تاريخ الأمم و الملوك‏‏‏ - ج1

- ابن جرير الطبري المزيد...
632 /
403

امرا فظيعا فولى مدبرا و لم يعقب، فناداه ربه: ان يا موسى اقبل و لا تخف، «سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى‏»، اى سيرتها عصا كما كانت قال: فلما اقبل قال: «خُذْها وَ لا تَخَفْ‏»، ادخل يدك في فمها، و على موسى جبه من صوف، فلف يده بكمه و هو لها هائب، فنودي ان الق كمك عن يدك، فالقاه عنها، ثم ادخل يده بين لحييها، فلما أدخلها قبض عليها فإذا هي عصاه في يده، و يده بين شعبتيها حيث كان يضعها، و محجنها بموضعه الذى كان لا ينكر منها شيئا ثم قيل: «أَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ» اى من غير برص- و كان موسى(ع)رجلا آدم اقنى جعدا طوالا- فادخل يده في جيبه ثم أخرجها بيضاء مثل الثلج، ثم ردها في جيبه، فخرجت كما كانت على لونه، ثم قال: «فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى‏ فِرْعَوْنَ وَ مَلَائِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ قالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ‏ وَ أَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي‏»، اى يبين لهم عنى ما اكلمهم به، فانه يفهم عنى ما لا يفهمون «قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَ نَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِآياتِنا أَنْتُما وَ مَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ‏».

رجع الحديث الى حديث السدى فاقبل موسى الى اهله فسار بهم نحو مصر حتى أتاها ليلا، فتضيف على أمه و هو لا يعرفهم، فأتاهم في ليله كانوا يأكلون فيها الطفيشل، فنزل في جانب الدار، فجاء هارون فلما ابصر ضيفه سال عنه أمه فاخبرته انه ضيف، فدعاه فأكل معه، فلما ان قعدا تحدثا، فسأله هارون: من أنت؟ قال: انا موسى، فقام كل واحد منهما الى صاحبه فاعتنقه، فلما ان تعارفا قال له موسى: يا هارون‏

404

انطلق معى الى فرعون، ان الله قد أرسلنا اليه، فقال هارون:

سمع و طاعه، فقامت أمهما فصاحت و قالت: أنشدكما الله الا تذهبا الى فرعون فيقتلكما فأبيا فانطلقا اليه ليلا، فأتيا الباب فضرباه ففزع فرعون، و فزع البواب، و قال فرعون: من هذا الذى يضرب بابى في هذه الساعة؟ فأشرف عليهما البواب، فكلمهما، فقال له موسى: «إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ» ففزع البواب فاتى فرعون فاخبره فقال: ان هاهنا إنسانا مجنونا يزعم انه رسول رب العالمين، قال: ادخله، فدخل فقال: انى رسول رب العالمين، ان ارسل معى بنى إسرائيل، فعرفه فرعون فقال: «أَ لَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً وَ لَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ‏ وَ فَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَ أَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ‏».

معنا على ديننا هذا الذى تعيب! «قالَ فَعَلْتُها إِذاً وَ أَنَا مِنَ الضَّالِّينَ فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً»- و الحكم النبوه- «وَ جَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ وَ تِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ‏» و ربيتني قبل وليدا! «قالَ فِرْعَوْنُ وَ ما رَبُّ الْعالَمِينَ‏» «فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى‏ قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى‏ كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى‏» يقول: اعطى كل دابه زوجها ثم هدى للنكاح، ثم قال له: «إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ‏»، و ذلك بعد ما قال له من الكلام ما ذكر الله تعالى قال موسى: «أَ وَ لَوْ جِئْتُكَ بِشَيْ‏ءٍ مُبِينٍ قالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ. فَأَلْقى‏ عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ‏»- و الثعبان الذكر من الحيات- فاتحه‏

405

فاها، واضعه لحيها الأسفل في الارض و الأعلى على سور القصر، ثم توجهت نحو فرعون لتاخذه، فلما رآها ذعر منها و وثب، فاحدث- و لم يكن يحدث قبل ذلك- و صاح: يا موسى خذها و انا أومن بك و ارسل معك بنى إسرائيل فأخذها موسى فعادت عصا ثم نزع يده و أخرجها من جيبه، فإذا هي بيضاء للناظرين فخرج موسى من عنده على ذلك، و ابى فرعون ان يؤمن به، او يرسل معه بنى إسرائيل، و قال لقومه: «يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى‏ إِلهِ مُوسى‏» فلما بنى له الصرح ارتقى فوقه، فامر بنشابه فرمى بها نحو السماء فردت اليه، و هي ملطخة دما، فقال: قد قتلت اله موسى.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: «فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ‏»، قال: كان أول من طبخ الاجر يبنى به الصرح.

و اما ابن إسحاق، فانه قال ما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، عن ابن إسحاق، قال: خرج موسى لما بعثه الله عز و جل حتى قدم مصر على فرعون هو و اخوه هارون، حتى وقفا على باب فرعون يلتمسان الاذن عليه، و هما يقولان: انا رسولا رب العالمين، فأذنوا بنا هذا الرجل فمكثا- فيما بلغنا- سنتين يغدوان على بابه، و يروحان لا يعلم بهما، و لا يجترئ احد على ان يخبره بشأنهما، حتى دخل عليه بطال له يلعبه و يضحكه، فقال له: ايها الملك، ان على الباب رجلا يقول قولا عجيبا، يزعم ان له إلها غيرك، قال:

ادخلوه، فدخل و معه هارون اخوه، و بيده عصاه، فلما وقف على فرعون قال له: انى رسول رب العالمين، فعرفه فرعون فقال: «أَ لَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً وَ لَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ وَ فَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَ أَنْتَ‏

406

مِنَ الْكافِرِينَ قالَ فَعَلْتُها إِذاً وَ أَنَا مِنَ الضَّالِّينَ‏» اى خطا لا اريد ذلك ثم اقبل عليه موسى ينكر عليه ما ذكر من يده عنده، فقال: «وَ تِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ‏»! اى اتخذتهم عبيدا تنزع ابناءهم من ايديهم، فتسترق من شئت، و تقتل من شئت انى انما صيرني الى بيتك و إليك ذلك «قالَ فِرْعَوْنُ وَ ما رَبُّ الْعالَمِينَ‏»، اى يستوصفه إلهه الذى ارسله اليه، اى ما الهك هذا! «قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ‏» من ملئه «أَ لا تَسْتَمِعُونَ‏» اى إنكارا لما قال: ليس له اله غيرى «قالَ رَبُّكُمْ وَ رَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ‏» الذى خلق آباءكم الأولين و خلفكم من آبائكم قال فرعون: «إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ‏»، اى ما هذا بكلام صحيح إذ يزعم ان لكم إلها غيرى، «قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ وَ ما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ‏» اى خالق المشرق و المغرب و ما بينهما من الخلق ان كنتم تعقلون «قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي‏» لتعبد غيرى و تترك عبادتي «لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ قالَ أَ وَ لَوْ جِئْتُكَ بِشَيْ‏ءٍ مُبِينٍ‏»، اى بما تعرف بها صدقى و كذبك و حقي و باطلك! «قالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ فَأَلْقى‏ عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ‏»، فملأت ما بين سماطي فرعون، فاتحه فاها، قد صار محجنها عرفا على ظهرها فارفض عنها الناس، و حال فرعون عن سريره ينشده بربه.

ثم ادخل يده في جيبه فأخرجها بيضاء مثل الثلج، ثم ردها كهيئتها، و ادخل موسى يده في جيبه فصارت عصا في يده، يده بين شعبتيها، و محجنها في أسفلها كما كانت، و أخذ فرعون بطنه، و كان فيما يزعمون يمكث الخمس و الست ما يلتمس المذهب- يريد الخلاء- كما يلتمسه الناس، و كان ذلك مما زين له ان‏

407

يقول ما يقول: انه ليس من الناس بشبه فحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، عن ابن إسحاق، قال:

حدثت عن وهب بن منبه اليماني، قال: فمشى بضعا و عشرين ليله، حتى كادت نفسه ان تخرج، ثم استمسك فقال لملئه: «إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ‏» اى ما ساحر اسحر منه، «يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَما ذا تَأْمُرُونَ‏» اقتله؟ فقال مؤمن من آل فرعون- العبد الصالح و كان اسمه فيما يزعمون حبرك: «أَ تَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَ قَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ‏» بعصاه و يده! ثم خوفهم عقاب الله و حذرهم ما أصاب الأمم قبلهم، و قال: «يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جاءَنا قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكُمْ إِلَّا ما أَرى‏ وَ ما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ» و قال الملا من قومه- و قد وهنهم من سلطان الله ما وهنهم:

«أَرْجِهْ وَ أَخاهُ وَ ابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ‏»، اى كاثره بالسحره لعلك ان تجد في السحره من جاء بمثل ما جاء به و قد كان موسى و هارون خرجا من عنده حين اراهم من سلطان الله ما اراهم، و بعث فرعون مكانه في مملكته، فلم يترك في سلطانه ساحرا الا اتى به، فذكر لي- و الله اعلم- انه جمع له خمسه عشر الف ساحر، فلما اجتمعوا اليه امرهم امره، فقال لهم: قد جاءنا ساحر ما رأينا مثله قط، و انكم ان غلبتموه اكرمتكم و فضلتكم و قربتكم على اهل مملكتي، قالوا: ان لنا ذلك عليك ان‏

408

غلبناه! قال: نعم، قالوا: فعد لنا موعدا نجتمع نحن و هو، فكان رءوس السحره الذين جمع فرعون لموسى: ساتور، و عادور، و حطحط، و مصفى، اربعه، و هم الذين آمنوا حين رأوا ما رأوا من سلطان الله، فآمنت السحره جميعا و قالوا لفرعون حين توعدهم القتل و الصلب: «لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى‏ ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَ الَّذِي فَطَرَنا فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ‏» فبعث فرعون الى موسى: ان اجعل «بَيْنَنا وَ بَيْنَكَ مَوْعِداً لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَ لا أَنْتَ مَكاناً سُوىً قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ»، يوم عيد كان فرعون يخرج اليه، «وَ أَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى‏»، حتى يحضروا امرى و امرك، فجمع فرعون الناس لذلك الجمع، ثم امر السحره فقال: «ائْتُوا صَفًّا وَ قَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى‏»، اى قد افلح من استعلى اليوم على صاحبه فصف خمسه عشر الف ساحر، مع كل ساحر حباله و عصيه، و خرج موسى و معه اخوه يتكئ على عصاه، حتى اتى الجمع و فرعون في مجلسه و معه اشراف اهل مملكته، و قد استكف له الناس، فقال موسى للسحرة حين جاءهم: «وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ وَ قَدْ خابَ مَنِ افْتَرى‏»، فتراد السحره بينهم، و قال بعضهم لبعض: ما هذا بقول ساحر، ثم قالوا و اشار بعضهم الى بعض بتناج: «إِنْ هذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِما وَ يَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى‏» ثم قالوا: «يا مُوسى‏ إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ‏

409

وَ إِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى‏ قالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذا حِبالُهُمْ وَ عِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى‏» فكان أول ما اختطفوا بسحرهم بصر موسى و بصر فرعون، ثم ابصار الناس بعد، ثم القى كل رجل منهم ما في يده من العصى و الحبال، فإذا هي حيات كأمثال الجبال، قد ملات الوادى يركب بعضها بعضا «فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى‏»، و قال: و الله ان كانت لعصيا في ايديهم، و لقد عادت حيات، و ما تعدو عصاي هذه- او كما حدث نفسه- فاوحى الله اليه: «وَ أَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ وَ لا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى‏» و فرج عن موسى فالقى عصاه من يده، فاستعرضت ما القوا من حبالهم و عصيهم- و هي حيات في عين فرعون و اعين الناس تسعى- فجعلت تلقفها، تبتلعها حيه حيه، حتى ما يرى في الوادى قليل و لا كثير مما القوا، ثم أخذها موسى فإذا هي عصاه في يده كما كانت، و وقع السحره سجدا «قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَ مُوسى‏»، لو كان هذا سحرا ما غلبنا قال لهم فرعون- و اسف و راى الغلبه البينه: «آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ»، اى لعظيم السحار الذى علمكم «فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ»- الى قوله- «فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ‏»، اى لن نؤثرك على الله و على ما جاءنا من الحجج مع نبيه فاقض ما أنت قاض، اى فاصنع ما بدا لك، «إِنَّما تَقْضِي هذِهِ‏

410

الْحَياةَ الدُّنْيا» التي ليس لك سلطان الا فيها، ثم لا سلطان لك بعدها، «إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَ ما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَ اللَّهُ خَيْرٌ وَ أَبْقى‏»، اى خير منك ثوابا، و ابقى عقابا فرجع عدو الله مغلوبا ملعونا ثم ابى الا الإقامة على الكفر، و التمادي في الشر، فتابع الله عليه بالآيات، و اخذه بالسنين، فأرسل عليه الطوفان.

رجع الحديث الى حديث السدى و اما السدى فانه قال في خبره: ذكر ان الآيات التي ابتلى الله بها قوم فرعون كانت قبل اجتماع موسى و السحره، و قال:

لما رجع اليه السهم ملطخا بالدم قال: قد قتلنا اله موسى ثم ان الله ارسل عليهم الطوفان- و هو المطر- فغرق كل شي‏ء لهم، فقالوا: يا موسى ادع لنا ربك يكشف عنا، و نحن نؤمن لك و نرسل معك بنى إسرائيل فكشفه الله عنهم، و نبتت زروعهم، فقالوا: ما يسرنا انا لم نمطر فبعث الله عليهم الجراد فأكل حروثهم، فسألوا موسى ان يدعو ربه فيكشفه و يؤمنوا به، فدعا فكشفه، و قد بقي من زروعهم بقية، فقالوا: لن نؤمن و قد بقي لنا من زروعنا بقية، فبعث الله عليهم الدبا- و هو القمل-، فلحس الارض كلها، و كان يدخل بين ثوب احدهم و بين جلده فيعضه، و كان احدهم يأكل الطعام فيمتلئ دبا حتى ان احدهم ليبنى الأسطوانة بالجص و الاجر، فيزلقها حتى لا يرتقى فوقها شي‏ء من الذباب، ثم يرفع فوقها الطعام، فإذا صعد اليه ليأكله وجده ملان دبا، فلم يصبهم بلاء كان أشد عليهم من الدبا، و هو الرجز الذى ذكره الله في القرآن انه وقع عليهم فسألوا موسى ان يدعو ربه فيكشفه عنهم و يؤمنوا به، فلما كشف عنهم أبوا ان يؤمنوا، فأرسل الله عليهم الدم، فكان الاسرائيلى‏

411

ياتى هو و القبطى فيستقيان من ماء واحد، فيخرج ماء هذا القبطى دما، و يخرج للاسرائيلى ماء فلما اشتد ذلك عليهم سألوا موسى ان يكشفه و يؤمنوا به فكشف ذلك عنهم، فأبوا ان يؤمنوا، فذلك حين يقول الله: «فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ‏» ما أعطوا من العهود، و هو حين يقول:

«وَ لَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ‏»- و هو الجوع- «وَ نَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ‏».

ثم ان الله عز و جل اوحى الى موسى و هارون ان: «قولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى‏»، فاتياه فقال له موسى: هل لك يا فرعون في ان أعطيك شبابك و لا تهرم، و ملكك لا ينزع منك، و يرد إليك لذة المناكح و المشارب و الركوب، فإذا مت دخلت الجنه؟ تؤمن بي! فوقعت في نفسه هذه الكلمات، و هي اللينه، فقال: كما أنت حتى ياتى هامان فلما جاء هامان قال له: اشعرت ان ذلك الرجل أتاني؟ قال: من هو؟- و كان قبل ذلك انما يسميه الساحر، فلما كان ذلك اليوم لم يسمه الساحر- قال فرعون: موسى، قال: و ما قال لك؟ قال: قال لي: كذا و كذا، قال هامان: و ما رددت عليه؟ قال: قلت: حتى ياتى هامان فاستشيره، فعجزه هامان و قال: قد كان ظني بك خيرا من هذا، تصير عبدا يعبد بعد ان كنت ربا يعبد! فذلك حين خرج عليهم فقال لقومه و جمعهم فقال: «أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى‏» و كان بين كلمته «ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي‏» و بين قوله:

412

«أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى‏» اربعون سنه و قال لقومه: «إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَما ذا تَأْمُرُونَ قالُوا أَرْجِهْ وَ أَخاهُ وَ ابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ‏» قال فرعون: «أَ جِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى‏ فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَ بَيْنَكَ مَوْعِداً لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَ لا أَنْتَ مَكاناً سُوىً‏»- يقول: عدلا، قال موسى: «مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَ أَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى‏»- و ذلك يوم عيد لهم- «فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتى‏» و ارسل فرعون في المدائن حاشرين، فحشروا عليه السحره، و حشروا الناس ينظرون، يقول: «هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كانُوا هُمُ الْغالِبِينَ‏»- الى قوله: «أَ إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ‏»- يقول: عطية تعطينا- «قالَ نَعَمْ وَ إِنَّكُمْ إِذاً لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ‏» فقال لهم موسى: «وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ‏»، يقول: يهلككم بعذاب «فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَ أَسَرُّوا النَّجْوى‏» من دون موسى و هارون، و قالوا في نجواهم: «إِنْ هذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِما وَ يَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى‏»، يقول: يذهبا باشراف قومكم.

فالتقى موسى و امير السحره، فقال له موسى: ا رايتك ان غلبتك ا تؤمن بي و تشهد ان ما جئت به حق؟ قال: نعم، قال الساحر: لاتين غدا بسحر لا يغلبه سحر، فو الله لئن غلبتني لاومنن بك، و لاشهدن انك على حق- و فرعون ينظر إليهما- و هو قول فرعون: «إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ»،

413

إذ التقيتما لتتظاهرا «لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها» فقالوا: «يا مُوسى‏ إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَ إِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ‏»، قال لهم موسى: القوا فألقوا حبالهم و عصيهم- و كانوا بضعه و ثلاثين الف رجل، ليس منهم رجل الا و معه حبل و عصا- «فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَ اسْتَرْهَبُوهُمْ‏» يقول: فرقوهم.

«فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى‏»، فاوحى الله اليه: الا تخف، «وَ أَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا» فالقى موسى عصاه فاكلت كل حيه لهم، فلما رأوا ذلك سجدوا، و قالوا: «آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ رَبِّ مُوسى‏ وَ هارُونَ*».

قال فرعون: «فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ‏» فقتلهم و قطعهم- كما قال عبد الله بن عباس- حين قالوا:

«رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَ تَوَفَّنا مُسْلِمِينَ‏» قال: كانوا في أول النهار سحره، و في آخر النهار شهداء.

ثم اقبل على بنى إسرائيل فقال له قومه: «أَ تَذَرُ مُوسى‏ وَ قَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَ يَذَرَكَ وَ آلِهَتَكَ‏»، و آلهته- فيما زعم ابن عباس- كانت البقر، كانوا إذا رأوا بقره حسناء امرهم ان يعبدوها، فلذلك اخرج لهم عجلا بقره.

ثم ان الله تعالى ذكره امر موسى ان يخرج ببني إسرائيل فقال: «أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي‏» ليلا «إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ‏» فامر موسى بنى إسرائيل ان يخرجوا، و امرهم‏

414

ان يستعيروا الحلى من القبط، و امر الا ينادى انسان صاحبه، و ان يسرجوا في بيوتهم حتى الصبح، و ان من خرج إذا قال: موسى، قال: عمرو و امر من خرج يلطخ بابه بكف من دم حتى يعلم انه قد خرج و ان الله اخرج كل ولد زنا في القبط من بنى إسرائيل الى بنى إسرائيل، و اخرج كل ولد زنا في بنى إسرائيل من القبط الى القبط، حتى أتوا آباءهم.

ثم خرج موسى ببني إسرائيل ليلا و القبط لا يعلمون، و قد دعوا قبل ذلك على القبط، فقال موسى: «رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَ مَلَأَهُ زِينَةً وَ أَمْوالًا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا» الى قوله: «حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ‏»، فقال الله تعالى: «قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما» فزعم السدى ان موسى هو الذى دعا و امن هارون، فذلك حين يقول الله: «قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما».

و قوله: «رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى‏ أَمْوالِهِمْ‏» فذكر ان طمس الأموال انه جعل دراهمهم و دنانيرهم حجارة، ثم قال لهما استقيما، فخرجا في قومهما، و القى على القبط الموت، فمات كل بكر رجل، فأصبحوا يدفنونهم، فشغلوا عن طلبهم حتى طلعت الشمس، فذلك حين يقول الله:

«فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ‏».

و كان موسى على ساقه بنى إسرائيل، و كان هارون امامهم يقدمهم، فقال المؤمن لموسى: يا نبى الله، اين امرت؟ قال: البحر، فاراد ان يقتحم فمنعه موسى و خرج موسى في ستمائه الف و عشرين الف مقاتل، لا يعدون ابن العشرين لصغره و لا ابن الستين لكبره، و انما عدوا ما بين ذلك سوى الذرية، و تبعهم فرعون، و على مقدمته هامان، في الف الف و سبعمائة الف حصان، ليس فيها ماذيانه، و ذلك حين يقول الله: «فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ وَ إِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ‏»- يعنى بنى إسرائيل- «وَ إِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ‏»، يقول: قد حذرنا فاجمعنا امرنا،

415

«فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ‏»، فنظرت بنو إسرائيل الى فرعون قد ردفهم، قالوا:

«إِنَّا لَمُدْرَكُونَ‏» قالوا: يا موسى، أوذينا من قبل ان تأتينا، كانوا يذبحون أبناءنا، و يستحيون نساءنا، و من بعد ما جئتنا اليوم يدركنا فرعون فيقتلنا! انا لمدركون، البحر من بين أيدينا و فرعون من خلفنا، قال موسى: «كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ‏»، يقول: سيكفينى، «قالَ عَسى‏ رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَ يَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ‏» فتقدم هارون فضرب البحر فأبى البحر ان ينفتح، و قال:

من هذا الجبار الذى يضربني! حتى أتاه موسى فكناه أبا خالد، و ضربه، «فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ‏»، يقول: كالجبل العظيم، فدخلت بنو إسرائيل، و كان في البحر اثنا عشر طريقا، في كل طريق سبط، و كان الطرق إذا انفلقت بجدران فقال كل سبط: قد قتل أصحابنا، فلما راى ذلك موسى دعا الله فجعلها لهم قناطر كهيئة الطيقان، فنظر آخرهم الى اولهم، حتى خرجوا جميعا، ثم دنا فرعون و اصحابه، فلما نظر فرعون الى البحر منفلقا قال: الا ترون البحر فرق منى، و قد تفتح لي حتى ادرك أعدائي فاقتلهم! فذلك قول الله: «وَ أَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ‏»، يقول: قربنا ثم الآخرين، هم آل فرعون.

فلما قام فرعون على افواه الطرق أبت خيله ان تقتحم، فنزل جبرئيل على ماذيانه، فشمت الحصن ريح الماذيانة فاقتحمت في أثرها حتى إذا هم اولهم ان يخرج و دخل آخرهم، امر البحر ان يأخذهم فالتطم عليهم،

416

و تفرد جبرئيل بفرعون بمقله من مقل البحر، فجعل يدسها في فيه، فقال حين ادركه الغرق: «آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَ أَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ‏»، فبعث الله اليه ميكائيل يعيره، قال: «آلْآنَ وَ قَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَ كُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ‏» فقال جبرئيل: يا محمد، ما ابغضت أحدا من الخلق ما ابغضت رجلين: اما أحدهما فمن الجن و هو ابليس حين ابى ان يسجد لادم، و اما الآخر فهو فرعون حين قال: «أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى‏»، و لو رأيتني يا محمد، و انا آخذ مقل البحر فادخله في فم فرعون مخافه ان يقول كلمه ي(رحمه الله) بها! و قالت بنو إسرائيل: لم يغرق فرعون، الان يدركنا فيقتلنا، فدعا الله موسى: فاخرج فرعون في ستمائه الف و عشرين ألفا، عليهم الحديد فأخذته بنو إسرائيل يمثلون به، و ذلك قول الله لفرعون: «فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً»، يقول: لبنى إسرائيل آيه فلما أرادوا ان يسيروا ضرب عليهم تيه، فلم يدروا اين يذهبون، فدعا موسى مشيخه بنى إسرائيل فسألهم: ما بالنا؟ فقالوا له: ان يوسف لما مات بمصر أخذ على اخوته عهدا الا تخرجوا من مصر حتى تخرجونى معكم، فذلك هذا الأمر، فسألهم: اين موضع قبره؟ فلم يعلموا، فقام موسى ينادى: انشد الله كل من كان يعلم اين موضع قبر يوسف الا أخبرني به، و من لم يعلم فصمت أذناه عن قولي! و كان يمر بين الرجلين ينادى فلا يسمعان صوته، حتى سمعته عجوز لهم فقالت:

ا رايتك ان دللتك على قبره ا تعطيني كل ما سألتك؟ فأبى عليها و قال: حتى اسال ربى، فأمره الله عز و جل ان يعطيها، فأتاها فأعطاها، فقالت: انى اريد الا تنزل غرفه من الجنه الا نزلتها معك، قال: نعم، قالت:

انى عجوز كبيره لا استطيع ان امشى فاحملني، فحملها، فلما دنا من النيل، قالت: انه في جوف الماء، فادع الله ان يحسر عنه الماء، فدعا الله فحسر الماء عن القبر، فقالت: احفره، ففعل فحمل عظامه، ففتح‏

417

لهم الطريق، فساروا، «فَأَتَوْا عَلى‏ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى‏ أَصْنامٍ لَهُمْ قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ‏»- يقول: مهلك ما هم فيه- «وَ باطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ‏» فاما ابن إسحاق، فانه قال- فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه عنه- فتابع الله عليه بالآيات- يعنى على فرعون- و اخذه بالسنين إذ ابى ان يؤمن بعد ما كان من امره و امر السحره ما كان، فأرسل عليه الطوفان، ثم الجراد، ثم القمل، ثم الضفادع، ثم الدم آيات مفصلات، اى آيه بعد آيه، يتبع بعضها بعضا، فأرسل الطوفان و هو الماء، ففاض على وجه الارض ثم ركد، لا يقدرون على ان يحرثوا، و لا يعملوا شيئا، حتى جهدوا جوعا فلما بلغهم ذلك قالوا: يا موسى ادع لنا ربك، «لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَ لَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ‏» فدعا موسى ربه فكشفه عنهم فلم يفوا له بشي‏ء مما قالوا، فأرسل الله عليهم الجراد فأكل الشجر- فيما بلغنى حتى انه كان ليأكل مسامير الأبواب من الحديد حتى تقع دورهم و مساكنهم، فقالوا مثل ما قالوا، فدعا ربه فكشفه عنهم فلم يفوا له بشي‏ء مما قالوا، فأرسل الله عليهم القمل فذكر لي ان موسى امر ان يمشى الى كثيب فيضربه بعصاه فمشى الى كثيب اهيل عظيم فضربه بها فانثال عليهم قملا حتى غلب على البيوت و الاطعمه، و منعهم النوم و القرار، فلما جهدهم قالوا له مثل ما قالوا، فدعا ربه فكشف عنهم فلم يفوا له بشي‏ء مما قالوا، فأرسل الله عليهم الضفادع، فملأت البيوت و الاطعمه و الانيه فلا يكشف احد منهم ثوبا و لا طعاما و لا إناء الا وجد فيه الضفادع قد غلبت عليه، فلما جهدهم ذلك قالوا له مثل ما قالوا، فدعا ربه فكشف عنهم فلم يفوا له بشي‏ء مما قالوا، فأرسل الله‏

418

عليهم الدم فصارت مياه آل فرعون دما، لا يستقون من بئر و لا نهر و لا يغترفون من إناء الا عادت دما عبيطا.

حدثنا محمد بن حميد، قال: حدثنا سلمه، قال: فحدثني محمد بن إسحاق، عن محمد بن كعب القرظى انه حدث ان المرأة من آل فرعون كانت تأتي المرأة من بنى إسرائيل حين جهدهم العطش، فتقول: اسقيني من مائك، فتغرف لها من جرتها او تصب لها من قربتها، فيعود في الإناء دما، حتى ان كانت لتقول لها: اجعليه في فيك ثم مجيه في في، فتأخذ في فيها ماء، فإذا مجته في فيها صار دما، فمكثوا في ذلك سبعه ايام، فقالوا: «ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَ لَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ‏» فلما كشف عنهم الرجز نكثوا و لم يفوا بشي‏ء مما قالوا، فامر الله موسى ان يسير، و اخبره انه منجيه و من معه، و مهلك فرعون و جنوده، و قد دعا موسى عليهم بالطمسه، فقال: «رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَ مَلَأَهُ زِينَةً وَ أَمْوالًا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ‏»- الى- «وَ لا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ‏» فمسخ الله أموالهم حجارة: النخل و الرقيق و الاطعمه، فكانت احدى الآيات التي اراهن الله فرعون.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، عن ابن إسحاق، عن بريده ابن سفيان بن فروه الأسلمي، عن محمد بن كعب القرظى، قال: سألني عمر بن عبد العزيز عن التسع الآيات التي اراهن الله فرعون، فقلت: الطوفان، و الجراد، و القمل، و الضفادع، و الدم، و عصاه، و يده، و الطمسة، و البحر.

فقال عمر: فانى عرفت ان الطمسة احداهن؟ قلت: دعا عليهم موسى و امن هارون، فمسخ الله أموالهم حجارة، فقال: كيف يكون الفقه الا هكذا! ثم‏

419

دعا بخريطة فيها أشياء مما كان اصيب لعبد العزيز بن مروان بمصر، إذ كان عليها من بقايا اموال آل فرعون، فاخرج البيضه مقشوره نصفين، و انها لحجر، و الجوزه مقشوره و انها لحجر، و الحمصة، و العدسة.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، عن محمد، عن رجل من اهل الشام كان بمصر، قال: قد رايت النخله مصروعه، و انها لحجر، و قد رايت إنسانا ما شككت انه انسان و انه لحجر، من رقيقهم، فيقول الله عز و جل:

«وَ لَقَدْ آتَيْنا مُوسى‏ تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ‏» الى قوله «مَثْبُوراً» يقول: شقيا.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، عن ابن إسحاق، عن يحيى بن عروه بن الزبير، عن ابيه، ان الله حين امر موسى بالمسير ببني إسرائيل امره ان يحتمل يوسف معه حتى يضعه بالأرض المقدسه، فسال موسى عمن يعرف موضع قبره، فما وجد الا عجوزا من بنى إسرائيل، فقالت: يا نبى الله، انا اعرف مكانه ان أنت اخرجتنى معك، و لم تخلفني بأرض مصر دللتك عليه قال: افعل، و قد كان موسى وعد بنى إسرائيل ان يسير بهم إذا طلع الفجر، فدعا ربه ان يؤخر طلوعه حتى يفرغ من امر يوسف، ففعل، فخرجت به العجوز حتى ارته اياه في ناحيه من النيل في الماء، فاستخرجه موسى صندوقا من مرمر، فاحتمله معه قال عروه: فمن ذلك تحمل اليهود موتاها من كل ارض الى الارض المقدسه.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، عن ابن إسحاق، قال: كان- فيما ذكر لي- ان موسى قال لبنى إسرائيل فيما امره الله به: استعيروا منهم الأمتعة و الحلى و الثياب فانى منفلكم أموالهم مع هلاكهم، فلما اذن فرعون في الناس كان مما يحرض به على بنى إسرائيل ان قال حين ساروا: لم يرضوا ان خرجوا بانفسهم حتى ذهبوا بأموالكم معهم‏

420

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، عن ابن إسحاق، عن محمد ابن كعب القرظى، عن عبد الله بن شداد بن الهاد، قال: لقد ذكر لي انه خرج فرعون في طلب موسى على سبعين ألفا من دهم الخيل سوى ما في جنده من شيات الخيل، و خرج موسى حتى إذا قابله البحر و لم يكن عنه منصرف طلع فرعون في جنده من خلفهم، «فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ قالَ أَصْحابُ مُوسى‏ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قالَ كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ‏»، اى للنجاة، و قد وعدني ذلك و لا خلف لموعوده.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، قال: حدثنا محمد بن إسحاق قال: فاوحى الله تبارك و تعالى- فيما ذكر لي- الى البحر: إذا ضربك موسى بعصاه فانفلق له، فبات البحر يضرب بعضه بعضا فرقا من الله و انتظارا لأمره، فاوحى الله عز و جل الى موسى: ان اضرب بعصاك البحر، فضربه بها و فيها سلطان الله الذى اعطاه، «فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ‏»، اى كالجبل على نشز من الارض يقول الله لموسى ع: «فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لا تَخافُ دَرَكاً وَ لا تَخْشى‏» فلما استقر له البحر على طريق قائمه يبس سلك فيه موسى ببني إسرائيل، و اتبعه فرعون بجنوده.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، قال: حدثنى محمد بن إسحاق، عن محمد بن كعب القرظى، عن عبد الله بن شداد بن الهاد الليثى، قال:

حدثت انه لما دخلت بنو إسرائيل فلم يبق منهم احد اقبل فرعون و هو على حصان له من الخيل، حتى وقف على شفير البحر و هو قائم على حاله، فهاب الحصان ان يتقدم، فعرض له جبرئيل على فرس أنثى وديق، فقربها منه‏

421

فشمها الفحل، و لما شمها قدمها، فتقدم معه الحصان عليه فرعون، فلما راى جند فرعون ان فرعون قد دخل دخلوا معه، و جبرئيل امامه، فهم يتبعون فرعون، و ميكائيل على فرس خلف القوم يشحذهم يقول: ألحقوا بصاحبكم، حتى إذا فصل جبرئيل من البحر ليس امامه احد و وقف ميكائيل على الناحية الاخرى ليس خلفه احد، طبق عليهم البحر، و نادى فرعون حين راى من سلطان الله و قدرته ما راى، و عرف ذله و خذلته نفسه، نادى: ان لا اله الا الذى آمنت به بنو إسرائيل، و انا من المسلمين.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا ابو داود البصرى، عن حماد بن سلمه، عن على بن زيد، عن يوسف بن مهران عن ابن عباس، قال: جاء جبرئيل الى النبي(ع)فقال: يا محمد، لقد رأيتني و انا أدس من حما البحر في فم فرعون مخافه ان تدركه الرحمه! يقول الله: «آلْآنَ وَ قَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَ كُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ‏»، اى سواء لم يذهب منك شي‏ء، «لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً» اى عبره و بينه فكان يقال:

لو لم يخرجه الله ببدنه حتى عرفوه لشك فيه بعض الناس.

و لما جاوز ببني إسرائيل البحر أتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم، «قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ وَ باطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ قالَ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً وَ هُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ‏» و وعد الله موسى حين اهلك فرعون و قومه و نجاه و قومه ثلاثين ليله.

رجع الحديث الى حديث السدى ثم ان جبرئيل اتى موسى يذهب به الى‏

422

الله عز و جل، فاقبل على فرس فرآه السامرى فانكره، و يقال: انه فرس الحياه، فقال حين رآه: ان لهذا لشأنا، فاخذ من تربه الحافر حافر الفرس، فانطلق موسى و استخلف هارون على بنى إسرائيل، و واعدهم ثلاثين ليله، و أتمها الله بعشر، فقال لهم هارون: يا قوم، ان الغنيمه لا تحل لكم، و ان حلى القبط انما هو غنيمه، فاجمعوها جميعا فاحفروا لها حفره فادفنوها فيها، فان جاء موسى فاحلها اخذتموها، و الا كان شيئا لم تاكلوه، فجمعوا ذلك الحلى في تلك الحفرة، و جاء السامرى بتلك القبضه فقذفها، فاخرج الله من الحلى عجلا جسدا له خوار، و عدت بنو إسرائيل موعد موسى، فعدوا الليلة يوما و اليوم يوما، فلما كان العشر خرج لهم العجل فلما راوه قال لهم السامرى: «هذا إِلهُكُمْ وَ إِلهُ مُوسى‏ فَنَسِيَ‏» يقول: ترك موسى إلهه هاهنا، و ذهب يطلبه فعكفوا عليه يعبدونه، و كان يخور و يمشى، فقال لهم هارون: «يا بنى إسرائيل‏ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ‏» يقول: انما ابتليتم به، يقول: بالعجل، «وَ إِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ فَاتَّبِعُونِي وَ أَطِيعُوا أَمْرِي‏»، فأقام هارون و من معه من بنى إسرائيل لا يقاتلونهم، و انطلق موسى الى إلهه يكلمه، فلما كلمه قال له: «وَ ما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى‏ قالَ هُمْ أُولاءِ عَلى‏ أَثَرِي وَ عَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى‏ قالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَ أَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُ‏» فلما اخبره خبرهم قال موسى: يا رب هذا السامرى امرهم ان يتخذوا العجل، ا رايت الروح من نفخها فيه؟ قال الرب: انا قال: رب أنت إذا اضللتهم.

ثم ان موسى لما كلمه ربه أحب ان ينظر اليه، «قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَ لكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ‏

423

فَسَوْفَ تَرانِي‏»، فحف حول الجبل الملائكة، و حف حول الملائكة بنار، و حف حول النار بملائكة، و حول الملائكة بنار، ثم تجلى ربه للجبل فحدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا اسباط، قال: حدثنى السدى، عن عكرمه، عن ابن عباس، انه قال:

تجلى منه مثل طرف الخنصر، فجعل الجبل دكا و خر موسى صعقا، فلم يزل صعقا ما شاء الله، ثم انه افاق فقال: «سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَ أَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ‏»، يعنى أول المؤمنين من بنى إسرائيل، فقال: «يا مُوسى‏ إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَ بِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَ كُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ وَ كَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ مَوْعِظَةً وَ تَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ» من الحلال و الحرام «فَخُذْها بِقُوَّةٍ»، يعنى بجد و اجتهاد «وَ أْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها» اى باحسن ما يجدون فيها فكان موسى بعد ذلك لا يستطيع احد ان ينظر في وجهه، و كان يلبس وجهه بحريرة، فاخذ الألواح ثم رجع الى قومه «غَضْبانَ أَسِفاً» يقول: حزينا «قالَ يا قَوْمِ أَ لَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً»- الى- «قالُوا ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا» يقولون: بطاقتنا، «وَ لكِنَّا حُمِّلْنا أَوْزاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ‏» يقول: من حلى القبط «فَقَذَفْناها فَكَذلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُ‏»، ذلك حين قال لهم هارون: احفروا لهذا الحلى حفره، و اطرحوه فيها، فطرحوه فقذف السامرى تربته، فالقى موسى الألواح و أخذ برأس أخيه يجره اليه، «قالَ يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَ لا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَ لَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي‏» فترك موسى هارون، و مال الى السامرى، فقال:

424

«فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُ‏»، قال السامرى: «بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ‏» الى: «فِي الْيَمِّ نَسْفاً» ثم اخذه فذبحه، ثم حرفه بالمبرد ثم ذراه في البحر، فلم يبق بحر يجرى الا وقع فيه شي‏ء منه، ثم قال لهم موسى:

اشربوا منه فشربوا، فمن كان يحبه خرج على شاربه الذهب، فذلك حين يقول: «وَ أُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ‏» فلما سقط في أيدي بنى إسرائيل حين جاء موسى «وَ رَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَ يَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ‏» فأبى الله ان يقبل توبه بنى إسرائيل الا بالحال التي كرهوا ان يقاتلوهم حين عبدوا العجل، فقال لهم موسى:

«يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى‏ بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ‏»، فاجتلد الذين عبدوه و الذين لم يعبدوه بالسيوف، فكان من قتل من الفريقين شهيدا، حتى كثر القتل حتى كادوا ان يهلكوا، حتى قتل بينهم سبعون ألفا، حتى دعا موسى و هارون: ربنا هلكت بنو إسرائيل! ربنا البقية البقية! فأمرهم ان يضعوا السلاح، و تاب عليهم، فكان من قتل كان شهيدا، و من بقي كان مكفرا عنه، فذلك قوله: «فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ‏».

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، قال: حدثنى محمد بن إسحاق، عن حكيم بن جبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كان السامرى رجلا من اهل باجرما، و كان من قوم يعبدون البقر، فكان حب عباده‏

425

البقر في نفسه، و كان قد اظهر الاسلام في بنى إسرائيل، فلما فصل هارون في بنى إسرائيل، و فصل موسى معهم الى ربه تبارك و تعالى قال لهم هارون:

انكم قد تحملتم أوزارا من زينه القوم آل فرعون، و امتعه و حليا، فتطهروا منها فإنها نجس، و اوقد لهم نارا، و قال: اقذفوا ما كان معكم من ذلك فيها، قالوا: نعم، فجعلوا يأتون بما كان فيهم من تلك الحلى و تلك الأمتعة فيقذفون به فيها، حتى إذا انكسرت الحلى فيها، راى السامرى اثر فرس جبرئيل، فاخذ ترابا من اثر حافره، ثم اقبل الى الحفرة فقال لهارون: يا نبى الله، القى ما في يدي؟ قال: نعم، و لا يظن هارون الا انه كبعض ما جاء به غيره من تلك الأمتعة و الحلى، فقذفه فيها، و قال: كن عجلا جسدا له خوار، فكان للبلاء و الفتنة، فقال: هذا إلهكم و اله موسى، فعكفوا عليه و احبوه حبا لم يحبوا مثله شيئا قط، فقال الله عز و جل: «فَنَسِيَ‏»، اى ترك ما كان عليه من الاسلام،- يعنى السامرى- «أَ فَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَ لا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَ لا نَفْعاً».

قال: و كان اسم السامرى موسى بن ظفر، وقع في ارض مصر، فدخل في بنى إسرائيل، فلما راى هارون ما وقعوا فيه قال: «يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ‏»- الى قوله- «حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى‏» فأقام هارون فيمن معه من المسلمين ممن لم يفتتن، و اقام من يعبد العجل على عباده العجل، و تخوف هارون ان سار بمن معه من المسلمين ان يقول له موسى: «فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَ لَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي‏»، و كان له هائبا مطيعا، و مضى موسى ببني إسرائيل الى الطور، و كان الله عز و جل وعد بنى إسرائيل حين انجاهم و اهلك عدوهم جانب الطور الأيمن، و كان موسى حين سار ببني إسرائيل‏

426

من البحر قد احتاجوا الى الماء، فاستسقى موسى لقومه، فامر ان يضرب بعصاه الحجر، فانفجرت منه اثنتا عشره عينا، لكل سبط عين يشربون منها قد عرفوها، فلما كلم الله موسى طمع في رؤيته، فسال ربه ان ينظر اليه، فقال له:

انك «لَنْ تَرانِي وَ لكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ‏» الى قوله: «وَ أَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ‏» ثم قال الله لموسى: «إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَ بِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ‏» الى قوله: «سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ‏» و قال له:

«وَ ما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى‏» الى قوله: «فَرَجَعَ مُوسى‏ إِلى‏ قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً»، و معه عهد الله في ألواحه.

و لما انتهى موسى الى قومه فراى ما هم فيه من عباده العجل القى الألواح من يده، و كانت- فيما يذكرون- من زبرجد اخضر، ثم أخذ برأس أخيه و لحيته و يقول: «ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلَّا تَتَّبِعَنِ‏» الى قوله: «وَ لَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي‏» فقال: «يا ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَ كادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ وَ لا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ‏»، فارعوى موسى و قال: «رَبِّ اغْفِرْ لِي وَ لِأَخِي وَ أَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ وَ أَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ‏».

و اقبل على قومه فقال: «يا قَوْمِ أَ لَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً» الى قوله:

«عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ» و اقبل على السامرى فقال: «فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ‏» الى قوله: «وَسِعَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ عِلْماً» ثم‏

427

أخذ الألواح، يقول الله: «أَخَذَ الْأَلْواحَ وَ فِي نُسْخَتِها هُدىً وَ رَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ‏».

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، عن ابن إسحاق، عن صدقه ابن يسار، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كان الله تعالى قد كتب لموسى فيها موعظه و تفصيلا لكل شي‏ء و هدى و رحمه، فلما ألقاها رفع الله سته أسباعها و ابقى سبعا، يقول الله عز و جل: «وَ فِي نُسْخَتِها هُدىً وَ رَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ‏»، ثم امر موسى بالعجل فاحرق، حتى رجع رمادا، ثم امر به فقذف في البحر.

قال ابن إسحاق: فسمعت بعض اهل العلم يقول: انما كان احرقه ثم سحله ثم ذراه في البحر و الله اعلم.

ثم اختار موسى منهم سبعين رجلا: الخير فالخير، و قال: انطلقوا الى الله فتوبوا اليه مما صنعتم و سلوه التوبة على من تركتم وراءكم من قومكم، صوموا و تطهروا و طهروا ثيابكم، فخرج بهم الى طور سيناء لميقات وقته له ربه، و كان لا يأتيه الا باذن منه و علم، فقال له السبعون- فيما ذكر لي- حين صنعوا ما امرهم به، و خرجوا معه للقاء ربه: اطلب لنا نسمع كلام ربنا، فقال: افعل، فلما دنا موسى من الجبل وقع عليه عمود الغمام حتى تغشى الجبل كله، و دنا موسى فدخل فيه، و قال للقوم: ادنوا، و كان موسى إذا كلمه وقع على جبهته نور ساطع لا يستطيع احد من بنى آدم ان ينظر اليه فضرب دونه بالحجاب، و دنا القوم حتى إذا دخلوا في الغمام وقعوا سجودا، فسمعوه و هو يكلم موسى يأمره و ينهاه: افعل و لا تفعل، فلما فرغ اليه من امره انكشف عن موسى الغمام، فاقبل اليهم فقالوا لموسى: «لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً»، «فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ*»، و هي الصاعقة، فانفلتت ارواحهم فماتوا جميعا،

428

و قام موسى يناشد ربه و يدعوه، و يرغب اليه و يقول: «رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَ إِيَّايَ‏» قد سفهوا، ا فتهلك من ورائي من بنى إسرائيل بما فعل السفهاء منا! ان هذا هلاك لهم اخترت منهم سبعين رجلا الخير فالخير، ارجع اليهم و ليس معى رجل واحد، فما الذى يصدقوننى به! فلم يزل موسى يناشد ربه، و يسأله و يطلب اليه حتى رد اليهم ارواحهم، و طلب اليه التوبة لبنى إسرائيل من عباده العجل، فقال: لا، الا ان يقتلوا انفسهم و قال: فبلغني انهم قالوا لموسى: نصبر لامر الله، فامر موسى من لم يكن عبد العجل ان يقتل من عبده، فجلسوا بالأفنية، و اصلت عليهم القوم السيوف، فجعلوا يقتلونهم، و بكى موسى و بهش اليه الصبيان و النساء يطلبون العفو عنهم، فتاب عليهم و عفا عنهم، و امر موسى ان يرفع عنهم السيف.

و اما السدى فانه ذكر في خبره الذى ذكرت اسناده قبل ان مصير موسى الى ربه بالسبعين الذين اختارهم من قومه بعد ما تاب الله على عبده العجل من قومه، و ذلك انه ذكر بعد القصة التي قد ذكرتها عنه بعد قوله: «إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ‏» قال: ثم ان الله امر موسى ان يأتيه في ناس من بنى إسرائيل يعتذرون اليه من عباده العجل، و وعدهم موعدا، فاختار موسى قومه سبعين رجلا على عينه، ثم ذهب بهم ليعتذروا، فلما أتوا ذلك المكان قالوا: «لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً»، فإنك قد كلمته فأرناه، فاخذتهم الصاعقة فماتوا، فقام موسى يبكى و يدعو الله و يقول: رب ما ذا اقول لبنى إسرائيل إذا أتيتهم و قد اهلكت خيارهم! رب لو شئت اهلكتهم من قبل و إياي، ا تهلكنا بما فعل السفهاء منا! فاوحى الله عز و جل الى موسى: ان هؤلاء السبعين ممن اتخذ العجل، فذلك حين يقول موسى: «إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَ تَهْدِي مَنْ تَشاءُ» الى قوله: «إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ‏»، يقول:

429

تبنا إليك، و ذلك قوله تعالى: «وَ إِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى‏ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ»، و الصاعقة نار ثم ان الله احياهم، فقاموا و عاشوا رجلا رجلا، ينظر بعضهم الى بعض: كيف يحيون؟ فقالوا:

يا موسى، أنت تدعو الله فلا تسأله شيئا الا أعطاك، فادعه يجعلنا أنبياء، فدعا الله فجعلهم أنبياء، فذلك قوله: «ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ‏»، و لكنه قدم حرفا و اخر حرفا.

ثم امرهم بالسير الى أريحا، و هي ارض بيت المقدس، فساروا حتى إذا كانوا قريبا منها بعث موسى اثنى عشر نقيبا من جميع اسباط بنى إسرائيل، فساروا يريدون ان يأتوه بخبر الجبارين، فلقيهم رجل من الجبارين يقال له عاج، فاخذ الاثنى عشر فجعلهم في حجزته و على راسه حمله حطب، فانطلق بهم الى امراته فقال: انظري الى هؤلاء القوم الذين يزعمون انهم يريدون ان يقاتلونا، فطرحهم بين يديها، فقال: الا اطحنهم برجلي! فقالت امراته:

لا، بل خل عنهم حتى يخبروا قومهم بما رأوا، ففعل ذلك، فلما خرج القوم قال بعضهم لبعض: يا قوم، انكم ان اخبرتم بنى إسرائيل بخبر القوم ارتدوا عن نبى الله، و لكن اكتموهم و أخبروا نبى الله، فيكونان هما يريان رأيهما، فاخذ بعضهم على بعض الميثاق بذلك ليكتموه، ثم رجعوا فانطلق عشره فنكثوا العهد، فجعل الرجل منهم يخبر أخاه و أباه بما رأوا من امر عاج، و كتم رجلان منهم، فاتوا موسى و هارون فاخبروهما الخبر، فذلك حين يقول الله: «وَ لَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَ بَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً» فقال لهم موسى: «يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَ جَعَلَكُمْ مُلُوكاً»، يملك الرجل منكم نفسه و اهله و ماله «يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ‏»، يقول: التي امركم الله بها

430

«وَ لا تَرْتَدُّوا عَلى‏ أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ قالُوا» مما سمعوا من العشرة: «إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ وَ إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا»، و هما اللذان كتما، و هما يوشع بن نون فتى موسى و كالوب بن يوفنه- و قيل: كلاب بن يوفنه ختن موسى- فقالا:

يا قوم «ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ‏» «قالُوا يا مُوسى‏ إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَ رَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ‏» فغضب موسى، فدعا عليهم، فقال: «رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَ أَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَ بَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ‏» و كانت عجله من موسى عجلها، فقال الله:

«فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ‏» فلما ضرب عليهم التيه، ندم موسى و أتاه قومه الذين كانوا معه يطيعونه، فقالوا له: ما صنعت بنا يا موسى؟ فلما ندم اوحى الله عز و جل اليه: الا تأس، اى لا تحزن على القوم الذين سميتهم فاسقين فلم يحزن، فقالوا: يا موسى، فكيف لنا بماء هاهنا؟ اين الطعام؟ فانزل الله عليهم المن و السلوى، فكان يسقط على الشجر الترنجبين و السلوى- و هو طير يشبه السمانى- فكان ياتى احدهم فينظر الى الطير، فان كان سمينا ذبحه و الا ارسله، فإذا سمن أتاه، فقالوا: هذا الطعام فأين الشراب؟ فامر موسى فضرب بعصاه الحجر فانفجرت منه اثنتا عشره عينا، يشرب كل سبط من عين فقالوا: هذا الطعام و الشراب، فأين الظل؟ فظلل الله عليهم الغمام، فقالوا: هذا الظل، فأين‏

431

اللباس؟ فكانت ثيابهم تطول معهم كما تطول الصبيان، و لا يتخرق لهم ثوب، فذلك قوله: «وَ ظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ وَ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَ السَّلْوى‏».

و قوله: «وَ إِذِ اسْتَسْقى‏ مُوسى‏ لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ‏»، فاجمعوا ذلك، فقالوا:

«يا مُوسى‏ لَنْ نَصْبِرَ عَلى‏ طَعامٍ واحِدٍ فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَ قِثَّائِها وَ فُومِها»- و هي الحنطة- «وَ عَدَسِها وَ بَصَلِها».

قال: «أَ تَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى‏ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْراً» من الأمصار، «فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ‏» فلما خرجوا من التيه رفع المن و السلوى، و أكلوا البقول، و التقى موسى و عاج فنزا موسى في السماء عشره اذرع، و كانت عصاه عشره اذرع، و كان طوله عشره اذرع، فأصاب كعب عاج فقتله.

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا مؤمل، قال: حدثنا سفيان، عن ابى إسحاق، عن نوف، قال: كان طول عوج ثمانمائه ذراع، و كان طول موسى عشره اذرع، و عصاه عشره اذرع، ثم وثب في السماء عشره اذرع، فضرب عوجا فأصاب كعبه فسقط ميتا، فكان جسرا للناس يمرون عليه.

حدثنا ابو كريب، قال حدثنا ابن عطية، قال: أخبرنا قيس، عن ابى إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كانت عصا موسى عشره اذرع، و وثبته عشره اذرع، و طوله عشره اذرع، فأصاب كعب عوج فقتله، فكان جسرا لأهل النيل و قيل ان عوج عاش ثلاثة آلاف سنه‏

432

ذكر وفاه موسى و هارون ابنى عمران (ع)

حدثنا موسى بن هارون الهمدانى، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال:

حدثنا اسباط، عن السدى في خبر ذكره عن ابى مالك و عن ابى صالح، عن ابن عباس- و عن مره الهمدانى عن عبد الله بن مسعود- و عن ناس من اصحاب النبي ص: ثم ان الله تبارك و تعالى اوحى الى موسى، انى متوف هارون، فات به جبل كذا و كذا فانطلق موسى و هارون نحو ذلك الجبل، فإذا هما بشجره لم ير مثلها، و إذا هما ببيت مبنى، و إذا هما فيه بسرير عليه فرش، و إذا فيه ريح طيبه، فلما نظر هارون الى ذلك الجبل و البيت و ما فيه اعجبه، فقال: يا موسى انى لاحب ان انام على هذا السرير، قال له موسى: فنم عليه، قال: انى اخاف ان ياتى رب هذا البيت فيغضب على، قال له موسى: لا ترهب انا اكفيك رب هذا البيت فنم، قال:

يا موسى بل نم معى، فان جاء رب البيت غضب على و عليك جميعا، فلما ناما أخذ هارون الموت، فلما وجد حسه قال: يا موسى خدعتني، فلما قبض رفع ذلك البيت و ذهبت تلك الشجرة و رفع السرير الى السماء، فلما رجع موسى الى بنى إسرائيل، و ليس معه هارون قالوا: فان موسى قتل هارون و حسده لحب بنى إسرائيل له، و كان هارون اكف عنهم و الين لهم من موسى، و كان في موسى بعض الغلظ عليهم، فلما بلغه ذلك قال لهم: ويحكم! كان أخي، ا فتروننى اقتله! فلما أكثروا عليه قام فصلى ركعتين ثم دعا الله فنزل بالسرير حتى نظروا اليه بين السماء و الارض فصدقوه ثم ان موسى بينما هو يمشى و يوشع فتاه إذا اقبلت ريح سوداء، فلما نظر إليها يوشع ظن انها الساعة و التزم موسى، و قال: تقوم الساعة و انا ملتزم موسى نبى الله، فاستل موسى من تحت القميص و ترك القميص في يد يوشع، فلما جاء يوشع بالقميص أخذته بنو إسرائيل، و قالوا: قتلت نبى الله! قال: لا و الله ما قتلته، و لكنه استل منى، فلم يصدقوه و أرادوا قتله قال: فإذا لم تصدقوني فاخرونى ثلاثة ايام، فدعا الله فاتى كل‏

433

رجل ممن كان يحرسه في المنام، فاخبر ان يوشع لم يقتل موسى، و انا قد رفعناه إلينا، فتركوه و لم يبق احد ممن ابى ان يدخل قريه الجبارين مع موسى الا مات، و لم يشهد الفتح.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، عن ابن إسحاق، قال: كان صفى الله قد كره الموت و اعظمه، فلما كرهه اراد الله تعالى ان يجب اليه الموت و يكره اليه الحياه، فحولت النبوه الى يوشع بن نون، فكان يغدو عليه و يروح، فيقول له موسى: يا نبى الله، ما احدث الله إليك؟ فيقول له يوشع بن نون: يا نبى الله، ا لم اصحبك كذا و كذا سنه، فهل كنت اسالك عن شي‏ء مما احدث الله إليك حتى تكون أنت الذى تبتدئ به و تذكره؟ فلا يذكر له شيئا، فلما راى موسى ذلك كره الحياه و أحب الموت.

قال ابن حميد: قال سلمه: قال ابن إسحاق: و كان صفى الله- فيما ذكر لي وهب بن منبه- انما يستظل في عريش و يأكل و يشرب في نقير من حجر، إذا اراد ان يشرب بعد ان اكل كرع كما تكرع الدابة في ذلك النقير، تواضعا لله حين اكرمه الله بما اكرمه به من كلامه.

قال وهب: فذكر لي انه كان من امر وفاته ان صفى الله خرج يوما من عريشه ذلك لبعض حاجته لا يعلم به احد من خلق الله، فمر برهط من الملائكة يحفرون قبرا فعرفهم و اقبل اليهم، حتى وقف عليهم، فإذا هم يحفرون قبرا لم ير شيئا قط احسن منه، و لم ير مثل ما فيه من الخضرة و النضره و البهجة، فقال لهم: يا ملائكة الله لمن تحفرون هذا القبر؟ قالوا: نحفره لعبد كريم على ربه، قال: ان هذا العبد من الله لبمنزل! ما رايت كاليوم مضجعا و لا مدخلا! و ذلك حين حضر من امر الله ما حضر من قبضه، فقالت له الملائكة: يا صفى الله، ا تحب ان يكون لك؟ قال: وددت قالوا:

فانزل فاضطجع فيه، و توجه الى ربك، ثم تنفس اسهل تنفس تنفسته قط

434

فنزل فاضطجع فيه، و توجه الى ربه، ثم تنفس فقبض الله تعالى روحه، ثم سوت عليه الملائكة، و كان صفى الله زاهدا في الدنيا راغبا فيما عند الله.

حدثنا ابو كريب، قال: حدثنا مصعب بن المقدام، عن حماد بن سلمه، عن عمار بن ابى عمار، مولى بنى هاشم، عن ابى هريرة، قال: [قال رسول الله ص: ان ملك الموت كان ياتى الناس عيانا حتى اتى موسى فلطمه ففقأ عينه، قال: فرجع فقال: يا رب، ان عبدك موسى فقأ عيني، و لو لا كرامته عليك لشققت عليه، فقال: ائت عبدى موسى، فقل له: فليضع كفه على متن ثور، فله بكل شعره وارت يده سنه، و خيره بين ذلك و بين ان يموت الان، قال: فأتاه فخيره، فقال له موسى: فما بعد ذلك؟ قال: الموت، قال: فالان إذا، قال: فشمه شمه قبض روحه.

قال: فجاء بعد ذلك الى الناس خفيه‏].

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، عن ابى سنان الشيبانى، عن ابى إسحاق، عن عمرو بن ميمون، قال: مات موسى و هارون جميعا في التيه، مات هارون قبل موسى، و كانا خرجا جميعا في التيه الى بعض الكهوف، فمات هارون، فدفنه موسى، و انصرف موسى الى بنى إسرائيل، فقالوا: ما فعل هارون؟ قال: مات، قالوا: كذبت و لكنك قتلته لحبنا اياه، و كان محببا في بنى إسرائيل، فتضرع موسى الى ربه، و شكا ما لقى من بنى إسرائيل، فاوحى الله اليه ان انطلق بهم الى موضع قبره، فانى باعثه حتى يخبرهم انه مات موتا و لم تقتله قال: فانطلق بهم الى قبر هارون، فنادى: يا هارون، فخرج من قبره ينفض راسه، فقال: انا قتلتك؟ قال: لا و الله، و لكنى مت، قال: فعد الى مضجعك، و انصرفوا.

فكان جميع مده عمر موسى(ع)كلها مائه و عشرين سنه، عشرون من ذلك في ملك افريدون، و مائه منها في ملك منوشهر، و كان ابتداء امره من لدن بعثه الله نبيا الى ان قبضه اليه في ملك منوشهر

435

ذكر يوشع بن نون (ع)

ثم ابتعث الله عز و جل بعد موسى(ع)يوشع بن نون بن افراييم ابن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن ابراهيم نبيا، و امره بالمسير الى أريحا لحرب من فيها من الجبارين فاختلف السلف من اهل العلم في ذلك، و على يد من كان ذلك؟ و متى سار يوشع إليها؟ في حياه موسى بن عمران كان مسيره إليها أم بعد وفاته؟

فقال بعضهم: لم يسر يوشع الى أريحا، و لا امر بالمسير إليها الا بعد موت موسى، و بعد هلاك جميع من كان ابى المسير إليها مع موسى بن عمران، حين امرهم الله تعالى بقتال من فيها من الجبارين، و قالوا: مات موسى و هارون جميعا في التيه قبل خروجهما منه.

ذكر من قال ذلك:

حدثنى عبد الكريم بن الهيثم، قال: حدثنا ابراهيم بن بشار، قال: حدثنا سفيان، قال: قال ابو سعيد، عن عكرمه، عن ابن عباس، قال: قال الله تعالى:

لما دعا موسى- يعنى بدعائه قوله: «رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَ أَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَ بَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ‏» قال: فدخلوا التيه، فكل من دخل التيه ممن جاوز العشرين سنه مات في التيه، قال: فمات موسى في التيه، و مات هارون قبله قال:

فلبثوا في تيههم اربعين سنه، و ناهض يوشع بمن بقي معه مدينه الجبارين فافتتح يوشع المدينة

436

حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا سعيد عن قتادة قال: قال الله تعالى: «انها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً» الآية، حرمت عليهم القرى، فكانوا لا يهبطون قريه، و لا يقدرون على ذلك اربعين سنه.

و ذكر لنا ان موسى مات في الأربعين سنه، و لم يدخل بيت المقدس منهم الا ابناؤهم، و الرجلان اللذان قالا ما قالا.

حدثنى موسى بن هارون الهمدانى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا اسباط، عن السدى في الخبر الذى ذكرت اسناده فيما مضى: لم يبق احد ممن ابى ان يدخل مدينه الجبارين مع موسى الا مات، و لم يشهد الفتح.

ثم ان الله عز و جل لما انقضت الاربعون سنه بعث يوشع بن نون نبيا فاخبرهم انه نبى و ان الله قد امره ان يقاتل الجبارين، فبايعوه و صدقوه، فهزم الجبارين، و اقتحموا عليهم، فقتلوهم، فكانت العصابة من بنى إسرائيل يجتمعون على عنق الرجل يضربونها لا يقطعونها.

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا سليمان بن حرب، عن هلال، عن قتادة في قول الله تعالى: «فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ‏»، قال: ابدا.

حدثنى المثنى قال: حدثنا مسلم بن ابراهيم، عن هارون النحوي، عن الزبير بن الخريت، عن عكرمه في قوله: «فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ‏»، قال: التحريم التيه.

و قال آخرون: انما فتح أريحا موسى، و لكن يوشع كان على مقدمه موسى حين سار اليهم.

ذكر من قال ذلك:

437

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، عن ابن إسحاق، قال: لما نشأت النواشي من ذراريهم- يعنى من ذراري الذين أبوا قتال الجبارين مع موسى- و هلك آباؤهم، و انقضت الاربعون سنه التي تيهوا فيها، سار بهم موسى و معه يوشع بن نون، و كلاب بن يوفنه، و كان فيما يزعمون على مريم ابنه عمران اخت موسى و هارون، فكان لهم صهرا، فلما انتهوا الى ارض كنعان، و بها بلعم بن باعور العروف، و كان رجلا قد آتاه الله علما، و كان فيما اوتى من العلم اسم الله الأعظم- فيما يذكرون- الذى إذا دعى الله به أجاب، و إذا سئل به اعطى.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، عن محمد بن إسحاق، عن سالم ابى النضر، انه حدث ان موسى لما نزل ارض بنى كنعان من ارض الشام، و كان بلعم ببالعه- قريه من قرى البلقاء- فلما نزل موسى ببني إسرائيل ذلك المنزل، اتى قوم بلعم الى بلعم، فقالوا له: يا بلعم، هذا موسى بن عمران في بنى إسرائيل قد جاء يخرجنا من بلادنا، و يقتلنا و يحلها بنى إسرائيل، و يسكنها، و انا قومك و ليس لنا منزل، و أنت رجل مجاب الدعوة، فاخرج فادع الله عليهم، فقال: ويلكم! نبى الله معه الملائكة و المؤمنون! كيف اذهب ادعو عليهم، و انا اعلم من الله ما اعلم! قالوا: ما لنا من منزل، فلم يزالوا به يرققونه، و يتضرعون اليه حتى فتنوه، فافتتن فركب حماره له متوجها الى الجبل الذى يطلعه على عسكر بنى إسرائيل، و هو جبل حسبان، فما سار عليها غير قليل، حتى ربضت به، فنزل عنها فضربها حتى اذلقها فقامت فركبها، فلم تسر به كثيرا حتى ربضت به، ففعل بها مثل ذلك، فقامت فركبها، فلم تسر به كثيرا حتى ربضت به، فضربها حتى إذا اذلقها اذن الله لها فكلمته حجه عليه، فقالت: ويحك يا بلعم! اين تذهب! الا ترى الملائكة امامى تردني عن وجهى هذا! ا تذهب الى نبى الله و المؤمنين تدعو

438

عليهم! فلم ينزع عنها يضربها، فخلى الله سبيلها حين فعل بها ذلك، فانطلقت حتى إذا اشرفت به على جبل حسبان، على عسكر موسى و بنى إسرائيل، جعل يدعو عليهم، فلا يدعو عليهم بشي‏ء الا صرف الله لسانه الى قومه، و لا يدعو لقومه بخير الا صرف لسانه الى بنى إسرائيل، فقال له قومه:

ا تدرى يا بلعم ما تصنع؟ انما تدعو لهم، و تدعو علينا، قال: فهذا ما لا املك، هذا شي‏ء قد غلب الله عليه، و اندلع لسانه فوقع على صدره، فقال لهم: قد ذهبت الان منى الدنيا و الآخرة، فلم يبق الا المكر و الحيله، فسامكر لكم و احتال، جملوا النساء و أعطوهن السلع، ثم ارسلوهن الى العسكر يبعنها فيه، و مروهن فلا تمنع امراه نفسها من رجل أرادها، فانه ان زنى رجل واحد منهم كفيتموهم، ففعلوا، فلما دخل النساء العسكر مرت امراه من الكنعانيين اسمها كستي ابنه صور- راس امته و بنى ابيه من كان منهم في مدين، هو كان كبيرهم- برجل من عظماء بنى إسرائيل، و هو زمري بن شلوم، راس سبط شمعون بن يعقوب بن إسحاق بن ابراهيم، فقام إليها فاخذ بيدها حين اعجبه جمالها، ثم اقبل حتى وقف بها على موسى، فقال: انى اظنك ستقول:

هذه حرام عليك! قال: اجل هي حرام عليك لا تقربها، قال: فو الله لا نطيعك في هذا، ثم دخل بها قبته فوقع عليها، فأرسل الله الطاعون في بنى إسرائيل و كان فنحاص بن العيزار بن هارون صاحب امر موسى، و كان رجلا قد اعطى بسطه في الخلق، و قوه في البطش، و كان غائبا حين صنع زمري بن شلوم ما صنع، فجاء و الطاعون يحوس في بنى إسرائيل، فاخبر الخبر، فاخذ حربته- و كانت من حديد كلها- ثم دخل عليهما القبه و هما متضاجعان فانتظمهما بحربته، ثم خرج بهما رافعهما الى السماء، و الحربه قد أخذها بذراعه، و اعتمد بمرفقه على خاصرته، و اسند الحربه الى لحيته- و كان بكر العيزار- فجعل يقول: اللهم هكذا نفعل بمن يعصيك! و رفع الطاعون فحسب من يهلك من بنى إسرائيل في الطاعون- فيما بين ان أصاب زمري المرأة الى ان قتله‏

439

فنحاص- فوجدوا قد هلك منهم سبعون ألفا، و المقلل لهم يقول: عشرون ألفا، في ساعه من النهار، فمن هنالك تعطى بنو إسرائيل ولد فنحاص بن العيزار بن هارون من كل ذبيحه ذبحوها القبه و الذراع و اللحى، لاعتماده بالحربه على خاصرته، و اخذه إياها بذراعه، و اسناده إياها الى لحيته، و البكر من كل أموالهم و انفسهم، لأنه كان بكر العيزار، ففي بلعم بن باعور، انزل الله تعالى على محمد ص: «وَ اتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها»- يعنى بلعم بن باعور، «فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ‏» الى قوله: «لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ‏» يعنى بنى إسرائيل، انى قد جئتهم بخبر ما كان فيهم مما يخفون عليك لعلهم يتفكرون فيعرفون انه لم يأت بهذا الخبر عما مضى فيهم الا نبى يأتيه خبر من السماء.

ثم ان موسى قدم يوشع بن نون الى أريحا في بنى إسرائيل فدخلها بهم، و قتل بها الجبابرة الذين كانوا فيها، و أصاب من أصاب منهم، و بقيت منهم بقية في اليوم الذى أصابهم فيه، و جنح عليهم الليل، و خشي ان لبسهم الليل ان يعجزوه، فاستوقف الشمس، و دعا الله ان يحبسها، ففعل عز و جل حتى استاصلهم، ثم دخلها موسى ببني إسرائيل، فأقام فيها ما شاء الله ان يقيم، ثم قبضه الله اليه، لا يعلم بقبره احد من الخلائق.

فاما السدى في الخبر الذى ذكرت عنه اسناده فيما مضى، فانه ذكر في خبره ذلك ان الذى قاتل الجبارين يوشع بن نون بعد موت موسى و هارون، و قص من امره و امرهم ما انا ذاكره، و هو انه ذكر فيه ان الله بعث يوشع نبيا بعد ان انقضت الاربعون سنه، فدعا بنى إسرائيل فاخبرهم انه نبى، و ان الله قد امره ان يقاتل الجبارين، فبايعوه و صدقوه، و انطلق رجل من بنى إسرائيل يقال له: بلعم- و كان عالما، يعلم الاسم الأعظم المكتوم- فكفر

440

و اتى الجبارين، فقال: لا ترهبوا بنى إسرائيل، فانى إذا خرجتم تقاتلونهم ادعو عليهم دعوه فيهلكون، فكان عندهم فيما شاء من الدنيا، غير انه كان لا يستطيع ان ياتى النساء من عظمهن، فكان ينكح أتانا له، و هو الذى يقول الله عز و جل:

«وَ اتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا» اى فبصر «فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ‏» الى قوله: «وَ لكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَ اتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ‏»، فكان بلعم يلهث كما يلهث الكلب، فخرج يوشع يقاتل الجبارين في الناس، و خرج بلعم مع الجبارين على اتانه، و هو يريد ان يلعن بنى إسرائيل، فكلما اراد ان يدعو على بنى إسرائيل جاء على الجبارين، فقال الجبارون: انك انما تدعو علينا، فيقول: انما اردت بنى إسرائيل، فلما بلغ باب المدينة أخذ ملك بذنب الأتان فأمسكها، و جعل يحركها فلا تتحرك، فلما اكثر ضربها تكلمت، فقالت: أنت تنكحني بالليل و تركبني بالنهار! ويلى منك! و لو انى أطقت الخروج لخرجت بك، و لكن هذا الملك يحبسني، فقاتلهم يوشع يوم الجمعه قتالا شديدا حتى امسوا و غربت الشمس، و دخل السبت فدعا الله فقال للشمس: انك في طاعه الله و انا في طاعه الله، اللهم اردد على الشمس، فردت عليه الشمس، فزيد له في النهار يومئذ ساعه، فهزم الجبارين و اقتحموا عليهم يقتلونهم، فكانت العصابة من بنى إسرائيل يجتمعون على عنق الرجل يضربونها لا يقطعونها و جمعوا غنائمهم، و امرهم يوشع ان يقربوا الغنيمه فقربوها، فلم تزل النار تأكلها، فقال يوشع: يا بنى إسرائيل ان لله عز و جل عندكم طلبه، هلموا فبايعوني، فبايعوه فلصقت يد رجل منهم بيده، فقال: هلم ما عندك! فأتاه برأس ثور من ذهب مكلل بالياقوت و الجوهر، كان قد غله، فجعله في القربان، و جعل الرجل معه، فجاءت النار فاكلت الرجل و القربان‏

441

و اما اهل التوراة، فإنهم يقولون: هلك هارون و موسى في التيه، و ان الله اوحى الى يوشع بعد موسى، و امره ان يعبر الأردن الى الارض التي أعطاها بنى إسرائيل، و وعدها إياهم، و ان يوشع جد في ذلك و وجه الى أريحا من تعرف خبرها، ثم سار و معه تابوت الميثاق، حتى عبر الأردن، و صار له و لأصحابه فيه طريق، فاحاط بمدينه أريحا سته اشهر، فلما كان السابع نفخوا في القرون، و ضج الشعب ضجه واحده، فسقط سور المدينة فاباحوها و أحرقوها، و ما كان فيها ما خلا الذهب و الفضه و آنيه النحاس و الحديد، فإنهم ادخلوه بيت المال ثم ان رجلا من بنى إسرائيل غل شيئا، فغضب الله عليهم و انهزموا، فجزع يوشع جزعا شديدا، فاوحى الله الى يوشع ان يقرع بين الاسباط، ففعل حتى انتهت القرعه الى الرجل الذى غل، فاستخرج غلوله من بيته، فرجمه يوشع و احرق كل ما كان له بالنار، و سموا الموضع باسم صاحب الغلول، و هو عاجر فالموضع الى هذا اليوم غور عاجر ثم نهض بهم يوشع الى ملك عايى و شعبه، فارشدهم الله الى حربه، و امر يوشع ان يكمن لهم كمينا ففعل، و غلب على عايى و صلب ملكها على خشبة، و احرق المدينة و قتل من أهلها اثنى عشر ألفا من الرجال و النساء، و احتال اهل عماق و جيعون ليوشع حتى جعل لهم أمانا، فلما ظهر على خديعتهم دعا الله عليهم ان يكونوا حطابين و سقائين، فكانوا كذلك، و ان يكون بازق ملك أورشليم يتصدق، ثم ارسل ملوك الارمانيين، و كانوا خمسه بعضهم الى بعض، و جمعوا كلمتهم على جيعون، فاستنجد اهل جيعون يوشع، فانجدهم و هزموا أولئك الملوك حتى حدروهم الى هبطه حوران، و رماهم الله باحجار البرد، فكان من قتله البرد اكثر ممن قتله بنو إسرائيل بالسيف، و سال يوشع الشمس ان تقف و القمر ان يقوم حتى ينتقم من اعدائه قبل دخول السبت، ففعلا ذلك و هرب الخمسة ملوك فاختفوا في غار، فامر يوشع فسد باب الغار حتى فرغ من الانتقام‏

442

من اعدائه، ثم امر بهم فاخرجوا، فقتلهم و صلبهم ثم انزلهم من الخشب، و طرحهم في الغار الذى كانوا فيه، و تتبع سائر الملوك بالشام، فاستباح منهم أحدا و ثلاثين ملكا، و فرق الارض التي غلب عليها ثم مات يوشع، فلما مات دفن في جبل افراييم، و قام بعده سبط يهوذا و سبط شمعون بحرب الكنعانيين، فاستباحوا حريمهم، و قتلوا منهم عشره آلاف ببازق، و أخذوا ملك بازق فقطعوا ابهامى يديه و رجليه، فقال عند ذلك ملك بازق: قد كان يلقط الخبز من تحت مائدتى سبعون ملكا مقطعى الاباهيم، فقد جزانى الله بصنيعى، و ادخلوا ملك بازق أورشليم، فمات بها و حارب بنو يهوذا سائر الكنعانيين و استولوا على ارضهم، و كان عمر يوشع مائه سنه و ستا و عشرين سنه و تدبيره امر بنى إسرائيل منذ توفى موسى الى ان توفى يوشع بن نون سبعا و عشرين سنه.

و قد قيل ان أول من ملك من ملوك اليمن، ملك كان لهم في عهد موسى بن عمران من حمير، يقال له: شمير بن الاملول، و هو الذى بنى مدينه ظفار باليمن، و اخرج من كان بها من العماليق، و ان شمير بن الاملول الحميرى هذا كان من عمال ملك الفرس يومئذ على اليمن و نواحيها.

و زعم هشام بن محمد الكلبى ان بقية بقيت من الكنعانيين بعد ما قتل يوشع من قتل منهم، و ان افريقيس بن قيس بن صيفي بن سبا بن كعب ابن زيد بن حمير بن سبا بن يشجب بن يعرب بن قحطان مر بهم متوجها الى إفريقية، فاحتملهم من سواحل الشام، حتى اتى بهم إفريقية، فافتتحها و قتل ملكها جرجيرا، و اسكنها البقية التي كانت بقيت من الكنعانيين الذين كان احتملهم معه من سواحل الشام قال: فهم البرابره، قال: و انما سموا بربرا، لان افريقيس قال لهم: ما اكثر بربرتكم! فسموا لذلك بربرا، و ذكر ان افريقيس قال في ذلك من امرهم شعرا، و هو قوله:

بربرت كنعان لما سقتها* * * من أراضي الهلك للعيش العجب‏

قال: و اقام من حمير في البربر صنهاجه و كتامه، فهم فيهم الى اليوم‏

443

ذكر امر قارون بن يصهر بن قاهث‏

و كان قارون ابن عم موسى(ع)حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنى حجاج، عن ابن جريج، قوله: «إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى‏»، قال: ابن عمه، أخي ابيه فان: قارون ابن يصفر- هكذا قال القاسم، و انما هو يصهر- بن قاهث، و موسى بن عرمر بن قاهث، و عرمر بالعربية عمران، هكذا قال القاسم، و انما هو عمرم.

و اما ابن إسحاق فانه قال ما حدثنا به ابن حميد، قال: حدثنا سلمه،

3

عنه: تزوج يصهر بن قاهث شميت ابنه تباويت بن بركيا ابن يقسان بن ابراهيم فولدت له عمران بن يصهر و قارون بن يصهر

3

، فقارون- على ما قال ابن إسحاق- عم موسى أخو ابيه لأبيه و أمه.

و اما اهل العلم من سلف أمتنا و من اهل الكتابين فعلى ما قال ابن جريج.

ذكر من حضرنا ذكره ممن قال ذلك من علمائنا الماضين:

حدثنا ابو كريب، قال: حدثنا جابر بن نوح، قال: أخبرنا اسماعيل ابن ابى خالد، عن ابراهيم في قوله: «إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى‏»، قال:

كان ابن عم موسى.

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا عن سفيان، عن سماك بن حرب، عن ابراهيم، قال: «إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى‏»، كان قارون ابن عم موسى‏

444

حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا ابى، عن سفيان، عن سماك، عن ابراهيم: «إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى‏»، قال: كان ابن عمه فبغى عليه.

حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا يحيى بن سعيد القطان، عن سماك بن حرب، عن ابراهيم، قال: كان قارون ابن عم موسى.

حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا ابو معاويه، عن ابن ابى خالد، عن ابراهيم، قال: «إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى‏»، قال: كان ابن عمه.

حدثنا بشر بن معاذ قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله:

«إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى‏»، كنا نحدث انه كان ابن عمه أخي ابيه، و كان يسمى المنور من حسن صورته في التوراة، و لكن عدو الله نافق كما نافق السامرى، فاهلكه البغى.

حدثنى بشر بن هلال الصواف، قال: حدثنا جعفر بن سليمان الضبعى، عن مالك بن دينار، قال: بلغنى ان موسى بن عمران كان ابن عم قارون، و كان الله قد آتاه مالا كثيرا، كما وصفه الله عز و جل، فقال: «وَ آتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ»، يعنى بقوله: «تنوء» تثقل.

و ذكر ان مفاتيح خزائنه كانت كالذي حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير، عن منصور، عن خيثمة في قوله: «ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ» قال: نجد مكتوبا في الانجيل: مفاتيح قارون وقر ستين بغلا غرا محجله، ما يزيد مفتاح منها على اصبع، لكل مفتاح منها كنز.

حدثنى ابو كريب، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا اسماعيل بن‏

445

سالم، عن ابى صالح: «ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ»، قال: كانت مفاتيح خزائنه تحمل على اربعين بغلا.

حدثنا ابو كريب، قال: حدثنا جابر بن نوح، قال: أخبرنا الاعمش عن خيثمة، قال: كانت مفاتيح قارون تحمل على ستين بغلا، كل مفتاح منها لباب كنز معلوم، مثل الاصبع، من جلود.

حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا ابى، عن الاعمش، عن خيثمة، قال:

كانت مفاتيح قارون من جلود، كل مفتاح مثل الاصبع، كل مفتاح على خزانه على حده، فإذا ركب حملت المفاتيح على ستين بغلا أغر محجل.

فبغى عدو الله لما اراد الله به من الشقاء و البلاء على قومه بكثرة ماله.

و قيل ان بغيه عليهم كان بان زاد عليهم في الثياب شبرا كذلك حدثنى على بن سعيد الكندى و ابو السائب و ابن وكيع، قالوا: حدثنا حفص ابن غياث، عن ليث، عن شهر بن حوشب.

فوعظه قومه على ما كان من بغيه و نهوه عنه، و امروه بانفاق ما اعطاه الله في سبيله و العمل فيه بطاعته، كما اخبر الله عز و جل عنهم انهم قالوا له فقال: «إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ وَ ابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَ لا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَ أَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَ لا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ‏» و عنى بقوله: «وَ لا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا»: لا تنس في دنياك ان تأخذ نصيبك فيها لاخرتك، فكان جوابه إياهم جهلا منه، و اغترارا بحلم الله عنه، ما ذكر الله تعالى في كتابه ان قال لهم: انما أوتيت ما أوتيت من هذه الدنيا على علم عندي فقيل: معنى ذلك: على خير عندي، كذلك روى ذلك عن قتادة.

و قال غيره: عنى بذلك: لو لا رضاء الله عنى و معرفته بفضلى ما أعطاني‏

446

هذا، قال الله عز و جل مكذبا قيله: «أَ وَ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَ أَكْثَرُ جَمْعاً» للأموال و لو كان الله انما يعطى الأموال و الدنيا من يعطيه إياها لرضاه عنه، و فضله عنده، لم يهلك من اهلك من ارباب الأموال الكثيره قبله، مع كثره ما كان اعطاهم منها، فلم يردعه عن جهله، و بغيه على قومه بكثرة ماله عظه من وعظه، و تذكير من ذكره بالله و نصيحته اياه، و لكنه تمادى في غيه و خسارته، حتى خرج على قومه في زينته راكبا برذونا ابيض مسرجا بسرج الأرجوان، قد لبس ثيابا معصفره، قد حمل معه من الجوارى بمثل هيئته و زينته على مثل برذونه ثلاثمائة جاريه و اربعه آلاف من اصحابه.

و قال بعضهم: كان الذين حملهم على مثل هيئته و زينته من اصحابه.

سبعين ألفا.

حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا ابو خالد الأحمر، عن عثمان بن الأسود، عن مجاهد: «فَخَرَجَ عَلى‏ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ‏»، قال: على براذين بيض، عليها سروج الأرجوان، عليهم المعصفرة فتمنى اهل الخسار من الذين خرج عليهم في زينته مثل الذى أوتيه، فقالوا: «يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ‏»، فأنكر ذلك من قوله عليهم اهل العلم بالله فقالوا لهم: ويلكم ايها المتمنون مثل ما اوتى قارون! اتقوا الله، و اعملوا بما امركم الله به، و انتهوا عما نهاكم عنه، فان ثواب الله و جزاءه اهل طاعته خير لمن آمن به و برسله، و عمل بما امره به من صالح الاعمال، يقول الله: «وَ لا يُلَقَّاها إِلَّا الصَّابِرُونَ‏»، يقول: لا يلقى مثل هذه الكلمه الا الذين صبروا عن طلب زينه الحياه الدنيا، و آثروا جزيل ثواب الله على صالح الاعمال على لذات الدنيا و شهواتها، فعملوا له بما يوجب لهم ذلك‏

447

فلما عتا الخبيث و تمادى في غيه، و بطر نعمه ربه ابتلاه الله عز و جل من الفريضة في ماله و الحق الذى الزمه فيه ما ساق اليه شحه به اليم عقابه، و صار به عبره للغابرين و عظه للباقين.

فحدثنا ابو كريب، قال: حدثنا جابر بن نوح، قال: أخبرنا الاعمش، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الله بن الحارث، عن ابن عباس، قال: لما نزلت الزكاة اتى قارون موسى فصالحه عن كل الف دينار دينارا، و على كل الف درهم درهما، و على كل الف شي‏ء شيئا، او قال: و كل الف شاه شاه- قال ابو جعفر الطبرى: انا أشد- قال: ثم اتى بيته فحسبه فوجده كثيرا فجمع بنى إسرائيل، فقال: يا بنى إسرائيل، ان موسى قد امركم بكل شي‏ء فأطعتموه، و هو الان يريد ان يأخذ أموالكم فقالوا له: أنت كبيرنا و سيدنا، فمرنا بما شئت، فقال: آمركم ان تجيئوا بفلانة البغى فتجعلوا لها جعلا فتقذفه بنفسها فدعوها فجعلوا لها جعلا على ان تقذفه بنفسها، ثم اتى موسى فقال: ان قومك قد اجتمعوا لتامرهم و تنهاهم، فخرج اليهم و هم في براح من الارض، فقال: يا بنى إسرائيل، من سرق قطعنا يده، و من افترى جلدناه ثمانين، و من زنا و ليس له امراه جلدناه مائه، و من زنا و له امراه جلدناه حتى يموت- او قال: رجمناه حتى يموت- قال ابو جعفر انا اشك- فقال له قارون: و ان كنت أنت؟ قال: و ان كنت انا قال:

و ان بنى إسرائيل يزعمون انك فجرت بفلانة، فقال: ادعوها، فان قالت فهو كما قالت، فلما ان جاءت قال لها موسى: يا فلانة، قالت: لبيك! قال:

انا فعلت بك ما يقول هؤلاء؟ قالت: لا، و كذبوا، و لكن جعلوا الى جعلا على ان اقذفك بنفسي، فوثب فسجد و هو بينهم، فاوحى اليه: مر الارض بما شئت، قال: يا ارض خذيهم، فاخذتهم الى اقدامهم، ثم قال: يا ارض خذيهم فاخذتهم الى ركبهم، ثم قال: يا ارض خذيهم، فاخذتهم الى أعناقهم،

448

قال: فجعلوا يقولون: يا موسى، و يتضرعون اليه، قال: يا ارض خذيهم، فاطبقت عليهم، فاوحى الله اليه: يا موسى يقول لك عبادى: يا موسى يا موسى، فلا ترحمهم، اما لو إياي دعوا لوجدوني قريبا مجيبا، قال: فذلك قوله:

«فَخَرَجَ عَلى‏ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ‏»، و كانت زينته انه خرج على دواب شقر عليها سروج ارجوان، عليها ثياب مصبغه بالبهرمان،: «قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ‏» الى قوله: «لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ‏» يا محمد «تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لا فَساداً وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ‏».

حدثنا ابو كريب، قال: حدثنا يحيى بن عيسى، عن الاعمش، عن المنهال، عن رجل، عن ابن عباس بنحوه، و زادني فيه: قال: فأصاب بنى إسرائيل بعد ذلك شده و جوع شديد، فاتوا موسى فقالوا: ادع لنا ربك، قال: فدعا لهم فاوحى الله اليه: يا موسى، ا تكلمني في قوم قد اظلم ما بيني و بينهم من خطاياهم، و قد دعوك فلم تجبهم اما لو إياي دعوا لأجبتهم.

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا على بن هاشم ابن البريد، عن الاعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: «إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى‏»، قال: كان ابن عمه، و كان موسى يقضى في ناحيه بنى إسرائيل و قارون في ناحيه، قال: فدعا بغيه كانت في بنى إسرائيل، فجعل لها جعلا على ان ترمى موسى بنفسها، فتركه، حتى إذا كان يوم يجتمع فيه بنو إسرائيل الى موسى أتاه قارون فقال: يا موسى، ما حد من سرق؟ قال: ان تقطع يده، قال: فان كنت أنت؟ قال نعم، قال: فما حد من زنا؟ قال: ان يرجم، قال: و ان كنت أنت؟ قال: نعم،

449

قال: فإنك قد فعلت، قال: ويلك! بمن؟ قال: بفلانة، فدعاها موسى فقال:

أنشدك بالذي انزل التوراة، ا صدق قارون؟ قالت: اللهم إذ نشدتني، فانى اشهد انك بري‏ء، و انك رسول الله، و ان عدو الله قارون جعل لي جعلا على ان ارميك بنفسي، قال: فوثب موسى فخر ساجدا، فاوحى الله اليه ان ارفع راسك فقد امرت الارض ان تطيعك، فقال موسى: خذيهم، فاخذتهم حتى بلغوا الحقو، قال: يا موسى، قال: خذيهم فاخذتهم حتى بلغوا الصدور، قال: يا موسى، قال: خذيهم، قال: فذهبوا، قال:

فاوحى الله اليه: يا موسى، استغاث بك فلم تغثه، اما لو استغاث بي، لأجبته و لأغثته.

حدثنا بشر بن هلال الصواف، قال: حدثنا جعفر بن سليمان الضبعى، قال: حدثنا على بن زيد بن جدعان، قال: خرج عبد الله بن الحارث من الدار، و دخل المقصورة فلما خرج منها جلس و تساند عليها و جلسنا اليه، فذكر سليمان بن داود و «قالَ يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ‏» الى قوله: «فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ‏» قال: ثم سكت عن حديث سليمان، فقال: «إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى‏ فَبَغى‏ عَلَيْهِمْ‏»، و كان قد اوتى من الكنوز ما ذكره الله في كتابه: «ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ» فقال: انما أوتيته على علم عندي قال: و عاد موسى و كان مؤذيا له، فكان موسى يصفح عنه، و يعفو للقرابة حتى بنى دارا، و جعل باب داره من ذهب، و ضرب على جدر داره صفائح الذهب، و كان الملا من بنى إسرائيل يغدون عليه و يروحون، فيطعمهم الطعام و يحدثونه و يضحكونه، فلم تدعه شقوته و البلاء حتى ارسل الى امراه من بنى إسرائيل مشهوره بالخنا مشهوره بالسب، فجاءت قال لها: هل لك ان أمولك و أعطيك و اخلطك‏

450

بنسائى، على ان تأتيني و الملا من بنى إسرائيل عندي فتقولى: يا قارون الا تنهى عنى موسى! قالت: بلى، فلما جلس قارون، و جاءه الملا من بنى إسرائيل ارسل إليها فجاءت، فقامت بين يديه، فقلب الله قلبها، و احدث لها توبه، فقالت في نفسها: لا أجد اليوم توبه افضل من الا أوذي رسول الله و اعذب عدو الله، فقالت: ان قارون قال لي: هل لك ان أمولك و أعطيك و اخلطك بنسائى على ان تأتيني و الملا من بنى إسرائيل عندي، فتقولى: يا قارون الا تنهى عنى موسى! فلم أجد توبه افضل من الا أوذي رسول الله، و اعذب عدو الله فلما تكلمت بهذا الكلام سقط في يدي قارون، و نكس راسه، و سكت عن الملا، و عرف انه قد وقع في هلكه، فشاع كلامها في الناس، حتى بلغ موسى، فلما بلغ موسى اشتد غضبه فتوضأ من الماء و صلى و بكى، و قال:

يا رب عدوك لي مؤذ، اراد فضيحتي و شيني، يا رب سلطنى عليه فاوحى الله اليه ان مر الارض بما شئت تطعك، فجاء موسى الى قارون، فلما دخل عليه عرف الشر في وجه موسى له، فقال له: يا موسى ارحمني، قال: يا ارض خذيهم، قال: فاضطربت داره، و ساخت بقارون و اصحابه الى الكعبين، و جعل يقول: يا موسى ارحمني، قال: يا ارض خذيهم، فاضطربت داره و ساخت، و خسف بقارون و اصحابه الى ركبهم و هو يتضرع الى موسى:

يا موسى، ارحمني! قال: يا ارض خذيهم، فاضطربت داره، و ساخت و خسف بقارون و اصحابه الى سررهم، و هو يتضرع الى موسى: يا موسى، ارحمني! قال: يا ارض خذيهم، فخسف به و بداره و اصحابه، قال:

و قيل لموسى: يا موسى، ما افظك، اما و عزتي لو إياي نادى لأجبته! حدثنا بشر بن هلال، قال: حدثنا جعفر بن سليمان، عن ابى عمران الجونى، قال: بلغنى انه قيل لموسى: لا اعبد الارض لأحد بعدك ابدا.

حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد عن قتادة، «فَخَسَفْنا

451

بِهِ وَ بِدارِهِ الْأَرْضَ‏»، ذكر لنا انه يخسف به كل يوم قامه، و انه يتجلجل فيها لا يبلغ قعرها الى يوم القيامه.

قال ابو جعفر: فلما نزلت نقمه الله بقارون حمد الله على ما انعم به عليهم المؤمنون الذين وعظوه و انذروه بأمر الله، و نصحوا له من المعرفة بحقه و العمل بطاعته، و ندم الذين كانوا يتمنون ما هو فيه من كثره المال، و السعه في العيش على امنيتهم، و عرفوا خطا انفسهم في امنيتها، فقالوا ما اخبر الله عز و جل عنهم في كتابه:

«وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَ يَقْدِرُ لَوْ لا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا»، فصرف عنا ما ابتلى به قارون و اصحابه مما كنا نتمناه بالأمس لخسف بنا كما خسف به و بهم فنجى الله تعالى من كل هول و بلاء نبيه موسى و المؤمنين به المتمسكين بعهده من بنى إسرائيل، و فتاه يوشع بن نون المتبعين له بطاعتهم ربهم، و اهلك اعدائه و اعدائهم: فرعون و هامان و قارون و الكنعانيين بكفرهم و تمردهم عليه و عتوهم، بالغرق بعضا، و بالخسف بعضا، و بالسيف بعضا، و جعلهم عبرا لمن اعتبر بهم، وعظه لمن اتعظ بهم، مع كثره أموالهم و كثره عدد جنودهم، و شده بطشهم، و عظم خلقهم و اجسامهم، فلم تغن عنهم أموالهم و لا اجسامهم و لا قواهم و لا جنودهم و أنصارهم عنهم من الله شيئا، إذ كانوا يجحدون بايات الله، و يسعون في الارض فسادا، و يتخذون عباد الله لأنفسهم خولا، و حاق بهم ما كانوا منه آمنين، نعوذ بالله من عمل يقرب من سخطه، و نرغب اليه في التوفيق لما يدنى من محبته، و يزلف الى رحمته! و روى عن النبي(ص)ما حدثنا احمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال: حدثنا عمى، قال: حدثنى الماضى بن محمد، عن ابى سليمان، عن القاسم بن محمد، عن ابى ادريس الخولاني، عن ابى ذر، قال: [قال رسول الله ص: أول أنبياء بنى إسرائيل موسى و آخرهم عيسى‏

452

قال: قلت: يا رسول الله، ما كان في صحف موسى؟ قال: كانت عبرا كلها، عجبت لمن ايقن بالنار ثم يضحك، عجبت لمن ايقن بالموت ثم يفرح، عجبت لمن ايقن بالحساب غدا ثم لم يعمل!] و كان تدبير يوشع امر بنى إسرائيل من لدن مات موسى، الى ان توفى يوشع، كله في زمان منوشهر عشرين سنه، و في زمان فراسياب سبع سنين.

و نرجع الان الى: