تاريخ الأمم و الملوك‏‏‏ - ج1

- ابن جرير الطبري المزيد...
632 /
203

ابن نوح صليب ابنه بتاويل بن محويل بن خنوخ بن قين بن آدم، فولدت له نفرا: ارفخشد بن سام، و اشوذ بن سام، و لاوذ بن سام، و عويلم بن سام، و كان لسام ارم بن سام، قال: و لا ادرى ارم لام ارفخشد و اخوته أم لا؟

حدثنى الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرني هشام بن محمد، قال: أخبرني ابى، عن ابى صالح، عن ابن عباس، قال: لما ضاقت بولد نوح سوق ثمانين تحولوا الى بابل فبنوها، و هي بين الفرات و الصراة، و كانت اثنى عشر فرسخا في اثنى عشر فرسخا، و كان بابها موضع دوران اليوم، فوق جسر الكوفه يسره إذا عبرت، فكثروا بها حتى بلغوا مائه الف، و هم على الاسلام.

و رجع الحديث الى حديث ابن إسحاق‏

3

فنكح لاوذ بن سام بن نوح شبكة ابنه يافث بن نوح‏

3

، فولدت له فارس و جرجان و اجناس فارس‏

3

، و ولد للاوذ مع الفرس طسم و عمليق، و لا ادرى ا هو لام الفرس أم لا؟ فعمليق ابو العماليق كلهم امم تفرقت في البلاد، و كان اهل المشرق و اهل عمان و اهل الحجاز و اهل الشام و اهل مصر منهم، و منهم كانت الجبابرة بالشام الذين يقال لهم الكنعانيون، و منهم كانت الفراعنة بمصر، و كان اهل البحرين و اهل عمان منهم أمه يسمون جاسم، و كان ساكنى المدينة منهم، بنو هف و سعد بن هزان، و بنو مطر، و بنو الأزرق و اهل نجد منهم بديل و راحل و غفار، و اهل تيماء منهم و كان ملك الحجاز منهم بتيماء اسمه الارقم، و كانوا ساكنى نجد مع ذلك و كان ساكنى الطائف بنو عبد بن ضخم، حي من عبس الاول.

قال: و كان بنو اميم بن لاوذ بن سام بن نوح اهل وبار بأرض الرمل،

204

رمل عالج، و كانوا قد كثروا بها و ربلوا، فاصابتهم من الله عز و جل نقمه من معصية أصابوها، فهلكوا و بقيت منهم بقية، و هم الذين يقال لهم النسناس.

قال: و كان طسم بن لاوذ ساكن اليمامه و ما حولها، قد كثروا بها و ربلوا الى البحرين، فكانت طسم و العماليق و اميم و جاسم قوما عربا، لسانهم الذى جبلوا عليه لسان عربي و كانت فارس من اهل المشرق ببلاد فارس، يتكلمون بهذا اللسان الفارسي.

قال: و ولد ارم بن سام بن نوح عوص بن ارم، و غاثر بن ارم، و حويل بن ارم فولد عوص بن ارم غاثر بن عوص، و عاد بن عوص، و عبيل ابن عوص و ولد غاثر بن ارم ثمود بن غاثر، و جديس بن غاثر و كانوا قوما عربا يتكلمون بهذا اللسان المضرى، فكانت العرب تقول لهذه الأمم: العرب العاربة، لأنه لسانهم الذى جبلوا عليه، و يقولون لبنى اسماعيل بن ابراهيم:

العرب المتعربة، لانهم انما تكلموا بلسان هذه الأمم حين سكنوا بين اظهرهم.

فعاد و ثمود و العماليق و اميم و جاسم و جديس و طسم هم العرب، فكانت عاد بهذه الرمل الى حضر موت و اليمن كله، و كانت ثمود بالحجر بين الحجاز و الشام الى وادي القرى و ما حوله، و لحقت جديس بطسم، فكانوا معهم باليمامة و ما حولها الى البحرين، و اسم اليمامه إذ ذاك جو، و سكنت جاسم عمان فكانوا بها.

و قال غير ابن إسحاق: ان نوحا دعا لسام بان يكون الأنبياء و الرسل من ولده، و دعا ليافث بان يكون الملوك من ولده، و بدا بالدعاء ليافث و قدمه في ذلك على سام، و دعا على حام بان يتغير لونه، و يكون ولده عبيدا لولد سام و يافث.

قال: و ذكر في الكتب انه رق على حام بعد ذلك، فدعا له بان يرزق الرأفة من اخوته، و دعا من ولد ولده لكوش بن حام و لجامر بن يافث بن نوح،

205

و ذلك ان عده من ولد الولد لحقوا نوحا فخدموه، كما خدمه ولده لصلبه، فدعا لعده منهم.

قال: فولد لسام عابر و عليم و اشوذ و ارفخشد و لاوذ و ارم، و كان مقامه بمكة.

قال: فمن ولد ارفخشد الأنبياء و الرسل و خيار الناس، و العرب كلها، و الفراعنة بمصر و من ولد يافث بن نوح ملوك الأعاجم كلها من الترك و الخزر و غيرهم، و الفرس الذين آخر من ملك منهم يزدجرد بن شهريار ابن ابرويز، و نسبه ينتهى الى جيومرت بن يافث بن نوح.

قال: و يقال ان قوما من ولد لاوذ بن سام بن نوح و غيره من اخوته نزعوا الى جامر هذا، فادخلهم جامر في نعمته و ملكه، و ان منهم ماذي بن يافث، و هو الذى تنسب السيوف الماذية اليه قال: و هو الذى يقال ان كيرش الماذوى قاتل بلشصر بن اولمرودخ بن بختنصر من ولده.

قال: و من ولد حام بن نوح، النوبه، و الحبشه، و فزان، و الهند، و السند، و اهل السواحل في المشرق و المغرب.

قال: و منهم نمرود، و هو نمرود بن كوش بن حام.

قال: و ولد لارفخشد بن سام ابنه قينان، و لا ذكر له في التوراة، و هو الذى قيل انه لم يستحق ان يذكر في الكتب المنزله، لأنه كان ساحرا، و سمى نفسه إلها، فسيقت المواليد في التوراة على ارفخشد بن سام ثم على شالخ بن قينان بن ارفخشد من غير ان يذكر قينان في النسب، لما ذكر من ذلك.

قال: و قيل في شالخ: انه شالخ بن ارفخشد من ولد لقينان و ولد لشالخ عابر و ولد لعابر ابنان: أحدهما فالغ، و معناه بالعربية قاسم- و انما سمى بذلك لان الارض قسمت و الالسن تبلبلت في ايامه- و سمى الآخر قحطان.

فولد لقحطان يعرب و يقطان ابنا قحطان بن عابر بن شالخ، فنزلا ارض اليمن، و كان قحطان أول من ملك اليمن، و أول من سلم عليه ب أبيت اللعن، كما كان يقال للملوك و ولد لفالغ بن عابر ارغوا

3

- و ولد لارغوا ساروغ، و ولد لساروغ ناحورا، و ولد لناحورا تارخ- و اسمه بالعربية آزر- و ولد لتارخ‏

206

ابراهيم(ص)و ولد لارفخشد أيضا نمرود بن ارفخشد، و كان منزله بناحيه الحجر و ولد للاوذ بن سام طسم و جديس، و كان منزلهما اليمامه.

و ولد للاوذ أيضا عمليق بن لاوذ، و كان منزله الحرم و اكناف مكة، و لحق بعض ولده بالشام، فمنهم كانت العماليق، و من العماليق الفراعنة بمصر.

و ولد للاوذ أيضا اميم بن لاوذ بن سام، و كان كثير الولد، فنزع بعضهم الى جامر بن يافث بالمشرق و ولد لارم بن سام عوص بن ارم، و كان منزله الاحقاف و ولد لعوص عاد بن عوص‏

3

. و اما حام بن نوح، فولد له كوش و مصرايم و قوط و كنعان‏

3

، فمن ولد كوش نمرود المتجبر الذى كان ببابل، و هو نمرود بن كوش بن حام، و صارت بقية ولد حام بالسواحل من المشرق و المغرب و النوبه و الحبشه و فزان.

قال: و يقال: ان مصرايم ولد القبط و البربر، و ان قوطا صار الى ارض السند و الهند فنزلها، و ان أهلها من ولده.

و اما يافث بن نوح فولد له جامر و موعج و موادى و بوان و ثوبال و ماشج و تيرش و من ولد جامر ملوك فارس و من ولد تيرش الترك و الخزر و من ولد ماشج الاشبان و من ولد موعج يأجوج و ماجوج، و هم في شرقى ارض الترك و الخزر و من ولد بوان الصقالبه و برجان و الاشبان، كانوا في القديم بأرض الروم قبل ان يقع بها من وقع من ولد العيص و غيرهم، و قصد كل فريق من هؤلاء الثلاثة: سام و حام و يافث أرضا، فسكنوها و دفعوا غيرهم عنها.

حدثنى الحارث بن محمد، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال:

أخبرنا هشام بن محمد بن السائب، عن ابيه، عن ابى صالح، عن ابن عباس: قال:

اوحى الله الى موسى ع: انك يا موسى و قومك و اهل الجزيرة و اهل العال من ولد سام بن نوح و قال ابن عباس: و العرب و الفرس و النبط و الهند و السند من ولد سام بن نوح.

حدثنى الحارث، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا هشام بن‏

207

محمد، عن ابيه: قال: الهند و السند بنو توقير بن يقطن بن عابر بن شالخ ابن ارفخشد بن سام بن نوح و مكران بن البند، و جرهم، اسمه هذرم بن عابر بن سبا بن يقطن بن عابر بن شالخ بن ارفخشد بن سام بن نوح.

و حضرموت بن يقطن بن عابر بن شالخ و يقطن هو قحطان بن عابر بن شالخ ابن ارفخشد بن سام بن نوح، في قول من نسبه الى غير اسماعيل و الفرس بنو فارس بن تيرش بن ناسور بن نوح و النبط بنو نبيط بن ماش ابن ارم بن سام بن نوح و اهل الجزيرة و العال من ولد ماش بن ارم بن سام ابن نوح و عمليق- و هو عريب- و طسم و اميم بنو لوذ بن سام بن نوح.

و عمليق هو ابو العمالقه، و منهم البربر و هم بنو ثميلا بن مارب بن فاران بن عمرو بن عمليق بن لوذ بن سام بن نوح، ما خلا صنهاجه و كتامه، فإنهما بنو فريقيش بن قيس بن صيفي بن سبا.

و يقال: ان عمليق أول من تكلم بالعربية حين ظعنوا من بابل، فكان يقال لهم و لجرهم: العرب العاربة و ثمود و جديس ابنا عابر بن ارم بن سام ابن نوح، و عاد و عبيل ابنا عوص بن ارم بن سام بن نوح، و الروم بنو لنطى ابن يونان بن يافث بن نوح و نمرود بن كوش بن كنعان بن حام بن نوح.

و هو صاحب بابل، و هو صاحب ابراهيم خليل الرحمن ص.

قال: و كان يقال لعاد في دهرهم عاد ارم، فلما هلكت عاد قيل لثمود ارم، فلما هلكت ثمود قيل لسائر بنى ارم: ارمان، فهم النبط، فكل هؤلاء كان على الاسلام و هم ببابل، حتى ملكهم نمرود بن كوش بن كنعان بن حام ابن نوح، فدعاهم الى عباده الأوثان ففعلوا، فامسوا و كلامهم السريانية، ثم أصبحوا و قد بلبل الله السنتهم، فجعل لا يعرف بعضهم كلام بعض، فصار لبنى سام ثمانية عشر لسانا، و لبنى حام ثمانية عشر لسانا، و لبنى يافث‏

208

سته و ثلاثون لسانا، ففهم الله العربية عادا و عبيل و ثمود و جديس و عمليق و طسم و اميم و بنى يقطن بن عابر بن شالخ بن ارفخشد بن سام بن نوح.

و كان الذى عقد لهم الالويه ببابل بوناظر بن نوح، و كان نوح فيما حدثنى الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرني هشام، قال: أخبرني ابى عن ابى صالح عن ابن عباس:

3

تزوج امراه من بنى قابيل، فولدت له غلاما، فسماه بوناظر، فولده بمدينه بالمشرق يقال لها معلون شمسا، فنزل بنو سام المجدل سره الارض، و هو ما بين ساتيدما الى البحر، و ما بين اليمن الى الشام، و جعل الله النبوه و الكتاب و الجمال و الأدمة و البياض فيهم.

و نزل بنو حام مجرى الجنوب و الدبور، و يقال لتلك الناحية الداروم، و جعل الله فيهم ادمه و بياضا قليلا، و اعمر بلادهم و سماءهم، و رفع عنهم الطاعون، و جعل في ارضهم الأثل و الأراك و العشر و الغار و النخل، و جرت الشمس و القمر في سمائهم و نزل بنو يافث الصفون مجرى الشمال و الصبا، و فيهم الحمرة و الشقرة، و اخلى الله ارضهم فاشتد بردها، و اخلى سماءهم، فليس يجرى فوقهم شي‏ء من النجوم السبعه الجاريه، لانهم صاروا تحت بنات نعش و الجدى و الفرقدين، فابتلوا بالطاعون ثم لحقت عاد بالشحر فعليه هلكوا بواد يقال له مغيث، فلحقتهم بعد مهره بالشحر و لحقت عبيل بموضع يثرب و لحقت العماليق بصنعاء قبل ان تسمى صنعاء، ثم انحدر بعضهم الى يثرب، فاخرجوا منها عبيل، فنزلوا موضع الجحفه، فاقبل السيل فاجتحفهم فذهب بهم فسميت الجحفه و لحقت ثمود بالحجر و ما يليه فهلكوا ثم، و لحقت طسم و جديس باليمامة فهلكوا و لحقت اميم بأرض ابار فهلكوا بها، و هي بين اليمامه و الشحر، و لا يصل إليها اليوم احد، غلبت عليها الجن و انما سميت ابار بابار بن اميم‏

209

و لحقت بنو يقطن بن عابر باليمن، فسميت اليمن حيث تيامنوا إليها، و لحق قوم من بنى كنعان بالشام فسميت الشام حيث تشاءموا إليها، و كانت الشام يقال لها ارض بنى كنعان، ثم جاءت بنو إسرائيل فقتلوهم بها، و نفوهم عنها، فكانت الشام لبنى إسرائيل ثم و ثبت الروم على بنى إسرائيل فقتلوهم، و اجلوهم الى العراق الا قليلا منهم، ثم جاءت العرب فغلبوا على الشام، و كان فالغ- و هو فالغ بن عابر بن ارفخشد بن سام بن نوح- هو الذى قسم الارض بين بنى نوح كما سمينا و اما الاخبار عن رسول الله(ص)و عن علماء سلفنا في انساب الأمم التي هي في الارض اليوم، فعلى ما حدثنى احمد بن بشير بن ابى عبد الله الوراق، قال: حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن سمره، قال: [قال رسول الله ص: سام ابو العرب، و يافث ابو الروم، و حام ابو الحبش‏].

حدثنى القاسم بن بشر بن معروف، قال: حدثنا روح، قال: حدثنا سعيد بن ابى عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمره بن جندب، عن [النبي ص، قال: ولد نوح ثلاثة: سام و حام و يافث، فسام ابو العرب، و حام ابو الزنج، و يافث ابو الروم‏].

حدثنا ابو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا عباد بن العوام، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن سمره، قال: [قال رسول الله ص: سام ابو العرب، و يافث ابو الروم، و حام ابو الحبش‏].

حدثنى عبد الله بن ابى زياد، قال: حدثنى روح، قال: حدثنا سعيد بن ابى عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمره، [عن النبي ص، قال:

ولد نوح سام و حام و يافث‏] قال عبد الله: قال روح: احفظ يافث، و سمعت مره يافث.

و قد روى هذا الحديث عن عبد الأعلى بن عبد الأعلى، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن سمره و عمران بن حصين، عن النبي ص‏

210

حدثنى عمران بن بكار الكلاعى قال: حدثنا ابو اليمان، قال: حدثنا اسماعيل بن عياش، عن يحيى بن سعيد، قال: سمعت سعيد بن المسيب‏

3

يقول: ولد نوح ثلاثة، و ولد كل واحد ثلاثة: سام، و حام، و يافث خ.

فولد سام العرب و فارس و الروم، و في كل هؤلاء خير و ولد يافث الترك و الصقالبه و يأجوج و ماجوج، و ليس في واحد من هؤلاء خير، و ولد حام القبط و السودان و البربر.

و روى عن ضمره بن ربيعه، عن ابن عطاء، عن ابيه، قال: ولد حام كل اسود جعد الشعر، و ولد يافث كل عظيم الوجه صغير العينين، و ولد سام كل حسن الوجه حسن الشعر قال: و دعا نوح على حام الا يعدو شعر ولده آذانهم، و حيثما لقى ولده ولد سام استعبدوهم.

و زعم اهل التوراة ان سام ولد لنوح بعد ان مضى من عمره خمسمائة سنه، ثم ولد لسام ارفخشد بعد ان مضى من عمر سام مائه سنه و سنتان، فكان جميع عمر سام- فيما زعموا- ستمائه سنه ثم ولد لارفخشد قينان، و كان عمر ارفخشد أربعمائة سنه و ثمانيا و ثلاثين سنه و ولد قينان لارفخشد بعد ان مضى من عمره خمس و ثلاثون سنه، ثم ولد لقينان شالخ بعد ان مضى من عمره تسع و ثلاثون سنه، و لم يذكر مده عمر قينان في الكتب فيما ذكر لما ذكرنا من امره قبل.

ثم ولد لشالخ عابر بعد ان مضى من عمره ثلاثون سنه، و كان عمر شالخ كله أربعمائة سنه و ثلاثا و ثلاثين سنه.

ثم ولد لعابر فالغ و اخوه قحطان، و كان مولد فالغ بعد الطوفان بمائه و اربعين سنه، فلما كثر الناس بعد ذلك مع قرب عهدهم بالطوفان هموا ببناء مدينه تجمعهم فلا يتفرقون، او صرح عال يحرزهم من الطوفان ان كان مره اخرى فلا يغرقون، فاراد الله عز و جل ان يوهن امرهم، و يخلف ظنهم و يعلمهم ان الحول و القوه له، فبدد شملهم، و شتت جمعهم، و فرق السنتهم و كان عمر عابر أربعمائة سنه و أربعا و سبعين سنه‏

211

ثم ولد لفالغ ارغوا، و كان عمر فالغ مائتين و تسعا و ثلاثين سنه، و ولد ارغوا لفالغ و قد مضى من عمره ثلاثون سنه، ثم ولد لارغوا ساروغ، و كان‏

3

عمر ارغوا مائتين و تسعا و ثلاثين سنه، و ولد له ساروغ بعد ما مضى من عمره اثنتان و ثلاثون سنه ثم ولد لساروغ ناحور، و كان عمر ساروغ مائتين و ثلاثين سنه و ولد له ناحور، و قد مضى من عمره ثلاثون سنه.

ثم ولد لناحور تارخ ابو ابراهيم، (صلوات الله عليه)، و كان هذا الاسم اسمه الذى سماه أبوه، فلما صار مع نمرود قيما على خزانه آلهته سماه آزر.

و قد قيل: ان آزر ليس باسم ابيه، و انما هو اسم صنم، فهذا قول يروى عن مجاهد و قد قيل انه عيب عابه به بمعنى معوج، بعد ما مضى من عمر ناحور سبع و عشرون سنه، و كان عمر ناحور كله مائتين و ثمانيا و اربعين سنه.

و ولد لتارخ ابراهيم، و كان بين الطوفان و مولد ابراهيم الف سنه و تسع و سبعون سنه، و كان بعض اهل الكتاب يقول: كان بين الطوفان و مولد ابراهيم الف سنه و مائتا سنه و ثلاث و ستون سنه، و ذلك بعد خلق آدم بثلاثة آلاف و ثلاثمائة سنه و سبع و ثلاثين سنه.

و ولد لقحطان بن عابر يعرب‏

3

، فولد يعرب يشجب بن يعرب، فولد يشجب سبا بن يشجب‏

3

، فولد سبا حمير بن سبا و كهلان بن سبا و عمرو ابن سبا، و الأشعر بن سبا و انمار بن سبا و مر بن سبا و عامله بن سبا

3

فولد عمرو ابن سبا عدى بن عمرو

3

، فولد عدى لخم بن عدى و جذام بن عدى.

و قد زعم بعض نسابى الفرس ان نوحا هو افريدون الذى قهر الازدهاق، و سلبه ملكه و زعم بعضهم ان افريدون هو ذو القرنين صاحب ابراهيم(ع)الذى قضى له ببئر السبع، الذى ذكر الله في كتابه و قال بعضهم: هو سليمان بن داود.

و انما ذكرته في هذا الموضع لما ذكرت فيه من قول من قال: انه نوح،

212

و ان قصته شبيهه بقصة نوح في اولاد له ثلاثة، و عدله و حسن سيرته، و هلاك الضحاك على يده و انه قيل ان هلاك الضحاك كان على يد نوح و ان نوحا انما كان ارسل- في قول من ذكرت عنه انه قال: كان هلاك الضحاك على يدي نوح- حين ارسل الى قومه، و هم كانوا قوم الضحاك.

فاما الفرس فإنهم ينسبونه النسبه التي انا ذاكرها، و ذلك انهم يزعمون ان افريدون من ولد جم شاذ الملك الذى قتله الازدهاق، على ما قد بينا من امره قبل، و ان بينه و بين جم عشره آباء.

و قد حدثت عن هشام بن محمد بن السائب، قال: بلغنا ان افريدون- و هو من نسل جم الملك الذى كان من قبل الضحاك، قال: و يزعمون انه التاسع من ولده، و كان مولده بدنباوند- خرج حتى ورد منزل الضحاك، فأخذه و اوثقه، و ملك مائتي سنه، و رد المظالم، و امر الناس بعباده الله و الإنصاف و الاحسان، و نظر الى ما كان الضحاك غصب الناس من الارضين و غيرها، فرد ذلك كله على اهله، الا ما لم يجد له أهلا، فانه وقفه على المساكين و العامه قال: و يقال انه أول من سمى الصوافي، و أول من نظر في الطب و النجوم، و انه كان له ثلاثة بنين: اسم الاكبر سلم، و الثانى طوج، و الثالث ايرج خ، و ان افريدون تخوف الا يتفق بنوه، و ان يبغى بعضهم على بعض، فقسم ملكه بينهم ثلاثا، و جعل ذلك في سهام كتب اسماءهم عليها، و امر كل واحد منهم فاخذ سهما، فصارت الروم و ناحيه المغرب لسلم، و صارت الترك و الصين لطوج، و صارت للثالث- و هو ايرج- العراق و الهند، فدفع التاج و السرير اليه، و مات افريدون، فوثب بايرج اخواه فقتلاه، و ملكا الارض بينهما ثلاثمائة سنه.

قال: و الفرس تزعم ان لافريدون عشره آباء، كلهم يسمى اثفيان باسم واحد قالوا: و انما فعلوا ذلك خوفا من الضحاك على أولادهم، لرواية كانت عندهم، بان بعضهم يغلب الضحاك على ملكه، و يدرك منه ثار جم،

213

و كانوا يعرفون و يميزون بألقاب لقبوها، فكان يقال للواحد منهم: اثفيان صاحب البقر الحمر، و اثفيان صاحب البقر البلق، و اثفيان صاحب البقر الكدر و هو افريدون بن اثفيان بوكاو- و تفسيره صاحب البقر الكثير- بن اثفيان نيككاو- و تفسيره صاحب البقر الجياد، بن اثفيان سيركاو- و تفسيره صاحب البقر السمان العظام- بن اثفيان بوركاو- و تفسيره صاحب البقر التي بلون حمير الوحش- بن اثفيان اخشين‏كاو- و تفسيره صاحب البقر الصفر- بن اثفيان سياه‏كاو- و تفسيره صاحب البقر السود- بن اثفيان اسبيذكاو- و تفسيره صاحب البقر البيض- بن اثفيان كيركاو- و تفسيره صاحب البقر الرماديه- بن اثفيان رمين- و تفسيره كل ضرب من الألوان و القطعان- بن اثفيان بنفروسن، بن جم الشاذ.

و قيل: ان افريدون أول من سمى بالكيية فقيل له: كي افريدون، و تفسير الكييه انها بمعنى التنزيه، كما يقال: روحانى، يعنون به ان امره امر مخلص منزه يتصل بالروحانيه و قيل ان معنى كي اى طالب الدخل، و يزعم بعضهم ان كي من البهاء، و ان البهاء تغشى افريدون حين قتل الضحاك، و تذكر العجم من الفرس انه كان رجلا جسيما و سيما بهيا مجربا، و ان اكثر قتاله كان بالجرز، و ان جرزه كان راسه كراس الثور، و ان ملك ابنه ايرج العراق و نواحيها كان في حياته، و ان ايام ايرج داخله في ملك افريدون، و انه ملك الأقاليم كلها، و تنقل في البلدان، و انه لما جلس على سريره يوم الملك قال:

نحن القاهرون بعون الله و تاييده للضحاك، القامعون للشيطان و أحزابه، ثم وعظ الناس، فأمرهم بالتناصف و تعاطى الحق و بذل الخير بينهم، و حثهم على الشكر و التمسك به، و رتب سبعه من القوهياريين- و تفسير ذلك محولو الجبال سبع مراتب- و صير الى كل واحد منهم ناحيه من دنباوند و غيرها على شبيه بالتمليك قالوا: فلما ظفر بالضحاك قال له الضحاك: لا تقتلني بجدك‏

214

جم، فقال له افريدون منكرا لقوله: لقد سمت بك همتك، و عظمت في نفسك حين قدرتها لهذا، و طمعت لها فيه! و اعلمه ان جده كان اعظم قدرا من ان يكون مثله كفئا له في القود، و اعلمه انه يقتله بثور كان في دار جده.

و قيل ان افريدون أول من ذلل الفيله و امتطاها، و نتج البغال، و اتخذ الاوز و الحمام، و عالج الدرياق، و قاتل الأعداء فقتلهم و نفاهم، و انه قسم الارض بين اولاده الثلاثة: طوج و سلم و ايرج، فملك طوجا ناحيه الترك و الخزر و الصين، فكانوا يسمونها صين‏بغا، و جمع إليها النواحي التي اتصلت بها، و ملك سلما ابنه الثانى الروم و الصقالبه و البرجان و ما في حدود ذلك، و جعل وسط الارض و عامرها- و هو إقليم بابل، و كانوا يسمونها خنارث بعد ان جمع الى ذلك ما اتصل به من السند و الهند و الحجاز و غيرها- لايرج و هو الاصغر من بينه الثلاثة، و كان احبهم اليه و بهذا السبب سمى إقليم بابل ايرانشهر، و به أيضا نشبت العداوة بين ولد افريدون و أولادهم بعد، و صار ملوك خنارث و الترك و الروم الى المحاربة و مطالبه بعضهم بعضا بالدماء و التراث.

و قيل: ان طوجا و سلما لما علما ان أباهما قد خص ايرج و قدمه عليهما اظهرا له البغضاء، و لم يزل التحاسد ينمى بينهم الى ان وثب طوج و سلم على أخيهما ايرج، فقتلاه متعاونين عليه، و ان طوجا رماه بوهق فخنقه، فمن اجل ذلك استعملت الترك الوهق، و كان لايرج ابنان، يقال لهما وندان و اسطوبه، و ابنه يقال لها خوزك، و يقال خوشك، فقتل سلم و طوج الابنين مع أبيهما، و بقيت الابنه.

و قيل: ان اليوم الذى غلب فيه افريدون الضحاك كان روز مهر من مهر ماه، فاتخذ الناس ذلك اليوم عيدا لارتفاع بليه الضحاك عن الناس، و سماه المهرجان،

215

فقيل: ان افريدون كان جبارا عادلا في ملكه، و كان طوله تسعه ارماح، كل رمح ثلاثة ابواع، و عرض حجرته ثلاثة ارماح، و عرض صدره اربعه ارماح، و انه كان يتبع من كان بقي بالسودان من آل نمرود و النبط، و قصدهم حتى اتى على وجوههم، و محا اعلامهم و آثارهم، و كان ملكه خمسمائة سنه‏

216

ذكر الاحداث التي كانت بين نوح و ابراهيم خليل الرحمن ع‏

قد ذكرنا قبل ما كان من امر نوح(ع)و امر ولده و اقتسامهم الارض بعده، و مساكن كل فريق منهم، و اى ناحيه سكن من البلاد و كان ممن طغا و عتا على الله عز و جل بعد نوح، فأرسل الله اليهم رسولا فكذبوه و تمادوا في غيهم، فاهلكهم الله هذان الحيان من ارم بن سام بن نوح: أحدهما عاد ابن عوص بن ارم ابن سام بن نوح، و هي عاد الاولى، و الثانى ثمود بن جاثر بن ارم بن سام بن نوح، و هم كانوا العرب العاربة.

فاما عاد فان الله عز و جل ارسل اليهم هود بن عبد الله بن رباح بن الخلود ابن عاد بن عوص بن ارم بن سام بن نوح و من اهل الأنساب من يزعم ان هودا هو عابر بن شالخ بن ارفخشد بن سام بن نوح، و كانوا اهل أوثان ثلاثة يعبدونها، يقال لإحداها: صداء، و للآخر صمود، و للثالث الهباء فدعاهم الى توحيد الله و افراده بالعباده دون غيره، و ترك ظلم الناس، فكذبوه و قالوا: من أشد منا قوه! فلم يؤمن بهود منهم الا قليل، فوعظهم هود إذ تمادوا في طغيانهم، فقال لهم: «أَ تَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ وَ تَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ وَ إِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُونِ. وَ اتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَ بَنِينَ وَ جَنَّاتٍ وَ عُيُونٍ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ» فكان جوابهم له ان‏ قالُوا:

217

«سَواءٌ عَلَيْنا أَ وَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ‏» و قالوا له: «يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وَ ما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وَ ما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ. إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ»، فحبس الله عنهم- فيما ذكر- القطر سنين ثلاثا، حتى جهدوا، فاوفدوا وفدا ليستسقوا لهم.

فكان من قصتهم ما حدثنا ابو كريب، قال: حدثنا ابو بكر بن عياش، قال: حدثنا عاصم، عن ابى وائل، عن الحارث بن حسان البكرى، قال: قدمت على رسول الله ص: فمررت بامرأة بالربذة، فقالت: هل أنت حاملى الى رسول الله ص؟ قلت: نعم، فحملتها حتى قدمت المدينة، فدخلت المسجد، فإذا رسول الله(ص)على المنبر، و إذا بلال متقلد السيف، و إذا رايات سود، قال:

قلت: ما هذا؟ قالوا: عمرو بن العاص قدم من غزوته، فلما نزل رسول الله(ص)عن منبره أتيته فاستأذنته، فاذن لي، فقلت: يا رسول الله، ان بالباب امراه من بنى تميم، قد سألتني ان احملها إليك، قال:

يا بلال، ائذن لها، قال: فدخلت، فلما جلست قال لي رسول الله ص: هل كان بينكم و بين تميم شي‏ء؟ قلت: نعم، و كانت الدبره عليهم، فان رايت ان تجعل الدهناء بيننا و بينهم فعلت، قال: تقول المرأة فأين تضطر مضرك يا رسول الله؟ قال: قلت: مثلي مثل معزى حملت حتفا، قال: قلت: او حملتك تكونين على خصما! اعوذ بالله ان أكون كوفد عاد قال رسول الله ص: و ما وفد عاد؟ قال: قلت: على الخبير سقطت، ان عادا قحطت، فبعثت من يستسقى لها، فمروا على بكر بن معاويه بمكة يسقيهم الخمر، و تغنيهم الجرادتان شهرا، ثم بعثوا رجلا من عنده، حتى اتى جبال مهره، فدعا، فجاءت سحابات، قال: و كلما جاءت قال:

218

اذهبى الى كذا، حتى جاءت سحابه، فنودي منها: خذها رمادا رمددا، لا تدع من عاد أحدا قال: فسمعه و كتمهم حتى جاءهم العذاب قال ابو كريب: قال ابو بكر بعد ذاك في حديث عاد، قال: فاقبل الذى أتاهم، فاتى جبال مهره فصعد فقال: اللهم انى لم أجئك لاسير فافاديه، و لا لمريض أشفيه، فاسق عادا ما كنت مسقيه! قال: فرفعت له سحابات.

قال: فنودي منها: اختر، فجعل يقول: اذهبى الى بنى فلان اذهبى الى بنى فلان قال: فمرت آخرها سحابه سوداء، فقال: اذهبى الى عاد.

قال: فنودي منها: خذها رمادا رمددا، لا تدع من عاد أحدا قال:

و كتمهم و القوم عند بكر بن معاويه يشربون قال: و كره بكر بن معاويه ان يقول لهم من اجل انهم عنده، و انهم في طعامه قال: فاخذ في الغناء و ذكرهم.

حدثنا ابو كريب، قال: حدثنا زيد بن حباب، قال: حدثنا سلام ابو المنذر النحوي، قال: حدثنا عاصم، عن ابى وائل، عن الحارث بن يزيد البكرى، قال: خرجت لأشكو العلاء بن الحضرمى الى رسول الله ص، فمررت بالربذة، فإذا عجوز منقطع بها من بنى تميم، فقالت:

يا عبد الله، ان لي الى رسول الله حاجه، فهل أنت مبلغى اليه؟ قال:

فحملتها، فقدمت المدينة- قال ابو جعفر: اظنه انا قال: فإذا رايات سود- قال: قلت: ما شان الناس؟ قالوا: يريد ان يبعث بعمرو بن العاص وجها قال: فجلست حتى فرغ، قال: فدخل منزله- او قال رحله- فاستأذنت عليه، فاذن لي قال: فدخلت فقعدت، فقال لي رسول الله ص: هل كان بينكم و بين تميم شي‏ء؟ قال: قلت: نعم، و كانت الدبره عليهم، و قد مررت بالربذة، فإذا عجوز منهم منقطع بها، فسألتني ان احملها إليك، و ها هي بالباب، فاذن لها رسول الله(ص)فدخلت، فقلت: يا رسول الله، اجعل بيننا و بين تميم الدهناء حاجزا، فحميت العجوز و استوفزت، و قالت: فأين تضطر مضرك يا رسول الله؟ قال:

219

قلت: انا كما قالوا: معزى حملت حتفا، حملت هذه و لا اشعر انها كائنة لي خصما، اعوذ بالله و رسوله ان أكون كوافد عاد! قال: و ما وافد عاد؟ قلت:

على الخبير سقطت، قال: و هو يستطعمنى الحديث قلت: ان عادا قحطوا فبعثوا قيلا وافدا، فنزل على بكر، فسقاه الخمر شهرا، و تغنيه جاريتان يقال لهما الجرادتان، فخرج الى جبال مهره، فنادى: انى لم أجي‏ء لمريض فاداويه، و لا لاسير فافاديه، اللهم اسق عادا ما كنت تسقيه! فمرت به سحابات سود، فنودي منها: خذها رمادا رمددا، لا تبقى من عاد أحدا.

قال: فكانت المرأة تقول: لا تكن كوافد عاد، فما بلغنى انه ارسل عليهم من الريح يا رسول الله الا قدر ما يجرى في خاتمي قال ابو وائل: و كذلك بلغنى.

و اما ابن اسحق فانه قال كما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه عنه:

ان عادا لما أصابهم من القحط ما أصابهم قالوا: جهزوا منكم وفدا الى مكة فيستسقوا لكم، فبعثوا قيل بن عتر و لقيم بن هزال بن هزيل بن عتيل ابن صد بن عاد الاكبر، و مرثد بن سعد بن عفير- و كان مسلما يكتم اسلامه- و جلهمة بن الخبيرى، خال معاويه بن بكر أخا أمه، ثم بعثوا لقمان بن عاد بن فلان بن فلان بن صد بن عاد الاكبر، فانطلق كل رجل من هؤلاء القوم معه رهط من قومه، حتى بلغ عده وفدهم سبعين رجلا، فلما قدموا مكة نزلوا على معاويه بن بكر و هو بظاهر مكة خارجا من الحرم، فانزلهم و اكرمهم، و كانوا أخواله و صهره و كانت هزيله ابنه بكر اخت معاويه بن بكر لأبيه و أمه كلهده ابنه الخيبرى عند لقيم بن هزال بن عتيل بن صد ابن عاد الاكبر، فولدت له عبيد بن لقيم بن هزال و عمرو بن لقيم بن هزال‏

3

و عامر بن لقيم بن هزال و عمير بن لقيم بن هزال، فكانوا في أخوالهم بمكة عند آل معاويه بن بكر، و هم عاد الأخيرة التي بقيت من عاد الاولى فلما نزل‏

220

وفد عاد على معاويه بن بكر أقاموا عنده شهرا يشربون الخمر، و تغنيهم الجرادتان- قينتان لمعاوية بن بكر- و كان مسيرهم شهرا، و مقامهم شهرا، فلما راى معاويه بن بكر طول مقامهم، و قد بعثهم قومهم يتغوثون بهم من البلاء الذى أصابهم، شق ذلك عليه فقال: هلك اخوالى و اصهارى و هؤلاء مقيمون عندي، و هم ضيفي نازلون على، و الله ما ادرى: كيف اصنع بهم! استحى ان آمرهم بالخروج الى ما بعثوا اليه، فيظنوا انه ضيق منى بمقامهم عندي، و قد هلك من وراءهم من قومهم جهدا و عطشا، او كما قال.

فشكا ذلك من امرهم الى قينتيه الجرادتين، فقالتا: قل شعرا نغنيهم به لا يدرون من قاله، لعل ذلك ان يحركهم! فقال معاويه بن بكر حين اشارتا عليه بذلك:

الا يا قيل، ويحك قم فهينم* * * لعل الله يسقينا غماما

فيسقى ارض عاد، ان عادا* * * قد امسوا لا يبينون الكلاما

من العطش الشديد، فليس نرجو* * * به الشيخ الكبير و لا الغلاما

و قد كانت نساؤهم بخير* * * فقد امست نساؤهم عيامى‏

و ان الوحش تأتيهم جهارا* * * و لا تخشى لعادى سهاما

و أنتم هاهنا فيما اشتهيتم* * * نهاركم و ليلكم التماما

فقبح وفدكم من وفد قوم* * * و لا لقوا التحيه و السلاما!

فلما قال معاويه ذلك الشعر، غنتهم به الجرادتان. فلما سمع القوم ما غنتا به، قال بعضهم لبعض: يا قوم انما بعثكم قومكم يتغوثون بكم من هذا البلاء الذى نزل بهم، و قد أبطأتم عليهم، فادخلوا هذا الحرم فاستسقوا لقومكم، فقال مرثد بن سعد بن عفير: انكم و الله لا تسقون بدعائكم، و لكن ان أطعتم‏

221

نبيكم، و انبتم اليه سقيتم فأظهر اسلامه عند ذلك، فقال لهم لجلهمة بن الخيبرى، خال معاويه بن بكر حين سمع قوله، و عرف انه قد تبع دين هود و آمن به:

أبا سعد فإنك من قبيل* * * ذوى كرم و أمك من ثمود

فانا لن نطيعك ما بقينا* * * و لسنا فاعلين لما تريد

ا تأمرنا لنترك آل رفد* * * و زمل و آل صد و العبود

و نترك دين آباء كرام* * * ذوى راى و نتبع دين هود

و رفد و زمل و صد قبائل من عاد، و العبود منهم ثم قال لمعاوية بن بكر و ابيه بكر: احبسا عنا مرثد بن سعد فلا يقدمن معنا مكة، فانه قد اتبع دين هود، و ترك ديننا ثم خرجوا الى مكة يستسقون بها لعاد، فلما و لو الى مكة خرج مرثد بن سعد من منزل معاويه، حتى ادركهم بها قبل ان يدعوا الله بشي‏ء مما خرجوا له فلما انتهى اليهم قام يدعو الله، و بها وفد عاد قد اجتمعوا يدعون.

فقال: اللهم أعطني سؤلي وحدي، و لا تدخلني في شي‏ء مما يدعوك به وفد عاد و كان قيل بن عتر راس وفد عاد و قال وفد عاد: اللهم اعط قيلا ما سالك، و اجعل سؤلنا مع سؤله و قد كان تخلف عن وفد عاد لقمان ابن عاد، و كان سيد عاد، حتى إذا فرغوا من دعوتهم قال: اللهم انى جئتك وحدي في حاجتي فأعطني سؤلي و قال قيل بن عتر حين دعا: يا إلهنا، ان كان هود صادقا فاسقنا فانا قد هلكنا فأنشأ الله سحائب ثلاثا: بيضاء و حمراء، و سوداء، ثم ناداه مناد من السحاب: يا قيل، اختر لنفسك و قومك من هذا السحاب فقال: قد اخترت السحابه السوداء، فإنها اكثر السحاب ماء، فناداه مناد: اخترت رمادا رمددا، لا تبقى من عاد أحدا، لا والدا تترك و لا ولدا، الا جعلته همدا، الا بنى اللوذية المهدى- و بنو اللوذية

222

بنو لقيم بن هزال بن هزيل بن هزيله ابنه بكر، كانوا سكانا بمكة مع أخوالهم، لم يكونوا مع عاد بأرضهم، فهم عاد الآخرة، و من كان من نسلهم الذين بقوا من عاد- و ساق الله السحابه السوداء فيما يذكرون التي اختار قيل بن عتر بما فيها من النقمه الى عاد، حتى خرجت عليهم من واد لهم يقال له المغيث و لما راوها استبشروا بها، و قالوا: «هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا»، يقول الله عز و جل: «بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْ‏ءٍ بِأَمْرِ رَبِّها»، اى كل شي‏ء امرت به فكان أول من ابصر ما فيها انها ريح- فيما يذكرون- امراه من عاد يقال لها مهدد، لما تبينت ما فيها صاحت ثم صعقت، فلما افاقت قالوا: ما ذا رايت يا مهدد؟ قالت: رايت ريحا فيها كشهب النار، امامها رجال يقودونها فسخرها الله عليهم «سَبْعَ لَيالٍ وَ ثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً»، كما قال الله: و الحسوم: الدائمة، فلم تدع من عاد أحدا الا هلك.

فاعتزل هود- فيما ذكر- و من معه من المؤمنين في حظيرة، ما يصيبه و من معه منها الا ما تلين عليه الجلود، و تلتذ الأنفس، و انها لتمر من عاد بالظعن ما بين السماء و الارض، و تدمغهم بالحجارة و خرج وفد عاد من مكة حتى مروا بمعاويه بن بكر و ابيه، فنزلوا عليه، فبيناهم عنده، إذ اقبل رجل على ناقه له في ليله مقمره مسى ثالثه من مصاب عاد، فاخبرهم الخبر، فقالوا: فأين فارقت هودا و اصحابه؟ قال: فارقتهم بساحل البحر، فكأنهم شكوا فيما حدثهم، فقالت هزيله ابنه بكر: صدق و رب مكة و مثوب بن يعفر بن أخي معاويه بن بكر معهم و قد كان قيل- فيما يزعمون و الله اعلم- لمرثد بن سعد و لقمان بن عاد، و قيل بن عتر حين دعوا بمكة: قد أعطيتم مناكم فاختاروا لأنفسكم، الا انه لا سبيل الى الخلد، فانه لا بد من الموت، فقال مرثد بن سعد: يا رب، أعطني برا و صدقا، فاعطى ذلك، و قال‏

223

لقمان بن عاد: أعطني عمرا، فقيل له: اختر لنفسك، الا انه لا سبيل الى الخلد: بقاء ايعار ضان عفر، في جبل وعر، لا يلقى به الا القطر، أم سبعه انسر إذا مضى نسر حلوت الى نسر؟ فاختار لقمان لنفسه النسور، فعمر- فيما يزعمون- عمر سبعه انسر، يأخذ الفرخ حين يخرج من بيضته، فيأخذ الذكر منها لقوته، حتى إذا مات أخذ غيره، فلم يزل يفعل ذلك، حتى اتى على السابع و كان كل نسر فيما زعموا يعيش ثمانين سنه، فلما لم يبق غير السابع قال ابن أخ للقمان: اى عم، ما بقي من عمرك الا عمر هذا النسر، فقال له لقمان: اى ابن أخي: هذا لبد- و لبد بلسانهم الدهر- فلما ادرك نسر لقمان، و انقضى عمره، طارت النسور غداه من راس الجبل، و لم ينهض فيها لبد، و كانت نسور لقمان تلك لا تغيب عنه، انما هي بعينه فلما لم ير لقمان لبدا نهض مع النسور، نهض الى الجبل لينظر ما فعل لبد، فوجد لقمان في نفسه وهنا لم يكن يجده قبل ذلك، فلما انتهى الى الجبل راى نسره لبدا واقعا من بين النسور، فناداه: انهض لبد، فذهب لبد لينهض فلم يستطع، عريت قوادمه و قد سقطت، فماتا جميعا.

و قيل لقيل بن عتر حين سمع ما قيل له في السحاب: اختر لنفسك كما اختار صاحباك، فقال: اختار ان يصيبني ما أصاب قومى، فقيل: انه الهلاك، قال: لا أبالي، لا حاجه لي في البقاء بعدهم فاصابه ما أصاب عادا من العذاب فهلك، فقال مرثد بن سعد بن عفير حين سمع من قول الراكب الذى اخبر عن عاد بما اخبر من الهلاك:

عصت عاد رسولهم فامسوا* * * عطاشا ما تبلهم السماء

و سير وفدهم شهرا ليسقوا* * * فاردفهم مع العطش العماء

بكفرهم بربهم جهارا* * * على آثار عادهم العفاء

الا نزع الإله حلوم عاد* * * فان قلوبهم قفر هواء

224

من الخبر المبين ان يعوه* * * و ما تغنى النصيحه و الشفاء

فنفسي و ابنتاى و أم ولدى* * * لنفس نبينا هود فداء

أتانا و القلوبمصمدات* * * على ظلم، و قد ذهب الضياء

لنا صنم يقال له صمود* * * يقابله صداء و الهباء

فابصره الذين له أنابوا* * * و ادرك من يكذبه الشقاء

فانى سوف الحق آل هود* * * و اخوته إذا جن المساء

و قيل: ان رئيسهم و كبيرهم في ذلك الزمان الخلجان.

حدثنى العباس بن الوليد، قال: حدثنا ابى، عن اسماعيل بن عياش، عن محمد بن إسحاق، قال: لما خرجت الريح على عاد من الوادى، قال سبعه رهط منهم، احدهم الخلجان: تعالوا حتى نقوم على شفير الوادى فنردها، فجعلت الريح تدخل تحت الواحد منهم فتحمله، ثم ترمى به فتندق عنقه، فتتركهم كما قال الله عز و جل: «صَرْعى‏ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ» حتى لم يبق منهم الا الخلجان، فمال الى الجبل، فاخذ بجانب منه، فهزه فاهتز في يده، ثم أنشأ يقول:

لم يبق الا الخلجان نفسه* * * نالك من يوم دهاني امسه‏

بثابت الوطء شديد وطسه* * * لو لم يجئنى جئته اجسه‏

فقال له هود: ويحك يا خلجان! اسلم تسلم، فقال له: و ما لي عند ربك ان اسلمت؟ قال: الجنه، قال: فما هؤلاء الذين اراهم في هذا السحاب كأنهم البخت، قال هود: تلك ملائكة ربى، قال: فان اسلمت ا يعيذني ربك منهم؟ قال: ويلك! هل رايت ملكا يعيذ من جنده! قال: لو فعل ما رضيت، قال: ثم جاءت الريح فالحقته باصحابه، او كلاما هذا معناه قال ابو جعفر: فأهلك الله الخلجان، و افنى عادا خلا من بقي‏

225

منهم، ثم بادوا بعد، و نجى الله هودا و من آمن به و قيل: كان عمر هود مائه سنه و خمسين سنه.

حدثنا محمد بن الحسين، قال: حدثنا احمد بن المفضل، قال: حدثنا اسباط، عن السدى، قال: «وَ إِلى‏ عادٍ أَخاهُمْ هُوداً. قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ‏»، ان عادا أتاهم هود، فوعظهم و ذكرهم بما قص الله في القرآن، فكذبوه و كفروا، و سألوه ان يأتيهم العذاب فقال لهم:

«إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَ أُبَلِّغُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ‏»، و ان عادا أصابهم حين كفروا قحط من المطر، حتى جهدوا لذلك جهدا شديدا، و ذلك ان هودا دعا عليهم، فبعث الله عليهم الريح العقيم، و هي الريح التي لا تلقح الشجر، فلما نظروا إليها قالوا: هذا عارض ممطرنا، فلما دنت منهم نظروا الى الإبل و الرجال، تطير بهم الريح بين السماء و الارض، فلما راوها تبادروا الى البيوت، حتى دخلوا البيوت دخلت عليهم فاهلكتهم فيها، ثم اخرجتهم من البيوت، فاصابتهم «فِي يَوْمِ نَحْسٍ»، و النحس هو الشؤم‏ «مُسْتَمِرٍّ» استمر عليهم بالعذاب «سَبْعَ لَيالٍ وَ ثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً»، حسمت كل شي‏ء مرت به، حتى اخرجتهم من البيوت، قال الله تبارك و تعالى: «تَنْزِعُ النَّاسَ‏» عن البيوت، «كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ»، انقعر من اصوله‏ «خاوِيَةٍ» خوت فسقطت، فلما اهلكهم الله ارسل عليهم طيرا سودا، فنقلتهم الى البحر،

226

فألقتهم فيه، فذلك قوله عز و جل: «فَأَصْبَحُوا لا يُرى‏ إِلَّا مَساكِنُهُمْ‏».

و لم تخرج الريح قط الا بمكيال الا يومئذ، فإنها عتت على الخزنه فغلبتهم، فلم يعلموا كم كان مكيالها؟ فذلك قوله: «فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ».

و الصرصر: ذات الصوت الشديد.

حدثنى محمد بن سهل بن عسكر، قال: حدثنا اسماعيل بن عبد الكريم، قال: حدثنى عبد الصمد، انه سمع وهبا يقول: ان عادا لما عذبهم الله بالريح التي عذبوا بها، كانت تقلع الشجرة العظيمه بعروقها و تهدم عليهم بيوتهم، فمن لم يكن في بيت هبت به الريح حتى تقطعه بالجبال، فهلكوا بذلك كلهم و اما ثمود فإنهم عتوا على ربهم، و كفروا به، و أفسدوا في الارض، فبعث الله اليهم صالح بن عبيد بن اسف بن ماسخ بن عبيد بن خادر بن ثمود ابن جاثر بن ارم بن سام بن نوح، رسولا يدعوهم الى توحيد الله و افراده بالعباده.

و قيل: صالح، هو صالح بن اسف بن كماشج بن ارم بن ثمود بن جاثر ابن ارم بن سام بن نوح.

فكان من جوابهم له ان قالوا له: «يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا أَ تَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وَ إِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ‏» و كان الله عز و جل قد مدلهم في الاعمار، و كانوا يسكنون الحجر

227

الى وادي القرى، بين الحجاز و الشام، و لم يزل صالح يدعوهم الى الله على تمردهم و طغيانهم، فلا يزيدهم دعاؤه إياهم الى الله الا مباعده من الإجابة، فلما طال ذلك من امرهم و امر صالح قالوا له: ان كنت صادقا فاتنا بايه.

فكان من امرهم و امره ما حدثنا الحسن بن يحيى، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا إسرائيل، عن عبد العزيز بن رفيع، عن ابى الطفيل، قال:

قالت ثمود لصالح: ائتنا بايه ان كنت من الصادقين قال: فقال لهم صالح:

اخرجوا الى هضبه من الارض، فإذا هي تتمخض كما تتمخض الحامل، ثم تفرجت فخرجت من وسطها الناقه، فقال صالح ع:

«هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَ لا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ‏» «لَها شِرْبٌ وَ لَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ‏» فلما ملوها عقروها، فقال لهم: «تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ‏» قال عبد العزيز: و حدثنى رجل آخر ان صالحا قال لهم:

ان آيه العذاب ان تصبحوا غدا حمرا، و اليوم الثانى صفرا، و اليوم الثالث سودا، فصبحهم العذاب، فلما رأوا ذلك تحنطوا و استعدوا.

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنى حجاج، عن ابى بكر بن عبد الله، عن شهر بن حوشب، عن عمرو بن خارجه، قال: قلنا له:

حدثنا حديث ثمود، قال: احدثكم عن رسول الله(ص)عن ثمود.

كانت ثمود قوم صالح عمرهم الله عز و جل في الدنيا، فاطال اعمارهم حتى جعل احدهم يبنى المسكن من المدر فيتهدم و الرجل منهم حي، فلما رأوا ذلك اتخذوا من الجبال بيوتا فرهين، فنحتوها و جابوها و جوفوها،

228

و كانوا في سعه من معايشهم، فقالوا: يا صالح، ادع لنا ربك يخرج لنا آيه نعلم انك رسول الله فدعا صالح ربه، فاخرج لهم الناقه فكان شربها يوما و شربهم يوما معلوما، فإذا كان يوم شربها خلوا عنها و عن الماء، و حلبوها لبنا، ملئوا كل إناء و وعاء و سقاء، فإذا كان يوم شربهم صرفوها عن الماء و لم تشرب منه شيئا، فملئوا كل إناء و وعاء و سقاء، فاوحى الله عز و جل الى صالح ان قومك سيعقرون ناقتك، فقال لهم، فقالوا: ما كنا لنفعل، قال: الا تعقروها أنتم اوشك ان يولد فيكم مولود يعقرها، قالوا: ما علامه ذلك المولود؟ فو الله لا نجده الا قتلناه، قال: فانه غلام اشقر ازرق اصهب احمر، قال: فكان في المدينة شيخان عزيزان منيعان، لأحدهما ابن يرغب له عن المناكح، و للآخر ابنه لا يجد لها كفئا، فجمع بينهما مجلس، فقال أحدهما لصاحبه: ما يمنعك ان تزوج ابنك؟ قال: لا أجد له كفئا، قال: فان ابنتى كف‏ء له، و انا ازوجك، فزوجه فولد منهما ذلك المولود.

و كان في المدينة ثمانية رهط يفسدون في الارض و لا يصلحون، فلما قال لهم صالح: انما يعقرها مولود فيكم، اختاروا ثماني نسوه قوابل من القرية، و جعلوا معهن شرطا كانوا يطوفون في القرية، فإذا وجدوا المرأة تمخض نظروا ما ولدها؟

فان كان غلاما قتلنه، و ان كانت جاريه اعرضن عنها، فلما وجدوا ذلك المولود صرخ النسوة، و قلن: هذا الذى يريد رسول الله صالح، فاراد الشرط ان يأخذوها، فحال جداه بينه و بينهم و قالوا: ان اراد صالح هذا قتلناه، و كان شر مولود، و كان يشب في اليوم شباب غيره في الجمعه، و يشب‏

229

في الجمعه شباب غيره في الشهر، و يشب في الشهر شباب غيره في السنه، فاجتمع الثمانية الذين يفسدون في الارض و لا يصلحون، و فيهم الشيخان، فقالوا:

استعمل علينا هذا الغلام لمنزلته و شرف جديه، فصاروا تسعه، و كان صالح(ع)لا ينام معهم في القرية، بل كان في مسجد يقال له مسجد صالح، فيه يبيت بالليل، فإذا اصبح أتاهم فوعظهم و ذكرهم، فإذا امسى خرج الى مسجده فبات فيه.

قال حجاج: قال ابن جريج: لما قال لهم صالح ع: انه سيولد غلام يكون هلاكهم على يديه، قالوا: فكيف تأمرنا؟ قال: آمركم بقتلهم، فقتلوهم الا واحدا، قال: فلما بلغ ذلك المولود قالوا: لو كنا لم نقتل أولادنا لكان لكل واحد منا مثل هذا، هذا عمل صالح! فائتمروا بينهم بقتله، و قالوا: نخرج مسافرين و الناس يروننا علانية، ثم نرجع من ليله كذا و كذا فنرصده عند مصلاه فنقتله، فلا يحسب الناس الا انا مسافرون كما نحن.

فاقبلوا حتى دخلوا تحت صخره يرصدونه، فانزل الله عز و جل عليهم الصخرة فرضختهم فأصبحوا رضخا، فانطلق رجال ممن قد اطلع على ذلك منهم، فإذا هم رضخ، فرجعوا يصيحون في القرية: اى عباد الله، اما رضى صالح ان امرهم ان يقتلوا أولادهم حتى قتلهم! فاجتمع اهل القرية على عقر الناقه أجمعون، فأحجموا عنها الا ذلك ابن العاشر.

قال ابو جعفر: ثم رجع الحديث الى حديث رسول الله ص، قال: فأرادوا ان يمكروا بصالح، فمشوا حتى أتوا على سرب على طريق صالح، فاختبا فيه ثمانية و قالوا: إذا خرج علينا قتلناه و أتينا اهله فبيتناهم، فامر الله عز و جل الارض فاستوت عليهم، قال: فاجتمعوا و مشوا الى الناقه، و هي على حوضها قائمه، فقال الشقي لأحدهم: ائتها فاعقرها، فأتاها، فتعاظمه ذلك، فاضرب عن ذلك، فبعث آخر فأعظم ذلك، فجعل لا يبعث أحدا الا تعاظمه امرها، حتى مشى إليها و تطاول‏

230

فضرب عرقوبيها، فوقعت تركض فاتى رجل منهم صالحا فقال: ادرك الناقه فقد عقرت فاقبل، فخرجوا يتلقونه و يعتذرون اليه: يا نبى الله، انما عقرها فلان، انه لا ذنب لنا، قال: انظروا هل تدركون فصيلها! فان ادركتموه فعسى الله ان يرفع عنكم العذاب! فخرجوا يطلبونه فلما راى الفصيل أمه تضطرب اتى جبلا- يقال له: القاره- قصيرا فصعده و ذهبوا ليأخذوه، فاوحى الله عز و جل الى الجبل، فطال في السماء حتى ما تناله الطير، قال: و دخل صالح القرية، فلما رآه الفصيل بكى حتى سالت دموعه، ثم استقبل صالحا، فرغا رغوه، ثم رغا اخرى، ثم رغا اخرى فقال صالح: لكل رغوه اجل يوم، تمتعوا في داركم ثلاثة ايام، ذلك وعد غير مكذوب، الا ان آيه العذاب ان اليوم الاول تصبح وجوهكم مصفرة، و اليوم الثانى محمرة، و اليوم الثالث مسوده، فلما أصبحوا إذا وجوههم كأنما طليت بالخلوق، صغيرهم و كبيرهم، ذكرهم و أنثاهم، فلما امسوا صاحوا باجمعهم: الا قد مضى يوم من الأجل و حضركم العذاب، فلما أصبحوا اليوم الثانى إذا وجوههم محمرة، كأنما خضبت بالدماء، فصاحوا و ضجوا و بكوا و عرفوا انه العذاب فلما امسوا صاحوا باجمعهم: الا قد مضى يومان من الأجل، و حضركم العذاب، فلما أصبحوا اليوم الثالث فإذا وجوههم مسوده كأنما طليت بالقار، فصاحوا جميعا: الا قد حضركم العذاب، فتكفنوا و تحنطوا، و كان حنوطهم الصبر و المقر، و كانت أكفانهم الأنطاع، ثم القوا انفسهم الى الارض، فجعلوا يقلبون أبصارهم الى السماء مره، و الى الارض مره، لا يدرون من حيث يأتيهم العذاب، من فوقهم من السماء، او من تحت ارجلهم من الارض خشعا و فرقا، فلما أصبحوا اليوم الرابع اتتهم صيحه من السماء فيها صوت كل صاعقه و صوت كل شي‏ء له صوت في الارض، فتقطعت قلوبهم في صدورهم‏ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ‏

231

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا حجاج، عن ابن جريج، قال: حدثت انه لما اخذتهم الصيحة اهلك الله من بين المشارق و المغارب منهم، الا رجلا واحدا كان في حرم الله، منعه حرم الله من عذاب الله قيل: و من هو يا رسول الله:؟ قال: ابو رغال، [و قال رسول الله(ص)حين اتى على قريه ثمود لأصحابه: لا يدخلن احد منكم القرية، و لا تشربوا من مائهم،] و اراهم مرتقى الفصيل، حين ارتقى في القاره قال ابن جريج: و أخبرني موسى بن عقبه، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمران، [ان النبي(ص)حين اتى على قريه ثمود قال: لا تدخلن على هؤلاء المعذبين الا ان تكونوا باكين، فان لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم، ان يصيبكم ما أصابهم‏].

قال ابن جريج: قال جابر بن عبد الله: [ان النبي(ص)لما اتى على الحجر، حمد الله و اثنى عليه ثم قال: اما بعد، فلا تسألوا رسولكم الآيات، هؤلاء قوم صالح سألوا رسولهم الآية، فبعث الله لهم الناقه، فكانت ترد من هذا الفج و تصدر من هذا الفج، فتشرب ماءهم يوم وردها].

حدثنى اسماعيل بن المتوكل الاشجعى، قال: حدثنا محمد بن كثير، قال: حدثنا عبد الله بن واقد، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، قال: حدثنا ابو الطفيل قال: [لما غزا رسول الله(ص)غزاه تبوك، نزل الحجر فقال: ايها الناس لا تسألوا نبيكم الآيات، هؤلاء قوم صالح سألوا نبيهم ان يبعث لهم آيه، فبعث الله تعالى ذكره لهم الناقه آيه، فكانت تلج عليهم يوم وردها من هذا الفج فتشرب ماءهم، و يوم وردهم كانوا يتزودون منه، ثم يحلبونها مثل ما كانوا يتزودون من مائهم قبل ذلك لبنا، ثم تخرج من ذلك الفج فعتوا عن امر ربهم و عقروها، فوعدهم الله العذاب بعد ثلاثة ايام،

232

و كان وعدا من الله غير مكذوب، فأهلك الله من كان منهم في مشارق الارض و مغاربها الا رجلا واحدا كان في حرم الله، فمنعه حرم الله من عذاب الله، قالوا: و من ذلك الرجل يا رسول الله؟ قال: ابو رغال‏].

فاما اهل التوراة فإنهم يزعمون ان لا ذكر لعاد و لا ثمود و لا لهود و صالح في التوراة، و امرهم عند العرب في الشهره في الجاهلية و الاسلام كشهره ابراهيم و قومه.

قال: و لو لا كراهة اطاله الكتاب بما ليس من جنسه، لذكرت من شعر شعراء الجاهلية الذى قيل في عاد و ثمود و أمورهم بعض ما قيل ما يعلم به من ظن خلاف ما قلنا في شهره امرهم في العرب صحه ذلك و من اهل العلم من يزعم ان صالحا(ع)توفى بمكة و هو ابن ثمان و خمسين سنه، و انه اقام في قومه عشرين سنه.

قال ابو جعفر: نرجع الان الى:

233

ذكر ابراهيم خليل الرحمن (ع)

و ذكر من كان في عصره من ملوك العجم‏

إذ كنا قد ذكرنا من بينه و بين نوح من الآباء و تاريخ السنين التي مضت قبل ذلك و هو ابراهيم بن تارخ بن ناحور بن ساروغ بن ارغوا بن فالغ بن عابر بن شالخ بن قينان بن ارفخشد بن سام بن نوح.

و اختلفوا في الموضع الذى كان منه، و الموضع الذى ولد فيه، فقال بعضهم:

كان مولده بالسوس من ارض الاهواز، و قال بعضهم: كان مولده ببابل من ارض السواد و قال بعضهم: كان بالسواد بناحيه كوثى و قال بعضهم:

كان مولده بالوركاء بناحيه الزوابي و حدود كسكر، ثم نقله أبوه الى الموضع الذى كان به نمرود من ناحيه كوثى و قال بعضهم: كان مولده بحران، و لكن أباه تارخ نقله الى ارض بابل و قال عامه السلف من اهل العلم: كان مولد ابراهيم(ع)في عهد نمرود بن كوش و يقول عامه اهل الاخبار:

كان نمرود عاملا للازدهاق الذى زعم بعض من زعم ان نوحا(ع)كان مبعوثا اليه على ارض بابل و ما حولها و اما جماعه من سلف العلماء فإنهم يقولون: كان ملكا برأسه، و اسمه الذى هو اسمه فيما قيل: زرهى بن طهماسلفان.

و قد حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، قال: حدثنا محمد بن إسحاق- فيما ذكر لنا و الله اعلم- ان آزر كان رجلا من اهل كوثى، من قريه بالسواد سواد الكوفه، و كان إذ ذاك ملك المشرق لنمرود الخاطئ، و كان يقال له الهاصر، و كان ملكه- فيما يزعمون- قد احاط بمشارق الارض و مغاربها، و كان ببابل، قال: و كان ملكه و ملك قومه بالمشرق قبل ملك فارس.

قال: و يقال لم يجتمع ملك الارض و لم يجتمع الناس على ملك واحد الا

234

على ثلاثة ملوك: نمرود بن ارغوا، و ذي القرنين، و سليمان بن داود.

و قال بعضهم: نمرود هو الضحاك نفسه.

حدثت عن هشام بن محمد، قال: بلغنا و الله اعلم ان الضحاك هو نمرود، و ان ابراهيم خليل الرحمن ولد في زمانه، و انه صاحبه الذى اراد إحراقه.

حدثنى موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا اسباط، عن السدى في خبر ذكره عن ابى صالح و عن ابى مالك، عن ابن عباس- و عن مره الهمدانى عن ابن مسعود- و عن ناس من اصحاب النبي(ص)ان أول ملك ملك في الارض شرقها و غربها نمرود بن كنعان ابن كوش بن سام بن نوح، و كانت الملوك الذين ملكوا الارض كلها اربعه:

نمرود، و سليمان بن داود، و ذو القرنين، و بختنصر: مؤمنان و كافران.

و قال ابن إسحاق فيما حدثنى ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، عن ابن إسحاق: فلما اراد الله عز و جل ان يبعث ابراهيم(ع)خليل الرحمن حجه على قومه و رسولا الى عباده، و لم يكن فيما بين نوح و ابراهيم(ع)من نبى قبله الا هود و صالح، فلما تقارب زمان ابراهيم الذى اراد الله تعالى ذكره ما اراد، اتى اصحاب النجوم نمرود، فقالوا له: تعلم انا نجد في علمنا ان غلاما يولد في قريتك هذه يقال له ابراهيم، يفارق دينكم، و يكسر اوثانكم، في شهر كذا و كذا من سنه كذا و كذا فلما دخلت السنه التي وصف اصحاب النجوم لنمرود، بعث نمرود الى كل امراه حبلى بقريته، فحبسها عنده، الا ما كان من أم ابراهيم امراه آزر فانه لم يعلم بحبلها، و ذلك انها كانت جاريه- حدثه فيما يذكر- لم يعرف الحبل في بطنها، فجعل لا تلد امراه غلاما في ذلك الشهر من تلك السنه الا امر به فذبح، فلما وجدت أم ابراهيم الطلق خرجت ليلا الى مغاره كانت قريبا منها، فولدت فيها ابراهيم ع، و اصلحت من شانه ما يصنع بالمولود، ثم سدت عليه المغارة، ثم رجعت الى بيتها، ثم كانت تطالعه في المغارة لتنظر ما فعل، فتجده حيا

235

يمص ابهامه يزعمون- و الله اعلم- ان الله جعل رزق ابراهيم(ع)فيها ما يجيئه من مصه، و كان آزر فيما يزعمون قد سال أم ابراهيم عن حملها ما فعل، فقالت: ولدت غلاما فمات فصدقها فسكت عنها، و كان اليوم- فيما يذكرون- على ابراهيم في الشباب كالشهر، و الشهر كالسنة، و لم يمكث ابراهيم(ع)في المغارة الا خمسه عشر شهرا، حتى قال لامه: أخرجيني انظر، فاخرجته عشاء، فنظر و تفكر في خلق السموات و الارض، و قال: ان الذى خلقني و رزقني و أطعمني و سقاني لربي، ما لي اله غيره ثم نظر في السماء و راى كوكبا، فقال: «هذا رَبِّي‏»، ثم اتبعه ينظر اليه ببصره حتى غاب «فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ‏»، ثم اطلع للقمر فرآه بازغا فقال: «هذا رَبِّي‏» ثم اتبعه ببصره حتى غاب «فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ‏» فلما دخل عليه النهار و طلعت الشمس راى عظم الشمس و راى شيئا هو اعظم نورا من كل شي‏ء رآه قبل ذلك، فقال: «هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ، فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِي‏ءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ حَنِيفاً وَ ما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ‏».

ثم رجع ابراهيم الى ابيه آزر و قد استقامت وجهته، و عرف ربه و بري‏ء من دين قومه الا انه لم يبادهم بذلك، فاخبره انه ابنه، فاخبرته أم ابراهيم(ع)انه ابنه، فاخبرته بما كانت صنعت في شانه، فسر بذلك آزر و فرح فرحا شديدا، و كان آزر يصنع أصنام قومه التي يعبدون، ثم يعطيها ابراهيم يبيعها، فيذهب بها ابراهيم(ع)فيما يذكرون فيقول: من يشترى ما يضره و لا ينفعه! فلا يشتريها منه احد، فإذا بارت عليه ذهب بها الى نهر فصوب فيه رءوسها، و قال: اشربى- استهزاء بقومه، و بما هم عليه من الضلالة- حتى فشا عيبه إياها، و استهزاؤه بها في قومه و اهل قريته،

236

من غير ان يكون ذلك بلغ نمرود الملك ثم انه لما بدا لإبراهيم ان يبادى قومه بخلاف ما هم عليه و بأمر الله و الدعاء اليه «نظر نَظْرَةً فِي النُّجُومِ فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ»، يقول الله عز و جل: «فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ‏»، و قوله:

«إِنِّي سَقِيمٌ‏» اى طعين، او لسقم كانوا يهربون منه إذا سمعوا به، و انما يريد ابراهيم ان يخرجوا عنه ليبلغ من أصنامهم الذى يريد فلما خرجوا عنه خالف الى أصنامهم التي كانوا يعبدون من دون الله، فقرب لها طعاما، ثم قال: الا تاكلون! ما لكم لا تنطقون! تعييرا في شأنها و استهزاء بها.

و قال في ذلك غير ابن إسحاق، ما حدثنى موسى بن هارون، قال:

حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا اسباط، عن السدى، في خبر ذكره عن ابى صالح، و عن ابى مالك، عن ابن عباس- و عن مره الهمدانى عن ابن مسعود- و عن اناس من اصحاب النبي ص: كان من شان ابراهيم(ع)انه طلع كوكب على نمرود، فذهب بضوء الشمس و القمر، ففزع من ذلك فزعا شديدا، فدعا السحره و الكهنه و القافه و الحازه، فسألهم عنه، فقالوا: يخرج من ملكك رجل يكون على وجهه هلاكك و هلاك ملكك- و كان مسكنه ببابل الكوفه- فخرج من قريته الى قريه اخرى، فاخرج الرجال و ترك النساء، و امر الا يولد مولود ذكر الا ذبحه، فذبح أولادهم ثم انه بدت له حاجه في المدينة لم يامن عليها الا آزر أبا ابراهيم، فدعاه فأرسله.

فقال له انظر لا تواقع اهلك، فقال له آزر: انا أضن بديني من ذلك، فلما دخل القرية نظر الى اهله فلم يملك نفسه ان وقع عليها، فقربها الى قريه بين الكوفه و البصره، يقال لها اور، فجعلها في سرب، فكان يتعاهدها بالطعام‏

237

و الشراب و ما يصلحها و ان الملك لما طال عليه الأمر قال: قول سحره كذابين.

ارجعوا الى بلدكم، فرجعوا و ولد ابراهيم فكان في كل يوم يمر كأنه جمعه، و الجمعه كالشهر، و الشهر كالسنة من سرعه شبابه، و نسى الملك ذلك، و كبر ابراهيم و لا يرى ان أحدا من الخلق غيره و غير ابيه و أمه، فقال ابو ابراهيم لأصحابه: ان لي ابنا قد خبأته، ا فتخافون عليه الملك ان انا جئت به؟ قالوا:

لا، فات به فانطلق فاخرجه، فلما خرج الغلام من السرب نظر الى الدواب و البهائم و الخلق، فجعل يسال أباه: ما هذا؟ فيخبره عن البعير انه بعير، و عن البقره انها بقره، و عن الفرس انه فرس، و عن الشاه انها شاه، فقال:

ما لهؤلاء الخلق بد من ان يكون لهم رب، و كان خروجه حين خرج من السرب بعد غروب الشمس، فرفع راسه الى السماء فإذا هو بالكوكب و هو المشترى، فقال: «هذا رَبِّي»، فلم يلبث ان غاب، فقال‏ «لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ‏»، اى لا أحب ربا يغيب قال ابن عباس: و خرج في آخر الشهر، فلذلك لم ير القمر قبل الكواكب، فلما كان آخر الليل راى القمر بازغا قد طلع، فقال:

«هذا رَبِّي، فَلَمَّا أَفَلَ» يقول: غاب، «قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ»، فلما اصبح و راى الشمس بازغه، قالَ: «هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ»، فلما غابت قال الله له: اسلم، قال: قد أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ‏ ثم اتى قومه فدعاهم فقال: «يا قَوْمِ إِنِّي بَرِي‏ءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ حَنِيفاً» يقول مخلصا: فجعل يدعو قومه و ينذرهم.

و كان أبوه يصنع الأصنام فيعطيها ولده فيبيعونها، و كان يعطيه فينادى:

من يشترى ما يضره و لا ينفعه؟ فيرجع اخوته و قد باعوا أصنامهم، و يرجع ابراهيم باصنامه كما هي، ثم دعا أباه فقال: «يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَ لا يُبْصِرُ وَ لا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً» قال: «أَ راغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَ اهْجُرْنِي مَلِيًّا» قال: ابدا ثم قال له أبوه:

238

يا ابراهيم، ان لنا عيدا لو قد خرجت معنا لأعجبك ديننا، فلما كان يوم العيد، فخرجوا اليه خرج معهم ابراهيم، فلما كان ببعض الطريق القى نفسه و قال:

«إِنِّي سَقِيمٌ‏»، يقول: اشتكى رجلي، فتوطئوا رجليه، و هو صريع، فلما مضوا نادى في آخرهم و قد بقي ضعفى الناس: «تَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ‏» فسمعوها منه، ثم رجع ابراهيم الى بيت الالهه، فإذا هو في بهو عظيم، مستقبل باب البهو صنم عظيم الى جنبه اصغر منه، بعضها الى جنب بعض، كل صنم يليه اصغر منه، حتى بلغوا باب البهو و إذا هم قد صنعوا طعاما، فوضعوه بين يدي الالهه، قالوا: إذا كان حين نرجع رجعنا، و قد باركت الالهه في طعامنا فأكلنا فلما نظر اليهم ابراهيم ع، و الى ما بين ايديهم من الطعام قال: الا تاكلون؟ فلما لم تجبه قال:

ما لكم لا تنطقون! فراغ عليهم ضربا باليمين، فاخذ حديده فبقر كل صنم في حافتيه، ثم علق الفاس في عنق الصنم الاكبر، ثم خرج فلما جاء القوم الى طعامهم، و نظروا الى آلهتهم، قالوا: «مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ‏».

قال ابو جعفر: رجع الحديث الى حديث ابن إسحاق.

ثم اقبل عليهم كما قال الله عز و جل: «ضَرْباً بِالْيَمِينِ‏» ثم جعل يكسرهن بفاس في يده، حتى إذا بقي اعظم صنم منها ربط الفاس بيده، ثم تركهن، فلما رجع قومه رأوا ما صنع بأصنامهم، فراغهم ذلك، فاعظموه و قالوا: من فعل بآلهتنا انه لمن الظالمين ثم ذكروا فقالوا: «قد سَمِعْنا فَتًى‏

239

يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ‏»- يعنون فتى يسبها و يعيبها و يستهزئ بها، لم نسمع أحدا يقول ذلك غيره، و هو الذى نظن صنع هذا بها و بلغ ذلك نمرود و اشراف قومه، فقالوا: «فَأْتُوا بِهِ عَلى‏ أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ‏»، اى ما يصنع به.

فكان جماعه من اهل التأويل، منهم قتادة و السدى يقولون في ذلك:

لعلهم يشهدون عليه انه هو الذى فعل ذلك، و قالوا: كرهوا ان يأخذوه بغير بينه رجع الحديث الى حديث ابن إسحاق:

قال: فلما اتى به فاجتمع له قومه عند ملكهم نمرود، قالوا: «أَ أَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ‏»، غضب من ان يعبدوا معه هذه الصغار و هو اكبر منها، فكسرهن، فارعووا و رجعوا عنه فيما ادعوا عليه من كسرهن الى انفسهم فيما بينهم، فقالوا: لقد ظلمناه و ما نراه الا كما قال ثم قالوا و عرفوا انها لا تضر و لا تنفع و لا تبطش: «لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ‏»، اى لا يتكلمون فيخبرونا:

من صنع هذا بها، و ما تبطش بالأيدي فنصدقك، يقول الله عز و جل:

«ثُمَّ نُكِسُوا عَلى‏ رُؤُسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ‏»، اى نكسوا على رءوسهم في الحجه عليهم لإبراهيم حين جادلهم، فقال عند ذلك ابراهيم حين ظهرت الحجه عليهم بقولهم: «لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ قالَ أَ فَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَ لا يَضُرُّكُمْ أُفٍّ لَكُمْ وَ لِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ‏».

قال: و حاجه قومه عند ذلك في الله جل ثناؤه يستوصفونه اياه و يخبرونه‏

240

ان آلهتهم خير مما يعبد، فقال: «أَ تُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَ قَدْ هَدانِ»، الى قوله: «فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ‏»، يضرب لهم الأمثال، و يصرف لهم العبر، ليعلموا ان الله هو أحق ان يخاف و يعبد مما يعبدون من دونه قال ابو جعفر: ثم ان نمرود- فيما يذكرون- قال لإبراهيم: ا رايت الهك هذا الذى تعبد و تدعو الى عبادته، و تذكره من قدرته التي تعظمه بها على غيره ما هو؟ «قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَ يُمِيتُ‏»، فقال نمرود: فانا «احيى و اميت»، فقال له ابراهيم: كيف تحيى و تميت؟ قال: آخذ الرجلين قد استوجبا القتل في حكمى، فاقتل أحدهما فأكون قد امته، و اعفو عن الآخر فاتركه فأكون قد احييته، فقال له ابراهيم عند ذلك: «فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ»، فعرف انه كما يقول، فبهت عند ذلك نمرود و لم يرجع اليه شيئا، و عرف انه لا يطيق ذلك يقول الله عز و جل: «فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ»، يعنى وقعت عليه الحجه.

قال: ثم ان نمرود و قومه اجمعوا في ابراهيم فقالوا: «حَرِّقُوهُ وَ انْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ‏».

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، قال: حدثنى محمد بن إسحاق، عن الحسن بن دينار، عن ليث بن ابى سليم، عن مجاهد، قال: تلوت هذه الآية على عبد الله بن عمر، فقال: ا تدرى يا مجاهد، من الذى اشار بتحريق ابراهيم(ع)بالنار؟ قال: قلت: لا، قال: رجل من اعراب فارس، قال: قلت: يا أبا عبد الرحمن، و هل للفرس اعراب؟ قال: نعم، الكرد هم اعراب فارس، فرجل منهم هو الذى اشار بتحريق ابراهيم بالنار حدثنى يعقوب، قال: حدثنا ابن عليه، عن ليث، عن مجاهد في‏

241

قوله: «حَرِّقُوهُ وَ انْصُرُوا آلِهَتَكُمْ‏» قال: قالها رجل من اعراب فارس- يعنى الأكراد.

و حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنى حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني وهب بن سليمان، عن شعيب الجبائي، قال:

ان اسم الذى قال حرقوه هينون، فخسف الله به الارض، فهو يتجلجل فيها الى يوم القيامه ثم رجع الحديث الى حديث ابن إسحاق.

قال: فامر نمرود، بجمع الحطب، فجمعوا له صلاب الحطب من اصناف الخشب، حتى ان كانت المرأة من قريه ابراهيم- فيما يذكر- لتنذر في بعض ما تطلب مما تحب ان تدرك: لئن اصابته لتحطبن في نار ابراهيم التي يحرق بها احتسابا في دينها، حتى إذا أرادوا ان يلقوه فيها قدموه و اشعلوا في كل ناحيه من الحطب الذى جمعوا له، حتى إذا اشتعلت النار، و اجتمعوا لقذفه فيها، صاحت السماء و الارض و ما فيها من الخلق الا الثقلين- فيما يذكرون- الى الله عز و جل صيحه واحده: اى ربنا! ابراهيم ليس في أرضك احد يعبدك غيره، يحرق بالنار فيك! فاذن لنا في نصرته، فيذكرون- و الله اعلم- ان الله عز و جل حين قالوا ذلك قال: ان استغاث بشي‏ء منكم او دعاه فلينصره، فقد أذنت له في ذلك، فان لم يدع غيرى فانا وليه، فخلوا بيني و بينه، فانا امنعه، فلما القوه فيها قال: «يا نارُ كُونِي بَرْداً وَ سَلاماً عَلى‏ إِبْراهِيمَ‏»، فكانت كما قال الله عز و جل.

و حدثنى موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا اسباط، عن السدى قال «قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْياناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ‏»،

242

قال: فحبسوه في بيت، و جمعوا له حطبا حتى ان كانت المرأة لتمرض فتقول:

لئن عافاني الله لاجمعن حطبا لإبراهيم، فلما جمعوا له و أكثروا من الحطب حتى ان كان الطير ليمر بها فيحترق من شده وهجها و حرها، فعمدوا اليه فرفعوه على راس البنيان، فرفع ابراهيم راسه الى السماء، فقالت السماء و الارض و الجبال و الملائكة: ربنا! ابراهيم يحرق فيك فقال: انا اعلم به، فان دعاكم فاغيثوه و قال ابراهيم حين رفع راسه الى السماء: اللهم أنت الواحد في السماء و انا الواحد في الارض، ليس في الارض احد يعبدك غيرى، حسبي الله و نعم الوكيل! فقذفوه في النار، فناداها فقال: «يا نار كوني بردا و سلاما على ابراهيم» و كان جبرئيل هو الذى ناداها و قال ابن عباس: لو لم يتبع بردها سلاما لمات ابراهيم من بردها، فلم تبق يومئذ نار في الارض الا طفئت و ظنت انها تعنى فلما طفئت النار نظروا الى ابراهيم فإذا هو و رجل آخر معه، و إذا راس ابراهيم في حجره يمسح عن وجهه العرق، و ذكر ان ذلك الرجل ملك الظل، و انزل الله نارا و انتفع بها بنو آدم، فاخرجوا ابراهيم، فادخلوه على الملك، و لم يكن قبل ذلك دخل عليه ثم رجع الحديث الى حديث ابن إسحاق.

قال: و بعث الله عز و جل ملك الظل في صوره ابراهيم، فقعد فيها الى جنبه يؤنسه، فمكث نمرود أياما لا يشك الا ان النار قد اكلت ابراهيم و فرغت منه، ثم ركب فمر بها و هي تحرق ما جمعوا لها من الحطب، فنظر إليها، فراى ابراهيم جالسا فيها الى جنبه رجل مثله، فرجع من مركبه ذلك، فقال لقومه: لقد رايت ابراهيم حيا في النار، و لقد شبه على، ابنوا لي صرحا يشرف بي على النار حتى استثبت، فبنوا له صرحا، فأشرف عليه فاطلع منه الى النار، فراى ابراهيم جالسا فيها، و راى الملك قاعدا الى جنبه في مثل صورته، فناداه نمرود: يا ابراهيم، كبير الهك الذى بلغت قدرته و عزته ان حال بين ما ارى و بينك، حتى لم تضرك يا ابراهيم، هل تستطيع ان تخرج منها؟

243

قال: نعم، قال: هل تخشى ان اقمت فيها ان تضرك؟ قال: لا، قال:

فقم و اخرج منها، فقام ابراهيم يمشى فيها حتى خرج منها، فلما خرج اليه قال: يا ابراهيم، من الرجل الذى رايت معك في مثل صورتك قاعدا الى جنبك؟ قال: ذلك ملك الظل، ارسله الى ربى ليكون معى فيها ليؤنسنى، و جعلها على بردا و سلاما فقال نمرود- فيما حدثت-: يا ابراهيم، انى مقرب الى الهك قربانا لما رايت من عزته و قدرته، و لما صنع بك حين أبيت الا عبادته و توحيده، انى ذابح له اربعه آلاف بقره فقال له ابراهيم:

إذا لا يقبل الله منك ما كنت على شي‏ء من دينك هذا حتى تفارقه الى ديني! فقال: يا ابراهيم، لا استطيع ترك ملكي، و لكنى سوف اذبحها له، فذبحها نمرود، ثم كف عن ابراهيم، و منعه الله عز و جل منه.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير، عن مغيره، عن الحارث، عن ابى زرعه، عن ابى هريرة، قال: ان احسن شي‏ء قاله ابو ابراهيم لما رفع عنه الطبق و هو في النار وحده يرشح جبينه، فقال عند ذلك: نعم الرب ربك يا ابراهيم.

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا معتمر بن سليمان التيمى، عن بعض اصحابه قال: جاء جبرئيل الى ابراهيم(ع)و هو يوثق و يقمط ليلقى في النار، قال: يا ابراهيم، ا لك حاجه؟ قال: اما إليك فلا.

حدثنى احمد بن المقدام، قال: حدثنى المعتمر، قال: سمعت ابى قال: حدثنا قتادة، عن ابى سليمان، قال: ما احرقت النار من ابراهيم الا وثاقه.

قال ابو جعفر: رجع الحديث الى حديث ابن إسحاق، قال: و استجاب لإبراهيم(ع)رجال من قومه حين رأوا ما صنع الله به على خوف من نمرود

244

و ملئهم، فآمن له لوط- و كان ابن أخيه- و هو لوط بن هاران بن تارخ، و هاران هو أخو ابراهيم، و كان لهما أخ ثالث يقال له ناحور بن تارخ‏

3

، فهاران ابو لوط

3

، و ناحور ابو بتويل‏

3

، و بتويل ابو لابان‏

3

، و ربقا ابنه بتويل امراه إسحاق بن ابراهيم أم يعقوب‏

3

، وليا و راحيل زوجتا يعقوب ابنتا لابان و آمنت به ساره و هي ابنه عمه، و هي ساره بنت هاران الاكبر عم ابراهيم، و كانت لها اخت يقال لها ملكا امراه ناحور.

و قد قيل: ان ساره كانت ابنه ملك حران.

ذكر من قال ذلك:

حدثنى موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا اسباط، عن السدى، قال: انطلق ابراهيم و لوط قبل الشام، فلقى ابراهيم ساره، و هي ابنه ملك حران، و قد طعنت على قومها في دينهم، فتزوجها على الا يغيرها، و دعا ابراهيم أباه آزر الى دينه، فقال له: يا أبت لم تعبد ما لا يسمع و لا يبصر و لا يغنى عنك شيئا! فأبى أبوه الإجابة الى ما دعاه اليه.

ثم ان ابراهيم و من كان معه من اصحابه الذين اتبعوا امره اجمعوا لفراق قومهم، فقالوا: «إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَ مِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنا بِكُمْ»، ايها المعبودون من دون الله «وَ بَدا بَيْنَنا وَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَ الْبَغْضاءُ أَبَداً» ايها العابدون «حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ‏» ثم خرج ابراهيم مهاجرا الى ربه و خرج معه لوط مهاجرا، و تزوج ساره ابنه عمه، فخرج بها معه يلتمس الفرار بدينه، و الامان على عباده ربه حتى نزل حران، فمكث بها ما شاء الله ان يمكث، ثم خرج منها مهاجرا حتى قدم مصر، و بها فرعون من الفراعنة الاولى و كانت ساره من احسن الناس فيما يقال، و كانت لا تعصى ابراهيم‏

245

شيئا، و بذلك أكرمها الله عز و جل، فلما وصفت لفرعون و وصف له حسنها و جمالها ارسل الى ابراهيم، فقال: ما هذه المرأة التي معك؟ قال: هي أختي، و تخوف ابراهيم ان قال هي امراتى ان يقتله عنها فقال لإبراهيم: زينها، ثم أرسلها الى حتى انظر إليها، فرجع ابراهيم الى ساره و امرها فتهيأت، ثم أرسلها اليه، فاقبلت حتى دخلت عليه، فلما قعدت اليه تناولها بيده، فيبست الى صدره، فلما راى ذلك فرعون اعظم امرها، و قال: ادعى الله ان يطلق عنى، فو الله لا اريبك و لاحسنن إليك، فقالت: اللهم ان كان صادقا فاطلق يده، فاطلق الله يده، فردها الى ابراهيم، و وهب لها هاجر، جاريه كانت له قبطية.

حدثنا ابو كريب، قال: حدثنا ابو اسامه، قال: حدثنى هشام، عن محمد، عن ابى هريرة، [ان رسول الله ص: قال:

لم يكذب ابراهيم(ع)غير ثلاث: ثنتين في ذات الله، قوله: «إِنِّي سَقِيمٌ»، و قوله: «بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا» و بينا هو يسير في ارض جبار من الجبابرة، إذ نزل منزلا، فاتى الجبار رجل فقال: ان في أرضك- او قال:

هاهنا- رجلا معه امراه من احسن الناس، فأرسل اليه، فجاء فقال: ما هذه المرأة منك؟ قال: هي أختي،] قال: اذهب فأرسل بها الى، فانطلق الى ساره، فقال: ان هذا الجبار قد سألني عنك فاخبرته انك أختي فلا تكذبيني عنده، فإنك أختي في كتاب الله، فانه ليس في الارض مسلم غيرى و غيرك، قال: فانطلق بها و قام ابراهيم(ع)يصلى قال: فلما دخلت عليه فرآها اهوى إليها و ذهب يتناولها، فاخذ أخذا شديدا، فقال:

ادعى الله و لا اضرك، فدعت له فأرسل فاهوى إليها فذهب يتناولها، فاخذ أخذ شديدا، فقال: ادعى الله و لا اضرك، فدعت له فأرسل، ثم‏

246

فعل ذلك الثالثه، فاخذ، فذكر مثل المرتين فأرسل قال: فدعا ادنى حجابه فقال: انك لم تأتني بانسان، و لكنك أتيتني بشيطان، أخرجها و أعطها هاجر، فأخرجت و اعطيت هاجر، فاقبلت بها، فلما احس ابراهيم بمجيئها انفتل من صلاته، فقال: مهيم! فقالت: كفى الله كيد الفاجر الكافر! و اخدم هاجر.

قال محمد بن سيرين: فكان ابو هريرة إذا حدث هذا الحديث يقول:

فتلك امكم يا بنى ماء السماء.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، قال: حدثنا محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن ابى الزناد، عن ابيه، عن عبد الرحمن الاعرج، عن ابى هريرة، قال: [سمعت رسول الله(ص)يقول: لم يقل ابراهيم شيئا قط لم يكن الا ثلاثا: قوله «إِنِّي سَقِيمٌ» لم يكن به سقم، و قوله:

«بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ‏»، و قوله لفرعون حين ساله عن ساره فقال: من هذه المرأة معك؟ قال: أختي، قال: فما قال ابراهيم(ع)شيئا قط لم يكن الا ذلك‏].

حدثنى سعيد بن يحيى الاموى قال: حدثنى ابى، قال: حدثنا محمد ابن إسحاق، قال: حدثنا ابو الزناد، عن عبد الرحمن الاعرج، عن ابى هريرة، قال: [قال رسول الله ص: لم يكذب ابراهيم في شي‏ء قط الا في ثلاث،] ثم ذكر نحوه.

حدثنا ابو كريب، قال: حدثنا ابو اسامه، قال: حدثنى هشام، عن محمد، عن ابى هريرة، [ان رسول الله(ص)قال: لم يكذب ابراهيم غير ثلاث: ثنتين في ذات الله قوله: «إِنِّي سَقِيمٌ»، و قوله: «بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا»، و قوله في ساره: هي أختي‏]

247

حدثنى ابن حميد، قال: حدثنا جرير، عن مغيره، عن المسيب بن رافع، عن ابى هريرة قال: ما كذب ابراهيم(ع)غير ثلاث كذبات:

قوله: «إِنِّي سَقِيمٌ‏»، و قوله: «بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا»، و انما قاله موعظه، و قوله حين ساله الملك فقال: أختي- لساره- و كانت امراته خ حدثنى يعقوب، قال: حدثنى ابن عليه، عن أيوب، عن محمد، قال: ان ابراهيم لم يكذب الا ثلاث كذبات: ثنتان في الله، و واحده في ذات نفسه، و اما الثنتان فقوله: «إِنِّي سَقِيمٌ‏»، و قوله: «بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا» و قصته في ساره و ذكر قصتها و قصه الملك قال ابو جعفر: رجع الحديث الى حديث ابن إسحاق.

قال: و كانت هاجر جاريه ذات هيئة، فوهبتها ساره لإبراهيم، و قالت:

انى أراها امراه وضيئه فخذها، لعل الله يرزقك منها ولدا، و كانت ساره قد منعت الولد فلا تلد لإبراهيم حتى اسنت، و كان ابراهيم قد دعا الله ان يهب له من الصالحين، و اخرت الدعوة حتى كبر ابراهيم و عقمت ساره، ثم ان ابراهيم وقع على هاجر، فولدت له اسماعيل ع.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، قال: حدثنى ابن إسحاق، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك الأنصاري، قال: [قال رسول الله ص: إذا فتحتم مصر فاستوصوا بأهلها خيرا، فان لهم ذمه و رحما].

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، قال: حدثنى ابن إسحاق، قال:

سالت الزهري: ما الرحم التي ذكر رسول الله(ص)لهم؟ قال:

كانت هاجر أم اسماعيل منهم فيزعمون- و الله اعلم- ان ساره حزنت عند ذلك على ما فاتها من الولد حزنا شديدا، و قد كان ابراهيم خرج من مصر الى الشام، و هاب ذلك الملك الذى كان بها، و اشفق من شره حتى قدمها، فنزل السبع من ارض فلسطين، و هي بريه الشام، و نزل لوط بالمؤتفكه، و هي من‏

248

السبع على مسيره يوم و ليله و اقرب من ذلك، فبعثه الله عز و جل نبيا، و اقام ابراهيم فيما ذكر لي بالسبع، فاحتفر به بئرا و اتخذ به مسجدا، فكان ماء تلك البئر معينا طاهرا، فكانت غنمه تردها ثم ان أهلها آذوه فيها ببعض الأذى، فخرج منها حتى نزل بناحيه من ارض فلسطين بين الرملة و إيليا، ببلد يقال له قط- او قط- فلما خرج من بين اظهرهم نضب الماء فذهب.

و اتبعه اهل السبع، حتى أدركوه و ندموا على ما صنعوا، و قالوا: أخرجنا من بين أظهرنا رجلا صالحا، فسألوه ان يرجع اليهم، فقال: ما انا براجع الى بلد اخرجت منه، قالوا له: فان الماء الذى كنت تشرب منه و نشرب معك منه قد نضب فذهب، فأعطاهم سبع اعنز من غنمه، فقال: اذهبوا بها معكم، فإنكم لو قد أوردتموها البئر، قد ظهر الماء، حتى يكون معينا طاهرا كما كان، فاشربوا منها، فلا تغترفن منها امراه حائض، فخرجوا بالاعنز، فلما وقفت على البئر ظهر إليها الماء، فكانوا يشربون منها و هي على ذلك، حتى أتت امراه طامث، فاغترفت منها، فنكص ماؤها الى الذى هو عليه اليوم، ثم ثبت.

قال: و كان ابراهيم يضيف من نزل به، و كان الله عز و جل قد اوسع عليه، و بسط له في الرزق و المال و الخدم، فلما اراد الله عز و جل هلاك قوم لوط، بعث اليه رسله يأمرونه بالخروج من بين اظهرهم، و كانوا قد عملوا من الفاحشة ما لم يسبقهم به احد من العالمين، مع تكذيبهم نبيهم، و ردهم عليه ما جاءهم به من النصيحه من ربهم، و امرت الرسل ان ينزلوا على ابراهيم، و ان يبشروه و ساره بإسحاق، و من وراء إسحاق يعقوب، فلما نزلوا على ابراهيم و كان الضيف قد حبس عنه خمس عشره ليله حتى شق ذلك عليه- فيما يذكرون- لا يضيفه احد، و لا يأتيه، فلما رآهم سر بهم راى ضيفا لم يضفه مثلهم حسنا و جمالا، فقال: لا يخدم هؤلاء القوم احد الا انا بيدي، فخرج الى اهله، فجاء كما قال الله عز و جل: «بِعِجْلٍ سَمِينٍ‏» قد حنذه- و الحناذ: الانضاج يقول الله جل ثناؤه: «جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ» فقربه اليهم، فأمسكوا ايديهم‏

249

عنه، «فَلَمَّا رَأى‏ أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَ أَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً» حين لم يأكلوا من طعامه، «قالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى‏ قَوْمِ لُوطٍ وَ امْرَأَتُهُ‏» ساره «قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ‏» لما عرفت من امر الله عز و جل، و لما تعلم من قوم لوط، فبشروها «بِإِسْحاقَ وَ مِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ‏» بابن، و بابن ابن، فقالت- و صكت وجهها، يقال: ضربت على جبينها: «يا وَيْلَتى‏ أَ أَلِدُ وَ أَنَا عَجُوزٌ» الى قوله: «إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ» و كانت ساره يومئذ- فيما ذكر لي بعض اهل العلم- ابنه تسعين سنه، و ابراهيم ابن عشرين و مائه سنه، فلما ذهب عن ابراهيم الروع و جاءته البشرى بإسحاق و يعقوب ولد من صلب إسحاق و امن ما كان يخاف، قال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَ إِسْحاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ».

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنى حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني وهب بن سليمان، عن شعيب الجبائي، قال: القى ابراهيم في النار و هو ابن ست عشره سنه، و ذبح إسحاق و هو ابن سبع سنين، و ولدته ساره و هي ابنه تسعين سنه، و كان مذبحه من بيت إيليا على ميلين، فلما علمت ساره بما اراد بإسحاق مرضت يومين، و ماتت اليوم الثالث، و قيل:

ماتت ساره و هي ابنه مائه و سبع و عشرين سنه.

حدثنى موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا

250

اسباط، عن السدى، قال: بعث الله الملائكة لتهلك قوم لوط، فاقبلت تمشى في صوره رجال شباب، حتى نزلوا على ابراهيم، فتضيفوه، فلما رآهم ابراهيم اجلهم، فراغ الى اهله، فجاء بعجل سمين فذبحه، ثم شواه في الرضف و هو الحنيذ حين شواه، و أتاهم فقعد معهم، و قامت ساره تخدمهم، فذلك حين يقول جل ثناؤه: «وَ امْرَأَتُهُ قائِمَةٌ و هو جالس» في قراءة ابن مسعود، فلما قربه اليهم قال: الا تاكلون! قالوا: يا ابراهيم، انا لا ناكل طعاما الا بثمن، قال: فان لهذا ثمنا، قالوا: و ما ثمنه؟ قال: تذكرون اسم الله على اوله و تحمدونه على آخره، فنظر جبرئيل الى ميكائيل، فقال: حق لهذا ان يتخذه ربه خليلا، «فَلَمَّا رَأى‏ أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ‏» يقول: لا يأكلون، «نَكِرَهُمْ وَ أَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً»، فلما نظرت اليه ساره انه قد اكرمهم و قامت هي تخدمهم ضحكت و قالت: عجبا لاضيافنا! هؤلاء انا نخدمهم بأنفسنا تكرمه لهم، و هم لا يأكلون طعامنا!

251

ذكر امر بناء البيت‏

. قال: ثم ان الله عز و جل امر ابراهيم بعد ما ولد له اسماعيل و إسحاق- فيما ذكر- ببناء بيت له يعبد فيه، و يذكر فلم يدر ابراهيم في اى موضع يبنى، إذ لم يكن بين له ذلك، فضاق بذلك ذرعا، فقال بعض اهل العلم: بعث الله اليه السكينة لتدله على موضع البيت، فمضت به السكينة، و مع ابراهيم هاجر زوجته و ابنه اسماعيل، و هو طفل صغير.

و قال بعضهم: بل بعث الله اليه جبرئيل ع، حتى دله على موضعه، و بين له ما ينبغى ان يعمل.

ذكر من قال: الذى بعثه الله اليه لذلك السكينة:

حدثنا هناد بن السرى، قال: حدثنا ابو الأحوص، عن سماك بن حرب، عن خالد بن عرعرة: [ان رجلا قام الى على بن ابى طالب، فقال: الا تخبرني عن البيت، ا هو أول بيت وضع في الارض؟ فقال: لا، و لكنه أول بيت وضع في البركه مقام ابراهيم، و من دخله كان آمنا، و ان شئت أنبأتك كيف بنى ان الله عز و جل اوحى الى ابراهيم ان ابن لي بيتا في الارض، فضاق ابراهيم بذلك ذرعا، فأرسل عز و جل السكينة، و هي ريح خجوج و لها راسان، فاتبع أحدهما صاحبه حتى انتهت الى مكة فتطوت على موضع البيت كتطوى الحيه، و امر ابراهيم ان يبنى حيث تستقر السكينة، فبنى ابراهيم و بقي حجر، فذهب الغلام يبنى شيئا، فقال ابراهيم: ابغنى حجرا كما آمرك، فانطلق الغلام يلتمس له حجرا، فأتاه به، فوجده قد ركب الحجر الأسود في مكانه، فقال: يا أبت، من أتاك بهذا الحجر؟ فقال: أتاني به من لم يتكل على بنائك، أتاني به جبرئيل من السماء فاتماه‏]

252

حدثنا ابن بشار و ابن المثنى، قالا: حدثنا مؤمل، قال: حدثنا سفيان، عن ابى إسحاق، عن حارثة بن مضرب، [عن على(ع)قال: لما امر ابراهيم ببناء البيت خرج معه اسماعيل و هاجر، فلما قدم مكة راى على راسه في موضع البيت مثل الغمامه فيه مثل الراس، فكلمه، و قال: يا ابراهيم، ابن على ظلى- او على قدري- و لا تزد و لا تنقص، فلما بنى خرج و خلف اسماعيل و هاجر، فقالت هاجر: يا ابراهيم، الى من تكلنا؟ قال:

الى الله، قالت: انطلق فانه لا يضيعنا، قال: فعطش اسماعيل عطشا شديدا، فصعدت هاجر الصفا، فنظرت فلم تر شيئا، ثم أتت المروة فنظرت فلم تر شيئا، ثم رجعت الى الصفا، فنظرت فلم تر شيئا، حتى فعلت ذلك سبع مرات، فقالت: يا اسماعيل، مت حيث لا أراك فاتته و هو يفحص برجله من العطش، فناداها جبرائيل، فقال: من أنت؟ قالت: انا هاجر، أم ولد ابراهيم، قال: الى من وكلكما؟ قالت: وكلنا الى الله، قال: وكلكما الى كاف، قال: ففحص الغلام الارض بإصبعه، فنبعت زمزم، فجعلت تحبس الماء، فقال: دعيه، فإنها رواء].

حدثنى موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا اسباط، عن السدى، قال: لما عهد الله الى ابراهيم و اسماعيل: ان طهرا بيتى للطائفين، انطلق ابراهيم حتى اتى مكة، فقام هو و اسماعيل، و أخذ المعاول لا يدريان اين البيت، فبعث الله عز و جل ريحا يقال لها ريح الخجوج لها جناحان و راس في صوره حيه، فكنست لهما ما حول الكعبه عن اساس البيت الاول، و اتبعاها بالمعاول يحفران حتى وضعا الأساس، فذلك حين يقول عز و جل: «وَ إِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ‏»