تاريخ الأمم و الملوك‏‏‏ - ج1

- ابن جرير الطبري المزيد...
632 /
53

تفخر على الارض، فذلك قوله تعالى: «وَ أَلْقى‏ فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ*».

قال ابو جعفر: فقد أنبأ قول هؤلاء الذين ذكرت: ان الله تعالى اخرج من الماء دخانا حين اراد ان يخلق السموات و الارض، فسما عليه- يعنون بقولهم:

فسما عليه علا على الماء، و كل شي‏ء كان فوق شي‏ء عاليا عليه فهو له سماء- ثم ايبس بعد ذلك الماء، فجعله أرضا واحده- ان الله خلق السماء غير مسواه قبل الارض، ثم خلق الارض.

و ان كان الأمر كما قال هؤلاء، فغير محال ان يكون الله تعالى اثار من الماء دخانا فعلاه على الماء، فكان له سماء، ثم ايبس الماء فصار الدخان الذى سما عليه أرضا، و لم يدحها، و لم يقدر فيها أقواتها، و لم يخرج منها ماءها و مرعاها، حتى استوى الى السماء، التي هي الدخان الثائر من الماء العالي عليه، فسواهن سبع سموات، ثم دحا الارض التي كانت ماء فيبسه ففتقه، فجعلها سبع ارضين، و قدر فيها أقواتها، و «أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَ مَرْعاها وَ الْجِبالَ أَرْساها»، كما قال عز و جل فيكون كل الذى روى عن ابن عباس في ذلك- على ما رويناه- صحيحا معناه.

و اما يوم الاثنين فقد ذكرنا اختلاف العلماء فيما خلق فيه، و ما روى في ذلك عن رسول الله(ص)قبل.

و اما ما خلق في يوم الثلاثاء و الأربعاء، فقد ذكرنا أيضا بعض ما روى فيه، و نذكر في هذا الموضع بعض ما لم نذكر منه قبل.

فالذي صح عندنا انه خلق فيهما ما حدثنى به موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، حدثنا اسباط، عن السدى، في خبر ذكره‏

54

عن ابى مالك، و عن ابى صالح، عن ابن عباس- و عن مره الهمدانى، عن عبد الله بن مسعود- و عن ناس من اصحاب رسول الله ص:

و خلق الجبال فيها- يعنى في الارض- و اقوات أهلها و شجرها و ما ينبغى لها في يومين: في الثلاثاء و الأربعاء، و ذلك حين يقول الله عز و جل: «قُلْ أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَ تَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ وَ جَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَ بارَكَ فِيها وَ قَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ‏»، يقول: من سال فهكذا الأمر، ثم استوى الى السماء و هي دخان، و كان ذلك الدخان من تنفس الماء حين تنفس، فجعلها سماء واحده، ثم فتقها فجعلها سبع سموات في يومين في الخميس و الجمعه.

حدثنى المثنى، قال: حدثنا ابو صالح، قال: حدثنى ابو معشر، عن سعيد بن ابى سعيد، عن عبد الله بن سلام، قال: ان الله تعالى خلق الأقوات و الرواسي في الثلاثاء و الأربعاء.

حدثنى تميم بن المنتصر، قال: أخبرنا إسحاق، عن شريك، عن غالب بن غلاب، عن عطاء بن ابى رباح، عن ابن عباس، قال:

ان الله تعالى خلق الجبال يوم الثلاثاء فذلك قول الناس: هو يوم ثقيل.

قال ابو جعفر: و الصواب من القول في ذلك عندنا، ما رويناه [عن النبي ص، قال: ان الله تعالى خلق يوم الثلاثاء الجبال و ما فيهن من المنافع، و خلق يوم الأربعاء الشجر، و الماء، و المدائن، و العمران، و الخراب‏] حدثنا بذلك هناد، قال: حدثنا ابو بكر بن عياش، عن ابى سعد البقال، عن عكرمه، عن ابن عباس، عن النبي ص.

و قد روى عن النبي(ص)ان الله خلق الجبال يوم الأحد، و الشجر يوم الاثنين، و خلق المكروه يوم الثلاثاء، و النور يوم الأربعاء،

55

حدثنى به القاسم بن بشر بن معروف، و الحسين بن على الصدائى، قالا:

حدثنا حجاج، قال ابن جريج: أخبرني اسماعيل بن اميه، عن أيوب بن خالد، عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمه، عن ابى هريرة، عن النبي ص.

و الخبر الاول اصح مخرجا، و اولى بالحق، لأنه قول اكثر السلف.

و اما يوم الخميس فانه خلق فيه السموات، ففتقت بعد ان كانت رتقا، كما حدثنى موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال:

حدثنا اسباط، عن السدى، في خبر ذكره عن ابى مالك، و عن ابى صالح عن ابن عباس- و عن مره الهمدانى عن عبد الله بن مسعود- و عن ناس من اصحاب النبي ص: «ثُمَّ اسْتَوى‏ إِلَى السَّماءِ وَ هِيَ دُخانٌ‏»، و كان ذلك الدخان من تنفس الماء حين تنفس و جعلها سماء واحده، ثم فتقها فجعلها سبع سموات في يومين، في الخميس و الجمعه.

و انما سمى يوم الجمعه لأنه جمع فيه خلق السموات و الارض «وَ أَوْحى‏ فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها» قال: خلق في كل سماء خلقها من الملائكة، و الخلق الذى فيها من البحار و جبال البرد و ما لم يعلم، ثم زين السماء الدنيا بالكواكب، فجعلها زينه و حفظا، تحفظ من الشياطين، فلما فرغ من خلق ما أحب استوى على العرش فذلك حين يقول: «خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ*»، و يقول:

«كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما».

حدثنى المثنى، حدثنا ابو صالح، قال: حدثنى ابو معشر، عن سعيد بن ابى سعيد، عن عبد الله بن سلام، قال: ان الله تعالى خلق السموات في الخميس و الجمعه، و فرغ في آخر ساعه من يوم الجمعه،

56

فخلق فيها آدم على عجل، فتلك الساعة التي تقوم فيها الساعة.

حدثنى تميم بن المنتصر

9

، قال: أخبرنا إسحاق، عن شريك، عن غالب بن غلاب، عن عطاء بن ابى رباح، عن ابن عباس، قال: ان الله تعالى خلق مواضع الانهار و الشجر يوم الأربعاء، و خلق الطير و الوحوش و الهوام و السباع يوم الخميس، و خلق الإنسان يوم الجمعه، ففرغ من خلق كل شي‏ء يوم الجمعه و هذا الذى قاله من ذكرنا قوله، من ان الله عز و جل خلق السموات و الملائكة و آدم في يوم الخميس و الجمعه، هو الصحيح عندنا، للخبر الذى حدثنا به هناد بن السرى قال: حدثنا ابو بكر بن عياش، عن ابى سعد البقال، عن عكرمه، عن ابن عباس، عن النبي ص- قال:

هناد، و قرات سائر الحديث- قال: و خلق يوم الخميس السماء، و خلق يوم الجمعه النجوم و الشمس و القمر و الملائكة الى ثلاث ساعات بقيت منه، فخلق في أول ساعه من هذه الثلاث ساعات الآجال، من يحيا و من يموت، و في الثانيه القى الآفة على كل شي‏ء مما ينتفع به الناس، و في الثالثه آدم و اسكنه الجنه، و امر ابليس بالسجود، و اخرجه منها في آخر ساعه.

حدثنى القاسم بن بشر بن معروف، و الحسين بن على الصدائى، قالا: حدثنا حجاج، قال ابن جريج: أخبرني اسماعيل بن اميه، عن أيوب ابن خالد، عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمه، عن ابى هريرة، قال: [أخذ رسول الله(ص)بيدي فقال: و بث فيها- يعنى في الارض- الدواب يوم الخميس، و خلق آدم بعد العصر من يوم الجمعه آخر خلق في آخر ساعه، من ساعات الجمعه فيما بين العصر الى الليل‏].

فإذا كان الله تعالى ذكره خلق الخلق من لدن ابتداء خلق السموات و الارض الى حين فراغه من خلق جميعهم في سته ايام، و كان كل يوم من‏

57

الأيام السته التي خلقهم فيها مقداره الف سنه من ايام الدنيا، و كان بين ابتدائه في خلق ذلك و خلق القلم الذى امره بكتابه كل ما هو كائن الى قيام الساعة الف عام، و ذلك يوم من ايام الآخرة التي قدر اليوم الواحد منها الف عام من ايام الدنيا- كان معلوما ان قدر مده ما بين أول ابتداء ربنا عز و جل في خلق ما خلق من خلقه الى الفراغ من آخرهم سبعه آلاف عام يزيد ان شاء الله شيئا او ينقص شيئا، على ما قد روينا من الآثار و الاخبار التي ذكرناها، و تركنا ذكر كثير منها كراهة اطاله الكتاب بذكرها.

و إذا كان ذلك كذلك، و كان صحيحا ان مده ما بين فراغ ربنا تعالى ذكره- من خلق جميع خلقه الى وقت فناء جميعهم بما قد دللنا قبل، و استشهدنا من الشواهد، و بما سنشرح فيما بعد- سبعه آلاف سنه، تزيد قليلا او تنقص قليلا- كان معلوما بذلك ان مده ما بين أول خلق خلقه الله تعالى الى قيام الساعة و فناء جميع العالم، اربعه عشر الف عام من اعوام الدنيا، و ذلك اربعه عشر يوما من ايام الآخرة، سبعه ايام من ذلك- و هي سبعه آلاف عام من اعوام الدنيا- مده ما بين أول ابتداء الله جل و تقدس في خلق أول خلقه الى فراغه من خلق آخرهم- و هو آدم ابو البشر ص، و سبعه ايام اخر، و هي سبعه آلاف عام من اعوام الدنيا، من ذلك مده ما بين فراغه جل ثناؤه من خلق آخر خلقه- و هو آدم- الى فناء آخرهم و قيام الساعة، و عود الأمر الى ما كان عليه قبل ان يكون شي‏ء غير القديم البارئ الذى له الخلق و الأمر الذى كان قبل كل شي‏ء، فلا شي‏ء كان قبله، و الكائن بعد كل شي‏ء فلا شي‏ء يبقى غير وجهه الكريم.

فان قال قائل: و ما دليلك على ان الأيام السته التي خلق الله فيهن خلقه كان قدر كل يوم منهن قدر الف عام من اعوام الدنيا دون ان يكون ذلك‏

58

كايام اهل الدنيا التي يتعارفونها بينهم، و انما قال الله عز و جل في كتابه:

«الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ*»، فلم يعلمنا ان ذلك كما ذكرت، بل أخبرنا انه خلق ذلك في سته ايام، و الأيام المعروفه عند المخاطبين بهذه المخاطبه هي ايامهم التي أول اليوم منها طلوع الفجر الى غروب الشمس، و من قولك: ان خطاب الله عباده بما خاطبهم به في تنزيله انما هو موجه الى الأشهر و الاغلب عليه من معانيه، و قد وجهت خبر الله في كتابه عن خلقه السموات و الارض و ما بينهما في سته ايام الى غير المعروف من معاني الأيام، و امر الله عز و جل إذا اراد شيئا ان يكونه انفذ و امضى من ان يوصف بانه خلق السموات و الارض و ما بينهما في سته ايام، مقدارهن سته آلاف عام من اعوام الدنيا، و انما امره إذا اراد شيئا ان يقول له: كن فيكون، و ذلك كما قال ربنا تبارك و تعالى: «وَ ما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ»؟

قيل له: قد قلنا فيما تقدم من كتابنا هذا انا انما نعتمد في معظم ما نرسمه في كتابنا هذا على الآثار و الاخبار عن نبينا(ص)و عن السلف الصالحين قبلنا دون الاستخراج بالعقول و الفكر، إذ اكثره خبر عما مضى من الأمور، و عما هو كائن من الاحداث، و ذلك غير مدرك علمه بالاستنباط الاستخراج بالعقول:

فان قال: فهل من حجه على صحه ذلك من جهة الخبر؟

قيل: ذلك ما لا نعلم قائلا من ائمه الدين قال خلافه.

فان قال: فهل من روايه عن احد منهم بذلك؟

قيل: علم ذلك عند اهل العلم من السلف كان اشهر من ان يحتاج فيه الى روايه منسوبة الى شخص منهم بعينه، و قد روى ذلك عن جماعه منهم مسمين بأعيانهم‏

59

فان قال: فاذكرهم لنا.

قيل: حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا حكام: عن عنبسة، عن سماك، عن عكرمه، عن ابن عباس قال: خلق الله السموات و الارض في سته ايام، فكل يوم من هذه الأيام كالف سنه مما تعدون أنتم حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا ابى، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمه، عن ابن عباس: «فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ‏».

قال: السته الأيام التي خلق الله فيها السموات و الارض.

حدثنا عبده، حدثنى الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: «فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ‏»: يعنى هذا اليوم من الأيام السته التي خلق الله فيهن السموات و الارض و ما بينهما.

حدثنى المثنى، حدثنا على، عن المسيب بن شريك، عن ابى روق، عن الضحاك: «وَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ‏».

قال: من ايام الآخرة، كل يوم كان مقداره الف سنه، ابتدأ في الخلق يوم الأحد، و اجتمع الخلق يوم الجمعه.

حدثنا ابن حميد قال: حدثنا جرير، عن الاعمش، عن ابى صالح: عن كعب، قال: بدا الله خلق السموات و الارض يوم الأحد و الاثنين و الثلاثاء و الأربعاء و الخميس، و فرغ منها يوم الجمعه، قال: فجعل مكان كل يوم الف سنه‏

60

حدثنى المثنى، قال: حدثنا الحجاج، حدثنا ابو عوانه، عن ابى بشر، عن مجاهد، قال: يوم من السته الأيام، كالف سنه مما تعدون.

فهذا هذا و بعد، فلا وجه لقول قائل: و كيف يوصف الله تعالى ذكره بانه خلق السموات و الارض و ما بينهما في سته ايام قدر مدتها من ايام الدنيا سته آلاف سنه، و انما امره إذا اراد شيئا ان يقول له: كن فيكون، لأنه لا شي‏ء يتوهمه متوهم في قول قائل ذلك الا و هو موجود في قول قائل: خلق ذلك كله في سته ايام مدتها مده سته ايام من ايام الدنيا، لان امره جل جلاله إذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون‏

61

القول في الليل و النهار أيهما خلق قبل صاحبه‏

و في بدء خلق الشمس و القمر و صفتهما إذ كانت الازمنه بهما تعرف قد قلنا في خلق الله عز ذكره ما خلق من الأشياء قبل خلقه الأوقات و الازمنه، و بينا ان الأوقات و الازمنه انما هي ساعات الليل و النهار، و ان ذلك انما هو قطع الشمس و القمر درجات الفلك، فلنقل الان: باى ذلك كان الابتداء، بالليل أم بالنهار؟ إذ كان الاختلاف في ذلك موجودا بين ذوى النظر فيه، بان بعضهم يقول فيه: خلق الله الليل قبل النهار، و يستشهد على حقيقة قوله ذلك بان الشمس إذا غابت و ذهب ضوءها الذى هو نهار هجم الليل بظلامه، فكان معلوما بذلك ان الضياء هو المتورد على الليل، و ان الليل ان لم يبطله النهار المتورد عليه هو الثابت، فكان بذلك من امرهما دلاله على ان الليل هو الاول خلقا، و ان الشمس هو الآخر منهما خلقا، و هذا قول يروى عن ابن عباس.

حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن ابيه، عن عكرمه، عن ابن عباس قال: سئل: هل الليل كان قبل النهار؟.

قال: ا رايتم حين كانت السموات و الارض رتقا، هل كان بينهما الا ظلمه! ذلك لتعلموا ان الليل كان قبل النهار.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا الثوري، عن ابيه، عن عكرمه، عن ابن عباس، قال: ان الليل قبل النهار، ثم قال: «كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما».

حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا وهب بن جرير، حدثنا ابى، قال: سمعت يحيى بن أيوب يحدث عن يزيد بن ابى حبيب، عن مرثد

62

ابن عبد الله اليزني، قال: لم يكن عقبه بن عامر إذا راى الهلال- هلال رمضان- يقوم تلك الليلة حتى يصوم يومها، ثم يقوم بعد ذلك فذكرت ذلك لابن حجيره فقال: الليل قبل النهار أم النهار قبل الليل؟

و قال آخرون: كان النهار قبل الليل، و استشهدوا لصحه قولهم هذا بان الله عز ذكره كان و لا ليل و لا نهار و لا شي‏ء غيره، و ان نوره كان يضي‏ء به كل شي‏ء خلقه بعد ما خلقه حتى خلق الليل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنى على بن سهل، حدثنا الحسن بن بلال، قال: حدثنا حماد بن سلمه، عن الزبير ابى عبد السلام، عن أيوب بن عبد الله الفهري ان ابن مسعود قال: ان ربكم ليس عنده ليل و لا نهار، نور السموات من نور وجهه، و ان مقدار كل يوم من أيامكم هذه عنده اثنتا عشره ساعه.

قال ابو جعفر: و اولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول من قال:

كان الليل قبل النهار، لان النهار هو ما ذكرت من ضوء الشمس، و انما خلق الله الشمس و أجراها في الفلك بعد ما دحا الارض فبسطها، كما قال عز و جل: «أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها وَ أَغْطَشَ لَيْلَها وَ أَخْرَجَ ضُحاها»، فإذا كانت الشمس خلقت بعد ما سمكت السماء، و اغطش ليلها، فمعلوم انها كانت- قبل ان تخلق الشمس، و قبل ان يخرج الله من السماء ضحاها- مظلمه لا مضيئه.

و بعد، فان في مشاهدتنا من امر الليل و النهار ما نشاهده دليلا بينا

63

على ان النهار هو الهاجم على الليل لان الشمس متى غابت فذهب ضوءها ليلا او نهارا اظلم الجو، فكان معلوما بذلك ان النهار هو الهاجم على الليل بضوئه و نوره و الله اعلم.

فاما القول في بدء خلقهما فان الخبر عن رسول الله(ص)بوقت خلق الله الشمس و القمر مختلف.

فاما ابن عباس فروى عنه انه قال: خلق الله يوم الجمعه الشمس و القمر و النجوم و الملائكة الى ثلاث ساعات بقيت منه، حدثنا بذلك هناد بن السرى، قال: حدثنا ابو بكر بن عياش، عن ابى سعد البقال، عن عكرمه، عن ابن عباس، عن النبي ص.

[و روى ابو هريرة عن النبي(ص)انه قال: خلق الله النور يوم الأربعاء،] حدثنى بذلك القاسم بن بشر و الحسين بن على، قالا: حدثنا حجاج بن محمد، عن ابن جريج، عن اسماعيل بن اميه، عن أيوب بن خالد، عن عبد الله بن رافع، عن ابى هريرة، عن النبي ص.

و اى ذلك كان، فقد خلق الله قبل خلقه إياهما خلقا كثيرا غيرهما، ثم خلقهما عز و جل لما هو اعلم به من مصلحه خلقه، فجعلهما دائبى الجرى، ثم فصل بينهما، فجعل إحداهما آيه الليل، و الاخرى آيه النهار، فمحا آيه الليل، و جعل آيه النهار مبصره و قد روى عن رسول الله(ص)في سبب اختلاف حالتي آيه الليل و آيه النهار اخبار انا ذاكر منها بعض ما حضرني ذكره و عن جماعه من السلف أيضا نحو ذلك.

فمما روى عن رسول الله(ص)في ذلك، ما حدثنى محمد بن ابى منصور الاملى، حدثنا خلف بن واصل، قال: حدثنا عمر بن‏

64

صبح ابو نعيم البلخى، عن مقاتل بن حيان، عن عبد الرحمن بن ابزى، عن ابى ذر الغفاري، قال: كنت آخذ بيد رسول الله(ص)و نحن نتماشى جميعا نحو المغرب، و قد طفلت الشمس، فما زلنا ننظر إليها حتى غابت، [قال: قلت: يا رسول الله، اين تغرب؟ قال: تغرب في السماء، ثم ترفع من سماء الى سماء حتى ترفع الى السماء السابعه العليا، حتى تكون تحت العرش، فتخر ساجده، فتسجد معها الملائكة الموكلون بها، ثم تقول: يا رب، من اين تأمرني ان اطلع، امن مغربى أم من مطلعي؟ قال: فذلك قوله عز و جل: «وَ الشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها» حيث تحبس تحت العرش، «ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ‏» قال: يعنى ب ذلك صنع الرب العزيز في ملكه العليم بخلقه قال: فيأتيها جبرئيل بحله ضوء من نور العرش، على مقادير ساعات النهار، في طوله في الصيف، او قصره في الشتاء، او ما بين ذلك في الخريف و الربيع قال: فتلبس تلك الحله كما يلبس احدكم ثيابه، ثم تنطلق بها في جو السماء حتى تطلع من مطلعها، قال النبي ص: فكأنها قد حبست مقدار ثلاث ليال ثم لا تكسى ضوءا، و تؤمر ان تطلع من مغربها، فذلك قوله عز و جل: «إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ‏».

قال: و القمر كذلك في مطلعه و مجراه في أفق السماء و مغربه و ارتفاعه الى السماء السابعه العليا، و محبسه تحت العرش و سجوده و استئذانه، و لكن جبرائيل(ع)يأتيه بالحلة من نور الكرسي قال: فذلك قوله عز و جل: «جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَ الْقَمَرَ نُوراً]» قال ابو ذر: ثم عدلت مع رسول الله ص‏

65

فصلينا المغرب فهذا الخبر عن رسول الله ينبئ ان سبب اختلاف حاله الشمس و القمر انما هو ان ضوء الشمس من كسوه كسيتها من ضوء العرش، و ان نور القمر من كسوه كسيها من نور الكرسي فاما الخبر الآخر الذى يدل على غير هذا المعنى، فما حدثنى محمد ابن ابى منصور، قال: حدثنا خلف بن واصل، قال: حدثنا ابو نعيم، عن مقاتل بن حيان، عن عكرمه قال: بينا ابن عباس ذات يوم جالس إذ جاءه رجل، فقال: يا بن عباس، سمعت العجب من كعب الحبر يذكر في الشمس و القمر قال: و كان متكئا فاحتفز ثم قال: و ما ذاك؟ قال: زعم انه يجاء بالشمس و القمر يوم القيامه كأنهما ثوران عقيران، فيقذفان في جهنم قال عكرمه: فطارت من ابن عباس شقه و وقعت اخرى غضبا، ثم قال: كذب كعب! كذب كعب! كذب كعب! ثلاث مرات، بل هذه يهودية يريد إدخالها في الاسلام، الله اجل و اكرم من ان يعذب على طاعته، ا لم تسمع لقول الله تبارك و تعالى: «وَ سَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ دائِبَيْنِ‏»، انما يعنى دءوبهما في الطاعة، فكيف يعذب عبدين يثنى عليهما، انهما دائبان في طاعته! قاتل الله هذا الحبر و قبح حبريته! ما أجراه على الله و اعظم فريته على هذين العبدين المطيعين لله! قال: ثم استرجع مرارا، و أخذ عويدا من الارض، فجعل ينكته في الارض، فظل كذلك ما شاء الله، ثم انه رفع راسه، و رمى بالعويد [فقال: الا احدثكم بما سمعت من رسول الله ص، يقول في الشمس و القمر و بدء خلقهما و مصير امرهما؟ فقلنا: بلى رحمك الله! فقال: ان رسول الله(ص)سئل عن ذلك، فقال: ان الله تبارك و تعالى لما ابرم خلقه احكاما فلم يبق من خلقه غير آدم خلق شمسين من نور عرشه، فاما ما كان في سابق علمه انه يدعها شمسا، فانه خلقها مثل الدنيا ما بين مشارقها و مغاربها،

66

و اما ما كان في سابق علمه انه يطمسها و يحولها قمرا، فانه دون الشمس في العظم، و لكن انما يرى صغرهما من شده ارتفاع السماء و بعدها من الارض.

قال: فلو ترك الله الشمسين كما كان خلقهما في بدء الأمر لم يكن يعرف الليل من النهار، و لا النهار من الليل، و كان لا يدرى الأجير الى متى يعمل، و متى يأخذ اجره و لا يدرى الصائم الى متى يصوم، و لا تدرى المرأة كيف تعتد، و لا يدرى المسلمون متى وقت الحج، و لا يدرى الديان متى تحل ديونهم، و لا يدرى الناس متى ينصرفون لمعايشهم، و متى يسكنون لراحة اجسادهم.

و كان الرب عز و جل انظر لعباده و ارحم بهم، فأرسل جبرئيل(ع)فامر جناحه على وجه القمر- و هو يومئذ شمس- ثلاث مرات، فطمس عنه الضوء، و بقي فيه النور، فذلك قوله عز و جل: «وَ جَعَلْنَا اللَّيْلَ وَ النَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَ جَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً» قال: فالسواد الذى ترونه في القمر شبه الخطوط فيه فهو اثر المحو ثم خلق الله للشمس عجله من ضوء نور العرش لها ثلاثمائة و ستون عروه، و وكل بالشمس و عجلتها ثلاثمائة و ستين ملكا من الملائكة من اهل السماء الدنيا، قد تعلق كل ملك منهم بعروة من تلك العرا، و وكل بالقمر و عجلته ثلاثمائة و ستين ملكا من الملائكة من اهل السماء، قد تعلق بكل عروه من تلك العرا ملك منهم.

ثم قال: و خلق الله لهما مشارق و مغارب في قطري الارض و كنفى السماء ثمانين و مائه عين في المغرب، طينه سوداء، فذلك قوله عز و جل: «وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ» انما يعنى حماه سوداء من طين، و ثمانين و مائه عين في‏

67

المشرق مثل ذلك طينه سوداء تفور غليا كغلي القدر إذا ما اشتد غليها قال:

فكل يوم و كل ليله لها مطلع جديد و مغرب جديد، ما بين أولها مطلعا، و آخرها مغربا اطول ما يكون النهار في الصيف الى آخرها مطلعا، و أولها مغربا اقصر ما يكون النهار في الشتاء، فذلك قوله تعالى: «رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَ رَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ‏» يعنى آخرها هاهنا و آخرها ثم، و ترك ما بين ذلك من المشارق و المغارب، ثم جمعهما فقال: «بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَ الْمَغارِبِ‏»، فذكر عده تلك العيون كلها.

قال: و خلق الله بحرا، فجرى دون السماء مقدار ثلاث فراسخ، و هو موج مكفوف قائم في الهواء بأمر الله عز و جل لا يقطر منه قطره، و البحار كلها.

ساكنه، و ذلك البحر جار في سرعه السهم ثم انطلاقه في الهواء مستويا، كأنه حبل ممدود ما بين المشرق و المغرب، فتجرى الشمس و القمر و الخنس في لجه غمر ذلك البحر، فذلك قوله تعالى: «كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ*»، و الفلك دوران العجله في لجه غمر ذلك البحر و الذى نفس محمد بيده، لو بدت الشمس من ذلك البحر لأحرقت كل شي‏ء في الارض، حتى الصخور و الحجاره، و لو بدا القمر من ذلك لافتتن اهل الارض حتى يعبدوه من دون الله، الا من شاء الله ان يعصم من اوليائه.

قال ابن عباس: فقال على بن ابى طالب رضى الله عنه: بابى أنت و أمي يا رسول الله! ذكرت مجرى الخنس مع الشمس و القمر، و قد اقسم الله بالخنس في القرآن الى ما كان من ذكرك، فما الخنس؟ قال: يا على، هن خمسه كواكب: البرجيس، و زحل، و عطارد، و بهرام، و الزهرة،

68

فهذه الكواكب الخمسة الطالعات الجاريات، مثل الشمس و القمر، العاديات معهما، فاما سائر الكواكب فمعلقات من السماء كتعليق القناديل من المساجد، و هي تحوم مع السماء دورانا بالتسبيح و التقديس و الصلاة لله، ثم قال النبي ص: فان احببتم ان تستبينوا ذلك، فانظروا الى دوران الفلك مره هاهنا و مره هاهنا، فذلك دوران السماء، و دوران الكواكب معها كلها سوى هذه الخمسة، و دورانها اليوم كما ترون، و تلك صلاتها، و دورانها الى يوم القيامه في سرعه دوران الرحا من اهوال يوم القيامه و زلازله، فذلك قوله عز و جل: «يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً وَ تَسِيرُ الْجِبالُ سَيْراً. فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ‏».

قال: فإذا طلعت الشمس فإنها تطلع من بعض تلك العيون على عجلتها و معها ثلاثمائة و ستون ملكا ناشرى اجنحتهم، يجرونها في الفلك بالتسبيح و التقديس و الصلاة لله على قدر ساعات الليل و ساعات النهار ليلا كان او نهارا، فإذا أحب الله ان يبتلى الشمس و القمر فيرى العباد آيه من الآيات فيستعتبهم رجوعا عن معصيته و إقبالا على طاعته، خرت الشمس من العجله فتقع في غمر ذلك البحر و هو الفلك، فإذا أحب الله ان يعظم الآية و يشدد تخويف العباد وقعت الشمس كلها فلا يبقى منها على العجله شي‏ء، فذلك حين يظلم النهار و تبدو النجوم، و هو المنتهى من كسوفها فإذا اراد ان يجعل آيه دون آيه وقع منها النصف او الثلث او الثلثان في الماء، و يبقى سائر ذلك على العجله، فهو كسوف دون كسوف، و بلاء للشمس او للقمر، و تخويف للعباد، و استعتاب من الرب عز و جل، فأي ذلك كان صارت الملائكة الموكلون بعجلتها فرقتين: فرقه منها يقبلون على الشمس فيجرونها نحو العجله، و الفرقة الاخرى‏

69

يقبلون على العجله فيجرونها نحو الشمس، و هم في ذلك يقرونها في الفلك بالتسبيح و التقديس و الصلاة لله على قدر ساعات النهار او ساعات الليل، ليلا كان او نهارا، في الصيف كان ذلك او في الشتاء، او ما بين ذلك في الخريف و الربيع، لكيلا يزيد في طولهما شي‏ء، و لكن قد الهمهم الله علم ذلك، و جعل لهم تلك القوه، و الذى ترون من خروج الشمس او القمر بعد الكسوف قليلا قليلا، من غمر ذلك البحر الذى يعلوهما، فإذا أخرجوها كلها اجتمعت الملائكة كلهم، فاحتملوها حتى يضعوها على العجله، فيحمدون الله على ما قواهم لذلك، و يتعلقون بعرا العجله، و يجرونها في الفلك بالتسبيح و التقديس و الصلاة لله حتى يبلغوا بها المغرب، فإذا بلغوا بها المغرب ادخلوها تلك العين، فتسقط من أفق السماء في العين.

ثم قال النبي ص، و عجب من خلق الله: و للعجب من القدره فيما لم نر اعجب من ذلك، و ذلك قول جبرئيل(ع)لساره:

«أَ تَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ‏» و ذلك ان الله عز و جل خلق مدينتين: إحداهما بالمشرق و الاخرى بالمغرب، اهل المدينة التي بالمشرق من بقايا عاد من نسل مؤمنيهم، و اهل التي بالمغرب من بقايا ثمود من نسل الذين آمنوا بصالح، اسم التي بالمشرق بالسريانية مرقيسيا و بالعربية جابلق و اسم التي بالمغرب بالسريانية برجيسيا و بالعربية جابرس و لكل مدينه منهما عشره آلاف باب، ما بين‏

70

كل بابين فرسخ، ينوب كل يوم على كل باب من أبواب هاتين المدينتين عشره آلاف رجل من الحراسة، عليهم السلاح، لا تنوبهم الحراسة بعد ذلك الى يوم ينفخ في الصور، فو الذى نفس محمد بيده، لو لا كثره هؤلاء القوم و ضجيج أصواتهم لسمع الناس من جميع اهل الدنيا هده وقعه الشمس حين تطلع و حين تغرب، و من ورائهم ثلاث امم: منسك، و تافيل، و تاريس، و من دونهم يأجوج و ماجوج.

و ان جبرئيل(ع)انطلق بي اليهم ليله اسرى بي من المسجد الحرام الى المسجد الأقصى، فدعوت يأجوج و ماجوج الى عباده الله عز و جل فأبوا ان يجيبوني، ثم انطلق بي الى اهل المدينتين، فدعوتهم الى دين الله عز و جل و الى عبادته فأجابوا و أنابوا، فهم في الدين إخواننا، من احسن منهم فهو مع محسنكم، و من أساء منهم فأولئك مع المسيئين منكم ثم انطلق بي الى الأمم الثلاث، فدعوتهم الى دين الله و الى عبادته فأنكروا ما دعوتهم اليه، فكفروا بالله عز و جل و كذبوا رسله، فهم مع يأجوج و ماجوج و سائر من عصى الله في النار، فإذا ما غربت الشمس رفع بها من سماء الى سماء في سرعه طيران الملائكة، حتى يبلغ بها الى السماء السابعه العليا، حتى تكون تحت العرش فتخر ساجده، و تسجد معها الملائكة الموكلون بها، فيحدر بها من سماء الى سماء، فإذا وصلت الى هذه السماء فذلك حين ينفجر الفجر، فإذا انحدرت من بعض تلك العيون، فذاك حين يضي‏ء الصبح، فإذا وصلت الى هذا الوجه من السماء فذاك حين يضي‏ء النهار.

قال: و جعل الله عند المشرق حجابا من الظلمه على البحر السابع، مقدار

71

عده الليالى منذ يوم خلق الله الدنيا الى يوم تصرم، فإذا كان عند الغروب اقبل ملك قد و كل بالليل فيقبض قبضه من ظلمه ذلك الحجاب، ثم يستقبل المغرب، فلا يزال يرسل من الظلمه من خلل اصابته قليلا قليلا و هو يراعى الشفق، فإذا غاب الشفق ارسل الظلمه كلها ثم ينشر جناحيه، فيبلغان قطري الارض و كنفى السماء، و يجاوزان ما شاء الله عز و جل خارجا في الهواء، فيسوق ظلمه الليل بجناحيه بالتسبيح و التقديس و الصلاة لله حتى يبلغ المغرب، فإذا بلغ المغرب انفجر الصبح من المشرق، فضم جناحيه، ثم يضم الظلمه بعضها الى بعض بكفيه، ثم يقبض عليها بكف واحده نحو قبضته إذا تناولها من الحجاب بالمشرق، فيضعها عند المغرب على البحر السابع من هناك ظلمه الليل فإذا ما نقل ذلك الحجاب من المشرق الى المغرب نفخ في الصور، و انقضت الدنيا، فضوء النهار من قبل المشرق، و ظلمه الليل من قبل ذلك الحجاب، فلا تزال الشمس و القمر كذلك من مطالعهما الى مغاربهما الى ارتفاعهما، الى السماء السابعه العليا، الى محبسهما تحت العرش، حتى ياتى الوقت الذى ضرب الله لتوبه العباد، فتكثر المعاصي في الارض و يذهب المعروف، فلا يأمر به احد، و يفشو المنكر فلا ينهى عنه احد.

فإذا كان ذلك حبست الشمس مقدار ليله تحت العرش، فكلما سجدت و استأذنت: من اين تطلع؟ لم يحر إليها جواب، حتى يوافيها القمر و يسجد معها، و يستأذن: من اين يطلع؟ فلا يحار اليه جواب، حتى يحبسهما مقدار ثلاث ليال للشمس، و ليلتين للقمر، فلا يعرف طول تلك الليلة الا المتهجدون في الارض، و هم حينئذ عصابه قليله في كل بلده من بلاد المسلمين، في هو ان من الناس و ذله من انفسهم، فينام احدهم تلك الليلة قدر ما كان ينام قبلها من الليالى، ثم يقوم فيتوضأ و يدخل مصلاه فيصلى و رده، كما كان يصلى‏

72

قبل ذلك، ثم يخرج فلا يرى الصبح، فينكر ذلك و يظن فيه الظنون من الشر ثم يقول: فلعلى خففت قراءتي، او قصرت صلاتي، او قمت قبل حينى!] [قال: ثم يعود أيضا فيصلى ورده كمثل ورده، الليلة الثانيه، ثم يخرج فلا يرى الصبح، فيزيده ذلك إنكارا، و يخالطه الخوف، و يظن في ذلك الظنون من الشر، ثم يقول: فلعلى خففت قراءتي، او قصرت صلاتي، او قمت من أول الليل! ثم يعود أيضا الثالثه و هو و جل مشفق لما يتوقع من هول تلك الليلة، فيصلى أيضا مثل ورده، الليلة الثالثه، ثم يخرج فإذا هو بالليل مكانه و النجوم قد استدارت و صارت الى مكانها من أول الليل فيشفق عند ذلك شفقه الخائف العارف بما كان يتوقع من هول تلك الليلة فيستلحمه الخوف، و يستخفه البكاء، ثم ينادى بعضهم بعضا، و قبل ذلك كانوا يتعارفون و يتواصلون، فيجتمع المتهجدون من اهل كل بلده الى مسجد من مساجدها، و يجارون الى الله عز و جل بالبكاء و الصراخ بقية تلك الليلة، و الغافلون في غفلتهم، حتى إذا ما تم لهما مقدار ثلاث ليال للشمس و للقمر ليلتين، أتاهما جبرئيل فيقول:

ان الرب عز و جل يأمر كما ان ترجعا الى مغاربكما فتطلعا منها، و انه لا ضوء لكما عندنا و لا نور قال: فيبكيان عند ذلك بكاء يسمعه اهل سبع سموات من دونهما و اهل سرادقات العرش و حمله العرش من فوقهما، فيبكون لبكائهما مع ما يخالطهم من خوف الموت، و خوف يوم القيامه.

قال: فبينا الناس ينتظرون طلوعهما من المشرق إذا هما قد طلعا خلف أقفيتهم من المغرب أسودين مكورين كالغرارتين، و لا ضوء للشمس و لا نور للقمر، مثلهما في كسوفهما قبل ذلك، فيتصايح اهل الدنيا و تذهل الأمهات عن أولادها، و الأحبة عن ثمره قلوبها، فتشتغل كل نفس بما أتاها قال:

فاما الصالحون و الأبرار فانه ينفعهم بكاؤهم يومئذ، و يكتب ذلك لهم عباده.

و اما الفاسقون و الفجار فانه لا ينفعهم بكاؤهم يومئذ، و يكتب ذلك عليهم خسارة قال: فيرتفعان مثل البعيرين القرينين، ينازع كل واحد منهما

73

صاحبه استباقا، حتى إذا بلغا سره السماء- و هو منصفها- أتاهما جبرئيل فاخذ بقرونهما ثم ردهما الى المغرب، فلا يغربهما في مغاربهما من تلك العيون، و لكن يغربهما في باب التوبة.

فقال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: انا و اهلى فداؤك يا رسول الله! فما باب التوبة؟ قال: يا عمر، خلق الله عز و جل بابا للتوبة خلف المغرب، مصراعين من ذهب، مكللا بالدر و الجوهر، ما بين المصراع الى المصراع الآخر مسيره اربعين عاما للراكب المسرع، فذلك الباب مفتوح منذ خلق الله خلقه الى صبيحة تلك الليلة عند طلوع الشمس و القمر من مغاربهما، و لم يتب عبد من عباد الله توبه نصوحا من لدن آدم الى صبيحة تلك الليلة الا و لجت تلك التوبة في ذلك الباب، ثم ترفع الى الله عز و جل قال معاذ بن جبل: بابى أنت و أمي يا رسول الله! و ما التوبة النصوح؟

قال: ان يندم المذنب على الذنب الذى اصابه فيعتذر الى الله ثم لا يعود اليه، كما لا يعود اللبن الى الضرع قال: فيرد جبرئيل بالمصراعين فيلام بينهما و يصيرهما كأنه لم يكن فيما بينهما صدع قط، فإذا اغلق باب التوبة لم يقبل بعد ذلك توبه، و لم ينفع بعد ذلك حسنه يعملها في الاسلام الا من كان قبل ذلك محسنا، فانه يجرى لهم و عليهم بعد ذلك ما كان يجرى قبل ذلك، قال فذلك قوله عز و جل: «يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً».

فقال ابى بن كعب: بابى أنت و أمي يا رسول الله! فكيف بالشمس و القمر بعد ذلك! و كيف بالناس و الدنيا! فقال: يا ابى، ان الشمس و القمر

74

بعد ذلك يكسيان النور و الضوء، و يطلعان على الناس و يغربان كما كانا قبل ذلك، و اما الناس فإنهم نظروا الى ما نظروا اليه من فظاعة الآية، فيلحون على الدنيا حتى يجروا فيها الانهار، و يغرسوا فيها الشجر، و يبنوا فيها البنيان و اما الدنيا فانه لو انتج رجل مهرا لم يركبه من لدن طلوع الشمس من مغربها الى يوم ينفخ في الصور.

فقال حذيفة بن اليمان: انا و اهلى فداؤك يا رسول الله! فكيف هم عند النفخ في الصور! فقال: يا حذيفة، و الذى نفس محمد بيده، لتقومن الساعة و لينفخن في الصور و الرجل قد لط حوضه فلا يسقى منه، و لتقومن الساعة و الثوب بين الرجلين فلا يطويانه، و لا يتبايعانه و لتقومن الساعة و الرجل قد رفع لقمته الى فيه فلا يطعمها، و لتقومن الساعة و الرجل قد انصرف بلبن لقحته من تحتها فلا يشربه، ثم تلا رسول الله(ص)هذه الآية: «وَ لَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ‏».

فإذا نفخ في الصور، و قامت الساعة، و ميز الله بين اهل الجنه و اهل النار و لما يدخلوهما بعد، إذ يدعو الله عز و جل بالشمس و القمر، فيجاء بهما أسودين مكورين قد وقعا في زلزال و بلبال، ترعد فرائصهما من هول ذلك اليوم و مخافه الرحمن، حتى إذا كانا حيال العرش خرا لله ساجدين، فيقولان: إلهنا قد علمت طاعتنا و دءوبنا في عبادتك، و سرعتنا للمضى في امرك ايام الدنيا، فلا تعذبنا بعباده المشركين إيانا، فانا لم ندع الى عبادتنا، و لم نذهل عن عبادتك! قال: فيقول الرب تبارك و تعالى: صدقتما، و انى قضيت على نفسي ان أبدئ و اعيد، و انى معيدكما فيما بداتكما منه، فارجعا الى ما خلقتما منه،

75

قالا: إلهنا، و مم خلقتنا؟ قال: خلقتكما من نور عرشي، فارجعا اليه قال:

فيلتمع من كل واحد منهما برقه تكاد تخطف الابصار نورا، فتختلط بنور العرش فذلك قوله عز و جل: «يُبْدِئُ وَ يُعِيدُ]».

قال عكرمه: فقمت مع النفر الذين حدثوا به، حتى أتينا كعبا فأخبرناه بما كان من وجد ابن عباس من حديثه، و بما حدث عن رسول الله ص، فقام كعب معنا حتى أتينا ابن عباس، فقال: قد بلغنى ما كان من وجدك من حديثي، و استغفر الله و اتوب اليه، و انى انما حدثت عن كتاب دارس قد تداولته الأيدي، و لا ادرى ما كان فيه من تبديل اليهود، و انك حدثت عن كتاب جديد حديث العهد بالرحمن عز و جل و عن سيد الأنبياء و خير النبيين، فانا أحب ان تحدثني الحديث فاحفظه عنك، فإذا حدثت به كان مكان حديثي الاول.

قال عكرمه: فاعاد عليه ابن عباس الحديث، و انا استقريه في قلبي بابا بابا، فما زاد شيئا و لا نقص، و لا قدم شيئا و لا اخر، فزادني ذلك في ابن عباس رغبه، و للحديث حفظا.

و مما روى عن السلف في ذلك ما حدثناه ابن حميد، قال:

حدثنا جرير، عن عبد العزيز بن رفيع، عن ابى الطفيل، قال: [قال ابن الكواء لعلى ع: يا امير المؤمنين، ما هذه اللطخه التي في القمر؟

فقال: ويحك! اما تقرا القرآن: «فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ‏»! فهذه محوه‏]

76

حدثنا ابو كريب، قال: حدثنا طلق، عن زائده، عن عاصم، عن على بن ربيعه، [قال: سال ابن الكواء عليا(ع)فقال:

ما هذا السواد في القمر؟ فقال على: «فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَ جَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً»، هو المحو].

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا إسرائيل، عن ابى إسحاق، عن عبيد بن عمير، قال: [كنت عند على ع، فسأله ابن الكواء عن السواد الذى في القمر فقال: ذاك آيه الليل محيت‏].

حدثنا ابن ابى الشوارب، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال:

حدثنا عمران بن حدير، عن رفيع، ابى كثيره، قال: [قال على بن ابى طالب رضى الله عنه: سلوا عما شئتم، فقام ابن الكواء فقال: ما السواد الذى في القمر؟ فقال: قاتلك الله! هلا سالت عن امر دينك و آخرتك! ثم قال:

ذاك محو الليل‏].

حدثنا زكرياء بن يحيى بن ابان المصرى، قال: حدثنا ابن عفير، قال: حدثنا ابن لهيعة، عن حيي بن عبد الله، عن ابى عبد الرحمن، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، [ان رجلا قال لعلى رضى الله عنه: ما السواد الذى في القمر؟ قال: ان الله يقول: «وَ جَعَلْنَا اللَّيْلَ وَ النَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَ جَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً]».

حدثنى محمد بن سعد، قال: حدثنى ابى، قال: حدثنى‏

9

عمى‏

9

، قال: حدثنى ابى، عن‏

9

ابيه، عن ابن عباس، قوله: «وَ جَعَلْنَا

77

اللَّيْلَ وَ النَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ‏»، قال: هو السواد بالليل.

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا حجاج، عن ابن جريج قال: قال ابن عباس: كان القمر يضي‏ء كما تضي‏ء الشمس، و القمر آيه الليل، و الشمس آيه النهار، «فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ‏»، قال: السواد الذى في القمر، كذلك خلقه الله.

حدثنا القاسم، قال: حدثنى الحسين، قال: حدثنى حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: «وَ جَعَلْنَا اللَّيْلَ وَ النَّهارَ آيَتَيْنِ‏»، قال: ليلا و نهارا كذلك خلقهما الله عز و جل.

قال ابن جريج: و أخبرنا عبد الله بن كثير، قال: «فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَ جَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً»، قال: ظلمه الليل و سدف النهار.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا سعيد عن قتادة، قوله عز و جل: «وَ جَعَلْنَا اللَّيْلَ وَ النَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ‏»، كنا نحدث ان محو آيه الليل سواد القمر الذى فيه، «وَ جَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً»، منيره، و خلق الشمس انور من القمر و اعظم.

حدثنا محمد بن عمرو، قال: حدثنا ابو عاصم، قال: حدثنا عيسى و حدثنى الحارث، قال: حدثنا الحسن، قال: حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن ابى نجيح، عن مجاهد: «وَ جَعَلْنَا اللَّيْلَ وَ النَّهارَ آيَتَيْنِ‏»، قال: ليلا و نهارا، كذلك جعلهما الله عز و جل‏

78

قال ابو جعفر: و الصواب من القول في ذلك عندنا ان يقال: ان الله تعالى ذكره خلق شمس النهار و قمر الليل آيتين، فجعل آيه النهار التي هي الشمس مبصره يبصر بها، و محا آيه الليل التي هي القمر بالسواد الذى فيه.

و جائز ان يكون الله تعالى ذكره خلقهما شمسين من نور عرشه، ثم محا نور القمر بالليل على نحو ما قاله من ذكرنا قوله، فكان ذلك سبب اختلاف حالتيهما.

و جائز ان يكون اضاءه الشمس للكسوة التي تكساها من ضوء العرش، و نور القمر من الكسوة التي يكساها من نور الكرسي.

و لو صح سند احد الخبرين اللذين ذكرتهما لقلنا به، و لكن في أسانيدهما نظرا، فلم نستجز قطع القول بتصحيح ما فيهما من الخبر عن سبب اختلاف حال الشمس و القمر، غير انا بيقين نعلم ان الله عز و جل خالف بين صفتيهما في الإضاءة لما كان اعلم به من صلاح خلقه باختلاف أمريهما، فخالف بينهما، فجعل أحدهما مضيئا مبصرا به، و الآخر ممحو الضوء.

و انما ذكرنا قدر ما ذكرنا من امر الشمس و القمر في كتابنا هذا، و ان كنا قد أعرضنا عن ذكر كثير من امرهما و اخبارهما، مع اعراضنا عن ذكر بدء خلق الله السموات و الارض و صفه ذلك، و سائر ما تركنا ذكره من جميع خلق الله في هذا الكتاب، لان قصدنا في كتابنا هذا ذكر ما قدمنا الخبر عنه انا ذاكروه فيه من ذكر الازمنه و تاريخ الملوك و الأنبياء و الرسل، على ما قد شرطنا في أول هذا الكتاب، و كانت التاريخات و الازمنه انما توقت بالليالى و الأيام التي انما هي مقادير ساعات جرى الشمس و القمر في افلاكهما على ما قد ذكرنا في الاخبار التي رويناها عن رسول الله ص، و كان ما كان قبل‏

79

خلق الله عز ذكره إياهما من خلقه في غير اوقات و لا ساعات و لا ليل و لا نهار.

و إذ كنا قد بينا مقدار مده ما بين أول ابتداء الله عز و جل في إنشاء ما اراد انشاءه من خلقه الى حين فراغه من إنشاء جميعهم من سنى الدنيا و مده أزمانها بالشواهد التي استشهدنا بها من الآثار و الاخبار، و أتينا على القول في مده ما بعد ان فرغ من خلق جميعه الى فناء الجميع بالأدلة التي دللنا بها على صحه ذلك من الاخبار الوارده عن رسول الله(ص)و عن الصحابه و غيرهم من علماء الامه، و كان الغرض في كتابنا هذا ذكر ما قد بينا انا ذاكروه من تاريخ الملوك الجبابرة العاصية ربها عز و جل و المطيعه ربها منهم، و ازمان الرسل و الأنبياء، و كنا قد أتينا على ذكر ما به تصح التاريخات و تعرف به الأوقات و الساعات، و ذلك الشمس و القمر اللذان بأحدهما تدرك معرفه ساعات الليل و أوقاته، و بالآخر تدرك علم ساعات النهار و أوقاته فلنقل الان في أول من اعطاه الله ملكا، و انعم عليه فكفر نعمته، و جحد ربوبيته، و عتا على ربه و استكبر، فسلبه الله نعمته، و اخزاه و أذله ثم نتبعه ذكر من استن في ذلك سنته، و اقتفى فيه اثره، فاحل الله به نقمته و جعله من شيعته، و الحقه به في الخزي و الذل و نذكر من كان بازائه او بعده من الملوك المطيعه ربها المحموده آثارها، او من الرسل و الأنبياء ان شاء الله عز و جل.

فأولهم و امامهم في ذلك و رئيسهم و قائدهم فيه ابليس لعنه الله.

و كان الله عز و جل قد احسن خلقه و شرفه و كرمه و ملكه على سماء الدنيا و الارض فيما ذكر، و جعله مع ذلك من خزان الجنه، فاستكبر على ربه‏

80

و ادعى الربوبيه، و دعا من كان تحت يده فيما ذكر الى عبادته، فمسخه الله تعالى شيطانا رجيما، و شوه خلقه، و سلبه ما كان حوله، و لعنه و طرده عن سمواته في العاجل، ثم جعل مسكنه و مسكن اتباعه و شيعته في الآخرة نار جهنم، نعوذ بالله من غضبه، و من عمل يقرب من غضبه، و من الحور بعد الكور.

و نبدأ بذكر جمل من الاخبار الوارده عن السلف بما كان الله عز و جل اعطاه من الكرامه قبل استكباره عليه، و ادعائه ما لم يكن له ادعاؤه، ثم نتبع ذلك ما كان من الاحداث في ايام سلطانه و ملكه الى حين زوال ذلك عنه، و السبب الذى به زال عنه ما كان فيه من نعمه الله عليه، و جميل آلائه، و غير ذلك من أموره، ان شاء الله مختصرا

81

ذكر الاخبار الوارده بان ابليس كان له ملك السماء الدنيا و الارض و ما بين ذلك‏

حدثنا القاسم بن الحسن، قال: حدثنا الحسين بن داود، قال: حدثنى حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: كان ابليس من اشراف الملائكة و اكرمهم قبيله، و كان خازنا على الجنان، و كان له سلطان سماء الدنيا، و كان له سلطان الارض.

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنى حجاج، عن ابن جريج،

3

عن صالح مولى التوءمه و شريك بن ابى نمر- أحدهما او كلاهما- عن ابن عباس، قال: ان من الملائكة قبيله من الجن و كان ابليس منها، و كان يسوس ما بين السماء و الارض.

حدثنا موسى بن هارون الهمدانى، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا اسباط، عن السدى، في خبر ذكره عن ابى مالك، و عن ابى صالح عن ابن عباس، و عن مره الهمدانى عن ابن مسعود، و عن ناس من اصحاب النبي(ص)جعل ابليس على سماء الدنيا، و كان من قبيله من الملائكة يقال لهم الجن، و انما سموا الجن لانهم خزان الجنه، و كان ابليس مع ملكه خازنا.

حدثنى عبدان المروزى، حدثنى الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد قال: أخبرنا عبيد الله بن سليمان، قال: سمعت الضحاك ابن مزاحم يقول في قوله عز و جل: «فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِ‏»، قال: كان ابن عباس يقول: ان ابليس كان من اشرف الملائكة و اكرمهم‏

82

قبيله، و كان خازنا على الجنان، و كان له سلطان سماء الدنيا، و كان له سلطان الارض.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، قال: حدثنا المبارك بن مجاهد

9

ابو الأزهر، عن شريك بن عبد الله بن ابى نمر،

3

عن صالح مولى التوءمه، عن ابن عباس، قال: ان من الملائكة قبيلا يقال لهم الجن، فكان ابليس منهم، و كان يسوس ما بين السماء و الارض فعصى، فمسخه الله شيطانا رجيما

83

ذكر الخبر عن غمط عدو الله نعمه ربه و استكباره عليه و ادعائه الربوبيه‏

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنى حجاج، عن ابن جريج: «وَ مَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ‏» قال: قال، ابن جريج:

من يقل من الملائكة انى اله من دونه، فلم يقله الا ابليس، دعا الى عباده نفسه، فنزلت هذه الآية في ابليس.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: «وَ مَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ‏»، و انما كانت هذه الآية خاصه لعدو الله ابليس لما قال ما قال، لعنه الله و جعله رجيما، فقال: «فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ‏».

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: «وَ مَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ‏»، قال: هي خاصه لإبليس‏

84

القول في الاحداث التي كانت في ايام ملك ابليس و سلطانه و السبب الذى به هلك و ادعى الربوبيه‏

فمن الاحداث التي كانت في ملك عدو الله- إذ كان لله مطيعا- ما ذكر لنا عن ابن عباس في الخبر الذى حدثناه ابو كريب، قال:

حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عماره، عن ابى روق، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: كان ابليس من حي من احياء الملائكة يقال لهم: الجن خلقوا من نار السموم من بين الملائكة، قال: و كان اسمه الحارث، قال: و كان خازنا من خزان الجنه، قال: و خلقت الملائكة كلهم من نور غير هذا الحى، قال: و خلقت الجن الذين ذكروا في القرآن من مارج من نار، و هو لسان النار الذى يكون في طرفها إذا ألهبت، قال: و خلق الإنسان من طين، فأول من سكن الارض الجن فأفسدوا فيها و سفكوا الدماء، و قتل بعضهم بعضا، قال: فبعث الله اليهم ابليس في جند من الملائكة و هم هذا الحى الذين يقال لهم الجن، فقتلهم ابليس و من معه حي الحقهم بجزائر البحور و اطراف الجبال، فلما فعل ابليس ذلك اغتر في نفسه، و قال: قد صنعت شيئا لم يصنعه احد، قال: فاطلع الله على ذلك من قبله، و لم تطلع عليه الملائكة الذين كانوا معه.

حدثنى المثنى، قال: حدثنا إسحاق بن الحجاج، قال: حدثنا عبد الله بن ابى جعفر عن ابيه، عن الربيع بن انس، قال: ان الله خلق الملائكة يوم الأربعاء، و خلق الجن يوم الخميس، و خلق آدم يوم الجمعه، قال:

فكفر قوم من الجن، فكانت الملائكة تهبط اليهم في الارض فتقتلهم فكانت الدماء و كان الفساد في الارض‏

85

ذكر السبب الذى به هلك عدو الله و سولت له نفسه من اجله الاستكبار على ربه عز و جل‏

اختلف السلف من الصحابه و التابعين في ذلك، و قد ذكرنا احد الاقوال التي رويت في ذلك عن ابن عباس، و ذلك ما ذكر الضحاك عنه، انه لما قتل الجن الذين عصوا الله، و أفسدوا في الارض و شردهم، أعجبته نفسه و راى في نفسه ان له بذلك من الفضيلة ما ليس لغيره.

و القول الثانى من الاقوال المروية في ذلك عن ابن عباس، انه كان ملك سماء الدنيا و سائسها، و سائس ما بينها و بين الارض، و خازن الجنه، مع اجتهاده في العباده، فاعجب بنفسه، و راى ان له بذلك الفضل، فاستكبر على ربه عز و جل.

ذكر الرواية عنه بذلك:

حدثنا موسى بن هارون الهمدانى، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا اسباط، عن السدى، في خبر ذكره عن ابى مالك و عن ابى صالح، عن ابن عباس- و عن مره الهمدانى عن ابن مسعود- و عن ناس من اصحاب النبي ص، قال: لما فرغ الله عز و جل من خلق ما أحب استوى على العرش، فجعل ابليس على ملك سماء الدنيا و كان من قبيله من الملائكة يقال لهم الجن، و انما سموا الجن لانهم خزان الجنه، و كان ابليس مع ملكه خازنا، فوقع في صدره كبر، و قال: ما أعطاني الله هذا الا لمزيه، هكذا حدثنى موسى بن هارون‏

86

و حدثنى به احمد بن ابى خيثمة، عن عمرو بن حماد، قال:

لمزيه لي على الملائكة فلما وقع ذلك الكبر في نفسه اطلع الله عز و جل على ذلك منه، فقال الله للملائكة: «إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً».

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه بن الفضل، عن ابن إسحاق، عن خلاد بن عطاء، عن طاوس، عن ابن عباس، قال: كان ابليس قبل ان يركب المعصية من الملائكة اسمه عزازيل، و كان من سكان الارض، و كان من أشد الملائكة اجتهادا، و اكثرهم علما، فذلك الذى دعاه الى الكبر، و كان من حي يسمون جنا.

و حدثنا به ابن حميد مره اخرى، قال: حدثنا سلمه، عن ابن إسحاق، عن خلاد بن عطاء، عن طاوس- او مجاهد ابى الحجاج- عن ابن عباس و غيره بنحوه، الا انه قال: كان ملكا من الملائكة اسمه عزازيل، و كان من سكان الارض و عمارها، و كان سكان الارض فيهم يسمون الجن من بين الملائكة.

حدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا شيبان، قال: حدثنا سلام ابن مسكين، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، قال: كان ابليس رئيس ملائكة سماء الدنيا.

و القول الثالث من الاقوال المروية عنه انه كان يقول: السبب في ذلك انه كان من بقايا خلق خلقهم الله عز و جل، فأمرهم بأمر فأبوا طاعته.

ذكر الرواية عنه بذلك:

87

حدثنى محمد بن سنان القزاز، قال: حدثنا ابو عاصم، عن شبيب، عن عكرمه، عن ابن عباس، قال: ان الله خلق خلقا فقال: اسجدوا لادم، فقالوا: لا نفعل، قال: فبعث الله عليهم نارا تحرقهم، ثم خلق خلقا آخر فقال: انى خالق بشرا من طين فاسجدوا لادم، فأبوا، فبعث الله عليهم نارا فاحرقتهم، قال: ثم خلق هؤلاء فقال: الا تسجدوا لادم! قالوا: نعم، قال: و كان ابليس من أولئك الذين أبوا ان يسجدوا لادم.

و قال آخرون: بل السبب في ذلك انه كان من بقايا الجن الذين كانوا في الارض، فسفكوا فيها الدماء، و أفسدوا فيها، و عصوا ربهم، فقاتلتهم الملائكة.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا يحيى بن واضح، قال: حدثنا ابو سعيد اليحمدى اسماعيل بن ابراهيم، قال: حدثنى سوار بن الجعد اليحمدى، عن شهر بن حوشب، قوله: «كانَ مِنَ الْجِنِ‏»، قال:

كان ابليس من الجن الذين طردتهم الملائكة، فاسره بعض الملائكة فذهب به الى السماء.

حدثنى على بن الحسن، قال: حدثنى ابو نصر احمد بن محمد الخلال، قال: حدثنى سنيد بن داود، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن يحيى، عن موسى بن نمير و عثمان بن سعيد بن كامل، عن سعد ابن مسعود، قال: كانت الملائكة تقاتل الجن فسبى ابليس، و كان صغيرا، و كان مع الملائكة يتعبد معهم، فلما أمروا ان يسجدوا لادم سجدوا و ابى ابليس، فلذلك قال الله عز و جل: «إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِ‏»

88

قال ابو جعفر: و اولى الاقوال في ذلك عندي بالصواب ان يقال كما قال الله عز و جل: «وَ إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ‏»، و جائز ان يكون فسوقه عن امر ربه كان من اجل انه كان من الجن، و جائز ان يكون من اجل إعجابه بنفسه لشدة اجتهاده كان في عباده ربه، و كثره علمه، و ما كان اوتى من ملك السماء الدنيا و الارض و خزن الجنان و جائز ان يكون كان لغير ذلك من الأمور، و لا يدرك علم ذلك الا بخبر تقوم به الحجه، و لا خبر في ذلك عندنا كذلك، و الاختلاف في امره على ما حكينا و رويناه.

و قد قيل: ان سبب هلاكه كان من اجل ان الارض كان فيها قبل آدم الجن، فبعث الله ابليس قاضيا يقضى بينهم، فلم يزل يقضى بينهم بالحق الف سنه حتى سمى حكما، و سماه الله به، و اوحى اليه اسمه، فعند ذلك دخله الكبر، فتعظم و تكبر، و القى بين الذين كان الله بعثه اليهم حكما الباس و العداوة و البغضاء، فاقتتلوا عند ذلك في الارض الفى سنه فيما زعموا، حتى ان خيولهم تخوض في دمائهم، قالوا: و ذلك قول الله تبارك و تعالى: «أَ فَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ»، و قول الملائكة: «أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ»! فبعث الله تعالى عند ذلك نارا فاحرقتهم قالوا:

فلما راى ابليس ما نزل بقومه من العذاب عرج الى السماء، فأقام عند الملائكة يعبد الله في السماء مجتهدا لم يعبده شي‏ء من خلقه مثل عبادته، فلم يزل مجتهدا في العباده حتى خلق الله آدم، فكان من امره و معصيته ربه ما كان‏

89

القول في خلق آدم ع‏

و كان مما حدث في ايام سلطانه و ملكه خلق الله تعالى ذكره أبانا آدم أبا البشر، و ذلك لما اراد جل جلاله ان يطلع ملائكته على ما قد علم من انطواء ابليس على الكبر و لم يعلمه الملائكة، و اراد اظهار امره لهم حين دنا امره للبوار، و ملكه و سلطانه للزوال، فقال عز ذكره لما اراد ذلك للملائكة: «إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً»، فأجابوه بان قالوا له: «أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ»! فروى عن ابن عباس ان الملائكة قالت ذلك كذلك للذين قد كانوا عهدوا من امر الجن الذين كانوا سكان الارض قبل ذلك، فقالوا لربهم جل ثناؤه لما قال لهم: «إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً» ا تجعل فيها من يكون فيها مثل الجن الذين كانوا فيها، فكانوا يسفكون فيها الدماء و يفسدون فيها و يعصونك، و نحن نسبح بحمدك و نقدس لك، فقال الرب تعالى ذكره لهم: «إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ‏»، يقول: اعلم ما لا تعلمون من انطواء ابليس على التكبر، و عزمه على خلافه امرى، و تسويل نفسه له الباطل و اغتراره، و انا مبد ذلك لكم منه لتروا ذلك منه عيانا.

و قيل اقوال كثيره في ذلك، قد حكينا منها جملا في كتابنا المسمى:

جامع البيان عن تاويل آي القرآن، فكرهنا اطاله الكتاب بذكر ذلك في هذا الموضع.

فلما اراد الله عز و جل ان يخلق آدم(ع)امر بتربته ان تؤخذ من الارض، كما حدثنا ابو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا

90

بشر بن عماره، عن ابى روق، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: ثم امر- يعنى الرب تبارك و تعالى بتربه آدم فرفعت، فخلق الله آدم من طين لا رب- و اللازب اللزج الطيب- من حما مسنون، منتن، قال:

و انما كان حما مسنونا بعد التراب، قال: فخلق منه آدم بيده.

حدثنى موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال:

حدثنا اسباط، عن السدى- في خبر ذكره- عن ابى مالك و عن ابى صالح، عن ابن عباس- و عن مره الهمدانى، عن ابن مسعود- و عن ناس من اصحاب النبي ص، قال: قالت الملائكة: «أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ‏» يعنى من شان ابليس، فبعث الله جبرئيل(ع)الى الارض ليأتيه بطين منها، فقالت الارض: انى اعوذ بالله منك ان تنقص منى شيئا و تشينى، فرجع و لم يأخذ، و قال: يا رب انها عاذت بك فاعذتها، فبعث ميكائيل فعاذت منه فاعاذها فرجع، فقال كما قال جبرئيل، فبعث ملك الموت فعاذت منه، فاعاذها فرجع، فقال كما قال جبرئيل، فبعث ملك الموت فعاذت منه، فقال: و انا اعوذ بالله ان ارجع، و لم انفذ امره، فاخذ من وجه الارض، و خلط فلم يأخذ من مكان واحد، و أخذ من تربه حمراء و بيضاء و سوداء، فلذلك خرج بنو آدم مختلفين، فصعد به فبل التراب حتى عاد طينا لازبا- و اللازب هو الذى يلتزق بعضه ببعض- ثم ترك حتى تغير و انتن، و ذلك حين يقول: «مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ*»، قال: منتن.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا يعقوب القمي، عن جعفر بن ابى المغيره، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: بعث رب العزه عز و جل ابليس، فاخذ من اديم الارض، من عذبها و ملحها، فخلق منه آدم،

91

و من ثم سمى آدم، لأنه خلق من اديم الارض، و من ثم قال ابليس:

«أَ أَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً»، اى هذه الطينة انا جئت بها.

حدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا ابو داود، قال: حدثنا شعبه، عن ابى حصين، عن سعيد بن جبير، قال: انما سمى آدم لأنه خلق من اديم الارض حدثنى احمد بن إسحاق الأهوازي، قال: حدثنا ابو احمد، قال:

حدثنا مسعر، عن ابى حصين، عن سعيد بن جبير، قال: خلق آدم من اديم الارض فسمى آدم.

حدثنى احمد بن إسحاق، قال: حدثنا ابو احمد، قال: حدثنا عمرو بن ثابت، عن ابيه، عن جده، [عن على رضى الله عنه، قال:

ان آدم خلق من اديم الارض، فيه الطيب و الصالح و الردي‏ء، فكل ذلك أنت راء في ولده الصالح و الردي‏ء].

حدثنى يعقوب بن ابراهيم، قال: حدثنا ابن عليه، عن عوف- و حدثنا محمد بن بشار و عمر بن شبه، قالا: حدثنا يحيى بن سعيد، قال:

حدثنا عوف و حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا ابن ابى عدى و محمد بن جعفر و عبد الوهاب الثقفى، قالوا: حدثنا عوف و حدثنى محمد بن عماره الأسدي، قال: حدثنا اسماعيل بن ابان، قال: حدثنا عنبسة، عن عوف الأعرابي- عن قسامه بن زهير، عن ابى موسى الأشعري، قال: [قال رسول الله ص: ان الله خلق آدم من قبضه قبضها من جميع الارض، فجاء بنو آدم على قدر الارض، جاء منهم الأحمر، و الأسود، و الأبيض، و بين ذلك و السهل، و الحزن، و الخبيث، و الطيب، ثم بلت طينته حتى صارت طينا لازبا، ثم تركت حتى صارت حما مسنونا، ثم تركت حتى صارت صلصالا

92

كما قال الله تعالى: «وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ‏]».

و حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا يحيى بن سعيد و عبد الرحمن بن مهدى، قالا: حدثنا سفيان، عن الاعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: خلق آدم من ثلاثة: من صلصال، و من حما، و من طين لازب فاما اللازب فالجيد، و اما الحما فالحمئه، و اما الصلصال فالتراب المدقق، و يعنى تعالى ذكره بقوله: «مِنْ صَلْصالٍ*»، من طين يابس له صلصله، و الصلصلة: الصوت.

و ذكر ان الله تعالى ذكره لما خمر طينه آدم تركها اربعين ليله، و قيل اربعين عاما جسدا ملقى.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عماره، عن ابى روق، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال:

امر الله تبارك و تعالى بتربه آدم فرفعت، فخلق آدم من طين لازب من حما مسنون قال: و انما كان حما مسنونا بعد التراب، قال: فخلق منه آدم بيده، قال: فمكث اربعين ليله جسدا ملقى، فكان ابليس يأتيه فيضربه برجله، فيصلصل فيصوت، قال: فهو قول الله تبارك و تعالى: «مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ»، يقول: كالشي‏ء المنفرج الذى ليس بمصمت، قال: ثم يدخل في فيه و يخرج من دبره، و يدخل في دبره و يخرج من فيه، ثم يقول:

لست شيئا للصلصله، و لشي‏ء ما خلقت، و لئن سلطت عليك لاهلكنك، و لئن سلطت على لاعصينك‏

93

حدثنى موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا اسباط، عن السدى- في خبر ذكره- عن ابى مالك و عن ابى صالح، عن ابن عباس- و عن مره الهمدانى عن ابن مسعود- و عن ناس من اصحاب رسول الله ص، قال الله للملائكة: «إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ. فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ‏»، فخلقه الله عز و جل بيديه لكيلا يتكبر ابليس عنه ليقول حين يتكبر: تتكبر عما عملت بيدي و لم اتكبر انا عنه! فخلقه بشرا، فكان جسدا من طين اربعين سنه من مقدار يوم الجمعه، فمرت به الملائكة ففزعوا منه لما راوه، و كان اشدهم فزعا ابليس، فكان يمر به فيضربه فيصوت الجسد كما يصوت الفخار تكون له صلصله، فذلك حين يقول: «مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ»، و يقول: لامر ما خلقت و دخل من فيه و خرج من دبره، فقال للملائكة: لا ترهبوا من هذا، فان ربكم صمد و هذا اجوف، لئن سلطت عليه لاهلكنه.

و حدثنا عن الحسن بن بلال، قال: حدثنا حماد بن سلمه، عن سليمان التيمى، عن ابى عثمان النهدي، عن سلمان الفارسي، قال: خمر الله تعالى طينه آدم(ع)اربعين يوما، ثم جمعه بيديه، فخرج طيبه بيمينه، و خبيثة بشماله، ثم مسح يديه إحداهما على الاخرى، فخلط بعضه ببعض، فمن ثم يخرج الطيب من الخبيث، و الخبيث من الطيب.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، عن ابن إسحاق، قال:

يقال- و الله اعلم: خلق الله آدم، ثم وضعه ينظر اليه اربعين يوما قبل ان ينفخ فيه الروح، حتى عاد صلصالا كالفخار، و لم تمسه نار، قال: فلما

94

مضى له من المده ما مضى و هو طين صلصال كالفخار، و اراد عز و جل ان ينفخ فيه الروح، تقدم الى الملائكة فقال لهم: إذا نفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين.

فلما نفخ فيه الروح اتته الروح من قبل راسه، فيما ذكر عن السلف قبلنا انهم قالوه.

ذكر من قال ذلك:

حدثنى موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا اسباط، عن السدى- في خبر ذكره- عن ابى مالك و عن ابى صالح، عن ابن عباس- و عن مره الهمدانى، عن ابن مسعود- و عن ناس من اصحاب النبي ص: فلما بلغ الحين الذى اراد الله عز و جل ان ينفخ فيه الروح قال للملائكة: إذا نفخت فيه من روحي فاسجدوا له، فلما نفخ فيه الروح فدخل الروح، في راسه عطس، فقالت الملائكة: قل الحمد لله، فقال: الحمد لله، فقال الله عز و جل له: رحمك ربك فلما دخل الروح في عينيه نظر الى ثمار الجنه، فلما دخل في جوفه اشتهى الطعام، فوثب قبل ان تبلغ الروح رجليه عجلان الى ثمار الجنه، فذلك حين يقول: «خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ‏»، «فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى‏ أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ‏»، «أَبى‏ وَ اسْتَكْبَرَ وَ كانَ مِنَ الْكافِرِينَ‏»، فقال الله له: «ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ‏» لما خلقت بيدي، قال:

انا خير منه، لم أكن لاسجد لبشر خلقته من طين، قال الله له:

«فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ»- يعنى ما ينبغى لك- «أَنْ تَتَكَبَّرَ

95

فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ‏»، و الصغار الذل.

حدثنا ابو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عماره، عن ابى روق، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: فلما نفخ الله عز و جل فيه- يعنى في آدم- من روحه أتت النفخه من قبل راسه، فجعل لا يجرى شي‏ء منها في جسده الا صار لحما و دما، فلما انتهت النفخه الى سرته نظر الى جسده فاعجبه ما راى من حسنه، فذهب لينهض فلم يقدر، فهو قول الله عز و جل «خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ‏»، قال: ضجرا لا صبر له على سراء و لا ضراء، قال: فلما تمت النفخه في جسده عطس فقال: الحمد لله رب العالمين، بالهام الله، فقال: يرحمك الله يا آدم، ثم قال للملائكة الذين كانوا مع ابليس خاصه دون الملائكة الذين في السموات: اسجدوا لادم، فسجدوا كلهم أجمعون الا ابليس ابى و استكبر، لما كان حدث به نفسه من كبره و اغتراره، فقال: لا اسجد، و انا خير منه و اكبر سنا، و اقوى خلقا، «خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ*»، يقول: ان النار اقوى من الطين، قال: فلما ابى ابليس ان يسجد ابلسه الله تعالى، أيأسه من الخير كله، و جعله شيطانا رجيما عقوبة لمعصيته.

حدثنا ابن حميد، قال، حدثنا سلمه، عن محمد بن إسحاق، قال:

فيقال- و الله اعلم-: انه لما انتهى الروح الى راسه عطس فقال: الحمد لله، قال: فقال له ربه: يرحمك ربك، و وقعت الملائكة حين استوى سجودا له، حفظا لعهد الله الذى عهد اليهم، و طاعه لأمره الذى امرهم به، و قام عدو الله ابليس من بينهم، فلم يسجد متكبرا متعظما بغيا و حسدا، فقال:

«يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ» الى قوله: «لَأَمْلَأَنَ‏

96

جَهَنَّمَ مِنْكَ وَ مِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ‏»، قال: فلما فرغ الله تعالى من ابليس و معاتبته و ابى الا المعصية اوقع الله تعالى عليه اللعنه، و اخرجه من الجنه.

حدثنى محمد بن خلف، قال: حدثنا آدم بن ابى اياس، قال:

حدثنا ابو خالد سليمان بن حيان، قال: حدثنى محمد بن عمرو، عن ابى سلمه، عن ابى هريرة، عن النبي،(ع)قال ابو خالد: و حدثنى الاعمش عن ابى صالح، عن ابى هريرة، عن النبي(ص)قال ابو خالد:

و حدثنى داود بن ابى هند عن الشعبى، عن ابى هريرة عن النبي(ص)قال ابو خالد: و حدثنى ابن ابى ذباب الدوسي، قال: حدثنى سعيد المقبري، و يزيد بن هرمز عن ابى هريرة، [عن النبي(ص)انه قال: خلق الله عز و جل آدم بيده، و نفخ فيه من روحه، و امر الملا من الملائكة فسجدوا له، فجلس فعطس فقال: الحمد لله، فقال له ربه: يرحمك ربك، ايت أولئك الملا من الملائكة فقل لهم: السلام عليكم فأتاهم فقال: السلام عليكم، فقالوا له: و عليك السلام و (رحمه الله)، ثم رجع الى ربه عز و جل فقال له: هذه تحيتك و تحيه ذريتك بينهم فلما اظهر ابليس من نفسه ما كان له مخفيا فيها من الكبر و المعصية لربه، و كانت الملائكة قد قالت لربها عز و جل حين قال لهم: انى جاعل في الارض خليفه: ا تجعل فيها من يفسد فيها و يسفك الدماء و نحن نسبح بحمدك و نقدس لك فقال لهم ربهم:

انى اعلم ما لا تعلمون، تبين لهم ما كان عنهم مستترا، و علموا ان فيهم من منه المعصية لله عز و جل و الخلاف لأمره‏].

ثم علم الله عز و جل آدم الأسماء كلها و اختلف السلف من اهل العلم قبلنا في الأسماء التي علمها آدم: أ خاصا من الأسماء علم، اما عاما؟

فقال بعضهم: علم اسم كل شي‏ء

97

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر ابن عماره، عن ابى روق، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: «علم الله تعالى‏ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها»، و هي هذه الأسماء التي يتعارف بها الناس:

انسان، و دابه، و ارض، و سهل، و بحر، و جبل، و حمار، و اشباه ذلك من الأمم و غيرها.

حدثنى احمد بن إسحاق الأهوازي، قال: حدثنا ابو احمد، حدثنا شريك، عن عاصم بن كليب، عن الحسن بن سعد، عن ابن عباس، في قوله: «وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها»، قال: علمه اسم كل شي‏ء، حتى الفسوه و الفسية.

حدثنى على بن الحسن، حدثنا مسلم الجرمي، قال: حدثنا محمد بن مصعب، عن قيس بن الربيع، عن عاصم بن كليب، عن سعيد بن معبد، عن ابن عباس في قول الله عز و جل: «وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها» قال:

علمه اسم كل شي‏ء حتى الهنة و الهنية، و الفسوه و الضرطة.

حدثنا محمد بن عمرو، قال: حدثنا ابو عاصم، قال: حدثنا عيسى ابن ميمون، عن ابن ابى نجيح، عن مجاهد، في قول الله عز و جل:

«وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها» قال: ما خلق الله تعالى كله.

حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا ابى، عن سفيان، عن خصيف، عن مجاهد: «وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها» قال: علمه اسم كل شي‏ء

98

حدثنا سفيان، قال: حدثنا ابى، عن شريك، عن سالم الافطس، عن سعيد بن جبير، قال: علمه اسم كل شي‏ء، حتى البعير، و البقره، و الشاه.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله عز و جل: «وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها»، قال: علمه اسم كل شي‏ء: هذا جبل، و هذا بحر، و هذا كذا، و هذا كذا، لكل شي‏ء، ثم عرضهم على الملائكة، فقال: «أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ‏».

حدثنا بشر بن معاذ، حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة، قوله عز و جل: و «عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها» حتى بلغ‏ «إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ‏»، قال: يا آدم انبئهم باسمائهم، فانبا كل صنف من الخلق باسمه، و الجاه الى جنسه.

حدثنا القاسم بن الحسن، قال: حدثنا الحسين بن داود

9

، قال: حدثنا حجاج، عن جرير بن حازم و مبارك، عن الحسن و ابى بكر، عن الحسن و قتادة، قالا: علمه اسم كل شي‏ء، هذه الخيل، و هذه البغال، و الإبل، و الجن، و الوحش، و جعل يسمى كل شي‏ء برسمه.

و قال آخرون: بل انما علم اسما خاصا من الأسماء، قالوا: و الذى علمه أسماء الملائكة.

ذكر من قال ذلك:

99

حدثنى عبده المروزى، قال: حدثنا عمار بن الحسن، قال: حدثنا عبد الله بن ابى جعفر، عن ابيه، عن الربيع، قوله تعالى: «وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها»، قال: أسماء الملائكة.

و قال آخرون مثل قول هؤلاء في ان الذى علم آدم من الأسماء اسما خاصا من الأشياء، غير انهم قالوا: الذى علم من ذلك أسماء ذريته.

ذكر من قال ذلك:

حدثنى يونس، قال: حدثنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله عز و جل: «وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها»، قال: أسماء ذريته، فلما «علم الله‏ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها» عرض الله عز و جل اهل الأسماء على الملائكة، فقال لهم: «أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ‏»، و انما قال ذلك عز و جل للملائكة- فيما ذكر- لقولهم إذ قال لهم: «إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً»: «أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ‏» فعرض- بعد ان خلق آدم(ع)و نفخ فيه الروح، و علمه أسماء كل شي‏ء- مما خلق من الخلق- عليهم، فقال لهم:

«أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ‏» انى ان جعلت منكم خليفتي في الارض أطعتموني و سبحتموني و قدستموني و لم تعصوني، و ان جعلته من غيركم افسد فيها و سفك، فإنكم ان لم تعلموا ما اسماؤهم و أنتم مشاهدوهم و معاينوهم، فأنتم بالا تعلموا ما يكون من امركم- ان جعلت خليفتي في الارض منكم، او من غيركم ان جعلته من غيركم، فهم عن أبصاركم غيب لا ترونهم و لا تعاينونهم، و لم تخبروا بما هو كائن منكم و منهم- احرى‏

100

و هذا قول روى عن جماعه من السلف.

ذكر بعض من روى ذلك عنه:

حدثنى موسى بن هارون، قال: حدثنى عمرو بن حماد، قال:

حدثنا اسباط، عن السدى- في خبر ذكره- عن ابى مالك و عن ابى صالح، عن ابن عباس- و عن مره الهمدانى، عن عبد الله بن مسعود- و عن ناس من اصحاب النبي ص: «إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ‏» ان بنى آدم يفسدون في الارض و يسفكون الدماء.

حدثنا ابو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عماره، عن ابى روق، عن الضحاك، عن ابن عباس:

«إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ‏»، ان كنتم تعلمون لم اجعل في الارض خليفه.

و قد قيل: ان الله جل جلاله قال ذلك للملائكة لأنه جل جلاله لما ابتدأ في خلق آدم قالوا فيما بينهم: ليخلق ربنا ما شاء ان يخلق، فلن يخلق خلقا الا كنا اعلم منه، و اكرم عليه منه، فلما خلق آدم(ع)و علمه أسماء كل شي‏ء عرض الأشياء التي علم آدم أسمائها عليهم، فقال لهم: «أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ‏» في قيلكم: ان الله لم يخلق خلقا الا كنتم اعلم منه، و اكرم عليه منه.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال:

حدثنا سعيد، عن قتادة: قوله: «وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً، فاستشار الملائكة في خلق آدم(ع)ف قالُوا: «أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ»، و قد علمت الملائكة من علم الله انه لا شي‏ء اكره الى الله عز و جل من سفك الدماء و الفساد في الارض،

101

«وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ‏»، فكان في علم الله عز و جل انه سيكون من تلك الخليقة أنبياء و رسل و قوم صالحون و ساكنو الجنه.

قال: و ذكر لنا ان ابن عباس كان يقول: ان الله تعالى لما أخذ في خلق آدم قالت الملائكة: ما الله تعالى بخالق خلقا اكرم عليه منا، و لا اعلم منا، فابتلوا بخلق آدم ع- و كل خلق مبتلى، كما ابتليت السموات و الارض بالطاعة- فقال الله تعالى: «ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ‏».

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين بن داود، قال: حدثنى حجاج، عن جرير بن حازم، و مبارك عن الحسن و ابى بكر عن الحسن و قتادة قالا: قال الله عز و جل للملائكة: «إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً» قال لهم: انى فاعل، فعرضوا برأيهم، فعلمهم علما و طوى منهم علما علمه لا يعلمونه، فقالوا بالعلم الذى علمهم: «أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ»- و قد كانت الملائكة علمت من علم الله تعالى انه لا ذنب عند الله تعالى اعظم من سفك الدماء- «وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ‏»، فلما أخذ تعالى في خلق آدم(ع)همست الملائكة فيما بينهم، فقالوا: ليخلق ربنا عز و جل ما شاء ان يخلق، فلن يخلق خلقا الا كنا اعلم منه، و اكرم عليه منه، فلما خلقه و نفخ فيه من روحه امرهم ان يسجدوا له لما قالوا، ففضله عليهم، فعلموا انهم ليسوا بخير منه، فقالوا:

ان لم نكن خيرا منه، فنحن اعلم منه، لأنا كنا قبله، و خلقت الأمم قبله،

102

فلما أعجبوا بعلمهم ابتلوا، «فعلم‏ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ: أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ، إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ‏» انى لم اخلق خلقا الا كنتم اعلم منه، فأخبروني بأسماء هؤلاء ان كنتم صادقين قالا: ففزع القوم الى التوبة، و إليها يفزع كل مؤمن، فقالوا: «سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ أَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ‏» لقولهم: ليخلق ربنا ما شاء، فلن يخلق خلقا اكرم عليه منا، و لا اعلم منا، قال: علمه اسم كل شي‏ء:

هذه الخيل، و هذه البغال، و الإبل، و الجن، و الوحش، و جعل يسمى كل شي‏ء باسمه، و عرضت عليه أمه أمه، قال: «أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ أَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ‏»، قال:

اما ما ابدوا فقولهم: «أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ»، و اما ما كتموا فقولهم بعضهم لبعض: نحن خير منه و اعلم.

حدثنا عمار بن الحسن، قال: حدثنا عبد الله بن ابى جعفر، عن ابيه، عن الربيع بن انس: «ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ‏» الى قوله: «إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ‏»، قال: و ذلك حين قالوا: «أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ» الى قوله‏ «وَ نُقَدِّسُ لَكَ‏» قال: فلما عرفوا انه جاعل في الارض خليفه قالوا بينهم: لن يخلق الله تعالى خلقا الا كنا نحن اعلم منه و اكرم عليه، فاراد الله تعالى ان يخبرهم انه قد فضل عليهم آدم، و علمه الأسماء كلها، و قال‏