تاريخ الأمم و الملوك‏‏‏ - ج1

- ابن جرير الطبري المزيد...
632 /
103

للملائكة: «أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» الى‏ «وَ أَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ»، فكان الذى ابدوا حين‏ قالُوا: «أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ»، و كان الذى كتموا بينهم قولهم: لن يخلق ربنا خلقا الا كنا نحن اعلم منه و اكرم، فعرفوا ان الله عز و جل فضل عليهم آدم في العلم و الكرم.

فلما ظهر للملائكة من استكبار ابليس ما ظهر، و من خلافه امر ربه ما كان مستترا عنهم من ذلك، عاتبه ربه على ما اظهر من معصيته اياه بتركه السجود لادم، فأصر على معصيته، و اقام على غيه و طغيانه- لعنه الله- فاخرجه من الجنه، و طرده منها، و سلبه ما كان أتاه من ملك السماء الدنيا و الارض، و عزله عن خزن الجنه فقال له جل جلاله: «فَاخْرُجْ مِنْها»، يعنى من الجنه «فَإِنَّكَ رَجِيمٌ وَ إِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى‏ يَوْمِ الدِّينِ‏»، و هو بعد في السماء لم يهبط الى الارض.

و اسكن الله عز و جل حينئذ آدم جنته، كما حدثنى موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا اسباط، عن السدى- في خبر ذكره- عن ابى مالك و عن ابى صالح، عن ابن عباس- و عن مره الهمدانى عن ابن مسعود- و عن ناس من اصحاب رسول الله ص: فاخرج ابليس من الجنه حين لعن و اسكن آدم الجنه، فكان يمشى فيها وحشيا ليس له زوج يسكن إليها، فنام نومه فاستيقظ، فإذا عند راسه امراه قاعده خلقها الله من ضلعه، فسألها: ما أنت؟ قالت: امراه، قال: و لم خلقت؟ قالت:

104

لتسكن الى، قالت له الملائكة ينظرون ما بلغ علمه: ما اسمها يا آدم؟

قال: حواء، قالوا: لم سميت حواء؟ قال: لأنها خلقت من شي‏ء حي، فقال الله تعالى: «يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَ زَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَ كُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما».

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، عن ابن إسحاق، قال: لما فرغ الله تعالى من معاتبه ابليس اقبل على آدم(ع)و قد علمه الأسماء كلها، فقال: «يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ» الى‏ «وَ أَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ‏»، قال: ثم القى السنه على آدم- فيما بلغنا عن اهل الكتاب من اهل التوراة و غيرهم من اهل العلم- عن عبد الله بن العباس و غيره، ثم أخذ ضلعا من أضلاعه من شقه الأيسر، و لام مكانها لحما، و آدم(ع)نائم لم يهب من نومته، حتى خلق الله تعالى من ضلعه تلك زوجه حواء، فسواها امراه ليسكن إليها، فلما كشف عنه السنه وهب من نومته رآها الى جنبه، فقال- فيما يزعمون و الله اعلم: لحمى و دمى و زوجتي، فسكن إليها، فلما زوجه الله عز و جل و جعل له سكنا من نفسه، قال له قبلا: «يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَ زَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَ كُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَ لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ‏».

حدثنا محمد بن عمرو، قال: حدثنا ابو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن ابى نجيح، عن مجاهد في قوله عز و جل: «وَ خَلَقَ مِنْها

105

زَوْجَها» قال: حواء من قصيرى آدم، و هو ناعم فاستيقظ فقال:

اثا بالنبطية، امراه.

حدثنا المثنى، قال: حدثنا ابو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن ابى نجيح، عن مجاهد مثله.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: «وَ خَلَقَ مِنْها زَوْجَها»، يعنى حواء، خلقت من آدم من ضلع من أضلاعه‏

106

القول في ذكر امتحان الله تعالى أبانا آدم ع‏

و ابتلائه اياه بما امتحنه به من طاعته، و ذكر ركوب آدم معصية ربه بعد الذى كان اعطاه من كرامته و شريف المنزله عنده، و مكنه في جنته من رغد العيش و هنيئة، و ما أزال ذلك عنه، فصار من نعيم الجنه و لذيذ رغد العيش الى نكد عيش اهل الارض و علاج الحراثة و العمل بالمساحي و الزراعة فيها.

فلما اسكن الله عز و جل آدم(ع)و زوجه اطلق لهما ان يأكلا كل ما شاء اكله من كل ما فيها من ثمارها، غير ثمر شجره واحده ابتلاء منه لهما بذلك، و ليمضى قضاء الله فيهما و في ذريتهما، كما قال عز و جل:

«وَ قُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَ زَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَ كُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَ لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ‏»، فوسوس لهما الشيطان حتى زين لهما اكل ما نهاهما ربهما عن اكله من ثمر تلك الشجرة، و حسن لهما معصية الله في ذلك، حتى اكلا منها، فبدت لهما من سوآتهما ما كان موارى عنهما منها فكان وصول عدو الله ابليس الى تزيين ذلك لهما ما ذكر في الخبر الذى حدثنى موسى بن هارون الهمدانى، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا اسباط، عن السدى- في خبر ذكره- عن ابى مالك و عن ابى صالح، عن ابن عباس- و عن مره الهمدانى، عن ابن مسعود- و عن اناس من اصحاب النبي ص، قال: لما قال الله عز و جل لادم:

«اسْكُنْ أَنْتَ وَ زَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَ كُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَ لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ‏»، اراد ابليس ان يدخل عليهما الجنه‏

107

فمنعه الخزنه، فاتى الحيه، و هي دابه لها اربع قوائم، كأنها البعير، و هي كأحسن الدواب فكلمها ان تدخله في فمها حتى تدخل به الى آدم، فادخلته في فمها، فمرت الحيه على الخزنه فدخلت و هم لا يعلمون، لما اراد الله عز و جل من الأمر، فكلمه من فمها و لم يبال كلامه، فخرج اليه فقال: «يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى‏ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَ مُلْكٍ لا يَبْلى‏»، يقول: هل ادلك على شجره ان اكلت منها كنت ملكا مثل الله تبارك و تعالى او تكونا من الخالدين فلا تموتان ابدا و حلف لهما بالله انى لكما لمن الناصحين، و انما اراد بذلك ان يبدى لهما ما توارى عنهما من سوءاتهما بهتك لباسهما، و كان قد علم ان لهما سوءه لما كان يقرا من كتب الملائكة، و لم يكن آدم يعلم ذلك، و كان لباسهما الظفر، فأبى آدم ان يأكل منها، فتقدمت حواء فاكلت، ثم قالت: يا آدم كل، فانى قد اكلت، فلم يضرني، فلما اكل بدت‏ لَهُما سَوْآتُهُما، وَ طَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ».

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، عن ابن إسحاق، عن ليث ابن ابى سليم، عن طاوس اليماني، عن ابن عباس، قال: ان عدو الله ابليس عرض نفسه على دواب الارض: ايها تحمله حتى تدخل به الجنه حتى يكلم آدم و زوجه، فكل الدواب ابى ذلك عليه، حتى كلم الحيه، فقال لها: امنعك من بنى آدم، فأنت في ذمتي ان أنت أدخلتني الجنه، فجعلته بين نابين من أنيابها ثم دخلت به، فكلمهما من فمها و كانت كاسيه تمشى على اربع قوائم، فأعراها الله تعالى و جعلها تمشى على بطنها، قال: يقول ابن عباس:

اقتلوها حيث وجدتموها، و اخفروا ذمه عدو الله فيها

108

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا عمر بن عبد الرحمن بن مهرب، قال: سمعت وهب بن منبه يقول:

لما اسكن الله تعالى آدم و زوجته الجنه، و نهاه عن الشجرة، و كانت شجره غصونها متشعب بعضها في بعض، و كان لها ثمر تأكله الملائكة لخلدهم، و هي الثمره التي نهى الله عنها آدم و زوجته، فلما اراد ابليس ان يستزلهما دخل في جوف الحيه، و كان للحية اربع قوائم، كأنها بختيه من احسن دابه خلقها الله تعالى، فلما دخلت الحيه الجنه خرج من جوفها ابليس، فاخذ من الشجرة التي نهى الله عنها آدم و زوجته، فجاء بها الى حواء، فقال:

انظري الى هذه الشجرة، ما اطيب ريحها، و اطيب طعمها، و احسن لونها! فأخذت حواء فاكلت منها، ثم ذهبت بها الى آدم، فقالت: انظر الى هذه الشجرة ما اطيب ريحها، و اطيب طعمها، و احسن لونها! فأكل منها آدم، فبدت لهما سوآتهما، فدخل آدم في جوف الشجرة، فناداه ربه: يا آدم، اين أنت؟ قال: انا هذا يا رب، قال: ا لا تخرج؟ قال: استحى منك يا رب، قال: ملعونه الارض التي خلقت منها لعنه حتى يتحول ثمارها شوكا! قال: و لم يكن في الجنه و لا في الارض شجره كانت افضل من الطلح و السدر.

ثم قال: يا حواء، أنت التي غررت عبدى، فإنك لا تحملين حملا الا حملته كرها، فإذا اردت ان تضعي ما في بطنك اشرفت على الموت مرارا و قال للحية: أنت التي دخل الملعون في بطنك حتى غر عبدى، ملعونه أنت لعنه حتى تتحول قوائمك في بطنك، و لا يكن لك رزق الا التراب، أنت عدوه بنى آدم و هم اعداؤك، حيث لقيت أحدا منهم أخذت بعقبه، و حيث لقيك شدخ راسك‏

109

قيل لوهب: و ما كانت الملائكة تاكل؟ قال: يفعل الله ما يشاء.

حدثنا القاسم بن الحسن، قال: حدثنا الحسين بن داود، قال: حدثنى حجاج، عن ابى معشر، عن محمد بن قيس، قال: نهى الله تعالى آدم و حواء ان يأكلا من شجره واحده في الجنه، و يأكلا منها رغدا حيث شاءا، فجاء الشيطان فدخل في جوف الحيه، فكلم حواء، و وسوس الى آدم فقال: «ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ وَ قاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ‏» قال: فقطعت حواء الشجرة فدميت الشجرة، و سقط عنهما رياشهما الذى كان عليهما، «وَ طَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَ ناداهُما رَبُّهُما أَ لَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَ أَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ‏» لم أكلتها و قد نهيتك عنها؟ قال: يا رب أطعمتني حواء، قال لحواء: لم اطعمته؟ قالت:

أمرتني الحيه، قال للحية: لم أمرتها؟ قالت: أمرني ابليس، قال: ملعون مدحور! اما أنت يا حواء، فكما ادميت الشجرة تدمين في كل هلال، و اما أنت يا حيه، فاقطع قوائمك فتمشين جريا على وجهك، و سيشدخ راسك من لقيك بالحجر، اهبطوا بعضكم لبعض عدو.

حدثت عن عمار بن الحسن، قال: حدثنا عبد الله بن ابى جعفر، عن ابيه، عن الربيع، قال: حدثنى محدث ان الشيطان دخل الجنه في صوره دابه ذات قوائم، فكان يرى انه البعير، قال: فلعن فسقطت قوائمه فصار حيه.

حدثت عن عمار، قال: حدثنا عبد الله بن ابى جعفر، عن‏

110

ابيه، عن الربيع قال: و حدثنى ابو العاليه، قال: ان من الإبل ما كان أولها من الجن قال: فابيحت له الجنه كلها- يعنى آدم- الا الشجرة، و قيل لهما: «لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ‏»، قال: فاتى الشيطان حواء فبدا بها، فقال: نهيتما عن شي‏ء؟ قالت: نعم، عن هذه الشجرة، فقال:

«ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ‏» قال: فبدت حواء فاكلت منها، ثم امرت آدم فأكل منها قال: و كانت شجره، من اكل منها احدث، قال: و لا ينبغى ان يكون في الجنه حدث، قال: «فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ‏»، قال: فاخرج آدم من الجنه.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، قال: حدثنا محمد بن إسحاق، عن بعض اهل العلم ان آدم(ع)حين دخل الجنه و راى ما فيها من الكرامه، و ما اعطاه الله منها، قال: لو انا خلدنا! فاغتمز فيها منه الشيطان لما سمعها منه، فأتاه من قبل الخلد.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، عن ابن إسحاق، قال:

حدثت ان أول ما ابتدأهما به من كيده إياهما انه ناح عليهما نياحه احزنتهما حين سمعاها، فقالا له: ما يبكيك؟ قال: ابكى عليكما،

111

تموتان فتفارقان ما أنتما فيه من النعمه و الكرامه فوقع ذلك في أنفسهما، ثم أتاهما فوسوس إليهما، فقال: يا آدم هل ادلك على شجره الخلد و ملك لا يبلى؟ و قال: «ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ وَ قاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ‏»، اى تكونان ملكين او تخلدان، اى ان لم تكونا ملكين في نعمه الجنه فلا تموتان يقول الله عز و جل: «فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ».

حدثنى يونس، قال أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله سبحانه و تعالى: «فَوَسْوَسَ‏»: وسوس الشيطان الى حواء في الشجرة حتى اتى بها إليها، ثم حسنتها في عين آدم، قال: فدعاها آدم لحاجته، قالت:

لا: الا ان تأتي هاهنا، فلما اتى قالت: لا، الا ان تاكل من هذه الشجرة، قال: فأكلا منها، فبدت لهما سوءاتهما قال: و ذهب آدم هاربا في الجنه، فناداه ربه: يا آدم، امنى تفر؟ قال: لا يا رب، و لكن حياء منك، قال: يا آدم، انى اتيت؟ قال: من قبل حواء يا رب، فقال الله عز و جل: فان لها على ان ادميها في كل شهر مره، كما ادمت هذه الشجرة، و ان اجعلها سفيهه، و قد كنت خلقتها حليمه، و ان اجعلها تحمل كرها و تضع كرها، و قد كنت جعلتها تحمل يسرا و تضع يسرا قال ابن زيد: و لو لا البليه التي اصابت حواء لكان نساء اهل الدنيا لا يحضن، و لكن حليمات، و لكن يحملن يسرا،.

و يضعن يسرا.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن سعيد بن المسيب، قال: سمعته يحلف بالله ما يستثنى: ما اكل آدم من الشجرة و هو يعقل، و لكن حواء سقته‏

112

الخمر حتى إذا سكر قادته إليها، فأكل منها فلما واقع آدم و حواء الخطيئة، أخرجهما الله تعالى من الجنه و سلبهما ما كانا فيه من النعمه و الكرامه، و أهبطهما و عدوهما ابليس و الحيه الى الارض، فقال لهم ربهم: اهبطوا بعضكم لبعض عدو.

و كالذي قلنا في ذلك قال السلف من اهل العلم.

حدثنى يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: حدثنا عبد الرحمن ابن مهدى، عن إسرائيل، عن اسماعيل السدى، قال: حدثنى من سمع ابن عباس يقول: «اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ»، قال: آدم و حواء و ابليس و الحيه.

حدثنا سفيان بن وكيع، و موسى بن هارون، قالا: حدثنا عمرو ابن حماد، عن اسباط، عن السدى- في خبر ذكره- عن ابى مالك و عن ابى صالح، عن ابن عباس- و عن مره الهمدانى، عن ابن مسعود- و عن ناس من اصحاب رسول الله ص: «اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ»، فلعن الحيه فقطع قوائمها، و تركها تمشى على بطنها، و جعل رزقها من التراب، و اهبط الى الارض آدم و حواء و ابليس و الحيه.

حدثنى محمد بن عمرو، قال: حدثنا ابو عاصم، قال: حدثنا عيسى بن ميمون، عن ابن ابى نجيح، عن مجاهد، في قول الله عز و جل:

«اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ»، قال: آدم و حواء و ابليس و الحيه‏

113

القول في قدر مكث آدم في الجنه و وقت خلق الله عز و جل اياه و وقت إهباطه اياه من السماء الى الارض‏

قد تظاهرت الاخبار عن رسول الله(ص)بان الله عز و جل خلق آدم(ع)يوم الجمعه، و انه اخرجه فيه من الجنه، و أهبطه الى الارض فيه، و انه فيه تاب عليه، و فيه قبضه.

ذكر الاخبار عن رسول الله(ص)بذلك:

حدثنى عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: حدثنا على بن معبد، قال: حدثنا عبيد الله بن عمرو، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن عمرو بن شرحبيل عن سعيد بن سعد بن عباده، عن سعد بن عباده، [عن رسول الله ص، قال: ان في الجمعه خمس خلال: فيه خلق آدم، و فيه اهبط الى الارض، و فيه توفى الله آدم، و فيه ساعه لا يسال العبد فيها ربه شيئا الا اعطاه الله اياه، ما لم يسال إثما او قطيعه، و فيه: تقوم الساعة، و ما من ملك مقرب و لا سماء و لا جبل و لا ارض و لا ريح، الا مشفق من يوم الجمعه‏].

حدثنى محمد بن بشار و محمد بن معمر، قالا: حدثنا ابو عامر، حدثنا زهير بن محمد، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن عبد الرحمن بن يزيد الأنصاري، عن ابى لبابه بن عبد المنذر، [ان النبي(ص)قال: سيد الأيام يوم الجمعه، و أعظمها و اعظم عند الله من يوم الفطر و يوم النحر، و فيه خمس خلال: خلق الله تعالى فيه آدم، و أهبطه فيه الى الارض، و فيه توفى الله تعالى آدم، و فيه ساعه لا يسال الله العبد شيئا الا اعطاه اياه ما لم يكن حراما و فيه تقوم الساعة، ما من ملك مقرب و لا سماء و لا ارض و لا جبال و لا رياح و لا بحر الا و هو مشفق من يوم الجمعه، ان تقوم فيه الساعة].

و اللفظ لحديث ابن بشار

114

حدثنا محمد بن معمر، قال: حدثنا ابو عامر، قال: حدثنا زهير ابن محمد، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن عمرو بن شرحبيل بن سعيد بن سعد بن عباده، عن ابيه، عن جده، عن سعد بن عباده، [ان رجلا اتى النبي ص، فقال: يا رسول الله، أخبرنا عن يوم الجمعه، ما ذا فيه من الخير؟ فقال: فيه خلق آدم، و فيه اهبط آدم، و فيه توفى آدم، و فيه ساعه لا يسال العبد فيها شيئا الا اعطاه الله اياه، ما لم يسال مأثما او قطيعه، و فيه تقوم الساعة، ما من ملك مقرب و لا سماء و لا ارض و لا جبال و لا ريح الا هن يشفقن من يوم الجمعه‏].

حدثنى عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: حدثنا ابو زرعه، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن الاعرج، انه سمع أبا هريرة يقول: [قال رسول الله ص: خير يوم طلعت الشمس عليه يوم الجمعه، فيه خلق آدم، و فيه ادخل الجنه و اخرج منها].

حدثنى بحر بن نصر، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني ابن ابى الزناد، عن ابيه، عن موسى بن ابى عثمان، عن ابى هريرة، قال: [قال رسول الله ص: سيد الأيام يوم الجمعه، فيه خلق آدم، و فيه ادخل الجنه، و فيه اخرج منها، و لا تقوم الساعة الا يوم الجمعه‏].

حدثنا الربيع بن سليمان، قال: حدثنا شعيب بن الليث، قال: حدثنا الليث بن سعد، عن جعفر بن ربيعه، عن عبد الرحمن بن هرمز، انه قال: سمعت أبا هريرة يقول: [قال رسول الله ص: لم تطلع الشمس على يوم مثل يوم الجمعه، فيه خلق آدم، و فيه اخرج من الجنه، و فيه اعيد فيها].

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير، عن منصور و مغيره، عن زياد بن كليب ابى معشر، عن ابراهيم، عن القرثع الضبي- و كان القرثع‏

115

من القراء الأولين- قال: [قال سلمان: قال لي رسول الله ص:

يا سلمان، ا تدرى ما يوم الجمعه؟ قلت: الله و رسوله اعلم، يقولها ثلاثا:

يا سلمان، ا تدرى ما يوم الجمعه؟ فيه جمع ابوك، او أبوكم‏].

حدثنى محمد بن عماره الأسدي، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى قال: أخبرنا شيبان، عن يحيى، عن ابى سلمه، انه سمع أبا هريرة يحدث انه سمع كعبا يقول: خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعه، فيه خلق آدم ع، و فيه دخل الجنه، و فيه اخرج منها، و فيه تقوم الساعة.

حدثنى الحسين بن يزيد الادمى، قال: حدثنا روح بن عباده، قال: حدثنا زكرياء بن إسحاق، عن عمرو بن دينار، عن عبيد بن عمير، قال: ان أول يوم طلعت فيه شمسه يوم الجمعه، و هو افضل الأيام: فيه خلق الله تعالى ذكره آدم، خلقه على مثل صورته، فلما فرغ عطس آدم فالقى الله تعالى عليه الحمد، فقال الله: يرحمك ربك.

حدثنا ابو كريب، قال: حدثنا إسحاق بن منصور، عن ابى كدينه، عن مغيره، عن زياد، عن ابراهيم، عن علقمه، عن القرثع، [عن سلمان، قال: قال رسول الله ص: ا تدرى ما يوم الجمعه؟

هو يوم جمع فيه ابوك، او أبوكم آدم ع‏].

حدثنا ابو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، عن ابى الأحوص، عن مغيره، عن ابراهيم، عن علقمه، قال: [قال سلمان قال لي رسول الله ص: يا سلمان، ا تدرى ما يوم الجمعه؟ مرتين او ثلاثا، قال: هو اليوم الذى جمع فيه أبوكم آدم، او جمع فيه أبوكم‏].

حدثنا ابو كريب، قال: حدثنا حسن بن عطية، قال: حدثنا قيس، عن الاعمش، عن ابراهيم عن القرثع، [عن سلمان، قال: قال‏

116

رسول الله ص: ا تدرى ما الجمعه؟ او قال: كذا، فيها جمع أبوكم آدم‏].

حدثنا محمد بن على بن الحسن بن شقيق، قال: سمعت ابى يقول:

أخبرنا ابو حمزه، عن منصور، عن ابراهيم، عن القرثع، [عن سلمان، قال: قال لي رسول الله ص: ا تدرى ما يوم الجمعه؟ قلت: لا، قال: فيه جمع ابوك‏]

117

ذكر الوقت الذى فيه خلق آدم(ع)من يوم الجمعه و الوقت الذى اهبط الى الارض‏

اختلف في ذلك، فروى عن عبد الله بن سلام و غيره في ذلك ما حدثنا ابو كريب، قال: حدثنا ابن ادريس، قال: أخبرنا محمد بن عمرو، عن ابى سلمه، عن ابى هريرة، قال: [قال رسول الله ص:

خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعه، فيه خلق آدم، و فيه اسكن الجنه، و فيه اهبط، و فيه تقوم الساعة، و فيه ساعه- يقللها- لا يوافقها عبد مسلم يسال الله تعالى فيها خيرا الا آتاه الله اياه،] فقال عبد الله بن سلام: قد علمت اى ساعه هي، هي آخر ساعات النهار من يوم الجمعه، قال الله عز و جل:

«خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ‏».

حدثنا ابو كريب، قال: حدثنا المحاربى و عبده بن سليمان و اسد بن عمرو، عن محمد بن عمرو، قال: حدثنا ابو سلمه، عن ابى هريرة، عن النبي(ص)نحوه، و ذكر فيه كلام عبد الله بن سلام بنحوه.

حدثنا محمد بن عمرو، قال: حدثنا ابو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن ابى نجيح، عن مجاهد في قوله عز و جل: «خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ‏»، قال: قول آدم حين خلق بعد كل شي‏ء آخر النهار من يوم الجمعه، خلق الخلق، فلما أحيا الروح عينيه و لسانه و راسه و لم يبلغ اسفله، قال: يا رب استعجل بخلقي قبل غروب الشمس‏

118

حدثنى الحارث، قال: حدثنا الحسن، قال: حدثنا ورقاء، عن ابن ابى نجيح، عن مجاهد مثله.

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا حجاج، عن ابن جريج، قال: قال مجاهد: «خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ‏»، قال: آدم حين خلق بعد كل شي‏ء، ثم ذكره نحوه، غير انه قال في حديثه: استعجل بخلقي، قد غربت الشمس.

حدثنى يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله:

«خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ‏»، قال: على عجل خلق آدم آخر ذلك اليوم من ذينك اليومين- يريد يوم الجمعه- و خلقه على عجله و جعله عجولا.

و قد زعم بعضهم ان الله عز و جل اسكن آدم و زوجته الفردوس لساعتين مضتا من نهار يوم الجمعه، و قيل لثلاث ساعات مضين منه، و أهبطه الى الارض لسبع ساعات مضين من ذلك اليوم، فكان مقدار مكثهما في الجنه خمس ساعات منه و قيل: كان ذلك ثلاث ساعات و قال بعضهم: اخرج آدم(ع)من الجنه الساعة التاسعه او العاشره ذكر من قال ذلك:

قال ابو جعفر: قرات على عبدان بن محمد المروزى، قال: حدثنا عمار بن الحسن، قال: حدثنا عبد الله بن ابى جعفر، عن ابيه، عن الربيع، عن انس عن ابى العاليه، قال: اخرج آدم من الجنه للساعة التاسعه او العاشره، فقال لي: نعم، لخمسه ايام مضين من نيسان.

فان كان قائل هذا القول اراد الله ان تبارك و تعالى اسكن آدم و زوجته الفردوس لساعتين مضتا من نهار يوم الجمعه من ايام اهل الدنيا التي هي على‏

119

ما هي به اليوم، فلم يبعد قوله من الصواب في ذلك، لان الاخبار إذا كانت وارده عن السلف من اهل العلم، بان آدم خلق في آخر ساعه من اليوم السادس من الأيام التي مقدار اليوم الواحد منها الف سنه من سنيننا فمعلوم ان الساعة الواحدة من ساعات ذلك اليوم ثلاثة و ثمانون عاما من اعوامنا، و قد ذكرنا ان آدم بعد ان خمر ربنا عز و جل طينته بقي قبل ان ينفخ فيه الروح اربعين عاما، و ذلك لا شك انه عنى به من اعوامنا و سنيننا، ثم من بعد ان نفخ فيه الروح الى ان تناهى امره، و اسكن الفردوس، و اهبط الى الارض- غير مستنكر ان يكون كان مقداره من سنيننا قدر خمس و ثلاثين سنه فان كان اراد انه اسكن الفردوس لساعتين مضتا من نهار يوم الجمعه من الأيام التي مقدار اليوم الواحد منها الف سنه من سنيننا، فقد قال غير الحق، و ذلك ان جميع من حفظ له قول في ذلك من اهل العلم، فانه كان يقول ان آدم نفخ فيه الروح في آخر النهار من يوم الجمعه قبل غروب الشمس من ذلك اليوم ثم الاخبار عن رسول الله(ص)متظاهره بان الله تبارك و تعالى اسكنه الجنه فيه، و فيه أهبطه الى الارض فان كان ذلك صحيحا، فمعلوم ان آخر ساعه من نهار يوم من ايام الآخرة و من الأيام التي اليوم الواحد منها مقداره الف سنه من سنيننا، انما هي ساعه بعد مضى احدى عشره ساعه، و ذلك ساعه من اثنتى عشره ساعه، و هي ثلاث و ثمانون سنه و اربعه اشهر من سنيننا، فادم (صلوات الله عليه) إذ كان الأمر كذلك، انما خلق لمضى احدى عشره ساعه من نهار يوم الجمعه من الأيام التي اليوم الواحد منها الف سنه من سنيننا، فمكث جسدا ملقى لم ينفخ فيه الروح اربعين عاما من اعوامنا ثم نفخ فيه الروح فكان مكثه في السماء بعد ذلك و مقامه في الجنه، الى ان أصاب الخطيئة و اهبط الى الارض ثلاثا و اربعين سنه من سنيننا و اربعه اشهر، و ذلك ساعه من ساعات يوم من الأيام السته التي خلق الله تعالى فيها الخلق‏

120

و قد حدثنى الحارث بن محمد، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال:

حدثنا هشام بن محمد، قال: أخبرني ابى، عن ابى صالح، عن ابن عباس، قال: خرج آدم من الجنه بين الصلاتين: صلاه الظهر و صلاه العصر، فانزل الى الارض و كان مكثه في الجنه نصف يوم يوم من ايام الآخرة، و هو خمسمائة سنه، من يوم كان مقداره اثنتى عشره ساعه، و اليوم الف سنه مما يعد اهل الدنيا، و هذا أيضا قول خلاف ما وردت به الاخبار عن رسول الله ص، و عن السلف من علمائنا.

121

القول في الموضع الذى اهبط آدم و حواء اليه من الارض حين اهبطا إليها

ثم ان الله عز و جل اهبط آدم قبل غروب الشمس من اليوم الذى خلقه فيه- و ذلك يوم الجمعه- من السماء مع زوجته، و انزل آدم- فيما قال علماء سلف أمه نبينا ص- بالهند.

ذكر من حضرنا ذكره ممن قال ذلك منهم:

220- حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال:

أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: اهبط الله عز و جل آدم الى الارض، و كان مهبطه بأرض الهند.

حدثنا عمرو بن على، قال: حدثنا عمران بن عيينه، قال: أخبرنا عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: ان أول ما اهبط الله تعالى آدم أهبطه بدهنا ارض الهند.

حدثت عن عمار، قال: حدثنا عبد الله بن ابى جعفر، عن ابيه، عن الربيع بن انس، عن ابى العاليه، قال: اهبط آدم الى الهند.

حدثنى ابن سنان، قال: حدثنا الحجاج، قال: حدثنا حماد بن سلمه، عن على بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، قال:

[قال على بن ابى طالب ع: اطيب ارض في الارض ريحا ارض الهند، اهبط بها آدم، فعلق شجرها من ريح الجنه‏].

حدثنى الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: حدثنا هشام بن محمد، عن ابيه، عن ابى صالح، عن ابن عباس، قال: اهبط آدم بالهند، و حواء بجده، فجاء في طلبها حتى اجتمعا، فازدلفت اليه حواء، فلذلك‏

122

سميت المزدلفة، و تعارفا بعرفات، فلذلك سميت عرفات، و اجتمعا بجمع فلذلك سميت جمعا قال: و اهبط آدم على جبل بالهند يقال له بوذ.

حدثنا ابو همام، قال: حدثنى ابى، قال: حدثنا زياد بن خيثمة، عن ابى يحيى بائع القت، قال: قال لي مجاهد: لقد حدثنا عبد الله بن عباس ان آدم نزل حين نزل بالهند.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، عن ابن إسحاق، قال: و اما اهل التوراة فإنهم قالوا: اهبط آدم بالهند على جبل يقال له و اسم، عند و إذ يقال له بهيل بين الدهنج و المندل: بلدين بأرض الهند قالوا:

و اهبطت حواء بجده من ارض مكة.

و قال آخرون: بل اهبط آدم بسرنديب، على جبل يدعى بوذ، و حواء بجده من ارض مكة، و ابليس بميسان، و الحيه بأصبهان و قد قيل: اهبطت الحيه بالبرية، و ابليس بساحل بحر الأيلة.

و هذا مما لا يوصل الى علم صحته الا بخبر يجي‏ء مجي‏ء الحجه، و لا يعلم خبر في ذلك ورد كذلك، غير ما ورد من خبر هبوط آدم بأرض الهند، فان ذلك مما لا يدفع صحته علماء الاسلام و اهل التوراة و الانجيل، و الحجه قد ثبتت باخبار بعض هؤلاء و ذكر ان الجبل الذى اهبط عليه آدم(ع)ذروته من اقرب ذرا جبال الارض الى السماء، و ان آدم حين اهبط عليه كانت رجلاه عليه و راسه في السماء يسمع دعاء الملائكة و تسبيحهم، فكان آدم يانس بذلك، و كانت‏

123

الملائكة تهابه، فنقص من طول آدم لذلك.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا هشام بن حسان، عن سوار ختن عطاء، عن عطاء بن ابى رباح، قال: لما اهبط الله عز و جل آدم من الجنه كان رجلاه في الارض، و راسه في السماء، يسمع كلام اهل السماء و دعاءهم، يانس اليهم، فهابته الملائكة حتى شكت الى الله تعالى في دعائها و في صلاتها، فخفضه الى الارض، فلما فقد ما كان يسمع منهم استوحش حتى شكا ذلك الى الله عز و جل في دعائه و في صلاته، فوجه الى مكة فصار موضع قدمه قريه، و خطوته مفازة، حتى انتهى الى مكة، و انزل الله تعالى ياقوته من ياقوت الجنه، فكانت على موضع البيت الان، فلم يزل يطوف به حتى انزل الله تعالى الطوفان، فرفعت تلك الياقوتة حتى بعث الله تعالى ابراهيم الخليل(ع)فبناه، فذلك قوله تعالى:

«وَ إِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ‏».

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: وضع الله تعالى البيت مع آدم، فكان راسه في السماء و رجلاه في الارض، فكانت الملائكة تهابه، فنقص الى ستين ذراعا، فحزن آدم إذ فقد أصوات الملائكة و تسبيحهم، فشكا ذلك الى الله، فقال الله: يا آدم، انى اهبطت لك بيتا تطوف به كما يطاف حول عرشي، و تصلى عنده كما يصلى عند عرشي فانطلق اليه آدم ع، فخرج و مد له في خطوه، فكان بين كل خطوه مفازة، فلم تزل تلك المفاوز بعد ذلك، فاتى آدم(ع)البيت، فطاف به و من بعده من الأنبياء

124

حدثنى الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: حدثنا هشام بن محمد، قال: أخبرني ابى، عن ابى صالح، عن ابن عباس، قال: لما حط من طول آدم(ع)الى ستين ذراعا أنشأ يقول: رب، كنت جارك في دارك، ليس لي رب غيرك، و لا رقيب دونك، آكل فيها رغدا، و اسكن حيث احببت، فاهبطتنى الى هذا الجبل المقدس، فكنت اسمع أصوات الملائكة، و اراهم كيف يحفون بعرشك، و أجد ريح الجنه و طيبها، ثم اهبطتنى الى الارض، و حططتنى الى ستين ذراعا، فقد انقطع عنى الصوت و النظر، و ذهب عنى ريح الجنه فأجابه الله عز و جل: لمعصيتك يا آدم فعلت ذلك بك فلما راى الله تعالى عرى آدم و حواء امره ان يذبح كبشا من الضان من الثمانية الأزواج التي انزل من الجنه، فاخذ كبشا فذبحه، ثم أخذ صوفه فغزلته حواء، و نسجه هو و حواء، فنسج آدم جبه لنفسه، و جعل لحواء درعا و خمارا، فلبسا ذلك، و اوحى الله تعالى الى آدم ان لي حرما بحيال عرشي، فانطلق فابن لي فيه بيتا، ثم حف به كما رايت ملائكى يحفون بعرشى، فهنالك استجيب لك و لولدك، من كان منهم في طاعتي، فقال آدم: اى رب، فكيف لي بذلك، لست اقوى عليه و لا اهتدى له! فقيض الله له ملكا، فانطلق به نحو مكة، فكان آدم إذا مر بروضه و مكان يعجبه قال للملك: انزل بنا هاهنا، فيقول له الملك: مكانك، حتى قدم مكة، فكان كل مكان نزل به صار عمرانا، و كل مكان تعداه صار مفاوز و قفارا، فبنى البيت من خمسه اجبل: من طور سيناء و طور زيتون و لبنان و الجودي، و بنى قواعده من حراء، فلما فرغ من بنائه خرج به الملك الى عرفات، فأراه المناسك كلها التي تفعلها الناس اليوم، ثم قدم به مكة، فطاف بالبيت أسبوعا، ثم رجع الى ارض الهند، فمات على بوذ

125

حدثنا ابو همام، قال: حدثنى ابى، قال: حدثنى زياد بن خيثمة، عن ابى يحيى بائع القت، قال: قال لي مجاهد: لقد حدثنى عبد الله ابن عباس ان آدم(ع)نزل حين نزل بالهند، و لقد حج منها اربعين حجه على رجليه، فقلت له: يا أبا الحجاج، الا كان يركب؟ قال: فأي شي‏ء كان يحمله! فو الله ان خطوه مسيره ثلاثة ايام، و ان كان راسه ليبلغ السماء، فاشتكت الملائكة نفسه، فهمزه الرحمن همزه، فتطأطأ مقدار اربعين سنه.

حدثنى صالح بن حرب ابو معمر مولى بنى هاشم، قال: حدثنا ثمامة بن عبيده السلمى، قال: أخبرنا ابو الزبير، قال: قال نافع:

سمعت ابن عمر، يقول: ان الله تعالى اوحى الى آدم(ع)و هو ببلاد الهند:

ان حج هذا البيت فحج آدم من بلاد الهند، فكان كلما وضع قدمه صار قريه، و ما بين خطوتيه مفازة، حتى انتهى الى البيت فطاف به، و قضى المناسك كلها، ثم اراد الرجوع الى بلاد الهند فمضى، حتى إذا كان بمأزمي عرفات، تلقته الملائكة، فقالوا: بر حجك يا آدم! فدخله من ذلك عجب، فلما رات الملائكة ذلك منه قالوا: يا آدم، انا قد حججنا هذا البيت قبل ان تخلق بألفي سنه، قال: فتقاصرت الى آدم نفسه.

و ذكر ان آدم(ع)اهبط الى الارض، و على راسه اكليل من شجر الجنه، فلما صار الى الارض، و يبس الاكليل، تحات ورقه فنبت منه انواع الطيب.

و قال بعضهم: بل كان ذلك ما اخبر الله عنهما، انهما جعلا يخصفان عليهما من ورق الجنه، فلما يبس ذلك الورق الذى خصفاه عليهما تحات فنبت من ذلك الورق انواع الطيب و الله اعلم‏

126

و قال آخرون: بل لما علم آدم ان الله عز و جل مهبطه الى الارض، جعل لا يمر بشجره من شجر الجنه الا أخذ غصنا من أغصانها، فهبط الى الارض و تلك الاغصان معه، فلما يبس ورقها تحات، فكان ذلك اصل الطيب.

ذكر من قال ذلك:

232- حدثنا ابو همام، قال: حدثنا ابى، قال: حدثنا زياد بن خيثمة، عن ابى يحيى بائع القت قال: قال لي مجاهد: لقد حدثنى عبد الله ابن عباس، ان آدم حين خرج من الجنه كان لا يمر بشي‏ء الا عبث به، فقيل للملائكة: دعوه فليتزود منها ما شاء، فنزل حين نزل بالهند، و ان هذا الطيب الذى يجاء به من الهند مما خرج به آدم من الجنه ذكر من قال: كان على راس آدم(ع)حين اهبط من الجنه اكليل من شجر الجنه:

حدثت عن عمار بن الحسن، قال: حدثنا عبد الله بن ابى جعفر، عن ابيه، عن الربيع بن انس، عن ابى العاليه، قال: خرج آدم من الجنه، فخرج منها و معه عصا من شجر الجنه، و على راسه تاج او اكليل من شجر الجنه، قال: فاهبط الى الهند، و منه كل طيب بالهند.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، عن ابن إسحاق، قال:

هبط آدم عليه- يعنى على الجبل الذى هبط عليه- و معه ورق من ورق الجنه، فبثه في ذلك الجبل، فمنه كان اصل الطيب كله، و كل فاكهة لا توجد الا بأرض الهند

127

و قال آخرون: بل زوده الله من ثمار الجنه، فثمارنا هذه من تلك الثمار ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا ابن ابى عدى و عبد الوهاب و محمد بن جعفر، عن عوف، عن قسامه بن زهير، عن الأشعري، قال:

ان الله تبارك و تعالى لما اخرج آدم من الجنه زوده من ثمار الجنه، و علمه صنعه كل شي‏ء، فثماركم هذه من ثمار الجنه، غير ان هذه تتغير و تلك لا تتغير.

و قال آخرون: انما علق باشجار الهند طيب ريح آدم ع.

ذكر من قال انما صار الطيب بالهند لان آدم حين اهبط إليها علق باشجارها طيب ريحه:

حدثنى الحارث بن محمد، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا هشام بن محمد، قال: أخبرني ابى، عن ابى صالح، عن ابن عباس، قال: نزل آدم(ع)معه ريح الجنه، فعلق بشجرها و أوديتها و امتلا ما هنالك طيبا، فمن ثم يؤتى بالطيب من ريح الجنه.

و قالوا: انزل معه من طيب الجنه.

و قال: انزل معه الحجر الأسود، و كان أشد بياضا من الثلج، و عصا موسى، و كانت من آس الجنه، طولها عشره اذرع على طول موسى، و مر و لبان، ثم انزل عليه بعد ذلك العلاة و المطرقه و الكلبتان، فنظر آدم‏

128

حين اهبط على الجبل الى قضيب من حديد نابت على الجبل، فقال: هذا من هذا، فجعل يكسر أشجارا قد عتقت و يبست بالمطرقة، ثم اوقد على ذلك الغصن حتى ذاب، فكان أول شي‏ء ضربه مديه، فكان يعمل بها، ثم ضرب التنور، و هو الذى ورثه نوح، و هو الذى فار بالعذاب بالهند.

و كان آدم حين هبط يمسح راسه السماء، فمن ثم صلع، و اورث ولده الصلع و نفرت من طوله دواب البر، فصارت وحشا من يومئذ، و كان آدم(ع)و هو على ذلك الجبل قائم يسمع أصوات الملائكة، و يجد ريح الجنه، فحط من طوله ذلك الى ستين ذراعا، فكان ذلك طوله الى ان مات و لم يجمع حسن آدم(ع)لأحد من ولده الا ليوسف ع.

و قيل: ان من الثمار التي زود الله عز و جل آدم(ع)حين اهبط الى الارض ثلاثين نوعا، عشره منها في القشور و عشره لها نوى، و عشره لا قشور لها و لا نوى فاما التي في القشور منها فالجوز، و اللوز، و الفستق، و البندق، و الخشخاش، و البلوط، و الشاهبلوط، و الرانج، و الرمان، و الموز و اما التي لها نوى منها فالخوخ، و المشمش، و الاجاص، و الرطب، و الغبيراء، و النبق، و الزعرور، و العناب، و المقل، و الشاهلوج و اما التي لا قشور لها و لا نوى فالتفاح، و السفرجل، و الكمثرى، و العنب، و التوت، و التين، و الاترج، و الخرنوب، و الخيار، و البطيخ.

و قيل: كان مما اخرج آدم معه من الجنه صره من حنطه، و قيل: ان الحنطة انما جاءه بها جبرئيل(ع)بعد ان جاع آدم، و استطعم ربه، فبعث الله اليه مع جبرئيل(ع)بسبع حبات من حنطه، فوضعها في يد آدم ع، فقال آدم لجبرئيل: ما هذا؟ فقال له جبرئيل: هذا الذى اخرجك من الجنه، و كان وزن الحبه منها مائه الف درهم و ثمانمائه درهم، فقال آدم:

ما اصنع بهذا؟ قال: انثره في الارض ففعل، فانبته الله عز و جل من ساعته، فجرت سنه في ولده البذر في الارض، ثم امره فحصده، ثم امره فجمعه و فركه بيده، ثم امره ان يذريه، ثم أتاه بحجرين فوضع أحدهما على الآخر

129

فطحنه، ثم امره ان يعجنه، ثم امره ان يخبزه مله، و جمع له جبرئيل(ع)الحجر و الحديد فقدحه، فخرجت منه النار، فهو أول من خبز الملة.

و هذا القول الذى حكيناه عن قائل هذا القول، خلاف ما جاءت به الروايات عن سلف أمه نبينا ص، و ذلك ان المثنى بن ابراهيم حدثنى ان إسحاق حدثه، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا سفيان بن عيينه و ابن المبارك، عن الحسن بن عماره، عن المنهال بن عمرو، و عن سعيد ابن جبير، عن ابن عباس، قال: كانت الشجرة التي نهى الله عنها آدم و زوجته السنبله، فلما اكلا منها بدت لهما سوءاتهما، و كان الذى وارى عنهما من سوءاتهما اظفارهما، و طفقا يخصفان عليهما من ورق الجنه، ورق التين يلصقان بعضها الى بعض، فانطلق آدم موليا في الجنه، فأخذت برأسه شجره من الجنه فناداه: يا آدم، امنى تفر؟ قال: لا، و لكنى استحيتك يا رب، قال: اما كان لك فيما منحتك من الجنه و أبحتك منها مندوحه عما حرمت عليك! قال: بلى يا رب، و لكن و عزتك ما حسبت ان أحدا يحلف بك كاذبا، قال- و هو قول الله تبارك و تعالى: «وَ قاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ‏»- قال: فبعزتي لاهبطنك الى الارض، فلا تنال العيش الا كدا.

قال: فاهبط من الجنه، و كانا ياكلان فيها رغدا، فاهبط الى غير رغد من طعام و شراب، فعلم صنعه الحديد، و امر بالحرث فحرث و زرع ثم سقى، حتى إذا بلغ حصده، ثم داسه، ثم ذراه، ثم طحنه، ثم عجنه، ثم خبزه، ثم اكله، فلم يبلغه حتى بلغ منه ما شاء الله ان يبلغ‏

130

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، قال: اهبط الى آدم ثور احمر، فكان يحدث عليه، و يمسح العرق عن جبينه، فهو الذى قال الله عز و جل: «فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى‏»، فكان ذلك شقاؤه.

فهذا الذى قاله هؤلاء هو اولى بالصواب، و اشبه بما دل عليه كتاب ربنا عز و جل، و ذلك ان الله عز ذكره لما تقدم الى آدم و زوجته حواء بالنهى عن طاعه عدوهما، قال لادم: «يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَ لِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى‏ إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَ لا تَعْرى‏. وَ أَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَ لا تَضْحى‏»، فكان معلوما ان الشقاء الذى اعلمه انه يكون ان اطاع عدوه ابليس، هو مشقة الوصول الى ما يزيل الجوع و العرى عنه، و ذلك هي الأسباب التي بها يصل اولاده الى الغذاء، من حراثه و بذر و علاج و سقى، و غير ذلك من الأسباب الشاقه المؤلمة و لو كان جبرئيل أتاه بالغذاء الذى يصل اليه ببذره دون سائر المؤن غيره، لم يكن هناك من الشقاء الذى توعده به ربه على طاعه الشيطان و معصية الرحمن كبير خطب، و لكن الأمر كان- و الله اعلم- على ما روينا عن ابن عباس و غيره.

و قد قيل: ان آدم(ع)نزل معه السندان، و الكلبتان، و الميقعه، و المطرقه.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا يحيى بن واضح، قال: حدثنا الحسين، عن علباء بن احمر، عن عكرمه، عن ابن عباس قال: ثلاثة أشياء نزلت مع آدم ع: السندان، و الكلبتان، و الميقعه، و المطرقه‏

131

ثم ان الله عز ذكره فيما ذكر انزل آدم من الجبل الذى أهبطه عليه الى سفحه، و ملكه الارض كلها، و جميع ما عليها من الجن و البهائم و الدواب و الوحش و الطير و غير ذلك، و ان آدم(ع)لما نزل من راس ذلك الجبل، و فقد كلام اهل السماء، و غابت عنه أصوات الملائكة، و نظر الى سعه الارض و بسطتها، و لم ير فيها أحدا غيره، استوحش فقال: يا رب، اما لأرضك هذه عامر يسبحك غيرى! فأجيب بما حدثنى المثنى بن ابراهيم، قال: أخبرنا إسحاق بن الحجاج، قال: حدثنا اسماعيل بن عبد الكريم، قال: حدثنى عبد الصمد ابن معقل، انه سمع وهبا يقول: ان آدم لما اهبط الى الارض فراى سعتها و لم ير فيها أحدا غيره قال: يا رب، ا ما لأرضك هذه عامر يسبح بحمدك و يقدس لك غيرى! قال الله: انى ساجعل فيها من ولدك من يسبح بحمدي و يقدسني، و ساجعل فيها بيوتا ترفع لذكرى، و يسبح فيها خلقى، و يذكر فيها اسمى، و ساجعل من تلك البيوت بيتا اخصه بكرامتي، و أوثره باسمى، و اسميه بيتى، انطقه بعظمتي، و عليه وضعت جلالي ثم انا مع ذلك في كل شي‏ء و مع كل شي‏ء، اجعل ذلك البيت حرما آمنا يحرم بحرمته من حوله و من تحته و من فوقه، فمن حرمه بحرمتي استوجب بذلك كرامتي، و من اخاف اهله فيه فقد اخفر ذمتي، و أباح حرمتي اجعله أول بيت وضع للناس ببطن مكة مباركا، يأتونه شعثا غبرا على كل ضامر، من كل فج عميق، يرجون بالتلبيه رجيجا، و يثجون بالبكاء ثجيجا، و يعجون بالتكبير عجيجا، فمن اعتمده و لا يريد غيره فقد وفد الى و زارني و ضافنى، و حق على الكريم ان يكرم وفده و أضيافه، و ان يسعف كلا بحاجته تعمره يا آدم ما كنت حيا، ثم تعمره الأمم و القرون و الأنبياء من ولدك أمه بعد أمه، و قرنا بعد قرن.

ثم امر آدم ع- فيما ذكر- ان ياتى البيت الحرام الذى اهبط

132

له الى الارض، فيطوف به كما كان يرى الملائكة تطوف حول عرش الله، و كان ذلك ياقوته واحده او دره واحده، كما حدثنى الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن ابان، ان البيت اهبط ياقوته واحده او دره واحده، حتى إذا اغرق الله قوم نوح رفعه و بقي أساسه، فبواه الله عز و جل لإبراهيم فبناه، و قد ذكرت الاخبار الوارده بذلك فيما مضى قبل.

فذكر ان آدم(ع)بكى و اشتد بكاؤه على خطيئته، و ندم عليها، و سال الله عز و جل قبول توبته، و غفران خطيئته، فقال في مسألته اياه: ما سال من ذلك، كما حدثنا ابو كريب، قال: حدثنا ابن عطية، عن قيس، عن ابن ابى ليلى، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: «فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ‏» قال: اى رب، ا لم تخلقني بيدك؟ قال: بلى، قال: اى رب، ا لم تنفخ في من روحك؟

قال: بلى، قال: اى رب، ا لم تسكنى جنتك؟ قال: بلى، قال: اى رب، ا لم تسبق رحمتك غضبك؟ قال: بلى، قال: ا رايت ان تبت و اصلحت ا راجعي أنت الى الجنه؟ قال: بلى، قال: فهو قوله تعالى: «فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ‏».

حدثنى بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة، قوله تعالى «فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ‏» ذكر لنا انه قال:

يا رب: ا رايت ان انا تبت و اصلحت! قال: إذا ارجعك الى الجنه، قال:

و قال الحسن: انهما قالا: «رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَ إِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَ تَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ‏».

حدثنا احمد بن إسحاق الأهوازي، قال: حدثنا ابو احمد، قال: حدثنا سفيان و قيس، عن خصيف، عن مجاهد، في قوله عز و جل:

133

«فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ» قال: قوله: «رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَ إِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَ تَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ‏».

حدثنى الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا هشام بن محمد، قال: أخبرنا ابى، عن ابى صالح، عن ابن عباس، قال: انزل آدم معه حين اهبط من الجنه الحجر الأسود، و كان أشد بياضا من الثلج، و بكى آدم و حواء على ما فاتهما- يعنى من نعيم الجنه- مائتي سنه، و لم يأكلا و لم يشربا اربعين يوما، ثم اكلا و شربا، و هما يومئذ على بوذ، الجبل الذى اهبط عليه آدم و لم يقرب حواء مائه سنه.

حدثنا ابو همام، قال: حدثنى ابى، قال: حدثنى زياد بن خيثمة، عن ابى يحيى بائع القت، قال: قال لي مجاهد، و نحن جلوس في المسجد: هل ترى هذا؟ قلت: يا أبا الحجاج، الحجر؟ قال: كذلك تقول؟

قلت: او ليس حجرا! قال: فو الله لحدثني عبد الله بن عباس انها ياقوته بيضاء، خرج بها آدم من الجنه، كان يمسح بها دموعه، و ان آدم لم ترقا دموعه منذ خرج من الجنه حتى رجع إليها الفى سنه، و ما قدر منه ابليس على شي‏ء، فقلت له: يا أبا الحجاج، فمن اى شي‏ء اسود؟ قال: كان الحيض يلمسنه في الجاهلية فخرج آدم(ع)من الهند يؤم البيت الذى امره الله عز و جل بالمصير اليه، حتى أتاه، فطاف به، و نسك المناسك، فذكر انه التقى هو و حواء بعرفات، فتعارفا بها، ثم ازدلف إليها بالمزدلفة، ثم رجع الى الهند مع حواء، فاتخذا مغاره يأويان إليها في ليلهما و نهارهما، و ارسل الله إليهما ملكا يعلمهما ما يلبسانه و يستتران به، فزعموا ان ذلك كان من جلود الضان و الانعام و السباع و قال بعضهم: انما كان ذلك لباس أولادهما، فاما آدم و حواء فان لباسهما كان ما كانا خصفا على أنفسهما من ورق الجنه ثم ان الله عز ذكره مسح ظهر آدم(ع)بنعمان من عرفه، و اخرج‏

134

ذريته، فنثرهم بين يديه كالذر، فاخذ مواثيقهم، و اشهدهم على انفسهم:

ا لست بربكم؟ قالوا: بلى، كما قال عز و جل: «وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى‏».

و قد حدثنى احمد بن محمد الطوسى، قال: حدثنا الحسين بن محمد، قال: حدثنا جرير بن حازم، عن كلثوم بن جبر، عن سعيد ابن جبير، عن ابن عباس، [عن النبي ص، قال: أخذ الله الميثاق من ظهر آدم بنعمان- يعنى عرفه- فاخرج من صلبه كل ذريه ذراها، فنثرهم بين يديه كالذر، ثم كلمهم قبلا، و قال: «أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى‏ شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ» الى قوله: «بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ‏]».

حدثنى عمران بن موسى القزاز، حدثنا عبد الوارث بن سعيد، قال: حدثنا كلثوم بن جبر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله:

«وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى‏»، قال: مسح ربنا ظهر آدم، فخرجت كل نسمه هو خالقها الى يوم القيامه بنعمان هذه- و اشار بيده- فاخذ مواثيقهم، و اشهدهم على انفسهم: ا لست بربكم؟ قالوا: بلى.

حدثنا ابن وكيع و يعقوب بن ابراهيم، قالا: حدثنا ابن عليه، عن كلثوم بن جبر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله عز و جل:

«وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى‏»، قال: مسح ظهر آدم فخرج كل نسمه هو خالقها الى يوم القيامه بنعمان، هذا الذى وراء عرفه، و أخذ ميثاقهم: ا لست بربكم؟ قالوا: بلى شهدنا، و اللفظ لحديث يعقوب.

حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمران بن عيينه، عن عطاء،

135

عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: اهبط آدم حين اهبط فمسح الله ظهره، فاخرج منه كل نسمه هو خالقها الى يوم القيامه، ثم قال: ا لست بربكم؟ قالوا: بلى، ثم تلى: «وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ‏»، فجف القلم من يومئذ بما هو كائن الى يوم القيامه.

حدثنا ابو كريب، قال: حدثنا يحيى بن عيسى، عن الاعمش، عن حبيب بن ابى ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في «وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ‏»، قال: لما خلق الله عز و جل آدم(ع)أخذ ذريته من ظهره مثل الذر، فقبض قبضتين، فقال لأصحاب اليمين: ادخلوا الجنه بسلام، و قال للآخرين: ادخلوا النار و لا أبالي.

حدثنا ابراهيم بن سعيد الجوهري، قال: حدثنا روح بن عباده و سعد بن عبد الحميد بن جعفر، عن مالك بن انس، عن زيد بن ابى انيسه، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، عن مسلم بن يسار الجهنى، [ان عمر بن الخطاب رضى الله عنه سئل عن هذه الآية:

«وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ‏»، فقال عمر: سمعت رسول الله(ص)قال: ان الله خلق آدم ثم مسح على ظهره بيمينه و استخرج منه ذريه، فقال: خلقت هؤلاء للجنة و بعمل اهل الجنه يعملون، ثم مسح على ظهره فاستخرج منه ذريه فقال: خلقت هؤلاء للنار و بعمل اهل النار يعملون، فقال رجل: يا رسول الله، ففيم العمل؟ قال: ان الله تبارك و تعالى إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل اهل الجنه، حتى يموت على عمل من عمل اهل الجنه فيدخله الجنه، و إذا خلق العبد للنار استعمله بعمل اهل النار حتى يموت على عمل من عمل اهل النار فيدخله النار].

و قيل: انه أخذ ذريه آدم(ع)من ظهره بدحنا

136

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا حكام، قال: حدثنا عمرو بن قيس، عن عطاء، عن سعيد، عن ابن عباس: «وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ‏» قال: لما خلق الله عز و جل آدم مسح ظهره بدحنا فاخرج من ظهره كل نسمه هو خالقها الى يوم القيامه، فقال:

ا لست بربكم؟ قالوا: بلى، قال: فيرون يومئذ، جف القلم بما هو كائن الى يوم القيامه و قال بعضهم: اخرج الله ذريه آدم من صلبه في السماء قبل ان يهبطه الى الارض، و بعد ان اخرجه من الجنه.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو بن حماد، عن اسباط، عن السدى: «وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى‏»، قال: اخرج الله آدم من الجنه و لم يهبطه من السماء، ثم انه مسح من آدم صفحه ظهره اليمنى، فاخرج منه ذريه كهيئة الذر بيضاء مثل اللؤلؤ، فقال لهم: ادخلوا الجنه برحمتي، و مسح صفحه ظهره اليسرى، فاخرج منه كهيئة الذر سودا، فقال: ادخلوا النار و لا أبالي فذلك حين يقول: اصحاب اليمين و اصحاب الشمال ثم أخذ الميثاق فقال: ا لست بربكم؟ قالوا بلى، فاعطاه طائفه طائعين، و طائفه على وجه التقيه‏

137

ذكر الاحداث التي كانت في عهد آدم(ع)بعد ان اهبط الى الارض‏

فكان أول ذلك قتل قابيل بن آدم أخاه هابيل، و اهل العلم يختلفون في اسم قابيل، فيقول بعضهم: هو قين بن آدم، و يقول بعضهم: هو قايين ابن آدم و يقول بعضهم: هو قاين و يقول بعضهم: هو قابيل.

و اختلفوا أيضا في السبب الذى من اجله قتله:

فقال بعضهم في ذلك ما حدثنى به موسى بن هارون الهمدانى، قال:

حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا اسباط، عن السدى- في خبر ذكره- عن ابى مالك و عن ابى صالح عن ابن عباس- و عن مره الهمدانى عن ابن مسعود- و عن ناس من اصحاب رسول الله ص، قال: كان لا يولد لادم مولود الا ولد معه جاريه، فكان يزوج غلام هذا البطن جاريه هذا البطن الآخر و يزوج جاريه هذا البطن غلام هذا البطن الآخر، حتى ولد له ابنان، يقال لهما قابيل و هابيل، و كان قابيل صاحب زرع، و كان هابيل صاحب ضرع، و كان قابيل أكبرهما، و كانت له اخت احسن من اخت هابيل، و ان هابيل طلب ان ينكح اخت قابيل، فأبى عليه و قال: هي أختي ولدت معى، و هي احسن من أختك، و انا أحق ان أتزوجها، فأمره أبوه ان يزوجها هابيل، فأبى و انهما قربا قربانا الى الله أيهما أحق بالجارية، و كان‏

138

آدم يومئذ قد غاب عنهما و اتى مكة ينظر إليها، قال الله لادم: يا آدم، هل تعلم ان لي بيتا في الارض؟ قال: اللهم لا، قال: فان لي بيتا بمكة فاته، فقال آدم للسماء: احفظى ولدى بالأمانة، فابت، و قال للأرض فابت، و قال للجبال: فابت، فقال لقابيل، فقال: نعم، تذهب و ترجع و تجد اهلك كما يسرك فلما انطلق آدم قربا قربانا، و كان قابيل يفخر عليه فيقول: انا أحق بها منك هي أختي، و انا اكبر منك، و انا وصى والدى، فلما قربا، قرب هابيل جذعه سمينه، و قرب قابيل حزمه سنبل، فوجد فيها سنبله عظيمه ففركها فأكلها، فنزلت النار فاكلت قربان هابيل، و تركت قربان قابيل، فغضب و قال: لأقتلنك حتى لا تنكح أختي، فقال هابيل:

«إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ»، الى قوله: «فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ‏»، فطلبه ليقتله، فراغ الغلام منه في رءوس الجبال، فأتاه يوما من الأيام و هو يرعى غنمه في جبل و هو نائم، فرفع صخره فشدخ بها راسه، فمات و تركه بالعراء، لا يعلم كيف يدفن، فبعث الله غرابين اخوين فاقتتلا، فقتل أحدهما صاحبه، فحفر له ثم حثا عليه، فلما رآه قال: «يا وَيْلَتى‏ أَ عَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي»، فهو قوله عز و جل: «فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ‏» فرجع آدم فوجد ابنه قد قتل أخاه، فذلك حين يقول الله عز و جل: «إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبالِ»- الى آخر الآية- «إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا» يعنى قابيل حين حمل امانه آدم، ثم لم يحفظ له اهله‏

139

و قال آخرون: كان السبب في ذلك ان آدم كان يولد له من حواء في كل بطن ذكر و أنثى، فإذا بلغ الذكر منهما زوج منه ولده الأنثى التي ولدت مع أخيه الذى ولد في البطن الآخر، قبله او بعده.

فرغب قابيل بتوءمته عن هابيل.

كما حدثنى القاسم بن الحسن، قال: حدثنا الحسين، قال:

حدثنى حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني عبد الله بن عثمان بن خثيم، قال: اقبلت مع سعيد بن جبير ارمى الجمره، و هو متقنع متوكى على يدي، حتى إذا وازينا بمنزل سمره الصواف، وقف يحدثني عن ابن عباس، قال: نهى ان تنكح المرأة أخاها توءمها، و ينكحها غيره من إخوتها، و كان يولد في كل بطن رجل و امراه، فولدت امراه وسيمة و ولدت امراه قبيحه، فقال أخو الدميمه: انكحنى أختك و أنكحك أختي، قال: لا، انا أحق بأختي، فقربا قربانا فتقبل من صاحب الكبش، و لم يتقبل من صاحب الزرع، فقتله، فلم يزل ذلك الكبش محبوسا عند الله عز و جل حتى اخرجه في فداء إسحاق، فذبحه على هذا الصفا، في ثبير، عند منزل سمره الصواف، و هو على يمينك حين ترمى الجمار.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، قال: حدثنا محمد بن إسحاق، عن بعض اهل العلم من اهل الكتاب الاول، ان آدم(ع)كان يغشى حواء في الجنه قبل ان تصيب الخطيئة، فحملت له بقين بن آدم و توءمته، فلم تجد عليهما وحما و لا وصبا، و لم تجد عليهما طلقا حين ولدتهما، و لم تر معهما دما لطهر الجنه، فلما اكلا من الشجرة و أصابا المعصية، و هبطا الى الارض و اطمأنا بها تغشاها، فحملت بهابيل و توءمته، فوجدت عليهما الوحم و الوصب، و وجدت حين ولدتهما الطلق و رات معهما الدم، و كانت حواء-

140

فيما يذكرون- لا تحمل الا توءما ذكرا و أنثى، فولدت حواء لادم اربعين ولدا لصلبه من ذكر و أنثى في عشرين بطنا، و كان الرجل منهم اى أخواته شاء تزوج الا توءمته التي تولد معه، فإنها لا تحل له، و ذلك انه لم يكن نساء يومئذ الا أخواتهم و أمهم حواء.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، عن محمد بن إسحاق، عن بعض اهل العلم بالكتاب الاول ان آدم امر ابنه قينا ان ينكح توءمته هابيل، و امر هابيل ان ينكح اخته توءمته قينا، فسلم لذلك هابيل و رضى، و ابى ذلك قين و كره تكرما عن اخت هابيل، و رغب بأخته عن هابيل، و قال، نحن ولاده الجنه، و هما من ولاده الارض، و انا أحق بأختي- و يقول بعض اهل العلم من اهل الكتاب الاول: بل كانت اخت قين من احسن الناس، فضن بها عن أخيه، و أرادها لنفسه- و الله اعلم اى ذلك كان- فقال له أبوه: يا بنى انها لا تحل لك، فأبى قين ان يقبل ذلك من قول ابيه، فقال له أبوه: يا بنى، فقرب قربانا، و يقرب اخوك هابيل قربانا، فأيكما قبل الله قربانه فهو أحق بها، و كان قين على بذر الارض، و كان هابيل على رعاية الماشية، فقرب قين قمحا، و قرب هابيل أبكارا من ابكار غنمه- و بعضهم يقول:

قرب بقره- فأرسل الله جل و عز نارا بيضاء، فاكلت قربان هابيل و تركت قربان قين و بذلك كان يقبل القربان إذا قبله الله عز و جل، فلما قبل الله قربان هابيل- و كان في ذلك القضاء له باخت قين- غضب قين، و غلب عليه الكبر و استحوذ عليه الشيطان، فاتبع أخاه هابيل، و هو في ماشيته فقتله، فهما اللذان قص الله خبرهما في القرآن على محمد ص، فقال:

«وَ اتْلُ عَلَيْهِمْ» يعنى اهل الكتاب‏ «نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً

141

فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما» الى آخر القصة، قال: فلما قتله سقط في يديه، و لم يدر كيف يواريه، و ذلك انه كان- فيما يزعمون- أول قتيل من بنى آدم:

«فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قالَ يا وَيْلَتى‏ أَ عَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي».

الى قوله: «ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ‏» قال: و يزعم اهل التوراة ان قينا حين قتل أخاه هابيل، قال الله له: اين اخوك هابيل؟ قال: ما ادرى، ما كنت عليه رقيبا، فقال الله له: ان صوت دم أخيك لينادينى من الارض! الان أنت ملعون من الارض التي فتحت فاها، فتلقت دم أخيك من يدك، فإذا أنت عملت في الارض، فإنها لا تعود تعطيك حرثها حتى تكون فزعا تائها في الارض، فقال قين: عظمت خطيئتي من ان تغفرها، قد اخرجتنى اليوم عن وجه الارض و اتوارى من قدامك، و أكون فزعا تائها في الارض، و كل من لقيني، قتلني فقال الله عز و جل: ليس ذلك كذلك، فلا يكون كل من قتل قتيلا يجزى بواحد سبعه، و لكن من قتل قينا يجزى سبعه، و جعل الله في قين آيه لئلا يقتله كل من وجده، و خرج قين من قدام الله عز و جل من شرقى عدن الجنه.

و قال آخرون في ذلك: انما كان قتل القاتل منهما أخاه ان الله عز و جل امرهما بتقريب قربان، فتقبل قربان أحدهما، و لم يتقبل من الآخر، فبغاه الذى لم يتقبل قربانه فقتله.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا

142

عوف، عن ابى المغيره، عن عبد الله بن عمرو، قال: ان ابنى آدم اللذين قربا قربانا فتقبل من أحدهما و لم يتقبل من الآخر كان أحدهما صاحب حرث، و الآخر صاحب غنم، و انهما امرا ان يقربا قربانا، و ان صاحب الغنم قرب اكرم غنمه و أسمنها و أحسنها، طيبه بها نفسه، و ان صاحب الحرث قرب، شر حرثه: الكوزر و الزوان، غير طيبه بها نفسه، و ان الله عز و جل تقبل قربان صاحب الغنم، و لم يتقبل قربان صاحب الحرث، و كان من قصتهما ما قص الله في كتابه و قال: ايم الله، ان كان المقتول لأشد الرجلين، و لكن منعه التحرج ان ينبسط الى أخيه.

و قال آخرون بما حدثنى به محمد بن سعد، قال: حدثنى ابى، قال: حدثنى‏

9

عمى‏

9

، قال: حدثنى ابى، عن‏

9

ابيه‏

9

، عن ابن عباس، قال:

كان من شأنهما انه لم يكن مسكين يتصدق عليه، و انما كان القربان يقربه الرجل، فبينا ابنا آدم قاعدان إذ قالا: لو قربنا قربانا! و كان الرجل إذا قرب قربانا فرضيه الله عز و جل ارسل اليه نارا فأكلته، و ان لم يكن رضيه الله خبت النار، فقربا قربانا، و كان أحدهما راعيا و الآخر حراثا، و ان صاحب الغنم قرب خير غنمه و أسمنها، و قرب الآخر بعض زرعه، فجاءت النار فنزلت بينهما فاكلت الشاه و تركت الزرع، و ان ابن آدم قال لأخيه: ا تمشى في الناس، و قد علموا انك قربت قربانا فتقبل منك ورد على قرباني! فلا و الله لا ينظر الناس الى و إليك و أنت خير منى، فقال: لأقتلنك، فقال له اخوه:

ما ذنبي! إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ‏.

و قال آخرون: لم تكن قصه هذين الرجلين في عهد آدم، و لا كان القربان‏

143

في عصره، و قالوا: انما كان هذان رجلين من بنى إسرائيل، و قالوا: ان أول ميت مات في الارض آدم ع، لم يمت قبله احد.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا سفيان بن وكيع، قال: حدثنا سهل بن يوسف، عن عمرو، عن الحسن، قال: كان الرجلان اللذان في القرآن قال الله عز و جل فيهما: «وَ اتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِ‏» من بنى إسرائيل، و لم يكونا ابنى آدم لصلبه، و انما كان القربان في بنى إسرائيل، و كان آدم أول من مات.

و قال بعضهم: ان آدم غشى حواء بعد مهبطهما الى الارض بمائه سنه، فولدت له قابيل و توءمته قليما في بطن واحد، ثم هابيل و توءمته في بطن واحد، فلما شبوا اراد آدم(ع)ان يزوج اخت قابيل التي ولدت معه في بطن واحد من هابيل، فامتنع من ذلك قابيل، و قربا بهذا السبب قربانا فتقبل قربان هابيل، و لم يتقبل قربان قابيل، فحسده قابيل، فقتله عند عقبه حرى ثم نزل قابيل من الجبل، آخذا بيد اخته قليما، فهرب بها الى عدن من ارض اليمن.

حدثنى بذلك الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرني هشام، قال: أخبرني ابى، عن ابى صالح، عن ابن عباس، قال: لما قتل قابيل أخاه هابيل أخذ بيد اخته ثم هبط بها من جبل بوذ الى الحضيض، فقال آدم لقابيل: اذهب فلا تزال مرعوبا لا تامن من تراه، فكان لا يمر به احد من ولده الا رماه، فاقبل ابن لقابيل اعمى، و معه ابن له، فقال للأعمى ابنه:

هذا ابوك قابيل، فرمى الأعمى أباه قابيل فقتله، فقال ابن الأعمى: قتلت‏

144

يا أبتاه اباك، فرفع الأعمى يده، فلطم ابنه فمات ابنه، فقال الأعمى: ويل لي! قتلت ابى برميتى، و قتلت ابنى بلطمتى! و ذكر في التوراة ان هابيل قتل و له عشرون سنه، و ان قابيل كان له يوم قتله خمس و عشرون سنه.

و الصحيح من القول عندنا ان الذى ذكر الله في كتابه انه قتل أخاه من ابنى آدم هو ابن آدم لصلبه، لنقل الحجه ان ذلك كذلك، و ان هناد بن السرى حدثنا، قال: حدثنا ابو معاويه و وكيع جميعا عن الاعمش.

- و حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير و حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا جرير و ابو معاويه عن الاعمش- عن عبد الله بن مره، عن مسروق، عن عبد الله، قال: [قال النبي ص: ما من نفس تقتل ظلما الا كان على ابن آدم الاول كفل منها،] و ذلك لأنه أول من سن القتل.

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدى- و حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا ابى- جميعا عن سفيان، عن الاعمش، عن عبد الله بن مره، عن مسروق، عن عبد الله، عن النبي(ص)نحوه.

فقد بين هذا الخبر عن رسول الله(ص)صحه قول من قال:

ان اللذين قص الله في كتابه قصتهما من ابنى آدم كانا ابنيه لصلبه، لأنه لا شك انهما لو كانا من بنى إسرائيل- كما روى عن الحسن- لم يكن الذى وصف منهما بانه قتل أخاه أول من سن القتل، إذ كان القتل في بنى آدم قد كان قبل إسرائيل و ولده.

فان قال قائل: فما برهانك على انهما ولدا آدم لصلبه، و ان لم يكونا من بنى إسرائيل؟

145

قيل: لا خلاف بين سلف علماء أمتنا في ذلك، إذا فسد قول من قال:

كانا من بنى إسرائيل و ذكر ان قابيل لما قتل أخاه هابيل بكاه آدم(ع)فقال- فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، عن غياث بن ابراهيم، عن ابى إسحاق الهمدانى، قال: قال على بن ابى طالب (كرم الله وجهه): لما قتل ابن آدم أخاه بكاه آدم، فقال:

تغيرت البلاد و من عليها* * * فوجه الارض مغبر قبيح‏

تغير كل ذي طعم و لون* * * و قل بشاشه الوجه المليح‏

قال: فأجيب آدم (ع):

أبا هابيل قد قتلا جميعا* * * و صار الحى كالميت الذبيح‏

و جاء بشره قد كان منها* * * على خوف فجاء بها يصيح‏

و ذكر ان حواء ولدت لادم(ع)عشرين و مائه بطن، اولهم قابيل و توءمته قليما، و آخرهم عبد المغيث و توءمته أمه المغيث.

و اما ابن إسحاق فذكر عنه ما قد ذكرت قبل، و هو ان جميع ما ولدته حواء لادم لصلبه اربعون من ذكر و أنثى في عشرين بطنا، و قال: قد بلغنا أسماء بعضهم و لم يبلغنا بعض.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، عن ابن إسحاق، قال:

فكان من بلغنا اسمه خمسه عشر رجلا و اربع نسوه، منهم قين و توءمته، و هابيل و ليوذا و اشوث بنت آدم و توءمها، و شيث و توءمته، و حزوره و توءمها، على‏

146

ثلاثين و مائه سنه من عمره ثم اباد بن آدم و توءمته، ثم بالغ بن آدم و توءمته، ثم اثاثى بن آدم و توءمته، ثم توبه بن آدم و توءمته، ثم بنان ابن آدم و توءمته، ثم شبوبه بن آدم و توءمته، ثم حيان بن آدم و توءمته، ثم ضرابيس بن آدم و توءمته، ثم هذر بن آدم و توءمته، ثم يحود بن آدم و توءمته، ثم سندل بن آدم و توءمته، ثم بارق بن آدم و توءمته، كل رجل منهم تولد معه امراه في بطنه الذى يحمل به فيه.

و قد زعم اكثر علماء الفرس ان جيومرت هو آدم، و زعم بعضهم انه ابن آدم لصلبه من حواء.

و قال فيه غيرهم اقوالا كثيره، يطول بذكر أقوالهم الكتاب، و تركنا ذكر ذلك إذ كان قصدنا في كتابنا هذا ذكر الملوك و ايامهم، و ما قد شرطنا في كتابنا هذا انا ذاكروه فيه، و لم يكن ذكر اختلاف المختلفين في نسب ملك من جنس ما أنشأنا له صنعه الكتاب، فان ذكرنا من ذلك شيئا فلتعريف من ذكرنا، ليعرفه من لم يكن به عارفا، فاما ذكر الاختلاف في نسبه فانه غير المقصود به في كتابنا هذا.

و قد خالف علماء الفرس فيما قالوا من ذلك آخرون من غيرهم ممن زعم انه آدم، و وافق علماء الفرس على اسمه و خالفه في عينه و صفته، فزعم ان‏

147

جيومرت الذى زعمت الفرس انه آدم(ع)انما هو جامر بن يافث ابن نوح، و انه كان معمرا سيدا، نزل جبل دنباوند من جبال طبرستان من ارض المشرق، و تملك بها و بفارس، ثم عظم امره و امر ولده، حتى ملكوا بابل، و ملكوا في بعض الأوقات الأقاليم كلها، و ان جيومرت منع من البلاد ما صار اليه، و ابتنى المدن و الحصون و عمرها، و اعد السلاح، و اتخذ الخيل، و انه تجبر في آخر عمره، و تسمى بآدم، و قال: من سماني بغير هذا الاسم ضربت عنقه، و انه تزوج ثلاثين امراه، فكثر منهن نسله، و ان مارى ابنه و ماريانه اخته، ممن كان ولد له في آخر عمره، فاعجب بهما و قدمهما، فصار الملوك بذلك السبب من نسلهما، و ان ملكه اتسع و عظم.

و انما ذكرت من امر جيومرت في هذا الموضع ما ذكرت، لأنه لا تدافع بين علماء الأمم ان جيومرت هو ابو الفرس من العجم، و انما اختلفوا فيه:

هل هو آدم ابو البشر على ما قاله الذين ذكرنا قولهم أم هو غيره؟ ثم مع ذلك فلان ملكه و ملك اولاده لم يزل منتظما على سياق، متسقا بأرض المشرق و جبالها الى ان قتل يزدجرد بن شهريار من ولد ولده بمرو- ابعده الله- ايام عثمان بن عفان رضى الله عنه، فتاريخ ما مضى من سنى العالم على اعمار ملوكهم اسهل بيانا، و اوضح منارا منه على اعمار ملوك غيرهم من الأمم، إذ لا تعلم أمه من الأمم الذين ينتسبون الى آدم(ع)دامت لها المملكة، و اتصل لهم الملك، و كانت لهم ملوك تجمعهم، و رءوس تحامى عنهم من ناواهم، و تغالب بهم من عازهم، و تدفع ظالمهم عن مظلومهم، و تحملهم من الأمور على ما فيه حظهم‏

148

على اتصال و دوام و نظام، يأخذ ذلك آخرهم عن اولهم، و غابرهم عن سالفهم- سواهم، فالتاريخ على اعمار ملوكهم اصح مخرجا، و احسن وضوحا.

و انا ذاكر ما انتهى إلينا من القول في عمر آدم(ع)و اعمار من كان بعده من ولده الذين خلفوه في النبوه و الملك، على قول من خالف قول الفرس الذين زعموا انه جيومرت، و على قول من قال: انه هو جيومرت ابو الفرس، و ذاكر ما اختلفوا فيه من امرهم الى الحال التي اجتمعوا عليها، فاتفقوا على من ملك منهم في زمان بعينه انه كان هو الملك في ذلك الزمان ان شاء الله، و لا حول و لا قوه الا بالله، ثم سائق ذلك كذلك الى زماننا هذا.

و نرجع الان الى الزيادة في الإبانة عن خطا قول من قال: ان أول ميت كان في أول الارض آدم، و إنكاره الذين قص الله نباهما في قوله:

«وَ اتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً»، ان يكونا من صلب آدم من اجل ذلك.

فحدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: حدثنا عمر بن ابراهيم، عن قتادة، عن الحسن، عن سمره بن جندب، [عن النبي(ع)قال: كانت حواء لا يعيش لها ولد، فنذرت لئن عاش لها ولد لتسمينه عبد الحارث، فعاش لها ولد فسمته عبد الحارث، و انما كان ذلك عن وحى الشيطان‏].

و حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، عن ابن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمه، عن ابن عباس، قال: كانت حواء تلد لادم فتعبدهم الله عز و جل و تسميهم: عبد الله، و عبيد الله، و نحو ذلك،

149

فيصيبهم الموت، فأتاها ابليس و آدم ع، فقال: انكما لو تسميانه بغير الذى تسميانه به لعاش، فولدت له ذكرا، فسمياه عبد الحارث، ففيه انزل الله عز ذكره، يقول الله عز و جل: «هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ»، الى قوله: «جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما» الى آخر الآية حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا ابن فضيل، عن سالم بن ابى حفصة، عن سعيد بن جبير: «فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما» الى قوله:

«فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ‏».

قال: و لما حملت حواء في أول ولد ولدته حين اثقلت أتاها ابليس قبل ان تلد فقال: يا حواء، ما هذا في بطنك؟ فقالت: ما ادرى من؟ فقال:

اين يخرج؟ من انفك؟ او من عينك؟ او من اذنك؟ قالت: لا ادرى، قال: ا رايت ان خرج سليما ا مطيعتى أنت فيما آمرك به؟ قالت: نعم، قال:

سميه عبد الحارث- و قد كان يسمى ابليس لعنه الله الحارث- فقالت: نعم، ثم قالت بعد ذلك لادم: أتاني آت في النوم فقال لي: كذا و كذا، فقال: ان ذاك الشيطان فاحذريه، فانه عدونا الذى أخرجنا من الجنه، ثم أتاها ابليس لعنه الله فاعاد عليها، فقالت: نعم، فلما وضعته اخرجه الله سليما فسمته عبد الحارث، فهو قوله: «جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما» الى قوله: «فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ‏».

حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا جرير و ابن فضيل، عن عبد الملك، عن سعيد بن جبير، قال: قيل له: اشرك آدم؟ قال: اعوذ بالله ان ازعم ان آدم(ع)اشرك! و لكن حواء لما اثقلت أتاها ابليس‏

150

فقال لها: من اين يخرج هذا؟ من انفك، او من عينك، او من فيك؟

فقنطها، ثم قال: ا رايت ان خرج سويا- قال ابن وكيع: زاد ابن فضيل:

لم يضرك و لم يقتلك- ا تطيعيننى؟ قالت: نعم، قال: فسميه عبد الحارث، ففعلت- زاد جرير: فإنما كان شركه في الاسم.

حدثنا موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال:

حدثنا اسباط، عن السدى: فولدت- يعنى حواء- غلاما، فأتاها ابليس فقال: سموه عبدى، و الا قتلته، قال له آدم: قد أطعتك و اخرجتنى من الجنه فأبى ان يطيعه، فسماه عبد الرحمن، فسلط عليه ابليس لعنه الله فقتله، فحملت باخر فلما ولدته، قال: سميه عبدى و الا قتلته، قال له آدم ع: قد أطعتك فأخرجتني من الجنه فأبى فسماه صالحا، فقتله، فلما كان الثالث قال لهما: فإذ غلبتمونى فسموه عبد الحارث، و كان اسم ابليس الحارث،- و انما سمى ابليس حين ابلس تحير- فذلك حين يقول الله عز و جل: «جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما»- يعنى في الأسماء.

فهؤلاء الذين ذكرت الرواية عنهم بما ذكرت، من انه مات لادم و حواء اولاد قبلهما، و من لم نذكر أقوالهم ممن عددهم اكثر من عدد من ذكرت قوله و الرواية عنه، قالوا خلاف قول الحسن الذى روى عنه انه قال: أول من مات آدم ع.

و كان آدم مع ما كان الله عز و جل قد اعطاه من ملك الارض و السلطان فيها قد نباه، و جعله رسولا الى ولده، و انزل عليه احدى و عشرين صحيفه كتبها آدم(ع)بخطه، علمه إياها جبرئيل ع.

و قد حدثنا احمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال: حدثنا عمى، قال: حدثنى الماضى بن محمد، عن ابى سليمان، عن القاسم بن محمد، عن‏

151

ابى ادريس الخولاني، [عن ابى ذر الغفاري، قال: دخلت المسجد فإذا رسول الله(ص)جالس وحده، فجلست اليه فقال لي: يا أبا ذر، ان للمسجد تحيه و ان تحيته ركعتان، فقم فاركعهما، فلما ركعتهما جلست اليه فقلت: يا رسول الله، انك أمرتني بالصلاة فما الصلاة؟ قال: خير موضوع، استكثر او استقل، ثم ذكر قصه طويله قال فيها: قلت: يا رسول الله، كم الأنبياء؟ قال: مائه الف و اربعه و عشرون ألفا، قال: قلت: يا رسول الله، كم المرسل من ذلك؟ قال: ثلاثمائة و ثلاثة عشر جما غفيرا، يعنى كثيرا طيبا، قال: قلت يا رسول الله، من كان اولهم؟ قال: آدم، قال: قلت يا رسول الله، و آدم نبى مرسل؟ قال: نعم خلقه الله بيده، و نفخ فيه من روحه، ثم سواه قبلا].

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، قال: حدثنى محمد ابن إسحاق، عن جعفر بن الزبير، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن ابى امامه، [عن ابى ذر قال: قلت، يا نبى الله، ا نبيا كان آدم؟ قال: نعم، كان نبيا، كلمه الله قبلا].

و قيل: انه كان مما انزل الله تعالى على آدم تحريم الميته و الدم و لحم الخنزير و حروف المعجم في احدى و عشرين ورقه‏

152

ذكر ولاده حواء شيثا

و لما مضى لادم(ص)من عمره مائه و ثلاثون سنه، و ذلك بعد قتل قابيل هابيل بخمس سنين، ولدت له حواء ابنه شيثا، فذكر اهل التوراة ان شيثا ولد فردا بغير توءم، و تفسير شيث عندهم هبه الله، و معناه انه خلف من هابيل.

حدثنى الحارث بن محمد، قال: حدثنى ابن سعد، قال: أخبرنا هشام، قال: أخبرني ابى، عن ابى صالح، عن ابن عباس، قال: ولدت حواء لادم شيثا و اخته عزورا، فسمى هبه الله، اشتق له من هابيل، قال لها جبرئيل حين ولدته: هذا هبه الله بدل هابيل، و هو بالعربية شث، و بالسريانية شاث، و بالعبرانيه شيث، و اليه اوصى آدم، و كان آدم يوم ولد له شيث ابن ثلاثين و مائه سنه.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، عن محمد بن إسحاق، قال: لما حضرت آدم الوفاة- فيما يذكرون و الله اعلم- دعا ابنه شيثا فعهد اليه عهده، و علمه ساعات الليل و النهار، و اعلمه عباده الخلق في كل ساعه منهن، فاخبره ان لكل ساعه صنفا من الخلق فيها عبادته و قال له: يا بنى ان الطوفان سيكون في الارض يلبث فيها سبع سنين و كتب وصيته، فكان شيث- فيما ذكر- وصى ابيه آدم ع، و صارت الرياسة من بعد وفاه آدم لشيث، فانزل الله عليه فيما روى عن رسول الله(ص)خمسين صحيفه.

حدثنا احمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال: حدثنا عمى، قال: حدثنا الماضى بن محمد، عن ابى سليمان، عن القاسم بن محمد، عن ابى ادريس الخولاني، [عن ابى ذر الغفاري، قال: قلت: يا رسول الله، كم‏