تاريخ الأمم و الملوك‏‏‏ - ج4

- ابن جرير الطبري المزيد...
576 /
505

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه، قالا:

كان على هوازن و على بنى سليم و الاعجاز مجاشع بن مسعود السلمى، و على عامر زفر بن الحارث، و على غطفان اعصر بن النعمان الباهلى، و على بكر ابن وائل مالك بن مسمع، و اعتزلت عبد القيس الى على الا رجلا فانه اقام، و من بكر بن وائل قيام، و اعتزل منهم مثل من بقي منهم، عليهم سنان، و كانت الأزد على ثلاثة رؤساء: صبره بن شيمان، و مسعود، و زياد ابن عمرو، و الشواذب عليهم رجلان: على مضر الخريت بن راشد، و على قضاعه و التوابع الرعبى الجرمي- و هو لقب- و على سائر اليمن ذو الأجرة الحميرى فخرج طلحه و الزبير فنزلا بالناس من الزابوقه، في موضع قريه الأرزاق، فنزلت مضر جميعا و هم لا يشكون في الصلح، و نزلت ربيعه فوقهم جميعا و هم لا يشكون في الصلح، و نزلت اليمن جميعا اسفل منهم، و هم لا يشكون في الصلح، و عائشة في الحدان، و الناس في الزابوقه، على رؤسائهم هؤلاء و هم ثلاثون ألفا، و ردوا حكيما و مالكا الى على، بانا على ما فارقنا عليه القعقاع فاقدم فخرجا حتى قدما عليه بذلك، فارتحل حتى نزل عليهم بحيالهم، فنزلت القبائل الى قبائلهم، مضر الى مضر، و ربيعه الى ربيعه، و اليمن الى اليمن، و هم لا يشكون في الصلح، فكان بعضهم بحيال بعض، و بعضهم يخرج الى بعض، و لا يذكرون و لا ينوون الا الصلح، و خرج امير المؤمنين فيمن معه، و هم عشرون ألفا، و اهل الكوفه على رؤسائهم الذين قدموا معهم ذا قار، و عبد القيس على ثلاثة رؤساء: جذيمة و بكر على ابن الجارود، و العمور على عبد الله بن السوداء، و اهل هجر على ابن الاشج، و بكر بن وائل من اهل البصره على ابن الحارث بن نهار، و على دنور بن على الزط و السيابجه، و قدم على ذا قار في عشره آلاف، و انضم اليه عشره آلاف.

حدثنى عمر بن شبه، قال: حدثنا ابو الحسن، عن بشير بن عاصم‏

506

عن فطر بن خليفه، عن منذر الثوري، عن محمد بن الحنفيه، قال: أقبلنا من المدينة بسبعمائة رجل، و خرج إلينا من الكوفه سبعه آلاف، و انضم إلينا من حولنا الفان، اكثرهم بكر بن وائل، و يقال: سته آلاف.

رجع الحديث الى حديث محمد و طلحه: قالا: فلما نزل الناس و اطمأنوا، خرج على و خرج طلحه و الزبير، فتواقفوا، و تكلموا فيما اختلفوا فيه، فلم يجدوا امرا هو امثل من الصلح و وضع الحرب حين رأوا الأمر قد أخذ في الانقشاع، و انه لا يدرك، فافترقوا عن موقفهم على ذلك، و رجع على الى عسكره، و طلحه و الزبير الى عسكرهما

. امر القتال‏

و كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه، قالا:

و بعث على من العشى عبد الله بن عباس الى طلحه و الزبير، و بعثاهما من العشى محمد بن طلحه الى على، و ان يكلم كل واحد منهما اصحابه، فقالوا:

نعم، فلما امسوا- و ذلك في جمادى الآخرة- ارسل طلحه و الزبير الى رؤساء أصحابهما، و ارسل على الى رؤساء اصحابه، ما خلا أولئك الذين هضوا عثمان، فباتوا على الصلح، و باتوا بليله لم يبيتوا بمثلها للعافية من الذى أشرفوا عليه، و النزوع عما اشتهى الذين اشتهوا، و ركبوا ما ركبوا، و بات الذين أثاروا امر عثمان بشر ليله باتوها قط، قد أشرفوا على الهلكة، و جعلوا يتشاورون ليلتهم كلها، حتى اجتمعوا على انشاب الحرب في السر، و استسروا بذلك خشيه ان يفطن بما حاولوا من الشر، فغدوا مع الغلس، و ما يشعر بهم جيرانهم، انسلوا الى ذلك الأمر انسلالا، و عليهم ظلمه، فخرج مضريهم الى مضريهم، و ربعيهم الى ربعيهم، و يمانيهم الى يمانيهم، فوضعوا فيهم السلاح، فثار اهل البصره، و ثار كل قوم في وجوه اصحابهم الذين بهتوهم،

507

و خرج الزبير و طلحه في وجوه الناس من مضر فبعثا الى الميمنه، و هم ربيعه يعبؤها عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، و الى الميسره عبد الرحمن بن عتاب ابن اسيد، و ثبتا في القلب، فقال: ما هذا؟ قالوا: طرقنا اهل الكوفه ليلا، فقالا: قد علمنا ان عليا غير منته حتى يسفك الدماء، و يستحل الحرمه، و انه لن يطاوعنا، ثم رجعا باهل البصره، و قصف اهل البصره، أولئك حتى ردوهم الى عسكرهم، فسمع على و اهل الكوفه الصوت، و قد وضعوا رجلا قريبا من على ليخبره بما يريدون، فلما قال: ما هذا؟ قال: ذاك الرجل ما فجئنا الا و قوم منهم بيتونا، فرددناهم من حيث جاءوا، فوجدنا القوم على رجل فركبونا، و ثار الناس، و قال على لصاحب ميمنته: ائت الميمنه، و قال لصاحب ميسرته: ائت الميسره، و لقد علمت ان طلحه و الزبير غير منتهيين حتى يسفكا الدماء، و يستحلا الحرمه، و انهما لن يطاوعانا، و السبئيه لا تفتر انشابا [و نادى على في الناس: ايها الناس، كفوا فلا شي‏ء، فكان من رأيهم جميعا في تلك الفتنة الا يقتتلوا حتى يبدءوا، يطلبون بذلك الحجه، و يستحقون على الآخرين، و لا يقتلوا مدبرا، و لا يجهزوا على جريح، و لا يتبعوا] فكان مما اجتمع عليه الفريقان و نادوا فيما بينهما.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه و ابى عمرو، قالوا: و اقبل كعب بن سور حتى اتى عائشة رضى الله عنها، فقال: أدركي فقد ابى القوم الا القتال، لعل الله يصلح بك فركبت، و البسوا هودجها الادراع، ثم بعثوا جملها، و كان جملها يدعى عسكرا، حملها عليه يعلى بن اميه، اشتراه بمائتي دينار، فلما برزت من البيوت- و كانت بحيث تسمع الغوغاء- وقفت، فلم تلبث ان سمعت غوغاء شديده، فقالت:

ما هذا؟ قالوا: ضجه العسكر، قالت: بخير او بشر؟ قالوا: بشر قالت:

فأي الفريقين كانت منهم هذه الضجة فهم المهزومون و هي واقفه، فو الله ما فجئها الا الهزيمة، فمضى الزبير من سننه في وجهه، فسلك وادي‏

508

السباع، و جاء طلحه سهم غرب يخل ركبته بصفحه الفرس، فلما امتلا موزجه دما و ثقل قال لغلامه: اردفنى و امسكنى، و ابغنى مكانا انزل فيه، فدخل البصره و هو يتمثل مثله و مثل الزبير:

فان تكن الحوادث اقصدتنى* * * و اخطاهن سهمي حين ارمى‏

فقد ضيعت حين تبعت سهما* * * سفاها ما سفهت و ضل حلمي‏

ندمت ندامه الكسعى لما* * * شريت رضا بنى سهم برغمى‏

اطعتهم بفرقه آل لأي* * * فألقوا للسباع دمى و لحمى‏

خبر وقعه الجمل من روايه اخرى‏

قال ابو جعفر: و اما غير سيف فانه ذكر من خبر هذه الوقعه و امر الزبير و انصرافه عن الموقف الذى كان فيه ذلك اليوم غير الذى ذكر سيف عن صاحبيه، و الذى ذكر من ذلك بعضهم ما حدثنيه احمد بن زهير، قال:

حدثنا ابى ابو خيثمة، قال: حدثنا وهب بن جرير بن حازم، قال:

سمعت ابى قال: سمعت يونس بن يزيد الأيلي، عن الزهري، في قصه ذكرها من خبر على و طلحه و الزبير و عائشة في مسيرهم الذى نحن في ذكره في هذا الموضع قال: و بلغ الخبر عليا- يعنى خبر السبعين الذين قتلوا مع العبدى بالبصرة- فاقبل- يعنى عليا- في اثنى عشر ألفا، فقدم البصره، و جعل يقول:

يا لهف نفسي على ربيعه* * * ربيعه السامعه المطيعه‏

سنتها كانت بها الوقيعه

.

فلما تواقفوا خرج على على فرسه، فدعا الزبير، فتواقفا، فقال على للزبير: ما جاء بك؟ قال: أنت، و لا أراك لهذا الأمر أهلا، و لا اولى به‏

509

منا، [فقال على: لست له أهلا بعد عثمان! قد كنا نعدك من بنى عبد المطلب حتى بلغ ابنك ابن السوء ففرق بيننا و بينك، و عظم عليه أشياء، فذكر ان النبي(ص)مر عليهما فقال لعلى: ما يقول ابن عمتك؟

ليقاتلنك و هو لك ظالم‏] فانصرف عنه الزبير، و قال: فانى لا اقاتلك فرجع الى ابنه عبد الله فقال: ما لي في هذه الحرب بصيره، فقال له ابنه: انك قد خرجت على بصيره، و لكنك رايت رايات ابن ابى طالب، و عرفت ان تحتها الموت، فجبنت فاحفظه حتى ارعد و غضب، و قال: ويحك! انى قد حلفت له الا اقاتله، فقال له ابنه: كفر عن يمينك بعتق غلامك سرجس، فاعتقه، و قام في الصف معهم، [و كان على قال للزبير: ا تطلب منى دم عثمان و أنت قتلته! سلط الله على أشدنا عليه اليوم ما يكره و قال على: يا طلحه، جئت بعرس رسول الله(ص)تقاتل بها و خبات عرسك في البيت! ا ما بايعتنى! قال: بايعتك و على عنقى اللج، فقال على لأصحابه: ايكم يعرض عليهم هذا المصحف و ما فيه، فان قطعت يده اخذه بيده الاخرى، و ان قطعت اخذه باسنانه؟ قال فتى شاب: انا، فطاف على على اصحابه يعرض ذلك عليهم، فلم يقبله الا ذلك الفتى، فقال له على: اعرض عليهم هذا، و قل: هو بيننا و بينكم من اوله الى آخره، و الله في دمائنا و دمائكم‏] فحمل على الفتى و في يده المصحف، فقطعت يداه، فأخذه باسنانه حتى قتل، فقال على: قد طاب لكم الضراب فقاتلوهم، فقتل يومئذ سبعون رجلا، كلهم يأخذ بخطام الجمل، فلما عقر الجمل و هزم الناس، اصابت طلحه رميه فقتلته، فيزعمون ان مروان بن الحكم رماه، و قد كان ابن الزبير أخذ بخطام جمل عائشة، فقالت: من هذا؟

فأخبرها، فقالت: و اثكل أسماء! فجرح، فالقى نفسه في الجرحى، فاستخرج فبرأ من جراحته، و احتمل محمد بن ابى بكر عائشة، فضرب عليها فسطاط، فوقف على عليها فقال: استفززت الناس و قد فزوا، فالبت بينهم، حتى قتل بعضهم بعضا في كلام كثير فقالت عائشة: يا بن ابى طالب،

510

ملكت فاسجح، نعم ما ابليت قومك اليوم! فسرحها على، و ارسل معها جماعه من رجال و نساء، و جهزها، و امر لها باثنى عشر ألفا من المال، فاستقل ذلك عبد الله بن جعفر، فاخرج لها مالا عظيما، و قال: ان لم يجزه امير المؤمنين فهو على و قتل الزبير، فزعموا ان ابن جرموز لهو الذى قتله، و انه وقف بباب امير المؤمنين، فقال لحاجبه: استاذن لقاتل الزبير، فقال على:

ائذن له، و بشره بالنار.

حدثنى محمد بن عماره، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، قال:

أخبرنا فضيل، عن سفيان بن عقبه، عن قره بن الحارث، عن جون بن قتادة قال قره بن الحارث: كنت مع الأحنف بن قيس، و كان جون ابن قتادة ابن عمى مع الزبير بن العوام، فحدثني جون بن قتادة، قال: كنت مع الزبير رضى الله عنه، فجاء فارس يسير- و كانوا يسلمون على الزبير بالإمرة- فقال: السلام عليك ايها الأمير، قال: و عليك السلام، قال:

هؤلاء القوم قد أتوا مكان كذا و كذا، فلم أر قوما ارث سلاحا، و لا اقل عددا، و لا ارعب قلوبا من قوم أتوك، ثم انصرف عنه قال: ثم جاء فارس فقال: السلام عليك ايها الأمير، فقال: و عليك السلام، قال:

جاء القوم حتى أتوا مكان كذا و كذا، فسمعوا بما جمع الله عز و جل لكم من العدد و العده و الحد، فقذف الله في قلوبهم الرعب، فولوا مدبرين، قال الزبير: ايها عنك الان، فو الله لو لم يجد ابن ابى طالب الا العرفج لدب إلينا فيه، ثم انصرف ثم جاء فارس و قد كادت الخيول ان تخرج من الرهج فقال: السلام عليك ايها الأمير، قال: و عليك السلام، قال: هؤلاء القوم قد أتوك، فلقيت عمار فقلت له و قال لي، فقال الزبير: انه ليس فيهم، فقال: بلى و الله انه لفيهم، قال: و الله ما جعله الله فيهم، فقال: و الله لقد جعله الله فيهم قال: و الله ما جعله الله فيهم، فلما راى الرجل يخالفه‏

511

قال لبعض اهله: اركب فانظر: أحق ما يقول! فركب معه، فانطلقا و انا انظر إليهما حتى وقفا في جانب الخيل قليلا، ثم رجعا إلينا، فقال الزبير لصاحبه: ما عندك؟ قال: صدق الرجل، قال الزبير: يا جدع انفاه- او يا قطع ظهراه؟- قال محمد بن عماره: قال عبيد الله: قال فضيل:

لا ادرى أيهما قال- ثم اخذه افكل، فجعل السلاح ينتفض، فقال جون: ثكلتنى أمي، هذا الذى كنت اريد ان اموت معه، او اعيش معه، و الذى نفسي بيده ما أخذ هذا ما ارى الا لشي‏ء قد سمعه او رآه من رسول الله (صلى الله عليه و سلم) فلما تشاغل الناس انصرف فجلس على دابته، ثم ذهب، فانصرف جون فجلس على دابته، فلحق بالأحنف، ثم جاء فارسان حتى أتيا الأحنف و اصحابه، فنزلا، فأتيا فاكبا عليه، فناجياه ساعه، ثم انصرفا ثم جاء عمرو بن جرموز الى الأحنف، فقال:

أدركته في وادي السباع فقتلته، فكان يقول: و الذى نفسي بيده ان صاحب الزبير الأحنف.

حدثنى عمر بن شبه، قال: حدثنا ابو الحسن، قال: حدثنا بشير ابن عاصم، عن الحجاج بن ارطاه، عن عمار بن معاويه الدهني- حي من احمس بجيله- قال: أخذ على مصحفا يوم الجمل، فطاف به في اصحابه، و قال: من يأخذ هذا المصحف، يدعوهم الى ما فيه و هو مقتول؟

فقام اليه فتى من اهل الكوفه عليه قباء ابيض محشو، فقال: انا، فاعرض عنه، ثم قال: من يأخذ هذا المصحف يدعوهم الى ما فيه و هو مقتول؟

فقال الفتى: انا، فاعرض عنه، ثم قال: من يأخذ هذا المصحف يدعوهم الى ما فيه و هو مقتول؟ فقال الفتى: انا، فدفعه اليه، فدعاهم فقطعوا يده اليمنى، فأخذه بيده اليسرى، فدعاهم فقطعوا يده اليسرى، فأخذه بصدره و الدماء تسيل على قبائه، فقتل رضى الله عنه، فقال على: الان حل قتالهم، فقالت أم الفتى بعد ذلك فيما ترثى:

لا هم ان مسلما دعاهم يتلو كتاب الله لا يخشاهم‏

512

و أمهم قائمه تراهم ياتمرون الغى لا تنهاهم قد خضبت من علق لحاهم.

حدثنى عمر، قال: حدثنا ابو الحسن، قال: حدثنا ابو مخنف، عن جابر، عن الشعبى، قال: حملت ميمنه امير المؤمنين على ميسره اهل البصره، فاقتتلوا، و لاذ الناس بعائشة رضى الله عنها، اكثرهم ضبة و الأزد، و كان قتالهم من ارتفاع النهار الى قريب من العصر، و يقال: الى ان زالت الشمس، ثم انهزموا، فنادى رجل من الأزد: كروا، فضربه محمد ابن على فقطع يده، فنادى: يا معشر الأزد فروا، و استحر القتل بالازد، فنادوا: نحن على دين على بن ابى طالب، فقال رجل من بنى ليث بعد ذلك:

سائل بنا يوم لقينا الازدا* * * و الخيل تعدو أشقرا و وردا

لما قطعنا كبدهم و الزندا* * * سحقا لهم في رأيهم و بعدا!

حدثنى عمر بن شبه، قال: حدثنا ابو الحسن، قال: حدثنا جعفر ابن سليمان، عن مالك بن دينار، قال: حمل عمار على الزبير يوم الجمل، فجعل يحوزه بالرمح، فقال: ا تريد ان تقتلني؟ قال: لا، انصرف، و قال عامر بن حفص: اقبل عمار حتى حاز الزبير يوم الجمل بالرمح، فقال:

ا تقتلني يا أبا اليقظان! قال: لا يا أبا عبد الله رجع الحديث الى حديث سيف، عن محمد و طلحه: قالا: و لما انهزم الناس في صدر النهار، نادى الزبير: انا الزبير، هلموا الى ايها الناس، و معه مولى له ينادى: ا عن حوارى رسول الله (صلى الله عليه و سلم) تنهزمون! و انصرف الزبير نحو وادي السباع، و اتبعه فرسان، و تشاغل الناس عنه بالناس، فلما راى الفرسان تتبعه عطف عليهم، ففرق بينهم،

513

فكروا عليه، فلما عرفوه قالوا: الزبير! فدعوه، فلما نفر فيهم علباء بن الهيثم، و مر القعقاع في نفر بطلحه و هو يقول: الى عباد الله، الصبر الصبر! قال له: يا أبا محمد، انك لجريح، و انك عما تريد لعليل، فادخل الأبيات، فقال: يا غلام، ادخلنى و ابغنى مكانا فادخل البصره و معه غلام و رجلان، فاقتتل الناس بعده، فاقبل الناس في هزيمتهم تلك و هم يريدون البصره.

فلما رأوا الجمل اطافت به مضر عادوا قلبا كما كانوا حيث التقوا، و عادوا الى امر جديد، و وقفت ربيعه البصره، منهم ميمنه و منهم ميسره، و قالت عائشة: خل يا كعب عن البعير، و تقدم بكتاب الله عز و جل فادعهم اليه، و دفعت اليه مصحفا و اقبل القوم و امامهم السبئيه يخافون ان يجرى الصلح، فاستقبلهم كعب بالمصحف، و على من خلفهم يزعهم و يابون الا اقداما، فلما دعاهم كعب رشقوه رشقا واحدا، فقتلوه، و رموا عائشة في هودجها، فجعلت تنادى: يا بنى، البقية البقية- و يعلو صوتها كثره- الله الله، اذكروا الله عز و جل و الحساب، فيأبون الا اقداما، فكان أول شي‏ء احدثته حين أبوا ان قالت: ايها الناس، العنوا قتله عثمان و أشياعهم، و اقبلت تدعو.

و ضج اهل البصره بالدعاء، و سمع على بن ابى طالب الدعاء فقال:

ما هذه الضجة؟ فقالوا: عائشة تدعو و يدعون معها على قتله عثمان و أشياعهم، فاقبل يدعو و يقول: اللهم العن قتله عثمان و أشياعهم و أرسلت الى عبد الرحمن ابن عتاب و عبد الرحمن بن الحارث: اثبتا مكانكما، و ذمرت الناس حين رات ان القوم لا يريدون غيرها، و لا يكفون عن الناس، فازدلفت مضر البصره، فقصفت مضر الكوفه حتى زوحم على، فنخس على قفا محمد، و قال: احمل، فنكل، فاهوى على الى الراية ليأخذها منه، فحمل، فترك الراية في يده، و حملت مضر الكوفه، فاجتلدوا قدام الجمل حتى‏

514

ضرسوا، و المجنبات على حالها، لا تصنع شيئا، و مع على اقوام غير مضر، فمنهم زيد بن صوحان، فقال له رجل من قومه: تنح الى قومك، ما لك و لهذا الموقف! ا لست تعلم ان مضر بحيالك، و ان الجمل بين يديك، و ان الموت دونه! فقال: الموت خير من الحياه، الموت ما اريد، فاصيب و اخوه سيحان، و ارتث صعصعة، و اشتدت الحرب فلما راى ذلك على بعث الى اليمن و الى ربيعه: ان اجتمعوا على من يليكم، فقام رجل من عبد القيس فقال: ندعوكم الى كتاب الله عز و جل، قالوا: و كيف يدعونا الى كتاب الله من لا يقيم حدود الله سبحانه، و من قتل داعى الله كعب بن سور! فرمته ربيعه رشقا واحدا فقتلوه، و قام مسلم بن عبد الله العجلى مقامه، فرشقوه رشقا واحدا، فقتلوه، و دعت يمن الكوفه يمن البصره فرشقوهم كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه، قالا: كان القتال الاول يستحر الى انتصاف النهار، و اصيب فيه طلحه رضى الله عنه، و ذهب فيه الزبير، فلما اووا الى عائشة و ابى اهل الكوفه الا القتال، و لم يريدوا الا عائشة، ذمرتهم عائشة، فاقتتلوا حتى تنادوا فتحاجزوا، فرجعوا بعد الظهر فاقتتلوا، و ذلك يوم الخميس في جمادى الآخرة، فاقتتلوا صدر النهار مع طلحه و الزبير، و في وسطه مع عائشة، و تزاحف الناس، فهزمت يمن البصره يمن الكوفه، و ربيعه البصره ربيعه الكوفه، و نهد على بمضر الكوفه الى مضر البصره، [و قال: ان الموت ليس منه فوت، يدرك الهارب، و لا يترك المقيم‏].

حدثنى عمر، قال: حدثنا ابو الحسن، قال: حدثنا ابو عبد الله القرشي، عن يونس بن ارقم، عن على بن عمرو الكندى، عن زيد بن حساس، قال: سمعت محمد بن الحنفيه يقول: دفع الى ابى الراية يوم الجمل، و قال: تقدم، فتقدمت حتى لم أجد متقدما الا على رمح، قال:

تقدم لا أم لك! فتكاكات و قلت: لا أجد متقدما الا على سنان رمح،

515

فتناول الراية من يدي متناول لا ادرى من هو! فنظرت فإذا ابى بين يدي و هو يقول:

أنت التي غرك منى الحسنى* * * يا عيش ان القوم قوم اعدا

الخفض خير من قتال الأبناء

.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه، قالا:

اقتتلت المجنبتان حين تزاحفتا قتالا شديدا، يشبه ما فيه القلبان، و اقتتل اهل اليمن، فقتل على رايه امير المؤمنين من اهل الكوفه عشره، كلما أخذها رجل قتل خمسه من همدان و خمسه من سائر اليمن، فلما راى ذلك يزيد بن قيس أخذها، فثبتت في يده و هو يقول:

قد عشت يا نفس و قد غنيت* * * دهرا فقطك اليوم ما بقيت‏

اطلب طول العمر ما حييت

.

و انما تمثلها و هو قول الشاعر قبله و قال نمران بن ابى نمران الهمدانى:

جردت سيفي في رجال الأزد اضرب في كهولهم و المرد كل طويل الساعدين نهد.

و اقبلت ربيعه، فقتل على رايه الميسره من اهل الكوفه زيد، و صرع صعصعة، ثم سيحان، ثم عبد الله بن رقبه بن المغيره، ثم ابو عبيده بن راشد ابن سلمى و هو يقول: اللهم أنت هديتنا من الضلالة، و استنقذتنا من الجهاله، و ابتليتنا بالفتنة، فكنا في شبهه و على ريبه، حتى قتل، ثم الحصين ابن معبد بن النعمان، فأعطاها ابنه معبدا، و جعل يقول: يا معبد، قرب لها بوها تحدب، فثبتت في يده.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه، قالا:

لما رات الكماة من مضر الكوفه و مضر البصره الصبر تنادوا في عسكر عائشة و عسكر على: يا ايها الناس، طرفوا إذا فرغ الصبر، و نزع النصر فجعلوا

516

يتوجئون الاطراف: الأيدي و الارجل، فما رئيت وقعه قط قبلها و لا بعدها، و لا يسمع بها اكثر يدا مقطوعه و رجلا مقطوعه منها، لا يدرى من صاحبها و أصيبت يد عبد الرحمن بن عتاب يومئذ قبل قتله، و كان الرجل من هؤلاء و هؤلاء إذا اصيب شي‏ء من اطرافه استقتل الى ان يقتل.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن الصعب بن عطية ابن بلال، عن ابيه، قال: اشتد الأمر حتى ارزت ميمنه الكوفه الى القلب، حتى لزقت به، و لزقت ميسره البصره بقلبهم، و منعوا ميمنه اهل الكوفه ان يختلطوا بقلبهم، و ان كانوا الى جنبهم، و فعل مثل ذلك ميسره الكوفه و ميمنه البصره، فقالت عائشة- رضى الله عنها- لمن عن يسارها: من القوم؟

قال صبره بن شيمان: بنوك الأزد، قالت: يا آل غسان! حافظوا اليوم جلادكم الذى كنا نسمع به، و تمثلت:

و جالد من غسان اهل حفاظها* * * و هنب و أوس جالدت و شبيب‏

و قالت لمن عن يمينها: من القوم؟ قالوا: بكر بن وائل، قالت: لكم يقول القائل:

و جاءوا إلينا في الحديد كأنهم* * * من العزه القعساء بكر بن وائل‏

انما بازائكم عبد القيس فاقتتلوا أشد القتال من قتالهم قبل ذلك، و اقبلت على كتيبه بين يديها، فقالت: من القوم؟ قالوا: بنو ناجيه، قالت: بخ بخ! سيوف ابطحيه، و سيوف قرشيه، فجالدوا جلادا يتفادى منه ثم اطافت بها بنو ضبة، فقالت: ويها جمره الجمرات! حتى إذا رقوا خالطهم بنو عدى، و كثروا حولها، فقالت: من أنتم؟ قالوا:

بنو عدى، خالطنا إخواننا، فقالت: ما زال راس الجمل معتدلا حتى قتلت بنو ضبة حولي، فأقاموا راس الجمل، ثم ضربوا ضربا ليس بالتعذير،

517

و لا يعدلون بالتطريف، حتى إذا كثر ذلك و ظهر في العسكرين جميعا.

راموا الجمل و قالوا: لا يزال القوم او يصرع، و ارزت مجنبتا على فصارتا في القلب، و فعل ذلك اهل البصره، و كره القوم بعضهم بعضا، و تلاقوا جميعا بقلبيهم، و أخذ ابن يثربى برأس الجمل و هو يرتجز، و ادعى قتل علباء ابن الهيثم و زيد بن صوحان و هند بن عمرو، فقال:

انا لمن ينكرنى ابن يثربى قاتل علباء و هند الجملي و ابن لصوحان على دين على.

فناداه عمار: لقد لعمري لذت بحريز، و ما إليك سبيل، فان كنت صادقا فاخرج من هذه الكتيبة الى، فترك الزمام في يد رجل من بنى عدى حتى كان بين اصحاب عائشة و اصحاب على، فزحم الناس عمارا حتى اقبل اليه، فاتقاه عمار بدرقته، فضربه فانتشب سيفه فيها، فعالجه فلم يخرج، فخرج عمار اليه لا يملك من نفسه شيئا، فأسف عمار لرجليه فقطعهما، فوقع على استه، و حمله اصحابه، فارتث بعد، فاتى به على، فامر بضرب عنقه و لما اصيب ابن يثربى ترك ذلك العدوى الزمام، ثم خرج فنادى: من يبارز؟ فخنس عمار، و برز اليه ربيعه العقيلي- و العدوى يدعى عمره بن بجره، أشد الناس صوتا، و هو يقول:

يا أمنا اعق أم نعلم* * * و الام تغذو ولدا و ترحم‏

ا لا ترين كم شجاع يكلم* * * و تختلى منه يد و معصم!

ثم اضطربا، فاثخن كل واحد منهما صاحبه، فماتا.

و قال عطية بن بلال: و لحق بنا من آخر النهار رجل يدعى الحارث، من بنى ضبة، فقام مقام العدوى، فما رأينا رجلا قط أشد منه، و جعل يقول:

518

نحن بنى ضبة اصحاب الجمل* * * ننعى ابن عفان باطراف الأسل‏

الموت احلى عندنا من العسل* * * ردوا علينا شيخنا ثم بجل‏

حدثنى عمر بن شبه، قال: حدثنا ابو الحسن، عن المفضل بن محمد، عن عدى بن ابى عدى، عن ابى رجاء العطاردى، قال: انى لانظر الى رجل يوم الجمل و هو يقلب سيفا بيده كأنه مخراق، و هو يقول:

نحن بنى ضبة اصحاب الجمل ننازل الموت إذا الموت نزل و الموت أشهى عندنا من العسل ننعى ابن عفان باطراف الأسل ردوا علينا شيخنا ثم بجل.

حدثنى عمر، قال: حدثنا ابو الحسن، عن المفضل الضبي، قال:

كان الرجل وسيم بن عمرو بن ضرار الضبي.

حدثنى عمر، قال: حدثنا ابو الحسن‏

9

، عن الهذلي، قال: كان عمرو بن يثربى يحضض قومه يوم الجمل، و قد تعاوروا الخطام يرتجزون:

نحن بنى ضبة لا نفر حتى نرى جماجما تخر يخر منها العلق المحمر

يا أمنا يا عيش لن تراعى* * * كل بنيك بطل شجاع‏

يا أمنا يا زوجه النبي* * * يا زوجه المبارك المهدى‏

حتى قتل على الخطام اربعون رجلا، و قالت عائشة رضى الله عنها:

ما زال جملي معتدلا حتى فقدت أصوات بنى ضبة و قتل يومئذ عمرو بن يثربى علباء بن الهيثم السدوسي و هند بن عمرو الجملي، و زيد بن صوحان و هو يرتجز و يقول:

519

اضربهم و لا ارى أبا حسن* * * كفى بهذا حزنا من الحزن‏

انا نمر الأمر امرار الرسن

.

فزعم الهذلي ان هذا الشعر تمثل به يوم صفين و عرض عمار لعمرو ابن يثربى- و عمار يومئذ ابن تسعين سنه، عليه فرو قد شد وسطه بحبل من ليف- فبدره عمرو بن يثربى فنحى له درقته فنشب سيفه فيها، و رماه الناس حتى صرع و هو يقول:

ان تقتلوني فانا ابن يثربى* * * قاتل علباء و هند الجملي‏

ثم ابن صوحان على دين على

.

و أخذ أسيرا حتى انتهى به الى على، فقال: استبقني فقال: ابعد ثلاثة تقبل عليهم بسيفك تضرب به وجوههم! فامر به فقتل.

و حدثنى عمر، قال: حدثنا ابو الحسن، قال: حدثنا ابو مخنف، عن إسحاق بن راشد، عن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن ابيه، قال:

مشيت يوم الجمل و بي سبع و ثلاثون جراحه من ضربه و طعنه، و ما رايت مثل يوم الجمل قط، ما ينهزم منا احد، و ما نحن الا كالجبل الأسود، و ما يأخذ بخطام الجمل احد الا قتل، فأخذه عبد الرحمن بن عتاب فقتل، فأخذه الأسود بن ابى البختري فصرع، و جئت فأخذت بالخطام، فقالت عائشة: من أنت؟ قلت: عبد الله بن الزبير قالت: و اثكل أسماء! و مر بي الاشتر، فعرفته فعانقته، فسقطنا جميعا، و ناديت: اقتلوني و مالكا، فجاء ناس منا و منهم، فقاتلوا عنا حتى تحاجزنا، و ضاع الخطام، [و نادى على: اعقروا الجمل، فانه ان عقر تفرقوا،] فضربه رجل فسقط، فما سمعت صوتا قط أشد من عجيج الجمل.

و امر على محمد بن ابى بكر فضرب عليها قبة، و قال: انظر، هل وصل إليها شي‏ء؟ فادخل راسه، فقالت: من أنت؟ ويلك! فقال: ابغض اهلك إليك، قالت: ابن الخثعمية؟ قال: نعم، قالت: بابى أنت و أمي! الحمد لله الذى عافاك‏

520

حدثنى إسحاق بن ابراهيم بن حبيب بن الشهيد، قال: سمعت أبا بكر ابن عياش يقول: قال علقمه: قلت للأشتر: قد كنت كارها لقتل عثمان رضى الله عنه، فما اخرجك بالبصرة؟

قال: ان هؤلاء بايعوه، ثم نكثوا- و كان ابن الزبير هو الذى اكره عائشة على الخروج- فكنت ادعو الله عز و جل ان يلقينيه، فلقيني كفه لكفه، فما رضيت بشده ساعدى ان قمت في الركاب فضربته على راسه فصرعته.

قلنا فهو القائل: اقتلوني و مالكا؟ قال: لا، ما تركته و في نفسي منه شي‏ء، ذاك عبد الرحمن بن عتاب بن اسيد، لقيني فاختلفنا ضربتين، فصرعنى و صرعته، فجعل يقول اقتلوني و مالكا، و لا يعلمون من مالك، فلو يعلمون لقتلوني.

ثم قال ابو بكر بن عياش: هذا كتابك شاهده.

حدثنى به المغيره، عن ابراهيم، عن علقمه، قال: قلت للأشتر:

حدثنى عبد الله بن احمد، قال: حدثنى ابى، قال: حدثنى سليمان، قال: حدثنى عبد الله، عن طلحه بن النضر، عن عثمان بن سليمان، عن عبد الله بن الزبير، قال: وقف علينا شاب، فقال: احذروا هذين الرجلين، فذكره- و علامه الاشتر ان احدى قدميه باديه من شي‏ء يجد بها- قال:

لما التقينا قال الاشتر: لما قصد لي سوى رمحه لرجلى، قلت: هذا احمق، و ما عسى ان يدرك منى لو قطعها! ا لست قاتله! فلما دنا منى جمع يديه في الرمح، ثم التمس به وجهى، قلت:

احد الاقران.

حدثنى عمر بن شبه، قال: حدثنا ابو الحسن، عن ابى مخنف، عن ابن عبد الرحمن بن جندب، عن ابيه، عن جده، قال: كان عمرو ابن الأشرف أخذ بخطام الجمل، لا يدنو منه احد الا خبطه بسيفه، إذ اقبل الحارث بن زهير الأزدي و هو يقول:

521

يا أمنا يا خير أم نعلم* * * اما ترين كم شجاع يكلم!

و تختلى هامته و المعصم!

فاختلفا ضربتين، فرأيتهما يفحصان الارض بأرجلهما حتى ماتا.

فدخلت على عائشة رضى الله عنها بالمدينة، فقالت: من أنت؟ قلت:

رجل من الأزد، اسكن الكوفه، قالت: أشهدتنا يوم الجمل؟ قلت:

نعم، قالت: ا لنا أم علينا؟ قلت: عليكم، قالت: ا فتعرف الذى يقول:

يا أمنا يا خير أم نعلم‏

.

قلت: نعم، ذاك ابن عمى، فبكت حتى ظننت انها لا تسكت.

حدثنى عمر، قال: حدثنا ابو الحسن، عن ابى ليلى، عن دينار بن العيزار، قال: سمعت الاشتر يقول: لقيت عبد الرحمن بن عتاب بن اسيد، فلقيت أشد الناس و اروغه، فعانقته، فسقطنا الى الارض جميعا، فنادى: اقتلوني و مالكا.

حدثنى عمر قال: حدثنا ابو الحسن، عن ابى ليلى، عن دينار ابن العيزار، قال: سمعت الاشتر يقول: رايت عبد الله بن حكيم بن حزام معه رايه قريش، و عدى بن حاتم الطائي و هما يتصاولان كالفحلين، فتعاورناه فقتلناه- يعنى عبد الله- فطعن عبد الله عديا ففقأ عينه حدثنى عمر، قال: حدثنا ابو الحسن،

3

عن ابى مخنف، عن عمه محمد بن مخنف‏

3

، قال: حدثنى عده من اشياخ الحى كلهم شهد الجمل، قالوا: كانت رايه الأزد من اهل الكوفه مع مخنف بن سليم، فقتل يومئذ، فتناول الراية من اهل بيته الصقعب و اخوه عبد الله بن سليم، فقتلوه، فأخذها العلاء بن عروه، فكان الفتح، و هي في يده، و كانت رايه عبد القيس من اهل الكوفه مع القاسم بن مسلم، فقتل و قتل معه زيد بن صوحان و سيحان ابن صوحان، و أخذ الراية عده منهم فقتلوا، منهم عبد الله بن رقبه،

522

و راشد ثم أخذها منقذ بن النعمان، فدفعها الى ابنه مره بن منقذ، فانقضى الأمر و هي في يده، و كانت رايه بكر بن وائل من اهل الكوفه في بنى ذهل، كانت مع الحارث بن حسان بن خوط الذهلي، فقال ابو العرفاء الرقاشى: ابق على نفسك و قومك، فاقدم و قال: يا معشر بكر بن وائل، انه لم يكن احد له من رسول الله(ص)مثل منزله صاحبكم، فانصروه، فاقدم، فقتل و قتل ابنه و قتل خمسه اخوه له، فقال له يومئذ بشر بن خوط و هو يقاتل:

انا ابن حسان بن خوط و ابى* * * رسول بكر كلها الى النبي‏

و قال ابنه:

انعى الرئيس الحارث بن حسان* * * لال ذهل و لال شيبان‏

و قال رجل من ذهل:

تنعى لنا خير امرئ من عدنان* * * عند الطعان و نزال الاقران‏

و قتل رجال من بنى محدوج، و كانت الرياسة لهم من اهل الكوفه، و قتل من بنى ذهل خمسه و ثلاثون رجلا، فقال رجل لأخيه و هو يقاتل: يا أخي، ما احسن قتالنا ان كنا على حق! قال: فانا على الحق، ان الناس أخذوا يمينا و شمالا، و انما تمسكنا باهل بيت نبينا، فقاتلا حتى قتلا و كانت رياسه عبد القيس من اهل البصره- و كانوا مع على- لعمرو بن مرحوم، و رياسه بكر بن وائل لشقيق بن ثور، و الراية مع رشراشه مولاه، و رياسه الأزد من اهل البصره- و كانوا مع عائشة- لعبد الرحمن بن جشم بن ابى حنين الحمامي- فيما حدثنى عامر بن حفص، و يقال لصبره بن شيمان الحدانى- و الراية مع عمرو بن الأشرف العتكي، فقتل و قتل معه ثلاثة عشر رجلا من اهل بيته.

حدثنى عمر، قال: حدثنا ابو الحسن، قال: حدثنا ابو ليلى، عن ابى عكاشة الهمدانى، عن رفاعة البجلي، عن ابى البختري الطائي، قال:

523

اطافت ضبة و الأزد بعائشة يوم الجمل، و إذا رجال من الأزد يأخذون بعر الجمل فيفتونه و يشمونه، و يقولون: بعر جمل أمنا ريحه ريح المسك، و رجل من اصحاب على يقاتل و يقول:

جردت سيفي في رجال الأزد* * * اضرب في كهولهم و المرد

كل طويل الساعدين نهد

.

و ماج الناس بعضهم في بعض، فصرخ صارخ: اعقروا الجمل، فضربه بجير بن دلجه الضبي من اهل الكوفه، فقيل له: لم عقرته؟ فقال:

رايت قومى يقتلون، فخفت ان يفنوا، و رجوت ان عقرته ان يبقى لهم بقية.

حدثنى عمر، قال: حدثنا ابو الحسن، قال: حدثنا الصلت بن دينار، قال: انتهى رجل من بنى عقيل الى كعب بن سور- (رحمه الله)- و هو مقتول، فوضع زج رمحه في عينيه، ثم خضخضه، و قال: ما رايت مالا قط احكم نقدا منك.

حدثنى عمر، قال: حدثنا ابو الحسن، قال: حدثنا عوانه، قال:

اقتتلوا يوم الجمل يوما الى الليل، فقال بعضهم:

شفى السيف من زيد و هند نفوسنا* * * شفاء و من عيني عدى بن حاتم‏

صبرنا لهم يوما الى الليل كله* * * بصم القنا و المرهفات الصوارم‏

و قال ابن صامت:

يا ضب سيرى فان الارض واسعه* * * على شمالك ان الموت بالقاع‏

كتيبه كشعاع الشمس إذ طلعت* * * لها اتى إذا ما سال دفاع‏

إذا نقيم لكم في كل معترك* * * بالمشرفية ضربا غير ابداع‏

حدثنا العباس بن محمد، قال: حدثنا روح بن عباده، قال: حدثنا روح، عن ابى رجاء، قال: رايت رجلا قد اصطلمت اذنه، قلت:

524

ا خلقه، أم شي‏ء اصابك؟ قال: احدثك، بينا انا امشى بين القتلى يوم الجمل، فإذا رجل يفحص برجله، و هو يقول:

لقد اوردتنا حومه الموت أمنا* * * فلم ننصرف الا و نحن رواء

أطعنا قريشا ضله من حلومنا* * * و نصرتنا اهل الحجاز عناء

قلت: يا عبد الله، قل لا اله الا الله، قال: ادن منى، و لقني فان في اذنى وقرا، فدنوت منه، فقال لي: ممن أنت؟ قلت: رجل من الكوفه، فوثب على، فاصطلم اذنى كما ترى، ثم قال: إذا لقيت أمك فأخبرها ان عمير بن الأهلب الضبي فعل بك هذا.

حدثنى عمر، قال: حدثنا ابو الحسن، قال: حدثنا المفضل الراويه و عامر بن حفص و عبد المجيد الأسدي، قالوا: جرح يوم الجمل عمير بن الأهلب الضبي، فمر به رجل من اصحاب على و هو في الجرحى، فقال له عمير: ادن منى، فدنا منه، فقطع اذنه، و قال عمير بن الأهلب:

لقد اوردتنا حومه الموت أمنا* * * فلم ننصرف الا و نحن رواء

لقد كان عن نصر ابن ضبة أمه* * * و شيعتها مندوحه و غناء

أطعنا بنى تيم بن مره شقوه* * * و هل تيم الا اعبد و إماء!

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن المقدام الحارثى، قال: كان منا رجل يدعى هانئ بن خطاب، و كان ممن غزا عثمان، و لم يشهد الجمل، فلما سمع بهذا الرجز- يعنى رجز القائل:

نحن بنى ضبة اصحاب الجمل.

في حديث الناس، نقض عليه و هو بالكوفه:

أبت شيوخ مذحج و همدان* * * الا يردوا نعثلا كما كان‏

خلقا جديدا بعد خلق الرحمن

525

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن الصعب بن عطية، عن ابيه، قال: جعل ابو الجرباء يومئذ يرتجز و يقول:

ا سامع أنت مطيع لعلى* * * من قبل ان تذوق حد المشرفي‏

و خاذل في الحق ازواج النبي* * * اعرف قوما لست فيه بعنى‏

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه، قالا: كانت أم المؤمنين في حلقه من اهل النجدات و البصائر من افناء مضر، فكان لا يأخذ احد بالزمام الا كان يحمل الراية و اللواء لا يحسن تركها، و كان لا يأخذه الا معروف عند المطيفين بالجمل فينتسب لها:

انا فلان بن فلان، فو الله ان كانوا ليقاتلون عليه، و انه للموت لا يوصل اليه الا بطلبه و عنت، و ما رامه احد من اصحاب على الا قتل او افلت، ثم لم يعد و لما اختلط الناس بالقلب جاء عدى بن حاتم فحمل عليه، ففقئت عينه و نكل، فجاء الاشتر فحامله عبد الرحمن بن عتاب بن اسيد و انه لاقطع منزوف، فاعتنقه، ثم جلد به الارض عن دابته، فاضطرب تحته، فافلت و هو جريض.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن هشام بن عروه، عن ابيه، قال: كان لا يجي‏ء رجل فيأخذ بالزمام حتى يقول: انا فلان بن فلان يا أم المؤمنين، فجاء عبد الله بن الزبير، فقالت حين لم يتكلم:

من أنت؟ فقال: انا عبد الله، انا ابن أختك، قالت: وا ثكل أسماء!- تعنى أختها- و انتهى الى الجمل الاشتر و عدى بن حاتم، فخرج عبد الله ابن حكيم بن حزام الى الاشتر، فمشى اليه الاشتر، فاختلفا ضربتين، فقتله الاشتر، و مشى اليه عبد الله بن الزبير، فضربه الاشتر على راسه، فجرحه جرحا شديدا، و ضرب عبد الله الاشتر ضربه خفيفه، و اعتنق كل واحد منهما صاحبه، و خرا الى الارض يعتركان، فقال عبد الله بن الزبير:

اقتلوني و مالكا.

و كان مالك يقول: ما أحب ان يكون قال: و الاشتر و ان لي حمر

526

النعم و شد اناس من اصحاب على و اصحاب عائشة فافترقا، و تنقذ كل واحد من الفريقين صاحبه.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن الصعب بن عطية، عن ابيه، قال: و جاء محمد بن طلحه فاخذ بزمام الجمل، فقال: يا أمتاه، مرينى بأمرك قالت: آمرك ان تكون كخير بنى آدم ان تركت.

قال: فحمل فجعل لا يحمل عليه احد الا حمل عليه و يقول: حم لا ينصرون، و اجتمع عليه نفر، فكلهم ادعى قتله: المكعبر الأسدي، و المكعبر الضبي، و معاويه بن شداد العبسى، و عفان بن الاشقر النصرى، فانفذه بعضهم بالرمح، ففي ذلك يقول قاتله منهم:

و اشعث قوام بايات ربه* * * قليل الأذى فيما ترى العين مسلم‏

هنكت له بالرمح جيب قميصه* * * فخر صريعا لليدين و للفم‏

يذكرني حم و الرمح شاجر* * * فهلا تلا حم قبل التقدم!

على غير شي‏ء غير ان ليس تابعا* * * عليا و من لا يتبع الحق يندم‏

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن الصعب بن عطية، عن ابيه، قال: قال القعقاع بن عمرو للأشتر يؤلبه يومئذ: هل لك في العود؟

فلم يجبه فقال: يا اشتر، بعضنا اعلم بقتال بعض منك فحمل القعقاع، و ان الزمام مع زفر بن الحارث، و كان آخر من اعقب في الزمام، فلا و الله ما بقي من بنى عامر يومئذ شيخ الا اصيب قدام الجمل، فقتل فيمن قتل يومئذ ربيعه جد إسحاق بن مسلم، و زفر يرتجز و يقول:

يا أمنا يا عيش لن تراعى كل بنيك بطل شجاع ليس بوهام و لا براعى‏

527

و قام القعقاع يرتجز و يقول:

إذا وردنا آجنا جهرناه* * * و لا يطاق ورد ما منعناه‏

تمثلها تمثلا.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه، قالا: كان من آخر من قاتل ذلك اليوم زفر بن الحارث، فزحف اليه القعقاع، فلم يبق حول الجمل عامرى مكتهل الا اصيب، يتسرعون الى الموت، و قال القعقاع: يا بحير بن دلجه، صح بقومك فليعقروا الجمل قبل ان يصابوا و تصاب أم المؤمنين، فقال: يال ضبة، يا عمرو بن دلجه، ادع بي إليك، فدعا به، فقال: انا آمن حتى ارجع؟ قال: نعم قال:

فاجتث ساق البعير، فرمى بنفسه على شقه و جرجر البعير و قال القعقاع لمن يليه: أنتم آمنون و اجتمع هو و زفر على قطع بطان البعير، و حملا الهودج فوضعاه، ثم اطافا به، و تفار من وراء ذلك من الناس.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن الصعب بن عطية، عن ابيه، قال: لما امسى الناس و تقدم على و احيط بالجمل و من حوله، و عقره بجير بن دلجه، و قال: انكم آمنون، كف بعض الناس عن بعض و قال على في ذلك حين امسى و انخنس عنهم القتال:

إليك اشكو عجرى و بجرى* * * و معشرا غشوا على بصرى‏

قتلت منهم مضرا بمضرى* * * شفيت نفسي و قتلت معشرى‏

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن اسماعيل بن ابى خالد، عن حكيم بن جابر، قال: قال طلحه يومئذ: اللهم اعط عثمان منى حتى يرضى، فجاء سهم غرب و هو واقف، فخل ركبته بالسرج، و ثبت حتى امتلا موزجه دما، فلما ثقل قال لمولاه: اردفنى و ابغنى مكانا

528

لا اعرف فيه، فلم أر كاليوم شيخا اضيع دما منى فركب مولاه و امسكه و جعل يقول: قد لحقنا القوم، حتى انتهى به الى دار من دور البصره خربه، و انزله في فيئها، فمات في تلك الخربه، و دفن رضى الله عنه في بنى سعد.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن البختري العبدى، عن ابيه، قال: كانت ربيعه مع على يوم الجمل ثلث اهل الكوفه، و نصف الناس يوم الوقعه، و كانت تعبيتهم مضر و مضر، و ربيعه و ربيعه، و اليمن و اليمن، فقال بنو صوحان: يا امير المؤمنين، ائذن لنا نقف عن مضر، ففعل، فاتى زيد فقيل له: ما يوقفك حيال الجمل و بحيال مضر! الموت معك و بازائك، فاعتزل إلينا، فقال: الموت نريد فأصيبوا يومئذ، و افلت صعصعة من بينهم.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن الصعب بن عطية، قال: كان رجل منا يدعى الحارث، فقال يومئذ: يال مضر، علام يقتل بعضكم بعضا! تبادرون لا ندري الا انا الى قضاء، و ما تكفون في ذلك.

حدثنى عبد الله بن احمد، قال: حدثنى ابى، قال: حدثنى سليمان، قال: حدثنى عبد الله بن المبارك، عن جرير، قال: حدثنى الزبير بن الخريت، قال: حدثنى شيخ من الحرامين يقال له ابو جبير، قال: مررت بكعب بن سور و هو آخذ بخطام جمل عائشة رضى الله عنها يوم الجمل، فقال: يا أبا جبير، انا و الله كما قالت القائله:

بنى لا تبن و لا تقاتل‏

.

فحدثني الزبير بن الخريت، [قال: مر به على و هو قتيل، فقام عليه فقال: و الله انك- ما علمت- كنت لصليبا في الحق، قاضيا بالعدل، و كيت و كيت، فاثنى عليه‏]

529

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن ابن صعصعة المزنى- او عن صعصعة- عن عمرو بن جاوان، عن جرير بن اشرس، قال: كان القتال يومئذ في صدر النهار مع طلحه و الزبير، فانهزم الناس و عائشة توقع الصلح، فلم يفجاها الا الناس، فأحاطت بها مضر، و وقف الناس للقتال، فكان القتال نصف النهار مع عائشة و على كعب بن سور أخذ مصحف عائشة و على فبدر بين الصفين يناشدهم الله عز و جل في دمائهم، و اعطى درعه فرمى بها تحته، و اتى بترسه فتنكبه، فرشقوه رشقا واحدا، فقتلوه رضى الله عنه، و لم يمهلوهم ان شدوا عليهم، و التحم القتال، فكان أول مقتول بين يدي عائشة من اهل الكوفه.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن مخلد بن كثير، عن ابيه، قال: أرسلنا مسلم بن عبد الله يدعو بنى أبينا، فرشقوه- كما صنع القلب بكعب- رشقا واحدا، فقتلوه، فكان أول من قتل بين يدي امير المؤمنين و عائشة رضى الله عنها، فقالت أم مسلم ترثيه:

لا هم ان مسلما أتاهم مستسلما للموت إذ دعاهم الى كتاب الله لا يخشاهم فرملوه من دم إذ جاهم و أمهم قائمه تراهم ياتمرون الغى لا تنهاهم كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن الصعب بن حكيم ابن شريك، عن ابيه، عن جده، قال: لما انهزمت مجنبتا الكوفه عشيه الجمل، صاروا الى القلب- و كان ابن يثربى قاضى البصره قبل كعب بن سور، فشهدهم هو و اخوه يوم الجمل، و هما عبد الله و عمرو، فكان واقفا امام الجمل على فرس- فقال على: من رجل يحمل على الجمل؟ فانتدب له هند بن عمرو المرادى، فاعترضه ابن يثربى، فاختلفا ضربتين، فقتله ابن يثربى،

530

ثم حمل سيحان بن صوحان، فاعترضه ابن يثربى، فاختلفا ضربتين فقتله ابن يثربى، ثم حمل علباء بن الهيثم، فاعترضه ابن يثربى، فقتله، ثم حمل صعصعة فضربه، فقتل ثلاثة اجهز عليهم في المعركة: علباء، و هند، و سيحان، و ارتث صعصعة و زيد، فمات أحدهما، و بقي الآخر.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عمرو بن محمد، عن الشعبى، قال: أخذ الخطام يوم الجمل سبعون رجلا من قريش، كلهم يقتل و هو آخذ بالخطام، و حمل الاشتر فاعترضه عبد الله بن الزبير، فاختلفا ضربتين، ضربه الاشتر فأمه، و واثبه عبد الله، فاعتنقه فخر به، و جعل يقول: اقتلوني و مالكا- و كان الناس لا يعرفونه بمالك، و لو قال:

و الاشتر، و كانت له الف نفس ما نجا منها شي‏ء- و ما زال يضطرب في يدي عبد الله حتى افلت، و كان الرجل إذا حمل على الجمل ثم نجا لم يعد.

و جرح يومئذ مروان و عبد الله بن الزبير.

حدثنى عبد الله بن احمد، قال: حدثنى عمى، قال: حدثنى سليمان، قال: حدثنى عبد الله، عن جرير بن حازم، قال: حدثنى محمد بن ابى يعقوب و ابن عون، عن ابى رجاء، قال: قال يومئذ عمرو بن يثربى الضبي، و هو أخو عميرة القاضى.

نحن بنى ضبة اصحاب الجمل ننزل بالموت إذا الموت نزل و زاد ابن عون- و ليس في حديث ابن ابى يعقوب:

القتل احلى عندنا من العسل ننعى ابن عفان باطراف الأسل ردوا علينا شيخنا ثم بجل.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن داود بن ابى هند، عن شيخ من بنى ضبة، قال: ارتجز يومئذ ابن يثربى:

انا لمن انكرنى ابن يثربى قاتل علباء و هند الجملي‏

531

و ابن لصوحان على دين على.

و قال: من يبارز؟ فبرز له رجل، فقتله، ثم برز له آخر فقتله، و ارتجز و قال:

اقتلهم و قد ارى عليا* * * و لو اشا أوجرته عمريا

فبرز له عمار بن ياسر، و انه لأضعف من بارزه، و ان الناس ليسترجعون حين قام عمار، و انا اقول لعمار من ضعفه: هذا و الله لاحق باصحابه، و كان قضيفا، حمش الساقين، و عليه سيف حمائله تشف عنه قريب من ابطه، فيضربه ابن يثربى بسيفه، فنشب في حجفته، و ضربه عمار و اوهطه، و رمى اصحاب على ابن يثربى بالحجارة حتى أثخنوه و ارتثوه.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن حماد البرجمى، عن خارجه بن الصلت، قال: لما قال الضبي يوم الجمل:

نحن بنى ضبة اصحاب الجمل* * * ننعى ابن عفان باطراف الأسل‏

ردوا علينا شيخنا ثم بجل

.

قال عمير بن ابى الحارث:

كيف نرد شيخكم و قد قحل* * * نحن ضربنا صدره حتى انجفل!

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن الصعب بن حكيم، عن ابيه، عن جده، قال: عقر الجمل رجل من بنى ضبة يقال له:

ابن دلجه- عمرو او بجير- و قال في ذلك الحارث بن قيس- و كان من اصحاب عائشة:

532

نحن ضربنا ساقه فانجدلا* * * من ضربه بالنفر كانت فيصلا

لو لم نكون للرسول ثقلا* * * و حرمه لاقتسمونا عجلا

و قد نحل ذلك المثنى بن مخرمه من اصحاب على‏

. شده القتال يوم الجمل و خبر اعين بن ضبيعه و اطلاعه في الهودج‏

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن نويره، عن ابى عثمان، قال: قال القعقاع: ما رايت شيئا اشبه بشي‏ء من قتال القلب يوم الجمل بقتال صفين، لقد رايتنا ندافعهم باسنتنا و نتكئ على ازجتنا، و هم مثل ذلك حتى لو ان الرجال مشت عليها لاستقلت بهم.

حدثنى عيسى بن عبد الرحمن المروزى، قال: حدثنا الحسن بن الحسين العرني، قال: حدثنا يحيى بن يعلى الأسلمي، عن سليمان بن قرم، عن الاعمش، عن عبد الله بن سنان الكاهلى، قال: لما كان يوم الجمل ترامينا بالنبل حتى فنيت، و تطاعنا بالرماح حتى تشبكت في صدورنا و صدورهم، حتى لو سيرت عليها الخيل لسارت، ثم قال على: السيوف يا أبناء المهاجرين.

قال الشيخ: فما دخلت دار الوليد الا ذكرت ذلك اليوم.

حدثنى عبد الأعلى بن واصل، قال: حدثنا ابو فقيم، قال: حدثنا فطر، قال: سمعت أبا بشير قال: كنت مع مولاى زمن الجمل، فما مررت بدار الوليد قط، فسمعت أصوات القصارين يضربون الا ذكرت قتالهم.

حدثنى عيسى بن عبد الرحمن المروزى، قال: حدثنا الحسن بن الحسين، قال: حدثنا يحيى بن يعلى، عن عبد الملك بن مسلم، عن عيسى ابن حطان قال: حاص الناس حيصة، ثم رجعنا و عائشة على جمل‏

533

احمر، في هودج احمر، ما شبهته الا بالقنفذ من النبل.

حدثنى عبد الله بن احمد، قال: حدثنى ابى، قال: حدثنى سليمان، قال: حدثنى عبد الله، قال: حدثنى ابن عون، عن ابى رجاء، قال:

ذكروا يوم الجمل فقلت: كأني انظر الى خدر عائشة كأنه قنفذ مما رمى فيه من النبل، فقلت لأبي رجاء: ا قاتلت يومئذ؟ قال: و الله لقد رميت بأسهم فما ادرى ما صنعن.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن راشد السلمى، عن ميسره ابى جميله، ان محمد بن ابى بكر و عمار بن ياسر أتيا عائشة و قد عقر الجمل، فقطعا غرضه الرحل، و احتملا الهودج، فنحياه حتى امرهما على فيه امره بعد، قال: أدخلاها البصره، فادخلاها دار عبد الله بن خلف الخزاعي.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه، قالا:

امر على نفرا بحمل الهودج من بين القتلى، و قد كان القعقاع و زفر بن الحارث انزلاه عن ظهر البعير، فوضعاه الى جنب البعير، فاقبل محمد ابن ابى بكر اليه و معه نفر، فادخل يده فيه، فقالت: من هذا؟ قال:

اخوك البر، قالت: عقوق قال: عمار بن ياسر: كيف رايت ضرب بنيك اليوم يا أمه؟ قالت: من أنت؟ قال: انا ابنك البار عمار، قالت:

لست لك بام، قال: بلى، و ان كرهت قالت: فخرتم ان ظفرتم، و اتيتم مثل ما نقمتم، هيهات، و الله لن يظفر من كان هذا دابه و ابرزوها بهودجها من القتلى، و وضعوها ليس قربها احد، و كان هودجها فرخ مقصب مما فيه من النبل، و جاء اعين بن ضبيعه المجاشعي حتى اطلع في الهودج، فقالت: إليك لعنك الله! فقال: و الله ما ارى الا حميراء، قالت: هتك الله سترك، و قطع يدك، و ابدى عورتك! فقتل بالبصرة

534

و سلب، و قطعت يده، و رمى به عريانا في خربه من خربات الأزد، فانتهى إليها على، فقال: اى أمه، يغفر الله لنا و لكم، قالت: غفر الله لنا و لكم.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن الصعب بن حكيم ابن شريك، عن ابيه، عن جده، قال: انتهى محمد بن ابى بكر و معه عمار، فقطع الانساع عن الهودج، و احتملاه، فلما وضعاه ادخل محمد يده و قال: اخوك محمد، فقالت: مذمم، قال: يا أخيه، هل اصابك شي‏ء؟

قالت: ما أنت من ذاك؟ قال: فمن إذا! الضلال؟ قالت: بل الهداه، و انتهى إليها على، فقال: كيف أنت يا أمه؟ قالت: بخير، قال: يغفر الله لك قالت: و لك.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه، قالا:

و لما كان من آخر الليل خرج محمد بعائشة حتى أدخلها البصره، فانزلها في دار عبد الله بن خلف الخزاعي على صفيه ابنه الحارث بن طلحه بن ابى طلحه ابن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار، و هي أم طلحه الطلحات بن عبد الله ابن خلف.

و كانت الوقعه يوم الخميس لعشر خلون من جمادى الآخرة سنه ست و ثلاثين، في قول الواقدى‏

مقتل الزبير بن العوام رضى الله عنه‏

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن الوليد بن عبد الله، عن ابيه قال: لما انهزم الناس يوم الجمل عن طلحه و الزبير، و مضى الزبير رضى الله عنه حتى مر بعسكر الأحنف، فلما رآه و اخبر به قال: و الله ما هذا بخيار، و قال للناس: من يأتينا بخبره؟ فقال عمرو بن جرموز لأصحابه:

535

انا، فاتبعه، فلما لحقه نظر اليه الزبير- و كان شديد الغضب- قال:

ما وراءك؟ قال: انما اردت ان اسالك، فقال غلام للزبير يدعى عطية كان معه: انه معد، فقال: ما يهولك من رجل! و حضرت الصلاة، فقال ابن جرموز: الصلاة، فقال: الزبير: الصلاة، فنزلا، و استدبره ابن جرموز فطعنه من خلفه في جربان درعه، فقتله، و أخذ فرسه و خاتمه و سلاحه، و خلى عن الغلام، فدفنه بوادي السباع، و رجع الى الناس بالخبر.

فاما الأحنف فقال: و الله ما ادرى احسنت أم اسات! ثم انحدر الى على و ابن جرموز معه، فدخل عليه، فاخبره، [فدعا بالسيف، فقال: سيف طالما جلى الكرب عن وجه رسول الله ص! و بعث بذلك‏] الى عائشة، ثم اقبل على الأحنف فقال: تربصت، فقال: ما كنت أراني الا قد احسنت، و بأمرك كان ما كان يا امير المؤمنين، فارفق فان طريقك الذى سلكت بعيد، و أنت الى غدا احوج منك أمس، فاعرف إحساني، و استصف مودتي لغد، و لا تقولن مثل هذا، فانى لم أزل لك ناصحا

. من انهزم يوم الجمل فاختفى و مضى في البلاد

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه، قالا:

و مضى الزبير في صدر يوم الهزيمة راجلا نحو المدينة، فقتله ابن جرموز، قالا: و خرج عتبة بن ابى سفيان و عبد الرحمن و يحيى ابنا الحكم يوم الهزيمة، قد شججوا في البلاد، فلقوا عصمه بن ابير التيمى، فقال: هل لكم في الجوار؟ قالوا: من أنت؟ قال: عصمه بن ابير قالوا: نعم، قال:

فانتم في جواري الى الحول، فمضى بهم، ثم حماهم و اقام عليهم حتى برءوا، ثم قال: اختاروا أحب بلد إليكم أبلغكموه، قالوا: الشام، فخرج بهم في أربعمائة راكب من تيم الرباب، حتى إذا وغلوا في بلاد كلب بدومه‏

536

قالوا: قد وفيت ذمتك و ذممهم، و قضيت الذى عليك فارجع، فرجع.

و في ذلك يقول الشاعر:

وفى ابن ابير و الرماح شوارع* * * بال ابى العاصي وفاء مذكرا

و اما ابن عامر فانه خرج أيضا مشججا، فتلقاه رجل من بنى حرقوص يدعى مريا، فدعاه للجوار، فقال: نعم، فاجاره و اقام عليه، و قال:

اى البلدان أحب إليك؟ قال: دمشق، فخرج به في ركب من بنى حرقوص حتى بلغوا به دمشق و قال حارثة بن بدر- و كان مع عائشة، و اصيب في الوقعه ابنه او اخوه زراع:

أتاني من الأنباء ان ابن عامر* * * اناخ و القى في دمشق المراسيا

و أوى مروان بن الحكم الى اهل بيت من عنزه يوم الهزيمة، فقال لهم:

اعلموا مالك بن مسمع بمكاني، فاتوا مالكا فاخبروه بمكانه، فقال لأخيه مقاتل: كيف نصنع بهذا الرجل الذى قد بعث إلينا يعلمنا بمكانه؟ قال:

ابعث ابن أخي فاجره، و التمسوا له الامان من على، فان آمنه فذاك الذى نحب و ان لم يؤمنه خرجنا به و بأسيافنا، فان عرض له جالدنا دونه بأسيافنا، فاما ان نسلم، و اما ان نهلك كراما و قد استشار غيره من اهله من قبل في الذى استشار فيه مقاتلا، فنهاه، فاخذ براى أخيه، و ترك رأيهم، فأرسل اليه فانزله داره، و عزم على منعه ان اضطر الى ذلك، و قال: الموت دون الجوار وفاء، و حفظ لهم بنو مروان ذلك بعد، و انتفعوا به عندهم، و شرفوهم بذلك، و أوى عبد الله بن الزبير الى دار رجل من الأزد يدعى وزيرا، و قال:

ائت أم المؤمنين فأعلمها بمكاني، و إياك ان يطلع على هذا محمد بن ابى بكر، فاتى عائشة رضى الله عنها فأخبرها، فقالت: على بمحمد، فقال: يا أم المؤمنين، انه قد نهاني ان يعلم به محمد، فأرسلت اليه فقالت:

اذهب مع هذا الرجل حتى تجيئني بابن أختك، فانطلق معه فدخل بالأزدي‏

537

على ابن الزبير، قال: جئتك و الله بما كرهت، و أبت أم المؤمنين الا ذلك، فخرج عبد الله و محمد و هما يتشاتمان، فذكر محمد عثمان فشتمه و شتم عبد الله محمدا حتى انتهى الى عائشة في دار عبد الله بن خلف- و كان عبد الله ابن خلف قبل يوم الجمل مع عائشة، و قتل عثمان اخوه مع على- و أرسلت عائشة في طلب من كان جريحا فضمت منهم ناسا، و ضمت مروان فيمن ضمت، فكانوا في بيوت الدار.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه، قالا:

و غشى الوجوه عائشة و على في عسكره، و دخل القعقاع بن عمرو على عائشة في أول من دخل، فسلم عليها، فقالت: انى رايت رجلين بالأمس اجتلدا بين يدي و ارتجزا بكذا، فهل تعرف كوفيك منهما؟ قال: نعم، ذاك الذى قال: ا عق أم نعلم، و كذب و الله، انك لأبر أم نعلم، و لكن لم تطاعى فقالت: و الله لوددت انى مت قبل هذا اليوم بعشرين سنه و خرج فاتى عليا فاخبره ان عائشة سألته، فقال: ويحك! من الرجلان؟ قال: ذلك ابو هاله الذى يقول:

كيما ارى صاحبه عليا

.

فقال: و الله لوددت انى مت قبل هذا اليوم بعشرين سنه، فكان قولهما واحدا.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه، قالا:

و تسلل الجرحى في جوف الليل، و دخل البصره من كان يطيق الانبعاث منهم، و سالت عائشة يومئذ عن عده من الناس، منهم من كان معها، و منهم من كان عليها، و قد غشيها الناس، و هي في دار عبد الله بن خلف، فكلما نعى لها منهم واحد قالت: ي(رحمه الله)، فقال لها رجل من أصحابها:

كيف ذلك؟ قالت: كذلك قال رسول الله ص: فلان في الجنه، و فلان في الجنه [و قال على بن ابى طالب يومئذ: انى لأرجو الا يكون احد من هؤلاء نقى قلبه الا ادخله الله الجنه‏] كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عطية، عن [ابى أيوب، عن على، قال: ما نزل على النبي(ص)آيه افرح له من‏

538

قول الله عز و جل: «وَ ما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَ يَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ]»، [فقال ص: ما أصاب المسلم في الدنيا من مصيبه في نفسه فبذنب، و ما يعفو الله عز و جل عنه اكثر، و ما اصابه في الدنيا فهو كفاره له و عفو منه لا يعتد عليه فيه عقوبة يوم القيامه، و ما عفا الله عز و جل عنه في الدنيا فقد عفا عنه، و الله اعظم من ان يعود في عفوه‏]

. توجع على على قتلى الجمل و دفنهم و جمعه ما كان في العسكر و البعث به الى البصره‏

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه، قالا:

و اقام على بن ابى طالب في عسكره ثلاثة ايام لا يدخل البصره، و ندب الناس الى موتاهم، فخرجوا اليهم فدفنوهم، [فطاف على معهم في القتلى، فلما اتى بكعب بن سور قال: زعمتم انما خرج معهم السفهاء، و هذا الحبر قد ترون‏] [و اتى على عبد الرحمن بن عتاب فقال: هذا يعسوب القوم- يقول الذى كانوا يطيفون به- يعنى انهم قد كانوا اجتمعوا عليه، و رضوا به لصلاتهم‏] و جعل على كلما مر برجل فيه خير قال: زعم من زعم انه لم يخرج إلينا الا الغوغاء، هذا العابد المجتهد و صلى على قتلاهم من اهل البصره، و على قتلاهم من اهل الكوفه، و صلى على قريش من هؤلاء و هؤلاء، فكانوا مدنيين و مكيين، و دفن على الاطراف في قبر عظيم، و جمع ما كان في العسكر من شي‏ء، ثم بعث به الى مسجد البصره، ان من عرف شيئا فليأخذه، الا سلاحا كان في الخزائن عليه سمه السلطان، فانه لما بقي لم يعرف، خذوا ما اجلبوا به عليكم من مال الله عز و جل، لا يحل لمسلم‏

539

من مال المسلم المتوفى شي‏ء، و انما كان ذلك السلاح في ايديهم من غير تنفيل من السلطان‏

. عدد قتلى الجمل‏

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه، قالا:

كان قتلى الجمل حول الجمل عشره آلاف، نصفهم من اصحاب على، و نصفهم من اصحاب عائشة، من الأزد الفان، و من سائر اليمن خمسمائة، و من مضر الفان، و خمسمائة من قيس، و خمسمائة من تميم، و الف من بنى ضبة، و خمسمائة من بكر بن وائل و قيل: قتل من اهل البصره في المعركة الاولى خمسه آلاف، و قتل من اهل البصره في المعركة الثانيه خمسه آلاف، فذلك عشره آلاف قتيل من اهل البصره، و من اهل الكوفه خمسه آلاف.

قالا: و قتل من بنى عدى يومئذ سبعون شيخا، كلهم قد قرأ القرآن، سوى الشباب و من لم يقرا القرآن.

و قالت عائشة رضى الله عنها: ما زلت أرجو النصر حتى خفيت أصوات بنى عدى‏

. دخول على على عائشة و ما امر به من العقوبة فيمن تناولها

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه، قالا:

و دخل على البصره يوم الاثنين، فانتهى الى المسجد، فصلى فيه، ثم دخل البصره، فأتاه الناس، ثم راح الى عائشة على بغلته، فلما انتهى الى دار عبد الله بن خلف و هي اعظم دار بالبصرة، وجد النساء يبكين على عبد الله و عثمان ابنى خلف مع عائشة، و صفيه ابنه الحارث مختمره تبكى، فلما

540

رأته قالت: يا على، يا قاتل الأحبة، يا مفرق الجمع، أيتم الله بنيك منك كما ايتمت ولد عبد الله منه! فلم يرد عليها شيئا، و لم يزل على حاله حتى دخل على عائشة، فسلم عليها، و قعد عندها، و قال لها: جبهتنا صفيه، اما انى لم ارها منذ كانت جاريه حتى اليوم، فلما خرج على اقبلت عليه فاعادت عليه الكلام، فكف بغلته و قال: اما لهممت- و اشار الى الأبواب من الدار- ان افتح هذا الباب و اقتل من فيه، ثم هذا فاقتل من فيه، ثم هذا فاقتل من فيه- و كان اناس من الجرحى قد لجئوا الى عائشة، فاخبر على بمكانهم عندها، فتغافل عنهم- فسكتت [فخرج على، فقال رجل من الأزد: و الله لا تفلتنا هذه المرأة فغضب و قال: صه! لا تهتكن سترا، و لا تدخلن دارا، و لا تهيجن امراه بأذى، و ان شتمن اعراضكم، و سفهن أمراءكم و صلحاءكم، فإنهن ضعاف، و لقد كنا نؤمر بالكف عنهن، و انهن لمشركات، و ان الرجل ليكافئ المرأة و يتناولها بالضرب فيعير بها عقبه من بعده، فلا يبلغني عن احد عرض لامرأة فانكل به شرار الناس‏] و مضى على، فلحق به رجل، فقال: يا امير المؤمنين، قام رجلان ممن لقيت على الباب، فتناولا من هو امض لك شتيمه من صفيه قال: ويحك! لعلها عائشة قال: نعم، قام رجلان منهم على باب الدار فقال أحدهما:

جزيت عنا أمنا عقوقا

.

و قال الآخر:

يا أمنا توبي فقد خطيت‏

.

فبعث القعقاع بن عمرو الى الباب، فاقبل بمن كان عليه، فأحالوا على رجلين، فقال: اضرب أعناقهما، ثم قال: لانهكنهما عقوبة فضربهما مائه مائه، و أخرجهما من ثيابهما.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن الحارث بن حصيره، عن ابى الكنود، قال: هما رجلان من ازد الكوفه يقال لهما عجل و سعد ابنا عبد الله‏

541

بيعه اهل البصره عليا و قسمه ما في بيت المال عليهم‏

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه، قالا:

بايع الأحنف من العشى لأنه كان خارجا هو و بنو سعد، ثم دخلوا جميعا البصره، فبايع اهل البصره على راياتهم، و بايع على اهل البصره حتى الجرحى و المستأمنة، فلما رجع مروان لحق بمعاويه و قال قائلون: لم يبرح المدينة حتى فرغ من صفين.

قالا: [و لما فرغ على من بيعه اهل البصره نظر في بيت المال فإذا فيه ستمائه الف و زياده، فقسمها على من شهد معه الوقعه، فأصاب كل رجل منهم خمسمائة خمسمائة، و قال: لكم ان اظفركم الله عز و جل بالشام مثلها الى اعطياتكم‏] و خاض في ذلك السبئيه، و طعنوا على على من وراء وراء

. سيره على فيمن قاتل يوم الجمل‏

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن راشد، عن ابيه، قال: كان من سيره على الا يقتل مدبرا و لا يذفف على جريح، و لا يكشف سترا، و لا يأخذ مالا، [فقال قوم يومئذ: ما يحل لنا دماءهم، و يحرم علينا أموالهم؟ فقال على: القوم امثالكم، من صفح عنا فهو منا، و نحن منه، و من لج حتى يصاب فقتاله منى على الصدر و النحر، و ان لكم في خمسه لغنى،] فيومئذ تكلمت الخوارج‏

. بعثه الاشتر الى عائشة بجمل اشتراه لها و خروجها من البصره الى مكة

حدثنا ابو كريب محمد بن العلاء، قال: حدثنا يحيى بن آدم، عن ابى بكر بن عياش، عن عاصم بن كليب، عن ابيه، قال: لما فرغوا يوم‏

542

الجمل أمرني الاشتر فانطلقت فاشتريت له جملا بسبعمائة درهم من رجل من مهره، فقال: انطلق به الى عائشة فقل لها: بعث به إليك الاشتر مالك ابن الحارث، و قال: هذا عوض من بعيرك، فانطلقت به إليها، فقلت:

مالك يقرئك السلام و يقول: ان هذا البعير مكان بعيرك، قالت: لاسلم الله عليه، إذ قتل يعسوب العرب- تعنى ابن طلحه- و صنع بابن أختي ما صنع! قال: فرددته الى الاشتر، و اعلمته، قال: فاخرج ذراعين شعراوين، و قال: أرادوا قتلى فما اصنع! كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه، قالا:

قصدت عائشة مكة فكان وجهها من البصره، و انصرف مروان و الأسود بن ابى البختري الى المدينة من الطريق، و اقامت عائشة بمكة الى الحج، ثم رجعت الى المدينة

. ما كتب به على بن ابى طالب من الفتح الى عامله بالكوفه‏

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه، قالا:

و كتب على بالفتح الى عامله بالكوفه حين كتب في امرها و هو يومئذ بمكة:

من عبد الله على امير المؤمنين اما بعد، فانا التقينا في النصف من جمادى الآخرة بالخريبة- فناء من افنيه البصره- فأعطاهم الله عز و جل سنه المسلمين، و قتل منا و منهم قتلى كثيره، و اصيب ممن اصيب منا ثمامة بن المثنى، و هند بن عمرو، و علباء بن الهيثم، و سيحان و زيد ابنا صوحان، و محدوج.

و كتب عبيد الله بن رافع و كان الرسول زفر بن قيس الى الكوفه بالبشارة في جمادى الآخرة

543

أخذ على البيعه على الناس و خبر زياد بن ابى سفيان و عبد الرحمن بن ابى بكره‏

و كان في البيعه: عليك عهد الله و ميثاقه بالوفاء لتكونن لسلمنا سلما، و لحربنا حربا، و لتكفن عنا لسانك و يدك و كان زياد بن ابى سفيان ممن اعتزل و لم يشهد المعركة، قعد و كان في بيت نافع بن الحارث، و جاء عبد الرحمن ابن ابى بكره في المستأمنين مسلما بعد ما فرغ على من البيعه، فقال له على:

و عمك المتربص المقاعد بي! فقال: و الله يا امير المؤمنين، انه لك لواد، و انه على مسرتك لحريص، و لكنه بلغنى انه يشتكى، فاعلم لك علمه ثم آتيك.

و كتم عليا مكانه حتى استامره، فأمره ان يعلمه فاعلمه، فقال على: امش امامى فاهدني اليه، ففعل، فلما دخل عليه قال: تقاعدت عنى، و تربصت- و وضع يده على صدره، و قال: هذا وجع بين- فاعتذر اليه زياد، فقبل عذره و استشاره و اراده على على البصره، فقال: رجل من اهل بيتك يسكن اليه الناس، فانه اجدر ان يطمئنوا او ينقادوا، و سأكفيكه و أشير عليه.

فافترقا على ابن عباس، و رجع على الى منزله‏

. تأمير ابن عباس على البصره و توليه زياد الخراج‏

و امر ابن عباس على البصره، و ولى زياد الخراج و بيت المال، و امر ابن عباس ان يسمع منه، فكان ابن عباس يقول: استشرته عند هنه كانت من الناس، فقال: ان كنت تعلم انك على الحق، و ان من خالفك على الباطل، اشرت عليك بما ينبغى، و ان كنت لا تدرى، اشرت عليك بما ينبغى كذلك.

فقلت: انى على الحق، و انهم على الباطل، فقال: اضرب بمن أطاعك من عصاك و من ترك امرك، فان كان أعز للإسلام و اصلح له ان يضرب عنقه فاضرب عنقه فاستكتبته، فلما ولى رايت ما صنع، و علمت انه قد اجتهد لي رايه، و اعجلت السبئيه عليا عن المقام، و ارتحلوا بغير اذنه،

544

فارتحل في آثارهم ليقطع عليهم امرا ان كانوا ارادوه، و قد كان له فيها مقام.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه، قالا:

علم اهل المدينة بيوم الجمل يوم الخميس قبل ان تغرب الشمس من نسر مر بما حول المدينة، معه شي‏ء متعلقه، فتأمله الناس فوقع، فإذا كف فيها خاتم، نقشه عبد الرحمن بن عتاب، و جفل من بين مكة و المدينة من اهل البصره، من قرب من البصره او بعد، و قد علموا بالوقعه مما ينقل اليهم النسور من الأيدي و الاقدام‏

تجهيز على(ع)عائشة رضى الله عنها من البصره‏

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه، قالا:

و جهز على عائشة بكل شي‏ء ينبغى لها من مركب او زاد او متاع، و اخرج معها كل من نجا ممن خرج معها الا من أحب المقام، و اختار لها اربعين امراه من نساء اهل البصره المعروفات، و قال: تجهز يا محمد، فبلغها، فلما كان اليوم الذى ترتحل فيه، جاءها حتى وقف لها، و حضر الناس، فخرجت على الناس و ودعوها و ودعتهم، و قالت: يا بنى، تعتب بعضنا على بعض استبطاء و استزاده، فلا يعتدن احد منكم على احد بشي‏ء بلغه من ذلك، انه و الله ما كان بيني و بين على في القديم الا ما يكون بين المرأة و احمائها، و انه عندي على معتبى من الاخيار [و قال على: يا ايها الناس، صدقت و الله و برت، ما كان بيني و بينها الا ذلك، و انها لزوجه نبيكم(ص)في الدنيا و الآخرة].

و خرجت يوم السبت لغره رجب سنه ست و ثلاثين، و شيعها على اميالا، و سرح بنيه معها يوما

545

ما روى من كثره القتلى يوم الجمل‏

حدثنى عمر بن شبه، قال: حدثنا ابو الحسن، قال: حدثنا محمد ابن الفضل بن عطية الخراسانى، عن سعيد القطعي، قال: كنا نتحدث ان قتلى الجمل يزيدون على سته آلاف.

حدثنى عبد الله بن احمد بن شبويه، قال: حدثنى ابى، قال:

حدثنا سليمان بن صالح، قال: حدثنى عبد الله، عن جرير بن حازم، قال: حدثنى الزبير بن الخريت، عن ابى لبيد لمازه بن زياد، قال: قلت له: لم تسب عليا؟ قال: ا لا اسب رجلا قتل منا الفين و خمسمائة، و الشمس هاهنا! قال جرير بن حازم: و سمعت ابن ابى يعقوب يقول: قتل على بن ابى طالب يوم الجمل الفين و خمسمائة، الف و ثلاثمائة و خمسون من الأزد و ثمانمائه من بنى ضبة، و ثلاثمائة و خمسون من سائر الناس.

و حدثنى ابى، عن سليمان، عن عبد الله، عن جرير، قال: قتل المعرض بن علاط يوم الجمل، فقال اخوه الحجاج:

لم أر يوما كان اكثر ساعيا* * * بكف شمال فارقتها يمينها

قال معاذ: و حدثنى عبد الله، قال: قال جرير:

3

قتل المعرض بن علاط يوم الجمل، فقال اخوه الحجاج:

لم أر يوما كان اكثر ساعيا* * * بكف شمال فارقتها يمينها

ما قال عمار بن ياسر لعائشة حين فرغ من الجمل‏

حدثنى عبد الله بن احمد، قال: حدثنى ابى، عن سليمان، قال:

حدثنى عبد الله، عن جرير بن حازم، قال: سمعت أبا يزيد المديني يقول:

قال عمار بن ياسر لعائشة- رضى الله عنها- حين فرغ القوم: يا أم المؤمنين، ما ابعد هذا المسير من العهد الذى عهد إليك! قالت: ابو اليقظان! قال:

546

نعم، قالت: و الله انك- ما علمت- قوال بالحق، قال: الحمد لله الذى قضى لي على لسانك‏

. آخر حديث الجمل بعثه على بن ابى طالب قيس بن سعد بن عباده أميرا على مصر

و في هذه السنه- اعنى سنه ست و ثلاثين- قتل محمد بن ابى حذيفة، و كان سبب قتله انه لما خرج المصريون الى عثمان مع محمد بن ابى بكر، اقام بمصر، و اخرج عنها عبد الله بن سعد بن ابى سرح، و ضبطها، فلم يزل بها مقيما حتى قتل عثمان رضى الله عنه، و بويع لعلى، و اظهر معاويه الخلاف، و بايعه على ذلك عمرو بن العاص، فسار معاويه و عمرو الى محمد بن ابى حذيفة قبل قدوم قيس بن سعد مصر، فعالجا دخول مصر، فلم يقدرا على ذلك، فلم يزالا يخدعان محمد بن ابى حذيفة حتى خرج الى عريش مصر في الف رجل، فتحصن بها، و جاءه عمرو فنصب المنجنيق عليه حتى نزل في ثلاثين من اصحابه و أخذوا و قتلوا رحمهم الله.

و اما هشام بن محمد فانه ذكر ان أبا مخنف لوط بن يحيى بن سعيد ابن مخنف بن سليم، حدثه عن محمد بن يوسف الأنصاري من بنى الحارث بن الخزرج، عن عباس بن سهل الساعدي ان محمد بن ابى حذيفة بن عتبة بن ربيعه بن عبد شمس بن عبد مناف هو الذى كان سرب المصريين الى عثمان بن عفان، و انهم لما ساروا الى عثمان فحصروه وثب هو بمصر على عبد الله بن سعد بن ابى سرح احد بنى عامر بن لؤي القرشي، و هو عامل عثمان يومئذ على مصر، فطرده منها، و صلى بالناس، فخرج عبد الله ابن سعد من مصر فنزل على تخوم ارض مصر مما يلى فلسطين، فانتظر ما يكون من امر عثمان، فطلع راكب فقال: يا عبد الله، ما وراءك؟ خبرنا بخبر الناس خلفك، قال: افعل، قتل المسلمون عثمان رضى الله عنه، فقال عبد الله بن سعد: «إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ‏»!، يا عبد الله، ثم صنعوا

547

ما ذا؟ قال: ثم بايعوا ابن عم رسول الله(ص)على بن ابى طالب، قال عبد الله بن سعد: «إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ‏»، قال له الرجل: كان ولايه على بن ابى طالب عدلت عندك قتل عثمان! قال: اجل قال:

فنظر اليه الرجل، فتأمله فعرفه و قال: كأنك عبد الله بن ابى سرح امير مصر! قال: اجل، قال له الرجل: فان كان لك في نفسك حاجه فالنجاء النجاء، فان راى امير المؤمنين فيك و في أصحابك سيئ، ان ظفر بكم قتلكم او نفاكم عن بلاد المسلمين، و هذا بعدي امير يقدم عليك قال له عبد الله: و من هذا الأمير؟ قال: قيس بن سعد بن عباده الأنصاري، قال عبد الله بن سعد: ابعد الله محمد بن ابى حذيفة! فانه بغى على ابن عمه، و سعى عليه، و قد كان كفله و رباه و احسن اليه، فأساء جواره، و وثب على عماله، و جهز الرجال اليه حتى قتل، ثم ولى عليه من هو ابعد منه و من عثمان، لم يمتعه بسلطان بلاده حولا و لا شهرا، و لم يره لذلك أهلا، فقال له الرجل:

انج بنفسك، لا تقتل فخرج عبد الله بن سعد هاربا حتى قدم على معاويه ابن ابى سفيان دمشق.

قال ابو جعفر: فخبر هشام هذا يدل على ان قيس بن سعد ولى مصر و محمد بن ابى حذيفة حي.

و في هذه السنه بعث على بن ابى طالب على مصر قيس بن سعد بن عباده الأنصاري، فكان من امره ما ذكر هشام بن محمد الكلبى، قال:

حدثنى ابو مخنف، عن محمد بن يوسف بن ثابت، عن سهل بن سعد، قال: [لما قتل عثمان رضى الله عنه و ولى على بن ابى طالب الأمر، دعا قيس ابن سعد الأنصاري فقال له: سر الى مصر فقد وليتكها، و اخرج الى‏

548

رحلك، و اجمع إليك ثقاتك و من احببت ان يصحبك حتى تأتيها و معك جند، فان ذلك ارعب لعدوك و أعز لوليك، فإذا أنت قدمتها ان شاء الله فاحسن الى المحسن، و اشتد على المريب، و ارفق بالعامه و الخاصة، فان الرفق يمن‏].

فقال له قيس بن سعد: رحمك الله يا امير المؤمنين! فقد فهمت ما قلت، اما قولك: اخرج إليها بجند، فو الله لئن لم أدخلها الا بجند آتيها به من المدينة لا أدخلها ابدا، فانا ادع ذلك الجند لك، فان أنت احتجت اليهم كانوا منك قريبا، و ان اردت ان تبعثهم الى وجه من وجوهك كانوا عده لك، و انا اصير إليها بنفسي و اهل بيتى و اما ما أوصيتني به من الرفق و الاحسان، فان الله عز و جل هو المستعان على ذلك.

قال: فخرج قيس بن سعد في سبعه نفر من اصحابه حتى دخل مصر، فصعد المنبر، فجلس عليه، و امر بكتاب معه من امير المؤمنين فقرئ على اهل مصر:

بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله على امير المؤمنين الى من بلغه كتابي هذا من المؤمنين و المسلمين سلام عليكم، فانى احمد إليكم الله الذى لا اله الا هو اما بعد، فان الله عز و جل بحسن صنعه و تقديره و تدبيره، اختار الاسلام دينا لنفسه و ملائكته و رسله، و بعث به الرسل(ع)الى عباده، و خص به من انتخب من خلقه، فكان مما اكرم الله عز و جل به هذه الامه، و خصهم به من الفضيلة ان بعث اليهم محمدا (صلى الله عليه و سلم)، فعلمهم الكتاب و الحكمه و الفرائض و السنه، لكيما يهتدوا، و جمعهم لكيما لا يتفرقوا، و زكاهم لكيما يتطهروا، و رفههم لكيما لا يجوروا، فلما قضى من ذلك ما عليه قبضه الله عز و جل صلوات الله عليه و رحمته و بركاته ثم ان المسلمين استخلفوا به أميرين صالحين، عملا بالكتاب و السنه، و احسنا السيرة، و لم يعدوا السنه، ثم توفاهما الله عز و جل، رضى الله عنهما ثم ولى‏

549

بعدهما وال فاحدث احداثا، فوجدت الامه عليه مقالا فقالوا، ثم نقموا عليه فغيروا، ثم جاءوني فبايعوني، فاستهدى الله عز و جل بالهدى، و استعينه على التقوى الا و ان لكم علينا العمل بكتاب الله و سنه رسوله ص، و القيام عليكم بحقه و التنفيذ لسنته، و النصح لكم بالغيب، و الله المستعان، و حسبنا الله و نعم الوكيل و قد بعثت إليكم قيس بن سعد بن عباده أميرا، فوازروه و كانفوه، و اعينوه على الحق، و قد امرته بالإحسان الى محسنكم، و الشده على مريبكم، و الرفق بعوامكم و خواصكم، و هو ممن ارضى هديه، و أرجو صلاحه و نصيحته اسال الله عز و جل لنا و لكم عملا زاكيا، و ثوابا جزيلا، و رحمه واسعه، و السلام عليكم و رحمه الله و بركاته.

و كتب عبيد الله بن ابى رافع في صفر سنه ست و ثلاثين.

قال: ثم ان قيس بن سعد قام خطيبا، فحمد الله و اثنى عليه، و صلى على محمد ص، و قال: الحمد لله الذى جاء بالحق، و أمات الباطل، و كبت الظالمين ايها الناس، انا قد بايعنا خير من نعلم بعد محمد نبينا ص، فقوموا ايها الناس فبايعوا على كتاب الله عز و جل و سنه رسوله (صلى الله عليه و سلم)، فان نحن لم نعمل لكم بذلك فلا بيعه لنا عليكم.

فقام الناس فبايعوا، و استقامت له مصر، و بعث عليها عماله، الا ان قريه منها يقال لها: خربتا فيها اناس قد أعظموا قتل عثمان بن عفان رضى الله عنه، و بها رجل من كنانه ثم من بنى مدلج يقال له يزيد بن الحارث من بنى الحارث بن مدلج فبعث هؤلاء الى قيس بن سعد: انا لا نقاتلك فابعث عمالك، فالأرض أرضك، و لكن أقرنا على حالنا حتى ننظر الى ما يصير امر الناس.

قال: و وثب مسلمه بن مخلد الأنصاري، ثم من ساعده من رهط قيس ابن سعد، فنعى عثمان بن عفان رضى الله عنه، و دعا الى الطلب بدمه، فأرسل‏

550

اليه قيس بن سعد: ويحك، على تثب! فو الله ما أحب ان لي ملك الشام الى مصر و انى قتلتك فبعث اليه مسلمه: انى كاف عنك ما دمت أنت والى مصر.

قال: و كان قيس بن سعد له حزم و راى، فبعث الى الذين بخربتا:

انى لا أكرهكم على البيعه، و انا أدعكم و اكف عنكم فهادنهم و هادن مسلمه بن مخلد، و جبى الخراج، ليس احد من الناس ينازعه.

قال: و خرج امير المؤمنين الى اهل الجمل و هو على مصر، و رجع الى الكوفه من البصره و هو بمكانه، فكان اثقل خلق الله على معاويه بن ابى سفيان لقربه من الشام، مخافه ان يقبل اليه على في اهل العراق، و يقبل اليه قيس بن سعد في اهل مصر، فيقع معاويه بينهما.

و كتب معاويه بن ابى سفيان الى قيس بن سعد- و على بن ابى طالب يومئذ بالكوفه قبل ان يسير الى صفين:

من معاويه بن ابى سفيان الى قيس بن سعد سلام عليك، اما بعد، فإنكم ان كنتم نقمتم على عثمان بن عفان رضى الله عنه في اثره رأيتموها، او ضربه سوط ضربها، او شتيمه رجل، او في تسييره آخر، او في استعماله الفتى، فإنكم قد علمتم- ان كنتم تعلمون- ان دمه لم يكن يحل لكم، فقد ركبتم عظيما من الأمر، و جئتم شيئا ادا، فتب الى الله عز و جل يا قيس ابن سعد فإنك كنت في المجلبين على عثمان بن عفان- ان كانت التوبة من قتل المؤمن تغنى شيئا- فاما صاحبك فانا استيقنا انه الذى اغرى به الناس، و حملهم على قتله حتى قتلوه، و انه لم يسلم من دمه عظم قومك، فان استطعت يا قيس ان تكون ممن يطلب بدم عثمان فافعل تابعنا على امرنا، و لك سلطان العراقين إذا ظهرت ما بقيت، و لمن احببت من اهل بيتك سلطان الحجاز ما دام لي سلطان، و سلني غير هذا مما تحب، فإنك لا تسألني‏

551

شيئا الا أوتيته، و اكتب الى برأيك فيما كتبت به إليك و السلام.

فلما جاءه كتاب معاويه أحب ان يدافعه و لا يبدى له امره، و لا يتعجل له حربه، فكتب اليه:

اما بعد، فقد بلغنى كتابك، و فهمت ما ذكرت فيه من قتل عثمان، و ذلك امر لم اقارفه، و لم أطف به و ذكرت ان صاحبي هو اغرى الناس بعثمان، و دسهم اليه حتى قتلوه، و هذا ما لم اطلع عليه، و ذكرت ان عظم عشيرتي لم تسلم من دم عثمان، فأول الناس كان فيه قياما عشيرتي و اما ما سألتني من متابعتك، و عرضت على من الجزاء به، فقد فهمته، و هذا امر لي فيه نظر و فكره، و ليس هذا مما يسرع اليه، و انا كاف عنك، و لن يأتيك من قبلي شي‏ء تكرهه حتى ترى و نرى ان شاء الله، و المستجار الله عز و جل، و السلام عليك و رحمه الله و بركاته.

قال: فلما قرأ معاويه كتابه، لم يره الا مقاربا مباعدا، و لم يامن ان يكون له في ذلك مباعدا مكايدا، فكتب اليه معاويه أيضا:

اما بعد، فقد قرات كتابك، فلم ارك تدنو فأعدك سلما، و لم ارك تباعد فأعدك حربا، أنت فيما هاهنا كحنك الجزور، و ليس مثلي يصانع المخادع، و لا ينتزع للمكايد، و معه عدد الرجال، و بيده اعنه الخيل، و السلام عليك.

فلما قرأ قيس بن سعد كتاب معاويه، و راى انه لا يقبل معه المدافعة و المماطله، اظهر له ذات نفسه، فكتب اليه:

بسم الله الرحمن الرحيم من قيس بن سعد، الى معاويه بن ابى سفيان.

اما بعد، فان العجب من اغترارك بي، و طمعك في، و استسقاطك رأيي.

ا تسومني الخروج من طاعه اولى الناس بالإمرة، و اقولهم للحق، و اهداهم سبيلا، و اقربهم من رسول الله(ص)وسيله، و تأمرني بالدخول في طاعتك، طاعه ابعد الناس من هذا الأمر، و أقولهم للزور، و أضلهم سبيلا، و ابعدهم من الله عز و جل و رسوله(ص)وسيله، ولد ضالين مضلين، طاغوت من طواغيت ابليس! و اما قولك انى مالئ عليك مصر خيلا و رجلا

552

فو الله ان لم اشغلك بنفسك حتى تكون نفسك أهم إليك، انك لذو جد، و السلام فلما بلغ معاويه كتاب قيس ايس منه، و ثقل عليه مكانه.

حدثنى عبد الله بن احمد المروزى، قال: حدثنى ابى قال: حدثنى سليمان، قال: حدثنى عبد الله، عن يونس، عن الزهري، قال: كانت مصر من حين على، عليها قيس بن سعد بن عباده، و كان صاحب رايه الانصار مع رسول الله ص، و كان من ذوى الرأي و الباس، و كان معاويه بن ابى سفيان و عمرو بن العاص جاهدين على ان يخرجاه من مصر ليغلبا عليها، فكان قد امتنع فيها بالدهاء و المكايده، فلم يقدرا عليه، و لا على ان يفتتحا مصر، حتى كاد معاويه قيس بن سعد من قبل على، و كان معاويه يحدث رجالا من ذوى الرأي من قريش يقول: ما ابتدعت مكايده قط كانت اعجب عندي من مكايده كدت بها قيسا من قبل على و هو بالعراق حين امتنع منى قيس.

قلت لأهل الشام لا: تسبوا قيس بن سعد، و لا تدعوا الى غزوه، فانه لنا شيعه، يأتينا كيس نصيحته سرا ا لا ترون ما يفعل بإخوانكم الذين عنده من اهل خربتا يجرى عليهم اعطياتهم و أرزاقهم، و يؤمن سربهم، و يحسن الى كل راكب قدم عليه منكم، لا يستنكرونه في شي‏ء! قال معاويه: و هممت ان اكتب بذلك الى شيعتي من اهل العراق، فيسمع بذلك جواسيس على عندي و بالعراق فبلغ ذلك عليا، و نماه اليه محمد بن ابى بكر و محمد بن جعفر بن ابى طالب فلما بلغ ذلك عليا اتهم قيسا، و كتب اليه يأمره بقتال اهل خربتا- و اهل خربتا يومئذ عشره آلاف- فأبى قيس بن سعد ان يقاتلهم، و كتب الى على: انهم وجوه اهل مصر و اشرافهم، و اهل الحفاظ منهم، و قد رضوا منى ان أؤمن سربهم، و اجرى عليهم اعطياتهم و أرزاقهم، و قد علمت ان هواهم مع معاويه، فلست مكايدهم بأمر اهون على و عليك من الذى افعل بهم، و لو انى غزوتهم‏

553

كانوا لي قرنا، و هم اسود العرب، و منهم بسر بن ابى ارطاه، و مسلمه بن مخلد، و معاويه بن خديج، فذرني فانا اعلم بما ادارى منهم فأبى على الا قتالهم، و ابى قيس ان يقاتلهم.

فكتب قيس الى على: ان كنت تتهمني فاعزلنى عن عملك، و ابعث اليه غيرى فبعث على الاشتر أميرا الى مصر، حتى إذا صار بالقلزم شرب شربه عسل كان فيها حتفه فبلغ حديثهم معاويه و عمرا، فقال عمرو:

ان لله جندا من عسل.

فلما بلغ عليا وفاه الاشتر بالقلزم بعث محمد بن ابى بكر أميرا على مصر فالزهرى يذكر ان عليا بعث محمد بن ابى بكر أميرا على مصر بعد مهلك الاشتر بقلزم، و اما هشام بن محمد، فانه ذكر في خبره ان عليا بعث بالأشتر أميرا على مصر بعد مهلك محمد بن ابى بكر رجع الحديث الى حديث هشام عن ابى مخنف: و لما ايس معاويه من قيس ان يتابعه على امره، شق عليه ذلك، لما يعرف من حزمه و بأسه، و اظهر للناس قبله، ان قيس بن سعد قد تابعكم، فادعوا الله له، و قرأ عليهم كتابه الذى لان له فيه و قاربه قال: و اختلق معاويه كتابا من قيس بن سعد، فقراه على اهل الشام.

بسم الله الرحمن الرحيم، للأمير معاويه بن ابى سفيان من قيس بن سعد، سلام عليك، فانى احمد إليكم الله الذى لا اله الا هو، اما بعد، فانى لما نظرت رايت انه لا يسعني مظاهره قوم قتلوا امامهم مسلما محرما برا تقيا، فنستغفر الله عز و جل لذنوبنا، و نسأله العصمة لديننا الا و انى قد القيت إليكم بالسلم، و انى اجبتك الى قتال قتله عثمان، امام الهدى المظلوم، فعول على فيما احببت من الأموال و الرجال اعجل عليك، و السلام.

فشاع في اهل الشام ان قيس بن سعد قد بايع معاويه بن ابى سفيان، فسرحت عيون على بن ابى طالب اليه بذلك، فلما أتاه ذلك اعظمه و اكبره،

554

و تعجب له، و دعا بنيه، و دعا عبد الله بن جعفر فاعلمهم ذلك، فقال:

ما رأيكم؟ فقال عبد الله بن جعفر: يا امير المؤمنين، دع ما يريبك الى ما لا يريبك، اعزل قيسا عن مصر قال لهم على: انى و الله ما اصدق بهذا على قيس، فقال عبد الله: يا امير المؤمنين، اعزله، فو الله لئن كان هذا حقا لا يعتزل لك ان عزلته.

فإنهم كذلك إذ جاء كتاب من قيس بن سعد فيه:

بسم الله الرحمن الرحيم، اما بعد، فانى اخبر امير المؤمنين اكرمه الله ان قبلي رجالا معتزلين قد سألوني ان اكف عنهم، و ان ادعهم على حالهم حتى يستقيم امر الناس، فنرى و يروا رأيهم، فقد رايت ان اكف عنهم، و الا اتعجل حربهم، و ان اتالفهم فيما بين ذلك لعل الله عز و جل ان يقبل بقلوبهم، و يفرقهم عن ضلالتهم، ان شاء الله.

فقال عبد الله بن جعفر: يا امير المؤمنين، ما أخوفني ان يكون هذا ممالاه لهم منه، فمره يا امير المؤمنين بقتالهم، فكتب اليه على:

بسم الله الرحمن الرحيم، اما بعد، فسر الى القوم الذين ذكرت، فان دخلوا فيما دخل فيه المسلمون و الا فناجزهم ان شاء الله.

فلما اتى قيس بن سعد الكتاب فقراه، لم يتمالك ان كتب الى امير المؤمنين:

اما بعد يا امير المؤمنين، فقد عجبت لأمرك، ا تأمرني بقتال قوم كافين عنك، مفرغيك لقتال عدوك! و انك متى حاربتهم ساعدوا عليك عدوك، فأطعني يا امير المؤمنين، و اكفف عنهم، فان الرأي تركهم، و السلام.

فلما أتاه هذا الكتاب قال له عبد الله بن جعفر: يا امير المؤمنين، ابعث محمد بن ابى بكر على مصر يكفك امرها، و اعزل قيسا، و الله لقد بلغنى ان قيسا يقول: و الله ان سلطانا لا يتم الا بقتل مسلمه بن مخلد لسلطان سوء، و الله ما أحب ان لي ملك الشام الى مصر و انى قتلت ابن المخلد قال: