تاريخ الأمم و الملوك‏‏‏ - ج1

- ابن جرير الطبري المزيد...
632 /
153

كتاب انزله الله عز و جل؟ قال: مائه كتاب و اربعه كتب، انزل الله على شيث خمسين صحيفه‏].

و الى شيث انساب بنى آدم كلهم اليوم، و ذلك ان نسل سائر ولد آدم غير نسل شيث، انقرضوا و بادوا فلم يبق منهم احد، فانساب الناس كلهم اليوم الى شيث ع.

و اما الفرس الذين قالوا ان جيومرت هو آدم، فإنهم قالوا: ولد لجيومرت ابنه ميشى‏

3

، و تزوج ميشى اخته ميشانه فولدت له سيامك بن ميشى‏

3

، و سيامى ابنه ميشى، فولد لسيامك بن ميشى بن جيومرت افرواك، و ديس، و براسب، و اجوب، و اوراش بنو سيامك، و افرى، و دذى، و برى و اوراشى بنات سيامك، أمهم جميعا سيامى بنت ميشى، و هي اخت ابيهم.

و ذكروا ان الارض كلها سبعه أقاليم، فارض بابل و ما يوصل اليه مما يأتيه الناس برا او بحرا فهو إقليم واحد، و سكانه نسل ولد افرواك بن سيامك واعقابهم، و اما الأقاليم السته الباقيه التي لا يوصل إليها اليوم برا او بحرا فنسل سائر ولد سيامك، من بنيه و بناته.

فولد لافرواك بن سيامك من افرى بنت سيامك هوشنك بيشداذ الملك، و هو الذى خلف جده جيومرت في الملك، و أول من جمع له ملك الأقاليم السبعه، و سنذكر اخباره ان شاء الله إذا انتهينا اليه و كان بعضهم يزعم ان اوشهنج هذا، هو ابن آدم لصلبه من حواء.

و اما هشام الكلبى فانه فيما حدثت عنه قال: بلغنا و الله اعلم- أول ملك ملك الارض اوشهنق بن عابر بن شالخ بن ارفخشد بن سام بن نوح قال:

154

و الفرس تدعيه و تزعم انه كان بعد وفاه آدم بمائتي سنه، قال: و انما كان هذا الملك فيما بلغنا بعد نوح بمائتي سنه، فصيره اهل فارس بعد آدم بمائتي سنه، و لم يعرفوا ما كان قبل نوح.

و هذا الذى قاله هشام قول لا وجه له، لان هوشهنك الملك في اهل المعرفة بأنساب الفرس اشهر من الحجاج بن يوسف في اهل الاسلام، و كل قوم فهم بابائهم و انسابهم و ماثرهم اعلم من غيرهم، و انما يرجع في كل امر التبس الى اهله.

و قد زعم بعض نسابه الفرس ان اوشهنج بيشداذ الملك هذا هو مهلائيل، و ان أباه فرواك هو قينان ابو مهلائيل، و ان سيامك هو انوش ابو قينان، و ان ميشى هو شيث ابو انوش، و ان جيومرت هو آدم ص.

فان كان الأمر كما قال، فلا شك ان اوشهنج كان في زمان آدم رجلا، و ذلك ان مهلائيل فيما ذكر في الكتاب الاول كانت ولاده أمه دينه ابنه براكيل ابن محويل بن خنوخ بن قين بن آدم اياه بعد ما مضى من عمر آدم(ص)ثلاثمائة سنه و خمس و تسعون سنه، فقد كان له حين وفاه آدم ستمائه سنه و خمسين سنين، على حساب ما روى عن رسول الله(ص)في عمر آدم انه كان عمره الف سنه.

و قد زعمت علماء الفرس ان ملك اوشهنج هذا كان اربعين سنه فان كان الأمر في هذا الملك كالذي قاله النسابه الذى ذكرت عنه ما ذكرت فلم يبعد من قال: ان ملكه كان بعد وفاه آدم(ص)بمائتي سنه‏

155

ذكر وفاه آدم ع‏

اختلف في مده عمره، و ابن كم كان يوم قبضه الله عز و جل اليه.

فاما الاخبار عن رسول الله(ص)فإنها وارده بما حدثنى محمد بن خلف العسقلاني، قال: حدثنا آدم بن ابى اياس، قال:

حدثنا ابو خالد سليمان بن حيان، قال: حدثنى محمد بن عمرو، عن ابى سلمه، عن ابى هريرة عن النبي ص- قال ابو خالد: و حدثنى الاعمش، عن ابى صالح عن ابى هريرة عن النبي(ص)قال ابو خالد: و حدثنى داود بن ابى هند، عن الشعبى، عن ابى هريرة عن النبي(ص)قال ابو خالد: و حدثنى ابن ابى ذباب الدوسي، قال: حدثنا سعيد المقبري و يزيد بن هرمز، عن ابى هريرة، [عن النبي ص- انه قال: خلق الله آدم بيده و نفخ فيه من روحه، و امر الملائكة فسجدوا له، فجلس فعطس فقال: الحمد لله، فقال له ربه: يرحمك ربك، ايت أولئك الملا من الملائكة فقل لهم: السلام عليكم، فأتاهم فقال لهم: السلام عليكم قالوا له: و عليك السلام و (رحمه الله)، ثم رجع الى ربه فقال له: هذه تحيتك و تحيه ذريتك بينهم، ثم قبض له يديه، فقال له: خذ و اختر، قال:

اخترت يمين ربى و كلتا يديه يمين، ففتحها له، فإذا فيها صوره آدم و ذريته كلهم، فإذا كل رجل مكتوب عنده اجله، و إذا آدم قد كتب له عمر الف سنه، و إذا قوم عليهم النور، فقال: يا رب، من هؤلاء الذين عليهم النور، فقال: هؤلاء الأنبياء و الرسل الذين ارسل الى عبادى، و إذا فيهم رجل هو اضوءهم نورا، و لم يكتب له من العمر الا اربعون سنه، فقال: يا رب، ما بال هذا، من اضوئهم نورا و لم يكتب له من العمر الا اربعون سنه؟ فقال:

ذاك ما كتب له، فقال: يا رب، انقص له من عمرى ستين سنه فقال رسول الله ص: فلما اسكنه الله الجنه ثم اهبط الى الارض كان يعد

156

ايامه، فلما أتاه ملك الموت ليقبضه قال له آدم: عجلت على يا ملك الموت! فقال: ما فعلت، فقال: قد بقي من عمرى ستون سنه، فقال له ملك الموت:

ما بقي من عمرك شي‏ء، قد سالت ربك ان يكتبه لابنك داود، فقال:

ما فعلت فقال: رسول الله ص: فنسي آدم، فنسيت ذريته، و جحد آدم فجحدت ذريته، فيومئذ وضع الله الكتاب، و امر بالشهود].

حدثنى ابن سنان، قال: حدثنا موسى بن اسماعيل، قال:

حدثنا حماد بن سلمه، عن على بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، قال: [لما نزلت «آيه الدين» قال رسول الله ص: ان أول من جحد آدم(ع)ثلاث مرات، و ان الله تبارك و تعالى لما خلقه مسح ظهره فاخرج منه ما هو ذار الى يوم القيامه، فجعل يعرضهم على آدم، فراى فيهم رجلا يزهر، فقال: اى رب، اى نبى هذا؟ قال: هذا ابنك داود، قال: اى رب، كم عمره؟ قال: ستون سنه، قال: اى رب، زده في عمره، قال: لا، الا ان تزيده أنت من عمرك، و كان عمر آدم الف سنه، فوهب له من عمره اربعين عاما، فكتب الله عليه بذلك كتابا و اشهد عليه الملائكة، فلما احتضر آدم اتته الملائكة لتقبض روحه، قال: انه قد بقي من عمرى اربعون سنه، قالوا: انك قد وهبتها لابنك داود، قال: ما فعلت و لا وهبت له شيئا، فانزل الله عليه الكتاب، و اقام عليه الملائكة شهودا، فأكمل لادم الف سنه، و اكمل لداود مائه سنه‏].

حدثنى محمد بن سعد، قال: حدثنى ابى، قال: حدثنى‏

9

عمى‏

9

، قال:

حدثنى ابى، عن‏

9

ابيه، عن ابن عباس، قوله عز و جل: «وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ» الى قوله: «قالُوا بَلى‏ شَهِدْنا»، قال ابن عباس: ان الله عز و جل لما خلق آدم مسح ظهره، و اخرج ذريته‏

157

كلهم كهيئة الذر، فانطقهم فتكلموا، و اشهدهم على انفسهم، و جعل مع بعضهم النور و انه قال لادم: هؤلاء ذريتك أخذ عليهم الميثاق:

انى انا ربهم لئلا يشركوا بي شيئا، و على رزقهم قال آدم: فمن هذا الذى معه النور؟ قال: هو داود، قال: يا رب، كم كتبت له من الأجل؟

قال: ستين سنه، قال: كم كتبت لي؟ قال: الف سنه، و قد كتبت لكل انسان منهم: كم يعمر، و كم يلبث، قال: يا رب زده، قال: هذا الكتاب موضوع فأعطه ان شئت من عمرك، قال: نعم، و قد جف القلم عن سائر بنى آدم، فكتب له من اجل آدم اربعين سنه، فصار اجله مائه سنه، فلما عمر تسعمائة سنه و ستين سنه جاءه ملك الموت، فلما ان رآه آدم قال:

ما لك؟ قال له: قد استوفيت اجلك، قال له آدم: انما عمرت تسعمائة سنه و ستين سنه، و بقي لي اربعون سنه، فلما قال ذلك للملك، قال الملك:

قد أخبرني بها ربى، قال: فارجع الى ربك فسله، فرجع الملك الى ربه فقال:

مالك؟ قال: يا رب رجعت إليك لما كنت اعلم من تكرمتك اياه، قال الله عز و جل: ارجع فاخبره، انه قد اعطى ابنه داود اربعين سنه.

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبه، عن ابى بشر، عن سعيد بن جبير في هذه الآية: «وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ‏»، قال: اخرجهم من ظهر آدم، و جعل لادم عمر الف سنه، قال: فعرضوا على آدم، فراى رجلا من ذريته له نور، فاعجبه فسأله عنه فقال: هو داود، و قد جعل عمره ستين سنه، فجعل له من عمره اربعين سنه، فلما احتضر آدم(ع)جعل يخاصمهم في الأربعين السنه، فقيل له: انك قد أعطيتها داود، قال: فجعل يخاصمهم‏

158

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، في قوله عز و جل: «وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ‏» قال: اخرج ذريته من ظهره في صوره كهيئة الذر، فعرضهم على آدم باسمائهم و أسماء آبائهم و آجالهم، قال: فعرض عليه روح داود في نور ساطع، فقال: من هذا؟ قال: هذا من ذريتك، نبى خلقته، قال: كم عمره؟

قال: ستون سنه، قال: زيدوه من عمرى اربعين سنه، قال: و الأقلام رطبه تجرى، و اثبتت لداود(ع)الاربعون، و كان عمر آدم الف سنه، فلما استكملها الا الأربعين سنه بعث اليه ملك الموت قال: يا آدم امرت ان اقبضك، قال: ا لم يبق من عمرى اربعون سنه؟ قال: فرجع ملك الموت الى ربه عز و جل فقال: ان آدم يدعى من عمره اربعين سنه، قال: اخبر آدم انه جعلها لابنه داود و الأقلام رطبه، و اثبتت لداود الاربعون.

حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا ابو داود، عن يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، بنحوه و ذكر ان آدم(ع)مرض قبل موته احد عشر يوما، و اوصى الى ابنه شيث(ع)و كتب وصيته، ثم دفع كتاب وصيته الى شيث، و امره ان يخفيه من قابيل و ولده، لان قابيل قد كان قتل هابيل حسدا منه حين خصه آدم بالعلم، فاستخفى شيث و ولده بما عندهم من العلم، و لم يكن عند قابيل و ولده علم ينتفعون به و يزعم اهل التوراة ان عمر آدم(ع)كله كان تسعمائة سنه.

و ثلاثين سنه.

حدثنا الحارث قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرني هشام ابن محمد، قال: أخبرني ابى، عن ابى صالح، عن ابن عباس، قال: كان عمر آدم تسعمائة سنه و ستا و ثلاثين سنه، و الله اعلم‏

159

و الاخبار الوارده عن رسول الله(ص)و العلماء من سلفنا ما قد ذكرت، و رسول الله(ص)كان اعلم الخلق بذلك.

و قد ذكرت الاخبار الوارده عنه انه قال: كان عمره الف سنه، و انه بعد ما جعل لابنه داود من ذلك ما جعل له، اكمل الله له عده ما كان اعطاه من العمر قبل ان يهب لداود ما وهب له من ذلك، و لعل ما كان جعل من ذلك آدم(ع)لداود(ع)لم يحسب في عمر آدم في التوراة، فقيل: كان عمره تسعمائة و ثلاثين سنه.

فان قال قائل: فان الأمر و ان كان كذلك، فان آدم انما كان جعل لابنه داود من عمره اربعين سنه، فكان ينبغى ان يكون في التوراة تسعمائة سنه و ستون، ليوافق ذلك ما جاءت به الاخبار عن رسول الله ص.

قيل: قد روينا عن رسول الله(ص)في ذلك ان الذى كان جعل آدم لابنه داود من عمره ستون سنه، و ذلك في روايه لأبي هريرة عنه، و قد ذكرناها قبل فان يكن ذلك كذلك، فالذي زعموا انه في التوراة من الخبر عن مده حياه آدم(ع)موافق لما روينا عن رسول الله(ص)في ذلك.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، عن ابن إسحاق، انه قال: لما كتب آدم الوصية مات (صلوات الله عليه)، و اجتمعت عليه الملائكة من اجل انه كان صفى الرحمن، فقبرته الملائكة، و شيث و اخوته في مشارق الفردوس، عند قريه هي أول قريه كانت في الارض، و كسفت عليه الشمس و القمر سبعه ايام و لياليهن، فلما اجتمعت عليه الملائكة و جمع الوصية، جعلها في معراج، و معها القرن الذى اخرج أبونا آدم من الفردوس، لكيلا يغفل عن ذكر الله عز و جل.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، عن ابن إسحاق، عن يحيى بن عباد، عن ابيه، قال: سمعته يقول: بلغنى ان آدم(ع)حين‏

160

مات بعث الله اليه بكفنه و حنوطه من الجنه، ثم وليت الملائكة قبره و دفنه حتى غيبوه.

حدثنا على بن حرب، قال: حدثنا روح بن اسلم، قال:

حدثنا حماد بن سلمه، عن ثابت البناني، عن الحسن، [عن النبي(ص)قال: لما توفى آدم غسلته الملائكة بالماء وترا، و ألحدوا له، و قالت:

هذه سنه آدم في ولده‏].

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، عن ابن إسحاق، عن الحسن ابن ذكوان، عن الحسن بن ابى الحسن، عن ابى بن كعب، قال: [قال رسول الله ص: ان أباكم آدم كان طوالا كالنخلة السحوق، ستين ذراعا، كثير الشعر، موارى العورة، و انه لما أصاب الخطيئة بدت له سوءته فخرج هاربا في الجنه فتلقاه شجره، فأخذت بناصيته، و ناداه ربه: ا فرارا منى يا آدم! قال: لا و الله يا رب و لكن حياء منك مما قد جنيت، فاهبطه الله الى الارض، فلما حضرته الوفاة بعث الله اليه بحنوطه و كفنه من الجنه، فلما رات حواء الملائكة ذهبت لتدخل دونهم اليه، فقال: خلى عنى و عن رسل ربى، فانى ما لقيت ما لقيت الا منك، و لا أصابني ما أصابني الا فيك فلما قبض غسلوه بالسدر و الماء وترا، و كفنوه في وتر من الثياب، ثم لحدوا له فدفنوه،] ثم قالوا: هذه سنه ولد آدم من بعده.

حدثنى احمد بن المقدام، قال: حدثنا المعتمر بن سليمان، قال:

قال ابى:- و زعم قتادة عن صاحب له حدث عن ابى بن كعب قال: [قال رسول الله ص: كان آدم رجلا طوالا كأنه نخله سحوق‏].

حدثنا الحارث بن محمد، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرني هشام بن محمد

9

قال: أخبرني ابى، عن ابى صالح، عن ابن عباس قال:

161

لما مات آدم(ع)قال شيث لجبرئيل صلى الله عليهما: صل على آدم، قال: تقدم أنت فصل على ابيك، و كبر عليه ثلاثين تكبيره، فاما خمس فهى الصلاة، و اما خمس و عشرون فتفضيلا لادم ص.

و قد اختلف في موضع قبر آدم ع، فقال ابن إسحاق ما قد مضى ذكره، و اما غيره فانه قال: دفن بمكة في غار ابى قبيس، و هو غار يقال له غار الكنز.

و روى عن ابن عباس في ذلك، ما حدثنى به الحارث، قال:

حدثنا ابن سعد، قال: حدثنا هشام قال: أخبرنا ابى، عن ابى صالح، عن ابن عباس قال: لما خرج نوح من السفينة دفن آدم(ع)ببيت المقدس.

و كانت وفاته يوم الجمعه، و قد مضى ذكرنا الرواية بذلك، فكرهنا اعادته.

و روى عن ابن عباس في ذلك ما حدثنى الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرني هشام بن محمد، قال: أخبرني ابى، عن ابى صالح، عن ابن عباس، قال: مات آدم(ع)على بوذ- قال ابو جعفر يعنى الجبل الذى اهبط عليه- و ذكر ان حواء عاشت بعده سنه ثم ماتت رحمهما الله، فدفنت مع زوجها في الغار الذى ذكرت، و انهما لم يزالا مدفونين في ذلك المكان، حتى كان الطوفان، فاستخرجهما نوح، و جعلهما في تابوت، ثم حملهما معه في السفينة، فلما غاضت الارض الماء ردهما الى مكانهما الذى كانا فيه قبل الطوفان، و كانت حواء قد غزلت- فيما ذكر-

162

و نسجت و عجنت و خبزت، و عملت اعمال النساء كلها.

و نرجع الان الى قصه قابيل و خبره و اخبار ولده و اخبار شيث و خبر ولده- إذ كنا قد أتينا من ذكر آدم و عدوه ابليس و ذكر اخبارهما، و ما صنع الله بابليس إذ تجبر و تعظم و طغى على ربه عز و جل فأشر و بطر نعمته التي أنعمها الله عليه، و تمادى في جهله و غيه، و سال ربه النظره، فانظره الى يوم الوقت المعلوم، و ما صنع الله بآدم (صلوات الله عليه) إذ خطئ و نسى عهد الله من تعجيل عقوبته له على خطيئته، ثم تغمده اياه بفضله و رحمته، إذ تاب اليه من زلته فتاب عليه و هداه، و أنقذه من الضلالة و الردى- حتى ناتى على ذكر من سلك سبيل كل واحد منهما، من تباع آدم(ع)على منهاجه و شيعه ابليس و المقتدين به في ضلالته، ان شاء الله، و ما كان من صنع الله تبارك و تعالى بكل فريق منهم.

فاما شيث(ع)فقد ذكرنا بعض امره، و انه كان وصى ابيه آدم(ع)في مخلفيه بعد مضيه لسبيله، و ما انزل الله عليه من الصحف.

و قيل: انه لم يزل مقيما بمكة يحج و يعتمر الى ان مات، و انه كان جمع ما انزل الله عز و جل عليه من الصحف الى صحف ابيه آدم ع، و عمل بما فيها، و انه بنى الكعبه بالحجارة و الطين.

و اما السلف من علمائنا فإنهم قالوا: لم تزل القبه التي جعل الله لادم في مكان البيت الى ايام الطوفان، و انما رفعها الله عز و جل حين ارسل الطوفان.

و قيل: ان شيثا لما مرض اوصى ابنه انوش و مات، فدفن مع ابويه في غار ابى قبيس، و كان مولده لمضى مائتي سنه و خمس و ثلاثين سنه، من عمر آدم‏

163

ع و كانت وفاته و قد أتت له تسعمائة سنه و اثنتا عشره سنه.

و ولد لشيث انوش، بعد ان مضى من عمره ستمائه سنه و خمس سنين، فيما يزعم اهل التوراة.

و اما ابن إسحاق، فانه قال فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه بن الفضل، عنه: نكح شيث بن آدم اخته حزوره ابنه آدم، فولدت‏

3

له يانش بن شيث، و نعمه ابنه شيث، و شيث يومئذ ابن مائه سنه و خمس سنين، فعاش بعد ما ولد له يانش ثمانمائه سنه و سبع سنين.

و قام انوش بعد مضى ابيه شيث لسبيله بسياسة الملك، و تدبير من تحت يديه من رعيته مقام ابيه شيث، و لم يزل- فيما ذكر- على منهاج ابيه، لا يوقف منه على تغيير و لا تبديل و كان جميع عمر انوش- فيما ذكر اهل التوراة- تسعمائة سنه و خمس سنين.

حدثنى الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: حدثنى هشام، قال:

أخبرني ابى، عن ابى صالح، عن ابن عباس، قال: ولد شيث انوش و نفرا كثيرا، و اليه اوصى شيث، ثم ولد لانوش بن شيث بن آدم ابنه قينان من اخته نعمه ابنه شيث بعد مضى تسعين سنه من عمر انوش، و من عمر آدم ثلاثمائة سنه و خمس و عشرين سنه.

و اما ابن إسحاق فانه قال فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، عن ابن إسحاق:

3

نكح يانش بن شيث اخته نعمه ابنه شيث، فولدت له قينان، و يانش يومئذ ابن تسعين سنه، فعاش يانش بعد ما ولد له قينان ثمانمائه سنه و خمس عشره سنه، و ولد له بنون و بنات، فكان كل ما عاش يانش تسعمائة سنه و خمس سنين ثم نكح قينان بن يانش- و هو ابن‏

164

سبعين سنه- دينه ابنه براكيل بن محويل بن خنوح بن قين بن آدم‏

3

. فولدت له مهلائيل بن قينان، فعاش قينان بعد ما ولد له مهلائيل ثمانمائه سنه و اربعين سنه، فكان كل ما عاش قينان تسعمائة سنه و عشر سنين.

حدثنى الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرني هشام، قال:

أخبرني ابى، عن ابى صالح، عن ابن عباس، قال: ولد انوش قينان، و نفرا كثيرا، و اليه الوصية

3

، فولد قينان مهلائيل و نفرا معه، و اليه الوصية، فولد مهلائيل يرد- و هو اليارد- و نفرا معه، و اليه الوصية، فولد يرد اخنوخ و هو ادريس النبي(ص)و نفرا معه‏

3

، فولد اخنوخ متوشلخ و نفرا معه و اليه الوصية، فولد متوشلخ لمك و نفرا معه و اليه الوصية.

و اما التوراة فما ذكره اهل الكتاب انه فيها ان مولد مهلائيل بعد ان مضت من عمر آدم ثلاثمائة سنه و خمس و تسعون سنه، و من عمر قينان سبعون سنه.

و نكح مهلائيل بن قينان- و هو ابن خمس و ستين سنه، فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، عن ابن إسحاق- خالته سمعن ابنه براكيل ابن محويل بن خنوخ بن قين بن آدم، فولدت له يرد بن مهلائيل، فعاش مهلائيل بعد ما ولد له يرد ثمانمائه سنه و ثلاثين سنه، فولد له بنون و بنات، فكان كل ما عاش مهلائيل ثمانمائه سنه و خمسا و تسعين سنه، ثم مات.

و اما في التوراة فانه ذكر ان فيها ان يرد ولد لمهلائيل بعد ما مضى من عمر آدم أربعمائة سنه و ستون سنه، و انه كان على منهاج ابيه قينان، غير ان الاحداث بدت في زمانه‏

165

ذكر الاحداث التي كانت في ايام بنى آدم من لدن ملك شيث بن آدم الى ايام يرد

ذكر ان قابيل لما قتل هابيل، و هرب من ابيه آدم الى اليمن، أتاه ابليس، فقال له: ان هابيل انما قبل قربانه و أكلته النار، لأنه كان يخدم النار و يعبدها، فانصب أنت أيضا نارا تكون لك و لعقبك فبنى بيت نار، فهو أول من نصب النار و عبدها.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، عن ابن إسحاق، قال: ان قينا نكح اخته اشوث بنت آدم، فولدت له رجلا و امراه: خنوخ بن قين، و عذب بنت قين، فنكح خنوخ بن قين اخته عذب بنت قين، فولدت له ثلاثة نفر و امراه: عيرد بن خنوخ و محويل بن خنوخ و انوشيل بن خنوخ‏

3

، و موليث بنت خنوخ، فنكح انوشيل بن خنوخ موليث ابنه خنوخ، فولدت لانوشيل رجلا اسمه لامك‏

3

، فنكح لامك امرأتين: اسم إحداهما عدى و اسم الاخرى صلى، فولدت له عدى تولين بن لامك، فكان أول من سكن القباب، و اقتنى المال، و توبيش، و كان أول من ضرب بالونج و الصنج، و ولدت رجلا اسمه توبلقين، فكان أول من عمل النحاس و الحديد، و كان أولادهم جبابره و فراعنه، و كانوا قد أعطوا بسطه في الخلق، كان الرجل فيما يزعمون يكون ثلاثين ذراعا قال: ثم انقرض ولد قين، و لم يتركوا عقبا الا قليلا، و ذريه آدم كلهم جهلت انسابهم و انقطع نسلهم، الا ما كان من شيث بن آدم، فمنه كان النسل، و انساب الناس اليوم كلهم اليه دون ابيه آدم، فهو ابو البشر، الا ما كان من ابيه و اخوته ممن لم يترك عقبا

166

قال: و يقول اهل التوراة: بل نكح قين اشوث، فولدت له خنوخ، فولد لخنوخ عيرد

3

، فولد عيرد محويل، فولد محويل انوشيل، فولد انوشيل، لامك، فنكح لامك عدى و صلى، فولدتا له من سميت و الله اعلم.

فلم يذكر ابن إسحاق من امر قابيل و عقبه الا ما حكيت.

و اما غيره من اهل العلم بالتوراة فانه ذكر ان الذى اتخذ الملاهى من ولد قايين رجل يقال له توبال، اتخذ في زمان مهلائيل بن قينان آلات اللهو من المزامير و الطبول و العيدان و الطنابير و المعازف، فانهمك ولد قايين في اللهو، و تناهى خبرهم الى من بالجبل من نسل شيث، فهم منهم مائه رجل بالنزول اليهم، و بمخالفه ما اوصاهم به آباؤهم، و بلغ ذلك يارد، فوعظهم و نهاهم، فأبوا الا تماديا، و نزلوا الى ولد قايين، فاعجبوا بما رأوا منهم، فلما أرادوا الرجوع حيل بينهم و بين ذلك لدعوه سبقت من آبائهم، فلما أبطئوا بمواضعهم، ظن من كان في نفسه زيغ ممن كان بالجبل انهم أقاموا اعتباطا، فتساللوا ينزلون عن الجبل، و رأوا اللهو فأعجبهم، و وافقوا نساء من ولد قايين متسرعات اليهم، و صرن معهم، و انهمكوا في الطغيان، و فشت الفاحشة و شرب الخمر.

قال ابو جعفر: و هذا القول غير بعيد من الحق، و ذلك انه قول قد روى عن جماعه من سلف علماء أمه نبينا(ص)نحو منه، و ان لم يكونوا بينوا زمان من حدث ذلك في ملكه، سوى ذكرهم ان ذلك كان فيما بين آدم و نوح ص.

ذكر من روى ذلك عنه:

حدثنا احمد بن زهير، قال: حدثنا موسى بن اسماعيل، قال: حدثنا داود- يعنى ابن ابى الفرات- قال: حدثنا علباء بن احمر، عن عكرمه،

167

عن ابن عباس، انه تلا هذه الآية: «وَ لا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى‏».

قال: كانت فيما بين نوح و ادريس، و كانت الف سنه، و ان بطنين من ولد آدم، كان أحدهما يسكن السهل، و الآخر يسكن الجبل، و كان رجال الجبل صباحا و في النساء دمامه، و كان نساء السهل صباحا و في الرجال دمامه، و ان ابليس اتى رجلا من اهل السهل في صوره غلام فاجر نفسه منه، و كان يخدمه، و اتخذ ابليس لعنه الله شيئا مثل الذى يزمر فيه الرعاء، فجاء فيه بصوت لم يسمع الناس مثله، فبلغ ذلك من حولهم، فانتابوهم يسمعون اليه، و اتخذوا عيدا يجتمعون اليه في السنه، فتتبرج النساء للرجال، قال: و ينزل الرجال لهن و ان رجلا من اهل الجبل هجم عليهم و هم في عيدهم ذلك، فراى النساء و صباحتهن، فاتى اصحابه فاخبرهم بذلك، فتحولوا اليهن، فنزلوا عليهن، فظهرت الفاحشة فيهن، فهو قول الله عز و جل:

«وَ لا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى‏».

حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا ابن ابى غنيه، عن ابيه، عن الحكم:

«وَ لا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى‏»، قال: كان بين آدم و نوح ثمانمائه سنه، و كان نساؤهم اقبح ما يكون من النساء، و رجالهم حسان، فكانت المرأة تريد الرجل على نفسها، فانزلت هذه الآية: «وَ لا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى‏».

حدثنى الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرني هشام، قال:

أخبرني ابى، عن ابى صالح، عن ابن عباس، قال: لم يمت آدم حتى بلغ ولده و ولد ولده اربعين ألفا ببوذ

168

و راى آدم فيهم الزنا و شرب الخمر و الفساد، فاوصى الا يناكح بنو شيث بنى قابيل، فجعل بنو شيث آدم في مغاره، و جعلوا عليه حافظا، لا يقربه احد من بنى قابيل، و كان الذين يأتونه و يستغفر لهم من بنى شيث، فقال مائه من بنى شيث صباح: لو نظرنا الى ما فعل بنو عمنا! يعنون بنى قابيل.

فهبطت المائه الى نساء صباح من بنى قابيل، فاحتبس النساء الرجال، ثم مكثوا ما شاء الله ثم قال مائه آخرون: لو نظرنا ما فعل إخوتنا! فهبطوا من الجبل اليهم، فاحتبسهم النساء ثم هبط بنو شيث كلهم، فجاءت المعصية، و تناكحوا و اختلطوا، و كثر بنو قابيل حتى ملئوا الارض، و هم الذين غرقوا ايام نوح.

و اما نسابو الفرس فقد ذكرت ما قالوا في مهلائيل بن قينان، و انه هو أوشهنج الذى ملك الأقاليم السبعه، و بينت قول من خالفهم في ذلك من نسابى العرب.

فان كان الأمر فيه كالذي قاله نسابو الفرس، فانى حدثت عن هشام ابن محمد بن السائب، انه هو أول من قطع الشجر، و بنى البناء، و أول من استخرج المعادن و فطن الناس لها، و امر اهل زمانه باتخاذ المساجد، و بنى مدينتين كانتا أول ما بنى على ظهر الارض من المدائن، و هما مدينه بابل التي بسواد الكوفه، و مدينه السوس و كان ملكه اربعين سنه.

و اما غيره فانه قال: هو أول من استنبط الحديد في ملكه، فاتخذ منه الادوات للصناعات، و قدر المياه في مواضع المناقع، و حض الناس على الحراثة و الزراعة و الحصاد و اعتمال الاعمال، و امر بقتل السباع الضارية، و اتخاذ الملابس‏

169

من جلودها و المفارش، و بذبح البقر و الغنم و الوحش و الاكل من لحومها، و ان ملكه كان اربعين سنه، و انه بنى مدينه الري قالوا: و هي أول مدينه بنيت بعد مدينه جيومرت التي كان يسكنها بدنباوند من طبرستان.

و قالت الفرس: ان اوشهنج هذا ولد ملكا، و كان فاضلا محمودا في سيرته و سياسه رعيته، و ذكروا انه أول من وضع الأحكام و الحدود، و كان ملقبا بذلك، يدعى فيشداذ و معناه بالفارسيه أول من حكم بالعدل، و ذلك ان فاش معناه أول، و ان داذ عدل و قضاء، و ذكروا انه نزل الهند، و تنقل في البلاد، فلما استقام امره و استوثق له الملك عقد على راسه تاجا، و خطب خطبه، فقال في خطبته: انه ورث الملك عن جده جيومرت، و انه عذاب و نقمه على مرده الانس و الشياطين و ذكروا انه قهر ابليس و جنوده، و منعهم الاختلاط بالناس، و كتب عليهم كتابا في طرس ابيض أخذ عليهم فيه المواثيق الا يعرضوا لأحد من الانس، و توعدهم على ذلك، و قتل مردتهم و جماعه من الغيلان، فهربوا من خوفه الى المفاوز و الجبال و الأدوية، و انه ملك الأقاليم كلها، و انه كان بين موت جيومرت الى مولد اوشهنج و ملكه مائتا سنه.

و ثلاث و عشرون سنه.

و ذكروا ان ابليس و جنوده فرحوا بموت اوشهنج، و ذلك انهم دخلوا بموته مساكن بنى آدم، و نزلوا اليهم من الجبال و الأودية.

و نرجع الان الى ذكر يرد- و بعضهم يقول هو يارد- فولد يرد لمهلائيل من خالته سمعن ابنه براكيل بن محويل بن خنوخ بن قين، بعد ما مضى من عمر آدم أربعمائة و ستون سنه، فكان وصى ابيه و خليفته فيما كان والد مهلائيل اوصى الى مهلائيل، و استخلفه عليه بعد وفاته، و كانت ولاده أمه اياه بعد ما مضى من عمر ابيه مهلائيل- فيما ذكروا- خمس و ستون سنه، فقام من بعد مهلك ابيه من وصيه اجداده و آبائه بما كانوا يقومون به ايام حياتهم.

ثم نكح يرد- فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، عن ابن‏

170

إسحاق، و هو ابن مائه سنه و اثنتين و ستين سنه- بركنا ابنه الدرمسيل بن محويل بن خنوخ بن قين بن آدم فولدت له اخنوخ بن يرد- و اخنوخ ادريس النبي، و كان أول بنى آدم اعطى النبوه- فيما زعم ابن إسحاق- و خط بالقلم، عاش يرد بعد ما ولد له اخنوخ ثمانمائه سنه، و ولد له بنون و بنات، فكان كل ما عاش يرد تسعمائة سنه و اثنتين و ستين سنه ثم مات.

و قال غيره من اهل التوراة: ولد ليرد اخنوخ- و هو ادريس- فنباه الله عز و جل، و قد مضى من عمر آدم ستمائه سنه و اثنتان و عشرون سنه، و انزل عليه ثلاثون صحيفه و هو أول من خط بعد آدم و جاهد في سبيل الله، و قطع الثياب و خاطها، و أول من سبى من ولد قابيل، فاسترق منهم، و كان وصى والده يرد فيما كان آباؤه أوصوا به اليه، و فيما اوصى به بعضهم بعضا، و ذلك كله من فعله في حياه آدم.

قال: و توفى آدم(ع)بعد ان مضى من عمر اخنوخ ثلاثمائة سنه و ثماني سنين، تتمه تسعمائة و ثلاثين سنه التي ذكرنا انها عمر آدم قال:

و دعا اخنوخ قومه و وعظهم، و امرهم بطاعة الله عز و جل و معصية الشيطان، و الا يلابسوا ولد قابيل، فلم يقبلوا منه، و كانت العصابة بعد العصابة من ولد شيث تنزل الى ولد قايين.

قال: و في التوراة: ان الله تبارك و تعالى رفع ادريس بعد ثلاثمائة سنه و خمس و ستين سنه مضت من عمره، و بعد خمسمائة سنه و سبع و عشرين سنه مضت من عمر ابيه، فعاش أبوه بعد ارتفاعه أربعمائة و خمسا و ثلاثين سنه تمام تسعمائة و اثنتين و ستين سنه، و كان عمر يارد تسعمائة و اثنتين و ستين سنه، و ولد اخنوخ و قد مضت من عمر يارد مائه و اثنتان و ستون سنه.

حدثنى الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرني هشام، قال:

أخبرني ابى، عن ابى صالح، عن ابن عباس، قال: في زمان يرد عملت الأصنام، و رجع من رجع عن الاسلام.

و قد حدثنا احمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال: حدثنى عمى، قال:

171

حدثنى الماضى بن محمد، عن ابى سليمان، عن القاسم بن محمد، عن ابى ادريس الخولاني، [عن ابى ذر الغفاري، قال: قال لي رسول الله ص: يا أبا ذر، اربعه- يعنى من الرسل- سريانيون: آدم، و شيث، و نوح، و اخنوخ، و هو أول من خط بالقلم، و انزل الله تعالى على اخنوخ ثلاثين صحيفه‏].

و قد زعم بعضهم ان الله بعث ادريس الى جميع اهل الارض في زمانه، و جمع له علم الماضين، و ان الله عز و جل زاده مع ذلك ثلاثين صحيفه، قال: فذلك قول الله عز و جل: «إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى‏ صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَ مُوسى‏» و قال: يعنى بالصحف الاولى الصحف التي انزلت على ابن آدم هبه الله و ادريس ع.

و قال بعضهم: ملك بيوراسب في عهد ادريس، و قد كان وقع اليه كلام من كلام آدم (صلوات الله عليه)، فاتخذه في ذلك الزمان سحرا، و كان بيوراسب يعمل به، و كان إذا اراد شيئا من جميع مملكته او أعجبته دابه او امراه نفخ بقصبه كانت له من ذهب، و كان يجي‏ء اليه كل شي‏ء يريده، فمن ثم تنفخ اليهود في الشبورات.

و اما الفرس فإنهم قالوا: ملك بعد موت أوشهنج طهمورث بن ويونجهان ابن خبانداذ بن خيايذار بن اوشهنج.

و قد اختلف في نسب طهمورث الى اوشهنج، فنسبه بعضهم النسبه التي ذكرت و قال بعض نسابه الفرس: هو طهمورث بن ايونكهان بن أنكهد ابن اسكهد بن اوشهنج‏

172

و قال هشام بن محمد الكلبى- فيما حدثت عنه: ذكر اهل العلم ان أول ملوك بابل طهمورث، قال: و بلغنا- و الله اعلم- ان الله اعطاه من القوه ما خضع له ابليس و شياطينه، و انه كان مطيعا لله، و كان ملكه اربعين سنه و اما الفرس فإنها تزعم ان طهمورث ملك الأقاليم كلها، و عقد على راسه تاجا، و قال يوم ملك: نحن دافعون بعون الله عن خليقته المردة الفسدة.

و كان محمودا في ملكه، حدبا على رعيته، و انه ابتنى سابور من فارس و نزلها، و تنقل في البلدان، و انه وثب بابليس حتى ركبه، فطاف عليه في ادانى الارض و أقاصيها، و افزعه و مرده اصحابه حتى تطايروا و تفرقوا، و انه أول من اتخذ الصوف و الشعر للباس و الفرش، و أول من اتخذ زينه الملوك من الخيل و البغال و الحمير، و امر باتخاذ الكلاب لحفظ المواشى و حراستها من السباع و الجوارح للصيد، و كتب بالفارسيه، و ان بيوراسب ظهر في أول سنه من ملكه، و دعا الى مله الصابئين.

ثم رجعنا الى ذكر اخنوخ، و هو ادريس ع.

ثم نكح- فيما حدثنا به ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، عن ابن إسحاق: اخنوخ بن يرد هدانه- و يقال: ادانه- ابنه باويل ابن محويل بن خنوخ بن قين بن آدم، و هو ابن خمس و ستين سنه، فولدت له متوشلخ بن اخنوخ، فعاش بعد ما ولد له متوشلخ ثلاثمائة سنه، و ولد له بنون و بنات، فكان كل ما عاش اخنوخ ثلاثمائة سنه و خمسا و ستين سنه ثم مات.

و اما غيره من اهل التوراة فانه قال فيما ذكر عن التوراة: ولد لاخنوخ بعد ستمائه سنه و سبع و ثمانين سنه خلت من عمر آدم متوشلخ، فاستخلفه‏

173

اخنوخ على امر الله، و اوصاه و اهل بيته قبل ان يرفع، و اعلمهم ان الله عز و جل سيعذب ولد قايين و من خالطهم و مال اليهم، و نهاهم عن مخالطتهم، و ذكر انه كان أول من ركب الخيل، لأنه اقتفى رسم ابيه في الجهاد، و سلك في ايامه في العمل بطاعة الله طريق آبائه و كان عمر اخنوخ الى ان رفع ثلاثمائة سنه و خمسا و ستين سنه و ولد له متوشلخ بعد ما مضى من عمره خمس و ستون سنه‏

3

. ثم نكح- فيما حدثنى ابن حميد، قال: حدثنا سلمه عن ابن إسحاق- متوشلخ بن اخنوخ عربا ابنه عزرائيل بن انوشيل بن خنوخ بن قين بن آدم، و هو ابن مائه سنه و سبع و ثلاثين سنه فولدت له لمك بن متوشلخ، فعاش بعد ما ولد له لمك سبعمائة سنه، فولد له بنون و بنات، و كان كل ما عاش متوشلخ تسعمائة سنه و تسع عشره سنه ثم مات و نكح لمك بن متوشلخ بن اخنوخ بتنوس ابنه براكيل بن محويل بن خنوخ بن قين بن آدم ع، و هو ابن مائه سنه و سبع و ثمانين سنه فولدت له نوحا النبي ص، فعاش لمك بعد ما ولد له نوح خمسمائة سنه و خمسا و تسعين سنه، و ولد له بنون و بنات، فكان كل ما عاش سبعمائة سنه و ثمانين سنه، ثم مات و نكح نوح ابن لمك عمذرة ابنة براكيل بن محويل بن خنوخ بن قين بن آدم، و هو ابن خمسمائة سنه، فولدت له بينه: سام، و حام، و يافث، بنى نوح و قال اهل التوراة: ولد لمتوشلخ بعد ثمانمائه سنه و اربع و سبعين سنه من عمر آدم لملك، فأقام على ما كان عليه آباؤه: من طاعه الله و حفظ عهوده.

قالوا: فلما حضرت متوشلخ الوفاة استخلف لملك على امره، و اوصاه بمثل ما كان آباؤه يوصون به قالوا: و كان لمك يعظ قومه، و ينهاهم عن النزول الى ولد قايين فلا يتعظون، حتى نزل جميع من كان في الجبل الى ولد قايين‏

174

و قيل: انه كان لمتوشلخ ابن آخر غير لمك، يقال له صابئ- و قيل:

ان الصابئين به سموا صابئين- و كان عمر متوشلخ تسعمائة و ستين سنه، و كان مولد لمك بعد ان مضى من عمر متوشلخ مائه و سبع و ثمانون سنه.

ثم ولد لمك نوحا بعد وفاه آدم بمائه سنه و ست و عشرين سنه، و ذلك لألف سنه و ست و خمسين سنه مضت من يوم اهبط الله عز و جل آدم الى مولد نوح ع، فلما ادرك نوح قال له لمك: قد علمت انه لم يبق في هذا الموضع غيرنا، فلا تستوحش و لا تتبع الامه الخاطئة، فكان نوح يدعو الى ربه، و يعظ قومه فيستخفون به، فاوحى الله عز و جل اليه انه قد امهلهم، فانظرهم ليراجعوا و يتوبوا مده، فانقضت المده قبل ان يتوبوا و ينيبوا.

و قال آخرون غير من ذكرت قوله: كان نوح في عهد بيوراسب، و كان قومه يعبدون الأصنام، فدعاهم الى الله جل و عز تسعمائة و سته و خمسين سنه، كلما مضى قرن تبعهم قرن، على مله واحده من الكفر، حتى انزل الله عليهم العذاب فافناهم.

حدثنا الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: حدثنى هشام، قال:

أخبرني ابى، عن ابى صالح، عن ابن عباس، قال: ولد متوشلخ لمك و نفرا معه، و اليه الوصية، فولد لمك نوحا، و كان للمك يوم ولد نوح اثنتان و ثمانون سنه، و لم يكن احد في ذلك الزمان ينهى عن منكر، فبعث الله اليهم نوحا، و هو ابن أربعمائة سنه و ثمانين سنه، ثم دعاهم في نبوته مائه و عشرين سنه، ثم امره بصنعه السفينة فصنعها و ركبها و هو ابن ستمائه سنه، و غرق من غرق، ثم مكث بعد السفينة ثلاثمائه سنه و خمسين سنه.

و اما علماء الفرس فإنهم قالوا: ملك بعد طهمورث جم الشيذ- و الشيذ معناه عندهم الشعاع، لقبوه بذلك فيما زعموا لجماله- و هو جم بن ويونجهان، و هو أخو طهمورث و قيل انه ملك الأقاليم السبعه كلها، و سخر له ما فيها من‏

175

الجن و الانس، و عقد على راسه التاج و قال حين قعد في ملكه: ان الله تبارك و تعالى قد اكمل بهاءنا و احسن تاييدنا، و سنوسع رعيتنا خيرا و انه ابتدع صنعه السيوف و السلاح، و دل على صنعه الابريسم و القز و غيره مما يغزل، و امر بنسج الثياب و صبغها، و نحت السروج و الأكف و تذليل الدواب بها.

و ذكر بعضهم انه توارى بعد ما مضى من ملكه ستمائه سنه و ست عشره سنه و سته اشهر، فخلت البلاد منه سنه، و انه امر لمضى سنه من ملكه الى سنه خمس منه بصنعه السيوف و الدروع و البيض و سائر صنوف الأسلحة و آله الصناع من الحديد و من سنه خمسين من ملكه الى سنه مائه بغزل الابريسم و القز و القطن و الكتان و كل ما يستطاع غزله و حياكه ذلك و صبغته ألوانا و تقطيعه أنواعا و لبسه و من سنه مائه الى سنه خمسين و مائه صنف الناس اربع طبقات:

طبقه مقاتله، و طبقه فقهاء، و طبقه كتابا و صناعا و حراثين، و اتخذ طبقه منهم خدما، و امر كل طبقه من تلك الطبقات بلزوم العمل الذى ألزمها اياه و من سنه مائه و خمسين الى سنه خمسين و مائتين حارب الشياطين و الجن و اثخنهم و اذلهم و سخروا له و انقادوا لأمره و من سنه خمسين و مائتين الى سنه ست عشره و ثلاثمائة و كل الشياطين بقطع الحجاره و الصخور من الجبال، و عمل الرخام و الجص و الكلس، و البناء بذلك، و بالطين البنيان و الحمامات، و صنعه النوره، و النقل من البحار و الجبال و المعادن و الفلوات كل ما ينتفع به الناس، و الذهب و الفضه و سائر ما يذاب من الجواهر، و انواع الطيب و الأدوية فنفذوا في كل ذلك لأمره ثم امر فصنعت له عجله من زجاج، فصفد فيها الشياطين و ركبها، و اقبل عليها في الهواء من بلده، من دنباوند الى بابل في يوم واحد، و ذلك يوم هرمز از فروردين ماه، فاتخذ الناس للاعجوبه التي رأوا من اجرائه ما اجرى على تلك الحال نوروز، و امرهم باتخاذ ذلك اليوم و خمسه ايام بعده عيدا، و التنعم و التلذذ فيها، و كتب الى الناس اليوم السادس، و هو خرداذ روز يخبرهم انه قد سار فيهم بسيره ارتضاها الله، فكان من جزائه‏

176

اياه عليها ان جنبهم الحر و البرد و الاسقام و الهرم و الحسد، فمكث الناس ثلاثمائة سنه بعد الثلثمائه و الست عشره سنه التي خلت من ملكه، لا يصيبهم شي‏ء مما ذكر ان الله جل و عز جنبهم اياه.

ثم ان جما بطر بعد ذلك نعمه الله عنده، و جمع الانس و الجن، فاخبرهم انه وليهم و مالكهم و الدافع بقوته عنهم الاسقام و الهرم و الموت، و جحد احسان الله عز و جل اليه، و تمادى في غيه فلم يحر احد ممن حضره له جوابا، و فقد مكانه بهاءه و عزه، و تخلت عنه الملائكة الذين كان الله امرهم بسياسة امره، فأحس بذلك بيوراسب الذى يسمى الضحاك فابتدر الى جم لينتهسه فهرب منه، ثم ظفر به بيوراسب بعد ذلك، فامتلخ امعاءه و استرطها، و نشره بمنشار.

و قال بعض علماء الفرس: ان جما لم يزل محمود السيرة الى ان بقي من ملكه مائه سنه فخلط حينئذ، و ادعى الربوبيه، فلما فعل ذلك اضطرب عليه امره، و وثب عليه اخوه اسفتور و طلبه ليقتله، فتوارى عنه، و كان في تواريه ملكا ينتقل من موضع الى موضع، ثم خرج عليه بيوراسب فغلبه على ملكه، و نشره بالمنشار.

و زعم بعضهم ان ملك جم كان سبعمائة سنه و ست عشره سنه و اربعه اشهر و عشرين يوما.

و قد ذكرت عن وهب بن منبه، عن ملك من ملوك الماضين قصه شبيهه بقصة جم شاذ الملك، و لو لا ان تاريخه خلاف تاريخ جم لقلت انها قصه جم‏

177

و ذلك ما حدثنى محمد بن سهل بن عسكر، قال: حدثنا اسماعيل بن عبد الكريم، قال: حدثنى عبد الصمد بن معقل، عن وهب بن منبه، انه قال: ان رجلا ملك و هو فتى شاب، فقال: انى لأجد للملك لذة و طعما، فلا ادرى: ا كذلك كل الناس أم انا وجدته من بينهم؟ فقيل له:

بل الملك كذلك، فقال: ما الذى يقيمه لي؟ فقيل له: يقيمه لك ان تطيع الله فلا تعصيه فدعا ناسا من خيار من كان في ملكه فقال لهم:

كونوا بحضرتى في مجلسى، فما رايتم انه طاعه لله عز و جل فأمروني ان اعمل به، و ما رايتم انه معصية لله فازجرونى عنه انزجر، ففعل ذلك هو و هم، و استقام له ملكه بذلك أربعمائة سنه مطيعا لله عز و جل ثم ان ابليس انتبه لذلك فقال:

تركت رجلا يعبد الله ملكا أربعمائة سنه! فجاء فدخل عليه فتمثل له برجل، ففزع منه الملك، فقال: من أنت؟ قال ابليس: لا ترع، و لكن أخبرني من أنت؟ قال الملك: انا رجل من بنى آدم، فقال له ابليس: لو كنت من بنى آدم لقد مت كما يموت بنو آدم، ا لم تر كم قد مات من الناس و ذهب من القرون! لو كنت منهم لقد مت كما ماتوا، و لكنك اله، فادع الناس الى عبادتك فدخل ذلك في قلبه ثم صعد المنبر، فخطب الناس فقال: ايها الناس، انى قد كنت اخفيت عنكم امرا بان لي اظهاره، لكم تعلمون انى ملكتكم منذ أربعمائة سنه، و لو كنت من بنى آدم لقد مت كما ماتوا، و لكنى اله فاعبدوني فارعش مكانه، و اوحى الله الى بعض من كان معه فقال:

اخبره انى قد استقمت له ما استقام لي، فإذا تحول عن طاعتي الى معصيتي فلم يستقم لي، فبعزتي حلفت لاسلطن عليه بخت ناصر، فليضربن عنقه، و لياخذن ما في خزائنه و كان في ذلك الزمان لا يسخط الله على احد الا سلط عليه بخت ناصر، فلم يتحول الملك عن قوله، حتى سلط الله عليه بخت ناصر، فضرب عنقه، و اوقر من خزائنه سبعين سفينه ذهبا.

قال ابو جعفر: و لكن بين بخت ناصر و جم دهر طويل، الا ان يكون الضحاك كان يدعى في ذلك الزمان بخت ناصر

178

و اما هشام بن الكلبى فانى حدثت عنه انه قال: ملك بعد طهمورث جم، و كان اصبح اهل زمانه وجها، و اعظمهم جسما، قال: فذكروا انه غبر ستمائه سنه و تسع عشره سنه مطيعا لله مستعليا امره مستوثقه له البلاد ثم انه طغى و بغى، فسلط الله عليه الضحاك، فسار اليه في مائتي الف، فهرب جم منه مائه سنه، ثم ان الضحاك ظفر به فنشره بمنشار قال: فكان جميع ملك جم، منذ ملك الى ان قتل سبعمائة و تسع عشره سنه.

و قد روى عن جماعه من السلف انه كان بين آدم و نوح عشره قرون، كلهم على مله الحق، و ان الكفر بالله انما حدث في القرن الذين بعث اليهم نوح ع، و قالوا: ان أول نبى ارسله الله الى قوم بالإنذار و الدعاء الى توحيده نوح ع.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا ابو داود، قال: حدثنا همام، عن قتادة، عن عكرمه، عن ابن عباس، قال: كان بين نوح و آدم(ع)عشره قرون، كلهم على شريعه من الحق، فاختلفوا، فبعث الله النبيين مبشرين و منذرين، قال: و كذلك هي في قراءة عبد الله: «كان الناس أمة واحدة فاختلفوا» حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: قوله عز و جل: «كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً»، قال: كانوا على الهدى جميعا فاختلفوا، فبعث الله النبيين مبشرين و منذرين، فكان أول نبى بعث نوح (ع)

179

ذكر الاحداث التي كانت في عهد نوح (ع)

قد ذكرنا اختلاف المختلفين في ديانه القوم الذين ارسل اليهم نوح (ع)، و ان منهم من يقول: كانوا قد اجمعوا على العمل بما يكرهه الله، من ركوب الفواحش و شرب الخمور و الاشتغال بالملاهي عن طاعه الله عز و جل، و ان منهم من يقول: كانوا اهل طاعه بيوراسب، و كان بيوراسب أول من اظهر القول بقول الصابئين، و تبعه على ذلك الذين ارسل اليهم نوح (ع)، و ساذكر ان شاء الله خبر بيوراسب فيما بعد فاما كتاب الله فانه ينبئ عنهم انهم كانوا اهل أوثان، و ذلك ان الله عز و جل يقول مخبرا عن نوح: «قالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَ اتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَ وَلَدُهُ إِلَّا خَساراً وَ مَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً وَ قالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَ لا تَذَرُنَّ وَدًّا وَ لا سُواعاً، وَ لا يَغُوثَ وَ يَعُوقَ وَ نَسْراً وَ قَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً» فبعث الله اليهم نوحا مخوفهم بأسه، و مخدرهم سطوته، و داعيا لهم الى التوبة و المراجعة الى الحق، و العمل بما امر الله به رسله و انزله في صحف آدم و شيث و اخنوخ و نوح يوم ابتعثه الله نبيا اليهم- فيما ذكر- ابن خمسين سنه.

و قيل أيضا ما حدثنا به نصر بن على الجهضمي، قال: حدثنا نوح بن قيس، قال: حدثنا عون بن ابى شداد، قال: ان الله تبارك و تعالى ارسل نوحا الى قومه و هو ابن خمسين و ثلاثمائة سنه، فلبث فيهم الف سنه الا خمسين عاما، ثم عاش بعد ذلك خمسين و ثلاثمائة سنه.

حدثنى الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: حدثنا هشام، قال:

أخبرني ابى، عن ابى صالح، عن ابن عباس، قال: بعث الله نوحا اليهم و هو ابن أربعمائة سنه و ثمانين سنه، ثم دعاهم في نبوته مائه و عشرين سنه،

180

و ركب السفينة و هو ابن ستمائه سنه، ثم مكث بعد ذلك ثلاثمائة و خمسين سنه.

قال ابو جعفر: فلبث فيهم الف سنه الا خمسين عاما كما قال الله عز و جل يدعوهم الى الله سرا و جهرا، يمضى قرن بعد قرن، فلا يستجيبون له، حتى مضى قرون ثلاثة على ذلك من حاله و حالهم، فلما اراد الله عز و جل اهلاكهم دعا عليهم نوح(ع)فقال: «رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَ اتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَ وَلَدُهُ إِلَّا خَساراً»، فأمره الله تعالى ذكره ان يغرس شجره فغرسها، فعظمت و ذهبت كل مذهب، ثم امره بقطعها من بعد ما غرسها بأربعين سنه، فيتخذ منها سفينه، كما قال الله له: «وَ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَ وَحْيِنا»، فقطعها و جعل يعملها.

و حدثنا صالح بن مسمار المروزى و المثنى بن ابراهيم، قالا: حدثنا ابن ابى مريم، قال: حدثنا موسى بن يعقوب، قال: حدثنى فائد مولى عبيد الله ابن على بن ابى رافع، ان ابراهيم بن عبد الرحمن بن ابى ربيعه، اخبره ان عائشة زوج النبي(ص)اخبرته [ان رسول الله(ص)قال: لو رحم الله أحدا من قوم نوح لرحم أم الصبى، قال رسول الله ص: كان نوح مكث في قومه الف سنه الا خمسين عاما، يدعوهم الى الله عز و جل، حتى كان آخر زمانه غرس شجره فعظمت و ذهبت كل مذهب ثم قطعها، ثم جعل يعمل سفينه فيمرون فيسألونه فيقول: أعملها سفينه، فيسخرون منه، و يقولون: تعمل سفينه في البر فكيف تجرى! فيقول: سوف تعلمون فلما فرغ منها و فار التنور و كثر الماء في السكك خشيت أم الصبى عليه- و كانت تحبه حبا شديدا- فخرجت الى الجبل حتى بلغت ثلثه، فلما بلغها الماء خرجت حتى بلغت ثلثى الجبل، فلما بلغها الماء خرجت حتى استوت على الجبل، فلما بلغ الماء رقبتها رفعته بيدها، حتى ذهب به الماء، فلو رحم الله منهم أحدا لرحم أم الصبى‏].

حدثنى ابن ابى منصور، قال: حدثنا على بن الهيثم، عن المسيب بن‏

181

شريك، عن ابى روق، عن الضحاك، قال: قال سلمان الفارسي: عمل نوح السفينة أربعمائة سنه، و انبت الساج اربعين سنه، حتى كان طوله ثلاثمائة ذراع، و الذراع الى المنكب.

فعمل نوح بوحي الله اليه، و تعليمه اياه، عملها فكانت ان شاء الله كما حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذكر لنا ان طول السفينة ثلاثمائة ذراع، و عرضها خمسون ذراعا، و طولها في السماء ثلاثون ذراعا، و بابها في عرضها حدثنى الحارث، قال: حدثنا عبد العزيز، قال: حدثنا مبارك، عن الحسن، قال: كان طول سفينه نوح الف ذراع و مائتي ذراع، و عرضها ستمائه ذراع.

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنى حجاج، عن مفضل بن فضالة، عن على بن زيد بن جدعان، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، قال: قال الحواريون لعيسى بن مريم: لو بعثت لنا رجلا شهد السفينة فحدثنا عنها! فانطلق بهم حتى انتهى الى كثيب من تراب، فاخذ كفا من ذلك التراب بكفه، فقال: ا تدرون ما هذا؟ قالوا: الله و رسوله اعلم، قال: هذا قبر حام بن نوح، قال: فضرب الكثيب بعصاه و قال: قم باذن الله، فإذا هو قائم ينفض التراب عن راسه، و قد شاب، فقال له عيسى ع: هكذا هلكت؟ قال: لا، و لكنى مت و انا شاب، و لكنى ظننت انها الساعة، فمن ثم شبت قال: حدثنا عن سفينه نوح، قال:

كان طولها الف ذراع و مائتي ذراع و عرضها ستمائه ذراع، و كانت ثلاث طبقات: فطبقه فيها الدواب و الوحش، و طبقه فيها الانس، و طبقه فيها الطير، فلما كثر أرواث الدواب اوحى الله الى نوح ان اغمز ذنب الفيل، فغمز فوقع منه خنزير و خنزيرة، فاقبلا على الروث، فلما وقع الفار بخرز السفينة يقرضه، اوحى الله الى نوح ان اضرب بين عيني الأسد، فخرج من منخره سنور و سنوره، فاقبلا على الفار فقال له عيسى: كيف علم نوح ان البلاد قد غرقت؟ قال: بعث الغراب يأتيه بالخبر، فوجد جيفه فوقع عليها، فدعا عليه بالخوف، فلذلك لا يألف البيوت قال: ثم بعث الحمامه، فجاءت‏

182

بورق زيتون بمنقارها و طين برجليها، فعلم ان البلاد قد غرقت قال: فطوقها الخضرة التي في عنقها، دعا لها ان تكون في انس و أمان، فمن ثم تالف البيوت قال: فقالت الحواريون: يا رسول الله، الا ننطلق به الى أهلنا، فيجلس معنا و يحدثنا؟ قال: كيف يتبعكم من لا رزق له؟ قال:

فقال له: عد باذن الله، فعاد ترابا.

حدثنى الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرني هشام، قال: أخبرني ابى، عن ابى صالح، عن ابن عباس، قال: نجر نوح السفينة بجبل بوذ، من ثم تبدى الطوفان قال: و كان طول السفينة ثلاثمائة ذراع بذراع جد ابى نوح، و عرضها خمسين ذراعا، و طولها في السماء ثلاثين ذراعا، و خرج منها من الماء سته اذرع، و كانت مطبقة، و جعل لها ثلاثة أبواب، بعضها اسفل من بعض.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، عن محمد بن إسحاق، عمن لا يتهم، عن عبيد بن عمير الليثى، انه كان يحدث انه بلغه انهم كانوا يبطشون به- يعنى قوم نوح بنوح- فيخنقونه حتى يغشى عليه، فإذا افاق قال:

اللهم اغفر لقومى فإنهم لا يعلمون.

قال ابن إسحاق: حتى إذا تمادوا في المعصية، و عظمت في الارض منهم الخطيئة، و تطاول عليه و عليهم الشان، و اشتد عليه منهم البلاء، و انتظر النجل بعد النجل، فلا ياتى قرن الا كان اخبث من الذى قبله، حتى ان كان الآخر منهم ليقول: قد كان هذا مع آبائنا و مع أجدادنا، هكذا مجنونا! لا يقبلون منه شيئا، حتى شكا ذلك من امرهم نوح الى الله عز و جل، فقال كما قص الله عز و جل علينا في كتابه: «رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَ نَهاراً فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً» الى آخر القصة، حتى قال: «رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَ لا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً»، الى آخر القصة فلما شكا ذلك منهم نوح الى الله عز و جل‏

183

و استنصره عليهم اوحى الله اليه ان «اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَ وَحْيِنا وَ لا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ‏» فاقبل نوح على عمل الفلك، و لها عن قومه، و جعل يقطع الخشب و يضرب الحديد،، و يهيئ عده الفلك من القار و غيره مما لا يصلحه الا هو، و جعل قومه يمرون به، و هو في ذلك من عمله، فيسخرون منه، و يستهزئون به فيقول: «إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَ يَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ‏» قال: و يقولون- فيما بلغنى-: يا نوح قد صرت نجارا بعد النبوه! قال: و اعقم الله ارحام النساء فلا يولد لهم.

قال: و يزعم اهل التوراة ان الله عز و جل امره ان يصنع الفلك من خشب الساج، و ان يصنعه ازور، و ان يطليه بالقار من داخله و خارجه، و ان يجعل طوله ثمانين ذراعا و عرضه خمسين ذراعا، و طوله في السماء ثلاثين ذراعا، و ان يجعله ثلاثة اطباق: سفلا و وسطا و علوا، و ان يجعل فيه كوا ففعل نوح كما امره الله عز و جل، حتى إذا فرغ منه و قد عهد الله اليه: «إِذا جاءَ أَمْرُنا وَ فارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَ أَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَ مَنْ آمَنَ وَ ما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ‏» و قد جعل التنور آيه فيما بينه و بينه، فقال: إذا جاء امرنا و فار التنور فاسلك فيها من كل زوجين اثنين و اركب فلما فار التنور حمل نوح في الفلك من امره الله تعالى به- و كانوا قليلا كما قال- و حمل فيها من كل زوجين اثنين مما فيه الروح و الشجر، ذكرا و أنثى فحمل فيه بنيه الثلاثة: سام و حام و يافث و نساءهم، و سته اناس ممن كان آمن به فكانوا عشره نفر: نوح و بنوه و أزواجهم، ثم ادخل ما امره الله به من الدواب، و تخلف عنه ابنه يام، و كان كافرا

184

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، عن ابن إسحاق، عن الحسن ابن دينار، عن على بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، قال:

سمعته يقول: كان أول ما حمل نوح في الفلك من الدواب الذرة، و آخر ما حمل الحمار فلما ادخل الحمار و دخل صدره تعلق ابليس لعنه الله بذنبه فلم تستقل رجلاه، فجعل نوح يقول: ويحك! ادخل، فينهض فلا يستطيع، حتى قال نوح، ويحك! ادخل و ان كان الشيطان معك، قال كلمه زلت عن لسانه، فلما قالها نوح خلى الشيطان سبيله، فدخل و دخل الشيطان معه، فقال له نوح: ما ادخلك على يا عدو الله! قال: ا لم تقل: ادخل و ان كان الشيطان معك!، قال: اخرج عنى يا عدو الله، فقال: مالك بد من ان تحملني، فكان- فيما يزعمون- في ظهر الفلك، فلما اطمان نوح في الفلك و ادخل فيه كل من آمن به، و كان ذلك في الشهر من السنه التي دخل فيها نوح بعد ستمائه سنه من عمره لسبع عشره ليله مضت من الشهر، فلما دخل و حمل معه من حمل، تحرك ينابيع الغوط الاكبر، و فتحت أبواب السماء، كما قال الله لنبيه ص: «فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ وَ فَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى‏ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ» فدخل نوح و من معه الفلك و غطاه عليه و على من معه بطبقه، فكان بين ان ارسل الله الماء و بين ان احتمل الماء الفلك اربعون يوما و اربعون ليله ثم احتمل الماء كما يزعم اهل التوراة، و كثر و اشتد و ارتفع، يقول الله عز و جل لنبيه محمد ص.

«وَ حَمَلْناهُ عَلى‏ ذاتِ أَلْواحٍ وَ دُسُرٍ تَجْرِي بِأَعْيُنِنا جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ».

و الدسر: المسامير، مسامير الحديد فجعلت الفلك تجرى به و بمن معه في موج كالجبال، و نادى نوح ابنه الذى هلك فيمن هلك، و كان في معزل حين راى نوح من صدق موعود ربه ما راى، فقال: «يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَ لا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ»، و كان شقيا قد اضمر كفرا، «قالَ سَآوِي إِلى‏ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ»، و كان عهد الجبال و هي حرز

185

من الامطار إذا كانت، فظن ان ذلك كما كان يكون، قال نوح: «لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَ حالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ‏».

و كثر الماء و طغى، و ارتفع فوق الجبال- كما يزعم اهل التوراة- خمسه عشر ذراعا، فباد ما على وجه الارض من الخلق، من كل شي‏ء فيه الروح او شجر، فلم يبق شي‏ء من الخلائق الا نوح و من معه في الفلك، و الا عوج بن عنق- فيما يزعم اهل الكتاب- فكان بين ان ارسل الله الطوفان و بين ان غاض الماء سته اشهر و عشر ليال.

حدثنى الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرني هشام، قال:

أخبرني ابى، عن ابى صالح، عن ابن عباس، قال: ارسل الله المطر اربعين يوما و اربعين ليله، فاقبلت الوحوش حين أصابها المطر و الدواب و الطير كلها الى نوح، و سخرت له، فحمل منها كما امره الله عز و جل: «مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ‏»، و حمل معه جسد آدم، فجعله حاجزا بين النساء و الرجال، فركبوا فيها لعشر ليال مضين من رجب، و خرجوا منها يوم عاشوراء من المحرم، فلذلك صام من صام يوم عاشوراء و اخرج الماء نصفين، فذلك قول الله عز و جل «فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ»، يقول: منصب، «وَ فَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً»، يقول: شققنا الارض، «فَالْتَقَى الْماءُ عَلى‏ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ» فصار الماء نصفين: نصف من السماء و نصف من الارض، و ارتفع الماء على اطول جبل في الارض خمسه عشر ذراعا، فسارت بهم السفينة، فطافت بهم الارض كلها في سته اشهر لا تستقر على شي‏ء، حتى أتت الحرم فلم تدخله، و دارت بالحرم أسبوعا، و رفع البيت الذى بناه آدم ع، رفع من الغرق،- و هو البيت المعمور و الحجر الأسود- على ابى قبيس، فلما دارت بالحرم ذهبت في الارض تسير بهم، حتى انتهت الى الجودي- و هو جبل بالحضيض من‏

186

ارض الموصل- فاستقرت بعد سته اشهر لتمام السبع، فقيل بعد السبعه الأشهر:

«بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ»، فلما استقرت‏ عَلَى الْجُودِيِ‏ قِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ»، يقول: انشفى ماءك الذى خرج منك، «وَ يا سَماءُ أَقْلِعِي»، يقول:

احبسى ماءك، «وَ غِيضَ الْماءُ» نشفته الارض، فصار ما نزل من السماء هذه البحور التي ترون في الارض، فاخر ما بقي من الطوفان في الارض ماء بحسمى بقي في الارض اربعين سنه بعد الطوفان ثم ذهب.

و كان التنور الذى جعل الله تعالى ذكره آيه ما بينه و بين نوح فوران الماء منه تنورا كان لحواء من حجارة، و صار الى نوح.

حدثنى يعقوب بن ابراهيم، قال: حدثنا هشيم، عن ابى محمد، عن الحسن، قال: كان تنورا من حجارة، كان لحواء حتى صار الى نوح، قال: فقيل له: إذا رايت الماء يفور من التنور، فاركب أنت و أصحابك.

و قد اختلف في المكان الذى كان به التنور الذى جعل الله فوران مائه آيه، ما بينه و بين نوح، فقال بعضهم: كان بالهند.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابو كريب، قال: حدثنا عبد الحميد الحماني، عن النضر ابى عمر الخزاز، عن عكرمه، عن ابن عباس: في: «وَ فارَ التَّنُّورُ» قال:

فار بالهند.

و قال آخرون: كان ذلك بناحيه الكوفه.

ذكر من قال ذلك:

187

حدثنى الحارث، قال: حدثنا الحسن، قال: حدثنا خلف بن خليفه، عن ليث، عن مجاهد، قال: نبع الماء في التنور، فعلمت به امراته فاخبرته، قال: و كان ذلك في ناحيه الكوفه.

حدثنى الحارث، قال: حدثنا القاسم، قال: حدثنا على بن ثابت، عن السرى بن اسماعيل، عن الشعبى، انه كان يحلف بالله: ما فار التنور الا من ناحيه الكوفه.

و اختلف في عدد من ركب الفلك من بنى آدم، فقال بعضهم:

كانوا ثمانين نفسا.

ذكر من قال ذلك:

حدثنى موسى بن عبد الرحمن المسروقى، قال: حدثنا زيد بن الحباب، قال: حدثنى حسين بن واقد الخراسانى، قال: حدثنا ابو نهيك، قال:

سمعت ابن عباس يقول: كان في سفينه نوح ثمانون رجلا، احدهم جرهم.

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنى حجاج، قال:

قال ابن جريج: قال ابن عباس: حمل نوح معه في السفينة ثمانين إنسانا.

حدثنى الحارث، قال: حدثنا عبد العزيز، قال: قال سفيان: كان بعضهم يقول: كانوا ثمانين- يعنى القليل الذين قال الله عز و جل:

«وَ ما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ‏».

حدثنى الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرني هشام، قال:

أخبرني ابى، عن ابى صالح، عن ابن عباس، قال: حمل نوح في السفينة بنيه: سام، و حام، و يافث و كنائنه، نساء بنيه هؤلاء، و ثلاثة و سبعين من بنى شيث، ممن آمن به، فكانوا ثمانين في السفينة

188

و قال بعضهم: بل كانوا ثمانية انفس ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذكر لنا انه لم يتم في السفينة الا نوح و امراته و ثلاثة بنيه، و نساؤهم، فجميعهم ثمانية.

حدثنا ابن وكيع و الحسن بن عرفه، قالا: حدثنا يحيى بن عبد الملك ابن ابى غنيه، عن ابيه، عن الحكم: «وَ ما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ‏»، قال: نوح، و ثلاثة بنيه، و اربع كنائنه.

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنى حجاج، قال:

قال ابن جريج: حدثت ان نوحا حمل معه بنيه الثلاثة و ثلاث نسوه لبنيه، و امراه نوح، فهم ثمانية بأزواجهم، و أسماء بنيه: يافث، و حام، و سام.

فأصاب حام امراته في السفينة، فدعا نوح ان تغير نطفته، فجاء بالسودان.

و قال آخرون: بل كانوا سبعه انفس.

ذكر من قال ذلك:

حدثنى الحارث، قال: حدثنى عبد العزيز، قال: حدثنا سفيان، عن الاعمش: «وَ ما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ‏»، قال: كانوا سبعه: نوح، و ثلاث كنائن، و ثلاثة بنين له.

و قال آخرون: كانوا عشره سوى نسائهم.

ذكر من قال ذلك:

189

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، عن ابن إسحاق، قال:

حمل بنيه الثلاثة: سام، و حام، و يافث و نساءهم، و سته اناسى ممن كان آمن به، فكانوا عشره نفر بنوح و بنيه و أزواجهم و ارسل الله تبارك و تعالى الطوفان لمضى ستمائه سنه من عمر نوح- فيما ذكره اهل العلم من اهل الكتاب و غيرهم- و لتتمه الفى سنه و مائتي سنه و ست و خمسين سنه من لدن اهبط آدم الى الارض.

و قيل: ان الله عز و جل ارسل الطوفان لثلاث عشره خلت من آب، و ان نوحا اقام في الفلك الى ان غاض الماء، و استوت الفلك على جبل الجودي بقردى، في اليوم السابع عشر من الشهر السادس فلما خرج نوح منها اتخذ بناحيه قردى من ارض الجزيرة موضعا، و ابتنى هناك قريه سماها ثمانين، لأنه كان بنى فيها بيتا لكل انسان ممن آمن معه و هم ثمانون، فهى الى اليوم تسمى سوق ثمانين.

حدثنى الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: حدثنى هشام بن محمد، قال: أخبرني ابى، عن ابى صالح، عن ابن عباس، قال: هبط نوح(ع)الى قريه، فبنى كل رجل منهم بيتا، فسميت سوق ثمانين، فغرق بنو قابيل كلهم، و ما بين نوح الى آدم من الآباء كانوا على الاسلام.

قال ابو جعفر: فصار هو و اهله فيه، فاوحى الله اليه انه لا يعيد الطوفان الى الارض ابدا.

و قد حدثنى عباد بن يعقوب الأسدي، قال: حدثنا المحاربى، عن عثمان‏

190

ابن مطر، عن عبد العزيز بن عبد الغفور، عن ابيه، قال: [قال رسول الله ص: في أول يوم من رجب ركب نوح السفينة، فصام هو و جميع من معه، و جرت بهم السفينة سته اشهر، فانتهى ذلك الى المحرم، فارست السفينة على الجودي يوم عاشوراء، فصام نوح، و امر جميع من معه من الوحش و الدواب فصاموا شكرا لله عز و جل‏].

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنى حجاج، عن ابن جريج، قال: كانت السفينة أعلاها الطير، و وسطها الناس، و أسفلها السباع.

و كان طولها في السماء ثلاثين ذراعا، و دفعت من عين ورده يوم الجمعه لعشر ليال مضين من رجب، و ارست على الجودي يوم عاشوراء، و مرت بالبيت، فطافت به سبعا، و قد رفعه الله من الغرق، ثم جاءت اليمن، ثم رجعت حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا حجاج، عن ابى جعفر الرازى، عن قتادة، قال: هبط نوح من السفينة يوم العاشر من المحرم، فقال لمن معه: من كان منكم صائما فليتم صومه، و من كان منكم مفطرا فليصم.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذكر لنا انها- يعنى الفلك- استقلت بهم في عشر خلون من رجب، فكانت في الماء خمسين و مائه يوم، و استقرت على الجودي شهرا، و اهبط بهم في عشر خلون من المحرم يوم عاشوراء.

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنى حجاج، عن ابى معشر، عن محمد بن قيس، قال: ما كان زمان نوح شبر من الارض الا انسان يدعيه‏

191

ثم عاش نوح بعد الطوفان فيما حدثنى نصر بن على الجهضمي، قال:

أخبرنا نوح بن قيس، قال: حدثنا عون بن ابى شداد، قال: عاش- يعنى نوحا- بعد ذلك- يعنى بعد الالف سنه الا خمسين عاما التي لبثها في قومه- ثلاثمائة و خمسين سنه.

و اما ابن إسحاق، فان ابن حميد حدثنا، قال: حدثنا سلمه، عنه، قال: و عمر نوح- فيما يزعم اهل التوراة- بعد ان اهبط من الفلك ثلاثمائة سنه و ثمانيا و اربعين سنه، قال: فكان جميع عمر نوح الف سنه الا خمسين عاما، ثم قبضه الله عز و جل اليه.

و قيل: ان ساما ولد لنوح قبل الطوفان بثمان و تسعين سنه و قال بعض اهل التوراة: لم يكن التناسل، و لا ولد لنوح ولد الا بعد الطوفان، و بعد خروج نوح من الفلك.

قالوا: انما الذين كانوا معه في الفلك قوم كانوا آمنوا به و اتبعوه، غير انهم بادوا و هلكوا، فلم يبق لهم عقب، و انما الذين هم اليوم في الدنيا من بنى آدم ولد نوح و ذريته دون سائر ولد آدم، كما قال الله عز و جل:

«وَ جَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ‏».

و قيل: انه كان لنوح قبل الطوفان ابنان هلكا جميعا، كان أحدهما يقال له كنعان، قالوا: و هو الذى غرق في الطوفان، و الآخر منهما يقال له عابر، مات قبل الطوفان.

حدثنا الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرني هشام، قال:

أخبرني ابى، عن ابى صالح، عن ابن عباس، قال: ولد لنوح سام، و في ولده بياض و ادمه، و حام و في ولده سواد و بياض قليل، و يافث و فيهم الشقرة و الحمرة، و كنعان و هو الذى غرق، و العرب تسميه يام، و ذلك قول العرب:

انما هام عمنا يام، و أم هؤلاء واحده‏

192

فاما المجوس فإنهم لا يعرفون الطوفان، و يقولون: لم يزل الملك فينا من عهد جيومرت، و قالوا: جيومرت هو آدم يتوارثه آخر عن أول الى عهد فيروز بن يزدجرد بن شهريار، قالوا: و لو كان لذلك صحه كان نسب القوم قد انقطع، و ملك القوم قد اضمحل، و كان بعضهم يقر بالطوفان و يزعم انه كان في إقليم بابل و ما قرب منه، و ان مساكن ولد جيومرت كانت بالمشرق، فلم يصل ذلك اليهم.

قال ابو جعفر: و قد اخبر الله تعالى ذكره من الخبر عن الطوفان بخلاف ما قالوا، فقال و قوله الحق: «وَ لَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ. وَ نَجَّيْناهُ وَ أَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ. وَ جَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ‏»، فاخبر عز ذكره ان ذريه نوح هم الباقون دون غيرهم.

و قد ذكرت اختلاف الناس في جيومرت و من يخالف الفرس في عينه، و من هو، و من نسبه الى نوح ع.

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا ابن عثمه، قال: حدثنا سعيد بن بشير، عن قتادة، عن الحسن، عن سمره بن جندب، [عن النبي(ص)في قوله: «وَ جَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ‏» قال: سام و حام و يافث‏].

حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد عن قتادة، في قوله: «وَ جَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ‏»، قال: فالناس كلهم من ذريه نوح.

حدثنى على بن داود، قال: حدثنا ابو صالح، قال: حدثنى معاويه، عن على، عن ابن عباس في قوله تعالى: «وَ جَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ‏».

يقول: لم يبق الا ذريه نوح.

و روى عن على بن مجاهد، عن ابن إسحاق، عن الزهري. و عن محمد بن‏

193

صالح، عن الشعبى قالا: لما هبط آدم من الجنه، و انتشر ولده ارخ بنوه من هبوط آدم، فكان ذلك التاريخ حتى بعث الله نوحا فارخوا ببعث نوح، حتى كان الغرق، فهلك من هلك ممن كان على وجه الارض. فلما هبط نوح و ذريته و كل من كان في السفينة الى الارض قسم الارض بين ولده أثلاثا: فجعل لسام وسطا من الارض، ففيها بيت المقدس، و النيل، و الفرات، و دجلة، و سيحان، و جيحان، و فيشون، و ذلك ما بين فيشون الى شرقى النيل، و ما بين منخر ريح الجنوب الى منخر الشمال. و جعل لجام قسمه غربي النيل، فما وراءه الى منخر ريح الدبور. و جعل قسم يافث في فيشون فما وراءه الى منخر ريح الصبا، فكان التاريخ من الطوفان الى نار ابراهيم، و من نار ابراهيم الى مبعث يوسف، و من مبعث يوسف الى مبعث موسى، و من مبعث موسى الى ملك سليمان، و من ملك سليمان الى مبعث عيسى بن مريم، و من مبعث عيسى بن مريم الى ان بعث رسول ص.

و هذا الذى ذكر عن الشعبى من التاريخ ينبغى ان يكون على تاريخ اليهود، فاما اهل الاسلام فإنهم لم يؤرخوا الا من الهجره، و لم يكونوا يؤرخون بشي‏ء من قبل ذلك، غير ان قريشا كانوا- فيما ذكر- يؤرخون قبل الاسلام بعام الفيل، و كان سائر العرب يؤرخون بأيامهم المذكوره، كتاريخهم بيوم جبله، و بالكلاب الاول، و الكلاب الثانى.

و كانت النصارى تؤرخ بعهد الاسكندر ذي القرنين، و احسبهم على ذلك من التاريخ الى اليوم.

و اما الفرس فإنهم كانوا يؤرخون بملوكهم، و هم اليوم فيما اعلم يؤرخون بعهد يزدجرد بن شهريار، لأنه كان آخر من كان من ملوكهم له ملك بابل و المشرق‏

194

ذكر بيوراسب، و هو الازدهاق‏

و العرب تسميه الضحاك، فتجعل الحرف الذى بين السين و الزاى في الفارسيه ضادا، و الهاء حاء، و القاف كافا، و اياه عنى حبيب بن أوس بقوله:

ما نال ما قد نال فرعون و لا* * * هامان في الدنيا و لا قارون‏

بل كان كالضحاك في سطواته* * * بالعالمين، و أنت افريدون‏

و هو الذى افتخر بادعائه انه منهم الحسن بن هانئ في قوله:

و كان منا الضحاك يعبده* * * الخابل و الجن في مساربها

قال: و اليمن تدعيه.

حدثت عن هشام بن محمد بن السائب- فيما ذكر من امر الضحاك هذا- قال: و العجم تدعى الضحاك و تزعم ان جما كان زوج اخته من بعض اشراف اهل بيته، و ملكه على اليمن، فولدت له الضحاك.

قال: و اليمن تدعيه، و تزعم انه من أنفسها، و انه الضحاك بن علوان بن عبيد بن عويج، و انه ملك على مصر أخاه سنان بن علوان بن عبيد بن عويج، و هو أول الفراعنة، و انه كان ملك مصر حين قدمها ابراهيم خليل الرحمن ع.

و اما الفرس فإنها تنسب الازدهاق هذا غير النسبه التي ذكر هشام عن اهل اليمن، و تذكر انه بيوراسب بن ارونداسب بن زينكاو بن ويروشك‏

195

ابن تاز بن فرواك بن سيامك بن مشا بن جيومرت.

و منهم من ينسبه هذه النسبه، غير انه يخالف النطق بأسماء آبائه فيقول:

هو الضحاك بن اندرماسب بن زنجدار بن وندريسج بن تاج بن فرياك بن ساهمك بن تاذى بن جيومرت.

و المجوس تزعم ان تاج هذا هو ابو العرب، و يزعمون ان أم الضحاك كانت ودك بنت و يونجهان، و انه قتل أباه تقربا بقتله الى الشياطين، و انه كان كثير المقام ببابل، و كان له ابنان يقال لأحدهما: سرهوار، و للآخر نفوار.

و قد ذكر عن الشعبى انه كان يقول: هو قرشت مسخه الله ازدهاق.

ذكر الرواية عنه بذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه بن الفضل، عن يحيى بن العلاء، عن القاسم بن سلمان، عن الشعبى، قال: ابجد، و هوز، و حطي، و كلمن، و سعفص، و قرشت، كانوا ملوكا جبابره، فتفكر قرشت يوما، فقال:

تبارك الله احسن الخالقين! فمسخه الله فجعله اجدهاق، و له سبعه‏

196

ارؤس، فهو الذى بدنباوند، و جميع اهل الاخبار من العرب و العجم تزعم انه ملك الأقاليم كلها، و انه كان ساحرا فاجرا.

و حدثت عن هشام بن محمد، قال: ملك الضحاك بعد جم- فيما يزعمون، و الله اعلم- الف سنه، و نزل السواد في قريه يقال لها نرس في ناحيه طريق الكوفه، و ملك الارض كلها، و سار بالجور و العسف، و بسط يده في القتل، و كان أول من سن الصلب و القطع، و أول من وضع العشور، و ضرب الدراهم، و أول من تغنى و غنى له، قال: و يقال انه خرج في منكبه سلعتان فكانتا تضربان عليه، فيشتد عليه الوجع حتى يطليهما بدماغ انسان، فكان يقتل لذلك في كل يوم رجلين و يطلى سلعتيه بدماغيهما، فإذا فعل ذلك سكن ما يجد، فخرج عليه رجل من اهل بابل فاعتقد لواء، و اجتمع اليه بشر كثير، فلما بلغ الضحاك خبره راعه، فبعث اليه: ما امرك؟

و ما تريد؟ قال: ا لست تزعم انك ملك الدنيا، و ان الدنيا لك! قال: بلى، قال: فليكن كلبك على الدنيا، و لا يكونن علينا خاصه، فإنك انما تقتلنا دون الناس فأجابه الضحاك الى ذلك، و امر بالرجلين اللذين كان يقتلهما في كل يوم ان يقسما على الناس جميعا، و لا يخص بهما مكان دون مكان قال: فبلغنا ان اهل أصبهان من ولد ذلك الرجل الذى رفع اللواء، و ان ذلك اللواء لم يزل محفوظا عند ملوك فارس في خزائنهم، و كان فيما بلغنا جلد اسد، فالبسه ملوك فارس الذهب و الديباج تيمنا به.

قال: و بلغنا ان الضحاك هو نمرود، و ان ابراهيم خليل الرحمن ص‏

197

ولد في زمانه، و انه صاحبه الذى اراد إحراقه.

قال: و بلغنا ان افريدون- هو من نسل جم الملك الذى كان من قبل الضحاك، و يزعمون انه التاسع من ولده، و كان مولده بدنباوند، خرج حتى ورد منزل الضحاك و هو عنه غائب بالهند، فحوى على منزله و ما فيه، فبلغ الضحاك ذلك، فاقبل و قد سلبه الله قوته، و ذهبت دولته، فوثب به افريدون فاوثقه و صيره بجبال دنباوند، فالعجم تزعم انه الى اليوم موثق في الحديد يعذب هناك.

و ذكر غير هشام ان الضحاك لم يكن غائبا عن مسكنه، و لكن افريدون ابن اثفيان جاء الى مسكن له في حصن يدعى زرنج ماه. مهروز مهر، فنكح امرأتين له: تسمى إحداهما: اروناز و الاخرى سنوار. فوهل بيوراسب لما عاين ذلك، و خر مدلها لا يعقل، فضرب افريدون هامته بجرز له ملتوى الراس، فزاده ذلك وهلا و عزوب عقل، ثم توجه به افريدون الى جبل دنباوند، و شده هنالك وثاقا، و امر الناس باتخاذ. مهر ماه مهر روز.- و هو المهرجان اليوم الذى اوثق فيه بيوراسب- عيدا، و علا افريدون سرير الملك.

و ذكر عن الضحاك انه قال يوم ملك و عقد عليه التاج: نحن ملوك الدنيا، المالكون لما فيها.

و الفرس تزعم ان الملك لم يكن الا للبطن الذى منه اوشهنج و جم و طهمورث، و ان الضحاك كان غاصبا و انه غصب اهل الارض بسحره و خبثه، و هول عليهم بالحيتين اللتين كانتا على منكبيه، و انه بنى بأرض بابل مدينه‏

198

سماها حوب، و جعل النبط اصحابه و بطانته، فلقى الناس منه كل جهد، و ذبح الصبيان.

و يقول كثير من اهل الكتب: ان الذى كان على منكبيه كان لحمتين طويلتين ناتئتين على منكبيه، كل واحده منهما كراس الثعبان، و انه كان بخبثه و مكره يسترهما بالثياب و يذكر على طريق التهويل انهما حيتان يقتضيانه الطعام، و كانتا تتحركان تحت ثوبه إذا جاع كما يتحرك العضو من الإنسان عند التهابه بالجوع و الغضب و من الناس من يقول: كان ذلك حيتين، و قد ذكرت ما روى عن الشعبى في ذلك، و الله اعلم بحقيقته و صحته.

و ذكر بعض اهل العلم بأنساب الفرس و أمورهم ان الناس لم يزالوا من بيوراسب هذا في جهد شديد، حتى إذا اراد الله اهلاكه وثب به رجل من العامه من اهل أصبهان يقال له كابى، بسبب ابنين كانا له أخذهما رسل بيوراسب بسبب الحيتين اللتين كانتا على منكبيه. و قيل: انه لما بلغ الجزع من كابى هذا على ولده أخذ عصا كانت بيده، فعلق بأطرافها جرابا كان معه، ثم نصب ذلك العلم، و دعا الناس الى مجاهده بيوراسب و محاربته، فاسرع الى اجابته خلق كثير، لما كانوا فيه معه من البلاء و فنون الجور، فلما غلب كابى تفاءل الناس بذلك العلم، فعظموا امره، و زادوا فيه حتى صار عند ملوك العجم علمهم الاكبر الذى يتبركون به، و سموه درفش كابيان، فكانوا لا يسيرونه الا في الأمور العظام، و لا يرفع الا لأولاد الملوك إذا وجهوا في الأمور العظام.

و كان من خبر كابى انه شخص عن أصبهان بمن تبعه و التف اليه في طريقه، فلما قرب من الضحاك و اشرف عليه، قذف في قلب الضحاك‏

199

منه الرعب، فهرب عن منازله، و خلى مكانه، و انفتح للاعاجم فيه ما أرادوا، فاجتمعوا الى كابى و تناظروا، فاعلمهم كابى انه لا يتعرض للملك، لأنه ليس من اهله، و امرهم ان يملكوا بعض ولد جم، لأنه ابن الملك الاكبر او شهنق بن فرواك الذى رسم الملك، و سبق الى القيام به، و كان افريدون بن اثفيان مستخفيا في بعض النواحي من الضحاك، فوافى كابى و من كان معه، فاستبشر القوم بموافاته، و ذلك انه كان مرشحا للملك بروايه كانت لهم في ذلك، فملكوه، و صار كابى و الوجوه لافريدون أعوانا على امره، فلما ملك و احكم ما احتاج اليه من امر الملك، و احتوى على منازل الضحاك، اتبعه فاسره بدنباوند في جبالها.

و بعض المجوس تزعم انه جعله أسيرا حبيسا في تلك الجبال، موكلا به قوم من الجن.

و منهم من يقول: انه قتله، و زعموا انه لم يسمع من امور الضحاك شي‏ء يستحسن غير شي‏ء واحد، و هو ان بليته لما اشتدت و دام جوره و طالت ايامه، عظم على الناس ما لقوا منه، فتراسل الوجوه في امره، فاجمعوا على المصير الى بابه، فوافى بابه الوجوه و العظماء من الكور و النواحي، فتناظروا في الدخول عليه و التظلم اليه، و التاتى لاستعطافه، فاتفقوا على ان يقدموا للخطاب عنهم كابى الاصبهانى، فلما صاروا الى بابه اعلم بمكانهم، فاذن لهم، فدخلوا و كابى متقدم لهم، فمثل بين يديه، و امسك عن السلام، ثم قال: ايها الملك، اى السلام اسلم عليك؟ اسلام من يملك هذه الأقاليم كلها، أم سلام من يملك هذا الإقليم الواحد؟ يعنى بابل، فقال له الضحاك: بل سلام من يملك هذه الأقاليم كلها، لانى ملك الارض. فقال له الاصبهانى: فإذا كنت تملك الأقاليم كلها، و كانت يدك تنالها اجمع، فما بالنا قد خصصنا بمؤنتك‏

200

و تحاملك و اساءتك من بين اهل الأقاليم! و كيف لم تقسم امر كذا و كذا بيننا و بين الأقاليم؟ و عدد عليه أشياء كان يمكنه تخفيفها عنهم، و جرد له الصدق و القول في ذلك، فقدح في قلب الضحاك قوله، و عمل فيه حتى انخزل و اقر بالإساءة، و تالف القوم و وعدهم ما يحبون، و امرهم بالانصراف لينزلوا و يتدعوا، ثم يعودوا ليقضى حوائجهم، ثم ينصرفوا الى بلادهم.

و زعموا ان أمه ودك كانت شرا منه و اردى، و انها كانت في وقت معاتبه القوم اياه بالقرب منه تتعرف ما يقولونه، فتغتاظ و تنكره، فلما خرج القوم دخلت مستشيطه منكره على الضحاك احتماله القوم، و قالت له: قد بلغنى كل ما كان و جراه هؤلاء القوم عليك حتى قرعوك بكذا، و اسمعوك كذا، ا فلا دمرت عليهم و دمدمتهم، او قطعت ايديهم! فلما اكثرت على الضحاك قال لها مع عتوه: يا هذه، انك لم تفكرى في شي‏ء الا و قد سبقت اليه، الا ان القوم بدهونى بالحق، و قرعونى به، فلما هممت بالسطوه بهم و الوثوب عليهم تخيل الحق فمثل بيني و بينهم بمنزله الجبل، فما أمكنني فيهم شي‏ء ثم سكتها و أخرجها، ثم جلس لأهل النواحي بعد ايام، فوفى لهم بما وعدهم، و ردهم و قد لان لهم، و قضى اكثر حوائجهم، و لا يعرف للضحاك- فيما ذكر- فعله استحسنت منه غير هذه.

و قد ذكر ان عمر الاجدهاق هذا كان الف سنه، و ان ملكه منها كان ستمائه سنه، و انه كان في باقى عمره شبيها بالملك لقدرته و نفوذ امره و قال‏

201

بعضهم: انه ملك الف سنه و كان عمره الف سنه و مائه سنه، الى ان خرج عليه افريدون فقهره و قتله.

و قال بعض علماء الفرس: لا نعلم أحدا كان اطول عمرا- ممن لم يذكر عمره في التوراة- من الضحاك هذا، و من جامر بن يافث بن نوح ابى الفرس، فانه ذكر ان عمره كان الف سنه.

و انما ذكرنا خبر بيوراسب في هذا الموضع، لان بعضهم زعم ان نوحا(ع)كان في زمانه، و انه انما كان ارسل اليه و الى من كان في مملكته، ممن دان بطاعته و اتبعه على ما كان عليه من العتو و التمرد على الله، فذكرنا احسان الله و أياديه عند نوح(ع)بطاعته ربه و صبره على ما لقى منه من الأذى و المكروه في عاجل الدنيا، بان نجاه و من آمن معه و اتبعه من قومه، و جعل ذريته هم الباقين في الدنيا، و ابقى له ذكره بالثناء الجميل، مع ما ذخر له عنده في الأجل من النعيم المقيم و العيش الهني‏ء، و اهلاكه الآخرين بمعصيتهم اياه و تمردهم عليه، و خلافهم امره، فسلبهم ما كانوا فيه من النعيم، و جعلهم عبره و عظه للغابرين، مع ما ذخر لهم عنده في الأجل من العذاب الأليم.

و نرجع الان الى ذكر نوح(ع)و الخبر عنه و عن ذريته، إذ كانوا هم الباقين اليوم كما اخبر الله عنهم، و كان الآخرون الذين بعث نوح اليهم خلا ولده و نسله قد بادوا و ذريتهم، فلم يبق منهم و لا من اعقابهم احد.

[قد ذكرنا قبل عن رسول الله(ص)انه قال في قول الله عز و جل: «وَ جَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ‏»: انهم سام، و حام، و يافث‏].

حدثنى محمد بن سهل بن عسكر، قال: حدثنا اسماعيل بن عبد الكريم، قال: حدثنا عبد الصمد بن معقل، قال: سمعت وهب بن منبه، يقول: ان سام بن نوح ابو العرب و فارس و الروم، و ان حام ابو السودان، و ان يافث ابو الترك و ابو يأجوج و ماجوج، و هو بنو عم الترك‏

202

و قيل: كانت زوجه يافث اربسيسه بنت مرازيل بن الدرمسيل بن محويل بن خنوخ بن قين بن آدم ع، فولدت له سبعه نفر و امراه.

فممن ولدت له من الذكور جومر بن يافث و هو- فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، عن ابن إسحاق- ابو يأجوج و ماجوج، و مارح بن يافث و وائل بن يافث، و حوان بن يافث، و توبيل بن يافث، و هوشل بن يافث، و ترس بن يافث، و شبكة بنت يافث قال: فمن بنى يافث كانت يأجوج و ماجوج و الصقالبه و الترك فيما يزعمون و كانت امراه حام بن نوح نحلب بنت مارب بن الدرمسيل بن محويل بن خنوخ بن قين بن آدم‏

3

فولدت له ثلاثة نفر: كوش بن حام بن نوح، و قوط بن حام بن نوح، و كنعان بن حام فنكح كوش بن حام بن نوح قرنبيل ابنه بتاويل بن ترس بن يافث‏

3

، فولدت له الحبشه و السند و الهند فيما يزعمون‏

3

و نكح قوط بن حام بن نوح بخت ابنه بتاويل ابن ترس بن يافث بن نوح‏

3

، فولدت له القبط- قبط مصر- فيما يزعمون‏

3

و نكح كنعان بن حام بن نوح ارتيل ابنه بتاويل بن ترس بن يافث بن نوح‏

3

، فولدت له الأساود: نوبه، و فزان، و الزنج، و الزغاوه، و اجناس السودان كلها.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، عن ابن إسحاق، في الحديث قال: و يزعم اهل التوراة ان ذلك لم يكن الا عن دعوه دعاها نوح على ابنه حام، و ذلك ان نوحا نام فانكشف عن عورته، فرآها حام فلم يغطها، و رآها سام و يافث فألقيا عليها ثوبا فواريا عورته، فلما هب من نومته علم ما صنع حام و سام و يافث، فقال: ملعون كنعان بن حام، عبيدا يكونون لإخوته، و قال: يبارك الله ربى في سام، و يكون حام عبد اخويه، و يقرض الله يافث، و يحل في مساكن حام، و يكون كنعان عبدا لهم قال: و كانت امراه سام‏