الروض الأنف في شرح السيرة النبوية - ج7

- عبد الرحمن السهيلي المزيد...
614 /
455

..........

____________

إضمار هو، كأنه قال: و هو أبو ثور ذو المشعار، و قد ذكره ابن قتيبة، فقال فى غريب الحديث: مالك ذو المشعار، و ذكره أبو عمر فقال: هو ذو المشعار يكنى: أبا ثور، و فى الكتاب الذي كتبه له رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم):

هذا كتاب من محمد رسول اللّه إلى مخلاف خارف و يام و أهل جناب الهضب و حقاف الرّمل مع وافدها ذى المشعار مالك بن نمط، فهذا كله يدل على أن الواو فى قوله: و أبو ثور ذو المشعار لا معنى له.

و قوله: عليهم مقطّعات الحبرات: المقطّعات من الثياب فى تفسير أبى عبيد، هى القصار، و احتج بحديث ابن عباس فى صلاة الضحى إذا انقطعت الظّلال، أى: قصرت، و بقولهم فى الأراجيز: مقطّعات، و خطأه ابن قتيبة فى هذا التأويل، و قال: إنما المقطّعات الثياب المخيطة كالقمص و نحوها، سميت بذلك، لأنها تقطّع و تفصّل ثم تخاط (1)، و احتج بحديث رواه عن بعض ولد عبد الملك بن مروان، و فيه أنه خرج و عليه مقطّعات يجرها، فقال له شيخ من بنى أميّة: لقد رأيت أباك، و كان مشمّرا غير جرّار لثيابه، فقال له الفتى: لقد هممت بتقصيرها، فمنعنى قول الشاعر فى أبيك:

قصير الثّياب فاحش عند ضيفه‏* * * لشر قريش‏ (2)فى قريش مركّبا

____________

(1) فى شرح السيرة لأبى ذر: مقطعات: ثياب وشى يصنع باليمن. و الميس خشب تصنع منه الرجال التي تكون على ظهر الإبل.

(2) فى السمط: عند بيته و شر قريش. و القصة أن هشام بن عبد الملك خرج و هو سوقة إلى بيت المقدس، فمر بدمشق، فلقيه محمد بن الضحاك بن قيس-

456

..........

____________

و الظاهر فى قوله عليهم مقطّعات الحبرات ما قاله ابن قتيبة، و لا معنى لوصفها بالقصر فى هذا الموطن. و المهريّة منسوبة إلى مهرة بن حيدان‏ (1) ابن الخاف بن قضاعة (2). و الأرحبيّة: منسوبة إلى أرحب بطن من همدان.

و يام هو يام بن أصبى، و خارف بن الحارث بطنان من همدان ينسب إلى يام: زبيد [بن الحارث بن عبد الكريم‏] اليامىّ المحدّث، و أهل الحديث يقولون فيه: الأيامىّ. و الفراع: ما علا من الأرض. و الوهاط: ما انخفض منها، واحدها: وهط. و لعلع: اسم جبل. و الصّلّع: الأرض الملساء. و الخفيدد:

ولد النّعامة. و الهجفّ: الضّخم.

و ذكر حديث عمرو بن معد يكرب، و قيس بن مكشوح.

____________

- الفهرى، و هو واليها يومئذ، و على هشام ثياب يجرها، فقال له: أ ما رأيت أمير المؤمنين عبد الملك يعرض له بجر ثيابه؟ فقال هشام: بلى، قال: فكيف رأيته؟

قال مهجرا مشمرا، قال: فما بالك أنت؟ قال: فعلت هذا لقول الشاعر. ثم ذكر للبيت. أنظر ص 165 سمط اللآلى، و ص 174 ح 6 الحيوان للجاحظ.

(1) فى الأصل: المهدية و مهدة بن حيران و هو خطأ و هو فى الاشتقاق:

مهرة بن حيدان بن عمران بن الحاف بن قضاعة و صوابه حيدان بن عمرو بن الحاف، و كذا فى جهرة الأنساب لابن الكلبى، و فى الجمهرة لابن حزم، أنظر ص 552 الاشتقاق. ص 52 قلائد الجمان للقلقشندى و لكنهم فى كتابه نهاية الأرب مهرة بين حيدان بن عمران بن الحافى بن قضاعة ص 247 و انظر ص 412 الجمهرة لابن حزم و ص 296 ج 2 نهاية الأرب للنويرى.

(2) ابن الحارث بن عبد الكريم زيادة من لباب الأنساب، و أصبى كما ورد فى اللباب ابن رافع بن مالك بن حسم بن حاشد بن جشم بن خيوان بن نوف بن همدان.

457

[حجة الوداع‏]

حجة الوداع‏

[تجهز الرسول و استعماله على المدينة أبا دجانة]

تجهز الرسول و استعماله على المدينة أبا دجانة قال ابن إسحاق: فلما دخل على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ذو القعدة، تجهّز للحج، و أمر الناس بالجهاز له.

قال ابن إسحاق: فحدثنى عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه القاسم بن محمد، عن عائشة زوج النبيّ (صلى الله عليه و سلم)، قالت: خرج رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إلى الحجّ لخمس ليال بقين من ذى القعدة.

قال ابن هشام: فاستعمل على المدينة أبا دجانة الساعدى، و يقال: سباع ابن عرفطة الغفارىّ.

____________

و ذكر فى الشعر:

تلاق شنبثا شثن ال* * * براثن ناشزا قتده‏ (1)

ألفيت بخط الشّيخ أبى بحر على هذا البيت قال: قال القاضى: لا أعرف شنبثا الآن، و لعله تلاق شر نبثا (2)، و جزم تلاق لما فى قوله:

فلو لاقيتنى من قوّة الشّرط، فكأنه أراد: إن لاقيتني تلاق.

____________

(1) فى السيرة: كنده‏

(2) للغليظ الكفين و الرجلين و الأشد.

458

[ما أمر به الرسول عائشة فى حيضها]

ما أمر به الرسول عائشة فى حيضها قال ابن إسحاق: فحدثنى عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه القاسم بن محمد، عن عائشة، قالت: لا يذكر و لا يذكر الناس إلا الحجّ، حتى إذا كان بسرف و قد ساق رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) معه الهدى و أشراف من أشراف الناس، أمر الناس أن يحلوا بعمرة، إلا من ساق الهدى؛ قالت: و حضت ذلك اليوم، فدخل علىّ و أنا أبكى، فقال: مالك يا عائشة؟ لعلك نفست؟ قالت:

قلت: نعم، و اللّه لوددت أنى لم أخرج معكم عامى فى هذا السفر؛ فقال:

لا تقولنّ ذلك، فإنك تقضين كلّ ما يقضى الحاج إلا أنك لا تطوفين بالبيت قالت: و دخل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) مكة، فحل كلّ من كان لا هدى معه، و حلّ نساؤه بعمرة، فلما كان يوم النحر أتيت بلحم بقر كثير، فطرح فى بيتى، فقلت: ما هذا؟ قالوا: ذبح رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) عن نسائه البقر، حتى إذا كانت ليلة الحصبة، بعث بى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) مع أخى عبد الرحمن بن أبى بكر فأعمرنى من التّنعيم، مكان عمرتى التي فاتتنى.

قال ابن إسحاق: و حدثني نافع، مولى عبد اللّه بن عمر، عن عبد اللّه بن عمر، عن حفصة بنت عمر، قالت: لما أمر رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) نساءه أن يحللن بعمرة، قلن: فما يمنعك يا رسول اللّه أن تحل معنا؟ فقال:

إنى أهديت و لبّدت، فلا أحلّ حتى أنحر هديى.

____________

..........

459

[موافاة علىّ فى قفوله من اليمن رسول اللّه فى الحج‏]

موافاة علىّ فى قفوله من اليمن رسول اللّه فى الحج‏

[ما أمر به الرسول عليّا من أمور الحج‏]

ما أمر به الرسول عليّا من أمور الحج قال ابن إسحاق: و حدثني عبد اللّه بن أبى نجيح: أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) كان بعث عليّا رضى اللّه عنه إلى نجران، فلقيه بمكّة و قد أحرم، فدخل على فاطمة بنت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و رضى عنها، فوجدها قد حلّت و تهيّأت، فقال: مالك يا بنت رسول اللّه؟ قالت: أمرنا رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أن نحلّ بعمرة فحللنا. ثم أتى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فلما فرغ من الخبر عن سفره، قال له رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، انطلق فطف بالبيت، و حلّ كما حلّ بأصحابك. قال: يا رسول اللّه إنى أهللت كما أهللت؛ فقال: ارجع فاحلل كما حلّ أصحابك؛ قال: يا رسول اللّه، إنى قلت حين أحرمت: اللهم إنى أهلّ بما أهلّ به نبيّك و عبدك و رسولك محمد (صلى الله عليه و سلم)؛ قال: فهل معك من هدى؟ قال: لا. فأشركه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فى هديه، و ثبت على إحرامه مع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، حتى فرغا من الحج، و نحر رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) الهدى عنهما.

[شكا عليّا جنده إلى الرسول لانتزاعه عنهم حللا من بز اليمن‏]

شكا عليّا جنده إلى الرسول لانتزاعه عنهم حللا من بز اليمن قال ابن إسحاق: و حدثني يحيى بن عبد اللّه بن عبد الرحمن بن أبى عمرة، عن يزيد بن طلحة بن يزيد بن ركانة، قال: لما أقبل علىّ رضى اللّه عنه من اليمن ليلقى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بمكة، تعجّل إلى رسول اللّه صلى اللّه‏

____________

..........

460

عليه و سلم، و استخلف على جنده الذين معه رجلا من أصحابه، فعمد ذلك الرجل فكسا كلّ رجل من القوم حلّة من البزّ الذي كان مع علىّ رضى اللّه عنه.

فلما دنا جيشه خرج ليلقاهم، فإذا عليهم الحلل؛ قال: ويلك! ما هذا؟ قال:

كسوت القوم ليتجمّلوا به إذا قدموا فى الناس، قال: ويلك! انزع قبل أن تنتهى به إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم). قال: فانتزع الحلل من الناس، فردّها فى البزّ، قال: و أظهر الجيش شكواه لما صنع بهم.

قال ابن إسحاق: فحدثنى عبد اللّه بن عبد الرحمن بن معمر بن حزم، عن سليمان بن محمد بن كعب بن عجرة عن عمته زينب بنت كعب، و كانت عند أبى سعيد الخدرىّ، عن أبى سعيد الخدرىّ، قال: اشتكى الناس عليّا (رضوان اللّه عليه)، فقام رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فينا خطيبا، فسمعته يقول: أيها الناس، لا تشكوا عليّا، فو اللّه إنه لأخشن فى ذات اللّه، أو فى سبيل اللّه، من أن يشكى.

[خطبة الرسول فى حجة الوداع‏]

خطبة الرسول فى حجة الوداع قال ابن إسحاق: ثم مضى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) على حجّه، فأرى الناس مناسكهم، و أعلمهم سنن حجّهم، و خطب الناس خطبته التي بيّن فيها ما بيّن، فحمد اللّه و أثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، اسمعوا قولى، فإنى لا أدرى لعلى لا ألقاكم بعد عامى هذا بهذا الموقف أبدا، أيها الناس، إن دماءكم و أموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربّكم، كحرمة يومكم هذا، و كحرمة شهركم هذا، و إنكم ستلقون ربّكم، فيسألكم عن أعمالكم،

____________

..........

461

و قد بلّغت، فمن كانت عنده أمانة فليؤدّها إلى من ائتمنه عليها، و إن كلّ ربا موضوع، و لكن لكم رءوس أموالكم، لا تظلمون و لا تظلمون.

قضى اللّه أنه لا ربا، و إن ربا عبّاس بن عبد المطلب موضوع كله، و أن كل دم كان فى الجاهلية موضوع، و إن أوّل دمائكم أضع دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، و كان مسترضعا فى بنى ليث، فقتلته هذيل فهو أوّل ما أبدأ به من دماء الجاهلية. أما بعد أيها الناس، فإن الشيطان قد يئس من أن يعبد بأرضكم هذه أبدا، و لكنّه إن يطع فيما سوى ذلك فقد رضى به مما تحقرون من أعمالكم، فاحذروه على دينكم، أيها الناس: إن النّسى‏ء زيادة فى الكفر، يضلّ به الّذين كفروا، يحلّونه عاما و يحرّمونه عاما، ليواطئوا عدّة ما حرّم اللّه، فيحلّوا ما حرّم اللّه، و يحرّموا ما أحلّ اللّه.

و إن الزّمان قد استدار كهيئته يوم خلق اللّه السموات و الأرض، و إن عدّة الشهور عند اللّه اثنا عشر شهرا، منها أربعة حرم، ثلاثة متوالية، و رجب مضر، الذي بين جمادى و شعبان. أما بعد أيها الناس، فإن لكم على نسائكم حقّا، و لهنّ عليكم حقّا، لكم عليهنّ أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، و عليهنّ أن لا يأتين بفاحشة مبيّنة، فإن فعلن فإنّ اللّه قد أذن لكم أن تهجروهنّ فى المضاجع و تضربوهنّ ضربا غير مبرّح، فإن انتهين فلهنّ رزقهنّ و كسوتهنّ بالمعروف، و استوصوا بالنساء خيرا، فإنهن عندكم عوان لا يملكن لأنفسهنّ شيئا، و إنكم إنما أخذتموهنّ بأمانة اللّه، و استحللتم فروجهنّ بكلمات اللّه، فاعقلوا أيها الناس قولى، فإنى قد بلّغت، و قد تركت‏

____________

..........

462

فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا، أمرا بيّنا، كتاب اللّه و سنّة نبيه.

أيها الناس، اسمعوا قولى و اعقلوه، تعلّمن أن كل مسلم أخ للمسلم، و أن المسلمين إخوة، فلا يحل لا مرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه؛ فلا تظلمن أنفسكم، اللهم هل بلغت؟

فذكر لى أن الناس قالوا: اللهم نعم، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم):

اللهم اشهد.

[اسم الصارخ بكلام الرسول و ما كان يردده‏]

اسم الصارخ بكلام الرسول و ما كان يردده قال ابن إسحاق: و حدثني يحيى بن عباد بن عبد اللّه بن الزبير، عن أبيه عباد قال: كان الرجل الذي يصرخ فى الناس بقول رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و هو بعرفة، ربيعة بن أميّة بن خلف. قال: يقول له رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): قل يا أيها الناس، إن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يقول:

هلا تدرون أى شهر هذا؟ فيقول لهم، فيقولون: الشهر الحرام، فيقول:

قل لهم: إن اللّه قد حرم عليكم دماءكم و أموالكم إلى أن تلقوا ربكم كحرمة شهركم هذا؛: ثم يقول: قل: يا أيها الناس، إن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يقول: هل تدرون أى بلد هذا؟ قال: فيصرخ به، قال:

فيقولون. البلد الحرام، قال: فيقول: قل لهم: إن اللّه قد حرّم عليكم دماءكم و أموالكم إلى أن تقلوا ربكم، كحرمة بلدكم هذا. قال: ثم يقول: قل: يا أيها الناس، إن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يقول: هل تدرون أى يوم هذا؟

قال: فيقوله لهم. فيقولون: يوم الحج الأكبر؛ قال: فيقول: قل لهم:

إن اللّه قد حرم عليكم دماءكم و أموالكم إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا

____________

..........

463

[رواية ابن خارجة عما سمعه من الرسول فى حجة الوداع‏]

رواية ابن خارجة عما سمعه من الرسول فى حجة الوداع قال ابن إسحاق: حدثني ليث بن أبى سليم عن شهر بن حوشب الأشعرى، عن عمرو بن خارجة قال: بعثنى عتّاب بن أسيد إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فى حاجة، و رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) واقف بعرفة، فبلغته، ثم وقفت تحت ناقة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و إن لغامها ليقع على رأسى، فسمعته و هو يقول: أيها الناس، إن اللّه قد أدّى إلى كلّ ذى حقّ حقه، و إنه لا تجوز وصيّة لوارث، و الولد للفراش، و للعاهر الحجر، و من أدّعى إلى غير أبيه، أو تولى غير مواليه، فعليه لعنة اللّه و الملائكة و الناس أجمعين، لا يقبل اللّه منه صرفا و لا عدلا.

[بعض تعليم الرسول فى الحج‏]

بعض تعليم الرسول فى الحج قال ابن إسحاق: و حدثني عبد اللّه بن أبى نجيح: أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) حين وقف بعرفة، قال: هذا الموقف، للجبل الذي هو عليه، و كل عرفة موقف. و قال حين وقف على قزح صبيحة المزدلفة: هذا الموقف، و كل المزدلفة موقف. ثم لما نحر بالمنحر بمنى قال: هذا المنحر، و كلّ منى منحر. فقضى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) الحجّ و قد أراهم مناسكهم، و أعلمهم ما فرض اللّه عليهم من حجّهم: من الموقف، و رمى الجمار، و طواف بالبيت، و ما أحل لهم من حجّهم، و ما حرّم عليهم، فكانت حجة البلاغ، و حجة الوداع، و ذلك أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) لم يحجّ بعدها.

____________

..........

464

[بعث أسامة بن زيد إلى أرض فلسطين‏]

بعث أسامة بن زيد إلى أرض فلسطين قال ابن إسحاق: ثم قفل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فأقام بالمدينة بقيّة ذى الحجّة و المحرّم و صفر، و ضرب على الناس بعثا إلى الشام، و أمّر عليهم أسامة بن زيد بن حارثة مولاه، و أمره أن يوطئ الخيل تخوم البلقاء و الداروم من أرض فلسطين، فتجهّز الناس، و أوعب مع أسامة بن زيد المهاجرون الأوّلون.

[خروج رسول اللّه إلى الملوك‏]

خروج رسول اللّه إلى الملوك‏

[تذكير الرسول قومه بما حدث للحواريين‏]

تذكير الرسول قومه بما حدث للحواريين حين اختلفوا على عيسى قال ابن هشام: و قد كان رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بعث إلى الملوك رسلا من أصحابه، و كتب معهم إليهم يدعوهم إلى الإسلام.

قال ابن هشام: حدثني من أثق به عن أبى بكر الهذلىّ قال: بلغنى أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) خرج على أصحابه ذات يوم بعد عمرته التي صدّ عنها يوم الحديبية، فقال: أيها الناس، إن اللّه قد بعثنى رحمة و كافّة، فلا تختلفوا علىّ كما اختلف الحواريون على عيسى بن مريم؛ فقال أصحابه:

و كيف اختلف الحواريون يا رسول اللّه؟ قال: دعاهم إلى الذي دعوتكم إليه، فأما من بعثه مبعثا قريبا فرضى و سلم، و أما من بعثه مبعثا بعيدا فكره وجهه و تثاقل، فشكا ذلك عيسى إلى اللّه، فأصبح المتثاقلون و كلّ واحد منهم يتكلم بلغة الأمّة التي بعث إليها.

____________

..........

465

[أسماء الرسل و من أرسلوا إليهم‏]

أسماء الرسل و من أرسلوا إليهم فبعث رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) رسلا من أصحابه، و كتب معهم كتبا إلى الملوك يدعوهم فيها إلى الإسلام. فبعث دحية بن خليفة الكلبى إلى قيصر، ملك الروم؛ و بعث عبد اللّه بن حذافة السّهمىّ إلى كسرى، ملك فارس، و بعث عمرو بن أميّة الضّمرى إلى النّجاشى، ملك الحبشة، و بعث حاطب ابن أبى بلتعة إلى المقوقس، ملك الإسكندرية، و بعث عمرو بن العاص السّهمى إلى جيفر و عيّاد ابنى الجلندى الأزديّين، ملكى عمان، و بعث سليط بن عمرو، أحد بنى عامر بن لؤيّ، إلى ثمامة بن أثال، و هوذة بن علىّ الحنفيين، ملكى اليمامة، و بعث العلاء بن الحضرمى إلى المنذر بن ساوى العبدى، ملك البحرين، و بعث شجاع بن وهب الأسدي إلى الحارث بن أبى شمر الغسّانى، ملك تخوم الشام.

قال ابن هشام: بعث شجاع بن وهب إلى جبلة بن الأيهم الغسّانى، و بعث المهاجر بن أبى أميّة المخزومىّ إلى الحارث بن عبد كلال الحميرى، ملك اليمن.

قال ابن هشام: أنا نسيت سليطا و ثمامة و هوذة و المنذر.

[رواية ابن حبيب عن بعث الرسول رسله‏]

رواية ابن حبيب عن بعث الرسول رسله قال ابن إسحاق: حدثني يزيد بن أبى حبيب المصرى: أنه وجد كتابا فيه ذكر من بعث رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إلى البلدان و ملوك العرب‏

____________

..........

466

و العجم، و ما قال لأصحابه حين بعثهم. قال: فبعثت به إلى محمد بن شهاب الزهرىّ فعرفه؛ و فيه: أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) خرج على أصحابه فقال لهم: إن اللّه بعثنى رحمة و كافّة، فأدّوا عنى يرحمكم اللّه، و لا تختلفوا علىّ كما اختلف الحواريون على عيسى بن مريم، قالوا: و كيف يا رسول اللّه كان اختلافهم؟ قال: دعاهم لمثل ما دعوتكم له، فأمّا من قرّب به فأحبّ و سلم، و أمّا من بعد به فكره و أبى، فشكا ذلك عيسى منهم إلى اللّه، فأصبحوا و كلّ رجل منهم يتكلم بلغة القوم الذين وجّه إليهم.

[أسماء رسل عيسى‏]

أسماء رسل عيسى قال ابن إسحاق: و كان من بعث عيسى بن مريم (عليه السلام) من الحواريين و الأتباع، الذين كانوا بعدهم فى الأرض: بطرس الحوارىّ، و معه بولس، و كان بولس من الأتباع، و لم يكن من الحواريين، إلى رومية، و أندرائس و منتا إلى الأرض التي يأكل أهلها الناس، و توماس إلى أرض بابل، من أرض المشرق؛ و فيلبّس إلى أرض قرطاجنة، و هى إفريقية، و يحنّس، إلى أفسوس، قرية الفتية، أصحاب الكهف، و يعقوبس إلى أوراشلم، و هى إيلياء، قرية بيت المقدس، و ابن ثلماء إلى الأعرابية، و هى أرض الحجاز، و سيمن إلى أرض البربر، و يهوذا، و لم يكن من الحواريين، جعل مكان يودس.

____________

..........

467

[ذكر جملة الغزوات‏]

ذكر جملة الغزوات‏ بسم اللّه الرحمن الرحيم‏ قال: حدثنا أبو محمد عبد الملك بن هشام، قال حدثنا زياد بن عبد اللّه البكائى عن محمد بن إسحاق المطّلبى: و كان جميع ما غزا رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بنفسه سبعا و عشرين غزوة، منها غزوة ودّان، و هى غزوة الأبواء، ثم غزوة بواط، من ناحية رضوى، ثم غزوة العشيرة، من بطن ينبع، ثم غزوة بدر الأولى، بطلب كرز بن جابر، ثم غزوة بدر الكبرى، التي قتل اللّه فيها صناديد قريش، ثم غزوة بنى سليم، حتى بلغ الكدر، ثم غزوة السّويق، يطلب أبا سفيان بن حرب، ثم غزوة غطفان، و هى غزوة ذى أمر، ثم غزوة بحران، معدن بالحجاز، ثم غزوة أحد، ثم غزوة حمراء الأسد، ثم غزوة بنى النّضير، ثم غزوة ذات الرّقاع من نخل. ثم غزوة بدر الآخرة، ثم غزوة دومة الجندل، ثم غزوة الخندق، ثم غزوة بنى قريظة، ثم غزوة بنى لحيان، من هذيل، ثم غزوة ذى قرد، ثم غزوة بنى المصطلق من خزاعة، ثم غزوة الحديبية، لا يريد قتالا، فصدّه المشركون، ثم غزوة خيبر، ثم عمرة القضاء، ثم غزوة الفتح، ثم غزوة حنين، ثم غزوة الطائف ثم غزوة تبوك.

قاتل منها فى تسع غزوات: بدر، و أحد، و الخندق، و قريظة، و المصطلق، و خيبر، و الفتح و حنين، و الطائف.

____________

..........

468

[ذكر جملة السرايا و البعوث‏]

ذكر جملة السرايا و البعوث و كانت بعوثه (صلى الله عليه و سلم) و سراياه ثمانيا و ثلاثين، من بين بعث و سريّة: غزوة عبيدة بن الحارث أسفل من ثنيّة ذى المروة، ثم غزوة حمزة ابن عبد المطّلب ساحل البحر، من ناحية العيص؛ و بعض الناس يقدم غزوة حمزة قبل غزوة عبيدة؛ و غزوة سعد بن أبى وقاص الخرّار، و غزوة عبد اللّه ابن جحش نخلة، و غزوة زيد بن حارثة القردة، و غزوة محمد بن مسلمة كعب بن الأشرف، و غزوة مرثد بن أبى مرثد الغنوى الرجيع، و غزوة المنذر بن عمرو بئر معونة، و غزوة أبى عبيدة بن الجراح ذا القصّة، من طريق العراق، و غزوة عمر بن الخطّاب ترية من أرض بنى عامر، و غزوة علىّ بن أبى طالب اليمن، و غزوة غالب بن عبد اللّه الكلبى، كلب ليث، الكديد، فأصاب بنى الملوّح.

[خبر غزوة غالب بن عبد اللّه الليثى بنى الملوح‏]

خبر غزوة غالب بن عبد اللّه الليثى بنى الملوح‏

[شأن ابن البرصاء]

شأن ابن البرصاء و كان من حديثها أن يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس، حدثني عن مسلم بن عبد اللّه بن خبيب الجهنىّ، عن المنذر، عن جندب بن مكيث الجهنىّ، قال: بعث رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) غالب بن عبد اللّه الكلبى، كلب بن عوف بن ليث، فى سرية كنت فيها، و أمره أن يشنّ الغارة على بنى الملوّح، و هم بالكديد، فخرجنا، حتى إذا كنا بقديد لقينا الحارث‏

____________

..........

469

ابن مالك، و هو ابن البرصاء الليثىّ، فأخذناه، فقال: إنى جئت أريد الإسلام، ما خرجت إلا إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فقلنا له: إن تك مسلما فلن يضيرك رباط ليلة، و إن تك على غير ذلك كنا قد استوثقنا منك، فشددناه رباطا، ثم خلّفنا عليه رجلا من أصحابنا أسود، و قلنا له: إن عازّك فاحتزّ رأسه.

[بلاء ابن مكيث فى هذه الغزوة]

بلاء ابن مكيث فى هذه الغزوة قال: ثم سرنا حتى أتينا الكديد عند غروب الشمس، فكنّا فى ناحية الوادى، و بعثنى أصحابى ربيئة لهم، فخرجت حتى آتى تلّا مشرفا على الحاضر، فأسندت فيه، فعلوت على رأسه، فنظرت إلى الحاضر، فو اللّه إنى لمنبطح على التلّ، إذ خرج رجل منهم من خبائه، فقال لا مرأته: إنى لأرى على التلّ سوادا ما رأيته فى أوّل يومى، فانظرى إلى أوعيتك هل تفقدين منها شيئا، لا تكون الكلاب جرت بعضها، قال: فنظرت، فقالت: لا، و اللّه ما أفقد شيئا، قال: فناولينى قوسى و سهمين، فناولته، قال: فأرسل سهما، فو اللّه ما أخطأ جنبى، فأنزعه، فأضعه، و ثبّت مكانى، قال: ثم أرسل الآخر، فوضعه فى منكبى، فأنزعه فأضعه، و ثبّت مكانى، فقال لامرأته: لو كان ربيئة لقوم لقد تحرّك، لقد خالطه سهماى لا أبا لك، إذا أصبحت فابتغيهما، فخذيهما، لا يمضغهما علىّ الكلاب. قال: ثم دخل.

[نجاء المسلمين بالنعم‏]

نجاء المسلمين بالنعم قال: و أمهلناهم، حتى إذا اطمأنوا و ناموا، و كان فى وجه السّحر شنّنا

____________

..........

470

عليهم الغارة، قال: فقتلنا، و استقنا النّعم، و خرج صريخ القوم، فجاء نادهم لا قبل لنا به، و مضينا بالنّعم، و مررنا بابن البرصاء و صاحبه، فاحتملناهما معنا، قال: و أدركنا القوم حتى قربوا منا، قال: فما بيننا و بينهم إلا وادى قديد، فأرسل اللّه الوادى بالسيل من حيث شاء تبارك و تعالى، من غير سحابة نراها و لا مطر، فجاء بشي‏ء ليس لأحد به قوّة، و لا يقدر على أن يجاوزه، فوقفوا ينظرون إلينا، و إنّا لنسوق نعمهم، ما يستطيع منهم رجل أن يجيز إلينا، و نحن نحدوها سراعا، حتى فتناهم، فلم يقدروا على طلبنا.

[شعار المسلمين فى هذه الغزوة]

شعار المسلمين فى هذه الغزوة قال: فقدمنا بها على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم).

قال ابن إسحاق: و حدثني رجل من أسلم، عن رجل منهم: أنّ شعار أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) كن تلك اللّيلة: أمت أمت. فقال راجز من المسلمين و هو يحدوها:

أبى أبو القاسم أن تعزّبى‏* * * فى خضل نباته مغلولب‏

صفر أعاليه كلون المذهب

قال ابن هشام: و يروى: «كلون الذّهب».

تم خبر الغزاة، و عدت إلى ذكر تفصيل السرايا و البعوث.

[تعريف بعدة غزوات‏]

تعريف بعدة غزوات قال ابن إسحاق: و غزوة علىّ بن أبى طالب رضى اللّه عنه بنى عبد اللّه‏

____________

..........

471

ابن سعد من أهل فدك، و غزوة أبى العوجاء السّلمىّ أرض بنى سليم، أصيب بها هو و أصحابه جميعا، و غزوة عكاشة بن محصن الغمرة، و غزوة أبى سلمة ابن عبد الأسد قطنا، ماء من مياه بنى أسد، من ناحية نجد، قتل بها مسعود ابن عروة، و غزوة محمد بن مسلمة أخى بنى حارثة، القرطاء من هوازن، و غزوة بشير بن سعد بنى مرّة بفدك، و غزوة بشير بن سعد ناحية خيبر، و غزوة زيد بن حارثة الجموم من أرض بنى سليم، و غزوة زيد بن حارثة جذام، من أرض خشين.

قال ابن هشام: عن نفسه، و الشافعى عن عمرو بن حبيب عن ابن إسحاق: من أرض حسمى.

[غزوة زيد بن حارثة إلى جذام‏]

غزوة زيد بن حارثة إلى جذام‏

[سببها]

سببها قال ابن إسحاق: و كان من حديثها كما حدثني من لا أتهم، عن رجال من جذام كانوا علماء بها، أن رفاعة بن زيد الجذاميّ، لما قدم على قومه من عند رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بكتابه يدعوهم إلى الإسلام، فاستجابوا له، لم يلبث أن قدم دحية بن خليفة الكلبىّ من عند قيصر صاحب الروم، حين بعثه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إليه و معه تجارة له، حتى إذا كانوا بواد من أوديتهم يقال له شنار، أغار على دحية بن خليفة الهنيد بن عوص، و ابنه عوص بن الهنيد الضّلعيّان. و الضّليع. بطن من جذام، فأصابا

____________

..........

472

كلّ شي‏ء كان معه، فبلغ ذلك قوما من الضبيب، رهط رفاعة بن زيد، ممن كان أسلم و أجاب؛ فنفروا إلى الهنيد و ابنه، فيهم من بنى الضّبيب النّعمان بن أبى جعال، حتى لقوهم، فاقتتلوا، و انتمى؟؟؟ يومئذ قرّة بن أشقر الضّفاوى ثم الضّلعىّ، فقال: أنا ابن لبنى، و رمى النّعمان بن أبى جعال بسهم، فأصاب ركبته؛ فقال حين أصابه: خذها و أنا ابن لبنى، و كانت له أمّ تدعى لبنى، و قد كان حسّان بن ملّة الضبيبى قد صحب دحية بن خليفة قبل ذلك، فعلّمه أمّ الكتاب.

قال ابن هشام: و يقال: قرّة بن أشقر الضّفارى، و حيّان بن ملّة.

[تمكن المسلمين من الكفار]

تمكن المسلمين من الكفار قال ابن إسحاق: حدثني من لا أتهم، عن رجال من جذام، قال:

فاستنقذوا ما كان فى يد الهنيد و ابنه، فردّوه على دحية، فخرج دحية، حتى قدم على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فأخبره خبره، و استسقاه دم الهنيد و ابنه، فبعث رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إليهم زيد بن حارثة، و ذلك الذي هاج غزوة زيد جذام، و بعث معه جيشا، و قد وجّهت غطفان من جذام و وائل و من كان من سلامان و سعد بن هذيم، حين جاءهم رفاعة بن زيد، بكتاب رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، حتى نزلوا الحرّة، حرّة الرّجلاء، و رفاعة بن زيد بكراع ربه، لم يعلم، و معه ناس من بنى الضّبيب، و سائر بنى الصبيب بوادى مدان، من ناحية الحرّة، مما يسيل مشرّقا، و أقبل جيش زيد بن حارثة من ناحية الأولاج، فأغار بالماقص من قبل الحرة،

____________

..........

473

فجمعوا ما وجدوا من مال أو ناس، و قتلوا الهنيد و ابنه و رجلين من بنى الأجنف.

قال ابن هشام: من بنى الأجنف.

[شأن حسان و أنيف ابنى ملة]

شأن حسان و أنيف ابنى ملة قال ابن إسحاق فى حديثه: و رجلان من بنى الخصيب. فلما سمعت بذلك بنو الضّبيب و الجيش بفيفاء مدان ركب نفر منهم، و كان فيمن ركب معهم حسّان بن ملّة، على فرس لسويد بن زيد، يقال لها العجاجة، و أنيف ابن ملّة على فرس لملّة يقال لها: رغال، و أبو زيد بن عمرو على فرس يقال لها شمر، فانطلقوا حتى إذا دنوا من الجيش، قال أبو زيد و حسّان لأنيف ابن ملّة: كفّ عنّا و انصرف، فإنّا نخشى لسانك، فوقف عنهما فلم يبعدا منه حتى جعلت فرسه تبحث بيديها و توثّب، فقال: لأنا أضنّ بالرجلين منك بالفرسين، فأرخى لها، حتى أدركهما، فقالا له: أما إذا فعلت ما فعلت فكفّ عنّا لسانك، و لا تشأمنا اليوم، فتواصوا أن لا يتكلّم منهم إلا حسّان ابن ملّة، و كانت بينهم كلمة فى الجاهلية قد عرفها بعضهم من بعض، إذا أراد أحدهم أن يضرب بسيفه قال: بورى أو ثورى، فلما برزوا على الجيش، أقبل القوم يبتدرونهم، فقال لهم حسّان: إنّا قوم مسلمون، و كان أوّل من لقيهم رجل على فرس أدهم، فأقبل يسوقهم، فقال أنيف: بورى، فقال حسّان: مهلا، فلما وقفوا على زيد بن حارثة قال حسّان: إنّا قوم مسلمون، فقال له زيد: فاقرءوا أمّ الكتاب، فقرأها حسّان، فقال زيد بن‏

____________

..........

474

حارثة: نادوا فى الجيش: أن اللّه قد حرّم علينا ثغرة القوم التي جاءوا منها إلا من ختر.

[قدومهم على الرسول و شعر أبى جعال‏]

قدومهم على الرسول و شعر أبى جعال قال ابن إسحاق: و إذا أخت حسّان بن ملّة، و هى امرأة أبى وبر بن عدىّ بن أميّة بن الضّبيب فى الأسارى، فقال له زيد: خذها، و أخذت بحقويه، فقالت أمّ الفزز الضّلعية: أ تنطلقون ببناتكم و تذرون أمّهاتكم؟

فقال أحد بنى الخصيب: إنها بنو الضّبيب و سحر ألسنتهم سائر اليوم، فسمعها بعض الجيش، فأخبر بها زيد بن حارثة، فأمر بأخت حسّان، ففكّت يداها من حقويه، و قال لها: اجلسى مع بنات عمك حتى يحكم اللّه فيكنّ حكمه، فرجعوا، و نهى الجيش أن يهبطوا إلى واديهم الذي جاءوا منه، فأمسوا فى أهليهم، و استعتموا ذودا لسويد بن زيد، فلما شربوا عتمتهم، ركبوا إلى رفاعة بن زيد، و كان ممن ركب إلى رفاعة بن زيد تلك الليلة، أبو زيد بن عمرو، و أبو شماس بن عمرو، و سويد بن زيد، و بعجة بن زيد، و برذع بن زيد، و ثعلبة بن زيد، و مخرّبة بن عدىّ، و أنيف بن ملّة، و حسّان بن ملّة، حتى صبحوا رفاعة بن زيد بكراع ربّة، بظهر الحرّة على بئر هنالك من حرة ليلى، فقال له حسّان بن ملّة: إنك لجالس تحلب المعزى و نساء جذام أسارى قد غرّها كتابك الذي جئت به، فدعا رفاعة ابن زيد بجمل له، فجعل يشد عليه رحله و هو يقول:

هل أنت حىّ أو تنادى حيا

____________

..........

475

ثم غدا و هم معه بأميّة بن ضفارة أخى الخصيبىّ المقتول، مبكرين من ظهر الحرّة، فساروا إلى جوف المدينة ثلاث ليال؛ فلما دخلوا المدينة، و انتهوا إلى المسجد، نظر إليهم رجل من الناس، فقال: لا تنيخوا إبلكم، فتقطّع أيديهنّ، فنزلوا عنهنّ و هن قيام؛ فلما دخلوا على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و رآهم، ألاح إليهم بيده: أن تعالوا من وراء الناس؛ فلما استفتح رفاعة بن زيد المنطق، قام رجل من الناس فقال: يا رسول اللّه، إن هؤلاء قوم سحرة، فردّدها مرّتين، فقال رفاعة بن زيد: رحم اللّه من لم يحذنا فى يومه هذا إلا خيرا. ثم دفع رفاعة بن زيد كتابه إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) الذي كان كتبه له. فقال: دونك يا رسول اللّه قديما كتابه، حديثا غدره فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): اقرأه يا غلام، و أعلن؛ فلما قرأ كتابه استخبره فأخبروهم الخبر، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): كيف أصنع بالقتلى؟

(ثلاث مرّات). فقال رفاعة: أنت يا رسول اللّه أعلم، لا نحرّم عليك حلالا، و لا نحلّل لك حراما، فقال أبو زيد بن عمرو: أطلق لنا يا رسول اللّه من كان حيّا، و من قتل فهو تحت قدمي هذه. فقال له رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): صدق أبو زيد، اركب معهم يا علىّ فقال له علىّ رضى اللّه عنه: إن زيدا لن يطيعنى يا رسول اللّه، قال: فخذ سيفى هذا، فأعطاه سيفه، فقال علىّ:

ليس لى يا رسول اللّه راحلة أركبها، فحملوه على بعير لثعلبة بن عمرو، يقال له مكحال، فخرجوا، فإذا رسول لزيد بن حارثة على ناقة من إبل أبى وبر، يقال لها: الشّمر، فأنزلوه عنها، فقال: يا علىّ، ما شأنى؟ فقال: ما لهم، عرفوه فأخذوه، ثم ساروا فلقوا الجيش بفيفاء الفحلتين، فأخذوا ما فى أيديهم،

____________

..........

476

حتى كانوا ينزعون لبيد المرأة من تحت الرحل، فقال أبو جعال حين فرغوا من شأنهم:

و عاذلة و لم تعذل بطب‏* * * و لو لا نحن حشّ بها السّعير

تدافع فى الأسارى بابنتيها* * * و لا يرجى لها عتق يسير

و لو وكلت إلى عوص و أوس‏* * * لحار بها عن العتق الأمور

و لو شهدت ركائبنا بمصر* * * تحاذر أن يعلّ بها المسير

وردنا ماء يثرب عن حفاظ* * * لربع إنّه قرب ضرير

بكلّ مجرّب كالسيد نهد* * * على أقتاد ناجية صبور

فدى لأبى سليمى كلّ جيش‏* * * بيثرب إذ تناطحت النّحور

غداة ترى المجرّب مستكينا* * * خلاف القوم هامته تدور

قال ابن هشام: قوله: و لا يرجى لها عتق يسير. و قوله: عن العتق الأمور عن غير ابن إسحاق.

تمّت الغزاة، وعدنا إلى تفصيل ذكر السّرايا و البعوث.

قال ابن إسحاق: و غزوة زيد بن حارثة أيضا الطرف من ناحية نخل.

من طريق العراق.

____________

..........

477

[غزوة زيد بن حارثة بنى فزارة و مصاب أم قرفة]

غزوة زيد بن حارثة بنى فزارة و مصاب أم قرفة

[بعض من أصيب بها]

بعض من أصيب بها و غزوة زيد بن حارثة أيضا وادى القرى، لقى به بنى فزارة، فأصيب بها ناس من أصحابه، و ارتث زيد من بين القتلى، و فيها أصيب ورد بن عمرو ابن مداش، و كان أحد بنى سعد بن هذيل، أصابه أحد بنى بدر.

قال ابن هشام: سعد بن هذيم.

[معاودة زيد لهم‏]

معاودة زيد لهم قال ابن إسحاق: فلما قدم زيد بن حارثة آلى أن لا يمس رأسه غسل من جنابة حتى يغزو بنى فزارة؛ فلما استبلّ من جراحته بعثه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إلى بنى فزارة فى جيش، فقتلهم بوادى القرى، و أصاب فيهم، و قتل قيس بن المسحّر اليعمرى مسعدة بن حكمة بن مالك بن حذيفة بن بدر، و أسرت أمّ قرفة فاطمة بنت ربيعة بن بدر، كانت عجوزا كبيرة عند مالك بن حذيفة بن بدر، و بنت لها، و عبد اللّه بن مسعدة، فأمر زيد بن حارثة قيس بن المسحّر أن يقتل أمّ قرفة، فقتلها قتلا عنيفا؛ ثم قدموا على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بابنة أمّ قرفة، و بابن مسعدة.

[شأن أم قرفة]

شأن أم قرفة و كانت بنت أمّ قرفة لسلمة بن عمرو بن الأكوع، كان هو الذي أصابها،

____________

..........

478

و كانت فى بيت شرف من قومها؛ كانت العرب تقول: لو كنت أعزّ من أم قرفة ما زدت. فسألها رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) سلمة، فوهبها له، فأهداها لخاله حزن بن وهب، فولدت له عبد الرحمن بن حزن‏

[شعر ابن المسحر فى قتل مسعدة]

شعر ابن المسحر فى قتل مسعدة فقال قيس بن المسحّر فى قتل مسعدة:

سعيت بورد مثل سعى ابن أمّه‏* * * و إنى بورد فى الحياة لثائر

كررت عليه المهر لمّا رأيته‏* * * على بطل من آل بدر مغاور

فركّبت فيه قعضبيّا كأنّه‏* * * شهاب بمعراة يذكّى لناظر

[غزوة عبد اللّه بن رواحة لقتل اليسير بن رزام‏]

غزوة عبد اللّه بن رواحة لقتل اليسير بن رزام و غزوة عبد اللّه بن رواحة خيبر مرتين: إحداهما التي أصاب فيها اليسير بن رزام. قال ابن هشام: و يقال ابن رازم.

[مقتل اليسير]

مقتل اليسير و كان من حديث اليسير بن رزام أنه كان بخيبر يجمع غطفان لغزو رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فبعث إليه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) عبد اللّه بن رواحة فى نفر من أصحابه، منهم عبد اللّه بن أنيس، حليف بنى سلمة، فلما قدموا عليه كلّموه، و قرّبوا له، و قالوا له: إنك إن قدمت على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) استعملك و أكرمك، فلم يزالوا به، حتى خرج‏

____________

..........

479

معهم فى نفر من يهود، فحمله عبد اللّه بن أنيس على بعيره، حتى إذا كان بالقرقرة من خيبر، على ستة أميال، ندم اليسير بن رزام على مسيره إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، ففطن له عبد اللّه بن أنيس، و هو يريد السّيف، فاقتحم به ثم ضربه بالسيف، فقطع رجله، و ضربه اليسير بمخرش فى يده من شوحط، فأمّه، و مال كلّ رجل من أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) على صاحبه من يهود فقتله، إلا رجلا واحدا أفلت على رجليه؛ فلما قدم عبد اللّه بن أنيس على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) تفل على شجّته، فلم تقح و لم تؤذه.

[غزوة ابن عتيك خيبر]

غزوة ابن عتيك خيبر و غزوة عبد اللّه بن عتيك خيبر، فأصاب بها أبا رافع بن أبى الحقيق.

[غزوة عبد اللّه بن أنيس لقتل خالد بن سفيان بن نبيح الهذلى‏]

غزوة عبد اللّه بن أنيس لقتل خالد بن سفيان بن نبيح الهذلى‏

[مقتل ابن نبيح‏]

مقتل ابن نبيح و غزوة عبد اللّه بن أنيس خالد بن سفيان بن نبيح، بعثه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إليه و هو بنخلة أو بعرنة، يجمع لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) الناس ليغزوه، فقتله.

قال ابن إسحاق: حدثني محمد بن جعفر بن الزّبير، قال: قال عبد اللّه‏

____________

..........

480

ابن أنيس: دعانى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فقال: إنه قد بلغنى أن ابن سفيان بن نبيح الهذلىّ يجمع لى الناس ليغزونى، و هو بنخلة أو بعرنة، فأته فاقتله قلت: يا رسول اللّه، انعته لى حتى أعرفه. قال: إنك إذا رأيته أذكرك الشّيطان، و آية ما بينك و بينه أنك إذا رأيته وجدت له قشعريرة.

قال: فخرجت متوشّحا سيفى، حتى دفعت إليه و هو فى ظعن يرتاد لهن منزلا، و حيث كان وقت العصر؛ فلما رأيته وجدت ما قال لى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) من القشعريرة، فأقبلت نحوه، و خشيت أن تكون بينى و بينه مجاولة تشغلنى عن الصلاة، فصلّيت و أنا أمشى نحوه، أومى برأسى، فلما انتهيت إليه، قال: من الرّجل؟ قلت: رجلى من العرب سمع بك و بجمعك لهذا الرجل، فجاءك لذلك. قال: أجل، إنى لفى ذلك. قال فمشيت معه شيئا، حتى إذا أمكننى حملت عليه بالسيف، فقتلته، ثم خرجت، و تركت ظعائنه منكبّات عليه؛ فلما قدمت على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فرآنى، أفلح الوجه؛ قلت: قد قتلته يا رسول اللّه. قال: صدقت.

[إهداء الرسول عصا لابن أنيس‏]

إهداء الرسول عصا لابن أنيس ثم قام بى، فأدخلنى بيته، فأعطانى عصا، فقال: أمسك هذه العصا عندك يا عبد اللّه بن أنيس. قال: فخرجت بها على الناس، فقالوا: ما هذه العصا؟

قلت: أعطانيها رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و أمرنى أن أمسكها عندى.

قالوا: أ فلا ترجع إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فتسأله لم ذلك؟ قال:

فرجعت إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فقلت: يا رسول اللّه، لم أعطيتنى‏

____________

..........

481

هذه العصا؟ قال: آية بينى و بينك يوم القيامة. إن أقلّ الناس المتخصّرون يومئذ، قال: فقرنها عبد اللّه بن أنيس بسيفه، فلم تزل معه حتى مات، ثم أمر بها فضمّت فى كفنه، ثم دفنا جميعا.

[شعر ابن أنيس فى قتله ابن نبيح‏]

شعر ابن أنيس فى قتله ابن نبيح قال ابن هشام: و قال عبد اللّه بن أنيس فى ذلك:

تركت ابن ثور كالحوار و حوله‏* * * نوائح تفرى كلّ جيب مقدّد

تناولته و الظّعن خلفى و خلفه‏* * * بأبيض من ماء الحديد مهند

عجوم لهام الدّارعين كأنّه‏* * * شهاب غضّى من ملهب متوقّد

أقول له و السّيف يعجم رأسه‏* * * أنا ابن أنيس فارسا غير قعدد

أنا ابن الذي لم ينزل الدهر قدره‏* * * رحيب فناء الدّار غير مزنّد

و قلت له خذها بضربة ماجد* * * حنيف على دين النّبىّ محمد

و كنت إذا همّ النّبىّ بكافر* * * سبقت إليه باللّسان و باليد

تمّت الغزاة، وعدنا إلى خبر البعوث.

[غزوات أخر]

غزوات أخر قال ابن إسحاق: و غزوة زيد بن حارثة و جعفر بن أبى طالب و عبد اللّه ابن رواحة مؤتة من أرض الشام، فأصيبوا بها جميعا، و غزوة كعب بن عمير الغفارى ذات أطلاح، من أرض الشام، أصيب بها هو و أصحابه جميعا.

و غزوة عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر بنى العنبر من بنى تميم.

____________

..........

482

[غزوة عيينة بن حصن بنى العنبر من بنى تميم‏]

غزوة عيينة بن حصن بنى العنبر من بنى تميم‏

[وعد الرسول عائشة بإعطائها سبيا منهم لتعتقه‏]

وعد الرسول عائشة بإعطائها سبيا منهم لتعتقه و كان من حديثهم أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بعثه إليهم، فأغار عليهم، فأصاب منهم أناسا، و سبى منهم أناسا.

فحدثنى عاصم بن عمر بن قتادة: أن عائشة قالت لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): يا رسول اللّه، إن علىّ رقبة من ولد إسماعيل. قال: هذا سبى بنى العنبر يقدم الآن، فنعطيك منهم إنسانا فتعتقينه.

[بعض من سبى و بعض من قتل و شعر سلمى فى ذلك‏]

بعض من سبى و بعض من قتل و شعر سلمى فى ذلك قال ابن إسحاق: فلما قدم بسبيهم على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، ركب فيهم وفد من بنى تميم، حتى قدم على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، منهم ربيعة بن رفيع، و سبرة بن عمرو، و القعقاع بن معبد، و وردان ابن محرز، و قيس بن عاصم، و مالك بن عمرو، و الأقرع بن حابس، و فراس ابن حابس؛ فكلّموا رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فيهم، فأعتق بعضا، و أفدى بعضا، و كان ممن قتل يومئذ من بنى العنبر: عبد اللّه و أخوان له، بنو وهب، و شدّاد بن فراس، و حنظلة بن دارم، و كان ممن سبى من نسائهم يومئذ: أسماء بنت مالك، و كاس بنت أرىّ و نجوة بنت نهد، و جميعة بنت قيس، و عمرة بنت مطر فقالت فى ذلك اليوم سلمى بنت عتّاب:

____________

..........

483

لعمرى لقد لاقت عدىّ بن جندب‏* * * من الشرّ مهواة شديدا كئودها

تكنّفها الأعداء من كلّ جانب‏* * * و غيّب عنها عزّها و جدودها

[شعر الفرزدق فى ذلك‏]

شعر الفرزدق فى ذلك قال ابن هشام: و قال الفرزدق فى ذلك:

و عند رسول اللّه قام ابن حابس‏* * * بخطّة سوّار إلى المجد حازم‏

له أطلق الأسرى التي فى حباله‏* * * مغلّلة أعناقها فى الشّكائم‏

كفى أمّهات الخالفين عليهم‏* * * غلاء المفادى أو سهام المقاسم‏

و هذه الأبيات فى قصيدة له. و عدىّ بن جندب من بنى العنبر، و العنبر ابن عمرو بن تميم.

[غزوة غالب بن عبد اللّه أرض بنى مرة]

غزوة غالب بن عبد اللّه أرض بنى مرة

[مقتل مرداس‏]

مقتل مرداس قال ابن إسحاق: و غزوة غالب بن عبد اللّه الكلبى- كلب ليث- أرض بنى مرّة، فأصاب بها مرداس بن نهيك، حليفا لهم من الحرقة، من جهينة، قتله أسامة بن زيد، و رجل من الأنصار.

قال ابن هشام: الحرقة، فيما حدثني عبيدة.

قال ابن إسحاق: و كان من حديثه عن أسامة بن زيد، قال: أدركته‏

____________

..........

484

أنا و رجل من الأنصار، فلما شهرنا عليه السلاح، قال: أشهد أن لا إله إلا اللّه قال: فلم تنزع عنه حتى قتلناه؛ فلما قدمنا على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أخبرناه خبره؛ فقال يا أسامة؛ من لك بلا إله إلا اللّه؟ قال: قلت:

يا رسول اللّه، إنه إنما قالها تعوّذا بها من القتل قال: فمن لك بها يا أسامة؟

قال: فو الذي بعثه بالحقّ ما زال يردّدها علىّ حتى لوددت أنّ ما مضى من إسلامى لم يكن، و أنى كنت أسلمت يومئذ، و أنى لم أقتله؛ قال: قلت:

أنظرنى يا رسول اللّه، إنى أعاهد اللّه أن لا أقتل رجلا يقول لا إله إلا اللّه أبدا، قال: تقول بعدى يا أسامة؛ قال: قلت بعدك‏

[غزوة عمرو بن العاص ذات السلاسل‏]

غزوة عمرو بن العاص ذات السلاسل‏

[إرسال عمرو ثم إمداده‏]

إرسال عمرو ثم إمداده و غزوة عمرو بن العاص ذات السلاسل من أرض بنى عذرة، و كان من حديثه أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بعثه يستنفر العرب إلى الشام و ذلك أن أمّ العاص بن وائل كانت امرأة من بلىّ. فبعثه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إليهم يستألفهم لذلك، حتى إذا كان على ماء بأرض جذام، يقال له السّلسل. و بذلك سمّيت تلك الغزوة، غزوة ذات السلاسل؛ فلما كان عليه خاف فبعث إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يعتمده، فبعث إليه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أبا عبيدة بن الجرّاح فى المهاجرين الأوّلين، فيهم أبو بكر و عمر؛ و قال لأبى عبيدة حين وجهه: لا تختلفا؛ فخرج أبو عبيدة حتى إذا قدم عليه، قال له عمرو: إنما جئت مددا لى، قال أبو عبيدة: لا، و لكنى على‏

____________

..........

485

ما أنا عليه، و أنت على ما أنت عليه، و كان أبو عبيدة رجلا لينا سهلا، هينا عليه أمر الدنيا، فقال له عمرو: بل أنت مدد لى، فقال أبو عبيدة. يا عمرو، و إن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قال لى: لا تختلفا، و إنك إن عصيتنى أطعتك، قال: فإنى الأمير عليك، و أنت مدد لى، قال: فدونك. فصلّى عمرو بالناس.

[وصية أبى بكر رافع بن رافع‏]

وصية أبى بكر رافع بن رافع قال: و كان من الحديث فى هذه الغزاة، أن رفع بن أبى رافع الطائى، و هو رافع بن عميرة، كان يحدّث فيما بلغنى عن نفسه، قال: كنت امرأ نصرانيا، و سمّيت سرجس، فكنت أدلّ الناس و أهداهم بهذا الرّمل، كنت أدفن الماء فى بيض النعام بنواحى الرمل فى الجاهلية، ثم أغير على إبل الناس، فإذا أدخلتها الرمل غلبت عليها، فلم يستطع أحد أن يطلبنى فيه، حتى أمرّ بذلك الماء الذي خبأت فى بيض النعام فأستخرجه، فأشرب منه، فلما أسلمت خرجت فى تلك الغزوة التي يبعث فيها رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) عمرو بن العاص إلى ذات السلاسل، قال فقلت: و اللّه لأختارنّ لنفسى صاحبا، قال:

فصحبت أبا بكر، قال: فكنت معه فى رحله، قال: و كانت عليه عباءة له فدكية، فكان إذا نزلنا بسطها، و إذا ركبنا لبسها، ثم شكّها عليه بخلال له، قال: و ذلك الذي له يقول أهل نجد حين ارتدّوا كفّارا: نحن نبايع ذا العباءة! قال: فلما دنونا من المدينة قافلين، قال قلت: يا أبا بكر، إنما صحبتك لينفعنى اللّه بك، فانصحنى و علّمنى، قال: لو لم تسألنى ذلك لفعلت، قال:

آمرك أن توحّد اللّه و لا تشرك به شيئا، و أن تقيم الصلاة، و أن تؤتى الزكاة،

____________

..........

486

و تصوم رمضان، و تحج هذا البيت، و تغتسل من الجنابة، و لا تتأمّر على رجل من المسلمين أبدا. قال: قلت: يا أبا بكر، أما أنا و اللّه فإنى أرجو أن لا أشرك باللّه أحدا أبدا، و أما الصلاة فلن أتركها أبدا إن شاء اللّه، و أما الزكاة فإن يك لى مال أؤدها إن شاء اللّه، و أما رمضان فلن أتركه أبدا إن شاء اللّه، و أما الحج فإن أستطع أحج إن شاء اللّه تعالى، و أما الجنابة فأغتسل منها إن شاء اللّه، و أما الإمارة فإنى رأيت الناس يا أبا بكر لا يشرفون عند رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و عند الناس إلا بها، فلم تنهانى عنها؟ قال:

إنك إنما استجهدتنى لأجهد لك، و سأخبرك عن ذلك، إن اللّه عزّ و جلّ بعث محمدا (صلى الله عليه و سلم) بهذا الدين، فجاهد عليه حتى دخل الناس فيه طوعا و كرها، فلما دخلوا فيه كانوا عواذ للّه و جيرانه، و فى ذمّته، فإياك لا تخفر اللّه فى جيرانه، فيتبعك اللّه فى خفرته، فإن أحدكم يخفر فى جاره، فيظلّ ناتئا عضله، غضبا لجاره أن أصيبت له شاة أو بعير، فاللّه أشدّ غضبا لجاره قال:

ففارقته على ذلك.

قال: فلما قبض رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و أمّر أبو بكر على الناس، قال: قدمت عليه، فقلت له: يا أبا بكر، أ لم تك نهيتنى عن أن أتأمّر على رجلين من المسلمين؟ قال: بلى، و أنا الآن أنهاك عن ذلك، قال: فقلت له: فما حملك على أن تلى أمر النّاس؟ قال: لا أجد من ذلك بدّا، خشيت على أمّة محمد (صلى الله عليه و سلم) الفرقة.

____________

..........

487

[تقسيم عوف الأشجعى الجزور بين قوم‏]

تقسيم عوف الأشجعى الجزور بين قوم قال ابن إسحاق: أخبرنى يزيد بن أبى حبيب أنه حدّث عن عوف ابن مالك الأشجعى، قال: كنت فى الغزاة التي بعث فيها رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) عمرو بن العاص إلى ذات السّلاسل، قال: فصحبت أبا بكر و عمر، فمررت بقوم على جزور لهم قد نحروها، و هم لا يقدرون على أن يعضوها، قال: و كنت امرأ لبقا جازرا، قال: فقلت: أ تعطونني منها عشيرا على أن أقسمها بينكم؟ قالوا: نعم، قال: فأخذت الشّفرتين، فجزّأتها مكانى، و أخذت منها جزءا، فحملته إلى أصحابى، فاطّبخناه فأكلناه. فقال لى أبو بكر و عمر رضى اللّه عنهما أنّى لك هذا اللحم يا عوف؟ قال: فأخبرتهما خبره، فقالا:

و اللّه ما أحسنت حين أطعمتنا هذا، ثم قاما يتّقيان ما فى بطونهما من ذلك؛ قال: فلما قفل الناس من ذلك السفر، كنت أوّل قادم على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، قال: فجئته و هو يصلى فى بيته؛ قال: فقلت: السلام عليك يا رسول اللّه و رحمة اللّه و بركاته، قال: أ عوف بن مالك؟ قال: قلت: نعم، بأبى أنت و أمى، قال أصاحب الجزور؟ و لم يزدنى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) على ذلك شيئا.

[غزوة ابن أبى حدرد بطن أصم و قتل عامر ابن الأضبط الأشجعى‏]

غزوة ابن أبى حدرد بطن أصم و قتل عامر ابن الأضبط الأشجعى قال ابن إسحاق: حدثني يزيد بن عبد اللّه بن قسيط، عن القعقاع بن عبد اللّه بن أبى حدرد، عن أبيه عبد اللّه بن أبى حدرد، قال بعثنا

____________

..........

488

رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إلى إضم فى نفر من المسلمين، فيهم أبو قتادة الحارث بن ربعىّ و محلّم بن جثّامة بن قيس، فخرجنا حتى إذا كنا ببطن إضم، مرّ بنا عامر بن الأضبط الأشجعىّ، على قعود له، و معه متيّع له و وطب من لبن. قال: فلما مرّ بنا سلّم علينا بتحية الإسلام، فأمسكنا عنه، و حمل عليه محلّم بن جثّامة، فقتله لشى‏ء كان بينه و بينه، و أخذ بعيره و أخذ متيّعه قال: فلما قدمنا على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و أخبرناه الخبر، نزل فينا: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا، وَ لا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى‏ إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً، تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا النساء:

94 .. إلى آخر الآية.

قال ابن هشام: قرأ أبو عمرو بن العلاء: وَ لا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى‏ إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً لهذا الحديث.

[ابن حابس و ابن حصن يختصمان فى دم ابن الأضبط إلى الرسول‏]

ابن حابس و ابن حصن يختصمان فى دم ابن الأضبط إلى الرسول قال ابن إسحاق: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، قال: سمعت زياد ابن ضميرة بن سعد السّلمىّ يحدّث عن عروة بن الزبير، عن أبيه، عن جدّه، و كانا شهدا حنينا مع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، قال: صلى بنا رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) الظهر، ثم عمد إلى ظلّ شجرة، فجلس تحتها، و هو بحنين، فقام إليه الأقرع بن حابس، و عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر، يختصمان‏

____________

..........

489

فى عامر بن أضبط الأشجعى: عيينة يطلب بدم عامر، و هو يومئذ رئيس غطفان، و الأقرع بن حابس يدفع عن محلّم بن جثّامة، لمكانه من خندف، فتداولا الخصومة عند رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و نحن نسمع، فسمعنا عيينة بن حصن و هو يقول و اللّه يا رسول اللّه لا أدعه حتى أذيق نساءه من الحرقة مثل ما أذاق نسائى، و رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يقول: بل تأخذون الدية خمسين فى سفرنا هذا، و خمسين إذا رجعنا، و هو يأبى عليه، إذ قام رجل من بنى ليث، يقال له: مكيثر، قصير مجموع- قال ابن هشام: مكيتل- فقال: و اللّه يا رسول اللّه ما وجدت لهذا القتيل شبها فى غرّة الإسلام إلا كغنم وردت فرميت أولاها، فنفرت أخراها، اسنن اليوم، و غيّر غدا. قال: فرفع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يده. فقال: بل تأخذون الدّية خمسين فى سفرنا هذا، و خمسين إذا رجعنا. قال: فقبلوا الدّية. قال: ثم قالوا: أين صاحبكم هذا، يستغفر له رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)؟ قال: فقام رجل آدم ضرب طويل، عليه حلّة له، قد كان تهيأ للقتل فيها: حتى جلس بين يدى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فقال له: ما اسمك؟ قال: أنا محلّم بن جثّامة، قال: فرفع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يده، ثم قال: اللهمّ لا تغفر لمحلّم بن جثّامة ثلاثا. قال:

فقام و هو يتلقى دمعه بفضل ردائه. قال: فأما نحن فنقول فيما بيننا: إنا لنرجو أن يكون رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قد استغفر له، و أما ما ظهر من رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فهذا.

____________

..........

490

[موت محلم و ما حدث له‏]

موت محلم و ما حدث له قال ابن إسحاق: و حدثني من لا أتهم عن الحسن البصرىّ، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) حين جلس بين يديه: أمّنته باللّه ثم قتلته! ثم قال له المقالة التي قال؛ قال: فو اللّه ما مكث محلّم بن جثّامة إلا سبعا حتى مات، فلفظته- و الذي نفس الحسن بيده- الأرض، ثم عادوا له، فلفظته الأرض، ثم عادوا فلفظته؛ فلما غلب قومه عمدوا إلى صدّين، فسطحوه بينهما ثم رضموا عليه الحجارة حتى واروه. قال: فبلغ رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) شأنه، فقال: و اللّه إن الأرض لتطابق على من هو شرّ منه، و لكن اللّه أراد أن يعظكم فى حرم ما بينكم بما أراكم منه.

[دية بن الأضبط]

دية بن الأضبط قال ابن إسحاق: و أخبرنا سالم أبو النّضر أنه حدّث: أن عيينة بن حصن و قيسا حين قال الأقرع بن حابس و خلا بهم، يا معشر قيس، منعتم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، قتيلا يستصلح به الناس، أ فأمنتم أن يلعنكم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فيلعنكم اللّه بلعنته، أو أن يغضب اللّه عليكم بغضبه؟ و اللّه الذي نفس الأقرع بيده لتسلمنّه إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فليصنعنّ فيه ما أراد، أو لآتينّ بخمسين رجلا من بنى تميم يشهدون باللّه كلّهم. لقتل صاحبكم كافرا، ما صلّى قط، فلأطلّنّ دمه؛ فلما سمعوا ذلك، قبلوا الدّية.

____________

..........

491

قال ابن هشام: محلّم فى هذا الحديث كله عن غير ابن إسحاق، و هو محلم ابن جثّامة بن قيس الليثى.

قال ابن إسحاق: ملجّم، فيما حدثناه زياد عنه.

[غزوة ابن أبى حدرد لقتل رفاعة بن قيس الجشمى‏]

غزوة ابن أبى حدرد لقتل رفاعة بن قيس الجشمى‏

[سببها]

سببها قال ابن إسحاق: و غزوة ابن أبى حدرد الأسلمي الغابة.

و كان من حديثها فيما بلغنى، عمن لا أتهم، عن ابن أبى حدرد، قال:

تزوّجت امرأة من قومى، و أصدقتها مائتى درهم، قال: فجئت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أستعينه على نكاحى؛ فقال: و كم أصدقت؟ فقلت: مائتى درهم يا رسول اللّه، قال: سبحان اللّه، لو كنتم تأخذون الدراهم من بطن واد ما زدتم، و اللّه ما عندى ما أعينك به. قال: فلبثت أياما، و أقبل رجل من بنى جشم بن معاوية، يقال له: رفاعة بن قيس، أو قيس بن رفاعة، فى بطن جشم، حتى نزل بقومه و من معه بالغابة، يريد أن يجمع قيسا على على حرب رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و كان ذا اسم فى جشم و شرف. قال:

فدعانى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و رجلين معى من المسلمين، فقال:

اخرجوا إلى هذا الرجل حتى تأتوا منه بخبر و علم. قال: و قدّم لنا شارفا عجفاء،

____________

..........

492

فحمل عليها أحدنا، فو اللّه ما قامت به ضعفا حتى دعمها الرجال من خلفها بأيديهم، حتى استقلّت و ما كادت، ثم قال: تبلّغوا عليها و اعتقبوها.

[انتصار المسلمين و نصيب ابن أبى حدرد من في‏ء استعان به على الزواج‏]

انتصار المسلمين و نصيب ابن أبى حدرد من في‏ء استعان به على الزواج قال: فخرجنا و معنا سلاحنا من النّبل و السيوف، حتى إذا جئنا قريبا من الحاضر عشيشية مع غروب الشمس. قال: كمنت فى ناحية، و أمرت صاحبىّ، فكمنا فى ناحية أخرى من حاضر القوم؛ و قلت لهما: إذا سمعتمانى قد كبّرت و شددت فى ناحية العسكر فكبّرا و شدّا معى. قال: فو اللّه إنّا لكذلك ننتظر غرّة القوم، أو أن نصيب منهم شيئا. قال: و قد غشينا الليل حتى ذهبت فحمة العشاء، و قد كان لهم راع قد سرّح فى ذلك البلد، فأبطأ عليهم حتى تخوّفوا عليه قال: فقام صاحبهم ذلك رفاعة بن قيس، فأخذ سيفه، فجعله فى عنقه، ثم قال: و اللّه لأتّبعنّ أثر راعينا هذا، و لقد أصابه شرّ، فقال له نفر ممّن معه: و اللّه لا تذهب، نحن نكفيك؛ قال: و اللّه لا يذهب إلا أنا؛ قالوا: فنحن معك؛ قال: و اللّه لا يتبعنى أحد منكم قال: و خرج حتى يمر بي.

قال: فلما أمكننى نفحته بسهمى، فوضعته فى فؤاده. قال: فو اللّه ما تكلّم، و و ثبت إليه، فاحتززت رأسه. قال. و شددت فى ناحية العسكر، و كبّرت، و شدّ صاحباى و كبّرا. قال: فو اللّه ما كان إلا النجاء ممن فيه، عندك، عندك، بكلّ ما قدروا عليه من نسائهم و أبنائهم، و ما خفّ معهم من أموالهم. قال:

و استقنا إبلا عظيمة، و غما كثيرة، فجئنا بها إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم).

____________

..........

493

قال: و جئت برأسه أحمله معى. قال: فأعاننى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) من تلك الإبل بثلاثة عشر بعيرا فى صداقى، فجمعت إلىّ أهلى.

[غزوة عبد الرحمن بن عوف إلى دومة الجندل‏]

غزوة عبد الرحمن بن عوف إلى دومة الجندل‏

[شي‏ء من وعظ الرسول لقومه‏]

شي‏ء من وعظ الرسول لقومه قال ابن إسحاق: و حدثني من لا أتهم عن عطاء بن أبى رباح، قال:

سمعت رجلا من أهل البصرة يسأل عبد اللّه بن عمر بن الخطاب، عن إرسال العمامة من خلف الرجل إذا اعتمّ، قال: فقال عبد اللّه: سأخبرك إن شاء اللّه عن ذلك بعلم: كنت عاشر عشرة رهط من أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فى مسجده: أبو بكر، و عمر، و عثمان، و علىّ، و عبد الرحمن بن عوف، و ابن مسعود، و معاذ بن جبل، و حذيفة بن اليمان، و أبو سعيد الخدرىّ، و أنا مع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، إذ أقبل فتى من الأنصار، فسلّم على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، ثم جلس، فقال: يا رسول اللّه، صلى اللّه عليك، أىّ المؤمنين أفضل؟ فقال: أحسنهم خلقا؛ قال: فأىّ المؤمنين أكيس؟ قال: أكثرهم ذكرا للموت، و أحسنهم استعدادا له قبل أن ينزل به، أولئك الأكياس، ثم سكت الفتى، و أقبل علينا رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فقال: «يا معشر المهاجرين، خمس خصال إذا نزلن بكم و أعوذ باللّه أن تدركوهن: إنه لم تظهر الفاحشة فى قوم قطّ حتى يعلنوا بها إلا ظهر فيهم الطاعون و الأوجاع، التي لم تكن فى أسلافهم الذين مضوا؛ و لم ينقصوا المكيال و الميزان إلا أخذوا بالسنين و شدّة المؤنة و جور السّلطان؛

____________

..........

494

و لم يمنعوا الزكاة من أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، فلو لا البهائم ما مطروا؛ و ما نقضوا عهد اللّه و عهد رسوله إلا سلّط عليهم عدوّ من أغيرهم، فأخذ بعض ما كان فى أيديهم؛ و ما لم يحكم أئمتهم بكتاب اللّه و تجبروا فيما أنزل اللّه إلا جعل اللّه بأسهم بينهم».

[تأمير ابن عوف و اعتمامه‏]

تأمير ابن عوف و اعتمامه ثم أمر عبد الرحمن بن عوف أن يتجهّز لسرية بعثه عليها، فأصبح و قد اعتم بعمامة من كرابيس سوداء، فأدناه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) منه، ثم نقضها، ثم عمّمه بها، و أرسل من خلفه أربع أصابع أو نحوا من ذلك، ثم قال: هكذا يا بن عوف فاعتمّ، فإنه أحسن و أعرف، ثم أمر بلالا أن يدفع إليه اللواء. فدفعه إليه فحمد اللّه تعالى، و صلى على نفسه، ثم قال: خذه يا بن عوف، اغزوا جميعا فى سبيل اللّه، فقاتلوا من كفر باللّه، لا تغلّوا، و لا تغدروا، و لا تمثّلوا، و لا تقتلوا وليدا، فهذا عهد اللّه و سيرة نبيّه فيكم.

فأخذ عبد الرحمن بن عوف اللواء.

قال ابن هشام: فخرج إلى دومة الجندل.

[غزوة أبى عبيدة بن الجراح إلى سيف البحر]

غزوة أبى عبيدة بن الجراح إلى سيف البحر

[نفاد الطعام و خبر دابة البحر]

نفاد الطعام و خبر دابة البحر قال ابن إسحاق: و حدثني عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، عن أبيه، عن جدّه عبادة بن الصامت، قال: بعث رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)

____________

..........

495

سريّة إلى سيف البحر، عليهم أبو عبيدة بن الجرّاح، و زوّدهم جرابا من تمر، فجعل يقوتهم إياه، حتى صار إلى أن يعدّه عليهم عددا. قال: ثم نفد التمر، حتى كان يعطى كلّ رجل منهم كلّ يوم تمرة. قال: فقسمها يوما بيننا. قال:

فنقصت تمرة عن رجل، فوجدنا فقدها ذلك اليوم. قال: فلما جهدنا الجوع أخرج اللّه لنا دابة من البحر، فأصبنا من لحمها و ودكها، و أقمنا عليها عشرين ليلة، حتى سمنا و ابتللنا، و أخذ أميرنا ضلعا من أضلاعها، فوضعها على طريقه، ثم أمر بأجسم بعير معنا، فحمل عليه أجسم رجل منا. قال: فجلس عليه، قال:

فخرج من تحتها و ما مسّت رأسه. قال: فلما قدمنا على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أخبرناه خبرها، و سألناه عما صنعنا فى ذلك من أكلنا إياه، فقال:

رزق رزقكموه اللّه.

[بعث عمرو بن أمية الضمرى لقتال أبى سفيان بن حرب و ما صنع فى طريقه‏]

بعث عمرو بن أمية الضمرى لقتال أبى سفيان بن حرب و ما صنع فى طريقه‏

[قدومه مكة و تعرف القوم عليه‏]

قدومه مكة و تعرف القوم عليه قال ابن هشام: و مما لم يذكره ابن إسحاق من بعوث رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و سراياه بعث عمرو بن أميّة الضّمرى، بعثه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فيما حدّثنى من أثق به من أهل العلم، بعد مقتل خبيب بن عدىّ و أصحابه إلى مكة، و أمره أن يقتل أبا سفيان بن حرب، و بعث معه جبّار ابن صخر الأنصاري فخرجا حتى قدما مكة و حبسا جمليهما بشعب من شعاب‏

____________

..........

496

يأجج، ثم دخلا مكة ليلا، فقال جبّار لعمرو: لو أنا طفنا بالبيت و صلّينا ركعتين؟ فقال عمرو: إن القوم إذا تعشّوا جلسوا بأفنيتهم، فقال: كلا، إن شاء اللّه، فقال عمرو: فطفنا بالبيت، و صلّينا، ثم خرجنا نريد أبا سفيان، فو اللّه إنا لنمشى بمكة إذ نظر إلىّ رجل من أهل مكة فعرفنى، فقال عمرو بن أميّة: و اللّه إن قدمها إلا لشرّ، فقلت لصاحبى: النّجاء، فخرجنا نشتدّ، حتى أصعدنا فى جبل، و خرجوا فى طلبنا، حتى إذا علونا الجبل يئسوا منا، فرجعنا، فدخلنا كهفا فى الجبل، فبتنا فيه، و قد أخذنا حجارة فرضمناها دوننا، فلما أصبحنا غدا رجل من قريش يقود فرسا له، و يخلى عليها، فغشينا و نحن فى الغار، فقلت: إن رآنا صاح بنا، فأخذنا فقتلنا.

[قتله أبا سفيان و هربه‏]

قتله أبا سفيان و هربه قال: و معى خنجر قد أعددته لأبى سفيان، فأخرج إليه، فأضربه على ثديه ضربة، و صاح صيحة أسمع أهل مكة، و أرجع فأدخل مكانى، و جاءه الناس يشتدّون و هو بآخر رمق، فقالوا: من ضربك؟ فقال: عمرو بن أميّة، و غلبه الموت، فمات مكانه، و لم يدلل على مكاننا، فاحتملوه. فقلت لصاحبى، لما أمسينا: النّجاء، فخرجنا ليلا من مكة نريد المدينة، فمررنا بالحرس و هم يحرسون جيفة خبيب بن عدىّ، فقال أحدهم: و اللّه ما رأيت كالليلة أشبه بمشية عمرو بن أميّة، لو لا أنه بالمدينة لقلت هو عمرو بن أميّة، قال:

فلما حاذى الخشبة شدّ عليها، فأخذها فاحتملها، و خرجا شدّا، و خرجوا وراءه حتى أتى جرفا بمهبط مسيل يأجج، فرمى بالخشبة فى الجرف،

____________

..........

497

فغيبه اللّه عنهم، فلم يقدروا عليه، قال: و قلت لصاحبى: النّجاء النجاء، حتى تأتى بعيرك فتقعد عليه، فإنى سأشغل عنك القوم، و كان الأنصاري لا رجلة له.

[قتله بكريا فى غار]

قتله بكريا فى غار قال: و مضيت حتى أخرج على ضجنان ثم أويت إلى جبل، فأدخل كهفا، فبينا أنا فيه، إذ دخل علىّ شيخ من بنى الدّيل أعور، فى غنيمة له، فقال: من الرجل؟ فقلت: من بنى بكر، فمن أنت؟ قال: من بنى بكر، فقلت: مرحبا، فاضطجع، ثم رفع عقيرته، فقال:

و لست بمسلم ما دمت حيّا* * * و لا دان لدين المسلمينا

فقلت فى نفسى: ستعلم، فأمهلته، حتى إذا نام أخذت قوسى، فجعلت سيتها فى عينه الصّحيحة، ثم تحاملت عليه حتى بلغت العظم، ثم خرجت النّجاء، حتى جئت العرج، ثم سلكت ركوبة، حتى إذا هبطت النّقيع إذا رجلان من قريش من المشركين، كانت قريش بعثتهما عينا إلى المدينة ينظران و يتحسّسان، فقلت: استأسرا، فأبيا، فأرمى أحدهما بسهم فأقتله، و استأسر الآخر، فأوثقه رباطا، و قدمت به المدينة.

[سرية زيد بن حارثة إلى مدين‏]

سرية زيد بن حارثة إلى مدين‏

[بعثه هو و ضميرة و قصة السبى‏]

بعثه هو و ضميرة و قصة السبى قال ابن هشام: و سرية زيد بن حارثة إلى مدين. ذكر ذلك عبد اللّه بن حسن بن حسن، عن أمه فاطمة بنت الحسين بن علىّ عليهم رضوان اللّه،

____________

..........

498

أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بعث زيد بن حارثة نحو مدين، و معه ضميرة مولى علىّ بن أبى طالب (رضوان اللّه عليه)، و أخ له. قالت: فأصاب سبيا من أهل ميناء، و هى السواحل، و فيها جمّاع من الناس، فبيعوا، ففرّق بينهم، فخرج رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و هم يبكون، فقال: ما لهم؟ فقيل:

يا رسول اللّه، فرّق بينهم، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): لا تبيعوهم إلا جميعا.

قال ابن هشام: أراد الأمهات و الأولاد.

[سرية سالم بن عمير لقتل أبى عفك‏]

سرية سالم بن عمير لقتل أبى عفك‏

[سبب نفاق أبى عفك‏]

سبب نفاق أبى عفك قال ابن إسحاق: و غزوة سالم بن عمير لقتل أبى عفك، أحد بنى عمرو ابن عوف ثم من بنى عبيدة، و كان قد نجم نفاقه، حين قتل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) الحارث بن سويد بن صامت، فقال:

لقد عشت دهرا و ما إن أرى‏* * * من النّاس دارا و لا مجمعا

أبرّ عهودا و أوفى لمن‏* * * يعاقد فيهم إذا ما دعا

من أولاد قيلة فى جمعهم‏* * * يهدّ الجبال و لم يخضعا

فصدّعهم راكب جاءهم‏* * * حلال حرام لشتّى معا

فلو أنّ بالعزّ صدّقتم‏* * * أو الملك تابعتم تبّعا

____________

..........

499

[قتل ابن عمير له و شعر المزيرية]

قتل ابن عمير له و شعر المزيرية فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): من لى بهذا الخبيث؟ فخرج سالم ابن عمير، أخو بنى عمرو بن عوف، و هو أحد البكّائين، فقتله، فقالت أمامة المزيرية فى ذلك:

تكذّب دين اللّه و المرء أحمدا* * * لعمر الذي أمناك أن بئس ما يمنى‏

حباك حنيف آخر اللّيل طعنة* * * أبا عفك خذها على كبر السّن‏

[غزوة عمير بن عدى الخطمى لقتل عصماء بنت مروان‏]

غزوة عمير بن عدى الخطمى لقتل عصماء بنت مروان‏

[نفاقها و شعرها فى ذلك‏]

نفاقها و شعرها فى ذلك و غزوة عمير بن عدىّ الخطمى عصماء بنت مروان، و هى من بنى أميّة ابن زيد، فلما قتل أبو عفك نافقت، فذكر عبد اللّه بن الحارث بن الفضيل عن أبيه، قال: و كانت تحت رجل من بنى خطمة، و يقال له يزيد بن زيد فقالت تعيب الإسلام و أهله:

باست بنى مالك و النّبيت‏* * * و عوف و باست بنى الخزرج‏

أطعتم أتاوىّ من غيركم‏* * * فلا من مراد و لا مذحج‏

ترجّونه بعد قتل الرّءوس‏* * * كما يرتجى مرق المنضج‏

أ لا أنف يبتغى غرّة* * * فيقطع من أمل المرتجى‏

____________

..........

500

[شعر حسان فى الرد عليها]

شعر حسان فى الرد عليها قال: فأجابها حسّان بن ثابت، فقال:

بنو وائل و بنو واقف‏* * * و خطمة دون بنى الخزرج‏

متى ما دعت سفها ويحها* * * بعولتها و المنايا تجى‏

فهزّت فتى ماجدا عرقه‏* * * كريم المداخل و المخرج‏

فضرّجها من نجيع الدّما* * * ء بعد الهدوّ فلم يحرج‏

[خروج الخطمى لقتلها]

خروج الخطمى لقتلها فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) حين بلغه ذلك، أ لا آخذ لى من ابنة مروان؟ فسمع ذلك من قول رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) عمير بن عدىّ الخطمىّ، و هو عنده؛ فلما أمسى من تلك الليلة سرى عليها فى بيتها فقتلها، ثم أصبح مع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فقال: يا رسول اللّه، إنى قد قتلتها. فقال نصرت اللّه و رسوله يا عمير، فقال: هل علىّ شي‏ء من شأنها يا رسول اللّه؟ فقال: لا ينتطح فيها عنزان.

[شأن بنى خطمة]

شأن بنى خطمة فرجع عمير إلى قومه، و بنو خطمة يومئذ كثير موجهم فى شأن بنت مروان، و لها يومئذ بنون خمسة رجال، فلما جاءهم عمير بن عدىّ من عند رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، قال: يا بنى خطمة، أنا قتلت ابنة مروان،

____________

..........

501

فكيدونى جميعا ثم لا تنظرون. فذلك اليوم أوّل ما عزّ الإسلام فى دار بنى خطمة، و كان يستخفى بإسلامهم فيهم من أسلم، و كان أوّل من أسلم من بنى خطمة عمير بن عدىّ، و هو الذي يدعى القارئ، و عبد اللّه بن أوس، ابن ثابت، و أسلم، يوم قتلت ابنة مروان، رجال من بنى خطمة، لما رأوا و خزيمة من عزّ الإسلام.

[أسر ثمامة بن أثال الحنفى و إسلامه و السرية التي أسرت ثمامة بن أثال الحنفى‏]

أسر ثمامة بن أثال الحنفى و إسلامه و السرية التي أسرت ثمامة بن أثال الحنفى‏

[إسلامه‏]

إسلامه بلغنى عن أبى سعيد المقبرى عن أبى هريرة أنه قال: خرجت خيل لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فأخذت رجلا من بنى حنيفة، لا يشعرون من هو، حتى أتوا به رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فقال: أ تدرون من أخذتم، هذا ثمامة بن أثال الحنفىّ، أحسنوا إساره. و رجع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إلى أهله، فقال: اجمعوا ما كان عندكم من طعام، فابعثوا به إليه، و أمر بلقحته أن يغدى عليه بها و يراح، فجعل لا يقع من ثمامة موقعا و يأتيه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فيقول أسلم يا ثمامة، فيقول: إيها يا محمد، إن تقتل تقتل ذا دم، و إن ترد الفداء فسل ما شئت، فمكث ما شاء اللّه أن يمكث، ثم قال النبيّ (صلى الله عليه و سلم) يوما: أطلقوا ثمامة، فلما أطلقوه خرج حتى أتى البقيع، فتطهّر فأحسن طهوره، ثم أقبل فبايع النبيّ (صلى الله عليه و سلم)

____________

..........

502

على الإسلام؛ فلما أمسى جاءوه بما جاءوه بما كانوا يأتونه من الطعام، فلم ينل منه إلا قليلا، و باللقحة فلم يصب من حلابها إلا يسيرا، فعجب المسلمون من ذلك، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) حين بلغه ذلك: ممّ تعجبون؟ أمن رجل أكل أوّل النهار فى معى كافر، و أكل آخر النهار فى معى مسلم! إن الكافر يأكل فى سبعة أمعاء، و إن المسلم يأكل فى معى واحد.

[خروجه إلى مكة و قصته مع قريش‏]

خروجه إلى مكة و قصته مع قريش قال ابن هشام: فبلغنى أنه خرج معتمرا، حتى إذا كان ببطن مكة لبّى، فكان أوّل من دخل مكة يلبّى، فأخذته قريش، فقالوا: لقد اخترت علينا، فلما قدّموه ليضربوا عنقه؛ قال قائل منهم: دعوه فإنكم تحتاجون إلى اليمامة لطعامكم، فخلّوه، فقال الحنفىّ فى ذلك:

و منّا الّذي لبّى بمكّة معلنا* * * برغم أبى سفيان فى الأشهر الحرم‏

حدثت أنه قال لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، حين أسلم، لقد كان وجهك أبغض الوجوه إلىّ، و لقد أصبح و هو أحبّ الوجوه إلىّ. و قال فى الدين و البلاد مثل ذلك.

ثم خرج معتمرا، فلما قدم مكة، قالوا: أ صبوت يا ثمام؟ فقال: لا، و لكنى اتّبعت خير الدين، دين محمد، و لا و اللّه لا تصل إليكم حبة من اليمامة حتى يأذن فيها رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم). ثم خرج إلى اليمامة، فمنعهم أن يحملوا إلى مكة شيئا، فكتبوا إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): إنك‏

____________

..........

503

تأمر بصلة الرحم، و إنك قد قطعت أرحامنا، و قد قتلت الآباء بالسيف، و الأبناء بالجوع، فكتب رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إليه أن يخلّى بينهم و بين الحمل.

[سرية علقمة بن مجزز]

سرية علقمة بن مجزز

[سبب إرسال علقمة]

سبب إرسال علقمة و بعث رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) علقمة بن مجزّز.

لما قتل وقّاص بن مجزّز المدلجىّ يوم ذى قرد، سأل علقمة بن مجزّز رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أن يبعثه فى آثار القوم، ليدرك ثأره فيهم.

[دعابة ابن حذافة مع جيشه‏]

دعابة ابن حذافة مع جيشه فذكر عبد العزيز بن محمد، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن عمرو بن الحكم بن ثوبان، عن أبى سعيد الخدرىّ، قال: بعث رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) علقمة بن مجزّز- قال أبو سعيد الخدرىّ: و أنا فيهم- حتى إذا بلغنا رأس غزاتنا أو كنّا ببعض الطريق، أذن لطائفة من الجيش، و استعمل عليهم عبد اللّه بن حذافة السّهمىّ، و كان من أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و كانت فيه دعابة، فلما كان ببعض الطريق أو قد نارا، ثم قال للقوم: أ ليس لى عليكم السمع و الطاعة؟ قالوا: بلى؛ قال: أ فما أنا آمركم بشي‏ء إلا فعلتموه؟ قالوا: نعم، قال: فإنى أعزم عليكم بحقى و طاعتى إلا تواثبتم‏

____________

..........

504

فى هذه النار؛ قال: فقام بعض القوم يحتجز، حتى ظنّ أنهم واثبون فيها، فقال لهم: اجلسوا، فإنما كنت أضحك معكم، فذكر ذلك لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بعد أن قدموا عليه، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم):

من أمركم بمعصية منهم فلا تطيعوه.

و ذكر محمد بن طلحة أن علقمة بن مجزّز رجع هو و أصحابه و لم يلق كيدا.

[سرية كرز بن جابر لقتل البجليين الذين قتلوا يسارا]

سرية كرز بن جابر لقتل البجليين الذين قتلوا يسارا

[شأن يسار]

شأن يسار حدثني بعض أهل العلم، عمّن حدثه، عن محمد بن طلحة، عن عثمان بن عبد الرحمن، قال: أصاب رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فى غزوة محارب و بنى ثعلبة عبدا يقال له يسار، فجعله رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فى لقاح له كانت ترعى فى ناحية الجماء، فقدم على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) نفر من قيس كبّة من بجيلة، فاستوبئوا، و طحلوا، فقال لهم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم):

لو خرجتم إلى اللّقاح فشربتم من ألبانها و أبوالها، فخرجوا إليها.

[قتل البجليين و تنكيل الرسول بهم‏]

قتل البجليين و تنكيل الرسول بهم فلما صحوا و انطوت بطونهم، عدوا على راعى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يسار، فذبحوه و غرزوا الشّوك فى عينيه، و استاقوا اللّقاح. فبعث رسول اللّه‏

____________

..........