسله و غلاما له يطلبانها فجاءا الى اشمويل يسألانه عنها، فقال ان الله قد بعثك ملكا على بنى إسرائيل، قال: انا! قال: نعم، قال ا و ما علمت ان سبطي ادنى اسباط بنى إسرائيل! قال: بلى، قال ا فما علمت ان قبيلتي ادنى قبائل سبطي! قال: بلى، قال: ا ما علمت ان بيتى ادنى بيوت قبيلتي؟ قال: بلى، قال: فبايه آيه؟

قال: بايه انك ترجع و قد وجد ابوك حمره، و إذا كنت في مكان كذا و كذا نزل عليك الوحى فدهنه بدهن القدس، و قال لبنى إسرائيل: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً قالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَ نَحْنُ أَحَقُ‏

472

بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَ لَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ قالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَ زادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَ الْجِسْمِ‏» رجع الحديث الى حديث السدى «وَ لَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَ جُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً» فعبر يومئذ ابو داود فيمن عبر في ثلاثة عشر ابنا له، و كان داود اصغر بنيه و انه أتاه ذات يوم فقال: يا أبتاه، ما ارمى بقذافتى شيئا الا صرعته، قال: ابشر يا بنى، ان الله قد جعل رزقك في قذافتك، ثم أتاه مره اخرى فقال: يا أبتاه لقد دخلت بين الجبال فوجدت أسدا رابضا فركبت عليه و أخذت باذنيه فلم يهجني، فقال: ابشر يا بنى، فان هذا خير يعطيكه الله، ثم أتاه يوما آخر، فقال: يا أبتاه انى لأمشي بين الجبال فاسبح فلا يبقى جبل الا سبح معى، فقال: ابشر يا بنى، فان هذا خير أعطاكه الله- و كان داود راعيا، و كان أبوه خلفه ياتى الى ابيه و الى اخوته بالطعام- فاتى النبي(ع)بقرن فيه دهن و تنور من حديد، فبعث به الى طالوت، قال: ان صاحبكم الذى يقتل جالوت يوضع هذا القرن على راسه، فيغلى حتى يدهن منه و لا يسيل على وجهه، و يكون على راسه كهيئة الاكليل، و يدخل في هذا التنور فيملاه فدعا طالوت بنى إسرائيل، فجربهم به فلم يوافقه منهم احد، فلما فرغوا قال طالوت لأبي داود: هل بقي لك ولد لم يشهدنا؟ قال: نعم، بقي ابنى داود، و هو يأتينا بطعام، فلما أتاه داود مر في الطريق بثلاثة احجار فكلمنه و قلن له: خذنا يا داود تقتل بنا جالوت، قال: فاخذهن و جعلهن في مخلاته، و كان طالوت قد قال: من قتل جالوت زوجته ابنتى، و اجريت خاتمه في ملكي، فلما جاء داود وضعوا القرن على راسه، فغلى حتى ادهن منه و لبس التنور فملأه، و كان رجلا مسقاما مصفارا، و لم يلبسه احد الا تقلقل فيه، فلما لبسه داود تضايق التنور عليه حتى تنقض، ثم مشى الى جالوت، و كان جالوت من اجسم الناس و اشدهم،

473

فلما نظر الى داود قذف في قلبه الرعب منه، فقال له: يا فتى، ارجع فانى ارحمك ان اقتلك، فقال داود: لا بل انا اقتلك فاخرج الحجاره فوضعها في القذافة، كلما رفع منها حجرا سماه، فقال: هذا باسم ابى ابراهيم، و الثانى باسم ابى إسحاق، و الثالث باسم ابى إسرائيل، ثم ادار القذافة فعادت الأحجار حجرا واحدا، ثم ارسله فصك به بين عيني جالوت فنقبت راسه، ثم قتلته، فلم تزل تقتل كل انسان تصيبه تنفذ فيه، حتى لم يكن بحيالها احد، فهزموهم عند ذلك، و قتل داود جالوت، و رجع طالوت فانكح داود ابنته، و اجرى خاتمه في ملكه، فمال الناس الى داود و احبوه.

فلما راى ذلك طالوت وجد في نفسه و جسده، و اراد قتله، فعلم داود انه يريده بذلك، فسجى له زق خمر في مضجعه فدخل طالوت الى منام داود و قد هرب داود، فضرب الزق ضربه فخرقه، فسالت الخمر منه، فوقعت قطره من خمر في فيه، فقال: يرحم الله داود، ما كان اكثر شربه للخمر! ثم ان داود أتاه من القابله في بيته و هو نائم، فوضع سهمين عند راسه، و عند رجليه و عن يمينه و عن شماله سهمين سهمين، ثم نزل فلما استيقظ طالوت بصر بالسهام فعرفها فقال: يرحم الله داود، هو خير، منى، ظفرت به فقتلته و ظفر بي فكف عنى! ثم انه ركب يوما فوجده يمشى في البريه، و طالوت على فرس، فقال طالوت: اليوم اقتل داود- و كان داود إذا فزع لم يدرك- فركض على اثره طالوت، ففزع داود، فاشتد فدخل غارا، فاوحى الله الى العنكبوت فضربت عليه بيتا، فلما انتهى طالوت الى الغار نظر الى بناء العنكبوت، فقال: لو كان دخل هاهنا لخرق بيت العنكبوت، فخيل اليه فتركه.

و طعن العلماء على طالوت في شان داود، فجعل طالوت لا ينهاه احد عن داود الا قتله، و اغراه الله بالعلماء يقتلهم، فلم يكن يقدر في بنى إسرائيل على عالم يطيق قتله الا قتله، حتى اتى بامرأة تعلم اسم الله الأعظم، فامر الخباز ان يقتلها،

474

فرحمها الخباز، و قال: لعلنا نحتاج الى عالم فتركها، فوقع في قلب طالوت التوبة و ندم، و اقبل على البكاء حتى رحمه الناس، و كان كل ليله يخرج الى القبور فيبكى، و ينادى: انشد الله عبدا علم ان لي توبه الا أخبرني بها! فلما اكثر عليهم ليالي ناداه مناد من القبور: ان يا طالوت، أ ما ترضى ان قتلتنا احياء حتى تؤذينا أمواتا! فازداد بكاء و حزنا، فرحمه الخباز فكلمه فقال: مالك؟ فقال: هل تعلم لي في الارض عالما اساله: هل لي من توبه؟

فقال له الخباز: هل تدرى ما مثلك؟ انما مثلك مثل ملك نزل قريه عشاء فصاح الديك، فتطير منه فقال: لا تتركوا في القرية ديكا الا ذبحتموه، فلما اراد ان ينام قال: إذا صاح الديك فايقظونا حتى ندلج، فقالوا له: و هل تركت ديكا يسمع صوته! و لكن هل تركت عالما في الارض! فازداد حزنا و بكاء، فلما راى الخباز منه الجد، قال: ا رايتك ان دللتك على عالم لعلك ان تقتله! قال: لا، فتوثق عليه الخباز، فاخبره ان المرأة العالمه عنده، قال:

انطلق بي إليها أسألها هل لي من توبه؟ و كان انما يعلم ذلك الاسم اهل بيت، إذا فنيت رجالهم علمت النساء، فقال: انها ان راتك غشى عليها، و فزعت منك، فلما بلغ الباب خلفه خلفه، ثم دخل عليها الخباز، فقال لها: ا لست اعظم الناس منه عليك؟ انجيتك من القتل، و آويتك عندي قالت: بلى، قال: فان لي إليك حاجه، هذا طالوت يسألك: هل له من توبه؟ فغشى عليها من الفرق، فقال لها: انه لا يريد قتلك، و لكن يسألك: هل له من توبه؟

قالت: لا، و الله ما اعلم لطالوت توبه، و لكن هل تعلمون مكان قبر نبى؟

قالوا: نعم، هذا قبر يوشع بن نون، فانطلقت و هما معها اليه، فدعت، فخرج يوشع بن نون ينفض راسه من التراب، فلما نظر اليهم ثلاثتهم قال: ما لكم؟

ا قامت القيامه؟ قالت: لا، و لكن طالوت يسألك: هل له من توبه؟ قال يوشع: ما اعلم لطالوت من توبه الا ان يتخلى من ملكه، و يخرج هو و ولده فيقاتلون بين يديه في سبيل الله، حتى إذا قتلوا شد هو فقتل، فعسى ان يكون‏

475

ذلك له توبه، ثم سقط ميتا في القبر.

و رجع طالوت احزن ما كان، رهبه الا يتابعه ولده، فبكى حتى سقطت اشفار عينيه، و نحل جسمه، فدخل عليه بنوه و هم ثلاثة عشر رجلا فكلموه و سألوه عن حاله، فاخبرهم خبره، و ما قيل له في توبته، فسألهم ان يغزوا معه، فجهزهم فخرجوا معه، فشدوا بين يديه حتى قتلوا، ثم شد بعدهم هو فقتل، و ملك داود بعد ذلك، و جعله الله نبيا، فذلك قوله عز و جل:

«وَ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَ الْحِكْمَةَ»، قيل: هي النبوه، آتاه نبوه شمعون و ملك طالوت.

و اسم طالوت بالسريانية شاول بن قيس بن ابيال بن ضرار بن بحرت بن افيح بن ايش بن بنيامين بن يعقوب بن إسحاق بن ابراهيم.

و قال ابن إسحاق: كان النبي الذى بعث لطالوت من قبره حتى اخبره بتوبته اليسع بن اخطوب، حدثنا بذلك ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، عن ابن إسحاق.

و زعم اهل التوراة ان مده ملك طالوت من أولها الى ان قتل في الحرب مع ولده كانت اربعين سنه‏

476

ذكر خبر داود بن ايشى بن عويد بن باعز بن سلمون بن نحشون بن عمى نادب بن رام بن حصرون بن فارص بن يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن ابراهيم‏

و كان داود ع- فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه عن ابن إسحاق، عن بعض اهل العلم، عن وهب بن منبه- قصيرا ازرق قليل الشعر، طاهر القلب نقيه.

حدثنى يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: حدثنى ابن زيد في قول الله: «أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَ هُمْ أُلُوفٌ خ حَذَرَ الْمَوْتِ‏» الى قوله: «وَ اللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ‏» قال: اوحى الله الى نبيهم ان في ولد فلان رجلا يقتل الله به جالوت، و من علامته هذا القرن يضعه على راسه فيفيض ماء، فأتاه فقال: ان الله عز و جل اوحى الى ان في ولدك رجلا يقتل الله به جالوت فقال: نعم يا نبى الله، قال: فاخرج له اثنى عشر رجلا امثال السواري، و فيهم رجل بارع عليهم، فجعل يعرضهم على القرن فلا يرى شيئا، فيقول لذلك الجسيم: ارجع، فيردده عليه، فاوحى الله اليه:

انا لا نأخذ الرجال على صورهم، و لكنا نأخذهم على صلاح قلوبهم، قال: يا رب، قد زعم انه ليس له ولد غيره، فقال: كذب، فقال: ان ربى قد كذبك، و قال: ان لك ولدا غيرهم قال: قد صدق يا نبى الله، ان لي ولدا قصيرا استحييت ان يراه الناس فجعلته في الغنم، قال: فأين هو؟ قال: في شعب كذا و كذا، من جبل كذا و كذا، فخرج اليه فوجد الوادى قد سال بينه و بين البقعة التي كان يريح إليها قال: و وجده يحمل شاتين شاتين، يجيز بهما السيل و لا يخوض بهما السيل فلما رآه قال: هذا هو، لا شك فيه، هذا

477

يرحم البهائم، فهو بالناس ارحم! قال: فوضع القرن على راسه ففاض.

حدثنى المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال، حدثنا اسماعيل بن عبد الكريم، قال: حدثنى عبد الصمد بن معقل، عن وهب بن منبه قال:

لما سلمت بنو إسرائيل الملك لطالوت، اوحى الله الى نبى بنى إسرائيل: ان قل لطالوت: فليغز اهل مدين، فلا يترك فيها حيا الا قتله، فانى ساظهره عليهم، فخرج بالناس حتى اتى مدين، فقتل من كان فيها، الا ملكهم فانه اسره، و ساق مواشيهم، فاوحى الله الى اشمويل: ا لا تعجب من طالوت إذ امرته بأمري فاختل فيه، فجاء بملكهم أسيرا، و ساق مواشيهم! فالقه فقل له: لانزعن الملك من بيته، ثم لا يعود فيه الى يوم القيامه، فانى انما اكرم من أطاعني، و اهين من هان عليه امرى.

فلقيه فقال له: ما صنعت! لم جئت بملكهم أسيرا، و لم سقت مواشيهم؟

قال: انما سقت المواشى لاقربها، قال له اشمويل: ان الله قد نزع من بيتك الملك ثم لا يعود فيه الى يوم القيامه، فاوحى الله الى اشمويل: انطلق الى ايشى فيعرض عليك بنيه، فادهن الذى آمرك بدهن القدس، يكن ملكا على بنى إسرائيل فانطلق حتى اتى ايشى، فقال: اعرض على بنيك، فدعا ايشى اكبر ولده، فاقبل رجل جسيم حسن المنظر، فلما نظر اليه اشمويل اعجبه، فقال: الحمد لله، ان الله بصير بالعباد! فاوحى الله اليه: ان عينيك تبصران ما ظهر، و انى اطلع على ما في القلوب، ليس بهذا! فقال: ليس بهذا، اعرض على غيره فعرض عليه سته، في كل ذلك يقول:

ليس بهذا، اعرض على غيره، فقال: هل لك من ولد غيرهم؟ فقال:

بلى، لي غلام امغر و هو راع في الغنم قال: ارسل اليه، فلما ان جاء داود، جاء غلام امغر، فدهنه بدهن القدس، و قال لأبيه: اكتم هذا،

478

فان طالوت لو يطلع عليه قتله فسار جالوت في قومه الى بنى إسرائيل فعسكر، و سار طالوت ببني إسرائيل و عسكر، و تهيئوا للقتال، فأرسل جالوت الى طالوت:

لم يقتل قومى و قومك؟ ابرز لي، او ابرز لي من شئت، فان قتلتك كان الملك لي، و ان قتلتني كان الملك لك فأرسل طالوت في عسكره صائحا:

من يبرز جالوت! ثم ذكر قصه طالوت و جالوت و قتل داود اياه، و ما كان من طالوت الى داود.

قال ابو جعفر: و في هذا الخبر بيان ان داود قد كان الله حول الملك له قبل قتله جالوت، و قبل ان يكون من طالوت اليه ما كان من محاولته قتله، و اما سائر من روينا عنه قولا في ذلك، فإنهم قالوا: انما ملك داود بعد ما قتل طالوت و ولده.

و قد حدثنا ابن حميد، قال، حدثنا سلمه، عن ابن إسحاق- فيما ذكر لي بعض اهل العلم- عن وهب بن منبه قال: لما قتل داود جالوت، و انهزم جنده قال الناس: قتل داود جالوت و خلع طالوت، و اقبل الناس على داود مكانه حتى لم يسمع لطالوت بذكر.

قال: و لما اجتمعت بنو إسرائيل على داود انزل الله عليه الزبور، و علمه صنعه الحديد، و الانه له، و امر الجبال و الطير ان يسبحن معه إذا سبح، و لم يعط الله- فيما يذكرون- أحدا من خلقه مثل صوته، كان إذا قرأ الزبور- فيما يذكرون- ترنو له الوحوش حتى يؤخذ بأعناقها، و انها لمصيخه تسمع لصوته، و ما صنعت الشياطين المزامير و البرابط و الصنوج الا على اصناف صوته، و كان شديد الاجتهاد، دائب العباده، كثير البكاء، و كان كما وصفه الله عز و جل لنبيه محمد(ع)فقال: «وَ اذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ

479

ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَ الْإِشْراقِ‏»، يعنى بذلك ذا القوه.

و قد حدثنا بشر بن معاذ، قال، حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: «وَ اذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ‏»، قال: اعطى قوه في العباده، و فقها في الاسلام و قد ذكر لنا ان داود(ع)كان يقوم الليل و يصوم نصف الدهر و كان يحرسه- فيما ذكر- في كل يوم و ليله اربعه آلاف.

حدثنى محمد بن الحسين، قال: حدثنا احمد بن المفضل، قال:

حدثنا اسباط، عن السدى، في قوله: «وَ شَدَدْنا مُلْكَهُ‏»، قال: كان يحرسه كل يوم و ليله اربعه آلاف.

و ذكر انه تمنى يوما من الأيام على ربه منزله آبائه ابراهيم و إسحاق و يعقوب، و ساله ان يمتحنه بنحو الذى كان امتحنهم، و يعطيه من الفضل نحو الذى كان اعطاهم.

فحدثني محمد بن الحسين، قال: حدثنا احمد بن المفضل، قال:

حدثنا اسباط، قال: قال السدى: كان داود قد قسم الدهر ثلاثة ايام:

يوما يقضى فيه بين الناس، و يوما يخلو فيه لعباده ربه، و يوما يخلو فيه لنسائه، و كان له تسع و تسعون امراه، و كان فيما يقرا من الكتب انه كان يجد فيه فضل ابراهيم و إسحاق و يعقوب، فلما وجد ذلك فيما يقرا من الكتب، قال: يا رب ارى الخير كله قد ذهب به آبائى الذين كانوا قبلي، فأعطني مثل ما اعطيتهم، و افعل بي مثل ما فعلت بهم قال: فاوحى الله اليه ان آباءك ابتلوا ببلايا لم تبتل بها، ابتلى ابراهيم بذبح ابنه، و ابتلى إسحاق بذهاب بصره، و ابتلى يعقوب بحزنه على ابنه يوسف، و انك لم تبتل من ذلك بشي‏ء قال: يا رب ابتلنى بمثل ما ابتليتهم به، و أعطني مثل ما اعطيتهم قال:

480

فاوحى اليه انك مبتلى فاحترس قال: فمكث بعد ذلك ما شاء الله ان يمكث إذ جاءه الشيطان قد تمثل في صوره حمامه من ذهب، حتى وقع عند رجليه و هو قائم يصلى، قال: فمد يده ليأخذه فتنحى فتبعه، فتباعد حتى وقع في كوه، فذهب ليأخذه، فطار من الكوة، فنظر: اين يقع فيبعث في اثره، قال: فابصر امراه تغتسل على سطح لها، فراى امراه من اجمل النساء خلقا، فحانت منها التفاته فابصرته، فالقت شعرها فاستترت به، قال: فزاده ذلك فيها رغبه، قال: فسال عنها فاخبر ان لها زوجا، و ان زوجها غائب بمسلحه كذا و كذا، قال: فبعث الى صاحب المسلحة يأمره ان يبعث اهريا الى عدو كذا و كذا قال: فبعثه ففتح له، قال: و كتب اليه بذلك، فكتب اليه أيضا: ان ابعثه الى عدو كذا و كذا، أشد منهم بأسا.

قال: فبعثه ففتح له أيضا، قال: فكتب الى داود بذلك، قال: فكتب اليه ان ابعثه الى عدو كذا و كذا قال: فبعثه، قال: فقتل المره الثالثه، قال: و تزوج داود امراته، فلما دخلت عليه لم تلبث عنده الا يسيرا حتى بعث الله ملكين في صوره انسيين فطلبا ان يدخلا عليه، فوجداه في يوم عبادته، فمنعهما الحرس ان يدخلا عليه، فتسورا عليه المحراب، قال:

فما شعر و هو يصلى إذا هو بهما بين يديه جالسين، قال: ففزع منهما، فقالا: لا تخف، انما نحن «خَصْمانِ بَغى‏ بَعْضُنا عَلى‏ بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَ لا تُشْطِطْ» يقول: لا تحف، «وَ اهْدِنا إِلى‏ سَواءِ الصِّراطِ» الى عدل القضاء قال: قصا على قصتكما، قال: فقال أحدهما:

«إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَ تِسْعُونَ نَعْجَةً وَ لِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ».

فهو يريد ان يأخذ نعجتى، فيكمل بها نعاجه مائه، قال: فقال للآخر:

481

ما تقول؟ فقال: ان لي تسعا و تسعين نعجة، و لأخي هذا نعجة واحده، فانا اريد ان آخذها منه، فأكمل بها نعاجى مائه، قال: و هو كاره! قال:

و هو كاره، قال: إذا لا ندعك و ذاك، قال: ما أنت على ذلك بقادر! قال: فان ذهبت تروم ذلك او تريد ذلك، ضربنا منك هذا و هذا- و فسر اسباط طرف الأنف و الجبهه- فقال: يا داود، أنت أحق ان يضرب منك هذا و هذا، حيث لك تسع و تسعون امراه، و لم يكن لاهريا الا امراه واحده فلم تزل به تعرضه للقتل حتى قتل، و تزوجت امراته قال: فنظر فلم ير شيئا، قال: فعرف ما قد وقع فيه، و ما ابتلى به، قال: فخر ساجدا فبكى، قال: فمكث يبكى ساجدا اربعين يوما لا يرفع راسه الا لحاجه لا بد منها، ثم يقع ساجدا يبكى، ثم يدعو حتى نبت العشب من دموع عينيه، قال: فاوحى الله عز و جل اليه بعد اربعين يوما: يا داود، ارفع راسك فقد غفرت لك، فقال: يا رب، كيف اعلم انك قد غفرت لي و أنت حكم عدل لا تحيف في القضاء، إذا جاء اهريا يوم القيامه آخذا راسه بيمينه او بشماله تشخب أوداجه دما في قبل عرشك: يقول: يا رب، سل هذا فيم قتلني! قال: فاوحى الله اليه: إذا كان ذلك دعوت اهريا فاستوهبك منه، فيهبك لي فأثيبه بذلك الجنه قال: رب الان علمت انك قد غفرت لي، قال: فما استطاع ان يملا عينيه من السماء حياء من ربه حتى قبض حدثنى على بن سهل، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، عن عبد الرحمن ابن يزيد بن جابر، قال: حدثنى عطاء الخراسانى، قال: نقش داود خطيئته في كفه لكيلا ينساها، فكان إذا رآها خفقت يده و اضطربت.

و قد قيل: ان سبب المحنة بما امتحن به، ان نفسه حدثته انه يطيق قطع يوم من الأيام بغير مقارفه سوء، فكان اليوم الذى عرض له فيه ما عرض، اليوم الذى ظن انه يقطعه بغير اقتراف سوء

482

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن مطر، عن الحسن، ان داود جزا الدهر اربعه اجزاء: يوما لنسائه، و يوما لعبادته، و يوما لقضاء بنى إسرائيل، و يوما لبنى إسرائيل، يذاكرهم و يذاكرونه، و يبكيهم و يبكونه فلما كان يوم بنى إسرائيل، ذكروا فقالوا: هل ياتى على الإنسان يوم لا يصبب فيه ذنبا! فاضمر داود في نفسه انه سيطيق ذلك، فلما كان يوم عبادته غلق ابوابه، و امر الا يدخل عليه احد، و أكب على التوراة، فبينما هو يقرؤها إذا حمامه من ذهب، فيها من كل لون حسن، قد وقعت بين يديه، فاهوى إليها ليأخذها، قال: فطارت فوقعت غير بعيد، من غير ان تؤيسه من نفسها، قال: فما زال يتبعها حتى اشرف على امراه تغتسل، فاعجبه خلقها و حسنها، فلما رات ظله في الارض جللت نفسها بشعرها، فزاده ذلك أيضا إعجابا بها، و كان قد بعث زوجها على بعض جيوشه، فكتب اليه ان يسير الى مكان كذا و كذا مكان إذا سار اليه لم يرجع قال: ففعل فاصيب، فخطبها فتزوجها- قال: و قال قتادة بلغنا انها أم سليمان- قال: فبينما هو في المحراب إذ تسور الملكان عليه، و كان الخصمان إذا اتوه يأتونه من باب المحراب، ففزع منهم حين تسوروا المحراب، فقالوا: «لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى‏ بَعْضُنا عَلى‏ بَعْضٍ‏» حتى بلغ «وَ لا تُشْطِطْ» اى و لا تمل «وَ اهْدِنا إِلى‏ سَواءِ الصِّراطِ» اى اعدله و خيره، «إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَ تِسْعُونَ نَعْجَةً»- و كان لداود تسع و تسعون امراه- «وَ لِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ» قال: و انما كان للرجل امراه واحده «فَقالَ أَكْفِلْنِيها وَ عَزَّنِي فِي الْخِطابِ‏»، اى ظلمني و قهرني «قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى‏ نِعاجِهِ‏»- الى «وَ ظَنَّ داوُدُ»، فعلم انما اضمر له، اى عنى بذلك، «ف خَرَّ راكِعاً وَ أَنابَ‏»

483

حدثنى يعقوب بن ابراهيم، قال: حدثنا ابن ادريس، قال: سمعت ليثا يذكر عن مجاهد، قال: لما أصاب داود الخطيئة، خر لله ساجدا اربعين يوما، حتى نبت من دموع عينيه من البقل ما غطى راسه، ثم نادى: يا رب قرح الجبين، و جمدت العين! و داود لم يرجع اليه في خطيئته شي‏ء فنودي:

ا جائع فتطعم؟ أم مريض فتشفى؟ أم مظلوم فينتصر لك! قال: فنحب نحبه هاج كل شي‏ء كان نبت، فعند ذلك غفر له و كانت خطيئته مكتوبه بكفه يقرؤها، و كان يؤتى بالاناء ليشرب فلا يشرب الا ثلثه او نصفه، و كان يذكر خطيئته فينتحب النحبه تكاد مفاصله يزول بعضها عن بعض، ثم ما يتم شربه حتى يملا الإناء من دموعه و كان يقال: ان دمعه داود تعدل دمعه الخلائق، و دمعه آدم تعدل دمعه داود و دمعه الخلائق قال: و هو يجي‏ء يوم القيامه خطيئته مكتوبه بكفه فيقول: رب ذنبي قدمنى! قال:

فيقدم فلا يامن، فيقول: رب أخرني، قال: فيؤخر فلا يامن.

حدثنى يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني ابن لهيعة، عن ابى صخر، عن يزيد الرقاشى، عن انس بن مالك يقول:

[سمعت رسول الله(ص)يقول: ان داود النبي(ع)حين نظر الى المرأة فاهم، قطع على بنى إسرائيل بعثا، فاوصى صاحب البعث، فقال: إذا حضر العدو فقرب فلانا بين يدي التابوت، و كان التابوت في ذلك الزمان يستنصر به من قدم بين يدي التابوت لم يرجع حتى يقتل او ينهزم عنه الجيش، فقتل زوج المرأة، و نزل الملكان على داود يقصان عليه قصته، ففطن داود فسجد، فمكث اربعين ليله ساجدا، حتى نبت الزرع من دموعه على راسه، و اكلت الارض من جبينه، و هو يقول في سجوده-

484

فلم احص من الرقاشى الا هؤلاء الكلمات: رب زل داود زله ابعد مما بين المشرق و المغرب! رب ان لم ترحم ضعف داود، و تغفر ذنبه جعلت ذنبه حديثا في الخلوف من بعده فجاءه جبرئيل من بعد اربعين ليله فقال:

يا داود، ان الله قد غفر لك الهم الذى هممت به، فقال داود: قد علمت ان الله قادر على ان يغفر لي الهم الذى هممت به، و قد عرفت ان الله عدل لا يميل، فكيف بفلان إذا جاء يوم القيامه، فقال: يا رب دمى الذى عند داود! فقال جبرئيل: ما سالت ربك عن ذلك، و لئن شئت لافعلن، قال: نعم، قال: فعرج جبرئيل و سجد داود، فمكث ما شاء الله ثم نزل، فقال: قد سالت الله يا داود عن الذى أرسلتني فيه فقال: قل له: يا داود، ان الله يجمعكما يوم القيامه فيقول: هب لي دمك الذى عند داود، فيقول: هو لك يا رب، فيقول: فان لك في الجنه ما شئت و ما اشتهيت عوضا].

و يزعم اهل الكتاب ان داود لم يزل قائما بالملك بعد طالوت الى ان كان من امره و امر امراه أوريا ما كان، فلما واقع ما واقع من الخطيئة اشتغل بالتوبة منها- فيما زعموا- و استخف به بنو إسرائيل، و وثب عليه ابن له يقال له ايشى، فدعا الى نفسه فاجتمع اليه اهل الزيغ من بنى إسرائيل، قالوا: فلما تاب الله على داود ثابت اليه ثائبه من الناس، فحارب ابنه حتى هزمه، و وجه في طلبه قائدا من قواده، و تقدم اليه ان يتوقى حتفه، و يتلطف لاسره، فطلبه القائد و هو منهزم، فاضطره الى شجره فركض فيها- و كان ذا جمه- فتعلق بعض اغصان الشجرة بشعره فحبسه، و لحقه القائد فقتله مخالفا لامر داود، فحزن داود عليه حزنا شديدا، و تنكر للقائد، و أصاب بنى إسرائيل في زمانه طاعون جارف، فخرج بهم الى موضع بيت المقدس يدعون الله و يسالونه كشف ذلك البلاء عنهم، فاستجيب لهم، فاتخذوا ذلك الموضع مسجدا، و كان ذلك- فيما قيل- لإحدى عشره سنه مضت من ملكه و توفى قبل ان يستتم بناءه، فاوصى‏

485

الى سليمان باستتمامه، و قتل القائد الذى قتل أخاه، فلما دفنه سليمان نفذ لأمره في القائد و قتله، و استتم بناء المسجد.

و قيل في بناء داود ذلك المسجد ما حدثنا محمد بن سهل بن عسكر، قال: حدثنى اسماعيل بن عبد الكريم، قال: حدثنى عبد الصمد بن معقل:

انه سمع وهب بن منبه يقول: ان داود اراد ان يعلم عدد بنى إسرائيل كم هم؟

فبعث لذلك عرفاء و نقباء، و امرهم ان يرفعوا اليه ما بلغ عددهم، فعتب الله عليه ذلك، و قال: قد علمت انى وعدت ابراهيم ان ابارك فيه و في ذريته حتى اجعلهم كعدد نجوم السماء، و اجعلهم لا يحصى عددهم، فاردت ان تعلم عدد ما قلت: انه لا يحصى عددهم، فاختاروا بين ان ابتليكم بالجوع ثلاث سنين، او اسلط عليكم العدو ثلاثة اشهر، او الموت ثلاثة ايام! فاستشار داود في ذلك بنى إسرائيل فقالوا: ما لنا بالجوع ثلاث سنين صبر، و لا بالعدو ثلاثة اشهر، فليس لهم بقية، فان كان لا بد فالموت بيده لا بيد غيره فذكر وهب بن منبه انه مات منهم في ساعه من نهار ألوف كبيره، لا يدرى ما عددهم، فلما راى ذلك داود، شق عليه ما بلغه من كثره الموت، فتبتل الى الله و دعاه فقال: يا رب، انا آكل الحماض و بنو إسرائيل يضرسون! انا طلبت ذلك فأمرت به بنى إسرائيل، فما كان من شي‏ء فبي و اعف عن بنى إسرائيل فاستجاب الله له و رفع عنهم الموت، فراى داود الملائكة سالين سيوفهم يغمدونها، يرتقون في سلم من ذهب من الصخرة الى السماء، فقال داود: هذا مكان ينبغى ان يبنى فيه مسجد، فاراد داود ان يأخذ في بنائه، فاوحى الله اليه ان هذا بيت مقدس، و انك قد صبغت يديك في الدماء، فلست ببانيه، و لكن ابن لك املكه بعدك اسميه سليمان، اسلمه من الدماء.

فلما ملك سليمان بناءه و شرفه، و كان عمر داود- فيما وردت به الاخبار عن رسول الله ص- مائه سنه.

و اما بعض اهل الكتب، فانه زعم ان عمره كان سبعا و سبعين سنه، و ان مده ملكه كانت اربعين سنه‏

486

ذكر خبر سليمان بن داود (ع)

ثم ملك سليمان بن داود بعد ابيه داود امر بنى إسرائيل، و سخر الله له الجن و الانس و الطير و الريح، و آتاه مع ذلك النبوه، و سال ربه ان يؤتيه ملكا لا ينبغى لأحد من بعده، فاستجاب الله له فاعطاه ذلك.

كان فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، عن محمد بن إسحاق، عن بعض اهل العلم، عن وهب بن منبه: إذا خرج من بيته الى مجلسه عكفت عليه الطير، و قام له الانس و الجن، حتى يجلس على سريره، و كان- فيما يزعمون- ابيض جسيما وضيئا، كثير الشعر يلبس من الثياب البياض، و كان أبوه في ايام ملكه بعد ان بلغ سليمان مبلغ الرجال يشاوره- فيما ذكر- في أموره.

و كان من شانه و شان ابيه داود الحكم في الغنم التي نفشت في حرث القوم، الذين قص الله في كتابه خبرهم و خبرهما فقال: «وَ داوُدَ وَ سُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَ كُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَ كُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَ عِلْماً».

فحدثنا ابو كريب و هارون بن ادريس الأصم، قالا: حدثنا المحاربى، عن اشعث، عن ابى إسحاق، عن مره، عن ابن مسعود في قوله:

«وَ داوُدَ وَ سُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ‏»، قال: كرم قد انبتت عناقيده فافسدته، قال: فقضى داود بالغنم لصاحب الكرم، فقال سليمان: غير هذا يا نبى الله؟ قال: و ما ذاك؟ قال: تدفع الكرم الى صاحب الغنم فيقوم عليه حتى يعود كما كان، و تدفع الغنم الى صاحب الكرم فيصيب منها، حتى إذا كان الكرم كما كان، دفعت الكرم الى‏

487

صاحبه، و دفعت الغنم الى صاحبها فذلك قوله: «فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ‏» و كان رجلا غزاء لا يكاد يقعد عن الغزو، و كان لا يسمع بملك في ناحيه من الارض الا أتاه حتى يذله و كان فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، عن ابن إسحاق- فيما يزعمون- إذا اراد الغز و امر بعسكره فضرب له بخشب، ثم نصب له على الخشب، ثم حمل عليه الناس و الدواب و آله الحرب كلها، حتى إذا حمل معه ما يريد، امر العاصف من الريح فدخلت تحت ذلك الخشب، فاحتملته حتى إذا استقلت به امر الرخاء فمر به شهرا في روحته، و شهرا في غدوته الى حيث اراد يقول الله عز و جل: «فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ‏»، اى حيث اراد، و قال: «وَ لِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَ رَواحُها شَهْرٌ».

قال: و ذكر لي ان منزلا بناحيه دجلة مكتوب فيه: كتاب كتبه بعض اصحاب سليمان، اما من الجن، و اما من الانس: نحن نزلناه و ما بيناه، و مبنيا وجدناه، غدونا من اصطخر فقلناه، و نحن رائحون منه ان شاء الله، فبائتون بالشام.

قال: و كان- فيما بلغنى- لتمر بعسكره الريح، و الرخاء تهوى به الى ما اراد، و انها لتمر بالمزرعه فما تحركها.

و قد حدثنا القاسم بن الحسن، قال: حدثنى الحسين، قال: حدثنى حجاج، عن ابى معشر، عن محمد بن كعب القرظى، قال: بلغنا ان سليمان كان عسكره مائه فرسخ، خمسه و عشرون منها للانس، و خمسه و عشرون للجن، و خمسه و عشرون للوحش، و خمسه و عشرون للطير، و كان له الف بيت من قوارير على الخشب، فيها ثلاثمائة صريحه، و سبعمائة سريه، فامر الريح العاصف‏

488

فرفعته و امر الرخاء فسيرته، فاوحى الله اليه و هو يسير بين السماء و الارض:

انى قد زدت في ملكك، انه لا يتكلم احد من الخلائق الا جاءت به الريح و اخبرتك.

حدثنى ابو السائب، قال: حدثنا ابو معاويه، عن الاعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كان سليمان ابن داود يوضع له ستمائه كرسي، ثم يجي‏ء اشراف الانس فيجلسون مما يليه، ثم يجي‏ء اشراف الجن فيجلسون مما يلى الانس، قال: ثم يدعو الطير فتظلهم، ثم يدعو الريح فتحملهم، قال: فتسير في الغداة الواحدة مسيره شهر

489

ذكر ما انتهى إلينا من مغازي سليمان (ع)

فمن ذلك غزوته التي راسل فيها بلقيس- و هي فيما يقول اهل الأنساب- يلمقه ابنه اليشرح- و يقول بعضهم: ابنه أيلي شرح، و يقول بعضهم: ابنه ذي شرح- بن ذي جدن بن أيلي شرح بن الحارث بن قيس بن صيفي بن سبا ابن يشجب بن يعرب بن قحطان ثم صارت اليه سلما بغير حرب و لا قتال.

و كان سبب مراسلته إياها- فيما ذكر- انه فقد الهدهد يوما في مسير كان يسيره، و احتاج الى الماء فلم يعلم من حضره بعده، و قيل له علم ذلك عند الهدهد، فسال عن الهدهد فلم يجده و قال بعضهم: بل انما سال سليمان عن الهدهد لإخلاله بالنبوة.

فكان من حديثه و حديث مسيره ذلك و حديث بلقيس، ما حدثنى العباس ابن الوليد الاملى، قال: حدثنا على بن عاصم، قال: حدثنا عطاء بن السائب، قال: حدثنى مجاهد، عن ابن عباس، قال: كان سليمان بن داود إذا سافر او اراد سفرا قعد على سريره، و وضعت الكراسي يمينا و شمالا، فيأذن للانس، ثم يأذن للجن عليه بعد الانس، فيكونون خلف الانس، ثم يأذن للشياطين بعد الجن فيكونون خلف الجن، ثم يرسل الى الطير فتظلهم من فوقهم، ثم يرسل الى الريح فتحملهم و هو على سريره، و الناس على الكراسي فتسير بهم، غدوها شهر و رواحها شهر، رخاء حيث أصاب، ليس بالعاصف و لا اللين، وسطا بين ذلك فبينما سليمان يسير- و كان سليمان اختار من كل طير طيرا، فجعله راس تلك الطير، فإذا اراد ان يسائل شيئا من تلك الطير عن شي‏ء سال راسها- فبينما سليمان يسير إذ نزل مفازة فسال عن بعد الماء هاهنا، فقال الانس: لا ندري، فسال الجن فقالوا: لا تدرى، فسال الشياطين، فقالوا: لا ندري فغضب سليمان فقال: لا ابرح حتى اعلم كم بعد مسافة الماء هاهنا! قال: فقالت له الشياطين: يا رسول الله لا تغضب، فان يك شيئا يعلم فالهدهد يعلمه، فقال سليمان: على بالهدهد، فلم يوجد، فغضب‏

490

سليمان فقال: «ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ‏»، يقول: بعذر مبين لم غاب عن مسيرى هذا؟ و كان عقابه للطير ان ينتف ريشه و يشمسه فلا يستطيع ان يطير، و يكون من هوام الارض ان اراد ذلك، او يذبحه، فكان ذلك عذابه.

قال: و مر الهدهد على قصر بلقيس، فراى بستانا لها خلف قصرها، فمال الى الخضرة فوقع عليها، فإذا هو بهدهد لها في البستان، فقال هدهد سليمان:

اين أنت عن سليمان؟ و ما تصنع هاهنا؟ قال له هدهد بلقيس: و من سليمان؟

فقال: بعث الله رجلا يقال له سليمان رسولا، و سخر له الريح و الجن و الانس و الطير قال: فقال له هدهد بلقيس: اى شي‏ء تقول! قال: اقول لك ما تسمع، قال: ان هذا لعجب، و اعجب من ذاك ان كثره هؤلاء القوم تملكهم امراه، «أُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ وَ لَها عَرْشٌ عَظِيمٌ‏»، جعلوا الشكر لله ان يسجدوا للشمس من دون الله قال: و ذكر الهدهد سليمان فنهض عنه، فلما انتهى الى العسكر تلقته الطير و قالوا: توعدك رسول الله، فاخبروه بما قال قال: و كان عذاب سليمان للطير ان ينتف ريشه و يشمسه فلا يطير ابدا، فيصير من هوام الارض، او يذبحه فلا يكون له نسل ابدا قال: فقال الهدهد:

او ما استثنى رسول الله؟ قالوا: بل قال: او ليأتيني بعذر مبين، قال:

فلما اتى سليمان، قال: ما غيبك عن مسيرى؟ قال: «أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَ جِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ‏» حتى بلغ «فَانْظُرْ ما ذا يَرْجِعُونَ‏».

قال: فاعتل له بشي‏ء، و اخبره عن بلقيس و قومها ما اخبره الهدهد، فقال له سليمان: قد اعتللت، «سَنَنْظُرُ أَ صَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ‏»، قال: فوافقها و هي في قصرها، فالقى إليها

491

الكتاب فسقط في حجرها انه كتاب كريم، و اشفقت منه، فأخذته و القت عليه ثيابها، و امرت بسريرها فاخرج، فخرجت فقعدت عليه، و نادت في قومها، فقالت لهم: «يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَ إِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَ أْتُونِي مُسْلِمِينَ‏» و لم أكن لاقطع امرا حتى تشهدون، «قالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَ أُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَ الْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي ما ذا تَأْمُرِينَ‏»- الى- «وَ إِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ»، فان قبلها فهذا ملك من ملوك الدنيا و انا أعز منه و اقوى، و ان لم يقبلها فهذا شي‏ء من الله.

فلما جاء سليمان الهدية قال لهم سليمان: «أَ تُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ‏»- الى قوله: «وَ هُمْ صاغِرُونَ‏»، يقول: و هم غير محمودين قال: بعثت اليه بخرزه غير مثقوبة، فقالت: اثقب هذه، قال:

فسال سليمان الانس فلم يكن عندهم علم ذاك، ثم سال الجن فلم يكن عندهم علم ذاك، قال: فسال الشياطين، فقالوا: ترسل الى الأرضة، فجاءت الأرضة فأخذت شعره في فيها فدخلت فيها فنقبتها بعد حين، فلما رجع إليها رسولها خرجت فزعه في أول النهار من قومها و تبعها قومها قال ابن عباس: و كان معها الف قيل.

قال ابن عباس: اهل اليمن يسمون القائد قيلا، مع كل قيل عشره آلاف قال العباس: قال على: عشره آلاف الف.

قال العباس: قال على: فأخبرنا حصين بن عبد الرحمن، قال: حدثنى عبد الله بن شداد بن الهاد، قال: فاقبلت بلقيس الى سليمان و معها ثلاثمائة قيل و اثنا عشر قيلا، مع كل قيل عشره آلاف.

قال عطاء، عن مجاهد، عن ابن عباس: و كان سليمان رجلا مهيبا لا يبتدأ بشي‏ء حتى يكون هو الذى يسال عنه، فخرج يومئذ فجلس على سريره،

492

فراى رهجا قريبا منه، فقال: ما هذا؟ قالوا: بلقيس يا رسول الله، قال: و قد نزلت منا بهذا المكان! قال مجاهد: فوصف لنا ذلك ابن عباس فحزرته ما بين الكوفه و الحيرة قدر فرسخ، قال: فاقبل على جنوده فقال:

«أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ‏» الذى أنت فيه الى الحين الذى تقوم الى غدائك قال: قال سليمان: من يأتيني به قبل ذلك؟

«قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ‏»، فنظر اليه سليمان، فلما قطع كلامه رد سليمان بصره على العرش، فراى سريرها قد خرج و نبع من تحت كرسيه، «فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَ أَشْكُرُ» إذ أتاني به قبل ان يرتد الى طرفي «أَمْ أَكْفُرُ» إذ جعل من تحت يدي اقدر على المجي‏ء به منى قال:

فوضعوا لها عرشها، قال: فلما جاءت قعدت الى سليمان، قيل لها:

«أَ هكَذا عَرْشُكِ‏»؟ فنظرت اليه فقالت: «كَأَنَّهُ هُوَ»! ثم قالت:

لقد تركته في حصونى، و تركت الجنود محيطة به، فكيف جي‏ء بهذا يا سليمان! انى اريد ان اسالك عن شي‏ء فاخبرنيه، قال: سلى، قالت: أخبرني عن ماء رواء، لا من سماء و لا من ارض- قال: و كان إذا جاء سليمان شي‏ء لا يعلمه بدا فسال الانس عنه، فان كان عند الانس فيه علم و الا سال الجن، فان لم يكن عند الجن علم به سال الشياطين- قال: فقالت له الشياطين: ما اهون هذا يا رسول الله! مر الخيل فلتجر ثم تملا الانيه من عرقها، فقال لها سليمان: عرق الخيل، قالت: صدقت قالت: أخبرني عن لون الرب قال: قال ابن عباس: فوثب سليمان عن سريره فخر ساجدا قال العباس: قال على: فأخبرني عمر بن عبيد، عن الحسن، قال: صعق فغشى عليه، فخر عن سريره.

ثم رجع، الى حديثه قال: فقامت عنه، و تفرقت عنه جنوده، و جاءه‏

493

الرسول فقال: يا سليمان، يقول لك ربك: ما شانك؟ قال: سألتني عن امر يكابرنى- او يكابدنى- ان اعيده، قال: فان الله يأمرك ان تعود الى سريرك فتقعد عليه، و ترسل إليها و الى من حضرها من جنودها، و ترسل الى جميع جنودك الذين حضروا فيدخلوا عليك فتسألها و تسألهم عما سألتك عنه قال:

ففعل، فلما دخلوا عليه جميعا، قال لها: عم سألتني؟ قالت: سألتك عن ماء رواء، لا من سماء و لا من ارض، قال: قلت لك: عرق الخيل، قالت: صدقت، قال: و عن اى شي‏ء سألتني؟ قالت: ما سألتك عن شي‏ء غير هذا قال: قال لها سليمان، فلأي شي‏ء خررت عن سريري؟

قالت: قد كان ذاك لشي‏ء لا ادرى ما هو- قال العباس: قال على: نسيته- قال: فسال جنودها فقالوا مثل ما قالت، قال: فسال جنوده من الانس و الجن و الطير و كل شي‏ء كان حضره من جنوده، فقالوا: ما سألتك يا رسول الله الا عن ماء رواء، قال- و قد كان قال له الرسول: يقول الله لك: عد الى مكانك فانى قد كفيتكهم- قال: و قال سليمان: للشياطين: ابنوا لي صرحا تدخل على فيه بلقيس، قال: فرجع الشياطين بعضهم الى بعض، فقالوا:

سليمان رسول الله قد سخر الله له ما سخر، و بلقيس ملكه سبا ينكحها فتلد له غلاما، فلا ننفك من العبودية ابدا.

قال: و كانت امراه شعراء الساقين، فقالت الشياطين: ابنوا له بنيانا ليرى ذلك منها، فلا يتزوجها، فبنوا له صرحا من قوارير اخضر، و جعلوا له طوابيق من قوارير كأنه الماء، و جعلوا في باطن الطوابيق كل شي‏ء يكون من الدواب في البحر من السمك و غيره، ثم اطبقوه، ثم قالوا لسليمان: ادخل الصرح، قال: فالقى لسليمان كرسي في اقصى الصرح، فلما دخله و راى ما راى اتى الكرسي، فقعد عليه، ثم قال: ادخلوا على بلقيس، فقيل لها: ادخلى الصرح، فلما ذهبت تدخله رات صوره السمك و ما يكون في الماء من الدواب، فحسبته لجه حسبته ماء و كشفت عن ساقيها لتدخل، و كان شعر ساقيها ملتويا على ساقيها، فلما رآها سليمان، ناداها- و صرف بصره عنها: انه صرح ممرد من‏

494

قوارير، فالقت ثوبها فقالت: «رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَ أَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ‏» قال: فدعا سليمان الانس فقال: ما اقبح هذا! ما يذهب هذا؟ قالوا: يا رسول الله الموسى قال: المواسى تقطع ساقى المرأة قال: ثم دعا الجن فسألهم فقالوا: لا ندري، ثم دعا الشياطين فقال:

ما يذهب هذا؟ قالوا مثل ذلك: الموسى، فقال: المواسى تقطع ساقى المرأة قال: فتلكئوا عليه، ثم جعلوا له النوره- قال ابن عباس: فانه لاول يوم رئيت فيه النوره- فاستنكحها سليمان.

حدثنا ابن حميد: قال، حدثنا سلمه، عن ابن إسحاق، عن بعض اهل العلم، عن وهب ابن منبه، قال: لما رجعت الرسل الى بلقيس بما قال سليمان، قالت: قد و الله عرفت ما هذا بملك، و ما لنا به من طاقه، و ما نصنع بمكاثرته شيئا، و بعثت اليه انى قادمه عليك بملوك قومى حتى انظر ما امرك، و ما تدعو اليه من دينك ثم امرت بسرير ملكها الذى كانت تجلس عليه- و كان من ذهب مفصص بالياقوت و الزبرجد و اللؤلؤ- فجعل في سبعه ابيات بعضها في بعض، ثم اقفلت على الأبواب، و كانت انما تخدمها النساء، معها ستمائه امراه تخدمها ثم قالت لمن خلفت على سلطانها: احتفظ بما قبلك، و سرير ملكي فلا يخلص اليه احد و لا يرينه حتى آتيك ثم شخصت الى سليمان في اثنى عشر الف قيل معها من ملوك اليمن، تحت يد كل قيل منهم ألوف كثيره، فجعل سليمان يبعث الجن فيأتونه بمسيرها و منتهاها كل يوم و ليله، حتى إذا دنت جمع من عنده من الجن و الانس ممن تحت يديه، فقال: «يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ‏».

قال: و اسلمت فحسن إسلامها قال: فزعم ان سليمان قال لها حين اسلمت و فرغ من امرها: اختاري رجلا من قومك أزوجكه، قالت: و مثلي يا نبى الله ينكح الرجال، و قد كان لي في قومى من الملك و السلطان ما كان لي! قال: نعم، انه‏

495

لا يكون في الاسلام الا ذلك، و لا ينبغى لك ان تحرمي ما أحل الله لك، فقالت: زوجني ان كان لا بد ذا تبع ملك همدان، فزوجه إياها، ثم ردها الى اليمن، و سلط زوجها ذا تبع على اليمن، و دعا زوبعه امير جن اليمن فقال: اعمل لذى تبع ما استعملك لقومه قال: فصنع لذى تبع الصنائع باليمن، ثم لم يزل بها ملكا يعمل له فيها ما اراد، حتى مات سليمان ابن داود ع.

فلما حال الحول و تبينت الجن موت سليمان اقبل رجل منهم، فسلك تهامه حتى إذا كان في جوف اليمن صرخ باعلى صوته: يا معشر الجن، ان الملك سليمان قد مات فارفعوا ايديكم قال: فعمدت الشياطين الى حجرين عظيمين، فكتبوا فيهما كتابا بالمسند: نحن بنينا سلحين، سبعه و سبعين خريفا دائبين، و بنينا صرواح و مراح و بينون برحاضه ايدين، و هنده و هنيده، و سبعه أمجلة بقاعه، و تلثوم بريده، و لو لا صارخ بتهامه، لتركنا بالبون اماره قال: و سلحين و صرواح و مراح و بينون و هنده و هنيده و تلثوم حصون كانت باليمن، عملتها الشياطين لذى تبع، ثم رفعوا ايديهم، ثم انطلقوا، و انقضى ملك ذي تبع و ملك بلقيس مع ملك سليمان بن داود ع‏

496

ذكر غزوته أبا زوجته جراده و خبر الشيطان الذى أخذ خاتمه‏

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، عن ابن إسحاق، عن بعض العلماء، قال: قال وهب بن منبه: سمع سليمان بمدينه في جزيرة من جزائر البحر، يقال لها صيدون، بها ملك عظيم السلطان لم يكن للناس اليه سبيل، لمكانه في البحر، و كان الله قد آتى سليمان في ملكه سلطانا لا يمتنع منه شي‏ء في بر و لا بحر، انما يركب اليه إذا ركب على الريح، فخرج الى تلك المدينة تحمله الريح على ظهر الماء، حتى نزل بها بجنوده من الجن و الانس، فقتل ملكها و استفاء ما فيها، و أصاب فيما أصاب ابنه لذلك الملك لم ير مثلها حسنا و جمالا، فاصطفاها لنفسه، و دعاها الى الاسلام فاسلمت على جفاء منها و قله ثقه، و أحبها حبا لم يحبه شيئا من نسائه، و وقعت نفسه عليها، فكانت على منزلتها عنده لا يذهب حزنها، و لا يرقأ دمعها، فقال لها، لما راى ما بها و هو يشق عليه من ذلك ما يرى: ويحك، ما هذا الحزن الذى لا يذهب، و الدمع الذى لا يرقأ! قالت: ان ابى اذكره و اذكر ملكه و ما كان فيه و ما اصابه، فيحزننى ذلك، قال: فقد ابد لك الله به ملكا هو اعظم من ملكه، و سلطانا هو اعظم من سلطانه، و هداك للإسلام و هو خير من ذلك كله، قالت: ان ذلك لكذلك، و لكنى إذا ذكرته أصابني ما قد ترى من الحزن، فلو انك امرت الشياطين، فصوروا صوره ابى في دارى التي انا فيها، أراها بكره و عشيا لرجوت ان يذهب ذلك حزنى، و ان يسلى عنى بعض ما أجد في نفسي، فامر سليمان الشياطين، فقال: مثلوا لها صوره أبيها في دارها حتى ما تنكر منه شيئا، فمثلوه لها حتى نظرت الى أبيها في نفسه،

497

الا انه لا روح فيه، فعمدت اليه حين صنعوه لها فازرته و قمصته و عممته و ردته بمثل ثيابه التي كان يلبس، مثل ما كان يكون فيه من هيئة، ثم كانت إذا خرج سليمان من دارها تغدو عليه في ولائدها حتى تسجد له و يسجدن له، كما كانت تصنع به في ملكه، و تروح كل عشيه بمثل ذلك، لا يعلم سليمان بشي‏ء من ذلك اربعين صباحا، و بلغ ذلك آصف بن برخيا- و كان صديقا، و كان لا يرد عن أبواب سليمان اى ساعه اراد دخول شي‏ء من بيوته دخل، حاضرا كان سليمان او غائبا- فأتاه فقال: يا نبى الله، كبرت سنى، و دق عظمى، و نفد عمرى، و قد حان منى ذهاب! و قد احببت ان اقوم مقاما قبل الموت اذكر فيه من مضى من أنبياء الله، و اثنى عليهم بعلمي فيهم، و اعلم الناس بعض ما كانوا يجهلون من كثير من أمورهم، فقال:

افعل، فجمع له سليمان الناس، فقام فيهم خطيبا، فذكر من مضى من أنبياء الله، فاثنى على كل نبى بما فيه، و ذكر ما فضله الله به، حتى انتهى الى سليمان و ذكره، فقال: ما كان احملك في صغرك، و اورعك في صغرك، و افضلك في صغرك، و احكم امرك في صغرك، و ابعدك من كل ما يكره في صغرك! ثم انصرف فوجد سليمان في نفسه حتى ملاه غضبا، فلما دخل سليمان داره ارسل اليه، فقال: يا آصف، ذكرت من مضى من أنبياء الله فاثنيت عليهم خيرا في كل زمانهم، و على كل حال من امرهم، فلما ذكرتني جعلت تثنى على بخير في صغرى، و سكت عما سوى ذلك من امرى في كبرى، فما الذى احدثت في آخر امرى؟ قال: ان غير الله ليعبد في دارك منذ اربعين صباحا في هوى امراه، فقال: في دارى! فقال: في دارك، قال:

إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ! لقد عرفت انك ما قلت الا عن شي‏ء بلغك، ثم رجع سليمان الى داره فكسر ذلك الصنم، و عاقب تلك المرأة و ولائدها، ثم امر بثياب الطهره فاتى بها، و هي ثياب لا يغزلها الا الابكار، و لا ينسجها الا

498

الابكار، و لا يغسلها الا الابكار، و لا تمسها امراه قد رات الدم، فلبسها ثم خرج الى فلاة من الارض وحده، فامر برماد ففرش له، ثم اقبل تائبا الى الله حتى جلس على ذلك الرماد، فتمعك فيه بثيابه تذللا لله جل و عز و تضرعا اليه، يبكى و يدعو و يستغفر مما كان في داره، و يقول فيما يقول- فيما ذكر لي و الله اعلم: رب ما ذا ببلائك عند آل داود ان يعبدوا غيرك، و ان يقروا في دورهم و أهاليهم عباده غيرك! فلم يزل كذلك يومه حتى امسى، يبكى الى الله و يتضرع اليه و يستغفره، ثم رجع الى داره- و كانت أم ولد له يقال لها:

الامينه، كان إذا دخل مذهبه، او اراد اصابه امراه من نسائه وضع خاتمه عندها حتى يتطهر، و كان لا يمس خاتمه الا و هو طاهر، و كان ملكه في خاتمه، فوضعه يوما من تلك الأيام عندها كما كان يضعه ثم دخل مذهبه، و أتاها الشيطان صاحب البحر- و كان اسمه صخرا- في صوره سليمان لا تنكر منه شيئا، فقال: خاتمي يا امينه! فناولته اياه، فجعله في يده، ثم خرج حتى جلس على سرير سليمان، و عكفت عليه الطير و الجن و الانس، و خرج سليمان فاتى الامينه، و قد غيرت حالته و هيئته عند كل من رآه، فقال: يا امينه، خاتمي! فقالت: و من أنت؟ قال: انا سليمان بن داود، فقالت: كذبت، لست بسليمان بن داود، و قد جاء سليمان فاخذ خاتمه، و هو ذاك جالس على سريره في ملكه فعرف سليمان ان خطيئته قد أدركته، فخرج فجعل يقف على الدار من دور بنى إسرائيل، فيقول:

انا سليمان بن داود، فيحثون عليه التراب و يسبونه، و يقولون: انظروا الى هذا المجنون، اى شي‏ء يقول! يزعم انه سليمان بن داود، فلما راى سليمان ذلك عمد الى البحر، فكان ينقل الحيتان لأصحاب البحر الى السوق، فيعطونه كل يوم سمكتين، فإذا امسى باع احدى سمكتيه بارغفه و شوى الاخرى، فأكلها، فمكث بذلك اربعين صباحا، عده ما عبد ذلك الوثن في داره،

499

فأنكر آصف بن برخيا و عظماء بنى إسرائيل حكم عدو الله الشيطان في تلك الأربعين صباحا، فقال آصف: يا معشر بنى إسرائيل، هل رايتم من اختلاف حكم ابن داود ما رايت! قالوا: نعم، قال: أمهلوني حتى ادخل على نسائه فاسالهن: هل انكرن منه في خاصه امره ما أنكرنا في عامه امر الناس و علانيته؟ فدخل على نسائه فقال: ويحكن! هل انكرتن من امر ابن داود ما أنكرنا؟ فقلن: اشده ما يدع امراه منا في دمها، و لا يغتسل من جنابه، فقال: انا لله و انا اليه راجعون! ان هذا لهو البلاء المبين، ثم خرج الى بنى إسرائيل، فقال ما في الخاصة اعظم مما في العامه، فلما مضى اربعون صباحا طار الشيطان عن مجلسه، ثم مر بالبحر، فقذف الخاتم فيه، فبلعته سمكه، و بصر بعض الصيادين فأخذها و قد عمل له سليمان صدر يومه ذلك، حتى إذا كان العشى اعطاه سمكتيه، فاعطى السمكه التي أخذت الخاتم، ثم خرج سليمان بسمكتيه فيبيع التي ليس في بطنها الخاتم بالارغفه، ثم عمد الى السمكه الاخرى فبقرها ليشويها فاستقبله خاتمه في جوفها، فأخذه فجعله في يده و وقع ساجدا لله، و عكف عليه الطير و الجن، و اقبل عليه الناس و عرف ان الذى دخل عليه لما كان احدث في داره، فرجع الى ملكه، و اظهر التوبة من ذنبه، و امر الشياطين فقال: ائتونى به، فطلبته له الشياطين حتى اخذوه، فاتى به، فجاب له صخره، فادخله فيها، ثم سد عليه بأخرى، ثم أوثقها بالحديد و الرصاص، ثم امر به فقذف في البحر.

حدثنا محمد بن الحسين، قال: حدثنا احمد بن المفضل، قال: حدثنا اسباط، عن السدى في قوله: «وَ لَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَ أَلْقَيْنا عَلى‏ كُرْسِيِّهِ جَسَداً»، قال: الشيطان حين جلس على كرسيه اربعين يوما، قال:

500

كان لسليمان مائه امراه، و كانت امراه منهن يقال لها جراده، و هي آثر نسائه عنده، و آمنهن عنده، و كان إذا اجنب او اتى حاجه نزع خاتمه، و لا ياتمن عليه أحدا من الناس غيرها، فجاءته يوما من الأيام فقالت له: ان أخي بينه و بين فلان خصومه، و انا أحب ان تقضى له إذا جاءك، فقال: نعم، و لم يفعل، فابتلى فأعطاها خاتمه، و دخل المحرج فخرج الشيطان في صورته، فقال: هاتى الخاتم، فأعطته، فجاء حتى جلس على مجلس سليمان، و خرج سليمان بعد فسألها ان تعطيه خاتمه، فقالت: ا لم تأخذه قبل؟ قال: لا، و خرج من مكانه تائها، قال: و مكث الشيطان يحكم بين الناس اربعين يوما.

قال: فأنكر الناس احكامه، فاجتمع قراء بنى إسرائيل و علماؤهم، و جاءوا حتى دخلوا على نسائه فقالوا: انا قد أنكرنا هذا، فان كان سليمان، فقد ذهب عقله، و أنكرنا احكامه! قال: فبكى النساء عند ذلك، قال: فاقبلوا يمشون حتى اتوه، فاحدقوا به ثم نشروا فقرءوا التوراة، قال: فطار من بين ايديهم حتى وقع على شرفه و الخاتم معه، ثم طار حتى ذهب الى البحر، فوقع الخاتم منه في البحر، فابتلعه حوت من حيتان البحر، قال: و اقبل سليمان في حاله التي كان فيها حتى انتهى الى صياد من صيادي البحر و هو جائع، و قد اشتد جوعه، فاستطعمه من صيدهم، و قال: انى انا سليمان، فقام اليه بعضهم فضربه بعضا فشجه، قال: فجعل يغسل دمه و هو على شاطئ البحر، فلام الصيادون صاحبهم الذى ضربه و قالوا: بئس ما صنعت حيث ضربته! قال: انه زعم انه سليمان، قال: فأعطوه سمكتين مما قد ضرب عندهم، فلم يشغله ما كان به من الضرب، حتى قام على شط البحر، فشق بطونهما، و جعل يغسلهما، فوجد خاتمه في بطن إحداهما، فأخذه فلبسه، فرد الله عليه بهاءه و ملكه، و جاءت الطير حتى حامت عليه، فعرف القوم انه سليمان، فقام القوم يعتذرون مما صنعوا، فقال: ما احمدكم على‏

501

عذركم، و لا الومكم على ما كان منكم، كان هذا الأمر لا بد منه.

قال: فجاء حتى اتى ملكه، فأرسل الى الشيطان فجي‏ء به، و سخرت له الريح و الشياطين يومئذ، و لم تكن سخرت له قبل ذلك، و هو قوله:

«وَ هَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ‏».

و بعث الى الشيطان فاتى به، فامر به فجعل في صندوق من حديد، ثم اطبق عليه، و اقفل عليه بقفل، و ختم عليه بخاتمه، ثم امر به فالقى في البحر، فهو فيه حتى تقوم الساعة، و كان اسمه حبقيق.

قال ابو جعفر: ثم لبث سليمان بن داود في ملكه بعد ان رده الله اليه، تعمل له الجن ما يشاء من محاريب و تماثيل و جفان كالجواب و قدور راسيات، و غير ذلك من اعماله، و يعذب من الشياطين من شاء، و يطلق من أحب منهم اطلاقه، حتى إذا دنا اجله، و اراد الله قبضه اليه، كان من امره- فيما بلغنى- ما حدثنى به احمد بن منصور، قال حدثنا موسى بن مسعود ابو حذيفة، قال:

حدثنا ابراهيم بن طهمان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، [عن النبي(ص)قال: كان سليمان نبى الله إذا صلى راى شجره نابته بين يديه، فيقول لها: ما اسمك؟ فيقول: كذا و كذا، فيقول:

لأي شي‏ء أنت؟ فان كانت لغرس غرست، ان كانت لدواء كتبت، فبينما هو يصلى ذات يوم إذ راى شجره بين يديه، فقال لها: ما اسمك؟ قالت:

الخروب، قال: لأي شي‏ء أنت؟ قالت: لخراب هذا البيت، فقال سليمان: اللهم عم على الجن موتى حتى يعلم الانس ان الجن لا يعلمون الغيب، فنحتها عصا، فتوكأ عليها حولا ميتا، و الجن تعمل، فأكلتها الأرضة فسقط، ف تَبَيَّنَتِ‏ الانس ان الجن‏ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ‏].

قال: و كان ابن عباس يقرؤها حولا في العذاب المهين قال: فشكرت الجن الأرضة، فكانت تأتيها بالماء

502

حدثنى موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، عن اسباط، عن السدى في حديث ذكره عن ابى مالك و عن ابى صالح، عن ابن عباس- و عن مره الهمدانى، عن ابن مسعود- و عن ناس من اصحاب النبي(ص)قال: كان سليمان يتجرد في بيت المقدس السنه و السنتين، و الشهر و الشهرين، و اقل من ذلك و اكثر، يدخل طعامه و شرابه، فادخله في المره التي مات فيها، فكان بدء ذلك انه لم يكن يوم يصبح فيه الا نبتت في بيت المقدس شجره، فيأتيها، فيسألها: ما اسمك؟ فتقول الشجرة:

اسمى كذا و كذا، فيقول لها: لأي شي‏ء نبت؟ فتقول: نبت لكذا و كذا فيأمر بها فتقطع، فان كانت نبتت لغرس غرسها، و ان كانت نبتت دواء قالت:

نبت دواء لكذا و كذا، فيجعلها لذلك، حتى نبتت شجره يقال لها الخروبه فسألها: ما اسمك؟ قالت: انا الخروبه، قال: و لأي شي‏ء نبت؟ قالت:

نبت لخراب هذا المسجد قال سليمان: ما كان الله ليخربه و انا حي، أنت التي على وجهك هلاكي و خراب بيت المقدس، فنزعها و غرسها في حائط له، ثم دخل المحراب فقام يصلى متكئا على عصاه فمات، و لا تعلم به الشياطين، و هم في ذلك يعملون له يخافون ان يخرج فيعاقبهم، و كانت الشياطين تجتمع حول المحراب، و كان المحراب له كوى بين يديه و خلفه، فكان الشيطان الذى يريد ان يخلع يقول: ا لست جليدا ان دخلت فخرجت من ذلك الجانب؟

فيدخل حتى يخرج من الجانب الآخر، فدخل شيطان من أولئك، فمر- و لم يكن شيطان ينظر الى سليمان في المحراب الا احترق- و لم يسمع صوت سليمان، ثم رجع فلم يسمع، ثم رجع فلم يسمع ثم رجع فوقف في البيت فلم يحترق، و نظر الى سليمان قد سقط ميتا، فخرج فاخبر الناس ان سليمان قد مات، ففتحوا عنه فاخرجوه، و وجدوا منسأته- و هي العصا بلسان الحبشه- قد أكلتها الأرضة، و لم يعلموا منذ كم مات، فوضعوا الأرضة على العصا، فاكلت منها يوما و ليله، ثم حسبوا على ذلك النحو فوجدوه قد مات منذ سنه، و هي في قراءة ابن مسعود: فمكثوا يدينون له من بعد موته حولا كاملا، فأيقن الناس عند ذلك ان الجن كانوا يكذبونهم، و لو انهم علموا الغيب لعلموا موت‏