تاريخ الأمم و الملوك‏‏‏ - ج1

- ابن جرير الطبري المزيد...
632 /
353

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، عن ابن إسحاق، قال: حمل لهم بعيرا بعيرا، و حمل لأخيه بنيامين بعيرا باسمه كما حمل لهم، ثم امر بسقاية الملك- و هو الصواع- و زعموا انها كانت من فضه، فجعلت في رحل أخيه بنيامين، ثم امهلهم حتى إذا انطلقوا فأمعنوا من القرية، امر بهم فأدركوا و احتبسوا، ثم نادى مناد: «أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ‏»، قفوا و انتهى اليهم رسوله فقال لهم- فيما يذكرون-: ا لم نكرم ضيافتكم، و نوفكم كيلكم، و نحسن منزلكم، و نفعل بكم ما لم نفعل بغيركم، و أدخلناكم علينا في بيوتنا، و صار لنا عليكم حرمه! او كما قال لهم قالوا: بلى، و ما ذاك؟ قال: سقاية الملك فقدناها، و لا يتهموا عليها غيركم قالوا: «تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَ ما كُنَّا سارِقِينَ‏» و كان مجاهد يقول كانت العير حميرا.

حدثنى بذلك الحارث، قال: حدثنا عبد العزيز، قال: حدثنا سفيان، قال: أخبرني رجل، عن مجاهد: و كان فيما نادى به منادى يوسف: من‏ جاءَ بصواع الملك فله‏ حِمْلُ بَعِيرٍ من الطعام، وَ أَنَا بايفائه ذلك‏ زَعِيمٌ‏- يعنى كفيل- و انما قال القوم: «لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَ ما كُنَّا سارِقِينَ‏»، لانهم ردوا ثمن الطعام الذى كان كيل لهم المره الاولى في رحالهم فردوه الى يوسف، فقالوا: لو كنا سارقين لم نردد ذلك إليك- و قيل انهم كانوا معروفين بأنهم لا يتناولون ما ليس لهم، فلذلك قالوا ذلك- فقيل لهم: فما جزاء من كان سرق ذلك؟ فقالوا: جزاؤه في حكمنا بان يسلم لفعله ذلك الى من سرقه حتى يسترقه.

حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو، عن اسباط، عن السدى، قال: «قالُوا فَما جَزاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ‏

354

فَهُوَ جَزاؤُهُ‏» تأخذونه، فهو لكم فبدا يوسف باوعيه القوم قبل وعاء أخيه بنيامين، ففتشها ثم استخرجها من وعاء أخيه لأنه اخر تفتيشه.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذكر لنا انه كان لا ينظر في وعاء الا استغفر الله تأثما مما قرفهم به، حتى بقي اخوه- و كان اصغر القوم- قال: ما ارى هذا أخذ شيئا قالوا: بلى فاستبرئه، الا و قد علموا حيث وضعوا سقايتهم.

«ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ‏»، يعنى في حكم الملك، ملك مصر، و قضائه لأنه لم يكن من حكم ذلك الملك و قضائه ان يسترق السارق بما سرق، و لكنه اخذه بكيد الله له حتى اسلمه رفقاؤه و اخوته بحكمهم عليه و طيب انفسهم بالتسليم.

حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا شبابه، قال: حدثنا ورقاء، عن ابن ابى نجيح، عن مجاهد: قوله «ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ‏» الا بعلة كادها الله له، فاعتل بها يوسف، فقال اخوه يوسف حينئذ:

«إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ‏»- يعنون بذلك يوسف و قد قيل ان يوسف كان سرق صنما لجده ابى أمه، فكسره، فعيروه بذلك.

ذكر من قال ذلك:

حدثنى احمد بن عمرو البصرى، قال: حدثنا الفيض بن الفضل، قال: حدثنا مسعر، عن ابى حصين، عن سعيد بن جبير: «إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ‏»، قال: سرق يوسف صنما لجده ابى أمه فكسره و القاه في الطريق، فكان اخوته يعيبونه بذلك‏

355

و قد حدثنا ابو كريب، قال: حدثنا ابن ادريس، قال: سمعت ابى قال: كان بنو يعقوب على طعام، إذ نظر يوسف الى عرق فخباه فعيروه بذلك «إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ‏»، فاسر في نفسه يوسف حين سمع ذلك منهم، فقال: «أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ‏» به أخا بنيامين من الكذب، و لم يبد ذلك لهم قولا.

فحدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو، عن اسباط، عن السدى، قال: لما استخرجت السرقة من رحل الغلام انقطعت ظهورهم، و قالوا: يا بنى راحيل، ما يزال لنا منكم بلاء! متى أخذت هذا الصواع؟ فقال بنيامين: بل بنو راحيل الذين لا يزال لهم منكم بلاء، ذهبتم بأخي فاهلكتموه في البريه، وضع هذا الصواع في رحلي الذى وضع الدراهم في رحالكم فقالوا: لا تذكر الدراهم فتؤخذ بها فلما دخلوا على يوسف دعا بالصواع، فنقر فيه ثم ادناه من اذنه، ثم قال: ان صواعى هذا ليخبرني انكم كنتم اثنى عشر رجلا، و انكم انطلقتم باخ لكم فبعتموه فلما سمعها بنيامين قام فسجد ليوسف ثم قال: ايها الملك، سل صواعك هذا عن أخي اين هو؟ فنقره، ثم قال: هو حي، و سوف تراه قال: فاصنع بي ما شئت، فانه ان علم بي فسوف يستنقذني قال:

فدخل يوسف فبكى ثم توضأ، ثم خرج فقال بنيامين: ايها الملك، انى اريد ان تضرب صواعك هذا فيخبرك بالحق من الذى سرقه فجعله في رحلي فنقره، فقال: ان صواعى هذا غضبان، و هو يقول: كيف تسألني: من صاحبي؟

فقد رايت مع من كنت! قالوا: و كان بنو يعقوب إذا غضبوا لم يطاقوا، فغضب روبيل و قال: ايها الملك، و الله لتتركنا او لأصيحن صيحه لا تبقى بمصر حامل الا القت ما في بطنها، و قامت كل شعره في جسد روبيل، فخرجت من ثيابه فقال يوسف لابنه: قم الى جنب روبيل فمسه- و كان بنو يعقوب إذا غضب احدهم فمسه الآخر ذهب غضبه- فقال روبيل: من‏

356

هذا؟ ان في هذا البلد لبزرا من بزر يعقوب، فقال يوسف: من يعقوب؟

فغضب روبيل و قال: ايها الملك، لا تذكر يعقوب فانه إسرائيل الله بن ذبيح الله بن خليل الله قال يوسف: أنت اذن كنت صادقا.

قال: و لما احتبس يوسف أخاه بنيامين، فصار بحكم اخوته اولى به منهم، و رأوا انه لا سبيل لهم الى تخليصه صاروا الى مسألته تخليته ببذل منهم يعطونه اياه، فقالوا: «يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ‏» في افعالك فقال لهم يوسف: «مَعاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إِنَّا إِذاً لَظالِمُونَ‏» ان نأخذ بريئا بسقيم! فلما يئس اخوه يوسف من اجابه يوسف إياهم الى ما سألوا من اطلاق أخيه بنيامين و أخذ بعضهم مكانه، خلصوا نجيا لا يفترق منهم احد، و لا يختلط بهم غيرهم فقال كبيرهم:- و هو روبيل، و قد قيل انه شمعون-:

ا لم تعلموا ان أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله ان نأتيه بأخينا بنيامين الا ان يحاط بنا اجمعين! و من قبل هذه المره ما فرطتم في يوسف «فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ‏» التي انا بها «حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي» في الخروج منها و ترك أخي بنيامين بها «أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَ هُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ‏»- و قد قيل معنى ذلك: او يحكم الله لي بحرب من منعني من الانصراف بأخي- «ارْجِعُوا إِلى‏ أَبِيكُمْ فَقُولُوا يا أَبانا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ‏»، فاسلمناه بجريرته، «وَ ما شَهِدْنا إِلَّا بِما عَلِمْنا»، لان صواع الملك لم يوجد الا في رحله، «وَ ما كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ‏»، يعنون بذلك انا انما ضمنا لك ان نحفظه مما لنا الى حفظه‏

357

سبيل، و لم نكن نعلم انه يسرق فيسترق بسرقته و اسال اهل القرية التي كنا فيها فسرق ابنك فيها، و القافلة التي كنا فيها مقبلة من مصر معنا عن خبر ابنك، فإنك تخبر بحقيقة ذلك.

فلما رجعوا الى ابيهم فاخبروه خبر بنيامين، و تخلف روبيل قال لهم:

بل سولت لكم انفسكم امرا أردتموه، فصبر جميل لا جزع فيه على ما نالني من فقد ولدى، عسى الله ان يأتيني بهم جميعا بيوسف و أخيه و روبيل.

ثم اعرض عنهم يعقوب و قال: «يا أَسَفى‏ عَلى‏ يُوسُفَ‏» يقول الله عز و جل: «وَ ابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ‏»، مملوء من الحزن و الغيظ.

فقال له بنوه الذين انصرفوا اليه من مصر حين سمعوا قوله ذلك: تالله لا تزال تذكر يوسف فلا تفتر من حبه و ذكره حتى تكون دنف الجسم، مخبول العقل من حبه و ذكره، هرما باليا او تموت! فأجابهم يعقوب فقال: «إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَ حُزْنِي إِلَى اللَّهِ‏ لا إليكم»، وَ أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ‏ من صدق رؤيا يوسف، ان تأويلها كائن، و انى و أنتم سنسجد له.

و قد حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا حكام، عن عيسى بن يزيد، عن الحسن، قال: قيل: ما بلغ وجد يعقوب على ابنه؟ قال: وجد سبعين ثكلى، قال: فما كان له من الاجر؟ قال: اجر مائه شهيد، قال:

و ما ساء ظنه بالله ساعه قط من ليل و لا نهار.

و حدثنا ابن حميد مره اخرى، قال: حدثنا حكام، عن ابى معاذ، عن يونس، عن الحسن، عن النبي(ص)مثله.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، عن المبارك بن مجاهد، عن رجل من الأزد، عن طلحه بن مصرف اليامى، قال: انبئت ان يعقوب ابن إسحاق دخل عليه جار له فقال: يا يعقوب، ما لي أراك قد انهشمت‏

358

و فنيت و لم تبلغ من السن ما بلغ ابوك؟ قال: هشمنى و أفناني ما ابتلاني الله به من هم يوسف و ذكره فاوحى الله عز و جل اليه: يا يعقوب ا تشكوني الى خلقى! قال: يا رب خطيئة أخطأتها فاغفرها لي قال: فانى قد غفرت لك، فكان بعد ذلك إذا سئل قال: «إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَ حُزْنِي إِلَى اللَّهِ، وَ أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ‏» حدثنا عمرو بن عبد الحميد الاملى، قال: حدثنا ابو اسامه، عن هشام عن الحسن، قال: كان منذ خرج يوسف من عند يعقوب الى ان رجع ثمانون سنه لم يفارق الحزن قلبه، و لم يزل يبكى حتى ذهب بصره قال الحسن: و الله ما على الارض خليقة اكرم على الله من يعقوب.

ثم امر يعقوب بنيه الذين قدموا عليه من مصر بالرجوع إليها و تحسس الخبر عن يوسف و أخيه، فقال لهم: اذهبوا فتحسسوا من يوسف و أخيه و لا تيئسوا من روح الله يفرج به عنا و عنكم الغم الذى نحن فيه فرجعوا الى مصر فدخلوا على يوسف فقالوا له حين دخلوا عليه: «أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَ أَهْلَنَا الضُّرُّ وَ جِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَ تَصَدَّقْ عَلَيْنا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ‏» و كانت بضاعتهم المزجاة التي جاءوا بها معهم- فيما ذكر- دراهم رديه زيوفا لا تؤخذ الا بوضيعه و كان بعضهم يقول: كانت حلق الغرارة و الحبل و نحو ذلك و قال بعضهم: كانت سمنا و صوفا و قال بعضهم: كانت صنوبرا و حبه الخضراء و قال بعضهم: كانت قليله دون ما كانوا يشترون به قبل، فسألوا يوسف ان يتجاوز لهم و يوفيهم بذلك من كيل الطعام مثل الذى كان يعطيهم في المرتين قبل ذلك، و لا ينقصهم فقالوا له: «فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَ تَصَدَّقْ عَلَيْنا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ‏»

359

حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو، عن اسباط، عن السدى:

«وَ تَصَدَّقْ عَلَيْنا»، قال: بفضل ما بين الجياد و الردية و قد قيل: ان معنى ذلك: و تصدق علينا برد أخينا إلينا «إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ‏».

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، عن ابن إسحاق، قال:

ذكر انهم لما كلموه بهذا الكلام، غلبته نفسه فارفض دمعه باكيا، ثم باح لهم بالذي كان يكتم منهم، فقال: «هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَ أَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ‏» و لم يعن بذكر أخيه ما صنعه هو فيه حين اخذه، و لكن التفريق بينه و بين أخيه إذ صنعوا بيوسف ما صنعوا فلما قال لهم يوسف ذلك قالوا له: ها أنت يوسف! قال: «أَنَا يُوسُفُ وَ هذا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا بان جمع بيننا بعد تفريقكم بيننا، إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَ يَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ‏».

حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا عمرو، عن اسباط، عن السدى، قال: لما قال لهم يوسف: «أَنَا يُوسُفُ وَ هذا أَخِي‏ اعتذروا و قالوا: تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وَ إِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ‏» قال لهم يوسف: «لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَ هُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ‏» فلما عرفهم يوسف نفسه سألهم عن ابيه.

حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو، عن اسباط، عن السدى، قال:

قال يوسف: ما فعل ابى بعدي؟ قالوا: لما فاته بنيامين عمى من الحزن فقال:

«اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى‏ وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً وَ أْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ‏ وَ لَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ» عير بنى يعقوب، قال يعقوب:

360

«إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ‏».

فحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: حدثنى ابن شريح، عن ابى أيوب الهوزني، حدثه، قال: استأذنت الريح بان تأتي يعقوب بريح يوسف حين بعث بالقميص الى ابيه قبل ان يأتيه البشير، ففعلت، فقال يعقوب:

«إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْ لا أَنْ تُفَنِّدُونِ‏».

حدثنا ابو كريب، قال: حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن ابن سنان، عن ابن ابى الهذيل، عن ابن عباس في «وَ لَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ‏ قال: هاجت ريح فجاءت بريح يوسف من مسيره ثمان ليال، فقال: إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْ لا أَنْ تُفَنِّدُونِ‏».

حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال، حدثنا سعيد عن قتادة، عن الحسن، قال: ذكر لنا انه كان بينهما يومئذ ثمانون فرسخا، يوسف بأرض مصر و يعقوب بأرض كنعان، و قد اتى لذلك زمان طويل.

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا حجاج، عن ابن جريج قوله: «إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ‏» قال: بلغنا انه كان بينهم يومئذ ثمانون فرسخا، و قال: «إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ‏» و قد كان فارقه قبل ذلك سبعا و سبعين سنه و يعنى بقوله: «لَوْ لا أَنْ تُفَنِّدُونِ‏» لو لا ان تسفهوني فتنسبونى الى الهرم و ذهاب العقل فقال له من حضره من ولده حينئذ: تَاللَّهِ إِنَّكَ‏ من ذكر يوسف و حبه «لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ‏»- يعنون في خطئك القديم.

«فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ»- يعنى البريد الذى ابرده يوسف الى يعقوب- يبشر بحياه يوسف و خبره، و ذكر ان البشير كان يهوذا بن يعقوب.

حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو، عن اسباط، عن السدى، قال:

361

قال يوسف: «اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى‏ وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً وَ أْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ‏» قال يهوذا: انا ذهبت بالقميص ملطخا بالدم الى يعقوب فاخبرته ان يوسف اكله الذئب، و انا اذهب اليوم بالقميص فاخبره بانه حي، فاقر عينه كما احزنته، فهو كان البشير.

فلما ان جاء البشير يعقوب بقميص يوسف القاه على وجهه، فعاد بصيرا بعد العمى، فقال لأولاده: «أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ‏».

و ذلك انه كان قد علم- من صدق تاويل رؤيا يوسف التي رآها ان الأحد عشر كوكبا و الشمس و القمر ساجدون- ما لم يكونوا يعلمون فقالوا ليعقوب:

«يا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ‏ فقال لهم يعقوب: سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي‏» قيل: انه اخر الدعاء لهم الى السحر و قيل انه اخر ذلك الى ليله الجمعه.

حدثنا احمد بن الحسن الترمذى، قال: حدثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقى، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، قال: حدثنا ابن جريج، عن عطاء و عكرمه مولى ابن عباس، عن ابن عباس، قال: [قال رسول الله ص: قال يعقوب: «سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي‏»، يقول: حتى تأتي ليله الجمعه‏].

فلما دخل يعقوب و ولده و أهاليهم على يوسف آوى اليه ابويه، و كان دخولهم عليه قبل دخولهم مصر- فيما قيل- لان يوسف تلقاهم حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو، عن اسباط، عن السدى، قال: حملوا اليه أهليهم و عيالهم، فلما بلغوا مصر كلم يوسف الملك الذى فوقه فخرج هو و الملك يتلقونهم، فلما بلغوا مصر قال: «ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ‏».

فلما دخلوا على يوسف آوى اليه ابويه‏

362

حدثنى الحارث، قال: حدثنا عبد العزيز، قال: حدثنا جعفر بن سليمان، عن فرقد السبخى، قال: لما القى القميص على وجهه ارتد بصيرا، و قال: ائتونى باهلكم اجمعين، فحمل يعقوب و اخوه يوسف، فلما دنا يعقوب اخبر يوسف انه قد دنا منه، فخرج يتلقاه قال: و ركب معه اهل مصر- و كانوا يعظمونه- فلما دنا أحدهما من صاحبه- و كان يعقوب يمشى و هو يتوكأ على رجل من ولده، يقال له يهوذا- قال: فنظر يعقوب الى الخيل و الناس، فقال: يا يهوذا، هذا فرعون مصر، فقال: لا، هذا ابنك يوسف، قال: فلما دنا كل واحد منهما من صاحبه ذهب يوسف يبدؤه بالسلام، فمنع ذلك، و كان يعقوب أحق بذلك منه و افضل فقال: السلام عليك يا مذهب الأحزان، فلما ان دخلوا مصر رفع ابويه على السرير و أجلسهما عليه.

و قد اختلف في اللذين رفعهما يوسف على العرش، و أجلسهما عليه، فقال بعضهم: كان أحدهما أبوه يعقوب، و الآخر أمه راحيل و قال آخرون: بل كان الآخر خالته ليا و كانت أمه راحيل قد كانت ماتت قبل ذلك و خر له يعقوب و أمه و ولد يعقوب سجدا.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة:

«وَ خَرُّوا لَهُ سُجَّداً» قال: كانت تحيه الناس ان يسجد بعضهم لبعض، و قال يوسف لأبيه: «يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا»، يعنى بذلك: هذا السجود منكم، يدل على تاويل رؤياى التي رايتها من قبل، صنع اخوتى بي ما صنعوا، و تلك الكواكب الأحد عشر و الشمس و القمر «قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا» يقول: قد حقق الرؤيا بمجي‏ء تأويلها.

و قيل كان بين ان ارى يوسف رؤياه هذه و مجي‏ء تأويلها اربعون سنه.

ذكر بعض من قال ذلك:

363

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا معتمر، عن ابيه، قال:

حدثنا ابو عثمان، عن سلمان الفارسي، قال: كان بين رؤيا يوسف الى ان راى تأويلها اربعون سنه.

و قال بعضهم: كان بين ذلك ثمانون سنه.

ذكر بعض من قال ذلك:

حدثنا عمرو بن على، قال: حدثنا عبد الوهاب الثقفى، قال: حدثنا هشام، عن الحسن، قال: كان منذ فارق يوسف يعقوب الى ان التقيا ثمانون سنه، لم يفارق الحزن قلبه و دموعه تجرى على خديه، و ما على الارض يومئذ أحب الى الله عز و جل من يعقوب.

حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا داود بن مهران، قال: حدثنا عبد الواحد بن زياد، عن يونس، عن الحسن، قال: القى يوسف في الجب و هو ابن سبع عشره سنه، و كان بين ذلك و بين لقائه يعقوب ثمانون سنه، و عاش بعد ذلك ثلاثا و عشرين سنه، و مات و هو ابن عشرين و مائه سنه.

حدثنى الحارث، قال: حدثنا عبد العزيز، قال: حدثنا مبارك بن فضالة، عن الحسن، قال: القى يوسف في الجب، و هو ابن سبع عشره سنه، فغاب عن ابيه ثمانين سنه، ثم عاش بعد ما جمع الله شمله، و راى تاويل رؤياه ثلاثا و عشرين سنه، فمات و هو ابن عشرين و مائه سنه.

و قال بعض اهل الكتاب: دخل يوسف مصر و له سبع عشره سنه، فأقام في منزل العزيز ثلاث عشره سنه، فلما تمت له ثلاثون سنه استوزره فرعون ملك مصر، و اسمه الريان بن الوليد بن ثروان بن اراشه بن قاران بن عمرو بن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح، و ان هذا الملك آمن، ثم مات، ثم ملك بعده قابوس بن مصعب بن معاويه بن نمير بن السلواس بن قاران بن عمرو ابن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح و كان كافرا، فدعاه يوسف الى الايمان بالله فلم يستجب اليه، و ان يوسف اوصى الى أخيه يهوذا، و مات و قد أتت له مائه و عشرون سنه، و ان فراق يعقوب اياه كان اثنتين و عشرين سنه، و ان‏

364

مقام يعقوب معه بمصر كان بعد موافاته باهله سبع عشره سنه، و ان يعقوب لما حضرته الوفاة اوصى الى يوسف- و كان دخول يعقوب مصر في سبعين إنسانا من اهله و تقدم الى يوسف عند وفاته ان يحمل جسده حتى يدفنه بجنب ابيه إسحاق، ففعل يوسف ذلك به و مضى به حتى دفنه بالشام، ثم انصرف الى مصر، و اوصى يوسف ان يحمل جسده حتى يدفن الى جنب آبائه، فحمل موسى تابوت جسده عند خروجه من مصر معه.

و حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، عن ابن إسحاق، قال:

ذكر لي- و الله اعلم- ان غيبه يوسف عن يعقوب كانت ثماني عشره سنه.

قال: و اهل الكتاب يزعمون انها كانت اربعين سنه او نحوها، و ان يعقوب بقي مع يوسف بعد ان قدم عليه مصر سبع عشره سنه، ثم قبضه الله اليه قال:

و قبر يوسف- كما ذكر لي في- صندوق من مرمر في ناحيه من النيل في جوف الماء.

و قال بعضهم: عاش يوسف بعد موت ابيه ثلاثا و عشرين سنه، و مات و هو ابن مائه و عشرين سنه قال: و في التوراة انه عاش مائه سنه و عشر سنين.

و ولد ليوسف افراييم بن يوسف و منشا بن يوسف‏

3

، فولد لافراييم نون‏

3

، فولد لنون بن افراييم يوشع بن نون و هو فتى موسى‏

3

، و ولد لمنشا موسى بن منشا.

و قيل: ان موسى بن منشا نبى قبل موسى بن عمران.

و يزعم اهل التوراة انه الذى طلب الخضر

365

قصه الخضر و خبره و خبر موسى و فتاه يوشع (ع)

قال ابو جعفر: كان الخضر ممن كان في ايام افريدون الملك بن اثفيان في قول عامه اهل الكتاب الاول، و قبل موسى بن عمران (صلى الله عليه و سلم) و قيل انه كان على مقدمه ذي القرنين الاكبر، الذى كان ايام ابراهيم خليل الرحمن ص، و هو الذى قضى له ببئر السبع- و هي بئر كان ابراهيم احتفرها لماشيته في صحراء الأردن- و ان قوما من اهل الأردن ادعوا الارض التي كان احتفر بها ابراهيم بئره، فحاكمهم ابراهيم الى ذي القرنين الذى ذكر ان الخضر كان على مقدمته ايام سيره في البلاد، و انه بلغ مع ذي القرنين نهر الحياه، فشرب من مائه و هو لا يعلم، و لا يعلم به ذو القرنين و من معه، فخلد، فهو حي عندهم الى الان.

و زعم بعضهم انه من ولد من كان آمن بابراهيم خليل الرحمن، و اتبعه على دينه، و هاجر معه من ارض بابل حين هاجر ابراهيم منها و قال: اسمه بليا بن ملكان بن فالغ بن عابر بن شالخ بن ارفخشد بن سام بن نوح، قال:

و كان أبوه ملكا عظيما.

و قال آخرون: ذو القرنين الذى كان على عهد ابراهيم(ص)هو افريدون بن اثفيان، قال: و على مقدمته كان الخضر.

و قال عبد الله بن شوذب فيه، ما حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم المصرى قال: حدثنا محمد بن المتوكل، قال: حدثنا ضمره بن ربيعه، عن عبد الله بن شوذب، قال: الخضر من ولد فارس، و الياس من بنى إسرائيل، يلتقيان في كل عام بالموسم.

و قال ابن إسحاق فيه ما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، قال:

حدثنى ابن إسحاق، قال: بلغنى انه استخلف الله عز و جل في بنى إسرائيل‏

366

رجلا منهم، يقال له ناشيه بن اموص، فبعث الله عز و جل لهم الخضر نبيا.

قال: و اسم الخضر- فيما كان وهب بن منبه يزعم عن بنى إسرائيل- اورميا بن خلقيا، و كان من سبط هارون بن عمران و بين هذا الملك الذى ذكره ابن إسحاق و بين افريدون اكثر من الف عام.

و قول الذى قال: ان الخضر كان في ايام افريدون و ذي القرنين الاكبر و قبل موسى بن عمران اشبه بالحق الا ان يكون الأمر كما قاله من قال انه كان على مقدمه ذي القرنين صاحب ابراهيم، فشرب ماء الحياه، فلم يبعث في ايام ابراهيم(ص)نبيا، و بعث ايام ناشيه بن اموص، و ذلك ان ناشيه بن اموص الذى ذكر ابن إسحاق انه كان ملكا على بنى إسرائيل، كان في عهد بشتاسب بن لهراسب، و بين بشتاسب و بين افريدون من الدهور و الأزمان ما لا يجهله ذو علم بايام الناس و اخبارهم، و ساذكر مبلغ ذلك إذا انتهينا الى خبر بشتاسب ان شاء الله تعالى.

و انما قلنا: قول من قال: كان الخضر قبل موسى بن عمران(ص)اشبه بالحق من القول الذى قاله ابن إسحاق و حكاه عن وهب بن منبه، للخبر الذى روى عن رسول الله(ص)ابى بن كعب، ان صاحب موسى بن عمران- و هو العالم الذى امره الله تبارك تعالى بطلبه إذ ظن انه لا احد في الارض اعلم منه- هو الخضر، و رسول الله(ص)كان اعلم خلق الله بالكائن من الأمور الماضيه، و الكائن منها الذى لم يكن بعد.

و الذى روى ابى بن كعب في ذلك عنه(ص)ما حدثنا ابو كريب، قال: حدثنا يحيى بن آدم، قال: حدثنا سفيان بن عيينه، عن عمرو بن دينار، عن سعيد، قال: قلت لابن عباس: ان نوفا يزعم ان الخضر ليس‏

367

بصاحب موسى، فقال: كذب عدو الله، حدثنا ابى بن كعب عن [رسول الله(ص)قال: ان موسى قام في بنى إسرائيل خطيبا فقيل: اى الناس اعلم؟ فقال: انا، فعتب الله عليه حين لم يرد العلم اليه، فقال: بل عبد لي عند مجمع البحرين، فقال: يا رب، كيف به؟ قال: تأخذ حوتا فتجعله في مكتل فحيث تفقده فهو هناك قال: فاخذ حوتا فجعله في مكتل، ثم قال لفتاه: إذا فقدت هذا الحوت فأخبرني فانطلقا يمشيان على ساحل البحر حتى أتيا صخره، فرقد موسى فاضطرب الحوت في المكتل، فخرج فوقع في البحر، فامسك الله عنه جريه الماء فصار مثل الطاق، فصار للحوت سربا، و كان لهما عجبا ثم انطلقا، فلما كان حين الغداء قال موسى لفتاه: «آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً» قال: و لم يجد موسى النصب حتى جاوز حيث امره الله، قال: فقال: «أَ رَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَ ما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَ اتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً» قال: فقال: «ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلى‏ آثارِهِما قَصَصاً» قال: يقصان آثارهما قال: فأتيا الصخرة، فإذا رجل نائم مسجى بثوبه، فسلم عليه موسى فقال: و انى بأرضنا السلام! قال: انا موسى، قال: موسى بنى إسرائيل؟ قال: نعم، قال: يا موسى، انى على علم من علم الله، علمنيه الله لا تعلمه، و أنت على علم من علم الله علمكه الله لا اعلمه، قال: فانى اتبعك على ان تعلمني مما علمت رشدا.

«قالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْ‏ءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً».

فانطلقا يمشيان على الساحل، فإذا بملاح في سفينه، فعرف الخضر، فحمله‏

368

بغير نول، فجاء عصفور فوقع على حرفها فنقر- او فنقد- في الماء، فقال الخضر لموسى: ما ينقص علمي و علمك من علم الله الا مقدار ما نقر- او نقد- هذا العصفور من البحر].

قال ابو جعفر: انا اشك، و هو في كتابي هذا نقر قال: فبينما هم في السفينة لم يفجا موسى الا و هو يتد وتدا او ينزع تختا منها، فقال له موسى:

حملنا بغير نول و تخرقها لتغرق أهلها! «لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً قالَ أَ لَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ‏»- قال:

فكانت الاولى من موسى نسيانا- قال: ثم خرجا فانطلقا يمشيان، فابصرا غلاما يلعب مع الغلمان، فاخذ برأسه فقتله، فقال له موسى: «أَ قَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْ‏ءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً».

فانطلقا حتى إذا أتيا اهل قريه استطعما أهلها، فلم يجدا أحدا يطعمهم و لا يسقيهم، «فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ‏» بيده- قال: مسحه بيده- فقال له موسى: لم يضيفونا و لم ينزلونا، «لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً».

«قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَ بَيْنِكَ‏» قال: [فقال رسول الله ص: لوددت انه كان صبر حتى يقص علينا قصصهم‏].

حدثنى العباس بن الوليد، قال: أخبرني ابى قال: حدثنا الأوزاعي،

369

قال: حدثنى الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس: انه تمارى هو و الحر بن قيس بن حصن الفزارى في صاحب موسى، فقال ابن عباس: هو الخضر، فمر بهما ابى بن كعب، فدعاه ابن عباس فقال: انى تماريت انا و صاحبي هذا في صاحب موسى(ع)الذى سال السبيل الى لقائه، فهل سمعت رسول الله يذكر شانه؟ قال: [نعم انى سمعت رسول الله(ص)يقول: بينا موسى(ع)في ملا من بنى إسرائيل، إذ جاءه رجل فقال: تعلم مكان احد اعلم منك؟ قال موسى:

لا، فاوحى الله الى موسى: بلى عبدنا الخضر، فسال موسى السبيل الى لقائه، فجعل الله الحوت آيه، و قال له: إذا افتقدت الحوت فارجع فإنك ستلقاه، فكان موسى يتبع اثر الحوت، في البحر، فقال فتى موسى لموسى: «أَ رَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ‏»، قال موسى: «ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلى‏ آثارِهِما قَصَصاً»، فوجدا الخضر، فكان من شأنهما ما قص الله في كتابه‏].

حدثنى محمد بن مرزوق قال، حدثنا حجاج بن المنهال، قال: حدثنا عبد الله بن عمر النميرى، عن يونس بن يزيد، قال: سمعت الزهري يحدث قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس:

انه تمارى هو و الحر بن قيس بن حصن الفزارى في صاحب موسى، فذكر نحو حديث العباس عن ابيه.

حدثنا محمد بن سعد، قال: حدثنى ابى، قال: حدثنى‏

9

عمى‏

9

، قال:

حدثنى ابى، عن‏

9

ابيه، عن ابن عباس، قوله: «وَ إِذْ قالَ مُوسى‏ لِفَتاهُ‏

370

لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ‏» الآية، قال: لما ظهر موسى و قومه على مصر نزل قومه مصر، فلما استقرت بهم الدار، انزل الله عز و جل عليه: ان ذكرهم بايام الله فخطب قومه، فذكر ما آتاهم الله من الخير و النعمه، و ذكرهم إذ انجاهم الله من آل فرعون، و ذكرهم هلاك عدوهم، و ما استخلفهم الله في الارض، فقال: و كلم الله موسى نبيكم تكليما، و اصطفاني لنفسه، و انزل على محبه منه، و آتاكم الله من كل ما سالتموه، فنبيكم افضل اهل الارض و أنتم تقرءون التوراة فلم يترك نعمه أنعمها الله عليهم الا ذكرها و عرفها إياهم، فقال له رجل من بنى إسرائيل: هو كذلك يا نبى الله، و قد عرفنا الذى تقول، فهل على الارض احد اعلم منك يا نبى الله؟ قال: لا، فبعث الله عز و جل جبرئيل(ع)الى موسى(ع)فقال: ان الله تعالى يقول: و ما يدريك اين أضع علمي؟ بلى ان على شط البحر رجلا اعلم منك- قال ابن عباس: هو الخضر- فسال موسى ربه ان يريه اياه، فاوحى الله اليه ان ائت البحر، فإنك تجد على شط البحر حوتا فخذه فادفعه الى فتاك ثم الزم شط البحر، فإذا نسيت الحوت و هلك منك، فثم تجد العبد الصالح الذى تطلب.

فلما طال سفر موسى نبى الله(ص)و نصب فيه، سال فتاه عن الحوت، فقال له فتاه و هو غلامه: «أَ رَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَ ما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ‏» لك قال الفتى: لقد رايت الحوت حين اتخذ سبيله في البحر سربا فاعجب ذلك موسى فرجع حتى اتى الصخرة فوجد الحوت، فجعل الحوت يضرب في البحر و يتبعه موسى، و جعل موسى يقدم عصاه يفرج بها عنه الماء، يتبع الحوت، و جعل الحوت لا يمس شيئا من الماء الا يبس حتى يكون صخره، فجعل نبى الله(ص)يعجب من ذلك حتى انتهى به الحوت الى جزيرة من جزائر البحر، فلقى الخضر بها، فسلم‏

371

عليه، فقال الخضر: و عليك السلام، و انى يكون هذا السلام بهذه الارض! و من أنت؟ قال: انا موسى، فقال له: الخضر صاحب بنى إسرائيل؟

قال: نعم، فرحب به و قال: ما جاء بك؟ قال: جئت على ان تعلمني مما علمت رشدا، قال: «إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً»، يقول: لا تطيق ذلك، قال موسى: «سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً وَ لا أَعْصِي لَكَ أَمْراً».

قال: فانطلق به، و قال له: لا تسألني عن شي‏ء اصنعه حتى أبين لك شانه، فذلك قوله: «حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً» فركبا في السفينة يريدان ان يتعديا الى البر، فقام الخضر، فخرق السفينة فقال له موسى: «أَ خَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً» ثم ذكر بقية القصة حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا يعقوب القمي، عن هارون بن عنتره عن ابيه، عن ابن عباس قال: [سال موسى(ع)ربه عز و جل فقال:

اى رب، اى عبادك أحب إليك؟ قال: الذى يذكرني و لا ينساني، قال:

فأي عبادك اقضى؟ قال: الذى يقضى بالحق و لا يتبع الهوى، قال اى رب، اى عبادك اعلم؟ قال: الذى يبتغى علم الناس الى علمه، عسى ان يصيب كلمه تهديه الى هدى، او ترده عن ردى، قال: رب فهل في الارض احد- قال ابو جعفر اظنه قال: اعلم منى؟ قال: نعم، قال: رب، فمن هو؟ قال: الخضر، قال: و اين اطلبه؟ قال: على الساحل، عند الصخرة التي ينفلت عندها الحوت،] قال: فخرج موسى يطلبه حتى كان ما ذكره الله عز و جل و انتهى موسى اليه عند الصخرة، فسلم كل واحد منهما على صاحبه، فقال له موسى: انى اريد ان تستصحبنى، قال: لن تطيق‏

372

صحبتي، قال: بلى، قال: فان صحبتني «فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْ‏ءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها قالَ أَ خَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً قالَ أَ لَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَ لا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً.

فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ قالَ أَ قَتَلْتَ نَفْساً زاكية بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً»، الى قوله: «لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً».

قال: فكان قول موسى في الجدار لنفسه و لطلب شي‏ء من الدنيا، و كان قوله في السفينة و في الغلام لله عز و جل «قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَ بَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً»، فاخبره بما قال الله:

«أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ‏ الآية، وَ أَمَّا الْغُلامُ‏» الآية، «وَ أَمَّا الْجِدارُ» الآية قال: فسار به في البحر حتى انتهى به الى مجمع البحرين، و ليس في الارض مكان اكثر ماء منه، قال:

و بعث ربك الخطاف، فجعل يستقى منه بمنقاره، فقال لموسى: كم ترى هذا الخطاف رزا من هذا الماء؟ قال: ما اقل ما رزا! قال: يا موسى فان علمي و علمك في علم الله كقدر ما استقى هذا الخطاف من هذا الماء و كان موسى(ع)قد حدث نفسه انه ليس احد اعلم منه، او تكلم به، فمن ثم امر ان ياتى الخضر.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، قال: حدثنى محمد بن إسحاق، عن الحسن بن عماره، عن الحكم بن عتيبة، عن سعيد بن جبير، قال:

جلست عند ابن عباس و عنده نفر من اهل الكتاب، فقال بعضهم: يا أبا العباس ان نوفا ابن امراه كعب، ذكر عن كعب ان موسى النبي ع‏

373

الذى طلب العالم انما هو موسى بن منشا قال سعيد: فقال ابن عباس:

انوف يقول هذا؟ قال سعيد: فقلت له: نعم، انا سمعت نوفا يقول ذلك، قال: أنت سمعته يا سعيد؟ قال: قلت: نعم، قال: كذب نوف ثم قال ابن عباس: حدثنى ابى بن كعب عن رسول الله(ص)ان موسى بنى إسرائيل سال ربه تبارك و تعالى فقال: اى رب، ان كان في عبادك احد هو اعلم منى فادللني عليه، فقال له: نعم في عبادى من هو اعلم منك، ثم نعت له مكانه، و اذن له في لقائه، فخرج موسى(ع)و معه فتاه، و معه حوت مليح قد قيل له: إذا حيي هذا الحوت في مكان فصاحبك هنالك، و قد أدركت حاجتك فخرج موسى و معه فتاه، و معه ذلك الحوت يحملانه، فسار حتى جهده السير، و انتهى الى الصخرة و الى ذلك الماء و ذلك الماء، ماء الحياه، من شرب منه خلد، و لا يقاربه شي‏ء ميت الا أدركته الحياه و حيي فلما نزلا منزلا و مس الحوت الماء حيي، فاتخذ سبيله في البحر سربا، فانطلق فلما جاوزا بمنقله قال موسى لفتاه: «آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً» قال الفتى و ذكر: «أَ رَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَ ما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَ اتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً» قال ابن عباس:

و ظهر موسى على الصخرة حتى انتهيا اليه، فإذا رجل متلفف في كساء له، فسلم عليه موسى، فرد ع، ثم قال له: و من أنت؟ قال: انا موسى ابن عمران، قال: صاحب بنى إسرائيل؟ قال: نعم انا ذلك، قال: و ما جاء بك الى هذه الارض، ان لك في قومك لشغل! قال له موسى: جئتك لتعلمني مما علمت رشدا، قال: انك لن تستطيع معى صبرا، و كان رجلا يعمل على الغيب قد علم ذلك، فقال موسى: بلى، قال: «وَ كَيْفَ تَصْبِرُ عَلى‏ ما لَمْ تُحِطْ بِهِ‏

374

خُبْراً»، اى انما تعرف ظاهر ما ترى من العدل و لم تحط من علم الغيب بما اعلم «قالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً وَ لا أَعْصِي لَكَ أَمْراً» و ان رايت ما يخالفني.

قال: «فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْ‏ءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً»، اى فلا تسألني عن شي‏ء و ان انكرته حتى احدث لك منه ذكرا، اى خبرا.

فانطلقا يمشيان على ساحل البحر يتعرضان الناس، يلتمسان من يحملهما حتى مرت بهما سفينه جديده وثيقة، لم يمر بهما شي‏ء من السفن احسن و لا اجمل و لا اوثق منها، فسألا أهلها ان يحملوهما، فحملوهما، فلما اطمأنا فيها، و لججت بهما مع أهلها، اخرج منقارا له و مطرقه، ثم عمد الى ناحيه منها فضرب فيها بالمنقار حتى خرقها، ثم أخذ لوحا فطبقه عليها، ثم جلس عليها يرقعها، قال له موسى: فأي امر افظع من هذا! «أَ خَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً»! حملونا و آوونا الى سفينتهم، و ليس في البحر سفينه مثلها، فلم خرقتها! قال: «أَ لَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ‏»، اى بما تركت من عهدك «وَ لا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً» ثم خرجا من السفينة، فانطلقا حتى أتيا اهل قريه، فإذا غلمان يلعبون، فيهم غلام ليس في الغلمان غلام اظرف و لا اترف و لا أوضأ منه، فاخذ بيده، و أخذ حجرا فضرب به راسه حتى دمغه فقتله قال: فراى موسى امرا فظيعا لا صبر عليه، صبى صغير قتله بغير جناية و لا ذنب له! فقال: «أَ قَتَلْتَ نَفْساً زاكية بِغَيْرِ نَفْسٍ‏»، اى صغيره بغير نفس، «لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً. قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً. قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْ‏ءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً»، اى قد اعذرت في شأني «فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ‏»، فهدمه ثم قعد يبنيه،

375

فضجر موسى مما رآه يصنع من التكلف لما ليس عليه صبر، فقال: «لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً» اى قد استطعمناهم فلم يطعمونا، و استضفناهم فلم يضيفونا، ثم قعدت تعمل في غير صنيعه، و لو شئت لأعطيت عليه اجرا في عمله «قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَ بَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً. أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَ كانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ- و في قراءة ابى بن كعب:

كل سفينه صالحه- غَصْباً»، و انما عبتها لارده عنها، فسلمت منه حين راى العيب الذى صنعت بها «وَ أَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَ كُفْراً. فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَ أَقْرَبَ رُحْماً وَ أَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَ كانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَ كانَ أَبُوهُما صالِحاً»- الى- «ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً».

فكان ابن عباس يقول: ما كان الكنز الا علما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، قال: حدثنى محمد بن إسحاق، عن الحسن بن عماره، عن ابيه، عن عكرمه، قال: قيل لابن عباس: لم نسمع لفتى موسى بذكر من حديث و قد كان معه! فقال ابن عباس فيما يذكر من حديث الفتى، قال: شرب الفتى من ماء الخلد فخلد، فأخذه العالم فطابق به سفينه، ثم ارسله في البحر، فإنها لتموج به الى يوم القيامه، و ذلك انه لم يكن له ان يشرب منه فشرب.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، عن شعبه، عن قتادة، قوله:

«فَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيا حُوتَهُما»، ذكر لنا ان نبى الله موسى لما قطع البحر و انجاه الله من آل فرعون، جمع بنى إسرائيل فخطبهم فقال:

376

أنتم خير اهل الارض و اعلمهم قد اهلك الله عدوكم، و اقطعكم البحر و انزل عليكم التوراة، قال: فقيل له: ان هاهنا رجلا هو اعلم منك قال: فانطلق هو و فتاه يوشع بن نون يطلبانه، فتزودا مملوحه في مكتل لهما، و قيل لهما: إذا نسيتما ما معكما لقيتما رجلا عالما يقال له الخضر، فلما أتيا ذلك المكان، رد الله الى الحوت روحه فسرب له من الجد حتى افضى الى البحر، ثم سلك فجعل لا يسلك فيه طريقا الا صار ماء جامدا، قال: و مضى موسى و فتاه، يقول الله عز و جل: «فَلَمَّا جاوَزا قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً- الى قوله-: وَ عَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً»، فلقيا رجلا عالما يقال له الخضر، فذكر لنا ان نبى الله قال: انما سمى الخضر خضرا لأنه قعد على فروه بيضاء فاهتزت به خضراء.

فهذه الاخبار التي ذكرناها عن رسول الله(ص)و عن السلف من اهل العلم تنبئ عن ان الخضر كان قبل موسى و في ايامه، و يدل على خطا قول من قال: انه اورميا بن خلقيا، لان اورميا كان في ايام بختنصر، و بين عهدي موسى و بختنصر من المده ما لا يشكل قدرها على اهل العلم بايام الناس و اخبارهم، و انما قدمنا ذكره و ذكر خبره لأنه كان في عهد افريدون فيما قيل، و ان كان قد ادرك على هذه الاخبار التي ذكرت من امره و امر موسى و فتاه ايام منوشهر و ملكه، و ذلك ان موسى انما نبئ في عهد منوشهر، و كان ملك منوشهر بعد ما ملك جده افريدون، فكل ما ذكرنا من اخبار من ذكرنا اخباره من عهد ابراهيم الى الخبر عن الخضر ع، فان ذلك كله- فيما ذكر- كان في ملك بيوراسب و افريدون، و قد ذكرنا فيما مضى قبل اخبار اعمارهما و مبلغهما و مده كل واحد منهما.

و نرجع الان الى الخبر عن:

377

منوشهر و أسبابه و الحوادث الكائنة في زمانه‏

ثم ملك بعد افريدون بن اثفيان بركاو منوشهر، و هو من ولد ايرج بن افريدون.

و قد زعم بعضهم ان فارس سميت فارس بمنوشهر هذا، و هو منوشهر كيازيه- فيما يقول نسابه الفرس- بن منشخورنر بن منشخواربغ ابن ويرك بن سروشنك بن ابوك بن بتك بن فرزشك بن زشك ابن فركوزك بن كوزك بن ايرج بن افريدون بن اثفيان بركاو.

و قد ينطق بهذه الأسماء بخلاف هذه الألفاظ.

و قد يزعم بعض المجوس ان افريدون وطي‏ء ابنه لابنه ايرج، يقال لها كوشك، فولدت له جاريه يقال لها فركوشك، ثم وطي‏ء فركوشك هذه فولدت له جاريه يقال لها زوشك، ثم وطي‏ء زوشك هذه، فولدت له جاريه يقال لها فرزوشك، ثم وطي‏ء فرزوشك هذه فولدت له جاريه يقال لها بيتك‏

3

،

378

ثم وطي‏ء بيتك هذه فولدت له جاريه يقال لها ايرك‏

3

، ثم وطي‏ء ايرك فولدت له ايزك، ثم وطي‏ء ايزك فولدت له ويرك، ثم وطي‏ء ويرك فولدت له منشخرفاغ.

و يقول بعضهم: منشخواربغ و جاريه يقال لها: منشجرك‏

3

، و ان منشخرفاغ وطي‏ء منشجرك فولدت له منشخرنر، و جاريه يقال لها منشراروك، و ان منشخرنر وطي‏ء منشراروك فولدت له منوشهر.

فيقول بعضهم كان مولده بدنباوند.

و يقول بعض: كان مولده بالري، و ان منشخرنر و منشراروك لما ولد لهما منوشهر اسرا امره خوفا من طوج و سلم عليه، و ان منوشهر لما كبر صار الى جده افريدون، فلما دخل عليه توسم فيه الخير، و جعل له ما كان جعل لجده ايرج من المملكة، و توجه بتاجه.

و قد زعم بعض اهل الاخبار ان منوشهر هذا هو منوشهر بن منشخرنر ابن افريقيس بن إسحاق بن ابراهيم، و انه انتقل اليه الملك بعد افريدون و بعد ان مضى الف سنه و تسعمائة سنه و اثنتان و عشرون سنه، من عهد جيومرت، و استشهد لحقيقه ذلك بابيات لجرير بن عطية، و هو قوله.

و أبناء إسحاق الليوث إذا ارتدوا* * * حمائل موت لابسين السنورا

إذا انتسبوا عدوا الصبهبذ منهم* * * و كسرى و عدوا الهرمزان و قيصرا

و كان كتاب فيهم و نبوه* * * و كانوا بإصطخر الملوك و تسترا

379

فيجمعنا و الغر أبناء فارس* * * أب لا نبالى بعده من تاخرا

أبونا خليل الله، و الله ربنا* * * رضينا بما اعطى الإله و قدرا

و اما الفرس فإنها تنكر هذا النسب، و لا تعرف لها ملكا الا في اولاد افريدون، و لا تقر بالملك لغيرهم، و ترى ان داخلا ان كان دخل عليهم في ذلك من غيرهم في قديم الأيام قبل الاسلام، فانه دخل فيه بغير حق.

و حدثت عن هشام ابن محمد، قال: ملك طوج و سلم الارض بينهما بعد قتلهما اخاهما ايرج ثلاثمائة سنه، ثم ملك منوشهر بن ايرج بن افريدون مائه و عشرين سنه، ثم انه وثب به ابن لابن طوج التركى على راس ثمانين سنه فنفاه عن بلاد العراق ثنتى عشره سنه، ثم اديل منه منوشهر، فنفاه عن بلاده، و عاد الى ملكه، و ملك بعد ذلك ثمانيا و عشرين سنه.

قال: و كان منوشهر يوصف بالعدل و الاحسان، و هو أول من خندق الخنادق، و جمع آله الحرب، و أول من وضع الدهقنة فجعل لكل قريه دهقانا، و جعل أهلها له خولا و عبيدا، و البسهم لباس المذلة، و امرهم بطاعته.

قال: و يقال ان موسى النبي(ص)ظهر في سنه ستين من ملكه.

و ذكر غير هشام ان منوشهر لما ملك توج بتاج الملك و قال يوم ملك:

نحن مقوون مقاتلينا، و معدوهم للانتقام لاسلافنا، و دفع العدو عن بلادنا.

و انه سار نحو بلاد الترك طالبا بدم جده ايرج بن افريدون، فقتل طوج بن افريدون و أخاه سلما، و ادرك ثاره و انصرف، و ان فراسياب بن فشنج ابن رستم بن ترك- الذى تنسب اليه الاتراك، بن شهراسب و يقال: ابن‏

380

ارشسب بن طوج بن افريدون الملك و قد يقال لفشك فشنج بن زاشمين- حارب منوشهر، بعد ان مضى لقتله طوجا و سلما ستون سنه، و حاصره بطبرستان.

ثم ان منوشهر و فراسياب اصطلحا على ان يجعلا حد ما بين مملكتيهما منتهى رميه سهم رجل من اصحاب منوشهر يدعى ارشباطير- و ربما خفف اسمه بعضهم فيقول: ايرش- فحيث ما وقع سهمه من موضع رميته تلك مما يلى بلاد الترك فهو الحد بينهما لا يجاوز ذلك واحد منهما الى الناحية الاخرى و ان ارشباطير نزع بسهم في قوسه، ثم ارسله- و كان قد اعطى قوه و شده- فبلغت رميته من طبرستان الى نهر بلخ و وقع السهم هنالك، فصار نهر بلخ حد ما بين الترك و ولد طوج و ولد ايرج و عمل الفرس، فانقطع بذلك من رميه ارشباطير حروب ما بين فراسياب و منوشهر.

و ذكروا ان منوشهر اشتق من الصراة و دجلة و نهر بلخ أنهارا عظاما.

و قيل انه هو الذى كرا الفرات الاكبر، و امر الناس بحراثه الارض و عمارتها، و زاد في مهنه المقاتله الرمى، و جعل الرياسة في ذلك لارشباطير لرميته التي رماها و قالوا: ان منوشهر لما مضى من ملكه خمس و ثلاثون سنه تناولت الترك من اطراف رعيته، فوبخ قومه و قال لهم: ايها الناس، انكم لم تلدوا الناس كلهم، و انما الناس ناس ما عقلوا من انفسهم و دفعوا العدو عنهم، و قد نالت الترك من اطرافكم، و ليس ذلك الا من ترككم جهاد عدوكم، و قله المبالاة، و ان الله تبارك و تعالى أعطانا هذا الملك ليبلونا ا نشكر فيزيدنا، أم نكفر فيعاقبنا! و نحن اهل بيت عز و معدن الملك لله، فإذا كان غدا فاحضروا، قالوا: نعم و اعتذروا، فقال: انصرفوا، فلما كان من الغد ارسل الى اهل المملكة و اشراف‏

381

الأساورة، فدعاهم و ادخل الرؤساء من الناس، و دعا موبذ موبذان، فاقعد على كرسي مقابل سريره، ثم قام على سريره، و قام اشراف اهل بيت المملكة و اشراف الأساورة على ارجلهم، فقال: اجلسوا فانى انما قمت لاسمعكم كلامي فجلسوا فقال: ايها الناس، انما الخلق للخالق، و الشكر للمنعم، و التسليم للقادر، و لا بد مما هو كائن، و انه لا اضعف من مخلوق طالبا كان او مطلوبا، و لا اقوى من خالق، و لا اقدر ممن طلبته في يده، و لا اعجز ممن هو في يد طالبه، و ان التفكر نور، و الغفله ظلمه، و الجهاله ضلاله، و قد ورد الاول و لا بد للآخر من اللحاق بالأول، و قد مضت قبلنا اصول نحن فروعها، فما بقاء فرع بعد ذهاب اصله! و ان الله عز و جل أعطانا هذا الملك فله الحمد، و نسأله الهام الرشد و الصدق و اليقين، و ان للملك على اهل مملكته حقا، و لأهل مملكته عليه حقا، فحق الملك على اهل المملكة ان يطيعوه و يناصحوه و يقاتلوا عدوه، و حقهم على الملك ان يعطيهم أرزاقهم في أوقاتها، إذ لا معتمد لهم على غيرها، و انها تجارتهم و حق الرعية على الملك ان ينظر لهم، و يرفق بهم، و لا يحملهم على ما لا يطيقون، و ان أصابتهم مصيبه تنقص من ثمارهم من آفه من السماء او الارض ان يسقط عنهم خراج ما نقص، و ان اجتاحتهم مصيبه ان يعوضهم ما يقويهم على عماراتهم، ثم يأخذ منهم بعد ذلك على قدر ما لا يجحف بهم في سنه او سنتين، و امر الجند للملك بمنزله جناحي الطائر، فهم اجنحه الملك متى قص من الجناح ريشه كان ذلك نقصانا منه، فكذلك الملك انما هو بجناحه و ريشه الا و ان الملك ينبغى ان يكون فيه ثلاث خصال: أولها ان يكون صدوقا لا يكذب، و ان يكون سخيا لا يبخل، و ان يملك نفسه عند الغضب، فانه مسلط و يده مبسوطه، و الخراج يأتيه، فينبغي الا يستأثر عن جنده و رعيته بما هم اهل له، و ان يكثر العفو، فانه لا ملك ابقى من ملك فيه العفو، و لا اهلك من ملك فيه العقوبة الا

382

و ان المرء ان يخطئ في العفو فيعفو، خير من ان يخطئ في العقوبة فينبغي للملك ان يتثبت في الأمر الذى فيه قتل النفس و بوارها و إذا رفع اليه من عامل من عماله ما يستوجب به العقوبة فلا ينبغى له ان يحابيه، و ليجمع بينه و بين المتظلم، فان صح عليه للمظلوم حق خرج اليه منه، و ان عجز عنه ادى عنه الملك و رده الى موضعه، و اخذه بإصلاح ما افسد، فهذا لكم علينا.

الا و من سفك دما بغير حق، او قطع يدا بغير حق، فانى لا اعفو عن ذلك الا ان يعفو عنه صاحبه فخذوا هذا عنى و ان الترك قد طمعت فيكم فاكفونا، فإنما تكفون انفسكم، و قد امرت لكم بالسلاح و العده و انا شريككم في الرأي، و انما لي من هذا الملك اسمه مع الطاعة منكم الا و ان الملك ملك إذا اطيع، فإذا خولف فذلك مملوك ليس بملك و مهما بلغنا من الخلاف فانا لا نقبله من المبلغ له حتى نتيقنه، فإذا صحت معرفه ذلك و الا انزلناه منزله المخالف الا و ان اكمل الأداة عند المصيبات الأخذ بالصبر و الراحة الى اليقين، فمن قتل في مجاهده العدو رجوت له الفوز برضوان الله و افضل الأمور التسليم لامر الله و الراحة الى اليقين و الرضا بقضائه، و اين المهرب مما هو كائن! و انما يتقلب في كف الطالب، و انما هذه الدنيا سفر لأهلها لا يحلون عقد الرحال الا في غيرها، و انما بلغتهم فيها بالعوارى، فما احسن الشكر للمنعم و التسليم لمن القضاء له! و من أحق بالتسليم لمن فوقه ممن لا يجد مهربا الا اليه، و لا معولا الا عليه! فثقوا بالغلبة إذا كانت نياتكم ان النصر من الله، و كونوا على ثقه من درك الطلبه إذا صحت نياتكم و اعلموا ان هذا الملك لا يقوم الا بالاستقامة و حسن الطاعة و قمع العدو و سد الثغور و العدل للرعية و انصاف المظلوم، فشفاؤكم عندكم، و الدواء الذى لا داء فيه الاستقامة، و الأمر بالخير و النهى عن الشر، و لا قوه الا بالله انظروا للرعية فإنها مطعمكم و مشربكم، و متى عدلتم فيها رغبوا في العمارة، فزاد ذلك في خراجكم، و تبين في زياده أرزاقكم، و إذا خفتم على الرعية زهدوا في العمارة، و عطلوا اكثر الارض فنقص ذلك‏

383

من خراجكم، و تبين في نقص أرزاقكم، فتعاهدوا الرعية بالانصاف، و ما كان من الانهار و البثوق مما نفقه ذلك من السلطان فأسرعوا فيه قبل ان يكثر، و ما كان من ذلك على الرعية فعجزوا عنه فاقرضوهم من بيت مال الخراج، فإذا حان اوقات خراجهم، فخذوا من خراج غلاتهم على قدر ما لا يجحف ذلك بهم، ربع في كل سنه او ثلث او نصف، لكيلا يشق ذلك عليهم هذا قولي و امرى يا موبذ موبذان، الزم هذا القول، و خذ في هذا الذى سمعت في يومك، ا سمعتم ايها الناس! فقالوا: نعم، قد قلت فاحسنت، و نحن فاعلون ان شاء الله: ثم امر بالطعام فوضع فأكلوا و شربوا، ثم خرجوا و هم له شاكرون.

و كان ملكه مائه و عشرين سنه.

و قد زعم هشام بن الكلبى فيما حدثت عنه ان الرائش بن قيس بن صيفي ابن سبا بن يشجب بن يعرب بن قحطان كان من ملوك اليمن بعد يعرب بن قحطان بن عابر بن شالخ و اخوته، و ان الرائش كان ملكه باليمن ايام ملك منوشهر، و انه انما سمى الرائش- و اسمه الحارث بن ابى شدد- لغنيمه غنمها من قوم غزاهم فادخلها اليمن، فسمى لذلك الرائش، و انه غزا الهند فقتل بها و سبى و غنم الأموال، و رجع الى اليمن ثم سار منها، فخرج على جبلي طيّئ ثم على الأنبار، ثم على الموصل، و انه وجه منها خيله و عليها رجل من اصحابه، يقال له: شمر بن العطاف، فدخل على الترك ارض اذربيجان و هي في ايديهم يومئذ، فقتل المقاتله و سبى الذرية، و زبر ما كان من مسيره في حجرين، فهما معروفان ببلاد اذربيجان قال: و في ذلك يقول امرؤ القيس:

ا لم يخبرك ان الدهر غول* * * ختور العهد يلتقم الرجالا

384

أزال عن المصانع ذا رياش* * * و قد ملك السهوله و الجبالا

و انشب في المخالب ذا منار* * * و للزراد قد نصب الحبالا

قال: و ذو منار الذى ذكره الشاعر هو ذو منار بن رائش، الملك بعد ابيه، و اسمه أبرهة بن الرائش، قال: و انما سمى ذا منار لأنه غزا بلاد المغرب فوغل فيها برا و بحرا، و خاف على جيشه الضلال عند قفوله، فبنى المنار ليهتدوا بها.

قال: و يزعم اهل اليمن انه كان وجه ابنه العبد بن أبرهة في غزوته هذه الى ناحيه من أقاصي بلاد المغرب، فغنم و أصاب مالا و قدم عليه بنسناس لهم خلق وحشيه منكره، فذعر الناس منهم، فسموه ذا الاذعار.

قال: فابرهه احد ملوكهم الذين توغلوا في الارض، و انما ذكرت من ذكرت من ملوك اليمن في هذا الموضع لما ذكرت من قول من زعم ان الرائش كان ملكا باليمن ايام منوشهر، و ان ملوك اليمن كانوا عمالا لملوك فارس بها، و من قبلهم كانت ولايتهم بها

385

ذكر نسب موسى بن عمران و اخباره‏

و ما كان في عهده و عهد منوشهر بن منشخورنر الملك من الاحداث قد ذكرنا اولاد يعقوب إسرائيل الله و عددهم و موالدهم فحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، قال: ثم ان لاوى بن يعقوب نكح نابته ابنه مارى بن يشخر

3

، فولدت له عرشون بن لاوى و مرزى بن لاوى و مردى بن لاوى و قاهث ابن لاوى فنكح قاهث بن لاوى فاهى ابنه مسين بن بتويل بن الياس‏

3

. فولدت له يصهر بن قاهث فتزوج يصهر شميث ابنه بناديت بن بركيا ابن يقسان بن ابراهيم فولدت له عمران بن يصهر، و قارون بن يصهر

3

، فنكح عمران يحيب ابنه شمويل بن بركيا بن يقسان بن ابراهيم فولدت له هارون بن عمران و موسى بن عمران.

و قال غير ابن إسحاق: كان عمر يعقوب بن إسحاق مائه و سبعا و اربعين سنه، و ولد لاوى له، و قد مضى من عمره تسع و ثمانون سنه، و ولد للاوى قاهث بعد ان مضى من عمر لاوى ست و اربعون سنه، ثم ولد لقاهث يصهر، ثم ولد

3

ليصهر عمرم- و هو عمران- و كان عمر يصهر مائه و سبعا و اربعين سنه، و ولد

3

له عمران بعد ان مضى من عمره ستون سنه، ثم ولد لعمران موسى، و كانت أمه يوخابد- و قيل: كان اسمها باختة

3

- و امراته صفورا ابنه يترون، و هو

386

شعيب النبي (ص)

3

و ولد موسى جرشون و ايليعازر، و خرج الى مدين خائفا و له احدى و اربعون سنه، و كان يدعو الى دين ابراهيم، و تراءى الله بطور سيناء، و له ثمانون سنه.

و كان فرعون مصر في ايامه قابوس بن مصعب بن معاويه صاحب يوسف الثانى، و كانت امراته آسيه ابنه مزاحم بن عبيد بن الريان بن الوليد، فرعون يوسف الاول فلما نودى موسى اعلم ان قابوس بن مصعب قد مات، و قام اخوه الوليد بن مصعب مكانه، و كان اعتى من قابوس و اكفر و افجر، و امر بان يأتيه هو و اخوه هارون بالرسالة.

قال: و يقال ان الوليد تزوج آسيه ابنه مزاحم بعد أخيه و كان عمر عمران مائه سنه و سبعا و ثلاثين سنه، و ولد موسى و قد مضى من عمر عمران سبعون سنه، ثم صار موسى الى فرعون رسولا مع هارون، و كان من مولد موسى الى ان خرج ببني إسرائيل عن مصر ثمانون سنه، ثم صار الى التيه بعد ان عبر البحر، فكان مقامهم هنالك الى ان خرجوا مع يوشع بن نون اربعين سنه، فكان ما بين مولد موسى الى وفاته في التيه مائه و عشرين سنه.

و اما ابن إسحاق فانه قال فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، عن ابن إسحاق، قال: قبض الله يوسف، و هلك الملك الذى كان معه الريان بن الوليد، و توارثت الفراعنة من العماليق ملك مصر، فنشر الله بها بنى إسرائيل، و قبر يوسف حين قبض- كما ذكر لي- في صندوق من مرمر في ناحيه من النيل في جوف الماء، فلم يزل بنو إسرائيل تحت أيدي الفراعنة و هم على بقايا من دينهم مما كان يوسف و يعقوب و إسحاق و ابراهيم شرعوا فيهم‏

387

من الاسلام، متمسكين، به حتى كان فرعون موسى الذى بعثه الله اليه، و لم يكن منهم فرعون اعتى منه على الله و لا اعظم قولا و لا اطول عمرا في ملكه منه.

و كان اسمه- فيما ذكروا لي- الوليد بن مصعب، و لم يكن من الفراعنة فرعون أشد غلظه، و لا اقسى قلبا، و لا اسوا ملكه لبنى إسرائيل منه، يعذبهم فيجعلهم خدما و خولا، و صنفهم في اعماله، فصنف يبنون، و صنف يحرثون، و صنف يزرعون له، فهم في اعماله، و من لم يكن منهم في صنعه له من عمله فعليه الجزية، فسامهم كما قال الله: «سُوءَ الْعَذابِ*»، و فيهم مع ذلك بقايا من امر دينهم لا يريدون فراقه، و قد استنكح منهم امراه يقال لها آسيه ابنه مزاحم، من خيار النساء المعدودات، فعمر فيهم و هم تحت يديه عمرا طويلا يسومهم سوء العذاب، فلما اراد الله ان يفرج عنهم و بلغ موسى الأشد اعطى الرسالة.

قال: و ذكر لي انه لما تقارب زمان موسى اتى منجمو فرعون و حزاته اليه، فقالوا: تعلم انا نجد في علمنا ان مولودا من بنى إسرائيل قد اظلك زمانه الذى يولد فيه، يسلبك ملكك، و يغلبك على سلطانك، و يخرجك من أرضك، و يبدل دينك فلما قالوا له ذلك امر بقتل كل مولود يولد من بنى إسرائيل من الغلمان و امر بالنساء يستحيين، فجمع القوابل من نساء اهل مملكته فقال لهن: لا يسقطن على ايديكن غلام من بنى إسرائيل الا قتلتموه، فكن يفعلن ذلك، و كان يذبح من فوق ذلك من الغلمان، و يأمر بالحبالى فيعذبن حتى يطرحن ما في بطونهن.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن ابى نجيح، عن مجاهد، قال: لقد ذكر لي انه كان يأمر بالقصب فيشق حتى يجعل امثال الشفار، ثم يصف بعضه الى بعض، ثم ياتى بالحبالى من بنى إسرائيل فيوقفهن عليه فيحز اقدامهن، حتى ان المرأة منهن لتمصع بولدها فيقع بين رجليها، فتظل تطؤه تتقى به حز القصب عن رجليها، لما بلغ من جهدها، حتى اسرف في ذلك، و كاد يفنيهم، فقيل له: افنيت‏

388

الناس، و قطعت النسل، و انهم خولك و عمالك فامر ان يقتل الغلمان عاما و يستحيوا عاما، فولد هارون في السنه التي يستحيا فيها الغلمان، و ولد موسى في السنه التي فيها يقتلون، فكان هارون اكبر منه بسنه و اما السدى فانه قال ما حدثنا موسى بن هارون، قال: حدثنا اسباط، عن السدى في خبر ذكره عن ابى مالك و عن ابى صالح، عن ابن عباس- و عن مره الهمدانى عن ابن مسعود- و عن ناس من اصحاب رسول الله(ص)انه كان من شان فرعون انه راى رؤيا في منامه ان نارا اقبلت من بيت المقدس حتى اشتملت على بيوت مصر، فاحرقت القبط و تركت بنى إسرائيل، و اخربت بيوت مصر، فدعا السحره و الكهنه و القافه و الحازه، فسألهم عن رؤياه فقالوا له: يخرج من هذا البلد الذى جاء بنو إسرائيل منه- يعنون بيت المقدس- رجل يكون على وجهه هلاك مصر فامر ببني إسرائيل الا يولد لهم غلام الا ذبحوه، و لا يولد لهم جاريه الا تركت و قال للقبط:

انظروا مملوكيكم الذين يعملون خارجا فادخلوهم و اجعلوا بنى إسرائيل يلون تلك الاعمال القذره فجعل بنى إسرائيل في اعمال غلمانهم و ادخلوا غلمانهم.

فذلك حين يقول الله: «إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ‏» يقول: تجبر في الارض، «وَ جَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً»- يعنى بنى إسرائيل حين جعلهم في الاعمال القذره- «يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ‏»، فجعل لا يولد لبنى إسرائيل مولود الا ذبح، فلا يكبر الصغير، و قذف الله في مشيخه بنى إسرائيل الموت، فاسرع فيهم، فدخل رءوس القبط على فرعون فكلموه، فقالوا: ان هؤلاء القوم قد وقع فيهم الموت، فيوشك ان يقع العمل على غلماننا نذبح ابناءهم فلا يبلغ الصغار، و يفنى الكبار، فلو انك تبقى من أولادهم! فامر ان يذبحوا سنه و يتركوا سنه، فلما كان في السنه التي لا يذبحون فيها ولد هارون فترك، فلما كان في السنه التي يذبحون فيها حملت أم موسى بموسى فلما ارادت وضعه‏

389

حزنت من شانه، فاوحى الله إليها: «أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِ‏ و هو النيل، وَ لا تَخافِي وَ لا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَ جاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ‏» فلما وضعته ارضعته، ثم دعت له نجارا فجعل له تابوتا، و جعل مفتاح التابوت من داخل، و جعلته فيه و القته في اليم، «وَ قالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ‏» تعنى قصى اثره «فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ‏»، انها اخته فاقبل الموج بالتابوت يرفعه مره، و يخفضه اخرى، حتى ادخله بين اشجار عند بيت فرعون، فخرج جواري آسيه امراه فرعون يغتسلن، فوجدن التابوت فادخلنه الى آسيه، و ظننن ان فيه مالا، فلما نظرت اليه آسيه وقعت عليه رحمتها و احبته فلما اخبرت به فرعون اراد ان يذبحه، فلم تزل آسيه تكلمه حتى تركه لها، قال: انى اخاف ان يكون هذا من بنى إسرائيل، و ان يكون هذا الذى على يديه هلاكنا، فذلك قول الله تعالى: «فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَ حَزَناً» فأرادوا له المرضعات، فلم يأخذ من احد من النساء، و جعل النساء يطلبن ذلك لينزلن عند فرعون في الرضاع، فأبى ان يأخذ، فذلك قول الله: «وَ حَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقالَتْ‏» اخته «هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى‏ أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَ هُمْ لَهُ ناصِحُونَ‏»، فأخذوها، و قالوا: انك قد عرفت هذا الغلام فدلينا على اهله فقالت:

ما اعرفه، و لكنى انما قلت: هم للملك ناصحون.

و لما جاءت أمه أخذ منها ثديها فكادت ان تقول: هو ابنى! فعصمها

390

الله، فذلك قول الله: «إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْ لا أَنْ رَبَطْنا عَلى‏ قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ‏»، و انما سمى موسى لانهم وجدوه في ماء و شجر، و الماء بالقبطية مو و الشجر شا فذلك قول الله عز و جل:

«فَرَدَدْناهُ إِلى‏ أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَ لا تَحْزَنَ‏» فاتخذه فرعون ولدا فدعى ابن فرعون فلما تحرك الغلام ارته أمه آسيه صبيا، فبينما هي ترقصه و تلعب به إذ ناولته فرعون، و قالت: خذه قره عين لي و لك، قال فرعون:

هو قره عين لك و لا لي قال عبد الله بن عباس: لو انه قال: و هو لي قره عين إذا لآمن به، و لكنه ابى، فلما اخذه اليه أخذ موسى بلحيته فنتفها، فقال فرعون: على بالذباحين، هذا هو! قالت آسيه: «لا تَقْتُلُوهُ عَسى‏ أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً»، انما هو صبى لا يعقل، و انما صنع هذا من صباه، و قد علمت انه ليس في اهل مصر امراه احلى منى، انا أضع له حليا من الياقوت، و أضع له جمرا، فان أخذ الياقوت فهو يعقل فاذبحه، و ان أخذ الجمر فإنما هو صبى، فأخرجت له ياقوتها فوضعت له طستا من جمر، فجاء جبرئيل فطرح في يده جمره فطرحها موسى في فيه فاحرق لسانه، فهو الذى يقول الله عز و جل: «وَ احْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي‏» فزالت عن موسى من اجل ذلك و كبر موسى فكان يركب مراكب فرعون، و يلبس مثل ما يلبس، و كان انما يدعى موسى بن فرعون ثم ان فرعون ركب مركبا و ليس عنده موسى، فلما جاء موسى قيل له: ان فرعون قد ركب، فركب في اثره فادركه المقيل بأرض يقال لها منف، فدخلها نصف النهار،

391

و قد تعلقت أسواقها و ليس في طرقها احد و هو قول الله عز و جل: «وَ دَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى‏ حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ‏ يقول: هذا من بنى إسرائيل، وَ هذا مِنْ عَدُوِّهِ‏ يقول: من القبط فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى‏ فَقَضى‏ عَلَيْهِ قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ‏ قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ‏ فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً يَتَرَقَّبُ‏» خائفا ان يؤخذ، «فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ‏» يقول: يستغيثه «قالَ لَهُ مُوسى‏ إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ‏» ثم اقبل موسى لينصره فلما نظر الى موسى قد اقبل نحوه ليبطش بالرجل الذى يقاتل الاسرائيلى، قال الاسرائيلى- و فرق من موسى ان يبطش به من اجل انه اغلظ الكلام- يا موسى «أَ تُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ وَ ما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ‏».

فتركه و ذهب القبطى، فافشى عليه ان موسى هو الذى قتل الرجل، فطلبه فرعون و قال: خذوه فانه صاحبنا، و قال للذين يطلبونه: اطلبوه في بنيات الطريق، فان موسى غلام لا يهتدى الى الطريق، و أخذ موسى في بنيات الطريق و جاءه الرجل و اخبره «إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ‏ فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ‏» فلما أخذ موسى في بنيات الطريق جاءه ملك على فرس بيده عنزه، فلما رآه موسى سجد له من الفرق، فقال: لا تسجد لي، و لكن اتبعنى، فاتبعه فهداه نحو مدين، و قال موسى و هو متوجه نحو مدين:

«عَسى‏ رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ‏»، فانطلق به الملك حتى انتهى به الى مدين‏

392

حدثنى العباس بن الوليد، قال: حدثنا يزيد بن هارون قال:

حدثنا اصبغ بن زيد الجهنى، قال: حدثنا القاسم قال: حدثنى سعيد ابن جبير، قال: سالت عبد الله بن عباس عن قول الله موسى: «وَ فَتَنَّاكَ فُتُوناً»، فسألته عن الفتون ما هي؟ فقال لي: استأنف النهار يا بن جبير، فان لها حديثا طويلا، قال: فلما اصبحت غدوت على ابن عباس لانتجز منه ما وعدني قال: فقال ابن عباس: تذاكر فرعون و جلساؤه ما وعد الله ابراهيم من ان يجعل في ذريته أنبياء و ملوكا، فقال بعضهم: ان بنى إسرائيل لينتظرون ذلك ما يشكون، و لقد كانوا يظنون انه يوسف بن يعقوب، فلما هلك قالوا: ليس هكذا كان الله وعد ابراهيم، قال فرعون: فكيف ترون؟

قال: فائتمروا بينهم، و اجمعوا امرهم على ان يبعث رجالا معهم الشفار، يطوفون في بنى إسرائيل فلا يجدون مولودا ذكرا الا ذبحوه، فلما رأوا ان الكبار من بنى إسرائيل يموتون بآجالهم، و ان الصغار يذبحون قالوا: توشكون ان تفنوا بنى إسرائيل فتصيروا الى ان تباشروا من الاعمال و الخدمه التي كانوا يكفونكم، فاقتلوا عاما كل مولود ذكر، فيقل ابناؤهم، و دعوا عاما لا تقتلوا منهم أحدا، فيشب الصغار مكان من يموت من الكبار، فإنهم لن يكثروا بمن تستحيون منهم فتخافوا مكاثرتهم إياكم، و لن يقلوا بمن تقتلون فاجمعوا امرهم على ذلك فحملت أم موسى بهارون في العام الذى لا يذبح فيه الغلمان فولدته علانية آمنه حتى إذا كان العام المقبل حملت بموسى فوقع في قلبها الهم و الحزن- و ذلك من الفتون يا بن جبير- مما دخل عليه في بطن أمه مما يراد به، فاوحى الله إليها:

«الا تَخافِي وَ لا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَ جاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ‏» و امرها إذا ولدته ان تجعله في تابوت، ثم تلقيه في اليم فلما ولدته فعلت ما امرت به، حتى إذا توارى عنها ابنها أتاها ابليس، فقالت في نفسها: ما صنعت بابني؟

لو ذبح عندي فواريته و كفنته كان أحب الى من ان القيه بيدي الى حيتان‏

393

البحر و دوابه فانطلق به الماء حتى اوفى به عند فرضه مستقى جواري آل فرعون، فراينه فاخذنه، فهممن ان يفتحن التابوت، فقال بعضهن لبعض: ان في هذا مالا، و انا ان فتحناه لم تصدقنا امراه فرعون بما وجدنا فيه، فحملنه كهيئته لم يحركن منه شيئا حتى دفعنه إليها، فلما فتحته رات فيه الغلام، فالقى عليه منها محبه لم يلق مثلها منها على احد من الناس، «وَ أَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى‏ فارِغاً» من ذكر كل شي‏ء، الا من ذكر موسى.

فلما سمع الذباحون بامره أقبلوا الى امراه فرعون بشفارهم يريدون ان يذبحوه- و ذلك من الفتون يا بن جبير- فقالت: للذباحين: انصرفوا، فان هذا الواحد لا يزيد في بنى إسرائيل، فاتى فرعون فاستوهبه اياه، فان وهبه لي كنتم قد احسنتم و اجملتم، و ان امر بذبحه لم ألمكم فلما أتت به فرعون قالت: «قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَ لَكَ لا تَقْتُلُوهُ‏»، قال فرعون: يكون لك، فاما انا فلا حاجه لي فيه، [فقال رسول الله ص: و الذى يحلف به، لو اقر فرعون ان يكون له قره عين كما اقرت به لهداه الله به، كما هدى به امراته، و لكن الله حرمه ذلك‏].

فأرسلت الى من حولها من كل أنثى لها لبن لتختار له ظئرا، فجعل كلما أخذته امراه منهن لترضعه لم يقبل ثديها، حتى اشفقت امراه فرعون ان يمتنع من اللبن فيموت، فحزنها ذلك، فأمرت به فاخرج الى السوق،

394

مجمع الناس ترجو ان تصيب له ظئرا يأخذ منها، فلم يقبل من احد، و اصبحت أم موسى فقالت لأخته: قصيه و اطلبيه هل تسمعين له ذكرا! ا حي ابنى أم قد أكلته دواب البحر و حيتانه؟ و نسيت الذى كان الله وعدها، فبصرت به اخته عن جنب و هم لا يشعرون، فقالت من الفرح حين أعياهم الظئورات:

«هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى‏ أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَ هُمْ لَهُ ناصِحُونَ‏» فأخذوها فقالوا: و ما يدريك ما نصحهم له! هل تعرفينه؟ حتى شكوا في ذلك- و ذلك من الفتون يا بن جبير- فقالت: نصحهم له، و شفقتهم عليه، و رغبتهم في ظئوره الملك، و رجاء منفعته فتركوها، فانطلقت الى أمها فأخبرتها الخبر، فجاءت فلما وضعته في حجرها نزا الى ثديها حتى امتلا جنباه، فانطلق البشراء الى امراه فرعون يبشرونها ان قد وجدنا لابنك ظئرا، فأرسلت إليها فأتيت بها و به، فلما رات ما يصنع بها قالت: امكثى عندي ترضعين ابنى هذا فانى لم أحب حبه شيئا قط قال: فقالت: لا استطيع ان ادع بيتى و ولدى فيضيع، فان طابت نفسك ان تعطينيه فاذهب به الى بيتى، فيكون معى لا آلوه خيرا فعلت، و الا فانى غير تاركه بيتى و ولدى و ذكرت أم موسى ما كان الله وعدها، فتعاسرت على امراه فرعون، و ايقنت ان الله عز و جل منجز وعده، فرجعت بابنها الى بيتها من يومها، فانبته الله نباتا حسنا، و حفظه لما قضى فيه، فلم تزل بنو إسرائيل و هم مجتمعون في ناحيه المدينة يمتنعون به من الظلم و السخر التي كانت فيهم، فلما ترعرع قالت امراه فرعون لام موسى: اريد ان تريني موسى، فوعدتها يوما تريها اياه فيه، فقالت لحواضنها و ظئورها و قهارمتها: لا يبقين احد منكم الا استقبل ابنى بهديه و كرامة، ليرى ذلك، و انا باعثه امينه تحصى ما يصنع كل انسان منكم فلم تزل الهدية و الكرامه و التحف تستقبله‏

395

من حين خرج من بيت أمه الى ان دخل على امراه فرعون، فلما دخل عليها بجلته و اكرمته و فرحت به و أعجبها ما رات من حسن أثرها عليه، و قالت:

انطلقن به الى فرعون فليبجله و ليكرمه فلما دخلن به على فرعون وضعنه في حجره، فتناول موسى لحيه فرعون حتى مدها، فقال: عدو من أعداء الله! الا ترى ما وعد الله ابراهيم انه سيصرعك و يعلوك! فأرسل الى الذباحين ليذبحوه- و ذلك من الفتون يا بن جبير- بعد كل بلاء ابتلى به و اريد به فجاءت امراه فرعون تسعى الى فرعون فقالت: ما بدا لك في هذا الصبى الذى وهبته لي؟ قال:

الا ترينه يزعم انه سيصرعنى و يعلوني! فقالت: اجعل بيني و بينك امرا يعرف فيه الحق، ائت بجمرتين و لؤلؤتين فقربهن اليه، فان بطش باللؤلؤتين و اجتنب الجمرتين علمت انه يعقل، و ان تناول الجمرتين و لم يرد اللؤلؤتين فاعلم ان أحدا لا يؤثر الجمرتين على اللؤلؤتين و هو يعقل، فقرب ذلك اليه فتناول الجمرتين فنزعوهما منه مخافه ان تحرقا يده، فقالت المرأة: ا لا ترى! فصرفه الله عنه بعد ما كان قد هم به، و كان الله بالغا فيه امره، فلما بلغ اشده و كان من الرجال لم يكن احد من آل فرعون يخلص الى احد من بنى إسرائيل بظلم و لا سخره، حتى امتنعوا كل امتناع، فبينما هو يمشى ذات يوم في ناحيه المدينة إذا هو برجلين يقتتلان، أحدهما من بنى إسرائيل و الآخر من آل فرعون، فاستغاثه الاسرائيلى على الفرعوني، فغضب موسى و اشتد غضبه لأنه تناوله و هو يعلم منزله موسى من بنى إسرائيل و حفظه لهم، و لا يعلم الناس الا انما ذلك من قبل الرضاعه غير أم موسى، الا ان يكون الله عز و جل اطلع موسى من ذلك على ما لم يطلع عليه غيره، فوكز موسى الفرعوني فقتله، و ليس يراهما الا الله عز و جل و الاسرائيلى، فقال موسى حين قتل الرجل: «هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ‏

396

إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ‏»، ثم قال: «رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ‏» فاصبح في المدينة خائفا يترقب الاخبار، فاتى فرعون فقيل له: ان بنى إسرائيل قد قتلوا رجلا من آل فرعون فخذ لنا بحقنا، و لا ترخص لهم في ذلك، فقال: ابغوني قاتله، و من يشهد عليه، لأنه لا يستقيم ان نقضي بغير بينه و لا ثبت فطلبوا له ذلك، فبينما هم يطوفون لا يجدون بينه، إذ مر موسى من الغد، فراى ذلك الاسرائيلى يقاتل فرعونيا، فاستغاثه الاسرائيلى على الفرعوني، فصادف موسى و قد ندم على ما كان منه بالأمس، و كره الذى راى، فغضب موسى فمد يده و هو يريد ان يبطش بالفرعوني، فقال للاسرائيلى لما فعل بالأمس و اليوم: «إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ‏».

فنظر الاسرائيلى الى موسى بعد ما قال ما قال، فإذا هو غضبان كغضبه بالأمس الذى قتل فيه الفرعوني، فخاف ان يكون بعد ما قال له: «إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ‏»، ان يكون اياه اراد- و لم يكن اراده، و انما اراد الفرعوني- فخاف الاسرائيلى فحاجز الفرعوني، و قال: يا موسى «أَ تُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ‏»! و انما قال ذلك مخافه ان يكون اياه اراد موسى ليقتله، فتتاركا، فانطلق الفرعوني الى قومه فاخبرهم بما سمع من الاسرائيلى من الخبر، حين يقول: «أَ تُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ‏»! فأرسل فرعون الذباحين، و سلك موسى الطريق الأعظم و طلبوه و هم لا يخافون ان يفوتهم، و كان رجل من شيعه موسى من اقصى المدينة، فاختصر طريقا قريبا حتى سبقهم الى موسى، فاخبره الخبر، و ذلك من الفتون يا بن جبير.

ثم رجع الحديث الى حديث السدى قال: «فلما وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ

397

عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ‏» يقول: كثره من الناس يسقون.

و قد حدثنا ابو عمار المروزى، قال: حدثنا الفضل بن موسى، عن الاعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، قال: خرج موسى من مصر الى مدين، و بينهما مسيره ثمان ليال- قال: و كان يقال نحو من الكوفه الى البصره- و لم يكن له طعام الا ورق الشجر، فخرج حافيا، فما وصل إليها حتى وقع خف قدمه حدثنا ابو كريب، قال: حدثنا عثام، قال: حدثنا الاعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس بنحوه.

رجع الحديث الى حديث السدى «وَ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ‏» يقول: تحبسان غنمهما، فسألهما: «ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَ أَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ»، فرحمهما موسى فاتى البئر فاقتلع صخره على البئر، كان النفر من اهل مدين يجتمعون عليها حتى يرفعوها، فسقى لهما موسى دلوا فاروتا غنمهما، فرجعتا سريعا، و كانتا انما تسقيان من فضول الحياض، ثم تولى موسى الى ظل شجره من السمر فقال:

«رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ»، قال: قال ابن عباس:

لقد قال موسى، و لو شاء انسان ان ينظر الى خضره امعائه من شده الجوع ما يسال الله الا اكله.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا حكام بن سلم، عن عنبسة، عن ابى حصين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله عز و جل: «وَ لَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ‏»، قال: ورد الماء و انه ليتراءى خضره البقل في بطنه من‏

398

الهزال فقال: «رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ» قال: شبعه.

رجع الحديث الى حديث السدى فلما رجعت الجاريتان الى أبيهما سريعا، سألهما فأخبرتاه خبر موسى، فأرسل إحداهما فاتته «تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ و هي تستحيى منه، قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا» فقام معها، و قال لها: امضى، فمشت بين يديه، فضربتها الرياح فنظر الى عجيزتها، فقال لها موسى: امشى خلفي و دلينى على الطريق ان أخطأت، فلما اتى الشيخ «وَ قَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ. قالَتْ إِحْداهُما يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ‏».

و هي الجاريه التي دعته قال الشيخ: هذه القوه قد رايت حين اقتلع الصخرة، ا رايت أمانته ما يدريك ما هي؟ قالت: انى مشيت قدامه فلم يحب ان يخوننى في نفسي، و أمرني ان امشى خلفه، قال له الشيخ: «إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى‏ أَنْ تَأْجُرَنِي‏»- الى- «أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ‏»، اما ثمانيا و اما عشرا، «وَ اللَّهُ عَلى‏ ما نَقُولُ وَكِيلٌ‏».

قال ابن عباس: الجاريه التي دعته هي التي تزوج بها فامر احدى ابنتيه ان تأتيه بعصا فاتته بعصا، و كانت تلك العصا عصا استودعها اياه ملك في صوره رجل، فدفعها اليه فدخلت الجاريه فأخذت العصا فاتته بها، فلما رآها الشيخ قال لها: لا، ايتيه بغيرها، فألقتها، فأخذت تريد ان تأخذ غيرها فلا يقع في يدها الا هي، و جعل يرددها، فكل ذلك لا يخرج في يدها غيرها، فلما راى ذلك عمد إليها فأخرجها معه، فرعى بها ثم ان الشيخ قدم و قال:

كانت وديعة فخرج يتلقى موسى فلما لقيه قال: أعطني العصا، فقال موسى:

399

هي عصاي، فأبى ان يعطيه، فاختصما بينهما ثم تراضيا ان يجعلا بينهما أول رجل يلقاهما، فاتاهما ملك يمشى فقضى بينهما فقال: ضعاها في الارض فمن حملها فهى له، فعالجها الشيخ فلم يطقها، و أخذها موسى بيده فرفعها، فتركها له الشيخ، فرعى له عشر سنين.

قال عبد الله بن عباس: كان موسى أحق بالوفاء.

حدثنى احمد بن محمد الطوسى، قال: حدثنا الحميدى عبد الله ابن الزبير، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنى ابراهيم بن يحيى بن ابى يعقوب، عن الحكم بن ابان، عن عكرمه، عن ابن عباس، [ان رسول الله(ص)قال: سالت جبرئيل: اى الأجلين قضى موسى؟ قال: أتمهما و أكملهما].

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، قال: حدثنى ابن إسحاق، عن حكيم بن جبير، عن سعيد بن جبير، قال: قال لي يهودي بالكوفه- و انا اتجهز للحج-: انى أراك رجلا يتبع العلم، أخبرني اى الأجلين قضى موسى؟ قلت: لا اعلم و انا الان قادم على حبر العرب- يعنى ابن عباس- فساساله عن ذلك، فلما قدمت مكة سالت ابن عباس عن ذلك و اخبرته بقول اليهودي، فقال ابن عباس: قضى أكثرهما و أطيبهما، ان النبي إذا وعد لم يخلف قال سعيد: فقدمت العراق فلقيت اليهودي فاخبرته، فقال: صدق، و ما انزل الله على موسى هذا و الله العالم.

حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا يزيد، قال: أخبرنا الأصبغ بن زيد، عن القاسم بن ابى أيوب، عن سعيد بن جبير، قال: سألني رجل من اهل النصرانية: اى الأجلين قضى موسى؟ قلت: لا اعلم- و انا يومئذ لا اعلم- فلقيت ابن عباس، فذكرت له الذى سألني عنه النصراني، فقال: اما كنت تعلم ان ثمانيا واجبه عليه، لم يكن نبى لينقص منها شيئا، و تعلم ان الله كان قاضيا عن موسى عدته التي وعده، فانه قضى عشر سنين‏

400

حدثنا القاسم بن الحسن، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنى حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني وهب بن سليمان الذمارى، عن شعيب الجبائي‏

3

قال: اسم الجاريتين ليا و صفوره‏

3

، و امراه موسى صفوره ابنه يترون، كاهن مدين، و الكاهن حبر.

حدثنى ابو السائب، قال: حدثنا ابو معاويه، عن الاعمش، عن عمرو ابن مره، عن ابى عبيده، قال: كان الذى استاجر موسى يترون، ابن أخي شعيب النبي.

حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا العلاء بن عبد الجبار، عن حماد بن سلمه، عن ابى جمره، عن ابن عباس، قال: الذى استاجر موسى اسمه يثرى صاحب مدين.

حدثنى اسماعيل بن الهيثم ابو العاليه، قال: حدثنا ابو قتيبة، عن حماد ابن سلمه، عن ابى جمره، عن ابن عباس، قال: اسم ابى امراه موسى يثرى.

رجع الحديث الى حديث السدى «فَلَمَّا قَضى‏ مُوسَى الْأَجَلَ وَ سارَ بِأَهْلِهِ‏» فضل الطريق قال عبد الله بن عباس: كان في الشتاء، و رفعت له نار، فلما ظن انها نار- و كانت من نور الله- «قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ»، فان لم أجد خبرا اتيتكم منها بشهاب قبس، «لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ‏»- قال: من البرد- «فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ» «أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَ مَنْ حَوْلَها» فلما سمع موسى النداء فزع و قال: الحمد لله رب العالمين.

فنودي: «يا مُوسى‏ إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ‏» «وَ ما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى‏ قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَ أَهُشُّ بِها عَلى‏ غَنَمِي‏»، يقول‏

401

اضرب بها الورق، فيقع للغنم من الشجر «وَ لِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى‏»، يقول:

حوائج اخرى احمل عليها المزود و السقاء، فقال له: «أَلْقِها يا مُوسى‏ فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى‏» «فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَ لَمْ يُعَقِّبْ‏»، يقول: لم ينتظر فنودي: «يا مُوسى‏ لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ‏» «أَقْبِلْ وَ لا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ‏»، «وَ اضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ‏» العصا و اليد آيتان، فذلك حين يدعو موسى ربه، فقال: «رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ وَ أَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي‏»، يقول: كيما يصدقنى «إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ‏» قال: «وَ لَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ‏»- يعنى بالقتيل- «قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَ نَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً»- و السلطان الحجه- «فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِآياتِنا أَنْتُما وَ مَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ‏»، «فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ‏».

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه: «فَلَمَّا قَضى‏ مُوسَى الْأَجَلَ‏»، خرج- فيما ذكر لي ابن إسحاق، عن وهب بن منبه اليماني- فيما ذكر له- عنه، و معه غنم له، و معه زند له و عصاه في يده يهش بها على غنمه نهاره، فإذا امسى اقتدح بزنده نارا، فبات عليها هو و اهله و غنمه، فإذا اصبح غدا باهله و بغنمه يتوكأ على عصاه، و كانت- كما وصف لي عن وهب بن منبه- ذات شعبتين في راسها، و محجن في طرفها.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم من اصحابه، ان كعب الاحبار قدم مكة و بها عبد الله بن عمرو بن العاص،

402

فقال كعب: سلوه عن ثلاث، فان اخبركم فانه عالم، سلوه عن شي‏ء من الجنه وضعه الله للناس في الارض، و سلوه ما أول ما وضع في الارض؟ و ما أول شجره غرست في الارض؟ فسئل عبد الله عنها فقال: اما الشي‏ء الذى وضعه الله للناس في الارض من الجنه فهو هذا الركن الأسود، و اما أول ما وضع في الارض فبرهوت باليمن يرده هام الكفار، و اما أول شجره غرسها الله في الارض فالعوسجة التي اقتطع منها موسى عصاه فلما بلغ ذلك كعبا قال:

صدق الرجل، عالم و الله! قال: فلما كانت الليلة التي اراد الله بموسى كرامته، و ابتداه فيها بنبوته و كلامه، أخطأ فيها الطريق حتى لا يدرى اين يتوجه، فاخرج زنده ليقدح نارا لأهله ليبيتوا عليها حتى يصبح، و يعلم وجه سبيله، فاصلد عليه زنده فلا يورى له نارا، فقدح حتى إذا اعياه لاحت النار فرآها، «فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً‏»، بقبس تصطلون، و هدى: عن علم الطريق الذى اضللنا بنعت من خبير فخرج نحوها، فإذا هي في شجره من العليق و بعض اهل الكتاب يقول:

في عوسجة، فلما دنا استاخرت عنه، فلما راى استئخارها رجع عنها، و اوجس في نفسه منها خيفة، فلما اراد الرجعة دنت منه، ثم كلم من الشجرة، فلما سمع الصوت استانس، و قال الله: يا موسى «اخلع‏ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً‏» فالقاهما ثم قال: «ما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى‏ قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَ أَهُشُّ بِها عَلى‏ غَنَمِي وَ لِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى‏»، اى منافع اخرى، «قالَ أَلْقِها يا مُوسى‏ فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى‏» قد صار شعبتاها فمها و صار محجنها عرفا لها، في ظهر تهتز، لها أنياب، فهى كما شاء الله ان تكون فراى‏