تاريخ الأمم و الملوك‏‏‏ - ج1

- ابن جرير الطبري المزيد...
632 /
303

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا محمد بن ثور و حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، جميعا عن معمر، عن قتادة، قال: قال حذيفة: لما دخلوا عليه ذهبت عجوزه، عجوز السوء، فاتت قومها فقالت: قد تضيف لوطا الليلة قوم ما رايت قوما قط احسن وجوها منهم، قال: فجاءوا يهرعون اليه، فقام ملك فلز الباب- يقول:

فسده- فاستأذن جبرئيل في عقوبتهم، فاذن له، فضربهم جبرئيل بجناحه، فتركهم عميانا، فباتوا بشر ليله، ثم قالوا: إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ، فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ، وَ لا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ، قال: فبلغنا انها سمعت صوتا، فالتفتت فأصابها حجر و هي شاذه من القوم معلوم مكانها.

حدثنى موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا اسباط، عن السدى في خبر ذكره، عن ابى مالك و عن ابى صالح، عن ابن عباس- و عن مره الهمدانى عن ابن مسعود- و عن ناس من اصحاب النبي ص: لما قال لوط: «لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى‏ رُكْنٍ شَدِيدٍ»، بسط حينئذ جبرئيل جناحه ففقأ اعينهم، و خرجوا يدوس بعضهم في آثار بعض عميانا، يقولون: النجاء النجاء! فان في بيت لوط اسحر قوم في الارض، فذلك قوله تعالى: «وَ لَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ‏» و قالوا للوط: «إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَ لا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ»، يقول: سر بهم فامضوا حيث تؤمرون، فاخرجهم الله تعالى الى الشام و قال لوط: اهلكوهم الساعة، فقالوا: انا لم نؤمر الا بالصبح، أَ لَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ! فلما ان كان السحر خرج لوط و اهله معه الا امراته، و ذلك قوله تعالى: «إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ»

304

حدثنا المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: حدثنا اسماعيل بن عبد الكريم، قال: حدثنى عبد الصمد انه سمع وهب بن منبه يقول: كان اهل سدوم الذين فيهم لوط قوم سوء قد استغنوا عن النساء بالرجال، فلما راى الله ذلك منهم بعث الملائكة ليعذبوهم، فاتوا ابراهيم، فكان من امره و امرهم ما ذكره الله تعالى في كتابه، فلما بشروا ساره بالولد قاموا، و قام معهم ابراهيم يمشى، فقال: أخبروني لم بعثتم؟ و ما خطبكم؟ قالوا: انا أرسلنا الى قوم سدوم لندمرها فإنهم قوم سوء، قد استغنوا بالرجال عن النساء قال ابراهيم: ا رايتم ان كان فيهم خمسون رجلا صالحا؟ قالوا: إذا لا نعذبهم، فلم يزل ينقص حتى قال اهل البيت، قالوا: فان كان فيهم بيت صالح، قال: فلوط و اهل بيته، قالوا: ان امراته هواها معهم، فلما يئس ابراهيم انصرف و مضوا الى اهل سدوم فدخلوا على لوط، فلما رأتهم امراته أعجبها حسنهم و جمالهم، فأرسلت الى اهل القرية انه قد نزل بنا قوم لم نر قوما قط احسن منهم و لا اجمل، فتسامعوا بذلك، فغشوا دار لوط من كل ناحيه، و تسوروا عليهم الجدران، فلقيهم لوط فقال: يا قوم لا تفضحون في ضيفي و انا ازوجكم بناتي فهن اطهر لكم، فقالوا: لو كنا نريد بناتك لقد عرفنا مكانهن، فقال:

لو ان لي بكم قوه او آوى الى ركن شديد فوجد عليه الرسل فقالوا: ان ركنك لشديد، و انهم آتيهم عذاب غير مردود، فمسح احدهم اعينهم بجناحه، فطمس أبصارهم، فقالوا: سحرنا، انصرفوا بنا حتى نرجع اليه، فكان من امرهم ما قد قص الله تعالى في القرآن، فادخل ميكائيل و هو صاحب العذاب جناحيه حتى بلغ اسفل الارضين، فقلبها فنزلت حجارة من السماء، فتتبعت من لم يكن منهم في القرية حيث كانوا فاهلكهم الله، و نجى لوطا و اهله الا امراته.

حدثنا ابو كريب، قال: حدثنا جابر بن نوح، قال: حدثنا الاعمش، عن مجاهد، قال: أخذ جبرئيل قوم لوط من سرحهم و دورهم، حملهم بمواشيهم و امتعتهم، حتى سمع اهل السماء نباح كلابهم ثم كفاها

305

و حدثنا ابو كريب مره اخرى، عن مجاهد، فقال: ادخل جبرئيل جناحيه تحت الارض السفلى من قوم لوط، ثم اخذهم بالجناح الأيمن، و اخذهم من سرحهم و مواشيهم ثم رفعها.

حدثنى المثنى، قال: حدثنا ابو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن ابى نجيح، عن مجاهد، قال: كان يقول: «فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها»، قال: لما أصبحوا غدا جبرئيل على قريتهم ففتقها من أركانها ثم ادخل جناحيه، ثم حملها على خوافي جناحيه.

حدثنى المثنى، قال: حدثنا ابو حذيفة، قال: حدثنا شبل، قال:

و حدثنى هذا ابن ابى نجيح، عن ابراهيم بن ابى بكر، قال: و لم يسمعه ابن ابى نجيح من مجاهد قال: فحملها على خوافي جناحيه بما فيها، ثم صعد بها الى السماء حتى سمع اهل السماء نباح كلابهم، ثم قلبها، فكان أول ما سقط منها شرافها، فذلك قوله تعالى: «فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَ أَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ‏» حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: بلغنا ان جبرئيل(ع)أخذ بعروة القرية الوسطى ثم الوى بها الى السماء، حتى سمع اهل السماء ضواغى كلابهم، ثم دمر بعضها على بعض، فجعل عاليها سافلها، ثم اتبعتهم الحجاره قال قتادة: و بلغنا انهم كانوا اربعه آلاف الف.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن‏

306

قتادة، قال: و ذكر لنا ان جبرئيل أخذ بعروتها الوسطى، ثم الوى بها الى جو السماء حتى سمعت الملائكة ضواغى كلابهم ثم دمر بعضها على بعض، ثم اتبع شذان القوم صخرا، قال: و هي ثلاث قرى يقال لها سدوم، و هي بين المدينة و الشام، قال: و ذكر لنا انه كان فيها اربعه آلاف الف، قال:

و ذكر لنا ان ابراهيم كان يشرف ثم يقول: سدوم يوما هالك حدثنى موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا اسباط، عن السدى بالإسناد الذى قد ذكرناه: لما أصبحوا- يعنى قوم لوط- نزل جبرئيل(ع)و اقتلع الارض من سبع ارضين، فحملها حتى بلغ بها السماء الدنيا، حتى سمع اهل السماء نباح كلابهم و أصوات ديوكهم، ثم قلبها فقتلهم، فذلك حين يقول: «و المؤتفكه اهوى»، المنقلبه حين اهوى بها جبرئيل(ع)الارض فاقتلعها بجناحيه، فمن لم يمت حين اسقط الارض امطر الله تعالى عليه و هو تحت الارض الحجاره، و من كان منهم شاذا في الارض، و هو قول الله تعالى: «فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَ أَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ‏»، ثم تتبعهم في القرى، فكان الرجل يتحدث فيأتيه الحجر فيقتله، فذلك قوله تعالى: «وَ أَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ‏».

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، قال: حدثنى ابن إسحاق، قال: حدثنى محمد بن كعب القرظى، قال: حدثت ان الله تعالى بعث جبرئيل الى المؤتفكه قريه قوم لوط التي كان لوط فيهم، فاحتملها بجناحيه ثم اصعد بها حتى ان اهل السماء الدنيا ليسمعون نابحة كلابها و أصوات دجاجها، ثم كفاها على وجهها ثم اتبعها الله عز و جل بالحجارة، يقول الله تعالى:

307

«فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَ أَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ‏»، فأهلكها الله تعالى و ما حولها من المؤتفكات، و كن خمس قريات: صبعه، و صعره، و عمره، و دوما، و سدوم هي القرية العظمى، و نجى الله تعالى لوطا و من معه من اهله، الا امراته كانت فيمن هلك‏

308

ذكر وفاه ساره بنت هاران، و هاجر أم اسماعيل و ذكر ازواج ابراهيم(ع)و ولده‏

قد ذكرنا فيما مضى قبل ما قيل في مقدار عمر ساره أم إسحاق، فاما موضع وفاتها فانه لا يدفع اهل العلم من العرب و العجم انها كانت بالشام.

و قيل: انها ماتت بقرية الجبابرة من ارض كنعان في حبرون، فدفنت في مزرعه اشتراها ابراهيم و قيل ان هاجر عاشت بعد ساره مده فاما الخبر فبغير ذلك ورد حدثنى موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا اسباط، عن السدى، بالإسناد الذى قد ذكرناه قبل.

ثم ان ابراهيم اشتاق الى اسماعيل، فقال لساره: ائذنى لي انطلق الى ابنى فانظر اليه، فأخذت عليه عهدا الا ينزل حتى يأتيها، فركب البراق، ثم اقبل و قد ماتت أم اسماعيل، و تزوج اسماعيل امراه من جرهم.

و ان ابراهيم(ع)كثر ماله و مواشيه و كان سبب ذلك فيما حدثنا به موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال:

حدثنا اسباط، عن السدى بالإسناد الذى قد ذكرناه قبل، ان ابراهيم(ع)احتاج- و قد كان له صديق يعطيه و يأتيه- فقالت له ساره:

لو اتيت خلتك فاصبت لنا منه طعاما! فركب حمارا له، ثم أتاه، فلما أتاه تغيب منه، و استحيا ابراهيم ان يرجع الى اهله خائبا، فمر على بطحاء، فملأ منها خرجه، ثم ارسل الحمار الى اهله، فاقبل الحمار و عليه حنطه جيده، و نام ابراهيم(ع)فاستيقظ، و جاء الى اهله، فوجد ساره قد جعلت له طعاما، فقالت: الا تاكل؟ فقال: و هل من شي‏ء؟

فقالت: نعم من الحنطة التي جئت بها من عند خليلك، فقال: صدقت‏

309

من عند خليلى جئت بها، فزرعها فنبتت له، و زكا زرعه و هلكت زروع الناس، فكان اصل ماله منها، فكان الناس يأتونه فيسألونه فيقول: من قال: لا اله الا الله فليدخل فليأخذ، فمنهم من قال فاخذ، و منهم من ابى فرجع، و ذلك قوله تعالى: «فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَ مِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَ كَفى‏ بِجَهَنَّمَ سَعِيراً» فلما كثر مال ابراهيم و مواشيه احتاج الى السعه في المسكن و المرعى، و كان مسكنه ما بين قريه مدين- فيما قيل- و الحجاز الى ارض الشام، و كان ابن أخيه لوط نازلا معه، فقاسم ماله لوطا، فاعطى لوطا شطره فيما قيل، و خيره مسكنا يسكنه و منزلا ينزله غير المنزل الذى هو به نازل، فاختار لوط ناحيه الأردن فصار إليها، و اقام ابراهيم(ع)بمكانه، فصار ذلك فيما قيل سببا لآثاره بمكة و اسكانه إياها اسماعيل، و كان ربما دخل امصار الشام.

و لما ماتت ساره بنت هاران زوجه ابراهيم تزوج ابراهيم بعدها- فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، عن ابن إسحاق- قطورا بنت يقطن، امراه من الكنعانيين، فولدت له سته نفر: يقسان بن ابراهيم، و زمران بن ابراهيم، و مديان بن ابراهيم، و يسبق بن ابراهيم، و سوح بن ابراهيم، و بسر بن ابراهيم، فكان جميع بنى ابراهيم ثمانية بإسماعيل و إسحاق، و كان اسماعيل يكره اكبر ولده‏

3

قال: فنكح يقسان بن ابراهيم رعوه بنت زمر بن يقطن بن لوذان بن جرهم بن يقطن بن عابر، فولدت له البربر و لفها

3

و ولد زمران بن ابراهيم المزامير الذين لا يعقلون‏

3

و ولد لمديان اهل مدين قوم شعيب بن ميكائيل النبي، فهو و قومه من ولده بعثه الله عز و جل اليهم نبيا.

حدثنى الحارث بن محمد، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: حدثنا

310

هشام بن محمد بن السائب، عن ابيه، قال: كان ابو ابراهيم من اهل حران، فاصابته سنه من السنين، فاتى هرمز جرد بالاهواز، و معه امراته أم ابراهيم، و اسمها توتا بنت كرينا بن كوثى، من بنى ارفخشد بن سام بن نوح.

و حدثنى الحارث، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: حدثنا محمد بن عمر الأسلمي عن غير واحد من اهل العلم قال: اسمها انموتا من ولد افراهم بن ارغوا بن فالغ بن عابر بن شالخ بن ارفخشد بن سام بن نوح و كان بعضهم يقول: اسمها انمتلى بنت يكفور.

حدثنى الحارث، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا هشام بن محمد، عن ابيه، قال: نهر كوثى كراه كرينا جد ابراهيم من قبل أمه، و كان أبوه على أصنام الملك نمرود فولد ابراهيم بهرمزجرد، ثم انتفل الى كوثى من ارض بابل، فلما بلغ ابراهيم و خالف قومه، دعاهم الى عباده الله، و بلغ ذلك الملك نمرود فحبسه في السجن سبع سنين، ثم بنى له الحير بجص، و اوقد له الحطب الجزل، و القى ابراهيم فيه، فقال: حسبي الله و نعم الوكيل! فخرج منها سليما لم يكلم.

حدثنى الحارث، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: حدثنا هشام بن محمد، عن ابيه، عن ابى صالح، عن ابن عباس، قال: لما هرب ابراهيم من كوثى، و خرج من النار و لسانه يومئذ سرياني، فلما عبر الفرات من حران غير الله لسانه فقيل: عبراني، اى حيث عبر الفرات و بعث نمرود في اثره، و قال: لا تدعوا أحدا يتكلم بالسريانية الا جئتمونى به، فلقوا ابراهيم(ع)فتكلم بالعبرانيه، فتركوه و لم يعرفوا لغته.

حدثنى الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا هشام، عن ابيه قال: فهاجر ابراهيم من بابل الى الشام فجاءته ساره، فوهبت له نفسها

311

فتزوجها، و خرجت معه و هو يومئذ ابن سبع و ثلاثين سنه، فاتى حران، فأقام بها زمانا، ثم اتى الأردن فأقام بها زمانا، ثم خرج الى مصر فأقام بها زمانا، ثم رجع الى الشام فنزل السبع أرض بين إيليا و فلسطين و احتفر بئرا، و بنى مسجدا ثم ان بعض اهل البلد آذاه فتحول من عندهم، فنزل منزلا بين الرملة و إيليا، فاحتفر به بئرا اقام به، و كان قد وسع عليه في المال و الخدم، و هو أول من اضاف الضيف، و أول من ثرد الثريد، و أول من راى الشيب.

قال: و ولد لإبراهيم(ع)اسماعيل و هو اكبر ولده‏

3

- و أمه هاجر و هي قبطية، و إسحاق، و كان ضرير البصر، و أمه ساره ابنه بتويل بن ناخور بن ساروع بن ارغوا بن فالغ بن عابر بن شالخ بن ارفخشد بن سام بن نوح‏

3

- و مدن، و مدين، و يقسان، و زمران، و اسبق، و سوح، و أمهم قنطورا بنت مقطور من العرب العاربة فاما يقسان فلحق بنوه بمكة، و اقام مدن و مدين بأرض مدين، فسميت به، و مضى سائرهم في البلاد و قالوا لإبراهيم: يا أبانا انزلت اسماعيل و إسحاق معك، و أمرتنا ان ننزل ارض الغربه و الوحشة! فقال: بذلك امرت، قال:

فعلمهم اسما من أسماء الله تبارك و تعالى، فكانوا يستسقون به و يستنصرون، فمنهم من نزل خراسان، فجاءتهم الخزر فقالوا: ينبغى للذي علمكم هذا ان يكون خير اهل الارض، او ملك الارض، قال: فسموا ملوكهم خاقان.

قال ابو جعفر: و يقال في يسبق: يسباق، و في سوح: ساح.

و قال بعضهم: تزوج ابراهيم بعد ساره امرأتين من العرب، إحداهما قنطورا بنت يقطان، فولدت له سته بنين، و هم الذين ذكرنا، و الاخرى منهما حجور بنت ارهير، فولدت له خمسه بنين: كيسان، و شورخ، و اميم، و لوطان، و نافس خ‏

3

312

ذكر وفاه ابراهيم (ع)

فلما اراد الله تبارك و تعالى قبض روح ابراهيم ص، ارسل اليه ملك الموت في صوره شيخ هرم.

فحدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا اسباط، عن السدى بالإسناد الذى ذكرته قبل: كان ابراهيم كثير الطعام يطعم الناس، و يضيفهم، فبينا هو يطعم الناس إذا هو بشيخ كبير يمشى في الحره، فبعث اليه بحمار، فركبه حتى إذا أتاه اطعمه، فجعل الشيخ يأخذ اللقمة يريد ان يدخلها فاه، فيدخلها عينه و اذنه ثم يدخلها فاه، فإذا دخلت جوفه خرجت من دبره و كان ابراهيم قد سال ربه عز و جل الا يقبض روحه حتى يكون هو الذى يسأله الموت، فقال للشيخ حين راى من حاله ما راى:

ما بالك يا شيخ تصنع هذا؟ قال: يا ابراهيم، الكبر، قال: ابن كم أنت؟

فزاد على عمر ابراهيم سنتين، فقال ابراهيم: انما بيني و بينك سنتان، فإذا بلغت ذلك صرت مثلك! قال: نعم، قال ابراهيم: اللهم اقبضنى إليك قبل ذلك، فقام الشيخ فقبض روحه، و كان ملك الموت.

و لما مات ابراهيم ع- و كان موته و هو ابن مائتي سنه، و قيل ابن مائه و خمس و سبعين سنه- دفن عند قبر ساره في مزرعه حبرون.

و كان مما انزل الله تعالى على ابراهيم(ع)من الصحف فيما قيل عشر صحائف، كذلك حدثنى احمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال:

أخبرني عمى عبد الله بن وهب، قال: حدثنى الماضى بن محمد، عن ابى سليمان، عن القاسم بن محمد، عن ابى ادريس الخولاني، عن ابى ذر الغفاري، قال: قلت: [يا رسول الله، كم كتاب انزله الله؟ قال: مائه كتاب و اربع‏

313

كتب: انزل الله عز و جل على آدم(ع)عشر صحائف، و على شيث خمسين صحيفه، و انزل على اخنوخ ثلاثين صحيفه، و انزل على ابراهيم عشر صحائف، و انزل جل و عز التوراة و الانجيل و الزبور و الفرقان قلت: يا رسول الله، فما كانت صحف ابراهيم؟ قال: كانت امثالا كلها].

ايها الملك المسلط المبتلى المغرور، انى لم ابعثك لتجمع الدنيا بعضها الى بعض، و لكن بعثتك لترد عنى دعوه المظلوم، فانى لا أردها و ان كانت من كافر.

و كانت فيها امثال: و على العاقل ما لم يكن مغلوبا على عقله ان يكون له ساعات، ساعه يناجى فيها ربه، و ساعه يفكر فيها في صنع الله عز و جل، و ساعه يحاسب فيها نفسه فيما قدم و اخر، و ساعه يخلو فيها لحاجته من الحلال في المطعم و المشرب و على العاقل الا يكون ظاعنا الا في ثلاث: تزود لمعاده، و مرمة لمعاشه، و لذة في غير محرم و على العاقل ان يكون بصيرا بزمانه، مقبلا على شانه، حافظا للسانه و من حسب كلامه من عمله قل كلامه الا فيما يعنيه.

و كان لإبراهيم- فيما ذكر- اخوان يقال لأحدهما هاران- و هو ابو لوط، و قيل ان هاران هو الذى بنى مدينه حران، و اليه نسبت- و الآخر منهما ناحورا

3

و هو ابو بتويل و بتويل هو ابو لابان و رفقا ابنه بتويل، و رفقا امراه إسحاق بن ابراهيم أم يعقوب ابنه بتويل‏

3

، وليا و راحيل امرأتا يعقوب ابنتا لابان‏

314

ذكر خبر ولد اسماعيل بن ابراهيم خليل الرحمن (ع)

قد مضى ذكرنا سبب مصير ابراهيم بابنه اسماعيل، و أمه هاجر الى مكة و اسكانه إياهما بها و لما كبر اسماعيل تزوج امراه من جرهم، فكان من امرها ما قد تقدم ذكره، ثم طلقها بأمر ابيه ابراهيم بذلك، ثم تزوج اخرى يقال لها السيده بنت مضاض بن عمرو الجرهمى، و هي التي قال لها ابراهيم إذ قدم مكة، و هي زوجه اسماعيل: قولي لزوجك إذا جاء: قد رضيت لك عتبة بابك.

فحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، عن ابن إسحاق،

3

قال: ولد لإسماعيل ابن ابراهيم اثنا عشر رجلا، و أمهم السيده بنت مضاض بن عمرو الجرهمى‏

3

: نابت بن اسماعيل، و قيدر بن اسماعيل، و ادبيل بن اسماعيل، و مبشا بن اسماعيل، و مسمع بن اسماعيل، و دما بن اسماعيل، و ماس بن اسماعيل، و أدد بن اسماعيل، و وطور بن اسماعيل، و نفيس بن اسماعيل، و طما بن اسماعيل، و قيدمان بن اسماعيل.

قال: و كان عمر اسماعيل فيما يزعمون ثلاثين و مائه سنه، و من نابت و قيدر نشر الله العرب، و نبا الله عز و جل اسماعيل، فبعثه الى العماليق- فيما قيل- و قبائل اليمن.

و قد ينطق أسماء اولاد اسماعيل بغير الألفاظ التي ذكرت عن ابن إسحاق، فيقول بعضهم في قيدر:، قيدار، و في ادبيل: ادبال، و في مبشا: مبشام، و في دما: ذوما و مسا، و حداد، و تيم، و يطور، و نافس، و قادمن و قيل: ان اسماعيل لما حضرته الوفاة اوصى الى أخيه إسحاق و زوج ابنته من العيص بن إسحاق، و عاش اسماعيل فيما ذكر مائه و سبعا و ثلاثين سنه، و دفن في الحجر عند قبر أمه هاجر

315

حدثنى عبده بن عبد الله الصفار، قال: حدثنا خالد بن عبد الرحمن المخزومي، عن مبارك بن حسان صاحب الانماط، عن عمر بن عبد العزيز، قال: شكا اسماعيل الى ربه تبارك و تعالى حر مكة فاوحى الله تعالى اليه: انى فاتح لك بابا من الجنه يجرى عليك روحها الى يوم القيامه، و في ذلك المكان تدفن.

و نرجع الان الى:

316

ذكر إسحاق بن ابراهيم(ع)و ذكر نسائه و اولاده‏

إذ كان التاريخ غير متصل على سياق معروف لامه بعد الفرس غيرهم، و ذلك ان الفرس كان ملكهم متصلا دائما من عهد جيومرت الذى قد وصفت شانه و خبره، الى ان زال عنهم بخير أمه اخرجت للناس، أمه نبينا محمد(ص)و كانت النبوه و الملك متصلين بالشام و نواحيها لولد إسرائيل بن إسحاق الى ان زال ذلك عنهم بالفرس و الروم بعد يحيى بن زكرياء و بعد عيسى بن مريم(ع)و سنذكر إذا نحن انتهينا الى الخبر عن يحيى و عيسى(ع)سبب زوال ذلك عنهم ان شاء الله.

فاما سائر الأمم غير الفرس، فانه غير ممكن الوصول الى علم التاريخ بهم، إذ لم يكن لهم ملك متصل في قديم الأيام و حديثه الا ما لا يمكن معه سياق التاريخ عليه و على اعمار ملوكهم، الا ما ذكرنا من ولد يعقوب الى الوقت الذى ذكرت، فان ذلك و ان كانت مدته انقطعت بزواله عنهم، فان قدر مده زواله عنهم الى غايتنا هذه معلوم مبلغه و قد كان لليمن ملوك لهم ملك، غير انه كان غير متصل، و انما كان يكون منهم الواحد بعد الواحد، و بين الاول و الآخر فترات طويله، لا يقف على مبلغها العلماء، لقله عنايتهم كانت بها، و مبلغ عمر الاول منهم و الآخر، إذا لم يكن من الأمر الدائم، فان دام منه شي‏ء فإنما يدوم لمن دام له منهم بانه عامل لغيره في الموضع الذى هو به لا يملكه بنفسه، و ذلك كدوامه لال نصر بن ربيعه بن الحارث بن مالك ابن عمرو بن نماره بن لخم، فإنهم كانوا على فرج ثغر العرب للفرس من الحيرة الى حد اليمن طولا و الى حدود الشام و ما اتصل بذلك عرضا، فلم يزل ذلك دائما لهم من عهد أردشير بابكان الى ان قتل كسرى ابرويز بن هرمز بن انوشروان النعمان بن المنذر، فنقل عنهم ما كان اليهم من العمل على ثغر العرب الى اياس بن قبيصة الطائي‏

317

فحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، عن ابن إسحاق، قال: نكح إسحاق بن ابراهيم رفقا بنت بتويل بن الياس، فولدت له عيص بن إسحاق، و يعقوب ابن إسحاق، يزعمون انهما كانا توءمين و ان عيصا كان أكبرهما ثم نكح عيص بن إسحاق ابنه عمه بسمة ابنه اسماعيل بن ابراهيم، فولدت له الروم بن عيص، فكل بنى الأصفر من ولده قال: و بعض الناس يزعم ان الاشبان من ولده، و لا ادرى امن ابنه اسماعيل أم لا.

و نكح يعقوب بن إسحاق- و هو إسرائيل- ابنه خاله ليا ابنه لبان بن بتويل بن الياس، فولدت له روبيل بن يعقوب، و كان اكبر ولده، و شمعون ابن يعقوب، و لاوى بن يعقوب، و يهوذا بن يعقوب، و زبالون بن يعقوب، و يسحر بن يعقوب، و دينه ابنه يعقوب و قد قيل في يسحر ان اسمه يشحر ثم توفيت ليا بنت لبان فخلف يعقوب على أختها راحيل بنت لبان بن بتويل بن الياس‏

3

، فولدت له يوسف بن يعقوب، و بنيامين بن يعقوب- و هو بالعربية شداد- و ولد له من سريتين، اسم إحداهما زلفه، و اسم الاخرى بلهه، اربعه نفر: دان بن يعقوب، و نفثالى بن يعقوب، و جاد بن يعقوب، و اشر بن يعقوب، فكان بنو يعقوب اثنى عشر رجلا خ.

و قد قال بعض اهل التوراة ان رفقا زوجه إسحاق هي ابنه ناهر بن آزر عم إسحاق، و انها ولدت له ابنيه عيصا و يعقوب في بطن واحد، و ان إسحاق امر ابنه يعقوب الا ينكح امراه من الكنعانيين، و امره ان ينكح امراه من بنات خاله لبان بن ناهر، و ان يعقوب لما اراد النكاح مضى الى خاله لبان ابن ناهر خاطبا، فادركه الليل في بعض الطريق، فبات متوسدا حجرا، فراى فيما يرى النائم ان سلما منصوبا الى باب من أبواب السماء عند راسه، و الملائكة تنزل و تعرج فيه، و ان يعقوب صار الى خاله فخطب اليه ابنته راحيل، و كانت له ابنتان: ليا و هي الكبرى، و راحيل و هي الصغرى، فقال له: هل من مال ازوجك عليه؟ فقال يعقوب: لا، الا انى اخدمك أجيرا حتى تستوفى صداق‏

318

ابنتك، قال: فان صداقها ان تخدمنى سبع حجج قال يعقوب: فزوجني راحيل و هي شرطى، و لها اخدمك، فقال له خاله: ذلك بيني و بينك، فرعى له يعقوب سبع سنين، فلما و في له شرطه دفع اليه ابنته الكبرى ليا، و أدخلها عليه ليلا، فلما اصبح وجد غير ما شرط، فجاءه يعقوب و هو في نادى قومه فقال له: غررتنى و خدعتني و استحللت عملي سبع سنين، و دلست على غير امراتى، فقال له خاله: يا بن أختي، اردت ان تدخل على خالك العار و السبه، و هو خالك و والدك، و متى رايت الناس يزوجون الصغرى قبل الكبرى! فهلم فاخدمنى سبع حجج اخرى، فازوجك أختها- و كان الناس يومئذ يجمعون بين الأختين الى ان بعث موسى(ع)و انزل عليه التوراة- فرعى له سبعا، فدفع اليه راحيل، فولدت له ليا اربعه اسباط: روبيل، و يهوذا، و شمعان، و لاوى و ولدت‏

3

له راحيل يوسف و أخاه بنيامين و اخوات لهما خ، و كان لابان دفع الى ابنتيه حين جهزهما الى يعقوب امتين فوهبتا الامتين ليعقوب، فولدت كل واحده منهما له ثلاثة رهط من الاسباط، و فارق يعقوب خاله، و عاد حتى نازل أخاه عيصا و قال بعضهم: ولد ليعقوب دان و نفثالى من زلفه جاريه راحيل، و ذلك انها و هبتها له و سألته ان يطلب منها الولد حين تأخر الولد عنها و ان ليا وهبت جاريتها بلهه ليعقوب منافسه لراحيل في جاريتها، و سألته ان يطلب منها الولد، فولدت له جاد، و أشير، ثم ولد له من راحيل بعد الياس يوسف و بنيامين، فانصرف يعقوب بولده هؤلاء و امراتيه المذكورتين الى منزل ابيه من فلسطين على خوف شديد من أخيه العيص، فلم ير منه الا خيرا، و كان العيص فيما ذكر لحق بعمه اسماعيل، فتزوج اليه ابنته بسمة و حملها الى الشام، فولدت له عده اولاد فكثروا حتى غلبوا الكنعانيين بالشام، و صاروا الى البحر و ناحيه الإسكندرية ثم الى الروم و كان العيص فيما ذكر يسمى آدم لادمته قال: و لذلك سمى ولده‏

319

ولد الأصفر، و كانت ولاده رفقا بنت بتويل لإسحاق بن ابراهيم ابنيه العيص و يعقوب- بعد ان خلا من عمر إسحاق ستون سنه- توءمين في بطن واحد، و العيص المتقدم منهما خروجا من بطن أمه، فكان إسحاق فيما ذكر يختص العيص، و كانت رفقا أمهما تميل الى يعقوب، فزعموا ان يعقوب ختل العيص في قربان قرباه بأمر أبيهما إسحاق بعد ما كبرت سن إسحاق، و ضعف بصره، فصار اكثر دعاء إسحاق ليعقوب، و توجهت البركه نحوه بدعاء ابيه إسحاق له، فغاظ ذلك العيص و توعده بالقتل، فخرج يعقوب هاربا منه الى خاله لابان ببابل، فوصله لابان و زوجه ابنتيه ليا و راحيل، و انصرف بهما و بجاريتيهما و اولاده الاسباط الاثنى عشر و أختهم دينا الى الشام الى منزل آبائه، و تالف أخاه العيص حتى نزل له البلاد و تنقل في الشام، حتى صار الى السواحل ثم عبر الى الروم فاوطنها، و صار الملوك من ولده و هم اليونانية- فيما زعم هذا القائل.

حدثنا الحسين بن عمرو بن محمد العنقزى، قال: حدثنا ابى، قال: أخبرنا اسباط، عن السدى، قال: تزوج إسحاق امراه فحملت بغلامين في بطن، فلما ارادت ان تضعهما اقتتل الغلامان في بطنها، فاراد يعقوب ان يخرج قبل عيص، فقال عيص: و الله لئن خرجت قبلي لاعترضن في بطن أمي و لاقتلنها، فتأخر يعقوب، و خرج عيص قبله، و أخذ يعقوب بعقب عيص، فخرج فسمى عيصا لأنه عصى، فخرج قبل يعقوب، و سمى يعقوب لأنه خرج آخذا بعقب عيص، و كان يعقوب أكبرهما في البطن، و لكن عيصا خرج قبله، و كبر الغلامان، فكان عيص أحبهما الى ابيه، و كان يعقوب أحبهما الى أمه، و كان عيص صاحب صيد، فلما كبر إسحاق‏

320

و عمى، قال لعيص: يا بنى أطعمني لحم صيد و اقترب منى ادع لك بدعاء دعا لي به ابى، و كان عيص رجلا اشعر، و كان يعقوب رجلا اجرد، فخرج عيص يطلب الصيد، و سمعت أمه الكلام فقالت ليعقوب: يا بنى، اذهب الى الغنم فاذبح منها شاه ثم اشوه، و البس جلده و قدمه الى ابيك، و قل له: انا ابنك عيص، ففعل ذلك يعقوب، فلما جاء قال: يا أبتاه كل، قال:

من أنت؟ قال: انا ابنك عيص، قال: فمسه، فقال: المس مس عيص، و الريح ريح يعقوب، قالت أمه: هو ابنك عيص فادع له، قال: قدم طعامك، فقدمه فأكل منه، ثم قال: ادن منى، فدنا منه، فدعا له ان يجعل في ذريته الأنبياء و الملوك، و قام يعقوب، و جاء عيص فقال: قد جئتك بالصيد الذى أمرتني به، فقال: يا بنى قد سبقك اخوك يعقوب، فغضب عيص و قال:

و الله لاقتلنه، قال: يا بنى قد بقيت لك دعوه، فهلم ادع لك بها، فدعا له فقال: تكون ذريتك عددا كثيرا كالتراب و لا يملكهم احد غيرهم، و قالت أم يعقوب ليعقوب: الحق بخالك فكن عنده خشيه ان يقتلك عيص، فانطلق الى خاله، فكان يسرى بالليل و يكمن بالنهار، و لذلك سمى إسرائيل، و هو سرى الله، فاتى خاله و قال عيص: اما إذ غلبتني على الدعوى فلا تغلبني على القبر، ان ادفن عند آبائى: ابراهيم و إسحاق، فقال: لئن فعلت لتدفنن معه.

ثم ان يعقوب(ع)هوى ابنه خاله- و كانت له ابنتان- فخطب الى أبيهما الصغرى منهما، فانكحها اياه على ان يرعى غنمه الى اجل مسمى، فلما انقضى الأجل زف اليه أختها ليا، قال يعقوب: انما اردت راحيل، فقال له خاله: انا لا ينكح فينا الصغير قبل الكبير، و لكن ارع لنا أيضا و انكحها، ففعل فلما انقضى الأجل زوجه راحيل أيضا، فجمع يعقوب بينهما، فذلك قول الله: «وَ أَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ‏».

يقول: جمع يعقوب بين ليا و راحيل‏

3

، فحملت ليا فولدت يهوذا،

321

و روبيل، و شمعون و ولدت راحيل يوسف، و بنيامين، و ماتت راحيل في نفاسها ببنيامين، يقول: من وجع النفاس الذى ماتت فيه.

و قطع خال يعقوب ليعقوب قطيعا من الغنم، فاراد الرجوع الى بيت المقدس، فلما ارتحلوا لم يكن له نفقه، فقالت امراه يعقوب ليوسف: خذ من أصنام ابى لعلنا نستنفق منه فاخذ، و كان الغلامان في حجر يعقوب، فأحبهما و عطف عليهما ليتمهما من أمهما، و كان أحب الخلق اليه يوسف ع، فلما قدموا ارض الشام، قال يعقوب لراع من الرعاه: ان أتاكم احد يسألكم:

من أنتم؟ فقولوا: نحن ليعقوب عبد عيص، فلقيهم عيص فقال: من أنتم؟

قالوا: نحن ليعقوب عبد عيص، فكف عيص عن يعقوب، و نزل يعقوب بالشام، فكان همه يوسف و اخوه، فحسده اخوته لما رأوا من حب ابيه له، و راى يوسف في المنام كان احد عشر كوكبا و الشمس و القمر رآهم ساجدين له، فحدث أباه بها فقال: «يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى‏ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ‏»

322

ذكر أيوب (ع)

و من ولده- فيما قيل- أيوب نبى الله، و هو فيما حدثنا ابن حميد، قال:

حدثنا سلمه، عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه، ان أيوب كان رجلا من الروم، و هو أيوب بن موص بن رازح بن عيص بن إسحاق بن ابراهيم.

و اما غير ابن إسحاق فانه يقول: هو أيوب بن موص بن رغويل بن العيص ابن إسحاق بن ابراهيم.

و كان بعضهم يقول: هو أيوب بن موص بن رعويل و يقول: كان أبوه ممن آمن بابراهيم(ع)يوم احرقه نمرود، و كانت زوجته التي امر بضربها بالضغث ابنه ليعقوب بن إسحاق، يقال: لها ليا، كان يعقوب زوجها منه.

و حدثنى الحسين بن عمرو بن محمد، قال: حدثنا ابى، قال: أخبرنا غياث بن ابراهيم، قال: ذكر- و الله اعلم- ان عدو الله ابليس لقى امراه أيوب- و ذكر انها كانت ليا بنت يعقوب- فقال: يا ليا ابنه الصديق و اخت الصديق.

و كانت أم أيوب ابنه للوط بن هاران‏

3

. و قيل: ان زوجته التي امر بضربها بالضغث هي رحمه بنت افراييم بن يوسف بن يعقوب، و كانت لها البثنية من الشام كلها بما فيها، و كان- فيما ذكر- عن وهب بن منبه في الخبر الذى حدثنيه محمد بن سهل بن عسكر البخارى، قال: حدثنا اسماعيل بن عبد الكريم ابو هشام، قال: حدثنى عبد الصمد ابن معقل، قال: سمعت وهب بن منبه يقول: ان ابليس لعنه الله سمع تجاوب الملائكة بالصلاة على أيوب، و ذلك حين ذكره الله تعالى و اثنى عليه، فادركه‏

323

البغى و الحسد، فسال الله ان يسلطه عليه ليفتنه عن دينه، فسلطه الله على ماله دون جسده و عقله، و جمع ابليس عفاريت الشياطين و عظماءهم، و كان لأيوب البثنية من الشام كلها بما فيها بين شرقها و غربها، و كان بها الف شاه برعاتها، و خمسمائة فدان يتبعها خمسمائة عبد، لكل عبد امراه و ولد و مال، و يحمل آله كل فدان اتان، لكل اتان ولد، بين اثنين و ثلاثة و اربعه و خمسه و فوق ذلك فلما جمعهم ابليس، قال: ما ذا عندكم من القوه و المعرفة؟ فانى قد سلطت على مال أيوب، فهى المصيبة الفادحة و الفتنة التي لا يصبر عليها الرجال فقال كل من عنده قوه على اهلاك شي‏ء ما عنده فارسلهم فاهلكوا ماله كله، و أيوب في كل ذلك يحمد الله و لا يثنيه شي‏ء اصيب به من ماله عن الجد في عباده الله تعالى و الشكر له على ما اعطاه، و الصبر على ما ابتلاه به فلما راى ذلك من امره ابليس لعنه الله سال الله تعالى ان يسلطه على ولده، فسلطه عليهم، و لم يجعل له سلطانا على جسده و قلبه و عقله، فأهلك ولده كلهم، ثم جاء اليه متمثلا بمعلمهم الذى كان يعلمهم الحكمه جريحا مشدوخا يرققه حتى رق أيوب فبكى، فقبض قبضه من تراب فوضعها على راسه، فسر بذلك ابليس، و اغتنمه من أيوب ع.

ثم ان أيوب تاب و استغفر، فصعدت قرناؤه من الملائكة بتوبته فبدروا ابليس الى الله عز و جل فلما لم يثن أيوب(ع)ما حل به من المصيبة في ماله و ولده عن عباده ربه، و الجد في طاعته، و الصبر على ما ناله، سال الله عز و جل ابليس ان يسلطه على جسده، فسلطه على جسده خلا لسانه و قلبه و عقله، فانه لم يجعل له على ذلك منه سلطانا، فجاءه و هو ساجد، فنفخ في منخره نفخه اشتعل منها جسده، فصار من جمله امره الى ان انتن‏

324

جسده، فاخرجه اهل القرية من القرية الى كناسه خارج القرية لا يقربه احد الا زوجته و قد ذكرت اختلاف الناس في اسمها و نسبها قبل ثم رجع الحديث الى حديث وهب بن منبه:

و كانت زوجته تختلف اليه بما يصلحه و تلزمه، و كان قد اتبعه ثلاثة نفر على دينه، فلما رأوا ما نزل به من البلاء رفضوه و اتهموه من غير ان يتركوا دينه، يقال لأحدهم بلدد، و للآخر اليفز و للثالث صافر فانطلقوا اليه و هو في بلائه فبكتوه، فلما سمع أيوب(ع)كلامهم اقبل على ربه يستغيثه و يتضرع اليه، فرحمه ربه و رفع عنه البلاء، و رد عليه اهله و ماله و مثلهم معهم، و قال له: «ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَ شَرابٌ‏»، فاغتسل به فعاد كهيئته قبل البلاء في الحسن و الجمال.

فحدثني يحيى بن طلحه اليربوعى، قال: حدثنا فضيل بن عياض، عن هشام، عن الحسن، قال: لقد مكث أيوب(ع)مطروحا على كناسه لبنى إسرائيل سبع سنين و أشهرا، ما يسال الله عز و جل ان يكشف ما به، قال: فما على وجه الارض اكرم على الله من أيوب، فيزعمون ان بعض الناس قال: لو كان لرب هذا فيه حاجه ما صنع به هذا! فعند ذلك دعا.

حدثنى يعقوب بن ابراهيم، قال: حدثنا ابن عليه، عن يونس، عن الحسن، قال: بقي أيوب(ع)على كناسه لبنى إسرائيل سبع سنين و أشهرا اختلف فيها الرواه.

فهذه جمله من خبر أيوب ص، و انما قدمنا ذكر خبره و قصته قبل خبر يوسف و قصته لما ذكر من امره، و انه كان نبيا في عهد يعقوب ابى يوسف ع.

و ذكر ان عمر أيوب كان ثلاثا و تسعين سنه، و انه اوصى عند موته الى‏

325

ابنه حومل، و ان الله عز و جل بعث بعده ابنه بشر بن أيوب نبيا، و سماه ذا الكفل و امره بالدعاء الى توحيده، و انه كان مقيما بالشام عمره حتى مات، و كان عمره خمسا و سبعين سنه، و ان بشرا اوصى الى ابنه عبدان، و ان الله عز و جل بعث بعده شعيب بن صيفون بن عيفا بن نابت بن مدين ابن ابراهيم الى اهل مدين.

و قد اختلف في نسب شعيب فنسبه اهل التوراة النسب الذى ذكرت.

و كان ابن إسحاق يقول: هو شعيب بن ميكائيل من ولد مدين، حدثنى بذلك ابن حميد، حدثنا سلمه، عن ابن إسحاق.

و قال بعضهم: لم يكن شعيب من ولد ابراهيم، و انما هو من ولد بعض من كان آمن بابراهيم و اتبعه على دينه، و هاجر معه الى الشام، و لكنه ابن بنت لوط فجده شعيب ابنه لوط

. ذكر خبر شعيب (ص)

و قيل ان اسم شعيب يزون، و قد ذكرت نسبه و اختلاف اهل الأنساب في نسبه، و كان- فيما ذكر- ضرير البصر.

حدثنى عبد الأعلى بن واصل الأسدي، قال: حدثنا اسيد بن زيد الجصاص، قال: أخبرنا شريك، عن سالم، عن سعيد بن جبير في قوله:

«وَ إِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً»، قال: كان اعمى‏

326

حدثنا احمد بن الوليد الرملي، قال: حدثنا ابراهيم بن زياد و إسحاق ابن المنذر و عبد الملك بن يزيد، قالوا: حدثنا شريك، عن سالم، عن سعيد، مثله.

حدثنى احمد بن الوليد، قال: حدثنا عمرو بن عون و محمد بن الصباح، قالا: سمعنا شريكا يقول في قوله: «وَ إِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً»، قال: اعمى.

حدثنى احمد بن الوليد، قال: حدثنا سعدويه، قال: حدثنا عباد، عن شريك، عن سالم، عن سعيد بن جبير، مثله.

حدثنى المثنى، قال: حدثنا الحماني، قال: حدثنا عباد، عن شريك، عن سالم، عن سعيد: «وَ إِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً»، قال: كان ضرير البصر.

حدثنى العباس بن ابى طالب، قال: حدثنا

9

ابراهيم بن مهدى المصيصي، قال: حدثنا

9

خلف بن خليفه، عن سفيان، عن سالم، عن سعيد بن جبير:

«وَ إِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً»، قال: كان ضعيف البصر حدثنى المثنى، قال: حدثنا ابو نعيم، قال: حدثنا سفيان، قوله تعالى:

«وَ إِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً»، قال: كان ضعيف البصر قال سفيان: و كان يقال له خطيب الأنبياء، و ان الله تبارك و تعالى بعثه نبيا الى اهل مدين، و هم اصحاب الأيكة- و الأيكة الشجر الملتف- و كانوا اهل كفر بالله و بخس للناس في المكاييل و الموازين و افساد لأموالهم، و كان الله عز و جل وسع عليهم في الرزق، و بسط لهم في العيش استدراجا منه لهم، مع كفرهم به، فقال لهم شعيب ع: «يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ وَ لا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَ الْمِيزانَ إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ وَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ».

فكان من قول شعيب لقومه و جواب قومه له ما ذكره الله عز و جل في كتابه‏

327

فحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، قال: قال ابن إسحاق: فكان رسول الله ص- فيما ذكر لي يعقوب بن ابى سلمه- إذا ذكره قال: ذاك خطيب الأنبياء، لحسن مراجعته قومه فيما يرادهم به.

فلما طال تماديهم في غيهم و ضلالهم، و لم يردهم تذكير شعيب إياهم، و تحذيرهم عذاب الله لهم و اراد الله تبارك و تعالى هلاكهم، سلط عليهم- فيما حدثنى الحارث- قال: حدثنا الحسن بن موسى الاشيب قال: حدثنى سعيد بن زيد أخو حماد بن زيد، قال: حدثنا حاتم بن ابى صغيره، قال: حدثنى يزيد الباهلى، قال: سالت عبد الله بن عباس عن هذه الآية: «فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ‏»، فقال عبد الله بن عباس: بعث الله وبدة و حرا شديدا، فاخذ بأنفاسهم فدخلوا اجواف البيوت، فدخل عليهم اجواف البيوت فاخذ بأنفاسهم، فخرجوا من البيوت هرابا الى البريه فبعث الله عز و جل سحابه، فأظلتهم من الشمس، فوجدوا لها بردا و لذة، فنادى بعضهم بعضا، حتى إذا اجتمعوا تحتها ارسل الله عليهم نارا، قال عبد الله ابن عباس: فذاك عذاب يوم الظلة، «إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ‏».

حدثنى يونس بن عبد الأعلى، قال: حدثنا ابن وهب، قال: حدثنى جرير بن حازم انه سمع قتادة يقول: بعث شعيب الى امتين: الى قومه اهل مدين، و الى اصحاب الأيكة، و كانت الأيكة من شجر ملتف، فلما اراد الله عز و جل ان يعذبهم بعث عليهم حرا شديدا، و رفع لهم العذاب كأنه سحابه، فلما دنت منهم خرجوا إليها رجاء بردها، فلما كانوا تحتها امطرت‏

328

عليهم نارا، قال: فذلك قوله تعالى: «فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ».

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنى ابو سفيان، عن معمر بن راشد، قال: حدثنى رجل من أصحابنا عن بعض العلماء، قال:

كانوا- يعنى قوم شعيب- عطلوا حدا، فوسع الله عليهم في الرزق، ثم عطلوا حدا فوسع الله عليهم في الرزق، فجعلوا كلما عطلوا حدا وسع الله عليهم في الرزق، حتى إذا اراد الله هلاكهم سلط عليهم حرا لا يستطيعون ان يتقاروا، و لا ينفعهم ظل و لا ماء، حتى ذهب ذاهب منهم فاستظل تحت ظله فوجد روحا، فنادى اصحابه: هلموا الى الروح، فذهبوا اليه سراعا، حتى إذا اجتمعوا ألهبها الله عليهم نارا، فذلك عذاب يوم الظلة.

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا سفيان، عن ابى إسحاق، عن زيد بن معاويه في قوله تعالى: «فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ»، قال: أصابهم حر قلقلهم في بيوتهم، فنشأت سحابه كهيئة الظلة فابتدروها، فلما ناموا تحتها اخذتهم الرجفة حدثنى محمد بن عمرو، قال: حدثنا ابو عاصم، قال: حدثنا عيسى.

و حدثنى الحارث، قال: حدثنا الحسن، قال: حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن ابى نجيح، عن مجاهد في قوله: «عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ»، قال: ظلال العذاب.

حدثنى القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنى حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد في قوله: «فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ»، قال: أظل العذاب قوم شعيب قال ابن جريج: لما انزل الله تعالى عليهم أول العذاب اخذهم منه حر شديد، فرفع الله لهم غمامه، فخرج إليها طائفه منهم ليستظلوا بها، فأصابهم منها برد و روح و ريح طيبه، فصب الله عليهم من فوقهم من تلك الغمامه عذابا، فذلك قوله: «عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ‏»

329

حدثنى يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله:

«فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ‏»، قال: بعث الله عز و جل اليهم ظله من سحاب، و بعث الله الى الشمس فاحرقت ما على وجه الارض، فخرجوا كلهم الى تلك الظلة، حتى إذا اجتمعوا كلهم كشف الله عنهم الظلة، و احمى عليهم الشمس، فاحترقوا كما يحترق الجراد في المقلى.

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا ابو ثميله، عن ابى حمزه، عن جابر، عن عامر، عن ابن عباس، قال: من حدثك من العلماء، ما عذاب يوم الظلة، فكذبه.

حدثنى محمود بن خداش، حدثنا حماد بن خالد الخياط، قال، حدثنا داود بن قيس، عن زيد بن اسلم في قوله عز و جل: «أَ صَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا»، قال: كان مما ينهاهم عنه حذف الدراهم- او قال: قطع الدراهم، الشك من حماد.

حدثنا سهل بن موسى الرازى، قال: حدثنا ابن ابى فديك، عن ابى مودود قال: سمعت محمد بن كعب القرظى يقول: بلغنى ان قوم شعيب عذبوا في قطع الدراهم، ثم وجدت ذلك في القرآن: «أَ صَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا».

حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا زيد بن حباب، عن موسى بن عبيده، عن محمد بن كعب القرظى، قال: عذب قوم شعيب في قطعهم الدراهم، فقالوا:

«يا شعيب ا صلاتك تامرك ان نترك ما يعبد آباؤنا او ان نفعل في أموالنا ما نشاء».

و نرجع الان الى:

330

ذكر يعقوب و اولاده‏

ذكروا و الله اعلم ان إسحاق بن ابراهيم عاش بعد ما ولد له العيص و يعقوب مائه سنه، ثم توفى و له مائه و ستون سنه فقبره ابناه: العيص و يعقوب عند قبر ابيه ابراهيم في مزرعه حبرون، و كان عمر يعقوب بن إسحاق كله مائه و سبعا و اربعين سنه، و كان ابنه يوسف قد قسم له و لامه من الحسن ما لم يقسم لكثير من احد من الناس.

و قد حدثنى عبد الله بن محمد و احمد بن ثابت الرازيان، قالا: حدثنا عفان بن مسلم، قال: أخبرنا حماد بن سلمه، قال: أخبرنا ثابت البناني عن انس [عن النبي ص، قال: اعطى يوسف و أمه شطر الحسن‏].

و ان أمه راحيل لما ولدته دفعه زوجها يعقوب الى اخته تحضنه، فكان من شانه و شان عمته التي كانت تحضنه ما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن ابى نجيح، عن مجاهد، قال: كان أول ما دخل على يوسف من البلاء فيما بلغنى ان عمته ابنه إسحاق، و كانت اكبر ولد إسحاق، و كانت إليها صارت منطقه إسحاق، و كانوا يتوارثونها بالكبر، فكان من اختانها من وليها كان له سلما لا ينازع فيه، يصنع فيه ما شاء، و كان يعقوب حين ولد له يوسف قد كان حضنته عمته، فكان معها و إليها، فلم يحب احد شيئا من الأشياء حبها اياه، حتى إذا ترعرع‏

331

و بلغ سنوات، و وقعت نفس يعقوب عليه، أتاها فقال: يا أخيه سلمى الى يوسف، فو الله ما اقدر على ان يغيب عنى ساعه، قالت: و الله ما انا بتاركته، قال: فو الله ما انا بتاركه قالت: فدعه عندي أياما انظر اليه و اسكن عنه، لعل ذلك يسلينى عنه- او كما قالت- فلما خرج من عندها يعقوب عمدت الى منطقه إسحاق فحزمتها على يوسف من تحت ثيابه، ثم قالت:

لقد فقدت منطقه إسحاق، فانظروا من أخذها و من أصابها، فالتمست ثم قالت: كشفوا اهل البيت، فكشفوهم فوجدوها مع يوسف، فقالت: و الله انه لي لسلم اصنع فيه ما شئت قال: و أتاها يعقوب فاخبرته الخبر، فقال لها:

أنت و ذاك، ان كان فعل ذلك فهو سلم لك، ما استطيع غير ذلك فامسكته، فما قدر عليه يعقوب حتى ماتت قال: فهو الذى يقول اخوه يوسف حين صنع بأخيه ما صنع حين اخذه: «إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ‏».

قال ابو جعفر: فلما رات اخوه يوسف شده حب والدهم يعقوب اياه في صباه و طفولته و قله صبره عنه حسدوه على مكانه منه و قال بعضهم لبعض: «لَيُوسُفُ وَ أَخُوهُ أَحَبُّ إِلى‏ أَبِينا مِنَّا وَ نَحْنُ عُصْبَةٌ، يعنون بالعصبة الجماعه، و كانوا عشره: إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ‏».

ثم كان من امره و امر يعقوب ما قد قص الله تبارك و تعالى في كتابه من مسألتهم اياه إرساله الى الصحراء معهم، ليسعى و ينشط و يلعب، و ضمانهم له حفظه، و اعلام يعقوب إياهم حزنه بمغيبه عنه، و خوفه عليه من الذئب، و خداعهم والدهم بالكذب من القول و الزور عن يوسف، ثم إرساله معهم‏

332

و خروجهم به و عزمهم حين برزوا به الى الصحراء على القائه في غيابه الجب، فكان من امره حينئذ- فيما ذكر- ما حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو بن محمد العنقزى، عن اسباط، عن السدى قال: ارسله- يعنى يعقوب يوسف- معهم، فاخرجوه و به عليهم كرامة، فلما برزوا الى البريه أظهروا له العداوة، و جعل اخوه يضربه فيستغيث بالآخر فيضربه، فجعل لا يرى منهم رحيما، فضربوه حتى كادوا يقتلونه، فجعل يصيح و يقول: يا أبتاه يا يعقوب! لو تعلم ما يصنع بابنك بنو الإماء! فلما كادوا يقتلونه، قال يهوذا: اليس قد أعطيتموني موثقا الا تقتلوه! فانطلقوا به الى الجب ليطرحوه، فجعلوا يدلونه في البئر فيتعلق بشفيرها، فربطوا يديه، و نزعوا قميصه، فقال: يا إخوتاه، ردوا على قميصي اتوارى به في الجب! فقالوا: ادع الشمس و القمر و الأحد عشر كوكبا تؤنسك، قال: انى لم أر شيئا، فدلوه في البئر حتى إذا بلغ نصفها القوه اراده ان يموت فكان في البئر ماء، فسقط فيه، ثم أوى الى صخره فيها، فقام عليها فلما القوه في الجب جعل يبكى، فنادوه، فظن انها رحمه أدركتهم، فأجابهم، فأرادوا ان يرضخوه بصخرة فيقتلوه، فقام يهوذا فمنعهم و قال: قد أعطيتموني موثقا الا تقتلوه، و كان يهوذا يأتيه بالطعام.

ثم خبره تبارك و تعالى عن وحيه الى يوسف(ع)و هو في الجب لينبئن اخوته الذين فعلوا به ما فعلوا بفعلهم ذلك و هم لا يشعرون بالوحي الذى اوحى الى يوسف كذلك روى ذلك عن قتادة حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعانى قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة:

«وَ أَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا، قال: اوحى الى يوسف و هو في الجب ان ينبئهم بما صنعوا به‏ وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ‏» بذلك الوحى‏

333

حدثنى المثنى، قال: حدثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن معمر، عن قتادة بنحوه، الا انه قال: ان سينبئهم.

و قيل معنى ذلك: و هم لا يشعرون انه يوسف، و ذلك قول يروى عن ابن عباس، حدثنى بذلك الحارث، قال: حدثنا عبد العزيز، قال: حدثنا صدقه بن عباده الأسدي عن ابيه، قال: سمعت ابن عباس يقول ذاك، و هو قول ابن جريج.

ثم خبره تعالى عن اخوه يوسف و مجيئهم الى ابيه عشاء يبكون، يذكرون له ان يوسف اكله الذئب، و قول والدهم: «بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ‏».

ثم خبره جل جلاله عن مجي‏ء السيارة، و ارسالهم و اردهم و اخراج الوارد يوسف و اعلامه اصحابه به بقوله: «يا بُشْرى‏ هذا غُلامٌ‏» يبشرهم.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قال: «يا بُشْرى‏ هذا غُلامٌ‏»، تباشروا به حين اخرجوه- و هي بئر بأرض بيت المقدس معلوم مكانها.

و قد قيل: انما نادى الذى اخرج يوسف من البئر صاحبا له يسمى بشرى، فناداه باسمه الذى هو اسمه كذلك ذكر عن السدى حدثنا الحسن بن محمد، حدثنا خلف بن هشام، قال: حدثنا يحيى بن آدم، عن قيس بن الربيع، عن السدى في قوله: «يا بُشْرى‏»، قال: كان اسم صاحبه بشرى‏

334

حدثنى المثنى، قال: حدثنا عبد الرحمن بن ابى حماد، قال: حدثنا الحكم بن ظهير، عن السدى في قوله: «يا بُشْرى‏ هذا غُلامٌ‏»، قال: اسم الغلام بشرى، كما تقول: يا زيد.

ثم خبره عز و جل عن السيارة و واردهم الذى استخرج يوسف من الجب إذ اشتروه من اخوته «بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ»، على زهد فيه و اسرارهم اياه بضاعة، خيفة ممن معهم من التجار مسألتهم الشركه فيه، ان هم علموا انهم اشتروه.

كذلك قال في ذلك اهل التأويل:

حدثنى محمد بن عمرو، قال: حدثنا ابو عاصم، قال: حدثنا عيسى عن ابن ابى نجيح، عن مجاهد: «وَ أَسَرُّوهُ بِضاعَةً»، قال: صاحب الدلو و من معه قالوا لأصحابهم: انا استبضعناه خيفة ان يستشركوهم فيه ان علموا بثمنه، و تبعهم اخوته يقولون للمدلى و اصحابه: استوثقوا منه لا يأبق، حتى وقفوه بمصر فقال: من يبتاعنى و يبشر! فاشتراه الملك، و الملك مسلم.

حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا شبابه، قال: حدثنا ورقاء، عن ابن ابى نجيح، عن مجاهد بنحوه، غير انه قال: خيفة ان يستشركوهم ان علموا به، و اتبعهم اخوته، يقولون للمدلى و اصحابه: استوثقوا منه لا يأبق حتى وقفوه بمصر.

حدثنا ابن وكيع، قال، حدثنا عمرو بن حماد، عن اسباط، عن السدى:

«وَ أَسَرُّوهُ بِضاعَةً»، قال: لما اشتراه الرجلان فرقوا من الرفقه ان يقولوا:

اشتريناه فيسالونهم الشركه فيه فقالوا: ان سألونا: ما هذا؟ قلنا: بضاعة، استبضعناه اهل الماء، فذلك قوله: «وَ أَسَرُّوهُ بِضاعَةً»

335

فكان بيعهم اياه ممن باعوه منه بثمن بخس، و ذلك الناقص القليل من الثمن الحرام.

و قيل انهم باعوه بعشرين درهما، ثم اقتسموها- و هم عشره- درهمين درهمين، و أخذوا العشرين معدودة بغير وزن، لان الدراهم حينئذ- فيما قيل- إذا كانت اقل من أوقية وزنها اربعون درهما لم تكن توزن، لان اقل اوزانهم يومئذ كانت أوقية.

و قد قيل: انهم باعوه بأربعين درهما و قيل: باعوه باثنين و عشرين درهما.

و ذكر ان بائعه الذى باعه بمصر كان مالك بن دعر بن يوبب ابن عفقان بن مديان بن ابراهيم الخليل(ع)حدثنا بذلك ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، عن ابن إسحاق، عن محمد بن السائب، عن ابى صالح، عن ابن عباس.

و اما الذى اشتراه بها و قال: «لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْواهُ‏»، فان اسمه- فيما ذكر عن ابن عباس- قطفير حدثنى محمد بن سعد، قال: حدثنى ابى، قال: حدثنى‏

9

عمى‏

9

، قال: حدثنى ابى، عن‏

9

ابيه‏

9

، عن ابن عباس، قال:

كان اسم الذى اشتراه قطفير.

و قيل ان اسمه اطفير، بن روحيب، و هو العزيز، و كان على خزائن مصر، و الملك يومئذ الريان بن الوليد، رجل من العماليق، كذلك حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، عن ابن إسحاق.

فاما غيره فانه قال: كان يومئذ الملك بمصر و فرعونها الريان بن الوليد بن ثروان بن اراشه بن قاران بن عمرو بن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح‏

336

و قد قال بعضهم: ان هذا الملك لم يمت حتى آمن و اتبع يوسف على دينه، ثم مات و يوسف بعد حي، ثم ملك بعده قابوس بن مصعب بن معاويه بن نمير بن السلواس بن قاران بن عمرو بن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح عليه السلام، و كان كافرا، فدعاه يوسف الى الاسلام فأبى ان يقبل.

و ذكر بعض اهل التوراة ان في التوراة: ان الذى كان من امر يوسف و اخوته و المصير به الى مصر، و هو ابن سبع عشره سنه يومئذ، و انه اقام في منزل العزيز الذى اشتراه ثلاث عشره سنه، و انه لما تمت له ثلاثون سنه استوزره فرعون مصر، الوليد بن الريان، و انه مات يوم مات و هو ابن مائه سنه و عشر سنين و اوصى الى أخيه يهوذا، و انه كان بين فراقه يعقوب و اجتماعه معه بمصر اثنتان و عشرون سنه، و ان مقام يعقوب معه بمصر بعد موافاته باهله سبع عشره سنه، و ان يعقوب(ص)اوصى الى يوسف ع.

و كان دخول يعقوب مصر في سبعين إنسانا من اهله، فلما اشترى اطفير يوسف، و اتى به منزله، قال لأهله و اسمها- فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، عن ابن إسحاق- راعيل: «أَكْرِمِي مَثْواهُ عَسى‏ أَنْ يَنْفَعَنا» فيكفينا إذا هو بلغ و فهم الأمور بعض ما نحن بسبيله من أمورنا:

«أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً»، و ذلك انه كان- فيما حدثنا به ابن حميد، قال: حدثنا سلمه عن ابن إسحاق- رجلا لا ياتى النساء، و كانت امراته راعيل حسناء ناعمه في ملك و دنيا، فلما خلا من عمر يوسف(ع)ثلاث و ثلاثون سنه اعطاه الله عز و جل الحكم و العلم.

حدثنى المثنى، قال: حدثنا ابو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن ابى نجيح، عن مجاهد: «آتَيْناهُ حُكْماً وَ عِلْماً»: قال: العقل و العلم قبل النبوه‏

337

«وَ راوَدَتْهُ‏ حين بلغ من السن اشده‏ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ‏- و هي راعيل امراه العزيز اطفير- وَ غَلَّقَتِ الْأَبْوابَ‏» عليه و عليها للذي ارادت منه، و جعلت- فيما ذكر- تذكر ليوسف محاسنه تشوقه بذلك الى نفسها.

ذكر من قال ذلك.

حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو بن محمد، عن اسباط، عن السدى: «وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَ هَمَّ بِها»، قال: قالت له يا يوسف:

ما احسن شعرك! قال: هو أول ما ينتثر من جسدي، قالت: يا يوسف ما احسن عينيك! قال: هي أول ما يسيل الى الارض من جسدي، قالت:

يا يوسف ما احسن وجهك! قال: هو للتراب يأكله، فلم تزل حتى أطمعته فهمت به و هم بها، فدخلا البيت و غلقت الأبواب، و ذهب ليحل سراويله فإذا هو بصوره يعقوب قائما في البيت قد عض على اصبعه يقول: يا يوسف لا تواقعها، فإنما مثلك ما لم تواقعها مثل الطير في جو السماء لا يطاق، و مثلك ان واقعتها مثله إذا مات وقع في الارض لا يستطيع ان يدفع عن نفسه.

و مثلك ما لم تواقعها مثل الثور الصعب الذى لا يعمل عليه، و مثلك ان واقعتها مثل الثور حين يموت فيدخل النمل في اصل قرنيه لا يستطيع ان يدفع عن نفسه فربط سراويله، و ذهب ليخرج يشتد، فأدركته فأخذت بمؤخر قميصه من خلفه فخرقته حتى اخرجته منه، و سقط و طرحه يوسف، و اشتد نحو الباب.

و قد حدثنا ابو كريب و ابن وكيع و سهل بن موسى، قالوا: حدثنا ابن عيينه عن عثمان بن ابى سليمان، عن ابن ابى مليكه، عن ابن عباس: سئل عن هم يوسف ما بلغ؟ قال: حل الهميان، و جلس منها مجلس الحائز

338

حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا حجاج بن محمد، عن ابن جريج، قال: أخبرنا عبد الله بن ابى مليكه، قال: قلت لابن عباس: ما بلغ من هم يوسف؟ قال: استلقت له و جلس بين رجليها ينزع ثيابه، فصرف الله تعالى عنه ما كان هم به من السوء بما راى من البرهان الذى أراه الله، فذلك- فيما قال بعضهم- صوره يعقوب عاضا على اصبعه.

و قال بعضهم: بل نودى من جانب البيت: ا تزنى فتكون كالطير وقع ريشه، فذهب يطير و لا ريش له! و قال بعضهم: راى في الحائط مكتوبا: «وَ لا تَقْرَبُوا الزِّنى‏ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَ ساءَ سَبِيلًا» فقام حين راى برهان ربه هاربا يريد باب البيت، فرارا مما ارادته، و اتبعته راعيل فأدركته قبل خروجه من الباب، فجذبته بقميصه من قبل ظهره، فقدت قميصه و الفى يوسف و راعيل سيدها- و هو زوجها اطفير- جالسا عند الباب، مع ابن عم لراعيل.

كذلك حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو بن محمد، عن اسباط، عن السدى،: «وَ أَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ‏» قال: كان جالسا عند الباب و ابن عمها معه، فلما رأته قالت: «ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ، انه راودنى عن نفسي، فدفعته عن نفسي فأبيت فشققت قميصه قال يوسف: بل هي راودتني عن نفسي، فأبيت و فررت منها، فادركتنى فشقت قميصي فقال ابن عمها: تبيان هذا في القميص، فان كان القميص «قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَ هُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ‏»، و ان كان القميص قد مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَ هُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ‏»، فاتى بالقميص، فوجده قد من دبر، قال: «إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَ‏

339

عَظِيمٌ يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا وَ اسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ‏».

حدثنى محمد بن عماره، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا شيبان، عن ابى إسحاق، عن نوف الشامي، قال: ما كان يوسف يريد ان يذكره حتى قالت: «ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ، قال: فغضب و قالَ: هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي‏».

و قد اختلف في الشاهد الذى شهد من أهلها «إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَ هُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ‏»، فقال بعضهم: ما ذكرت عن السدى.

و قال بعضهم: كان صبيا في المهد، و قد روى في ذلك عن رسول الله ما حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا عفان بن مسلم، قال: حدثنا حماد، قال: أخبرنا عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن [النبي ص، قال: تكلم اربعه و هم صغار، فذكر فيهم شاهد يوسف‏] حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا العلاء بن عبد الجبار، عن حماد بن سلمه، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال:

تكلم اربعه و هم صغار: ابن ماشطه ابنه فرعون، و شاهد يوسف، و صاحب جريج، و عيسى بن مريم.

و قد قيل ان الشاهد كان هو القميص و قده من دبره.

ذكر بعض من قال ذلك:

حدثنى محمد بن عمرو، قال: حدثنا ابو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن ابى نجيح، عن مجاهد في قول الله عز و جل: «وَ شَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها»

340

قال: قميصه مشقوق من دبره فتلك الشهاده، فلما راى زوج المرأة قميص يوسف قد من دبر قال لراعيل زوجته: «إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ‏»، ثم قال ليوسف: أَعْرِضْ عَنْ‏ ذكر ما كان منها من مراودتها إياك عن نفسها فلا تذكره لأحد، ثم قال لزوجته: «اسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ‏».

و تحدث النساء بأمر يوسف و امر امراه العزيز بمصر و مراودتها اياه على نفسها فلم ينكتم، و قلن: «امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا»، قد وصل حب يوسف الى شغاف قلبها فدخل تحته حتى غلب على قلبها و شغاف القلب: غلافه و حجابه.

حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو بن محمد، عن اسباط، عن السدى: «قَدْ شَغَفَها حُبًّا» قال: و الشغاف جلده على القلب يقال لها لسان القلب، يقول: دخل الحب الجلد حتى أصاب القلب، فلما سمعت امراه العزيز بمكرهن و تحدثهن بينهن بشأنها و شان يوسف، و بلغها ذلك أرسلت اليهن و اعتدت لهن متكأ يتكئن عليه إذا حضرنها من وسائد و حضرنها فقدمت اليهن طعاما و شرابا و أترجا، و اعطت كل واحده منهن سكينا تقطع به الاترج.

حدثنى سليمان بن عبد الجبار، قال: حدثنا محمد بن الصلت، قال:

حدثنا ابو كدينه، عن حصين، عن مجاهد، عن ابن عباس: «وَ أَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَ آتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً»، قال: أعطتهن أترجا، و اعطت كل واحده منهن سكينا.

فلما فعلت امراه العزيز ذلك بهن، و قد اجلست يوسف في بيت و مجلس غير المجلس الذى هن فيه جلوس، قالت ليوسف: «اخْرُجْ عَلَيْهِنَ‏»،

341

فخرج يوسف عليهن، فلما راينه اجللنه و اكبرنه و اعظمنه، و قطعن ايديهن بالسكاكين التي في ايديهن، و هن يحسبن انهن يقطعن بها الاترج، و قلن:

معاذ الله ما هذا انس، «إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ‏» فلما حل بهن ما حل من قطع ايديهن من اجل نظره نظرنها الى يوسف و ذهاب عقولهن، و عرفتهن خطا قيلهن: «امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ‏»، و انكارهن ما انكرن من امرها اقرت عند ذلك لهن بما كان من مراودتها اياه على نفسها، فقالت: «فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَ لَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ‏»، بعد ما حل سراويله.

حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو بن محمد، عن اسباط، عن السدى:

«قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَ لَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ‏»، تقول: بعد ما حل السراويل استعصم، لا ادرى ما بدا له! ثم قالت لهن:

«وَ لَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ‏» من إتيانها «لَيُسْجَنَنَّ وَ لَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ‏»، فاختار السجن على الزنا و معصية ربه، فقال: «رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ‏».

حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو بن محمد، عن اسباط، عن السدى: «قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ‏» من الزنا، و استغاث بربه عز و جل فقال: «وَ إِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَ أَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ‏» فاخبر الله عز و جل انه استجاب له دعاءه، فصرف عنه كيدهن و نجاه من ركوب الفاحشة، ثم بدا للعزيز من بعد ما راى من الآيات ما راى من قد القميص من الدبر، و خمش في الوجه، و قطع النسوة ايديهن و علمه‏

342

ببراءه يوسف مما قرف به في ترك يوسف مطلقا و قد قيل: ان السبب الذى من اجله بدا له في ذلك، ما حدثنا به ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو بن محمد، عن اسباط عن السدى: «ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ‏»، قال: قالت المرأة لزوجها:

ان هذا العبد العبراني قد فضحنى في الناس يعتذر اليهم و يخبرهم انى راودته عن نفسه، و لست اطيق ان اعتذر بعذري، فاما ان تاذن لي فاخرج فاعتذر، و اما ان تحبسه كما حبستني، فذلك قول الله عز و جل: «ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ‏»، فذكر انهم حبسوه سبع سنين.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا المحاربى، عن داود، عن عكرمه: «لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ‏»، قال: سبع سنين، فلما حبس يوسف في السجن صاحبه العزيز، ادخل معه السجن الذى حبس فيه فتيان من فتيان الملك صاحب مصر الاكبر، و هو الوليد بن الريان، أحدهما كان صاحب طعامه، و الآخر كان صاحب شرابه.

حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو، عن اسباط، عن السدى، قال:

حبسه الملك، و غضب على خبازه، بلغه انه يريد ان يسمه فحبسه، و حبس صاحب شرابه، ظن انه مالاه على ذلك، فحبسهما جميعا، فذلك قول الله عز و جل: «وَ دَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ‏».

فلما دخل يوسف قال فيما حدثنى به ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو، عن اسباط، عن السدى، قال: لما دخل يوسف السجن، قال: انى اعبر الأحلام، فقال احد الفتيين لصاحبه: هلم فلنجرب هذا العبد العبراني، فتراءيا له، فسألاه من غير ان يكونا رايا شيئا، فقال الخباز: «إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ‏

343

فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ‏، و قال الآخر: إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً، نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ‏» فقيل: كان إحسانه ما حدثنا به إسحاق بن ابى إسرائيل، قال: حدثنا خلف بن خليفه، عن سلمه بن نبيط، عن الضحاك قال: سال رجل الضحاك عن قوله: «إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ‏»: ما كان إحسانه؟ قال: كان إذا مرض انسان في السجن قام عليه، و إذا احتاج جمع له، و إذا ضاق عليه المكان وسع له، فقال لهما يوسف: «لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ‏ في يومكما هذا إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ‏» في اليقظة فكره صلى الله عليه ان يعبر لهما ما سألاه عنه، و أخذ في غير الذى سالا عنه لما في عبارة ما سالا عنه من المكروه على أحدهما فقال: «يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَ أَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ».

و كان اسم احد الفتيين اللذين ادخلا السجن محلب- و هو الذى ذكر انه راى فوق راسه خبرا- و اسم الآخر نبو، و هو الذى ذكر انه راى كأنه يعصر خمرا، فلم يدعاه و العدول عن الجواب عما سألاه عنه حتى أخبرهما بتاويل ما سألاه عنه فقال: «أَمَّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً»- و هو الذى ذكر انه راى كأنه يعصر خمرا، وَ أَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ‏».

فلما عبر لهما ما سألاه تعبيره، قالا: ما رأينا شيئا.

حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا ابن فضيل، عن عماره- يعنى ابن القعقاع- عن ابراهيم، عن علقمه، عن عبد الله، في الفتيين اللذين أتيا يوسف‏

344

في الرؤيا انما كانا تحالما ليختبراه، فلما أول رؤياهما قالا: انما كنا نلعب، فقال: «قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ‏» ثم قال لنبو- و هو الذى ظن يوسف انه ناج منهما: «اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ‏ يعنى عند الملك، و اخبره انى محبوس ظلما، فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ‏»، غفله عرضت ليوسف من قبل الشيطان.

فحدثني الحارث، قال: حدثنا عبد العزيز، قال: حدثنا جعفر بن سليمان الضبعى، عن بسطام بن مسلم، عن مالك بن دينار، قال: قال يوسف للساقى: اذكرني عند ربك، قال: قيل: يا يوسف، اتخذت من دوني وكيلا! لاطيلن حبسك قال: فبكى يوسف و قال: يا رب انسى قلبي كثره البلوى فقلت كلمه، فويل لإخوتي! حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو بن محمد، عن ابراهيم بن يزيد، عن عمرو بن دينار، عن عكرمه، عن ابن عباس، قال: [قال النبي ص: لو لم يقل يوسف- يعنى الكلمه التي قال- ما لبث في السجن طول ما لبث حيث يبتغى الفرج من عند غير الله عز و جل‏].

فلبث في السجن، فيما حدثنى الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا عمران ابو الهذيل الصنعانى، قال: سمعت وهبا يقول: أصاب أيوب البلاء سبع سنين و ترك يوسف في السجن سبع سنين، و عذب بختنصر فحول في السباع سبع سنين.

ثم ان ملك مصر راى رؤيا هالته‏

345

فحدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو بن محمد، عن اسباط، عن السدى، قال: ان الله عز و جل ارى الملك في منامه رؤيا هالته، فراى:

«سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَ سَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَ أُخَرَ يابِساتٍ‏»، فجمع السحره، و الكهنه و الحازة و القافه، فقصها عليهم، فقالوا:

«أَضْغاثُ أَحْلامٍ وَ ما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ وَ قالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما من الفتيين و هو نبو، وَ ادَّكَرَ حاجه يوسف‏ بَعْدَ أُمَّةٍ، يعنى بعد نسيان:

أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ‏»، يقول: فاطلقون فارسلوه فاتى يوسف فقال: «أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَ سَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَ أُخَرَ يابِساتٍ‏»، فان الملك راى ذلك في نومه.

فحدثنا ابن وكيع، قال، حدثنا عمرو، عن اسباط، عن السدى، قال: قال ابن عباس: لم يكن السجن في المدينة، فانطلق الساقى الى يوسف، فقال: «أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ‏» الآيات.

فحدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، «أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ‏» فالسمان المخاصيب، و البقرات العجاف هن السنون المحول الجدوب قوله: وَ سَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَ أُخَرَ يابِساتٍ‏» اما الخضر فهن السنون المخاصيب، و اما اليابسات فهن الجدوب المحول.

فلما اخبر يوسف نبو بتاويل ذلك، اتى نبو الملك، فاخبره بما قال له يوسف، فعلم الملك ان الذى قال يوسف من ذلك حق، قال: ائتونى به.

فحدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو، عن اسباط، عن السدى، قال: لما اتى الملك رسوله فاخبره، قال: ائتونى به، فلما أتاه الرسول و دعاه الى‏

346

الملك ابى يوسف الخروج معه، و قال: «ارْجِعْ إِلى‏ رَبِّكَ فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ‏».

قال السدى: قال ابن عباس: لو خرج يوسف يومئذ قبل ان يعلم الملك بشانه ما زالت في نفس العزيز منه حاجه، يقول: هذا الذى راود امراتى فلما رجع الرسول الى الملك من عند يوسف جمع الملك أولئك النسوة، فقال لهن:

ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه! قلن- فيما حدثنا ابن وكيع، قال:

حدثنا عمرو، عن اسباط، عن السدى قال: لما قال الملك لهن: «ما خَطْبُكُنَّ إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ»، و لكن امراه العزيز أخبرتنا انها راودته عن نفسه، و دخل معها البيت، ف قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ حينئذ: «الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ‏» فقال يوسف: ذلك هذا الفعل الذى فعلت من ترديدى رسول الملك بالرسالات التي أرسلت في شان النسوة، ليعلم اطفير سيدي «أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ‏ في زوجته راعيل، وَ أَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ‏».

فلما قال ذلك يوسف قال له جبرئيل: ما حدثنا ابو كريب، قال:

حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمه، عن ابن عباس، قال:

لما جمع الملك النسوة، فسألهن: هل راودتن يوسف عن نفسه؟ «قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ‏ قال يوسف: ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَ أَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ‏» قال: فقال له جبرئيل:

347

و لا يوم هممت بها؟ فقال: وَ ما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ».

فلما تبين للملك عذر يوسف و أمانته قال: «ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا اتى به‏ كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ‏» فقال يوسف للملك:

«اجْعَلْنِي عَلى‏ خَزائِنِ الْأَرْضِ‏».

فحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله:

«اجْعَلْنِي عَلى‏ خَزائِنِ الْأَرْضِ‏» قال: كان لفرعون خزائن كثيره غير الطعام، فسلم سلطانه كله اليه، و جعل القضاء اليه امره، و قضاؤه نافذ.

حدثنا ابن حميد قال: حدثنا ابراهيم بن المختار، عن شيبه الضبي في قوله:

«اجْعَلْنِي عَلى‏ خَزائِنِ الْأَرْضِ‏»، قال: على حفظ الطعام «إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ‏» يقول: انى حفيظ لما استودعتني، عليم بسنى المجاعة، فولاه الملك ذلك.

و قد حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، عن ابن إسحاق، قال:

لما قال يوسف للملك: «اجْعَلْنِي عَلى‏ خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ‏» قال الملك: قد فعلت، فولاه- فيما يذكرون- عمل اطفير، و عزل اطفير عما كان عليه، يقول الله تبارك و تعالى: «وَ كَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ وَ لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ‏» قال: فذكر لي- و الله اعلم- ان اطفير هلك في تلك الليالى، و ان الملك الريان بن الوليد زوج يوسف امراه اطفير راعيل، و انها حين دخلت عليه قال: اليس هذا خيرا مما كنت تريدين! قال: فيزعمون انها قالت:

ايها الصديق لا تلمني، فانى كنت امراه- كما ترى- حسناء جميله ناعمه، في ملك و دنيا، و كان صاحبي لا ياتى النساء، و كنت كما جعلك الله في حسنك و هيئتك، فغلبتني نفسي على ما رايت فيزعمون انه وجدها عذراء، و أصابها فولدت له رجلين: افراييم بن يوسف و منشا بن يوسف.

حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو، عن اسباط، عن السدى:

348

«وَ كَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ» قال:

استعمله الملك على مصر، و كان صاحب امرها، و كان يلى البيع و التجارة و امرها كله، فذلك قوله: «وَ كَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ».

فلما ولى يوسف للملك خزائن ارضه و استقر به القرار في عمله، و مضت السنون السبع المخصبه التي كان يوسف امر بترك ما في سنبل ما حصدوا من الزرع فيها فيه، و دخلت السنون المجدبه و قحط الناس، اجدبت بلاد فلسطين فيما اجدب من البلاد، و لحق مكروه ذلك آل يعقوب في موضعهم الذى كانوا فيه، فوجه يعقوب بنيه.

فحدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو، عن اسباط، عن السدى، قال:

أصاب الناس الجوع حتى أصاب بلاد يعقوب التي هو بها، فبعث بنيه الى مصر، و امسك أخا يوسف بنيامين، فلما دخلوا على يوسف عرفهم و هم له منكرون، فلما نظر اليهم قال: أخبروني: ما امركم؟ فانى انكر شأنكم! قالوا: نحن قوم من ارض الشام، قال: فما جاء بكم؟ قالوا: جئنا نمتار طعاما، قال: كذبتم، أنتم عيون! كم أنتم؟ قالوا: عشره، قال: أنتم عشره آلاف، كل رجل منكم امير الف فأخبروني خبركم، قالوا: انا اخوه، بنو رجل صديق، و انا كنا اثنى عشر، و كان أبونا يحب أخا لنا، و انه ذهب معنا الى البريه فهلك فيها، و كان أحبنا الى أبينا قال: فالى من سكن أبوكم بعده؟ قالوا: الى أخ لنا اصغر منه قال: فكيف تخبروننى ان أباكم صديق و هو يحب الصغير منكم دون الكبير! ائتونى بأخيكم هذا حتى انظر اليه: «فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَ لا تَقْرَبُونِ قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ وَ إِنَّا لَفاعِلُونَ‏»

349

قال: فضعوا بعضكم رهينه حتى ترجعوا، فوضعوا شمعون و حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، عن ابن إسحاق، قال: كان يوسف حين راى ما أصاب الناس من الجهد قد آسى بينهم، فكان لا يحمل للرجل الا بعيرا واحدا، و لا يحمل الواحد بعيرين تقسيطا بين الناس، و توسيعا عليهم، فقدم عليه اخوته فيمن قدم عليه من الناس يلتمسون الميرة من مصر، فعرفهم و هم له منكرون لما اراد الله تعالى ان يبلغ بيوسف فيما اراد ثم امر يوسف بان يوقر لكل رجل من اخوته بعيره، فقال لهم: ائتونى بأخيكم من أبيكم، لأحمل لكم بعيرا آخر، فتزدادوا به حمل بعير: «أَ لا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ‏» فلا ابخسه أحدا، «وَ أَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ‏» و انا خير من انزل ضيفا على نفسه من الناس بهذه البلده، فانا اضيفكم «فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي‏» بأخيكم من أبيكم فلا طعام لكم عندي اكيله، و لا تقربوا بلادي.

و قال لفتيانه الذين يكيلون الطعام لهم: «اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ‏- و هي ثمن الطعام الذى اشتروه به- فِي رِحالِهِمْ‏».

حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: «اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ فِي رِحالِهِمْ‏»، اى ورقهم، فجعلوا ذلك في رحالهم و هم لا يعلمون.

فلما رجع بنو يعقوب الى ابيهم، قالوا: ما حدثنا به ابن وكيع، قال:

حدثنا عمرو، عن اسباط، عن السدى: فلما رجعوا الى ابيهم قالوا: يا أبانا، ان ملك مصر أكرمنا كرامة، لو كان رجلا من ولد يعقوب ما أكرمنا كرامته، و انه ارتهن شمعون و قال: ائتونى بأخيكم هذا الذى عطف عليه أبوكم بعد

350

أخيكم الذى هلك، فان لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي و لا تقربوا بلادي ابدا.

قال يعقوب: «هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى‏ أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً وَ هُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ‏» قال: فقال لهم يعقوب:

إذا اتيتم ملك مصر فاقرءوه منى السلام و قولوا له: ان أبانا يصلى عليك، و يدعو لك بما أوليتنا.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، عن ابن إسحاق، قال: خرجوا حتى إذا قدموا على ابيهم، و كان منزلهم- فيما ذكر لي بعض اهل العلم- بالعربات من ارض فلسطين بغور الشام و بعضهم يقول: بالاولاج من ناحيه الشعب اسفل من حسمى فلسطين، و كان صاحب باديه، له ابل و شاء فلما رجع اخوه يوسف الى والدهم يعقوب قالوا له: يا أبانا منع منا الكيل فوق حمل أبا عرنا، و لم يكل لكل واحد منا الا كيل بعير، فأرسل معنا أخانا بنيامين يكتل لنفسه، و انا له لحافظون، فقال لهم يعقوب: «هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى‏ أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً وَ هُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ‏».

و لما فتح ولد يعقوب الذين كانوا خرجوا الى مصر للميره متاعهم الذى قدموا به من مصر، وجدوا ثمن طعامهم الذى اشتروه به رد اليهم، فقالوا لوالدهم:

«يا أَبانا ما نَبْغِي هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا وَ نَمِيرُ أَهْلَنا وَ نَحْفَظُ أَخانا وَ نَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ» آخر على احمال إبلنا.

و قد حدثنى الحارث، قال: حدثنا القاسم، قال: حدثنا حجاج، عن‏

351

ابن جريج، «وَ نَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ»، قال: كان لكل رجل منهم حمل بعير، فقالوا: ارسل معنا أخانا نزدد حمل بعير قال ابن جريج: قال مجاهد: كيل بعير حمل حمار قال: و هي لغة، قال الحارث: قال القاسم: يعنى مجاهد ان الحمار يقال له في بعض اللغات بعير.

فقال يعقوب: «لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ‏» يقول: الا ان تهلكوا جميعا، فيكون حينئذ ذلك لكم عذرا عندي، فلما وثقوا له بالايمان قال يعقوب: «اللَّهُ عَلى‏ ما نَقُولُ وَكِيلٌ‏».

ثم اوصاهم بعد ما اذن لأخيهم من ابيهم بالرحيل معهم، الا تدخلوا من باب واحد من أبواب المدينة خوفا عليهم من العين، و كانوا ذوى صوره حسنه، و جمال و هيئة، و امرهم ان يدخلوا من أبواب متفرقه، كما حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة:

«وَ ادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ»، قال: كانوا قد أوتوا صوره و جمالا، فخشي عليهم انفس الناس، فقال الله تبارك و تعالى: «وَ لَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلَّا حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها»، و كانت الحاجة التي في نفس يعقوب فقضاها ما تخوف على اولاده اعين الناس لهيئتهم و جمالهم.

و لما دخل اخوه يوسف على يوسف ضم اليه أخاه لأبيه و أمه، فحدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو، عن اسباط، عن السدى: «وَ لَمَّا دَخَلُوا عَلى‏ يُوسُفَ آوى‏ إِلَيْهِ أَخاهُ‏»، قال: عرف أخاه، و انزلهم منزلا، و اجرى عليهم الطعام و الشراب، فلما كان الليل جاءهم بمثل فقال: لينم كل اخوين‏

352

منكم على مثال، فلما بقي الغلام وحده قال يوسف: هذا ينام معى على فراشي، فبات معه، فجعل يوسف يشم ريحه، و يضمه اليه حتى اصبح، و جعل روبيل يقول: ما رأينا مثل هذا ان نجونا منه.

و اما ابن إسحاق فانه قال ما حدثنا به ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، عن ابن إسحاق، قال: لما دخلوا- يعنى ولد يعقوب- على يوسف قالوا: هذا أخونا الذى أمرتنا ان نأتيك به، قد جئناك به فذكر لي انه قال لهم: قد احسنتم و أصبتم، و ستجدون جزاء ذلك عندي، او كما قال.

ثم قال: انى أراكم رجالا، و قد اردت ان أكرمكم، فدعا صاحب ضيافته فقال: انزل كل رجلين على حده، ثم أكرمهما و احسن ضيافتهما.

ثم قال: انى ارى هذا الرجل الذى جئتم به ليس معه ثان، فساضمه الى فيكون منزله معى، فانزلهم رجلين رجلين في منازل شتى، و انزل أخاه معه فآواه اليه، فلما خلا به قال: انى انا اخوك انا يوسف فلا تبتئس بشي‏ء فعلوه بنا فيما مضى، فان الله قد احسن إلينا فلا تعلمهم مما اعلمتك، يقول الله عز و جل:

«وَ لَمَّا دَخَلُوا عَلى‏ يُوسُفَ آوى‏ إِلَيْهِ أَخاهُ قالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ‏»، يقول له: «فَلا تَبْتَئِسْ‏»، فلا تحزن.

فلما حمل يوسف ابل اخوته ما حملها من الميرة و قضى حاجتهم و وفاهم كيلهم، جعل الإناء الذى كان يكيل به الطعام- و هو الصواع- في رحل أخيه بنيامين.

- حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا عفان، قال: حدثنا عبد الواحد، عن يونس، عن الحسن انه كان يقول: الصواع و السقاية سواء، هما الإناء الذى يشرب فيه، و جعل ذلك في رحل أخيه، و الأخ لا يشعر فيما ذكر.

حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو، عن اسباط، عن السدى:

«فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ‏»، و الأخ لا يشعر، فلما ارتحلوا أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ‏ قبل ان ترتحل العير: «إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ‏»