الروض الأنف في شرح السيرة النبوية - ج7

- عبد الرحمن السهيلي المزيد...
614 /
505

(صلى الله عليه و سلم) فى آثارهم كرز بن جابر، فلحقهم، فأتى بهم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) مرجعه من غزوة ذى قرد، فقطع أيديهم و أرجلهم، و سمل أعينهم.

[غزوة على بن أبى طالب إلى اليمن‏]

غزوة على بن أبى طالب إلى اليمن و غزوة علىّ بن أبى طالب (رضوان اللّه عليه) إلى اليمن غزاها مرّتين.

قال ابن هشام: قال أبو عمرو المدنى: بعث رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) علىّ بن أبى طالب إلى اليمن، و بعث خالد بن الوليد فى جند آخر، و قال:

إن التقيتما فالأمير علىّ بن أبى طالب.

و قد ذكر ابن إسحاق بعث خالد بن الوليد فى حديثه، و لم يذكره فى عدة البعوث و السّرايا، فينبغى أن تكون العدّة فى قوله تسعة و ثلاثين.

[بعث أسامة بن زيد إلى أرض فلسطين و هو آخر البعوث‏]

بعث أسامة بن زيد إلى أرض فلسطين و هو آخر البعوث قال ابن إسحاق: و بعث رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أسامة بن زيد ابن حارثة إلى الشام، و أمره أن يوطئ الخيل تخوم البلقاء و الداروم، من أرض فلسطين فتجهّز الناس، و أوعب مع أسامة المهاجرون الأوّلون‏

قال ابن هشام: و هو آخر بعث رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم).

____________

..........

506

[ابتداء شكوى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)‏]

ابتداء شكوى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)‏ بدء الشكوى‏ قال ابن إسحاق: فبينا الناس على ذلك ابتدئ رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بشكواه الذي قبضه اللّه فيه، إلى ما أراد به من كرامته و رحمته، فى ليال بقين من صفر، أو فى أوّل شهر ربيع الأوّل، فكان أوّل ما ابتدئ به من ذلك، فيما ذكر لى، أنه خرج إلى بقيع الغرقد، من جوف الليل، فاستغفر لهم، ثم رجع إلى أهله، فلما أصبح ابتدئ بوجعه من يومه ذلك.

قال ابن إسحاق: و حدثني عبد اللّه بن عمر، عن عبيد بن جبير، مولى الحكم بن أبى العاص، عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص، عن أبى مويهبة، مولى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، قال: بعثنى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) من جوف الليل، فقال: يا أبا مويهبة، إنى قد أمرت أن أستغفر لأهل هذا البقيع، فانطلق معى، فانطلقت معه، فلما وقف بين أظهرهم، قال: السلام عليكم يا أهل المقابر، ليهنئ لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه، أقبلت الفتن كقطع اللّيل المظلم، يتبع آخرها أوّلها، الآخرة شرّ من الأولى؛ ثم أقبل علىّ، فقال: يا أبا مويهبة، إنى قد أوتيت مفاتيح خزائن الدنيا و الخلد فيها، ثم الجنة، فخيرت بين ذلك و بين لقاء ربى و الجنة. قال: فقلت:

بأبى أنت و أمى، فخذ مفاتيح خزائن الدنيا و الخلد فيها، ثم الجنة، قال:

لا و اللّه يا أبا مويهبة، لقد اخترت لقاء ربى و الجنة، ثم استغفر لأهل البقيع،

____________

..........

507

ثم انصرف، فبدأ برسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) وجعه الذي قبضه اللّه فيه.

[تمريضه فى بيت عائشة]

تمريضه فى بيت عائشة قال ابن إسحاق: و حدثني يعقوب بن عتبة، عن محمد بن مسلم الزهرىّ، عن عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة بن مسعود، عن عائشة زوج النبيّ (صلى الله عليه و سلم) قالت: رجع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) من البقيع، فوجدنى و أنا أجد صداعا فى رأسى، و أنا أقول: وا رأساه، فقال: بل أنا و اللّه يا عائشة وا رأساه. قالت: ثم قال: و ما ضرّك لو متّ قبلى، فقمت عليك و كفّنتك، و صلّيت عليك و دفنتك؟ قالت: قلت: و اللّه لكأنى بك، لو قد فعلت ذلك، لقد رجعت إلى بيتى، فأعرست فيه ببعض نسائك، قالت: فتبسّم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و تتامّ به وجعه، و هو يدور على نسائه حتى استعزّ به و هو فى بيت ميمونة، فدعا نساءه فاستأذنهنّ فى أن يمرّض فى بيتى، فأذن له.

____________

حجة الوداع ذكر فيها حديث عائشة و قولها: فأهللنا بالحجّ و ما نذكر إلا أمر الحجّ، و هذا يدل على أنهم أفردوا، و قد بين ذلك جابر فى حديثه أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)- أفرد الحجّ، و هذا هو الصحيح فى حديث جابر (1)، و قد روى‏

____________

(1) يقول الإمام ابن القيم: «و إنما قلنا إنه أحرم قارنا لبضعة و عشرين حديثا صحيحة صريحة فى ذلك» ثم ساق- رضى اللّه عنه- اثنين و عشرين حديثا-

508

..........

____________

من طرق فيها لين عن جابر أنه قال قرن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بين الحجّ و العمرة، و طاف لهما طوافا واحدا، و سعى لهما سعيا واحدا، رواه الدّارقطنيّ‏ (1)، و روى أيضا أن جابرا قال: حج رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ثلاث حجّات، حجّتين قبل الهجرة، و حجّته التي قرنها بعمرته‏ (2)، و أما حديث ابن عباس فصحيح، و قال فيه: طاف رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) عن حجته و عمرته طوافا واحدا، و قد اختلف عن علىّ، فروى عنه أنه طاف عنهما طوافين، و لم يختلف عنه أنه كان قارنا، و كذلك حديث عمران بن حصين، فى أنه (عليه السلام) كان قارنا، و أما حديث أنس فصرّح فيه بأنه كان قارنا، و قال: ما تعدّونا إلّا صبيانا سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يصرخ بهما جميعا (3) يعنى الحجّ و العمرة، فاختلفت الروايات فى إحرام‏

____________

- يستدل بها على أنه (صلى الله عليه و سلم) أحرم قارنا لا مفردا، ثم نقل عن شيخه الإمام ابن تيمية ما يؤكد به أن الأحاديث فى هذا متفقة لا مختلفة، و إن بدت بظواهرها مختلفة. فراجعه فهو فصل رائع ممتع للامام الجليل 369 و ما بعدها ح 1 زاد المعاد.

(1) و رواه أحمد و الترمذى. و فيه الحجاج بن أرطاة. و حديثه كما يقول ابن القيم لا ينزل عن درجة الحسن ما لم ينفرد بشي‏ء، أو يخالف الثقات.

(2) رواه الترمذى ثم قال: و هذا حديث غريب من حديث سفيان. قال:

و سألت محمدا- يعنى البخاري- عن هذا فلم يعرفه من حديث الثورى، و فى رواية:

لا يعد بهذا الحديث محفوظا. و إنما يروى عن الثورى عن أبى إسحاق السبعي عن مجاهد مرسلا.

(3) و فى رواية: سمعت رسول اللّه «ص» يقول: لبيك حجا و عمرة، و حديث أنس فى الصحيحين.

509

..........

____________

رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) كما ترى: هل كان مفردا أو قارنا، أو متمتّعا، و كلها صحاح إلا من قال: كان متمتّعا، و أراد به أنه أهلّ بعمرة، و أما من قال:

تمتّع رسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم)- أى: أمر بالتمتع، و فسخ الحجّ بالعمرة، فقد يصح هذا التأويل، و يصح أيضا أن يقال تمتّع إذا قرن، لأن القران ضرب من المتعة لما فيه من إسقاط أحد السّفرين. و الذي يرفع الإشكال حديث البخاري أنه أهلّ بالحج، فلما كان بالعقيق أتاه جبريل، فقال له: إنك بهذا الوادى المبارك، فقل: لبّيك بحجّ و عمرة معا، فقد صار قارنا بعد أن كان مفردا، و صح القولان جميعا، و أمره لأصحابه أن يفسخوا الحجّ بالعمرة خصوص لهم، و ليس لغيرهم أن يفعله، و إنما فعل ذلك ليذهب من قلوبهم أمر الجاهليّة فى تحريمهم العمرة فى أشهر الحجّ، فكانوا يرون العمرة فى أشهر الحجّ من أكبر الكبائر، و يقولون: إذا برأ الدّبر (1)، و عفا الأثر، و انسلخ صفر حلّت العمرة لمن اعتمر، و لم يفسخ رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) حجّه كما فعل أصحابه، لأنه ساق الهدى، و قلّده، و اللّه سبحانه يقول‏ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ‏ و قال حين رأى أصحابه قد شقّ عليهم خلافه: لو استقبلت من أمرى ما استدبرت لجعلتها عمرة، و لما سقت الهدى‏ (2)، قال شيخنا أبو بكر رضى اللّه عنه: إنما ندم على ترك‏

____________

(1) الدبر: الجرح الذي يكون فى ظهر البعير .. و قيل: هو أن يقرح خف البعير.

(2) فى صحيح البخاري عن ابن عباس قال: «أهل المهاجرون و الأنصار و أزواج النبيّ «ص» فى حجة الوداع، و أهللنا، فلما قدمنا مكة قال رسول اللّه-

510

..........

____________

ما هو أسهل، و أرفق، لا على ترك ما هو أفضل، و أوفق، و ذلك لما رأى من كراهة أصحابه لمخالفته، و لم يكن ساق الهدى معه من أصحابه إلا طلحة

____________

- (صلى الله عليه و سلم) اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة إلا من قلد الهدى» و يعلق الإمام ابن القيم على هذا الحديث؛ و رواية السنن له: «و نحن نشهد اللّه علينا أنا لو أحرمنا بحج لرأينا فرضا علينا فسخه إلى عمرة تقاديا من غضب رسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم)- و اتباعا لأمره: فو اللّه ما نسخ هذا فى حياته و لا بعده، و لا صح حرف واحد يعارضه و لا خص به أصحابه دون من بعدهم، بل أجرى اللّه سبحانه و تعالى على لسان سراقة أن يسأله: هل ذلك مختص بهم؟ فأجاب بأن ذلك كائن لأبد الأبد. فما ندرى ما نقدم على هذه الأحاديث» ص 426 ح 1 زاد المعاد. و فى هذا رد على السهيلى فى زعمه أن فسخ الحج بالعمرة كان خصوصا لأصحاب النبيّ. و لقد قال سلمة بن شبيب لأحمد بن حنبل: يا أبا عبد اللّه كل أمرك عندى حسن إلا خلة واحدة قال: و ما هى: قال تقول بفسخ الحج إلى العمرة، فقال: يا سلمة كنت أرى لك عقلا عندى فى ذلك أحد عشر حديثا صحاحا عن رسول اللّه «ص» أ أتركها لقولك؟ المصدر السابق. و يقول:

الإمام ابن القيم أيضا عن الذين غلطوا فى حج النبيّ «ص»: و وهم فى حجه خمس طوائف:

الطائفة الأولى التي قالت: حج حجا مفردا لم يعتمر معه. الثانية: من قال:

حج متمتعا تمتعا حل منه، ثم أحرم بعده بالحج كما قاله القاضى أبو يعلى و غيره.

الثالثة: من قال حج متمتعا تمتعا لم يحل منه لأجل سوق الهدى، و لم يكن قارنا كما قاله أبو محمد بن قدامة صاحب المغنى.

الرابعة: من قال حج قارنا قرانا طاف له طوافين وسعا له سعيين.

الخامسة: من قال: حج حجا مفردا. اعتمر بعده من التنعيم. ثم بين رضى اللّه عنه أنه (صلى الله عليه و سلم) أحرم قارنا و ساق الأدلة بالأحاديث. كما قال:

حصل الترجيح لرواية من روى القران لوجوه عشرة ثم ذكر هذه الوجوه و زاد عليها خمسة أوجه أنظر ص 382، 390 ح 1 زاد المعاد.

511

..........

____________

ابن عبيد اللّه، فلم يحلّ حتى نحر، و علىّ أيضا أتى من اليمن و ساق الهدى فلم يحلّ إلّا بإحلال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم).

و قوله (عليه السلام) فى خطبة الوداع: و رجب مضر الذي بين جمادى و شعبان، إنما قال ذلك لأن ربيعة كانت تحرم فى رمضان، و تسميه: رجبا من رجبت الرجل و رجّبته إذا عظمته، و رجبت النّخلة إذا دعمتها (1)، فبيّن (عليه السلام) أنه رجب مضر لا رجب ربيعة، و أنه الذي بين جمادى و شعبان‏ (2) و قد تقدم تفسيره قوله: إن الزّمان قد استدار، و تقدم اسم ابن أبى ربيعة المسترضع فى هذيل، و أن اسمه آدم، و قيل: تمّام، و كان سبب قتله حرب كانت بين قبائل هذيل تقاذفوا فيها بالحجارة فأصاب الطفل حجر و هو يحبو بين البيوت، كذلك ذكر الزّبير.

بعث أسامة و أمّر رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أسامة على جيش كثيف، و أمره أن يغير على أبنى صباحا، و أن يحرق. و أبنا، هى القرية التي عند مؤتة حيث‏

____________

(1) الترجيب أن يا بنى تحت النخلة دكان تعتمد عليه.

(2) يقول ابن الأثير: «أضاف رجبا إلى مضر، لأنهم كانوا يعظمونه خلاف غيرهم، فكأنهم اختصوا به. و قوله: بين جمادى و شعبان تأكيد للبيان و إيضاح، لأنهم كانوا ينسئونه و يؤخرونه من شهر إلى شهر، فيتحول عن موضعه المختص به، فبين لهم أنه الشهر الذي بين جمادى و شعبان لا ما كانوا يسمونه على حساب النسى‏ء.

512

..........

____________

قتل أبوه زيد، و لذلك أمّره على حداثة سنّه ليدرك ثأره، و طعن فى إمارته أهل الرّيب، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): و ايم اللّه إنه لخليق بالإمارة، و إن كان أبوه لخليقا بها (1)، و إنما طعنوا فى إمرته، لأنه مولى مع حداثة سنّه، لأنه كان إذ ذاك ابن ثمان عشرة سنة، و كان رضى اللّه عنه أسود الجلدة، و كان أبوه أبيض صافى البياض، نزع فى اللون إلى أمّه بركة، و هى أم أيمن، و قد تقدم حديثها، و كان رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يحبّه و يمسح خشمه، و هو صغير بثوبه، و عثر يوما فأصابه جرح فى رأسه، فجعل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يمص دمه و يمجّه، و يقول: لو كان أسامة جارية لحلّيناها، حتى يرغب فيها، و كان يسمى الحبّ من الحبّ‏ (2).

عدة الغزوات:

و ذكر ابن إسحاق عدة الغزوات، و هى ست و عشرون، و قال الواقدى:

كانت سبعا و عشرين، و إنما جاء الخلاف، لأن غزوة خيبر اتصلت بغزوة وادى القرى، فجعلها بعضهم غزوة واحدة، و أما البعوث و السرايا فقيل:

هى ست و ثلاثون كما فى الكتاب، و قيل: ثمان و أربعون و هو قول الواقدى،

____________

(1) روى الإمام مالك، و من طريقه البخاري عن ابن عمر أنه «ص» بعث بعثا و أمر عليهم أسامة بن زيد، فطعن الناس فى إمارته، فقام (صلى الله عليه و سلم)، فقال: إن تطعنوا فى إمارته، فقد كنتم تطعنون فى إمارة أبيه من قبل، و ايم اللّه إن كان خليقا للامارة، و إن كان لمن أحب الناس إلى، و إن هذا لمن أحب الناس إلى بعده».

(2) لعلها. الحب بن الحب.

513

..........

____________

و نسب المسعودى إلى بعضهم أنّ البعوث و السّرايا كانت ستين. قاتل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فى تسع غزوات، و قال الواقدى: قاتل فى إحدى عشرة غزوة، منها الغابة و وادى القرى و اللّه أعلم.

إرسال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إلى الملوك الحواريون:

ذكر فيه إرسال عيسى بن مريم الحواريين، و أصح ما قيل فى معنى الحواريّين أن الحوارىّ هو الخلصان، أى الخالص الصافى من كل شي‏ء، و منه الحوارىّ، و الحور، و قول المفسّرين هو: الخلصان كلمة فصيحة، أنشد أبو حنيفة:

خليلىّ خلصانىّ لم يبق حسّها* * * من القلب إلّا عوّذا سببا لها (1)

قال: و العوّذ ما لم تدركه الماشية لارتفاعه، أو لأنه بأهداف، فكأنه قد عاذ منها.

معنى المسيح و نهايته:

و أصح ما قيل فى معنى المسيح على كثرة الأقوال فى ذلك أنه الصّدّيق‏

____________

(1) البيت الكميت. و روايته فى اللسان: خليلاى، و: سينالها. بدلا من:

خليلى، و: سببا لها. و العوذ: ما عيذ به من شجر أو غيره و ما لم يرتفع إلى الأغصان. و منعه الشجر من أن يرعى من ذلك. و قيل: هى أشياء تكون فى غلظ لا ينالها المال «اللسان».

514

..........

____________

بلغتهم، ثم عرّبته العرب. و كان إرسال المسيح للحواريين بعد ما رفع و صلب الذي شبّه به، فجاءت مريم الصّدّيقة و المرأة التي كانت مجنونة، فأبرأها المسيح، و قعدتا عند الجذع تبكيان، و قد أصاب أمّه من الحزن عليه ما لا يعلم علمه إلا اللّه، فأهبط إليهما، و قال: على م تبكيان؟ فقالتا: عليك، فقال إنى لم أقتل، و لم أصلب، و لكن اللّه رفعنى و كرمنى، و شبّه عليهم فى أمرى، أبلغا عنى الحواريّين أمرى، أن يلقونى فى موضع كذا ليلا، فجاء الحواريّون ذلك الموضع، فإذا الجبل قد اشتعل نورا لنزوله به، ثم أمرهم أن يدعوا الناس إلى دينه و عبادة ربهم، فوجههم إلى الأمم التي ذكر ابن إسحاق و غيره، ثم كسى كسوة الملائكة، فعرج معهم، فصار ملكيّا إنسيّا سمائيّا أرضيا (1).

فصل: و ذكر فى الأمم: الأمّة الذين يأكلون الناس، و هم من الأساودة فيما ذكره الطبرى.

أسطورة زريب:

و ذكر فى الحواريّين زريب بن برثملى‏ (2) و هو الذي عاش إلى زمن‏

____________

(1) قصة مخترعة لا ينسيها إلى الحق سند صحيح. و لكنها فى كتب المسيحيين و الحق الثابت الذي لا ريب. فيه أنهم ما قتلوه و ما صلبوه، و لكن شبه لهم.

(2) فى الإصابة ترملا و ترملى. و فى سفر أعمال الرسل من العهد الجديد:

برثولماوس بدون زريب و سند قصة زريب سند ضعيف. و عند ابن أبى حاتم أن صاحبه هو جعونة بن نضلة، و عند غيره نضلة بن معاوية.

515

..........

____________

عمر و سمع نضلة بن معاوية أذانه فى الجبل فكلمه، فإذا رجل عظيم الخلق رأسه كدور الرّحى، فسأل نضلة و الجيش الذين كانوا معه عن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فقالوا: قبض، و عن أبى بكر، فقالوا: قبض، ثم سألهم عن عمر، فقالوا:

هو حىّ، و نحن جيشه، فقال لهم: أقرؤه منى السّلام ثم أمرهم أن يبلغوا عنه وصايا كثيرة، و أن يحذّر الناس من خصال إذا ظهرت فى أمة محمد، فقد قرب الأمر، و منها لبس الحرير، و شرب الخمر، و أن يكتفى الرجال بالرجال و النساء بالنساء (1).

و ذكر فيها أيضا المعارف و القيان و أشياء غير هذه، فقالوا له: من أنت يرحمك اللّه؟ فقال زريب بن برثملى حوارىّ عيسى بن مريم (عليه السلام) دعوت اللّه أن يحيينى، حتى أرى أمة محمد، أو نحو هذا الكلام، و قد أردت الخلوص إلى أمة محمد (صلى الله عليه و سلم)، فلم أستطع، حال بينى و بينه الكفار.

و ذكر الدّارقطنيّ فى هذا الحديث من طريق مالك بن أنس مرفوعا أن عمر قال لنضلة إن لقيته فأقرئه منى السلام، فإن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قال: إن بذلك الجبل وصيّا من أوصياء عيسى (عليه السلام)، و الخبر بهذا مشهور عنه، و فيه طول فاختصرناه، و يقال: إنه الآن حىّ. و من قال: إن الخضر و إلياس قد ماتا، فمن أصله أيضا أن زريبا قد مات، لأنهم يحتجون‏

____________

(1) كل هذا سنده ضعيف كما قرر الحافظ فى الفتح. و العجب أن يفترى فى بعض الروايات أنه سيبقى إلى نزول عيسى!!

516

..........

____________

بالحديث الصحيح: إلى رأس مائة سنة، لا يبقى على الأرض ممّن هو عليها أحد (1).

رسوله إلى النجاشى و قيصر:

فصل: و ذكر إرسال عمرو بن أميّة إلى النّجاشىّ، و قد قدمنا ذكر ما قال و ما قيل له، و كذلك ذكرنا خبر سليط مع هوذة، و ما قال له، و خبر عبد اللّه بن حذافة مع كسرى، و كلامه معه، و نذكر هنا بقية الإرسال، و كلامهم فمنهم: دحية بن خليفة الكلبى، فقدم دحية على قيصر، و قد ذكرنا معنى هذا الاسم، أعنى اسم دحية، و اسم قيصر فيما مضى من الكتاب، فلما قدم دحية على قيصر، قال له: «يا قيصر أرسلنى إليك من هو خير منك، و الذي أرسله هو خير منه و منك، فاسمع بذلّ، ثم أجب بنصح، فإنك إن لم تذلل لم تفهم، و إن لم تنصح لم تنصف، قال: هات، قال: هل تعلم أ كان المسيح يصلّى؟ قال: نعم، قال: فإنى أدعوك إلى من كان المسيح يصلّى له، و أدعوك‏

____________

(1) و على هذا أجمع الأئمة. فقد كان صاحب موسى عبدا صالحا بشرا، و البشر لا يخلدون فى الدنيا. و إلياس كذلك.

كلمة عن الحواريين: ما ذكر فى السيرة عنهم مستمد من أسفار المسيحيين و بين أسمائهم فى السيرة و أسمائهم فى الأسفار اختلاف يسير. و لست أدرى كيف يجعل من بولس تابعا طيبا؟ و هو الذي افترى أصول المسيحية المثلثة المؤلهة لعبد اللّه و رسوله عيسى و عاش يمجد اليهودية وحدها بأحقادها!!

أنظر رسائله فى العهد الجديد.

517

..........

____________

إلى من دبّر خلق السّماوات و الأرض و المسيح فى بطن أمه، و أدعوك إلى هذا النبيّ الأمّيّ الذي بشر به موسى، و بشّر به عيسى بن مريم بعده، و عندك من ذلك أثارة من علم تكفى من العيان و تشفى من الخبر، فإن أجبت كانت لك الدنيا و الآخرة، و إلا ذهبت عنك الآخرة و شوركت فى الدنيا، و اعلم أنّ لك ربّا يقصم الجبابرة، و يغيّر النّعم»، فأخذ قيصر الكتاب فوضعه على عينيه و رأسه و قبّله، ثم قال: أما و اللّه ما تركت كتابا إلا و قرأته، و لا عالما إلا سألته، فما رأيت إلّا خيرا، فأمهلنى حتى أنظر من كان المسيح يصلّى له، فإنى أكره أن أجيبك اليوم بأمر أرى غدا ما هو أحسن منه، فأرجع عنه، فيضرّنى ذلك، و لا ينفعنى، أقم حتى أنظر، فلم يلبث أن أتاه وفاة رسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم)- و فى غزوة تبوك بقية حديث قيصر، فانظره هنالك.

رسوله إلي المقوقس:

و أما حاطب فقدم على المقوقس، و اسمه: جريج بن ميناء (1)، فقال له:

«إنه قد كان رجل قبلك يزعم أنه الرّبّ الأعلى، فأخذه اللّه نكال الآخرة، و الأولى، فانتقم به، ثم انتقم منه، فاعتبر بغيرك، و لا يعتبر بك غيرك، قال: هات، قال: إن لك دينا لن تدعه إلّا لما هو خير منه، و هو الإسلام‏ (2)، الكافى به اللّه فقد ما سواه. إن هذا النبيّ- (صلى الله عليه و سلم)-

____________

(1) ابن مينا بن قرقوب. و فى الإصابة: و منهم من لم يذكر مينا كما جزم به أبو عمر الكندى فى أمراء مصر.

(2) فى المواهب: قال: إن لنا دينا لن ندعه إلا لما هو خير منه، فقال حاطب: ندعوك للّه إلى دين او هو الإسلام‏

518

..........

____________

دعا الناس، فكان أشدّهم عليه قريش، و أعداهم له يهود، و أقربهم منه النصارى، و لعمرى ما بشارة موسى بعيسى إلّا كبشارة عيسى بمحمد- (صلى الله عليه و سلم)- و ما دعاؤنا إيّاك إلى القرآن إلّا كدعائك أهل التّوراة إلى الإنجيل، و كل نبىّ أدرك قوما فهم من أمّته فالحقّ عليهم أن يطيعوه، فأنت ممّن أدركه هذا النبيّ، و لسنا ننهاك عن دين المسيح، و لكن نأمرك به» قال المقوقس: «إنى قد نظرت فى أمر هذا النبيّ، فوجدته لا يأمر بمزهود فيه، و لا ينهى إلا عن مرغوب عنه، و لم أجده بالساحر الضّالّ، و لا الكاهن الكاذب، و وجدت معه آلة (1) النبوة بإخراج الخب‏ء و الإخبار بالنّجوى‏ (2)، و سأنظر فأهدى للنبىّ (صلى الله عليه و سلم) أمّ إبراهيم القبطية، و اسمها: مارية بنت شمعون، و أختها معها، و اسمها سيرين و هى أمّ عبد الرّحمن‏

____________

(1) فى شرح المواهب: «كذا فى العيون، اى: علامتها، عبر عنها بالآلة.

لأنها سبب فى تحقيقها، و إظهارها. و فى الروض: آية. و هى العلامة بلا تكلف» غير أن الروض كما ترى ذكر آلة فلعل صاحب المواهب كان يطلع على نسخة أخرى.

(2) يقال: إن المقوقس علم هذا من الأخبار الواردة عليه بذلك قبل كتابة النبيّ إليه فقد ذكر الوافدى أن المغيرة بن شعبة لقى المقوقس، و سأله عن النبيّ، فلما أجابه بما أجابه به قال: هذا نبى مرسل إلى الناس كافة، و لو أصاب القبط و الروم لا تبعوه. و عند ابن عبد الحكم أنه أخذ كتاب النبيّ «ص» رضمه إلى صدره، و قال: هذا زمان النبيّ الذي نجد نعته فى كتاب اللّه، و حفظ الكتاب فى حق من عاج. و قد ورد أن الكسوة كانت عشرين ثوبا. و انظر ص 45 و ما بعدها كتاب فتوح مصر و أخبارها لابن عبد الحكم.

519

..........

____________

ابن حسّان بن ثابت‏ (1)، و غلاما اسمه مأبور (2)، و بغلة اسمها دلدل، و كسوة، و قدحا من قوارير كان يشرب فيه النبيّ (صلى الله عليه و سلم)، و كاتبه‏ (3).

؟؟؟ هرولة إلى المنذر بن ساوى:

و أما العلاء بن الحضرمى، فقدم على المنذر بن ساوى‏ (4) فقال له:

«يا منذر إنك عظيم العقل فى الدنيا، فلا تصغرنّ عن الآخرة، إن هذه المجوسيّة شر دين ليس فيها تكرّم العرب، و لا علم أهل الكتاب، ينكحون ما يستحيا من نكاحه، و يأكلون ما يتكرّم على أكله، و يعبدون‏

____________

(1) و قيل إنه «ص» وهبها لجهم بن قيس، و قيل لمحمد بن مسلمة، و قيل لدحية ابن خليفة.

(2) كان مأبور خصيا، و لم يعلموا بأمره بادئ الأمر، فصار يدخل على مارية، كما كان من عاداتهم ببلاد مصر؛ فجعل بعض الناس يتكلم فيهما بسبب ذلك، حتى قيل إنه الذي أمر النبيّ عليا بقتله، فوجده خصيا فتركه. و الحديث فى صحيح مسلم من طريق حماد بن مسلمة «البداية لابن كثير» ص 273 ص 4، و قد تقدم الكلام عن هذا.

(3) ورد أن الكسوة كانت عشرين ثوبا من القباطى كما ورد أنه أهدى إليه حمارا اسمه: يعفور، و عسلا من بيتها و ألف مثقال ذهبا و خفين ساذجين أسودين و اقرأ ما كتبه المقوقس فى كتاب فتوح مصر لابن عبد الحكم ص 47.

(4) ابن الأخنس بن بيان بن عمرو بن عبد اللّه بن زيد بن عبد اللّه بن دارم التميمى الدارمى العبدى، لأنه من ولد عبد اللّه بن دارم هذا و مما وهم فيه السهيلى زعمه أن الرسول «ص» بعث جبرا مع حاطب، فجبر من القبط. و هو رسول المقوقس بمارية إلى النبيّ «ص» كما جاء فى الإصابة و الاستيعاب.

520

..........

____________

فى الدنيا نارا تأكلهم يوم القيامة، و لست بعديم عقل، و لا رأى، فانظر:

هل ينبغى لمن لا يكذب أن لا تصدّقه، و لمن لا يخون أن لا تأمنه، و لمن لا يخلف أن لا تثق به، فإن كان هذا هكذا، فهو هذا النبيّ الأمّيّ الذي و اللّه لا يستطيع ذو عقل أن يقول: ليت ما أمر به نهى عنه، أو ما نهى عنه أمر به، أوليته زاد فى عفوه، أو نقص من عقابه، إن كل ذلك منه على أمنية أهل العقل و فكر أهل البصر».

فقال المنذر: قد نظرت فى هذه الأمر الذي فى يدى، فوجدته للدنيا دون الآخرة، و نظرت فى دينكم، فوجدته للآخرة و الدنيا، فما يمنعنى من قبول دين فيه أمنية الحياة و راحة الموت، و لقد عجبت أمس، ممن يقبله، و عجبت اليوم ممن يردّه، و إن من إعظام من جاء به أن يعظّم رسوله، و سأنظر.

مفتاح الجنة:

فصل: و مما وقع فى السيرة فى حديث العلاء قول النبيّ (عليه السلام) له:

إذا سئلت عن مفتاح الجنّة فقل: مفتاحها: لا إله إلّا اللّه، و فى البخاري:

قبل لوهب: أ ليس مفتاح الجنة لا إله إلّا اللّه؟ فقال: بلى، و لكن ليس من مفتاح إلا و له أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك، و إلّا لم يفتح لك، و فى رواية غيره: أن ابن عبّاس ذكر له قول وهب، فقال: صدق وهب، و أنا أخبركم عن الأسنان ما هى، فذكر الصلاة و الزكاة و شرائع الإسلام.

521

..........

____________

عمرو الجلندى:

و أما عمرو بن العاصى، فقدم على الجلندى‏ (1)، فقال له: يا جلندىّ إنك و إن كنت منّا بعيدا، فإنك من اللّه غير بعيد، إن الذي تفرد بخلقك أهل أن تفرده بعبادتك، و أن لا تشرك به من لم يشركه فيك، و اعلم أنه يميتك الذي أحياك، و يعيدك الذي بدأك، فانظر فى هذا النبيّ الأمّيّ الذي جاء بالدنيا و الآخرة، فإن كان يريد به أجرا فامنعه، أو يميل به هوى فدعه، ثم أنظر فيما يجى‏ء به: هل يشبه ما يجى‏ء به الناس، فإن كان يشبهه، فسله العيان، و تخيّر عليه فى الخبر، و إن كان لا يشبهه فاقبل ما قال، و خف ما وعد، قال الجلندىّ: إنه و اللّه لقد دلنى على هذا النبيّ الأمّيّ أنه لا يأمر بخير إلا كان أوّل من أخذ به، و لا ينهى عن شرّ إلا كان أوّل تارك له، و أنه يغلب فلا يبطر، و يغلب فلا يضجر (2) و أنه يفى بالعهد، و ينجز الموعود، و أنه لا يزال سرّ قد اطّلع عليه يساوى فيه أهله، و أشهد أنه نبى‏ (3).

____________

(1) ضبطه الجوهرى بفتح اللام، و جعله القاموس من أوهامه، و قد ضبطه الحافظ فى الفتح و الإصابة بضبط الجوهرى غير مبال بضبط شيخه صاحب القاموس، و فى السيرة أنه أرسله إلى ابنى الجلندى. و أما وثيمة فيذكر فى كتاب الردة عن ابن إسحاق أنه أرسل إلى الجلندى.

(2) فى الإصابة. فلا يهجر.

(3) فى الإصابة أنه أنشد أبياتا هى:

أتانى عمرو بالتى ليس بعدها* * * من الحق شي‏ء و النصيح نصيح‏

فقلت له: ما زدت أن جئت بالتى‏* * * جلندى عمان فى عمان يصيح‏

فيا عمرو قد أسلمت للّه جهرة* * * ينادى بها فى الواديينفصيح‏

522

..........

____________

شجاع و جبلة:

و أما شجاع بن وهب، فقدم على جبلة بن الأيهم، و هو جبلة بن الأيهم ابن الحارث بن أبى شمر، و جبلة، و هو الذي أسلم ثم تنصّر من أجل لطمة حاكم فيها إلى أبى عبيدة بن الجرّاح و كان طوله اثنى عشر شبرا، و كان يمسح برجليه الأرض، و هو راكب، فقال له: يا جبلة إن قومك نقلوا هذا النبيّ الأمّيّ من داره إلى دارهم، يعنى: الأنصار، فآووه، و منعوه، و إن هذا الدين الذي أنت عليه ليس بدين آبائك، و لكنك ملكت الشام و جاورت بها الروم، و لو جاورت كسرى دنت بدين الفرس لملك العراق، و قد أفرّ بهذا النبيّ الأمّيّ من أهل دينك من إن فضّلناه عليك لم يغضبك، و إن فضّلناك عليه لم يرضك، فإن أسلمت أطاعتك الشام و هابتك الروم، و إن لم يفعلوا كانت لهم الدنيا و لك الآخرة، و كنت قد استبدلت المساجد بالبيع، و الأذان بالنّاقوس، و الجمع بالشّعانين‏ (1)، و القبلة بالصّليب، و كان ما عند اللّه خير و أبقى، فقال له جبلة: إنى و اللّه لوددت أن الناس أجمعوا على هذا النبيّ الأمي اجتماعهم على خلق السّماوات و الأرض، و لقد سرنى اجتماع قومى له، و أعجبنى قتله أهل الأوثان و اليهود، و استبقاؤه النّصارى، و لقد دعانى قيصر إلى قتال أصحابه يوم مؤتة، فأبيت عليه، فانتدب مالك بن نافلة

____________

(1) عيد صليبى يقع يوم الأحد السابق لعيد الفصح يحتفل فيه بحمل السعف ذكرى لدخول المسيح- كما قيل- بيت المقدس.

523

..........

____________

من سعد العشيرة فقتله اللّه، و لكنى لست أرى حقّا ينفعه، و لا باطلا يضرّه و الذي يمدّنى إليه أقوى من الذي يختلجنى عنه، و سأنظر

المهاجر و ابن كلال:

و أما المهاجر بن أبى أميّة، فقدم على الحارث بن عبد كلال، و قال له:

يا حارث إنك كنت أول من عرض عليه النبيّ (صلى الله عليه و سلم) نفسه، فخطّئت عنه، و أنت أعظم الملوك قدرا، فإذا نظرت فى غلبة الملوك، فانظر فى غالب الملوك، و إذا سرّك يومك فخف غدك، و قد كان قبلك ملوك ذهبت آثارها و بقيت أخبارها، عاشوا طويلا، و أمّلوا بعيدا و تزوّدوا قليلا، منهم من أدركه الموت، و منهم من أكلته النّقم، و إنى أدعوك إلى الرب الذي إن أردت الهدى لم يمنعك، و إن أرادك لم يمنعه منك أحد، و أدعوك إلى النّبىّ الأمّيّ الذي ليس له شي‏ء أحسن مما يأمر به، و لا أقبح مما ينهى عنه، و اعلم أن لك ربّا يميت الحىّ و يحيى الميت، و يعلم خائنة الأعين، و ما تخفى الصّدور، فقال الحارث: قد كان هذا النبيّ عرض نفسه علىّ فخطّئت عنه، و كان ذخرا لمن صار إليه، و كان أمره أمرا سبق، فحضره اليأس و غاب عنه الطّمع، و لم يكن لى قرابة أحتمله عليها، و لا لى فيه هوى أتبعه له، غير أنى أرى أمرا لم يوسوسه الكذب، و لم يسنده الباطل. له بدء سار، و عاقبة نافعة، و سأنظر. و مما قاله دحية بن خليفة فى قدومه على قيصر:

ألا هل أتاها على نأيها* * * فإنى قدمت على قيصر

فقدرته بصلاة المسي* * * ح و كانت من الجوهر الأحمر

524

..........

____________

و تدبير ربّك أمر السما* * * ء و الأرض فأغضى و لم ينكر

و قلت: تقر ببشرى المسي* * * ح، فقال: سأنظر، قلت: انظر

فكاد يقرّ بأمر الرسو* * * ل فمال إلى البدل الأعور

فشكّ و جاشت له نفسه‏* * * و جاشت نفوس بنى الأصفر

على وضعه بيديه الكتا* * * ب على الرّأس و العين و المنخر

فأصبح قيصر من أمره‏* * * بمنزلة الفرس الأشقر

يريد بالفرس الأشقر مثلا للعرب يقولون:

أشقر إن يتقدّم ينحر* * * و إن يتأخّر يعقر

و قال الشاعر فى هذا المعنى:

و هل كنت‏ (1)إلّا مثل سيّقة العدا* * * إن استقدمت نحر، و إن جبأت عقر

و فى حديث دحية من رواية الحارث فى مسنده أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)- قال: من ينطلق بكتابى هذا إلى قيصر و له الجنة، فقالوا: و إن لم يقتل يا رسول اللّه؟ قال: و إن لم يقتل، فانطلق به رجل يعنى دحية، و ذكر الحديث غزوة عمر:

فصل: و ذكر غزوة عمر إلى تربة، و هى تربة بفتح الراء أرض‏

____________

(1) رواه اللسان فى حادثى جبأ و سوق بدون نسبة: و هل أنا، و فى جبأ:

نحر، و فى سوق: نجر

525

..........

____________

كانت لخثعم و فيها جاء المثل: صادف بطنه بطن تربة (1)، يريدون الشّبع و الخصب. قال البكرىّ: و كذلك: عرنة بفتح الراء يعنى التي عند عرفة.

ذكر غزوة ذات السلاسل و السّلاسل: مياه واحدها سلسل‏ (2) و أن عمرو بن العاصى كان الأمير يومئذ، و كان (عليه السلام) أمره أن يسير إلى بلىّ، و أن أم أبيه العاصى كانت من بلىّ: و اسمها: سلمى فيما ذكر الزبير (3)، و أما أم عمرو، فهى ليلى تلقّب بالنّابغة سبيت من بنى جلّان بن عنترة بن ربيعة (4).

و ذكر فى هذه السّريّة صحبة رافع بن أبى رافع لأبى بكر، و هو رافع بن عميرة و يقال فيه: ابن عمير (5)، و هو الذي كلمه الذئب، و له شعر مشهور فى تكليم‏

____________

(1) فى معجم البكرى: عرف بطنى بطن تربة، يضرب الرجل يصير إلى الأمر الجلى، و أول من قاله عامر بن مالك أبو براء.

(2) فى المراصد، السلاسل: جمع سلسلة ماء بأرض جذام، سميت به غزوة ذات السلاسل. و فى معجم البكرى ذات السلاسل جمع سلسلة رمل بالبادية ثم ذكر رواية ابن إسحاق، ثم قال: و السلاسل فى غير هذه الرواية ماء لجذام، و به سميت تلك الغزوة: ذات السلاسل.

(3) أنظر ص 408 من كتاب نسب قريش.

(4) فى نسب قريش: و أمه سبية من عنزة ص 409. و فى الإصابة: أمه النابغة من بنى عنزة بفتح المهملة و النون.

(5) فى الإصابة: رافع بن عمرو بن جابر بن حارثة بن عمرو بن محصن، و يقال:

ابن عميرة. و قد ينسب لجده، و قيل هو رافع بن أبى رافع عده بعضهم فى التابعين مثل ابن سعد و العجلى.

526

..........

____________

الذّئب له‏ (1)، و كان الذئب قد أغار على غنمه فاتبعه، فقال له الذئب: أ لا أدلك على ما هو خير لك، قد بعث نبىّ اللّه، و هو يدعو إلى اللّه، فالحق به، ففعل ذلك رافع و أسلم.

و ذكر فى حديثه مع أبى بكر أنه أطمعه و عمر لحم جزور، كان قد أخذ منها عشيرا على أن يجزّئها لأهلها، فقام أبو بكر و عمر فتقيّا ما أكلا، و قالا:

أ تطعمنا مثل هذا، و ذلك، و اللّه أعلم أنهما كرها أجرة مجهولة، لأن العشير واحد الأعشار على غير (2) قياس، يقال: برمة أعشار إذا انكسرت. و يجوز أن يكون العشير بمعنى العشر كالثمين بمعنى الثّمن، و لكنه عاملهم عليه قبل إخراج الجزور من جلدها، و قبل النظر إليها، أو يكونا كرها جزارة (3) الجزّار على كل حال و اللّه أعلم.

حرقة:

و ذكر غزوة غالب بن عبد اللّه و قتله مرداس بن نهيك من الحرقة،

____________

(1) منه:

فلما أن سمعت الذئب نادى‏* * * يبشرنى بأحمد من قريب‏

فألفيت النبيّ يقول قولا* * * صدوقا ليس بالقول الكذوب‏

و ليس للقصة سند يعتد به، و لهذا لم يأت بها حديث واحد يحترمه أهل الحديث و لا ريب فى أنها أسطورة.

(2) فى اللسان: «و أعشار الجذور: الأنصباء، و العشر: قطعة تنكسر من القدح أو البرمة كأنها قطعة من عشر قطع و الجمع أعشار، و قدح أعشار».

(3) إن كانت بكسر الجيم فمى حرفة الجزار، و إن كانت بضمها فهى ما يأخذه الجزار من الذبيحة عن أجرته.

527

..........

____________

و قال ابن هشام: الحرقة فيما ذكر أبو عبيدة و قال ابن حبيب: فى يشكر حرقة ابن ثعلبة، و حرقة بن مالك كلاهما من بنى حبيب بن كعب بن يشكر، و فى قضاعة: حرقة (1) بن جذيمة بن نهد، و فى تميم حرقة بن زيد بن مالك ابن حنظلة، و قال القاضى أبو الوليد: هكذا وقعت هذه الأسماء كلها بالقاف، و ذكرها الدّارقطنيّ كلها بالفاء.

أنساب:

و ذكر غزوة محمد بن مسلمة إلى القرطاء، و هم بنو قرط و قريط، و قريط بنو أبى بكر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة.

و ذكر حيّان بن ملّة، و هو حسّان بن ملّة، و كذلك قاله فى موضع آخر من الكتاب، و هو قول ابن هشام.

و ذكر سعد بن هذيم، و إنما هو سعد بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم ابن الحاف بن قضاعة، و إنما نسب إلى هذيم، لأن هذيما حضنه، و هو عبد حبشى‏

____________

(1) فى القاموس ضبطها بسكون الراء «و الحرقة بالضم اسم، من الاحتراق، وحى من قضاعة، و لهمزة بنت النعمان بن المنذر. و الحرقتان- بفتح الراء و القاف- تيم و سعد ابنا قيس بن ثعلبة بن المنذر بن عكابة» و فى اللسان ضبط حرقتى تيم و سعد سكون الراء. و قال: و الحرقة بفتح الراء- حى من العرب.

528

..........

____________

حديث أم قرفة التي جرى فيها المثل: أمنع من أمّ قرفة، لأنها كانت يعلّق فى بيتها خمسون سيفا [لخمسين فارسا (1)] كلّهم لها ذو محرم، و اسمها فاطمة بنت حذيفة ابن بدر (2) كنّيت بابنها قرفة، قتله النبيّ (عليه السلام) فيما ذكر الواقدى.

و ذكر أن سائر بنيها، و هم تسعة قتلوا مع طليحة بن بزاخة فى الرّدّة و هم حكمة و خرشة و جبلة و شريك و والان و رمل و حصين و ذكر باقيهم.

و ذكر أن قرفة قتلت يوم بزاخة أيضا (3)، و ذكر عن عبد اللّه بن جعفر أنه أنكر ذلك، و هو الصحيح كما فى هذا الكتاب، و ذكر الدّولابى أن زيد ابن حارثة حين قتلها ربطها بفرسين، ثم ركضا بها حتى ماتت، و ذلك لسبّها رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم). و ذكر المرأة التي سألها رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) من سلمة و هى بنت أمّ قرفة، و فى مصنف أبى داود، و خرجه مسلم أيضا أن النبيّ (صلى الله عليه و سلم) قال لسلمة: هب لى المرأة يا سلمة، للّه أبوك، فقال: هى لك يا رسول اللّه ففدى بها أسيرا كان فى قريش من المسلمين، و هذه الرواية أصح، و أحسن من رواية ابن إسحاق، فإنه ذكر أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) وهبها لخاله بمكة، و هو حزن بن أبى وهب بن عائذ بن عمران ابن مخزوم، و فاطمة جدة النبيّ (صلى الله عليه و سلم) أم أبيه هى بنت عمرو بن‏

____________

(1) الزيادة من مجمع الأمثال للميدانى.

(2) و فى السيرة و الإمتاع للمقريزى: بنت ربيعة بن بدر.

(3) و قيل إن قاتلها هو قيس بن المسحر أو المحمر اليعمرى ص 270 الإمتاع للمقريزى.

529

..........

____________

عائذ، فهذه الخئولة التي ذكر، و قتل عبد الرحمن بن حزن باليمامة شهيدا، و حزن هذا هو جدّ سعيد بن المسيّب بن حزن، و مسعدة الذي ذكر فى هذا الحديث أنه قتل هو ابن حكمة بن حذيفة بن بدر، و سلمة الذي كانت عنده الجارية، قيل: هو سلمة بن الأكوع، و اسم الأكوع: سنان، و قيل:

هو سلمة بن سلامة بن وقش، قاله الزبير.

غزوة أبي حدرد:

و ذكر غزوة أبى حدرد، و اسمه: سلمة بن عمير، و قيل: عبيدة ابن عامر.

و ذكر قتل محلّم بن جثّامة، و خبره فى غير رواية ابن إسحاق أن محلّم ابن جثّامة مات بحمص فى إمارة ابن الزّبير، و أما الذي نزلت فيه الآية:

لِمَنْ أَلْقى‏ إِلَيْكُمُ السَّلامَ‏ و الاختلاف فيه شديد، فقد قيل اسمه فليت‏ (1) و قيل و هو محلّم كما تقدم، و قيل نزلت فى المقداد بن عمرو، و قيل فى أسامة، و قيل فى أبى الدّرداء، و اختلف أيضا فى المقتول فقيل: مرداس بن نهيك، و قيل:

عامر الأضبط، و اللّه أعلم. كل هذا مذكور فى التفاسير و المسندات.

ثمامة بن أثال:

و ذكر ابن إسحاق ثمامة بن أثال الحنفىّ و إسلامه، و قد خرّج أهل‏

____________

(1) و قيل قليب. و يقول ابن حجر فى الإصابة «و الذي يظهر أن كلا منهما تصحيف و إنما هو غالب الليثى».

530

..........

____________

الحديث حديث إسلامه، و فيه قال للنبى- (صلى الله عليه و سلم)-: إن تقتل تقتل ذا دم، و إن تنعم تنعم على شاكر، و إن ترد المال تعطه، فقال (عليه السلام): اللّهمّ أكلة من جزور أحبّ إلىّ من دم ثمامة، فأطلقه، فتطهر و أسلم، و حسن إسلامه، و نفع اللّه به الإسلام كثيرا، و قام بعد وفاة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) مقاما حميدا حين ارتدت اليمامة مع مسيلمة، و ذلك أنه قام فيهم خطيبا، و قال: يا بنى حنيفة أين عزبت عقولكم بسم اللّه الرحمن الرحيم: حم. تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ. غافِرِ الذَّنْبِ وَ قابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ‏ أين هذا من يا ضفدع نقىّ كما (1) تنقّين لا الشّراب تكدّرين، و لا الماء تمنعين‏ (2)، مما كان يهذى به مسيلمة، فأطاعه منهم ثلاثة آلاف، و انحازوا إلى المسلمين، ففتّ ذلك فى أعضاد حنيفة.

و ذكر ابن إسحاق أنه الذي قال فيه النبيّ (صلى الله عليه و سلم) المؤمن يأكل‏

____________

(1) فى الرواية: كم.

(2) و زادوا فيما نسب إليه: أعلاك فى الماء و أسفلك فى الطين، و قد نسب إلى مسيلمة كثير من هذا الهذيان الذي أوقى أنه؟؟؟ ما جاز على عقول أولئك الذين عاشوا عصره ممن استهواهم معه الحقد، فلئن كان صحيحا فإنما تراءوا بتصديقه محاولة منهم لتهدئة سعار الأحقاد التي تضرمت فى أعماقهم، و إلا فمن الذي يصدق أن هذيانه:

«إنا أعطيناك الجواهر، فصل لربك و هاجر، إن مبغضك لفاجر، أو: إنا أعطيناك الجماهر، فخذ لنفسك و بادر: و احذر أن تحرص أو تكاثر» من ذا الذي يظن أن هذا الهذيان يخدع أحدا عن جلال الحقيقة العليا و سمو الجمال الأعظم فى قوله سبحانه (إنا أعطيناك الكوثر)؟! أنظر ص 14 ح 1 الفتوحات الإسلامية لأحمد بن زينى دحلان فقد حشد فيه طائفة من هذيان حماقاته.

531

..........

____________

فى معى واحد [و الكافر يأكل فى سبعة أمعاء] (1) الحديث، و قال: أبو عبيد هو أبو بصرة الغفارى، و فى مسند ابن أبى شيبة أنه جهجاه [بن مسعود ابن سعد بن حرام‏] (2) الغفارى، و فى الدلائل أن اسمه نضلة، و قد أملينا فى معنى قوله: يأكل فى سبعة أمعاء نحوا من كرّاسة رددنا فيه قول من قال:

إنه مخصوص برجل واحد، و بيّنا معنى الأكل و السّبعة الأمعاء، و أن الحديث ورد على سبب خاصّ، و لكن معناه عام، و أتينا فى ذلك بما فيه شفاء و الحمد للّه‏ (3)، و قوله فى رواية البخاري: ذا دم رواه أبو داود: ذا ذمّ بالذال المعجمة (4).

ما زاده ابن هشام مما لم يذكره ابن إسحاق و ذكر الشيخ الحافظ أبو بحر سفيان بن العاصى رحمه فى هذا الموضع،

____________

(1) متفق عليه و رواه أحمد و الترمذى و ابن ماجه عن ابن عمر، و أحمد و مسلم عن جابر، و البخاري و مسلم و أحمد و ابن ماجه عن أبى هريرة، و مسلم و ابن ماجه عن أبى موسى «الجامع الصغير للسيوطى».

(2) ابن سعيد و قيل ابن قيس شهد بيعة الرضوان.

(3) يقول ابن الأثير عن الحديث: «هذا مثل ضربه للمؤمن و زهده فى الدنيا، و الكافر و حرصه عليها، و ليس معناه كثرة الأكل دون الاتساع فى الدنيا، و لهذا قيل الرغب شؤم، لأنه يحمل صاحبه على اقتحام النار، و قيل: هو تحصيص للمؤمن و تحامى ما يجره الشبع من القسوة و طاعة الشهوة، و وصف الكافر بكثرة الأكل أغلاظ على المؤمن. و تأكيد لما رسم له، و قيل: هو خاص فى رجل بعينه. كان يأكل كثيرا، فأسلم، فقل أكله. و المعى واحد الأمعاء و هى المصارين.

(4) ذا دم. اى من هو مطالب بدم، أو صاحب دم مطلوب، و يروى: و ذا ذم أى ذا ذمام و حرمة فى قومه، و إذا عقد ذمة و فى له.

532

..........

____________

قال: نقلت من حاشية نسخة من كتاب السّير منسوبة بسماع أبى سعيد عبد الرحيم بن عبد اللّه بن عبد الرحيم و أخويه محمد و أحمد ابنى عبد اللّه بن عبد الرحيم ما هذا نصه: وجدت بخط أخى قول ابن هشام: هذا مما لم يذكره ابن إسحاق هو غلط منه، قد ذكره ابن إسحاق عن جعفر بن عمرو بن أميّة عن عمرو بن أميّة فيما حدث أسد عن يحيى بن زكريّا عن ابن إسحاق، و القائل فى الحاشية: وجدت بخط أخى هو أبو بكر بن عبد اللّه بن عبد الرحيم.

و فى الكتاب المذكور قول أبى بكر المذكور فى غزوة الطائف بعد قوله:

فولدت له داود بن أبى مرّة. إلى هاهنا انتهى سماعى من أخى، و ما بقى من هذا الكتاب سمعته من ابن هشام نفسه.

عن خبيب بن عدى:

و ذكر سريّة عمرو بن أميّة و حلّه لخبيب بن عدىّ من خشبته التي صلب فيها، و فى مسند ابن أبى شيبة زيادة حسنة أنهما حين حلّاه من الخشبة التقمته الأرض.

و ذكر ابن هشام مقتل العصماء بنت مروان، و فى خبرها قال (صلى الله عليه و سلم): لا ينتطح فيها عنزان، و كانت تسبّ رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فقتلها بعلها على ذلك، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): اشهدوا أنّ دمها هدر. قال الدّارقطنيّ: من هاهنا يقوم أصل التّسجيل فى الفقه، لأنه قد أشهد على نفسه بإمضاء الحكم، و وقع فى مصنّف حماد بن سلمة أنها كانت يهودية،

533

[ذكر أزواجه (صلى الله عليه و سلم) أمهات المؤمنين‏]

ذكر أزواجه (صلى الله عليه و سلم) أمهات المؤمنين‏

[أسماؤهن‏]

أسماؤهن قال ابن هشام: و كنّ تسعا: عائشة بنت أبى بكر، و حفصة بنت عمر ابن الخطاب، و أمّ حبيبة بنت أبى سفيان بن حرب، و أمّ سلمة بنت أبى أمية ابن المغيرة، و سودة بنت زمعة بن قيس، و زينب بنت جحش بن رئاب، و ميمونة بنت الحارث بن حزن، و جويرية بنت الحارث بن أبى ضرار، و صفيّة بنت حيىّ بن أخطب، فيما حدثني غير واحد من أهل العلم.

[زواجه بخديجة]

زواجه بخديجة و كان جميع من تزوّج رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ثلاث عشرة: خديجة بنت خويلد، و هى أوّل من تزوّج، زوّجه إياها أبوها خويلد بن أسد،

____________

و كانت تطرح المحائض فى مسجد بنى حطمة، فأهدر رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) دمها، و قال: لا ينتطح فيها عنزان‏ (1).

____________

(1) أى لا يلتقى فيها اثنان ضعيفان، لأن النطاح من شأن النيوس، و الكباش لا العنوز، و هو إشارة إلى قضية مخصوصة لا يجرى فيها خلف و نزاع «ابن الأثير».

534

و يقال أخوها عمرو بن خويلد، و أصدقها رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) عشرين بكرة، فولدت لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ولده كلهم إلا إبراهيم، و كانت قبله عند أبى هالة بن مالك، أحد بنى أسيّد بن عمرو بن تميم، حليف بنى عبد الدّار، فولدت له هند بن أبى هالة، و زينب بنت أبى هالة، و كانت قبل أبى هالة عند عتيّق بن عابد بن عبد اللّه بن عمر بن مخزوم، فولدت له عبد اللّه، و جارية.

قال ابن هشام: جارية من الجوارى، تزوّجها صيفىّ بن أبى رفاعة.

[زواجه بعائشة]

زواجه بعائشة و تزوّج رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) عائشة بنت أبى بكر الصدّيق بمكة، و هى بنت سبع سنين، و بنى بها بالمدينة، و هى بنت تسع سنين أو عشر، و لم يتزوّج رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بكرا غيرها، زوّجه إياها أبوها أبو بكر، و أصدقها رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أربع مائة درهم.

[زاوجه بسودة]

زاوجه بسودة و تزوّج رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) سودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس بن عبد ودّ بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤيّ، زوّجه إياها سليط بن عمرو، و يقال أبو حاطب بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ودّ ابن نصر بن مالك بن حسل، و أصدقها رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أربع مائة درهم.

____________

..........

535

قال ابن هشام: ابن إسحاق يخالف هذا الحديث، يذكر أن سليطا و أبا حاطب كانا غائبين بأرض الحبشة فى هذا الوقت.

و كانت قبله عند السكران بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ودّ بن نصر ابن مالك بن حسل.

[زواجه بزينب بنت جحش‏]

زواجه بزينب بنت جحش و تزوّج رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) زينب بنت جحش بن رئاب الأسدية. زوّجه إياها أخوها أبو أحمد بن جحش، و أصدقها رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أربع مائة درهم، و كانت قبله عند زيد بن حارثة، مولى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، ففيها أنزل اللّه تبارك و تعالى: فَلَمَّا قَضى‏ زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها.

[زواجه بأم سلمة]

زواجه بأم سلمة و تزوّج رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أمّ سلمة بنت أبى أميّة بن المغيرة المخزومية، و اسمها هند؛ زوّجه إياها سلمة بن أبى سلمة ابنها، و أصدقها رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فراشا حشوه ليف، و قدحا و صحفة، و مجشّة؛ و كانت قبله عند أبى سلمة بن عبد الأسد، و اسمه عبد اللّه، فولدت له سلمة و عمر و زينب و رقيّة.

[زواجه بحفصة]

زواجه بحفصة و تزوج رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) حفصة بنت عمر بن الخطّاب، زوجه‏

____________

..........

536

إيّاها أبوها عمر بن الخطّاب، و أصدقها رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أربع مائة درهم، و كانت قبله عند خنيس بن حذاقة السّهمى.

[زواجه بأم حبيبة]

زواجه بأم حبيبة و تزوّج رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أمّ حبيبة، و اسمها رملة بنت أبى سفيان بن حرب، زوّجه إياها خالد بن سعيد بن العاص، و هما بأرض الحبشة، و أصدقها النجاشى عن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أربع مائة دينار، و هو الذي كان خطبها على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و كانت قبله عند عبيد اللّه بن جحش الأسدي.

[زواجه بجويرية]

زواجه بجويرية و تزوّج رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) جويرية بنت الحارث بن أبى ضرار الخزاعية، كانت فى سبايا بنى المصطلق من خزاعة، فوقعت فى السّهم لثابت بن قيس بن الشمّاس الأنصاري، فكاتبها على نفسها، فأتت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) تستعينه فى كتابتها، فقال لها: هل لك فى خير من ذلك؟ قالت: و ما هو؟ قال: أقضى عنك كتابتك و أتزوّجك؟ فقالت: نعم، فتزوّجها.

قال ابن هشام: حدثنا بهذا الحديث زياد بن عبد اللّه البكائى، عن محمد ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن لزبير، عن عروة، عن عائشة.

____________

..........

537

قال ابن هشام: و يقال: لمّا انصرف رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) من غزوة بنى المصطلق، و معه جويرية بنت الحارث، فكان بذات الجيش، دفع جويرية إلى رجل من الأنصار وديعة، و أمره بالاحتفاظ بها، و قدم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) المدينة، فأقبل أبوها الحارث بن أبى ضرار بفداء ابنته، فلما كان بالعقيق نظر إلى الإبل التي جاء بها للفداء، فرغب فى بعيرين منها، فغيبهما فى شعب من شعاب العقيق، ثم أتى النبيّ (صلى الله عليه و سلم)، فقال: يا محمد، أصبتم ابنتى، و هذا فداؤها، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم):

فأين البعيران اللذان غيّبت بالعقيق فى شعب كذا و كذا؟ فقال الحارث:

أشهد أن لا إله إلا اللّه، و أنك رسول اللّه، صلى اللّه عليك، فو اللّه ما اطّلع على ذلك إلا اللّه تعالى، فأسلم الحارث، و أسلم معه ابنان له و ناس من قومه، و أرسل إلى البعيرين، فجاء بهما فدفع الإبل إلى النبيّ (صلى الله عليه و سلم)، و دفعت إليه ابنته جويرية، فأسلمت و حسن إسلامها، و خطبها رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إلى أبيها، فزوّجه إياها، و أصدقها أربع مائة درهم، و كانت قبل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) عند ابن عمّ لها يقال له عبد اللّه.

قال ابن هشام: و يقال اشتراها رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) من ثابت ابن قيس، فأعتقها و تزوّجها، و أصدقها أربع مائة درهم.

[زواجه بصفية]

زواجه بصفية و تزوّج رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) صفيّة بنت حيى بن أخطب،

____________

..........

538

سباها من خيبر، فاصطفاها لنفسه، و أولم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) وليمة، ما فيها شحم و لا لحم، كان سويقا و تمرا، و كانت قبله عند كنانة بن الربيع بن أبى الحقيق.

[زواجه بميمونة]

زواجه بميمونة و تزوّج رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ميمونة بنت الحارث بن حزن ابن بحير بن هزم بن روبية بن عبد اللّه بن هلال بن عامر بن صعصعة، زوّجه إياها العباس بن عبد المطلب، و أصدقها العباس عن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أربع مائة درهم، و كانت قبله عند أبى رهم بن عبد العزّى بن أبى قيس ابن عبد ودّ بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤيّ؛ و يقال: إنها التي وهبت نفسها للنبىّ (صلى الله عليه و سلم)، و ذلك أن خطبة النبيّ (صلى الله عليه و سلم) انتهت إليها و هى على بعيرها، فقالت: البعير و ما عليه للّه و لرسوله؛ فأنزل اللّه تبارك و تعالى: وَ امْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِ‏.

و يقال: إن التي وهبت نفسها للنبىّ (صلى الله عليه و سلم) زينب بنت جحش، و يقال أمّ شريك، غزية بنت جابر بن وهب من بنى منقذ بن عمرو بن معيص ابن عامر بن لؤيّ، و يقال: بل هى امرأة من بنى سامة بن لؤيّ، فأرجأها رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ..

[زواجه زينب بنت خزيمة]

زواجه زينب بنت خزيمة و تزوّج رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) زينب بنت خزيمة بن الحارث بن‏

____________

..........

539

عبد اللّه بن عمرو بن عبد مناف بن هلال بن عامر بن صعصعة، و كانت تسمى أمّ المساكين، لرحمتها إياهم، و رقتها عليهم، زوّجه إياها قبيصة بن عمرو الهلالى، و أصدقها رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أربع مائة درهم، و كانت قبله عند عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب بن عبد مناف، و كانت قبل عبيدة عند جهم بن عمرو بن الحارث، و هو ابن عمّها.

[عدتهن و شأن الرسول معهن‏]

عدتهن و شأن الرسول معهن فهؤلاء اللاتى بنى بهنّ رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إحدى عشرة، فمات قبله منهنّ ثنتان: خديجة بنت خويلد، و زينب بنت خزيمة. و توفى عن تسع قد ذكرناهن فى أول هذا الحديث؛ و ثنتان لم يدخل بهما: أسماء بنت النعمان الكندية، تزوّجها فوجد بها بياضا، فمتّعها و ردّها إلى أهلها، و عمرة بنت يزيد الكلابية، و كانت حديثة عهد بكفر؛ فلما قدمت على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، استعاذت من رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): منيع عائذ اللّه، فردها إلى أهلها، و يقال: إن التي استعاذت من رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) كندية بنت عم لأسماء بنت النعمان، و يقال إن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) دعاها، فقالت: إنّا قوم نؤتى و لا نأتى؛ فردها رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إلى أهلها.

[تسمية القرشيات منهن‏]

تسمية القرشيات منهن القرشيات من أزواج النبيّ (صلى الله عليه و سلم) ستّ: خديجة بنت خويلد

____________

..........

540

ابن أسد بن عبد العزّى بن قصىّ بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤيّ؛ و عائشة بنت أبى بكر بن أبى قحافة بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم ابن مرة بن كعب بن لؤيّ بن غالب؛ و حفصة بنت عمر بن الخطّاب بن نفيل بن عبد العزّى بن عبد اللّه بن قرط بن رياح بن رزاح بن عدىّ بن كعب بن لؤيّ، و أمّ حبيبة بنت أبى سفيان بن حرب بن أميّة بن عبد شمس ابن عبد مناف بن قصى بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤيّ؛ و أمّ سلمة بنت أبى أميّة بن المغيرة بن عبد اللّه بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة ابن كعب بن لؤيّ؛ و سودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس بن عبد ودّ ابن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤيّ.

[تسمية العربيات و غيرهن‏]

تسمية العربيات و غيرهن و العربيات و غيرهنّ سمع: زينب بنت جحش بن رئاب بن يعمر بن صبرة بن مرة بن كبير بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة؛ و ميمونة بنت الحارث بن حزن بن بحير بن هزم بن رويبة بن عبد اللّه بن هلال بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان؛ و زينب بنت خزيمة بن الحارث بن عبد اللّه بن عمرو ابن عبد مناف بن هلال بن عامر بن صعصعة بن معاوية، و جويرية بنت الحارث بن أبى ضرار الخزاعية، ثم المصطلقية، و أسماء بنت النعمان الكندية؛ و عمرة بنت يزيد الكلابية.

____________

..........

541

غير العربيات و من غير العربيات: صفيّة بنت حيى بن أخطب، من بنى النضير

[تمريض رسول اللّه فى بيت عائشة]

تمريض رسول اللّه فى بيت عائشة

[مجيئه إلى بيت عائشة]

مجيئه إلى بيت عائشة قال ابن إسحاق: حدثني يعقوب بن عتبة، عن محمد بن مسلم الزهرى، عن عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة، عن عائشة زوج النبيّ (صلى الله عليه و سلم)، قالت: فخرج رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يمشى بين رجلين من أهله: أحدهما الفضل بن العباس، و رجل آخر، عاصبا رأسه، تخطّ قدماه، حتى دخل بيتى.

قال عبيد اللّه، فحدّثت هذا الحديث عبد اللّه بن العبّاس، فقال: هل تدرى من الرجل الآخر؟ قال: قلت: لا، قال: على بن أبى طالب.

[شدة المرض و صب الماء عليه‏]

شدة المرض و صب الماء عليه ثم غمر رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و اشتد به وجعه، فقال هريقوا علىّ سبع قرب من آبار شتى، حتى أخرج إلى الناس فأعهد إليهم. قالت:

فأقعدناه فى مخضب لحفصة بنت عمر، ثم صببنا عليه الماء حتى طفق يقول:

حسبكم حسبكم.

[كلمة للنبى و اختصاصه أبا بكر بالذكر]

كلمة للنبى و اختصاصه أبا بكر بالذكر قال ابن إسحاق: و قال الزهرى: حدثني أيوب بن بشير: أن رسول اللّه‏

____________

..........

542

(صلى الله عليه و سلم) خرج عاصبا رأسه حتى جلس على المنبر، ثم كان أوّل ما تكلّم به أنه صلى على أصحاب أحد، و استغفر لهم، فأكثر الصلاة عليهم، ثم قال:

إن عبدا من عباد اللّه خيّره اللّه بين الدنيا و بين ما عنده، فاختار ما عند اللّه.

قال: ففهمها أبو بكر، و عرف أن نفسه يريد، فبكى و قال: بل نحن نفديك بأنفسنا و أبنائنا، فقال: على رسلك يا أبا بكر، ثم قال: انظروا هذه الأبواب اللافظة فى المسجد، فسدّوها إلا بيت أبى بكر، فإنى لا أعلم أحدا كان أفضل فى الصحبة عندى يدا منه.

قال ابن هشام: و يروى: إلا باب أبى بكر.

قال ابن إسحاق: و حدثني عبد الرحمن بن عبد اللّه، عن بعض آل أبى سعيد بن المعلّى: أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، قال يومئذ فى كلامه هذا: فإنى لو كنت متّخذا من العباد خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، و لكن صحبة و إخاء إيمان حتى يجمع اللّه بيننا عنده.

[أمر الرسول بإنفاذ بعث أسامة]

أمر الرسول بإنفاذ بعث أسامة و قال ابن إسحاق: و حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير و غيره من العلماء، أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) استبطأ الناس فى بعث أسامة بن زيد، و هو فى وجعه، فخرج عاصبا رأسه حتى جلس على المنبر، و قد كان الناس قالوا فى إمرة أسامة: أمّر غلاما حدثا على جلّة المهاجرين و الأنصار.

____________

..........

543

فحمد اللّه و أثنى عليه بما هو له أهل، ثم قال: أيها الناس، أنفذوا بعث أسامة، فلعمرى لئن قلتم فى إمارته لقد قلتم فى إمارة أبيه من قبله، و إنه لخليق للإمارة، و إن كان أبوه لخليقا لها.

قال: ثم نزل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و انكمش الناس فى جهازهم، و استعزّ برسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) وجعه، فخرج أسامة، و خرج جيشه معه حتى نزلوا الجرف، من المدينة على فرسخ، فضرب به عسكره، و تتامّ إليه الناس، و ثقل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فأقام أسامة و الناس، لينظروا ما اللّه قاض فى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم).

[وصية الرسول بالأنصار]

وصية الرسول بالأنصار و قال ابن إسحاق: قال الزهرى: و حدثني عبد اللّه بن كعب بن مالك:

أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قال يوم صلّى و استغفر لأصحاب أحد، و ذكر من أمرهم ما ذكر مع مقالته يومئذ: يا معشر المهاجرين استوصوا بالأنصار خيرا، فإن الناس يزيدون، و إن الأنصار على هيئتها لا تزيد، و إنهم كانوا عيبتى التي أويت إليها، فأحسنوا إلى محسنهم، و تجاوزوا عن مسيئهم.

قال عبد اللّه: ثم نزل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فدخل بيته، و تتامّ به وجعه، حتى غمر.

[شأن اللدود]

شأن اللدود قال عبد اللّه: فاجتمع إليه نساء من نسائه: أمّ سلمة، و ميمونة، و نساء

____________

..........

544

من نساء المسلمين، منهنّ أسماء بنت عميس، و عنده العبّاس عمّه، فأجمعوا أن يلدّوه، و قال العباس: لألدّنّه. قال: فلدّوه، فلما أفاق رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، قال: من صنع هذا بى؟ قالوا: يا رسول اللّه، عمّك، قال:

هذا دواء أتى به نساء جئن من نحو هذه الأرض، و أشار نحو أرض الحبشة؛ قال: و لم فعلتم ذلك؟ فقال عمّه العبّاس: خشينا يا رسول اللّه أن يكون بك ذات الجنب فقال: إن ذلك لداء ما كان اللّه عزّ و جلّ ليقذفنى به، لا يبق فى البيت أحد إلّا لدّ إلا عمّى، فلقد لدّت ميمونة و إنها لصائمة، لقسم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، عقوبة لهم بما صنعوا به.

[دعاء الرسول لأسامة بالإشارة]

دعاء الرسول لأسامة بالإشارة قال ابن إسحاق: و حدثني سعيد بن عبيد بن السبّاق، عن محمد بن أسامة، عن أبيه أسامة بن زيد، قال: لما ثقل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) هبطت و هبط الناس معى إلى المدينة، فدخلت على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و قد أصمت فلا يتكلّم، فجعل يرفع يده إلى السماء ثم يضعها علىّ، فأعرف أنه يدعو لى.

قال ابن إسحاق: و قال ابن شهاب الزهرى: حدثني عبيد بن عبد اللّه ابن عتبة، عن عائشة، قالت: كان رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) كثيرا ما أسمعه يقول: إن اللّه لم يقبض نبيّا حتى يخيّره. قالت: فلما حضر رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) كان آخر كلمة سمعتها و هو يقول: بل الرّفيق الأعلى من الجنة، قالت:

____________

..........

545

فقلت: إذا و اللّه لا يختارنا، و عرفت أنه الذي كان يقول لنا: إن نبيا لم يقبض حتى يخيّر.

[صلاة أبى بكر بالناس‏]

صلاة أبى بكر بالناس قال الزّهرىّ: و حدثني حمزة بن عبد اللّه بن عمر، أن عائشة قالت:

لما استعزّ برسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قال: مروا أبا بكر فليصلّ بالناس.

قالت: قلت: يا نبىّ اللّه، إن أبا بكر رجل رقيق، ضعيف الصوت، كثير البكاء إذا قرأ القرآن، قال: مروه فليصلّ بالناس. قالت: فعدت بمثل قولى، فقال: إنكن صواحب يوسف فمروه فليصلّ بالناس، قالت: فو اللّه ما أقول ذلك إلا أنى كنت أحب أن يصرف ذلك عن أبى بكر، و عرفت أن الناس لا يحبّون رجلا قام مقامه أبدا، و أن الناس سيتشاءمون به فى كل حدث كان، فكنت أحب أن يصرف ذلك عن أبى بكر.

قال ابن إسحاق: و قال ابن شهاب: حدثني عبد الملك بن أبى بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن أبيه، عن عبد اللّه بن زمعة بن الأسود ابن المطّلب بن أسد، قال: لما استعز برسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و أنا عنده فى نفر من المسلمين، قال: دعاه بلال إلى الصلاة، فقال: مروا من يصلى بالناس. قال: فخرجت فإذا عمر فى الناس. و كان أبو بكر غائبا؛ فقلت:

قم يا عمر فصلّ بالناس. قال: فقام، فلما كبر، سمع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) صوته، و كان عمر رجلا مجهرا، قال: فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): فأين أبو بكر؟ يأبى اللّه ذلك و المسلمون، يأبى اللّه ذلك و المسلمون.

____________

..........

546

قال فبعث إلى أبى بكر، فجاء بعد أن صلى عمر تلك الصلاة، فصلى بالناس.

قال: قال عبد اللّه بن زمعة: قال لى عمر: ويحك، ما ذا صنعت بى يا بن زمعة، و اللّه ما ظننت حين أمرتنى إلا أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أمرك بذلك، و لو لا ذلك ما صليت بالناس. قال: قلت: و اللّه ما أمرنى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بذلك، و لكنى حين لم أر أبا بكر رأيتك أحق من حضر بالصلاة بالناس.

[اليوم الذي قبض اللّه فيه نبيه‏]

اليوم الذي قبض اللّه فيه نبيه قال ابن إسحاق: و قال الزهرى: حدثني أنس بن مالك: أنه لما كان يوم الاثنين الذي قبض اللّه فيه رسوله (صلى الله عليه و سلم)، خرج إلى الناس، و هم يصلون الصبح، فرفع الستر، و فتح الباب، فخرج رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فقام على باب عائشة، فكاد المسلمون يفتنون فى صلاتهم برسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) حين رأوه فرحا به، و تفرّجوا، فأشار إليهم أن اثبتوا على صلاتكم؛ قال: فتبسم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) سرورا لما رأى من هيئتهم فى صلاتهم، و ما رأيت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أحسن هيئة منه تلك الساعة، قال: ثم رجع و انصرف الناس و هم يرون أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قد أفرق من وجعه، فرجع أبو بكر إلى أهله بالسّنح.

قال ابن إسحاق: و حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن القاسم بن محمد: أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قال حين سمع تكبير عمر فى الصلاة:

____________

..........

547

أين أبو بكر؟ يأبى اللّه ذلك و المسلمون. فلو لا مقالة قالها عمر عند وفاته، لم يشك المسلمون أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قد استخلف أبا بكر، و لكنّه قال عند وفاته: إن أستخلف فقد استخلف من هو خير منى، و إن أتركهم فقد تركهم من هو خير منى. فعرف الناس أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) لم يستخلف أحدا، و كان عمر غير متّهم على أبى بكر.

قال ابن إسحاق: و حدثني أبو بكر بن عبد اللّه بن أبى مليكة، قال:

لما كان يوم الاثنين خرج رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) عاصبا رأسه إلى الصبح، و أبو بكر يصلى بالناس، فلما خرج رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) تفرج الناس، فعرف أبو بكر أن الناس لم يصنعوا ذلك إلا لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فنكص عن مصلّاه، فدفع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فى ظهره، و قال: صلّ بالناس، و جلس رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إلى جنبه، فصلّى قاعدا عن يمين أبى بكر، فلما فرغ من الصلاة أقبل على الناس، فكلّمهم رافعا صوته، حتى خرج صوته من باب المسجد، يقول: أيها الناس، سعّرت النار، و أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، و إنى و اللّه ما تمسّكون علىّ بشي‏ء، إنى لم أحلّ إلا ما أحلّ القرآن، و لم أحرّم إلا ما حرّم القرآن.

قال: فلما فرغ رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) من كلامه، قال له أبو بكر:

يا نبىّ اللّه إنى أراك قد أصبحت بنعمة من اللّه و فضل كما نحبّ، و اليوم يوم بنت خارجة، أ فآتيها؟ قال: نعم، ثم دخل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و خرج أبو بكر إلى أهله بالسّنح.

____________

..........

548

[شأن العباس و علي‏]

شأن العباس و علي قال ابن إسحاق: قال الزهرىّ: و حدثني عبد اللّه بن كعب بن مالك، عن عبد اللّه بن عبّاس، قال: خرج يومئذ علىّ بن أبى طالب (رضوان اللّه عليه) على الناس من عند رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فقال له الناس:

يا أبا حسن، كيف أصبح رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)؟ قال: أصبح بحمد اللّه بارئا، قال، فأخذ العبّاس بيده، ثم قال: يا علىّ، أنت و اللّه عبد العصا بعد ثلاث، أحلف باللّه لقد عرفت الموت فى وجه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، كما كنت أعرفه فى وجوه بنى عبد المطلب، فانطلق بنا إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فإن كان هذا الأمر فينا عرفناه، و إن كان فى غيرنا، أمرناه فأوصى بنا الناس. قال: فقال له على: إنى و اللّه لا أفعل، و اللّه لئن منعناه لا يؤتيناه أحد بعده.

فتوفّى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) حين اشتدّ الضّحاء من ذلك اليوم.

[سواك الرسول قبيل الوفاة]

سواك الرسول قبيل الوفاة قال ابن إسحاق: و حدثني يعقوب بن عتبة، عن الزّهرىّ، عن عروة، عن عائشة، قال: قالت: رجع إلىّ رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فى ذلك اليوم حين دخل من المسجد، فاضطجع فى حجرى، فدخل علىّ رجل من آل أبى بكر، و فى يده سواك أخضر. قالت: فنظر رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إليه فى يده نظرا عرفت أنه يريده، قالت: فقلت: يا رسول اللّه، أ تحبّ أن أعطيك هذا

____________

..........

549

السّواك؟ قال: نعم، قالت: فأخذته فمضغته له حتى ليّنته، ثم أعطيته إياه، قالت: فاستنّ به كأشدّ ما رأيته يستنّ بسواك قطّ، ثم وضعه، و وجدت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يثقل فى حجرى، فذهبت أنظر فى وجهه، فإذا بصره قد شخص، و هو يقول: بل الرفيق الأعلى من الجنة، قالت:

فقلت: خيّرت فاخترت و الذي بعثك بالحقّ. قالت: و قبض رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم).

قال ابن إسحاق: و حدثني يحيى بن عبّاد بن عبد اللّه بن الزبير، عن أبيه عباد. قال: سمعت عائشة تقول: مات رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بين سحرى و نحرى و فى دولتى، لم أظلم فيه أحدا، فمن سفهى و حداثة سنى أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قبض و هو فى حجرى، ثم وضعت رأسه على وسادة، و قمت ألتدم مع النساء، و أضرب وجهى.

[مقالة عمر بعد وفاة الرسول‏]

مقالة عمر بعد وفاة الرسول قال ابن إسحاق: قال الزهرى: و حدثني سعيد بن المسيّب، عن أبى هريرة، قال: لما توفى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قام عمر بن الخطّاب، فقال: إن رجالا من المنافقين يزعمون أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قد توفى، و إن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ما مات، و لكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى ابن عمران، فقد غاب عن قومه أربعين ليلة، ثم رجع إليهم بعد أن قيل قد مات؛ و و اللّه ليرجعنّ رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) كما رجع موسى، فليقطعن أيدى رجال و أرجلهم زعموا أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) مات.

____________

..........

550

[موقف أبى بكر بعد وفاة الرسول‏]

موقف أبى بكر بعد وفاة الرسول قال: و أقبل أبو بكر حتى نزل على باب المسجد حين بلغه الخبر، و عمر يكلّم الناس، فلم يلتفت إلى شي‏ء حتى دخل على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فى بيت عائشة، و رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) مسجّى فى ناحية البيت، عليه برد حبرة، فأقبل حتى كشف عن وجه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم). قال: ثم أقبل عليه فقبّله، ثم قال: بأبى أنت و أمى، أما الموتة التي كتب اللّه عليك فقد ذقتها، ثم لن تصيبك بعدها موتة أبدا. قال:

ثم ردّ البرد على وجه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، ثم خرج و عمر يكلّم الناس، فقال: على رسلك يا عمر، أنصت، فأبى إلا أن يتكلّم، فلما رآه أبو بكر لا ينصت أقبل على الناس، فلما سمع الناس كلامه أقبلوا عليه و تركوا عمر؛ فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال:

أيها الناس، إنه من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، و من كان يعبد اللّه فإن اللّه حى لا يموت. قال: ثم تلا هذه الآية: وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ، أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى‏ أَعْقابِكُمْ، وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى‏ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً، وَ سَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ‏.

قال: فو اللّه لكأن الناس لم يعلموا أن هذه الآية نزلت حتى تلاها أبو بكر يومئذ؛ قال: و أخذها الناس عن أبى بكر، فإنما هى فى أفواههم؛ قال؛

____________

..........

551

فقال أبو هريرة: قال عمر: و اللّه ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها، فعقرت حتى وقعت إلى الأرض ما تحملنى رجلاى، و عرفت أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قد مات.

[أمر سقيفة بنى ساعدة]

أمر سقيفة بنى ساعدة

[تفرق الكلمة]

تفرق الكلمة قال ابن إسحاق: و لما قبض رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) انحاز هذا الحىّ من الأنصار إلى سعد بن عبادة فى سقيفة بنى ساعدة، و اعتزل علىّ بن أبى طالب و الزّبير بن العوّام و طلحة بن عبيد اللّه فى بيت فاطمة، و انحاز بقيّة المهاجرين إلى أبى بكر، و انحاز معهم أسيد بن حضير، فى بنى عبد الأشهل، فأتى آت إلى أبى بكر و عمر، فقال: إن هذا الحىّ من الأنصار مع سعد بن عبادة فى سقيفة بنى ساعدة، قد انحازوا إليه، فإن كان لكم بأمر الناس حاجة فأدركوا قبل أن يتفاقم أمرهم، و رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فى بيته لم يفرغ من أمره قد أغلق دونه الباب أهله. قال عمر: فقلت لأبى بكر: انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار، حتى ننظر ما هم عليه.

[ابن عوف و مشورته على عمر بشأن بيعة أبى بكر]

ابن عوف و مشورته على عمر بشأن بيعة أبى بكر قال ابن إسحاق: و كان من حديث السقيفة حين اجتمعت بها الأنصار، أن عبد اللّه بن أبى بكر، حدثني عن ابن شهاب الزهرى، عن عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة بن مسعود، عن عبد اللّه بن عباس، قال: أخبرنى عبد الرحمن‏

____________

..........

552

ابن عوف قال: و كنت فى منزله بمنى أنتظره، و هو عند عمر فى آخر حجة حجها عمر، قال: فرجع عبد الرحمن بن عوف من عند عمر، فوجدنى فى منزله بمنى أنتظره، و كنت أقرئه القرآن، قال ابن عباس، فقال لى عبد الرحمن بن عوف:

لو رأيت رجلا أتى أمير المؤمنين، فقال: يا أمير المؤمنين، هل لك فى فلان يقول: و اللّه لو قد مات عمر بن الخطاب لقد بايعت فلانا، و اللّه ما كانت بيعة أبى بكر إلا فلتة فتمّت. قال: فغضب عمر، فقال: إنى إن شاء اللّه لقائم العشيّة فى الناس، فمحذّرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمرهم، قال عبد الرحمن: فقلت: يا أمير المؤمنين لا تفعل، فإن الموسم يجمع رعاع الناس و غوغاءهم، و إنهم هم الذين يغلبون على قربك، حين تقوم فى الناس، و إنى أخشى أن تقوم فتقول مقالة يطير بها أولئك عنك كلّ مطير، و لا يعوها، و لا يضعوها على مواضعها، فأمهل حتى تقدم المدينة فإنها دار السّنة، و تخلص بأهل الثقة و أشراف الناس فتقول ما قلت بالمدينة متمكّنا، فيعى أهل الفقه مقالتك، و يضعوها على مواضعها، قال: فقال عمر: أما و اللّه إن شاء اللّه لأقومنّ بذلك أوّل مقام أقومه بالمدينة.

[خطبة عمر عند بيعة أبى بكر]

خطبة عمر عند بيعة أبى بكر قال ابن عباس: فقدمنا المدينة فى عقب ذى الحجة، فلما كان يوم الجمعة عجلت الرّواح حين زالت الشمس، فأجد سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل جالسا إلى ركن المنبر فجلست حذوه تمسّ ركبتى ركبته، فلم أنشب أن خرج عمر ابن الخطاب، فلما رأيته مقبلا، قلت لسعيد بن زيد: ليقولنّ العشيّة على هذا

____________

..........

553

المنبر مقالة لم يقلها منذ استخلف؛ قال: فأنكر علىّ سعيد بن زيد ذلك، و قال: ما عسى أن يقول مما لم يقل قبله، فجلس عمر على المنبر، فلما سكت المؤذّنون، قام فأثنى على اللّه بما هو أهل له، ثم قال: أما بعد، فإنى قائل لكم اليوم مقالة قد قدر لى أن أقولها، و لا أدرى لعلها بين يدى أجلى، فمن عقلها و وعاها فليأخذ بها حيث انتهت به راحلته، و من خشى أن لا يعيها فلا يحلّ لأحد أن يكذب علىّ؛ إن اللّه بعث محمدا، و أنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل عليه آية الرجم، فقرأناها و علّمناها و وعيناها، و رجم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و رجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل:

و اللّه ما نجد الرجم فى كتاب اللّه، فيضلوا بترك فريضة أنزلها اللّه، و إن الرجم فى كتاب اللّه حقّ على من زنى إذا أحصن من الرجال و النساء، و إذا قامت البينة، أو كان الحبل أو الاعتراف؛ ثم إنا قد كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب اللّه: لا ترغبوا عن آبائكم فإنّه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم ألا إن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قال: «لا تطرونى كما أطرى عيسى بن مريم، و قولوا: عبد اللّه و رسوله»؛ ثم إنه قد بلغنى أن فلانا قال: و اللّه لو قد مات عمر بن الخطاب لقد بايعت فلانا، فلا يغرّن امرأ أن يقول: إن بيعة أبى بكر كانت فلتة فتمّت، و إنها قد كانت كذلك إلا أن اللّه قد وقى شرّها، و ليس فيكم من تنقطع الأعناق إليه مثل أبى بكر، فمن بايع رجلا عن غير مشورة من المسلمين، فإنه لا بيعة له هو و لا الذي بايعه تغرّة أن يقتلا، إنه كان من خبرنا حين توفى اللّه نبيه (صلى الله عليه و سلم) أن الأنصار خالفونا، فاجتمعوا بأشرافهم فى سقيفة بنى ساعدة، و تخلّف عنّا علىّ بن أبى طالب‏

____________

..........

554

و الزبير بن العوّام و من معهما، و اجتمع المهاجرون إلى أبى بكر، فقلت لأبى بكر: انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار، فانطلقنا نؤمهم حتى لقينا منهم رجلان صالحان، فذكرا لنا ما تمالأ عليه القوم، و قال: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ قلنا: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار، قالا: فلا عليكم أن لا تقربوهم يا معشر المهاجرين، اقضوا أمركم: قال: قلت: و اللّه لنأتينهم.

فانطلقا حتى أتيناهم فى سقيفة بنى ساعدة، فإذا بين ظهرانيهم رجل مزمّل فقلت: من هذا؟ فقالوا: سعد بن عبادة، فقلت: ماله؟ فقالوا: وجع.

فلما جلسنا تشهّد خطيبهم، فأثنى على اللّه بما هو له أهل، ثم قال: أما بعد، فنحن أنصار اللّه و كتيبة الإسلام، و أنتم يا معشر المهاجرين رهط منا، و قد دفّت دافّة من قومكم، قال. و إذا هم يريدون أن يحتازونا من أصلنا، و يغصبونا الأمر، فلما سكت أردت أن أتكلم، و قد زوّرت فى نفسى مقالة قد أعجبتنى، أريد أن أقدمها بين يدى أبى بكر، و كنت أدارى منه بعض الحدّ، فقال أبو بكر: على رسلك يا عمر، فكرهت أن أغضبه، فتكلم، و هو كان أعلم منى و أوقر، فو اللّه ما ترك من كلمة أعجبتنى من تزويرى إلا قالها فى بديهته، أو مثلها أو أفضل، حتى سكت؛ قال: أما ما ذكرتم فيكم من خير، فأنتم له أهل، و لن تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحىّ من قريش، هم أوسط العرب نسبا و دارا؛ و قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين؛ فبايعوا أيهما شئتم، و أخذ بيدى و بيد أبى عبيدة بن الجرّاح، و هو جالس بيننا، و لم أكره شيئا مما قاله غيرها، كان و اللّه أن أقدّم فتضرب عنقى، لا يقرّبنى ذلك إلى إثم، أحبّ إلىّ من أن أتأمّر على قوم فيهم أبو بكر.

____________

..........