الروض الأنف في شرح السيرة النبوية - ج7

- عبد الرحمن السهيلي المزيد...
614 /
555

قال قائل من الأنصار: أنا جذيلها المحكّك و عذيقها المرجّب، منا أمير و منكم أمير يا معشر قريش. قال: فكثر اللغط، و ارتفعت الأصوات، حتى تخوّفت الاختلاف، فقلت: أبسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده، فبايعته، ثم بايعه المهاجرون، ثم بايعه الأنصار، و نزونا على سعد بن عبادة، فقال قائل منهم: قتلتم سعد بن عبادة: قال: فقلت: قتل اللّه سعد بن عبادة.

[تعريف بالرجلين اللذين لقيا أبا بكر و عمر فى طريقهما إلى السقيفة]

تعريف بالرجلين اللذين لقيا أبا بكر و عمر فى طريقهما إلى السقيفة قال ابن إسحاق: قال الزهرى: أخبرنى عروة بن الزبير أن أحد الرجلين اللذين لقوا من الأنصار حين ذهبوا إلى السقيفة عويم بن ساعدة، و الآخر معن بن عدىّ، أخو بنى العجلان. فأما عويم بن ساعدة، فهو الذي بلغنا أنه قيل لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) من الذين قال اللّه عزّ و جلّ لهم: فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَ اللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ‏؟ فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): نعم المرء منهم عويم بن ساعدة؛ و أما معن بن عدىّ، فبلغنا أن الناس بكوا على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) حين توفاه اللّه عزّ و جلّ، و قالوا:

و اللّه لوددنا أنا متنا قبله، إنا نخشى أن نفتتن بعده. قال معن بن عدىّ:

لكنى و اللّه ما أحبّ أنى متّ قبله حتى أصدقه ميتا كما صدّقته حيا؛ فقتل معن يوم اليمامة شهيدا فى خلافة أبى بكر، يوم مسيلمة الكذّاب.

[خطبة عمر قبل أبى بكر عند البيعة العامة]

خطبة عمر قبل أبى بكر عند البيعة العامة قال ابن إسحاق: و حدثني الزهرىّ، قال: حدثني أنس بن مالك، قال:

____________

..........

556

لما بويع أبو بكر فى السقيفة و كان الغد، جلس أبو بكر على المنبر، فقام عمر، فتكلم قبل أبى بكر، فحمد اللّه و أثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أيها الناس، إنى كنت قلت لكم بالأمس مقالة ما كانت مما وجدتها فى كتاب اللّه، و لا كانت عهدا عهد إلىّ رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و لكنى قد كنت أرى أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) سيدبّر أمرنا؛ يقول: يكون آخرنا و إن اللّه قد أبقى فيكم كتابه الذي به هدى اللّه رسوله (صلى الله عليه و سلم)، فإن اعتصمتم به هداكم اللّه لما كان هداه له، و إن اللّه قد جمع أمركم على خيركم، صاحب رسول الله (صلى الله عليه و سلم)، ثانى اثنين إذ هما فى الغار، فقوموا فبايعوه، فبايع الناس أبا بكر بيعة العامة، بعد بيعة السقيفة.

[خطبة أبى بكر]

خطبة أبى بكر فتكلّم أبو بكر، فحمد اللّه، و أثنى عليه بالذى هو أهله، ثم قال:

أما بعد أيها الناس، فإنى قد ولّيت عليكم و لست بخيركم، فإن أحسنت فأعينونى؛ و إن أسأت فقوّمونى، الصدق أمانة، و الكذب خيانة، و الضعيف فيكم قوىّ عندى حتى أريح عليه حقه إن شاء اللّه، و القوىّ فيكم ضعيف عندى حتى آخذ الحقّ منه إن شاء اللّه، لا يدع قوم الجهاد فى سبيل اللّه إلا ضربهم اللّه بالذّلّ، و لا تشيع الفاحشة فى قوم قطّ إلا عمّهم اللّه بالبلاء؛ أطيعونى ما أطعت اللّه و رسوله، فإذا عصيت اللّه و رسوله فلا طاعة لى عليكم. قوموا إلى صلاتكم يرحمكم اللّه.

____________

..........

557

قال ابن إسحاق: و حدثني حسين بن عبد اللّه، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: و اللّه إنى لأمشى مع عمر فى خلافته و هو عامد إلى حاجة له، و فى يده الدّرة و ما معه غيرى، قال: و هو يحدّث نفسه، و يضرب وحشىّ قدمه بدرّته، قال: إذ التفت إلىّ، فقال: يا بن عباس، هل تدرى ما كان حملنى على مقالتى التي قلت حين توفى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)؟ قال:

قلت: لا أدرى يا أمير المؤمنين، أنت أعلم؛ قال: فإنه و اللّه، إن كان الذي حملنى على ذلك إلا أنى كنت أقرأ هذه الآية: وَ كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَ يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً، فو اللّه إن كنت لأظنّ أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) سيبقى فى أمّته حتى يشهد عليها بآخر أعمالها، فإنه للذى حملنى على أن قلت ما قلت.

[جهاز رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و دفنه‏]

جهاز رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و دفنه‏

[من تولى غسل الرسول‏]

من تولى غسل الرسول قال ابن إسحاق: فلما بويع أبو بكر رضى اللّه عنه، أقبل الناس على جهاز رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يوم الثلاثاء، فحدثنى عبد اللّه بن أبى بكر و حسين ابن عبد اللّه و غيرهما من أصحابنا: أن على بن أبى طالب، و العباس بن عبد المطلب، و الفضل بن العباس و قثم بن العباس، و أسامة بن زيد، و شقران مولى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، هم الذين و لوا غسله، و أنّ أوس بن خوليّ، أحد بنى عوف بن الخزرج، قال لعلى بن أبى طالب: أنشدك اللّه‏

____________

..........

558

يا على و حظّنا من رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و كان أوس من أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و أهل بدر، قال: ادخل، فدخل فجلس، و حضر غسل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فأسنده على بن أبى طالب إلى صدره، و كان العباس و الفضل و قثم يقلبونه معه و كان أسامة بن زيد و شقران مولاه، هما اللذان يصبّان الماء عليه، و علىّ يغسّله، قد أسنده إلى صدره، و عليه قميصه يدلكه به من ورائه، لا يفضى بيده إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و على يقول: بأبى أنت و أمى، ما أطيبك حيّا و ميتا! و لم ير من رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) شي‏ء مما يرى من الميت.

[كيف غسل الرسول؟]

كيف غسل الرسول؟

قال ابن إسحاق: و حدثني يحيى بن عبّاد بن عبد اللّه بن الزبير عن أبيه عبّاد، عن عائشة، قالت: لما أرادوا غسل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) اختلفوا فيه. فقالوا: و اللّه ما ندرى، أ نجرّد رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) من من ثيابه كما نجرّد موتانا، أو نغسله و عليه ثيابه؟ قالت: فلما اختلفوا ألقى اللّه عليهم النوم، حتى ما منهم رجل إلا ذقنه فى صدره، ثم كلّمهم مكلّم من ناحية البيت لا يدرون من هو: أن اغسلوا النبيّ و عليه ثيابه، قالت: فقاموا إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فغسّلوه و عليه قميصه، يصبّون الماء فوق القميص، و يدلكونه و القميص دون أيديهم.

[تكفين الرسول‏]

تكفين الرسول قال ابن إسحاق: فلما فرغ من غسل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)

____________

..........

559

كفّن فى ثلاثة أثواب ثوبين صحاريين و برد حبرة، أدرج فيها إدراجا، كما حدثني جعفر بن محمد بن على بن الحسين، عن أبيه، عن جده على بن الحسين و الزهرى، عن على بن الحسين.

[حفر القبر]

حفر القبر قال ابن إسحاق: و حدثني حسين بن عبد اللّه عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما أرادوا أن يحفروا لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و كان أبو عبيدة بن الجرّاح يضرح كحفر أهل مكة، و كان أبو طلحة زيد بن سهل هو الذي يحفر لأهل المدينة، فكان يلحد، فدعا العبّاس رجلين، فقال لأحدهما:

اذهب إلى أبى عبيدة بن الجراح، و للآخر اذهب إلى أبى طلحة. اللهم خر لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فوجد صاحب أبى طلحة أبا طلحة، فجاء به، فلحد لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم).

[دفن الرسول و الصلاة عليه‏]

دفن الرسول و الصلاة عليه فلما فرغ من جهاز رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يوم الثلاثاء، وضع فى سريره فى بيته، و قد كان المسلمون اختلفوا فى دفنه. فقال قائل: ندفنه فى مسجده و قال قائل: بل ندفنه مع أصحابه، فقال أبو بكر: إنى سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يقول: ما قبض نبى إلا دفن حيث يقبض، فرفع فراش رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) الذي توفى عليه، فحفر له تحته، ثم دخل الناس على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يصلّون عليه أرسالا، دخل الرجال، حتى‏

____________

..........

560

إذا فرغوا أدخل النساء، حتى إذا فرغ النساء أدخل الصبيان. و لم يؤم الناس على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أحد.

ثم دفن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) من وسط الليل ليلة الأربعاء.

[دفن الرسول‏]

دفن الرسول قال ابن إسحاق: و حدثني عبد اللّه بن أبى بكر، عن امرأته فاطمة بنت عمارة، عن عمرة بنت عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة، عن عائشة رضى اللّه عنها:

دفن الليل من ليلة الأربعاء.

[من تولى دفن الرسول‏]

من تولى دفن الرسول و كان الذين نزلوا فى قبر رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) على بن أبى طالب، و الفضل بن عبّاس، و قثم بن عباس، و شقران مولى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم).

و قد قال أوس بن خوليّ لعلى بن أبى طالب: يا على، أنشدك اللّه، و حظّنا من رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فقال له: انزل، فنزل مع القوم، و قد كان مولاه شقران حين وضع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فى حفرته و بنى عليه قد أخذ قطيفة، و قد كان رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يلبسها و يفترشها، دفنها فى القبر، و قال: و اللّه لا يلبسها أحد بعدك أبدا.

قال: فدفنت مع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم).

____________

..........

561

[أحدث الناس عهدا بالرسول‏]

أحدث الناس عهدا بالرسول و قد كان المغيرة بن شعبة يدّعى أنه أحدث الناس عهدا برسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يقول: أخذت خاتمى، فألقيته فى القبر، و قلت: إن خاتمى سقط منى، و إنما طرحته عمدا لأمس رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فأكون أحدث الناس عهدا به (صلى الله عليه و سلم).

قال ابن إسحاق: فحدثنى أبى إسحاق بن يسار، عن مقسم، أبى القاسم، مولى عبد اللّه بن الحارث بن نوفل، عن مولاه عبد اللّه بن الحارث، قال: اعتمرت مع على بن أبى طالب (رضوان اللّه عليه) فى زمان عمر أو زمان عثمان، فنزل على أخته أم هانئ بنت أبى طالب، فلما فرغ من عمرته رجع فسكب له غسل، فاغتسل، فلما فرغ من غسله دخل عليه نفر من أهل العراق، فقالوا:

يا أبا حسن، جئنا نسألك عن أمر نحب أن تخبرنا عنه؟ قال: أظنّ المغيرة ابن شعبة يحدّثكم أنه كان أحدث الناس عهدا برسول اللّه (صلى الله عليه و سلم).

قالوا: أجل، عن ذلك جئنا نسألك؛ قال: كذب، قال: أحدث الناس عهدا برسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قثم بن عباس.

[خميصة الرسول‏]

خميصة الرسول قال ابن إسحاق: و حدثني صالح بن كيسان، عن الزهرى، عن عبيد اللّه ابن عبد اللّه بن عتبة، أن عائشة حدثته، قالت: كان على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) خميصة سوداء حين اشتد به وجعه، قالت: فهو يضعها مرة على‏

____________

..........

562

وجهه، و مرّة يكشفها عنه، و يقول: قاتل اللّه قوما اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر من ذلك على أمّته.

قال ابن إسحاق: و حدثني صالح بن كيسان، عن الزهرى، عن عبيد اللّه ابن عبد اللّه بن عتبة، عن عائشة، قالت: كان آخر ما عهد رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أن قال: لا يترك بجزيرة العرب دينان.

[افتتان المسلمين بعد موت الرسول‏]

افتتان المسلمين بعد موت الرسول قال ابن إسحاق: و لما توفّى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) عظمت به مصيبة المسلمين، فكانت عائشة، فيما بلغنى، تقول: لما توفى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ارتدت العرب، و اشرأبت اليهودية و النصرانية، و نجم النفاق، و صار المسلمون كالغنم المطيرة فى الليلة الشّاتية، لفقد نبيهم (صلى الله عليه و سلم)، حتى جمعهم اللّه على أبى بكر.

قال ابن هشام: حدثني أبو عبيدة و غيره من أهل العلم أن أكثر أهل مكة لمّا توفى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) همّوا بالرجوع عن الإسلام، و أرادوا ذلك حتى خافهم عتّاب بن أسيد، فتوارى، فقام سهيل بن عمرو، فحمد اللّه، و أثنى عليه، ثم ذكر وفاة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و قال: إن ذلك لم يزد الإسلام إلا قوّة، فمن رابنا ضربنا عنقه، فتراجع الناس و كفّوا عمّا همّوا به، و ظهر عتّاب بن أسيد.

فهذا المقام الذي أراد رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فى قوله لعمر بن الخطّاب: إنه عسى أن يقوم مقاما لا تذمه.

____________

..........

563

[شعر حسان بن ثابت فى مرثيته الرسول‏]

شعر حسان بن ثابت فى مرثيته الرسول و قال حسان بن ثابت يبكى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فيما حدّثنا ابن هشام، عن أبى زيد الأنصاري:

بطيبة رسم للرّسول و معهد* * * منير و قد تعفو الرّسوم و تهمد

و لا تمتحى الآيات من دار حرمة* * * بها منبر الهادى الذي كان يصعد

و واضح آثار و باقى معالم‏* * * و ربع له فيه مصلّى و مسجد

بها حجرات كان ينزل وسطها* * * من اللّه نور يستضاء و يوقد

معارف لم تطمس على العهد آيها* * * أتاها البلى فالآى منها تجدّد

عرفت بها رسم الرّسول و عهده‏* * * و قبرا بها واراه فى التّرب ملحد

ظللت بها أبكى الرّسول فأسعدت‏* * * عيون و مثلاها من الجفن تسعد

يذكّرن آلاء الرّسول و ما أرى‏* * * لها محصيا نفسى فنفسى تبلّد

مفجّعة قد شفّها فقد أحمد* * * فظلّت لآلاء الرّسول تعدّد

و ما بلغت من كلّ أمر عشيره‏* * * و لكن لنفسى بعد ما قد توجّد

أطالت وقوفا تذرف العين جهدها* * * على طلل القبر الّذي فيه أحمد

فبوركت يا قبر الرّسول و بوركت‏* * * بلاد ثوى فيها الرّشيد المسدّد

و بورك لحد منك ضمّن طيّبا* * * عليه بناء من صفيح منضّد

تهيل عليه التّرب أيد و أعين‏* * * عليه و قد غارت بذلك أسعد

لقد غيّبوا حلما و علما و رحمة* * * عشيّة علّوه الثّرى لا يوسّد

____________

..........

564

و راحوا بحزن ليس فيهم نبيّهم‏* * * و قد وهنت منهم ظهور و أعضد

يبكون من تبكى السّماوات يومه‏* * * و من قد بكته الأرض فالناس أكمد

و هل عدلت يوما رزيّة هالك‏* * * رزيّة يوم مات فيه محمّد

تقطع فيه منزل الوحى عنهم‏* * * و قد كان ذا نور يغور و ينجد

يدلّ على الرّحمن من يقتدى به‏* * * و ينقذ من هول الخزايا و يرشد

إمام لهم يهديهم الحقّ جاهدا* * * معلّم صدق إن يطيعوه يسعدوا

عفوّ عن الزّلات يقبل عذرهم‏* * * و إن يحسنوا فاللّه بالخير أجود

و إن ناب أمر لم يقوموا بحمله‏* * * فمن عنده تيسير ما يتشدّد

فبيناهم فى نعمة اللّه بينهم‏* * * دليل به نهج الطريقة يقصد

عزيز عليه أن يجوروا عن الهدى‏* * * حريص على أن يستقيموا و يهتدوا

عطوف عليهم لا يثنّى جناحه‏* * * إلى كنف يحنو عليهم و يمهد

فبيناهم فى ذلك النّور إذ غدا* * * إلى نورهم سهم من الموت مقصد

فأصبح محمودا إلى اللّه راجعا* * * يبكّيه حقّ المرسلات و يحمد

و أمست بلاد الحرم وحشا بقاعها* * * لغيبة ما كانت من الوحى تعهد

قفارا سوى معمورة اللّحد ضافها* * * فقيد يبكينه بلاط و غرقد

و مسجده فالموحشات لفقده‏* * * خلاء له فيه مقام و مقعد

و بالجمرة الكبرى له ثمّ أو حشت‏* * * ديار و عرصات و ربع و مولد

فبكّى رسول اللّه يا عين عبرة* * * و لا أعرفنك الدّهر دمعك يجمد

و مالك لا تبكين ذا النّعمة التي‏* * * على النّاس منها سابغ يتغمّد

____________

..........

565

فجودى عليه بالدّموع و أعولى‏* * * لفقد الذي لا مثله الدّهر يوجد

و ما فقد الماضون مثل محمّد* * * و لا مثله حتى القيامة يفقد

أعفّ و أوفى ذمّة بعد ذمّة* * * و أقرب منه نائلا لا ينكّد

و أبذل منه للطّريف و تالد* * * إذا ضنّ معطاء بما كان يتلد

و أكرم صيتا فى البيوت إذا انتمى‏* * * و أكرم جدّا أبطحيا يسوّد

و أمنع ذروات و أثبت فى العلا* * * دعائم عزّ شاهقات تشيّد

و أثبت فرعا فى الفروع و منبتا* * * و عودا غذاه المزن فالعود أغيد

رباه وليدا فاستتمّ تمامه‏* * * على أكرم الخيرات ربّ ممجّد

تناهت وصاة المسلمين بكفّه‏* * * فلا العلم محبوس و لا الرأى يفند

أقول و لا يلقى لقولى عائب‏* * * من النّاس إلا عازب العقل مبعد

و ليس هواى نازعا عن ثنائه‏* * * لعلّى به فى جنّة الخلد أخلد

مع المصطفى أرجو بذاك جواره‏* * * و فى نيل ذاك اليوم أسعى و أجهد

و قال حسّان بن ثابت أيضا، يبكى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم):

ما بال عينك لا تنام كأنّما* * * كحلت مآقيها بكحل الأرمد

جزعا على المهدىّ أصبح ثاويا* * * يا خير من وطئ الحصى لا تبعد

وجهى يقيك التّرب لهفى ليتنى‏* * * غيّبت قبلك فى بقيع الغرقد

بأبى و أمى من شهدت وفاته‏* * * فى يوم الاثنين النّبىّ المهتدى‏

فظللت بعد وفاته متبلّدا* * * متلدّدا يا ليتنى لم أولد

____________

..........

566

أ أقيم بعدك بالمدينة بينهم‏* * * يا ليتنى صبّحت سمّ الأسود

أو حلّ أمر اللّه فينا عاجلا* * * فى روحة من يومنا أو من غد

فتقوم ساعتنا فنلقى طيّبا* * * محضا ضرائبه كريم المحتد

يا بكر آمنة المبارك بكرها* * * ولدته محصنة بسعد الأسعد

نورا أضاء على البريّة كلّها* * * من يهد للنّور المبارك يهتدى‏

يا ربّ فاجمعنا معا و نبيّنا* * * فى جنّة تثنى عيون الحسّد

فى جنّة الفردوس فاكتبها لنا* * * يا ذا الجلال و ذا العلا و السّودد

و اللّه أسمع ما بقيت بهالك‏* * * إلا بكيت على النّبىّ محمّد

يا ويح أنصار النّبىّ و رهطه‏* * * بعد المغيّب فى سواء الملحد

ضاقت بالأنصار البلاد فأصبحوا* * * سودا وجوههم كلون الإثمد

و لقد ولدناه و فينا قبره‏* * * و فضول نعمته بنا لم نجحد

و اللّه أكرمنا به و هدى به‏* * * أنصاره فى كل ساعة مشهد

صلّى الإله و من يحفّ بعرشه‏* * * و الطّيّبون على المبارك أحمد

قال ابن إسحاق: و قال حسّان بن ثابت يبكى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم):

نبّ المساكين أنّ الخير فارقهم‏* * * مع النّبىّ تولّى عنهم سحرا

من ذا الذي عنده رحلى و راحلتى‏* * * و رزق أهلى إذا لم يؤنسوا المطرا

أم من نعاتب لا نخشى جنادعه‏* * * إذا اللّسان عتا فى القول أو عثرا

كان الضّياء و كان النّور نتبعه‏* * * بعد الإله و كان السّمع و البصرا

____________

..........

567

فليتنا يوم واروه بملحده‏* * * و غيّبوه و ألقوا فوقه المدرا

لم يترك اللّه منّا بعده أحدا* * * و لم يعش بعده أنثى و لا ذكرا

ذلّت رقاب بنى النّجّار كلّهم‏* * * و كان أمرا من امر اللّه قد قدرا

و اقتسم الفي‏ء دون النّاس كلّهم‏* * * و بدّدوه جهارا بينهم هدرا

و قال حسّان بن ثابت يبكى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أيضا:

آليت ما فى جميع النّاس مجتهدا* * * منّى ألية برّ غير إفناد

تاللّه ما حملت أنثى و لا وضعت‏* * * مثل الرّسول نبى الأمّة الهادى‏

و لأبرأ اللّه خلقا من بريّته‏* * * أوفى بذمّة جار أو بميعاد

من الذي كان فينا يستضاء به‏* * * مبارك الأمر ذا عدل و إرشاد

أمسى نساؤك عطّلن البيوت فما* * * يضربن فوق قفا ستر بأوتاد

مثل الرّواهب يلبسن المباذل قد* * * أيقنّ بالبؤس بعد النّعمة البادى‏

يا أفضل النّاس إنّى كنت فى نهر* * * أصبحت منه كمثل المفرد الصّادى‏

قال ابن هشام: عجز البيت الأوّل عن غير ابن إسحاق.

____________

..........

568

..........

____________

ذكر أزواج النبيّ (عليه السلام) خديجة رضى اللّه عنها:

قد تقدم فى مواضع من هذا الكتاب نبذ كافية من التعريف بهن، و ذكر هاهنا خديجة، و أنها كانت عند أبى هالة، و كانت قبله عند عتيق ابن عائذ (1)، قال ابن أبى خيثمة: ولدت لعتيق عبد مناف، و كان اسم أبى هالة هند بن زرارة بن النّبّاش‏ (2) و قيل: بل أبو هالة هو زرارة، و ابنه هند، مات هند فى طاعون البصرة.

عن عائشة:

و مما نزيده هنا فى ذكر عائشة، أنها كانت تكنى أمّ عبد اللّه، روى ابن الأعرابى فى المعجم حديثا مرفوعا أنها أسقطت جنينا من رسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم)- فسمّى: عبد اللّه، فكانت تكنى به، و هذا الحديث يدور على داود بن المحبر و هو ضعيف، و أصح منه حديث أبى داود أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قال لها: تكنى بابن أختك عبد اللّه بن الزّبير، و يروى‏

____________

(1) و قيل: عابد.

(2) و قيل اسمه: النباش بن زرارة كما جزم أبو عبيد، و قدمه مغلطاى و قيل مالك كما حكاه الزبير بن بكار و الدارقطنى. و صدر به فى الفتح،. هذا و بعضهم يقول إن عتيقا تزوجها بعد أبى هالة. أما ما ذكره السهيلى فهو قول قتادة و ابن شهاب و ابن إسحاق.

569

..........

____________

بابنك عبد اللّه بن الزّبير، لأنها كانت قد استوهبته من أبويه، فكان فى حجرها يدعوها أمّا، ذكره ابن إسحاق و غيره، و أصح ما روى فى فضلها على النساء قوله (عليه السلام): فضل عائشة على النساء كفضل الثّريد على الطعام، و أراد الثريد باللحم، كذا رواه معمر فى جامعه مفسّرا عن قتادة، و أبان يرفعه، فقال فيه كفضل الثريد باللحم، و وجه التفضيل من هذا الحديث أنه قال فى حديث آخر: سيّد إدام الدّنيا و الآخرة اللحم، مع أن الثّريد إذا أطلق لفظه، فهو ثريد اللحم، و أنشد سيبويه:

إذا ما الخبز تأدمه بلحم‏* * * فذك أمانة اللّه الثّريد (1)

خديجة و عائشة و مريم:

و لو لا ما تقدم من الحديث المخصّص لخديجة بالفضل عليها حيث قال: و اللّه ما أبدلنى اللّه خيرا منها، لقلنا بتفضيلها على خديجة، و على نساء العالمين، و كذلك القول فى مريم الصّدّيقة، فإنها عند كثير من العلماء نبيّة نزل عليها جبريل (عليه السلام) بالوحى، و لا يفضّل على الأنبياء غيرهم، و من قال:

لم تكن نبيّة، و جعل قوله تعالى: اصْطَفاكِ عَلى‏ نِساءِ الْعالَمِينَ‏ مخصوصا بعالم زمانها، فمن قوله: إن عائشة و خديجة أفضل منها، و كذلك يقولون فى سائر أزواج رسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم)- إنهن أفضل نساء العالمين،

____________

(1) ص 434 ح 1، 144 ح 2 كتاب سيبويه. و يقال: إن النحويين هم الذين وضعوا هذا البيت:

570

..........

____________

و نزعوا فى تصحيح هذا المذهب بما يطول ذكره و اللّه أعلم، و فى مسند البزار أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قال فى فاطمة هى سيّدة نساء أهل الجنة إلا مريم.

أم سلمة:

و ذكر أم سلمة، و أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أصدقها مجشّة، و هى الزّحى. و منه سمى الجشيش. و ذكر مع المجشّة أشياء لا تعرف قيمتها، منها جفنة و فراش. و فى مسند البزار ذكر قيمتها، قال أنس: أصدقها متاعا قيمته عشرة دراهم، قال البزار: و يروى أربعون درهما.

جويرية و ذكر جويرية بنت الحارث بن أبى ضرار، و كانت قبله عند مسافع ابن صفوان الخزاعىّ‏ (1) و قال: أسلم الحارث، و أسلم ابناه، و لم يسمّهما، و هما الحارث بن الحارث و عمرو بن الحارث، ذكره البخاري.

زينب بنت جحش:

و ذكر زينب بنت جحش، و أن أخاها أبا أحمد هو الذي أنكحها من رسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم)- و هذا خلاف ما ثبت فى الحديث أنها كانت تفخر على صواحبها، و تقول: زوّجكن أهلوكنّ من رسول اللّه صلى اللّه‏

____________

(1) قتل كافرا يوم المريسيع كما جزم به ابن أبى خيثمة و الواقدى.

571

..........

____________

عليه و سلم و زوجنى ربّ العالمين من فوق سبع سماوات‏ (1) و فى حديث آخر أنه لما نزلت الآية زَوَّجْناكَها قام رسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم)- فدخل عليها بغير إذن‏ (2) و لم يذكر ابن إسحاق فى أزواج رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) شراف بنت خليفة أخت دحية بن خليفة الكلبى، و ذكرها غيره، و لم تقم عنده إلا يسيرا حتى ماتت‏ (3) و كذلك العالية (4) بنت ظبيان [بن عمرو بن عوف بن عبد بن أبى بكر بن كلاب‏] ذكرها غيره فى أزواج رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم). و كذلك و سنى بنت الصّلت‏ (5) تزوجها ثم خلّى سبيلها، و يقال فيها: سنا بنت أسماء بنت الصّلت. و منهن أسماء بنت النّعمان بن الجون الكنديّة (6) اتفقوا على تزويج النبيّ (صلى الله عليه و سلم) إيّاها، و اختلفوا، فى سبب فراق النبيّ (صلى الله عليه و سلم) لها. و كذلك قيل فى: شراف بنت‏

____________

(1) أخرجه الترمذى و صححه من حديث أنس.

(2) أخرجه مسلم و أحمد و النسائى، و قد حدث هذا بعد انقضاء عدتها.

(3) و جزم ابن عبد البر. أنها ماتت فى الطريق قبل وصولها إليه.

(4) و يقال: إنه طلقها و قد رواه ابو سعد عن هشام الكلبى عن رجل من بنى بكر. و قد قيل إنه طلقها لأنه رأى بها بياضا، و اللّه أعلم. و الزيادة فى نسبها عن ابن حبيب فى المحبر ص 93.

(5) و قيل: سنى بفتح السين و تخفيف النون، و سماها قتادة أسماء أما ابن حبيب فى المحبر فيقول إنها بنت الصلت بن حبيب بن حارثة بن هلال بن حرام بن سماك ابن عوف السلمى. و يقول: إنها ماتت قبل أن تصل إليه.

(6) و قيل أسماء بنت النعمان بن الأسود بن الحارث بن شراحيل بن كندى ابن الجرن. و بعضهم يجعل اسماء هذه و أسماء بنت كعب الجونية امرأة واحدة.

و لكن ابن حبيب و غيره فرق بينهما.

572

..........

____________

خليفة: إنها هلكت قبل أن يدخل بها، فاللّه أعلم.

و ذكر خولة، و يقال فيها خويلة، ذكرت فيمن تزوجهم النبيّ (عليه السلام)، و يقال: هى التي وهبت نفسها للنبى (عليه السلام)(1).

وفاة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ذكر خروجه (صلى الله عليه و سلم) فى مرضه إلى المسجد، و أن أبا بكر كان الإمام، و أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) كان يأتمّ به، و هذا الحديث مرسل فى السيرة، و المعروف فى الصّحاح أن أبا بكر كان يصلّى بصلاة رسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم)- و الناس يصلّون بصلاة أبى بكر، و لكن قد روى عن أنس من طريق متّصل أن أبا بكر كان الإمام يومئذ، و اختلف فيه عن عائشة رضى اللّه عنها، و روى الدّارقطنيّ من طريق المغيرة بن شعبة أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، قال: ما مات نبى حتى يؤمّه رجل من أمته‏ (2)، و ذكر

____________

(1) و يقال إنها أم شريك القرشية العامرية، و اسمها: غزبة بضم الغين و فتح الزاى و تشديد الياء- بنت جابر بن عوف من بنى عامر بن لؤي. و قيل:

غزية بنت داودان بن عوف. و قيل: هى أم شريك غزية الأنصارية من بنى النجار، و فى الصفوة لابن الجوزى هى أم شريك عزية بنت جابر الدوسية. قال:

و الأكثرون على أنها التي وهبت نفسها له (صلى الله عليه و سلم)، فلم يقبلها لكبر سنها.

و ما ذكره السهيلى هو قول ابن قتيبة فى المعارف. و قيل إن اللاتى وهبن أنفسهن:

أمّ شريك و خولة و ليلى بنت الحطيم و لم يدخل بهن و ميمونة بنت الحارث و زينب بنت خزيمة أم المساكين. و انظر زاد المعاد ص 1- إلى ص 58 ح 1 عن أزواج النبيّ «ص» و كذلك شرح المواهب المدنية ح 3 من ص 216 إلى ص 271.

(2) أخرجه ابن سعد عن محمد بن إبراهيم.

573

..........

____________

أبو عمر هذا الحديث إلا أنه ساقه عن ربيعة بن أبى عبد الرحمن مرسلا، و قد أسنده البزار أيضا من طريق ابن الزّبير عن عمر عن أبى بكر، و فى مراسيل؟؟؟ الحسن البصرى أن رسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم)- مرض عشرة أيام صلى أبو بكر بالناس تسعة أيام منها، ثم خرج رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فى اليوم العاشر منها يهادى بين رجلين أسامة و الفضل بن عباس حتى صلى خلف أبى بكر، رواه الدّارقطنيّ ففى هذا الحديث أنه مرض عشرة أيام، و هو غريب، و فيه أن أحد الرجلين كان أسامة، و المعروف عن ابن عبّاس أنه كان علىّ بن أبى طالب، و فيه صلاته (عليه السلام) خلف أبى بكر.

حديث العباس:

فصل: و ذكر حديث العباس، و أنه قال: لألدّنّه، فلدّوه، و حسبوا أن به ذات الجنب‏ (1)، ففى هذا الحديث أن العباس حضره و لدّه مع من لدّ.

و فى الصحيحين أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قال: لا يبقينّ أحد بالبيت إلا لدّ (2) إلا عمّى العبّاس، فإنه لم يشهدكم، و هذه أصحّ من رواية ابن اسحاق‏

____________

(1) ذر الجنب الذي يشتكى جنبه إلا أن ذو للمذكر، و ذات للمؤنث، و صارت ذات الجنب علما لها، و إن كانت فى الأصل صفة مضافة. و اللدود من الأدوية ما يسقاها المريض فى أحد شقى الفم، و لديدا الفم: جانباه.

ولدوه: فعلوا به ذلك.

(2) يقول ابن الأثير: إنه فعل ذلك عقوبة لهم لأنهم لدوه بعير إذنه.

574

..........

____________

و إنما لدّوه لأنه (عليه السلام) قد قال فى القسط (1): فيه سبعة أشفية يلدّ به من ذات الجنب، و يسعط به من العذرة، و لم يذكر الخمسة. قال ابن شهاب: فنحن نستعمله فى أدويتنا كلّها لعلنا نصيبها، و اللّدود فى جانب الفم من داخله يجعل هناك الدّواء و يحكّ بالإصبع قليلا.

و قوله: فى ذات الجنب: ذاك داء ما كان اللّه ليقذفنى به، و قال فى هذا الحديث من رواية الطبرى له: أنا أكرم على اللّه من أن يقذفنى بها، و فى رواية أخرى: و هى من الشيطان، و ما كان اللّه ليسلّطها علىّ. و هذا يدل على أنها من سيّئ الأسقام التي تعوّذ النبيّ (عليه السلام) منها فى دعائه حيث يقول:

اللهم إنى أعوذ بك من الجنون و الجذام و سيّئ الأسقام، و إن كان صاحبها من الشهداء السّبعة، و لكنه (عليه السلام) قد تعوذ من الغرق و الحرق، مع قوله (عليه السلام): الغريق شهيد، و الحريق شهيد. و قد ذكر أن أسماء بنت عميس هى التي لدّته فاللّه أعلم. و الوجع الذي كان بالنبى (عليه السلام) فلدّ هو الوجع الذي يسمّى خاصرة، و قد جاء ذكره فى كتاب النّذور من الموطّأ، قال فيه: فأصابتنى خاصرة، قالت عائشة: و كثيرا ما كان يصيب رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، الخاصرة. قالت و لا نهتدى لاسم الخاصرة، و نقول: أخذ رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، عرق فى الكلية. و فى مسند الحارث بن أبى أسامة يرفعه إلى النبيّ (عليه السلام)، قال: الخاصرة عرق فى الكلية إذا

____________

(1) القسط: عقار معروف فى الأدوية طيب الريح، يبخر به النساء و الأطفال.

575

..........

____________

تحرك وجع صاحبه دواؤه العسل بالماء المحرق، و هو حديث يرويه عبد الرحيم بن عمرو عن الزّهرى عن عروة، و عبد الرحيم ضعيف مذكور عند المحدثين فى الضعفاء، و لكن قد روت عنه جماعة منهم.

و قول أبى بكر رضى اللّه عنه: هذا يوم بنت خارجة يا رسول اللّه. بنت خارجة اسمها: حبيبة، و قيل ملكية، و خارجة هو ابن زيد بن أبى زهير، و ابن خارجة هو زيد بن خارجة الذي تكلم بعد الموت فيما روى ثقات أهل الحديث لا يختلفون فى ذلك، و ذلك أنه مات فى زمن عثمان، فلما سخى؟؟؟ عليه سمعوا جلجلة فى صدره، ثم تكلم، فقال: أحمد أحمد فى الكتاب الأول صدق صدق، و أبو بكر الصّدّيق الضّعيف فى نفسه القوىّ فى أمر اللّه فى؟؟؟ الكتاب الأوّل، صدق صدق، عمر بن الخطاب، القوىّ الأمين فى الكتاب الأول صدق صدق، عثمان بن عفّان على منهاجهم مضت أربع و بقيت سنتان،، أتت الفتن، و أكل الشديد الضعيف، و قامت الساعة و سيأتيكم عبر بئر أريس، و ما بئر أريس‏ (1). قال سعيد بن المسيّب: ثم هلك رجل من بنى خطمة فسجّى بثوب، فسمعوا جلجلة فى صدره ثم تكلم، فقال: إن أخا بنى الحارث بن الخزرج صدق صدق، و كانت وفاته فى خلافة عثمان رضى اللّه عنه و قد عرض مثل هذه القصة لربيع بن حراش أخى ربعىّ بن حراش، قال:

ربعىّ: مات أخى فسجّيناه، و جلسنا عنده، فبينما نحن كذلك إذ كشف الثوب عن وجهه، ثم قال: السلام عليكم، قلت: سبحان اللّه!! أبعد الموت؟

____________

(1) بئر قريبة من مسجد قباء.

576

..........

____________

قال: إنى لقيت ربّى فتلقانى بروح و ريحان، و ربّ غير غضبان، و كسانى ثيابا خضرا من سندس و إستبرق؛ أسرعوا بى إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)- فإنه قد أقسم أن لا يبرح حتى آتيه و أدركه، و إن الأمر أهون ما تذهبون إليه فلا تغترّوا، ثمّ و اللّه كأنما كانت نفسه حصاة فألقيت فى طست‏ (1).

آخر كلمة تكلم بها (عليه السلام):

فصل: و ذكر أن آخر كلمة تكلم بها (عليه السلام): اللهم الرفيق الأعلى، و هذا منتزع من قوله تبارك و تعالى‏ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَ الصِّدِّيقِينَ‏ إلى قوله سبحانه: وَ حَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً فهذا هو الرفيق الأعلى، و لم يقل الرّفقاء، لما قدمناه فى هذا الكتاب مما حسّن ذلك، مع أن أهل الجنة يدخلونها على قلب رجل واحد، فهذه آخر كلمة تكلم بها (عليه السلام)، و هى تتضمن معنى التوحيد الذي يجب أن يكون آخر كلام المؤمن، لأنه قال: مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ‏ و هم أصحاب الصراط المستقيم، و هم أهل لا إله إلّا اللّه، قال اللّه تعالى‏ اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ‏ ثم بيّن فى الآية المتقدمة من الذين أنعم اللّه عليهم فذكرهم، و هم الرفيق الأعلى الذين ذكرهم رسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم)- حين خبّر فاختار، و بعض الرّواة يقول عن عائشة فى هذا الحديث: فأشار

____________

(1) لا تتصور فى هذه القصة إلا أحد أمرين، فإما أن يكون وراءها هوى ل؟؟؟

الذكاء و إما أن تكون إغماءة عميقة، أفاق بعدها زيد، فقال ما رأى فى غيبوبته و إلا فإن هدى القرآن و السنة فى جانب. و هذيان هذه الأسطورة فى جانب آخر

577

..........

____________

بإصبعه، و قال: فى الرفيق، و فى رواية أخرى أنه قال: اللّهمّ الرفيق‏ (1)، و أشار بالسّبّابة، يريد: التوحيد، فقد دخل بهذه الإشارة فى عموم قوله (عليه السلام): من كان آخر كلامه لا إله إلّا اللّه دخل الجنة، و لا شك أنه (عليه السلام) فى أعلى درجات الجنة، و لو لم يشر، و لكن ذكرنا هذا لئلا يقول القائل: لم لم يكن آخر كلامه: لا إله إلّا اللّه، و أول كلمة تكلم بها رسول اللّه و هو مسترضع عند حليمة أن قال: اللّه أكبر، رأيت ذلك فى بعض كتب الواقدى.

و أما آخر ما أوصى به (عليه السلام) بأن قال: الصلاة و ما ملكت أيمانكم حرّك بها لسانه و ما يكاد يبين، و فى قوله: ملكت أيمانكم قولان: قيل:

أراد الرّفق بالمملوك، و قيل: أراد الزّكاة، لأنها فى القرآن مقرونة بالصّلاة، و هى من ملك اليمين، قاله الخطابى.

و قول عائشة رضى اللّه عنها: فمن سفهى و حداثة سنّى أنه قبض فى حجرى فوضعت رأسه على الوسادة، و قمت ألتدم مع النّساء. الالتدام:

ضرب الخدّ باليد، و لم يدخل هذا فى التحريم، لأن التحريم إنما وقع على الصّراخ و النّوح، و لعنت الخارقة و الحالقة و الصّالقة و هى الرافعة لصوتها،

____________

(1) فى رواية للبخارى قالت عائشة: كانت آخر كلمة تكلم بها: اللهم فى الرفيق الأعلى. و فى أخرى أنها سمعته يقول قبل أن يموت: اللهم اغفر لي و ارحمنى و ألحقنى بالرفيق الأعلى.

578

..........

____________

و لم يذكر اللّدم‏ (1) لكنه، و إن لم يذكره، فإنه مكروه فى حال المصيبة، و تركه أحمد إلا على أحمد (صلى الله عليه و سلم):

فالصّبر يحمد فى المصائب كلّها* * * إلّا عليك فإنه مذموم‏

و قد كان يدعى لابس الصّبر حازما* * * فأصبح يدعى حازما حين يجزع‏ (2)

متى توفى رسول اللّه؟:

و اتفقوا أنه توفّى- (صلى الله عليه و سلم)- يوم الاثنين إلا شيئا ذكره ابن قتيبة فى المعارف: الأربعاء (3)، قالوا كلهم: و فى ربيع الأول، غير أنهم‏

____________

(1) ما نظن أن سيدة فى مثل دين عائشة رضى اللّه عنها و تقواها و أخذها الكتاب بقوة يلدم المصاب عقلها، فيدفعها إلى اقتراف فعل الجاهلية. هذا و قد روى ابن مسعود أن رسول اللّه «ص» قال: «ليس منا من ضرب الخدود و شق الجيوب، و دعا بدعوى الجاهلية» البخاري و مسلم و الترمذى و النسائى و ابن ماجه و هل اللدم إلا اللطم؟ قد تبكى، و تطيل البكاء. أما أن تلطم، و مع النساء؟

و فى بيت قدسته روح النبوة؟ أما هذا، فلا يجوز تصوره و لا قوله.

(2) ذاك شعر ليس بينه و بين هدى السنة رحم. فالصبر محمود فى كل مصيبة.

ترى أ كان صبر أبى بكر على وفاة خليله «ص» كان غير حميد؟ و الجازع لا يمكن أن يسمى حامدا، إنما هو زخرف من القول. و أجمل من هذا قول القائل:

اصبر لكل مصيبة و تجلد* * * و اعلم بأن المرء غير مخلد

و اصبر كما صبر الكرام فإنها* * * نوب تنوب اليوم تكشف فى غد

و إذا أتتك مصيبة تشحى بها* * * فاذكر مصابك بالنبى محمد

(3) قال ابن قتيبة أولا: «قبض اللّه عز و جل رسوله «ص» يوم الاثنين و قرر أن ذلك كان فى الثانى عشر من شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة. ثم قال: «و يقال-

579

..........

____________

قالوا، أو قال أكثرهم فى الثانى عشر من ربيع، و لا يصح أن يكون توفى (صلى الله عليه و سلم) إلا فى الثانى من الشهر أو الثّالث عشر أو الرّابع عشر أو الخامس عشر لإجماع المسلمين على أن وقفة عرفة فى حجة الوداع كانت يوم الجمعة، و هو التاسع من ذى الحجّة، فدخل ذو الحجة يوم الخميس، فكان المحرّم إما الجمعة و إما السبت، فإن كان الجمعة، فقد كان صفر إمّا السبت و إما الأحد، فإن كان السبت، فقد كان ربيع الأحد أو الاثنين، و كيفا دارت الحال على هذا الحساب، فلم يكن الثانى عشر من ربيع يوم الاثنين بوجه، و لا الأربعاء أيضا (1) كما قال القتبىّ، و ذكر الطبرى عن ابن الكلبى و أبى مخنف أنه توفى فى الثانى من ربيع الأول‏ (2)، و هذا القول و إن كان خلاف أهل الجمهور فإنه لا يبعد أن كانت الثلاثة الأشهر التي قبله كلها من تسعة و عشرين، فتدبره، فإنه صحيح، و لم أر أحدا تفطّن له، و قد رأيت للخوارزمى أنه توفى (عليه السلام) فى أول يوم من ربيع الأول، و هذا أقرب فى القياس بما ذكر الطبرى عن ابن الكلبى و أبى مخنف.

____________

- إنه ولد يوم الاثنين، و بعث يوم الاثنين و دخل المدينة يوم الاثنين، و قبض «ص» يوم الاثنين، و دفن ليلة الأربعاء فى حجرة عائشة، و فيها قبض» ص 55 المعارف.

(1) يذكر فى المعارف أنه دفن يوم الأربعاء، أما الوفاة فذكّر انها كانت يوم الاثنين فليس ثمت خلاف. و يصحح الحاكم أنه دفن يوم الاثنين عند الزوال.

أما ابن عبد البر فيقول: أكثر الآثار على أنه دفن يوم الثلاثاء.

(2) و قد صححه ابن حزم و غيره.

580

..........

____________

السواك:

فصل: و ذكر عن عائشة رضى اللّه عنها أنها ناولته السّواك حين رأته ينظر إليه، فاستاك به‏ (1)، و فيه من الفقه: التنظّف و التّطهّر للموت، و لذلك يستحب الاستحداد لمن استشعر القتل أو الموت كما فعل خبيب، لأن الميت فادم على ربّه، كما أن المصلى مناج لربّه، فالنظافة من شأنهما، و فى الحديث: إن اللّه نظيف يحبّ النظافة، خرّجه التّرمذىّ، و إن كان معلول السّند، فإن معناه صحيح، و ليس النظيف من أسماء الربّ، و لكنه حسن فى هذا الحديث، لازدواج الكلام، و لقرب معنى النّظافة من معنى القدس، و من أسمائه سبحانه: القدّوس، و كان السّواك المذكور فى هذا الحديث من عسيب نخل فيما روى بعضهم، و العرب تستاك بالعسيب‏ (2)، و كان أحبّ السّواك إلى رسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم)- صرع الأراك، واحدها صريع و هو قضيب ينطوى من الأراكة حتى يبلغ التراب، فيبقى فى ظلّها فهو ألين من فرعها.

و مما روى من قول عائشة- رضى اللّه عنها- فى معنى قولها: بين سحرى و نحرى، أنها قالت: قبض رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بين حاقنتى‏

____________

(1) كان سواك عبد الرحمن بن أبى بكر كما ورد فى البخاري. و كان السواك من جريدة رطبة. تقول عائشة: «إن من نعم اللّه تعالى على أن اللّه جمع بين ريقى و ريقه عند موته. دخل على عبد الرحمن، و بيده سواك رأنا مسندة رسول اللّه» الخ الحديث.

(2) سبق الكلام عن السواك كما ورد فى البخاري.

581

..........

____________

و داقنتى، فالحاقنة الثّغرة (1)، و الذّاقنة: تحت الذّقن، و يقال لها: النونة أيضا. و روى أيضا: بين شجرى- بالشين و الجيم- و نحرى، و سئل عمارة بن عقيل عن معناه، فشبّك بين أصابع يديه، و ضمها إلى نحره.

و غسّل (عليه السلام) حين قهض من بئر لسعد بن خيثمة يقال لها بئر الغرس.

كرامات و معجزات:

فصل: و ذكر أنهم كلّموا حين أرادوا نزع قميصه للغسل، و كلهم سمع الصوت، و لم ير الشخص، و ذلك من كراماته (صلى الله عليه و سلم)(2)، و من آيات نبوّته بعد الموت، فقد كان له (عليه السلام) كرامات و معجزات‏ (3) فى حياته، و قبل مولده و بعد موته. و منها ما رواه أبو عمر (رحمه اللّه) فى التمهيد من طرق صحاح: أن أهل بيته سمعوا و هو مسجّى بينهم قائلا يقول:

السلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته يا أهل البيت إن فى اللّه عوضا من كل تالف، و خلفا من كل هالك، و عزاء من كل مصيبة، فاصبروا و احتسبوا، إن الله مع الصابرين، و هو حسبنا، و نعم الوكيل. قال: فكانوا يرون أنه الخضر صلى الله على نبينا و عليه‏ (4) و من ذلك أيضا أن الفضل بن عباس كان يغسّله‏

____________

(1) أو هى كما عرفها ابن الأثير: لوهدة المنخفضة بين الترقوتين من الحلق.

(2) الرواية تقول. إن اللّه ألقى عليهم النوم حتى ما منهم رجل إلا ذقنه فى صدره.

فهى إذا رؤبا و قد رواه أبو داود و الحاكم و البيهقي.

(3) قلت من قبل: لنسم ما من به اللّه على رسله تأييدا لهم: آيات.

(4) و صاحب موسى هذا قد مات من قبل بمئات السنين.

582

..........

____________

هو و علىّ، فجعل الفضل و هو يصبّ الماء يقول: أرحنى أرحنى، فإنى أجد شيئا يتنزّل على ظهرى. و منها أنه (عليه السلام) لم يظهر منه شي‏ء مما يظهر من الموتى، و لا تغيرت له رائحة، و قد طال مكثه فى البيت قبل أن يدفن، و كان موته فى شهر أيلول، فكان طيّبا حيّا و ميّتا، و إن كان عمه العباس قد قال لعلى: إن ابن أخى مات لا شكّ، و هو من بنى آدم يأسن كما يأسنون‏ (1)، فواروه. و كان مما زاد العباس يقينا بموته (عليه السلام) أنه كان قد رأى قبل ذلك بيسير كأنّ القمر رفع من الأرض إلى السماء بأشطان، فقصّها على نبىّ اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فقال له: هو ابن أخيك. و روى يونس بن بكير فى السيرة أن أم سلمة قالت: وضعت يدى على صدر رسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم)- و هو ميّت فمرّت علىّ جمع لا آكل و لا أتوضّأ إلا وجدت ريح المسك من يدى، و فى روايته أيضا: أن عليّا نودى، و هو يغسّله أن ارفع طرفك إلى السماء. و فيها أيضا أن عليّا و الفضل حين انتهيا فى الغسل إلى أسفله سمعوا مناديا يقول: لا تكشفوا عورة نبيّكم (عليه السلام).

موازنة بين عمر و بين أبي بكر:

و أما جزع عمر رضى اللّه عنه و قوله: و اللّه ما مات رسول اللّه صلى اللّه عليه‏

____________

(1) لا ريب فى أن العباس صدر فى كلمته هذه عن يقين الإيمان ببشرية محمد (صلى الله عليه و سلم)، و أنه خاتم النبيين، و أن عظمته تتجلى فيما صدر عنه فى حياته لا فيما ينسب إلى هذا الجسد المسجى و ليس فيما روى هنا حديث عند أصحاب الصحيح.

583

..........

____________

و سلم، و ليرجعنّ كما رجع موسى (عليه السلام)، حتى كلّمه أبو بكر (رحمه اللّه) و ذكّره بالآية، فعقر حتى سقط إلى الأرض، و ما كان من ثبات جأش أبى بكر و قوته فى ذلك المقام‏ (1)، ففيه ما كان عليه الصّدّيق رضى اللّه عنه من؟؟؟ التّألّه، و تعلّق القلب بالإله، و لذلك قال لهم: من كان يعبد محمدا، فإن محمدا قد مات، و من كان يعبد اللّه، فإن اللّه حىّ لا يموت. و من قوّة تألّهه- رضى اللّه عنه- حين أجمع أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) على ردّ جيش أسامة حين رأوا الرّدّة قد استعرت نارها، و خافوا على نساء المدينة و ذراريها، فقال: و اللّه لو لعبت الكلاب بخلاخيل نساء المدينة، ما رددت جيشا أنفذه رسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم)- و كلّمه عمر و أبو عبيدة، و سالم مولى أبى حذيفة، و كان أشدّ شي‏ء عليه أن يخالف رأيه رأى سالم، فكلموه أن يدع للعرب زكاة ذلك العام تألّفا لهم حتى يتمكن له الأمر، فقد كان رسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم)- يتألّفهم، و كلمه عمر أن يولّى مكان أسامة من هو أسنّ منه، و أجلد، فأخذ بلحية عمر، و قال له: يا ابن الخطّاب أ تأمرني أن أكون أول حالّ عقدا عقده رسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم)- و اللّه لأن أخرّ من السماء إلى الأرض، فتخطفنى الطير أحبّ إلىّ من أن‏

____________

(1) ما أجمل ما عبرت به عائشة عن موقفيهما حين قالت- كما ورد فى البخاري- «فما كانت من خطبتهما من خطبة إلا نفع اللّه بها، لقد خوف عمر الناس، و إن فيهم لنفاقا، فردهم اللّه بذلك، ثم لقد بصر أبو بكر الناس الهدى، و عرفهم الحق الذي عليهم».

584

..........

____________

أمالئكم على هذا الرأى، و قال لهم: و اللّه لو أفردت من جميعكم لقاتلتهم وحدى حتى تنفرد سالفتى، و لو منعونى عقالا، لجاهدتهم عليه، أو فى شكّ أنتم، إنّ وعد اللّه لحقّ. و إن قوله لصدق، و ليظهرنّ اللّه هذا الدين، و لو كره المشركون. ثم خرج وحده إلى ذى القصّة (1) حتى اتبعوه، و سمع الصوت بين يديه فى كل قبيلة ألا إن الخليفة قد توجّه إليكم الهرب الهرب، حتى اتصل الصوت من يومه ببلاد حمير، و كذلك فى أكثر أحواله رضى اللّه عنه، كان يلوح الفرق فى التّألّه بينه و بين عمر رضى اللّه عنهما، أ لا ترى إلى قوله حين قال النبيّ (صلى الله عليه و سلم): سمعتك و أنت تخفض من صوتك يعنى فى صلاة الليل، فقال: قد أسمعت من ناحجيت، و قال: للفاروق: سمعتك و أنت ترفع من صوتك، فقال: كى أطرد الشّيطان، و أوقظ الوسنان. قال عبد الكريم ابن هوازن القشيرى‏ (2)، و ذكر هذا الحديث: انظروا إلى فضل الصّدّيق على الفاروق، هذا فى مقام المجاهدة، و هذا فى بساط المشاهدة، و كذلك ما كان منه يوم بدر، و قد ذكرنا مقالته للنبى (عليه السلام) ذلك اليوم، و هو معه فى العريش، و كذلك فى أمر الصّدقة حين رغب رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)- فيها، فجاء عمر بنصف ماله، و جاء الصّدّيق بجميع ماله، فقال له النبيّ (عليه السلام): ما أبقيت لأهلك؟ قال: اللّه و رسوله، و كذلك فعله فى قسم الفي‏ء حين سوّى بين المسلمين، و قال: هم إخوة، أبوهم الإسلام، فهم فى هذا

____________

(1) مكان على يريد من المدينة. و هناك غيره، فانظر المشترك وضعا لياقوت.

(2) هو صاحب الرسالة القشيرية التي دس فيها من التصوف نزغات صارفة من الحق.

585

..........

____________

الفي‏ء أسوة، و أجور أهل السّوابق على اللّه. و فضل عمر فى قسم الفي‏ء بعضهم على بعض على حسب سوابقهم، ثم قال فى آخر عمره: لئن بقيت إلى قابل لأسوّينّ بين الناس، و أراد الرجوع إلى رأى أبى بكر، ذكره أبو عبيد رضى اللّه عنه، و عن جميع أصحاب رسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم)-

ما حدث للصحابة عقب وفاته (صلى الله عليه و سلم):

و من ذلك ما روى عن عائشة رضى اللّه عنها و غيرها من الصحابة أن النبيّ (صلى الله عليه و سلم) لما قبض، و ارتفعت الرنّة و سجّى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) الملائكة، دهش الناس، و طاشت عقولهم و أفحموا، و اختلطوا، فمنهم من خبل، و منهم من أصمت، و منهم من أقعد إلى أرض، فكان عمر ممن خبل و جعل يصيح، و يحلف: ما مات رسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم)- و كان ممّن أخرس عثمان بن عفّان حتى جعل يذهب به و يجاء، و لا يستطيع كلاما، و كان ممن أقعد: علىّ، رضى اللّه عنه، فلم يستطع حراكا، و أما عبد اللّه بن أنيس، فأضنى حتى مات كمدا، و بلغ الخبر أبا بكر رضى اللّه عنه، و هو بالسّنح‏ (1)، فجاء و عيناه نهملان، و زفراته نتردّد فى صدره، و غصصه ترتفع كقطع الجرّة، و هو فى ذلك (رضوان اللّه عليه)، جلد العقل و المقالة، حتى دخل على رسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم)- فأكبّ عليه، و كشف وجهه و مسحه و قبّل جبينه، و جعل يبكى، و يقول: بأبى‏

____________

(1) ضبطها البكرى بصم النون و غيره بسكونها.

586

..........

____________

أنت و أمّى طبت حيّا و ميّتا، و انقطع لموتك ما لم ينقطع لموت أحد من الأنبياء من النّبوّة، فعظمت عن الصّفة، و جللت عن البكاء، و خصصت حتى صرت مسلاة، و عممت حتى صرنا فيك سواء، و لو أن موتك كان اختيارا لجدنا لموتك بالنفوس، و لو لا أنك نهيت عن البكاء لأنفدنا عليك ماء الشئون، فأما ما لا نستطيع نفيه فكمد و إدناف يتحالفان لا يبرحان، اللهم أبلغه عنا، اذكرنا يا محمّد عند ربّك، و لنكن من بالك‏ (1)، فلو لا ما خلّفت من السّكينة، لم نقم لما خلّفت من الوحشة، اللهم أبلغ نبيّك عنّا، و احفظه فينا، ثم خرج لما قضى الناس غمراتهم، و قام خطيبا فيهم بخطبة جلّها الصّلاة على النبيّ محمد- (صلى الله عليه و سلم)- و قال فيها: اشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له، و أشهد أن محمدا عبده و رسوله و خاتم أنبيائه، و أشهد أن الكتاب كما نزل، و أن الدين كما شرع، و أن الحديث كما حدّث، و أن القول كما قال، و أن اللّه هو الحقّ المبين، فى كلام طويل، ثم قال: أيها الناس من كان يعبد محمدا، فإن محمدا قد مات، و من كان يعبد اللّه فإن اللّه حىّ لم يمت، و أن اللّه قد تقدم لكم فى أمره، فلا تدعوه جزعا، و أن اللّه تبارك و تعالى قد اختار لنبيه (عليه السلام) ما عنده على ما عندكم، و قبضه إلى ثوابه، و خلّف فيكم كتابه و سنّة نبيه، فمن أخذ بهما عرف، و من فرق بينهما أنكر: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ و لا يشغلنّكم الشيطان بموت نبيّكم و لا يلفتنّكم عن دينكم، و عاجلوا

____________

(1) لا يقول هذه أبو بكر.

587

..........

____________

الشيطان بالخزى تعجزوه، و لا تستنظروه فيلحق بكم. فلما فرغ من خطبته، قال: يا عمر أ أنت الذي بلغنى عنك أنك تقول على باب نبىّ اللّه، و الذي نفس عمر بيده: ما مات نبىّ اللّه، أ ما علمت أن رسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم)- قال يوم كذا: كذا، و كذا، و قال اللّه عزّ و جلّ فى كتابه:

إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ‏ فقال عمر: و اللّه لكأنّى لم أسمع بها فى كتاب اللّه تعالى قبل الآن لما نزل بنا، أشهد أنّ الكتاب كما نزل، و أن الحديث كما حدّث، و أن اللّه تبارك و تعالى حىّ لا يموت‏ إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ‏ صلوات اللّه على رسوله، و عند اللّه نحتسب رسوله. و قال عمر فيما كان منه:

لعمرى لقد أيقنت أنك ميّت‏* * * و لكنما أبدى الذي قلته الجزع‏ (1)

و قلت يغيب الوحى عنا لفقده‏* * * كما غاب موسى، ثم يرجع كما رجع‏

و كان هواى أن تطول حياته‏* * * و ليس لحىّ فى بقا ميّت طمع‏

فلما كشفنا البرد عن حرّ وجهه‏* * * إذا الأمر بالجزع الموهب قد وقع‏

فلم تك لى عند المصيبة حيلة* * * أردّ بها أهل الشّماتة و القذع‏

سوى آذن اللّه فى كتابه‏* * * و ما آذن اللّه العباد به يقع‏

و قد قلت من بعد المقالة قولة* * * لها فى حلوق الشّامتين به بشع‏

ألا إنما كان النبيّ محمد* * * إلى أجل وافى به الوقت فانقطع‏

ندين على العلّات منا بدينه‏* * * و نعطى الذي أعطى، و نمنع ما منع‏

____________

(1) جزم بدون سبب. و ليس فى الشعر رائحة من عمر.

588

..........

____________

و وليت محزونا بعين سخينة* * * أكفكف دمعى و الفؤاد قد انصدع‏

و قلت لعينى: كلّ دمع ذخرته‏* * * فجودى به إن الشّجىّ له دفع‏

و فى هذا الخبر أنّ عمر قال: فعقرت إلى الأرض، يعنى حين قال له أبو بكر ما قال، يقال: عقر الرجل إذا سقط إلى الأرض من قامته، و حكاه يعقوب عفر بالفاء كأنه من العفر و هو التراب، و صوّب ابن كيسان الروايتين، و قالت عائشة- رضى اللّه عنها توفى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم):

فلو نزل بالجبال الصّمّ ما نزل بأبى لهاضها، ارتدّت العرب و اشرأبّ النّفاق، فما اختلفوا فى نقطة إلا طار أبى بحظّها و غنائها، و يروى فى بقطة بالباء، قاله الهروىّ فى الغرببين، و فسره باللمعة (1)، و نحوها، و استشهد بالحديث فى النّهى عن بقط الأرض، و هو أن يقطع شجرها فتتخذ بقعا للزرع، و بقطها ضرب من المخابرة قد فسره.

كيف صلى على جنازته (عليه السلام)؟

ذكر ابن إسحاق و غيره أن المسلمين صلّوا عليه أفذاذا، لا يؤمّهم أحد، كلما جاءت طائفة صلّت عليه، و هذا خصوص به (صلى الله عليه و سلم)، و لا يكون هذا الفعل إلّا عن توقيف‏ (2)، و كذلك روى أنه أوصى بذلك،

____________

(1) فى اللسان: البقطة: البقعة من بقاع الأرض أو الفرقة من الناس.

(2) حديث ابن إسحاق رواه البيهقي و ابن ماجة. و يقول الحافظ فى الفتح، إسناده ضعيف لأنه من حديث حسين بن عبد اللّه بن ضميرة .. و عن أبى عسيب-

589

..........

____________

ذكره الطّبرىّ مسندا، و وجه الفقه فيه أن اللّه تبارك و تعالى افترض الصلاة عليه بقوله: صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً و حكم هذه الصلاة التي تضمنتها الآية ألّا تكون بإمام، و الصلاة عليه عند موته داخلة فى لفظ الآية، و هى متناولة لها، و للصلاة عليه على كل حال، و أيضا فإن الرب تبارك و تعالى، قد أخبر أنه يصلّى عليه و ملائكته، فإذا كان الربّ تعالى هو المصلّى و الملائكة قبل المؤمنين، وجب أن تكون صلاة المؤمنين تبعا لصلاة الملائكة، و أن تكون الملائكة هم الإمام، و الحديث الذي ذكرته عن الطّبرى فيه طول، و قد رواه البزّار أيضا من طريق مرّة عن ابن مسعود، و فيه أنه حين جمع أهله فى بيت عائشة- رضى اللّه عنها- أنهم قالوا: فمن يصلّى عليك يا رسول اللّه؟

____________

- عند أحمد أنه شهد الصلاة على رسول اللّه «ص» فقال: كيف نصلى عليك؟ قال: ادخلوا أرسالا، و عن جابر و ابن عباس أيضا عند الطبرانى، و فى إسناده عبد المنعم ابن إدريس و هو كذاب، و قد قال البزار: إنه موضوع. و عن ابن مسعود عند الحاكم بسند واه. و عن نبيط بن شريط عند البيهقي و ذكره مالك بلاغا و فى الحديث أن الصلاة كانت عليه فرادى، الرجال، ثم النساء، ثم الصبيان.

قال ابن عبد البر: و صلاة الناس عليه أفرادا مجمع عليه عند أهل السير، و جماعة أهل النقل لا يختلفون فيه، و تعقبه ابن دحية بأن ابن القصار حكى الخلاف فيه، هل صلوا عليه الصلاة المعهودة أو دعوا فقط، و هل صلوا فرادى أو جماعة ..

قال ابن دحية: و الصحيح أن المسلمين صلوا عليه أفرادا لا يؤمهم أحد. و به جزم الشافعى، قال: و ذلك لعظم رسول اللّه «ص» بأبى هو و أمى، و تنافسهم فى ألا يتولى الإمامة عليه فى الصلاة واحد. قال ابن دحية: كان المصلون عليه ثلاثون ألفا. أنظر نيل الأوطار ص 41 ح 4 ط 1357 ه و الخصائص للسيوطى ص 294 ط دار الكتب الحديثة بتحقيق الأستاذ محمد خيل هراس.

590

..........

____________

قال: فهلّا غفر اللّه لكم و جزاكم عن نبيّكم خيرا، فبكينا و بكى النبيّ- (صلى الله عليه و سلم)- فقال: إذا غسّلتمونى، و كفّنتمونى، فضعونى على سريرى فى بيتى هذا على شفير قبرى، ثم اخرجوا عنى ساعة، فإن أول من يصلّى علىّ جليسى و خليلى جبريل، ثم ميكائيل، ثم إسرافيل، ثم ملك الموت مع جنوده، ثم الملائكة بأجمعها، ثم ادخلوا علىّ فوجا بعد فوج، فصلّوا علىّ و سلّموا، تسليما، و لا تؤذونى بتزكية، و لا ضجّة، و لا رنّة، و ليبدأ بالصلاة علىّ رجال بيتى ثم نساؤهم، و أنتم بعد اقرءوا أنفسكم السّلام منى، و من غاب من أصحابى فأقرءوه منى السّلام، و من تابعكم بعدى على دينى، فأقرءوه منى السلام، فإنى أشهدكم أنى قد سلّمت على من تابعنى على دينى من اليوم إلى يوم القيامة، قلت: فمن يدخلك قبرك يا رسول اللّه؟ قال: أهلى مع ملائكة كثير يرونكم من حيث لا ترونهم‏ (1).

موته (عليه السلام) كان خطبا كالحا:

فصل: و كان موته (عليه السلام) خطبا كالحا، و رزأ لأهل الإسلام فادحا، كادت تهدّ له الجبال، و ترجف الأرض، و تكسف النّيّرات، لانقطاع خبر السماء، و فقد من لا عوض منه، مع ما آذن به موته- (عليه السلام)- من الفتن السّحم، و الحوادث الوهم، و الكرب المدلهمّة، و الهزاهز

____________

(1) لا أدرى كيف يعتمد على مثل هذا الحديث الذي لم يخرجه أحد من أصحاب الصحيح و الذي طعن فيه نقدة الحديث؟

591

..........

____________

المضلعة، فلو لا ما أنزل اللّه تبارك و تعالى من السّكينة على المؤمنين، و أسرج فى قلوبهم من نور اليقين، و شرح له صدورهم من فهم كتابه المبين لانقصمت الظهور، و ضاقت عن الكرب الصدور، و لعاقهم الجزع عن تدبير الأمور، فقد كان الشيطان أطلع إليهم رأسه، و مد إلى إغوائهم مطامعه، فأوقد نار الشّنئان، و نصب راية الخلاف، و لكن أبى اللّه تبارك و تعالى إلا أن يتمّ نوره، و يعلى كلمته، و ينجز موعوده، فأطفأ نار الرّدّة، و حسم قادة الخلاف و الفتنة على يد الصّدّيق رضى اللّه عنه، و لذلك قال أبو هريرة:

لو لا أبو بكر لهلكت أمة محمد (عليه السلام) بعد نبيّها، و لقد كان من قدم المدينة يومئذ من الناس إذا أشرفوا عليها سمعوا لأهلها ضجيجا، و للبكاء فى جميع أرجائها عجيجا، حتى صحلت الحلوق، و نزفت الدموع، و حق لهم ذلك، و ان بعدهم، كما روى عن أبى ذؤيب الهذلىّ، و اسمه: خويلد بن خالد، و قيل ابن محرّث‏ (1) قال: بلغنا أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) عليل فاستشعرت حزنا و بتّ بأطول ليلة لا ينجاب ديجورها، و لا يطلع نورها، فظللت أقاسى طولها، حتى إذا كان قرب السّحر أغفيت، فهتف بى هاتف، و هو يقول:

خطب أجلّ أناخ بالإسلام‏* * * بين النّخيل و معقد الآطام‏

قبض النبيّ محمد فعيوننا* * * تذرى الدّموع عليه بالتّسجام‏

____________

(1) هو شاعر جاهلى إسلامى مات أيام عثمان، و عامة شعره فى إسلامه، و حضر سقيفة بنى ساعدة.

592

..........

____________

قال أبو ذؤيب: فوثبت من نومى فزعا، فنظرت إلى السماء، فلم أر إلا سعد؟؟؟ الذّابح، فتفاءلت به ذبحا يقع فى العرب، و علمت أن النبيّ- (صلى الله عليه و سلم)- قد قبض، و هو ميت من علّته، فركبت ناقتى و سرت، فلما أصبحت طلبت شيئا أزجر به، فعنّ لى شيهم، يعنى: القنفذ قد قبض على صلّ، يعنى: الحيّة، فهى تلتوى عليه، و الشّيهم يقضمها حتى أكلها، فزجرت ذلك، و قلت: شيهم شي‏ء مهمّ، و التواء الصّلّ التواء الناس عن الحق على النائم بعد النبيّ (صلى الله عليه و سلم)، ثم أكل الشّيهم إيّاها غلبة القائم بعده على الأمر. فحثثت ناقتى، حتى إذا كنت بالغابة زجرت الطائر فأخبرنى بوفاته، و نعب غراب سانح فنطق مثل ذلك، فتعوّذت باللّه من شرّ ما عنّ لى فى طريقى، و قدمت المدينة و لها ضجيج بالبكاء كضجيج الحجيج، إذا أهلّوا بالإحرام، فقلت: مه؟ فقالوا: قبض رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فجئت المسجد فوجدته خاليا، فأتيت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فأصبت بابه مرتجا، و قيل هو مسجّى قد خلا به أهله، فقلت: أين الناس؟ فقيل:

فى سقيفة بنى ساعدة، صاروا إلى الأنصار، فجئت إلى السقيفة فأصبت أبا بكر و عمر و أبا عبيدة بن الجرّاح و سالما و جماعة من قريش، و رأيت الأنصار فيهم سعد بن عبادة، و فيهم شعراؤهم حسان بن ثابت و كعب بن مالك و ملأ منهم، فآويت إلى قريش، و تكلمت الأنصار، فأطالوا الخطاب و أكثروا الصّواب و تكلم أبو بكر رضى اللّه عنه، فللّه درّه من رجل لا يطيل الكلام و يعلم مواضع فصل الخطاب، و اللّه لقد تكلم بكلام لا يسمعه سامع إلّا انقاد له، و مال إليه، ثم تكلم عمر، رضى اللّه عنه، بعده دون كلامه، و مدّ يده،

593

..........

____________

فبايعه و بايعوه، و رجع أبو بكر، و رجعت معه. قال أبو ذؤيب: فشهدت الصّلاة على محمّد (صلى الله عليه و سلم)، و شهدت دفنه، ثم أنشد أبو ذؤيب يبكى النبيّ (صلى الله عليه و سلم):

لما رأيت الناس فى عسلانهم‏* * * من بين ملحود له و مضرّح‏

متبادرين لشرجع بأكفّهم‏* * * نصّ الرّقاب لفقد أبيض أروح‏

فهناك صرت إلى الهموم، و من يبت‏* * * جار الهموم يبيت غير مروّح‏

كسفت لمصرعه النجوم و بدرها* * * و تزعزعت آطام بطن الأبطح‏

و تزعزعت أجبال يثرب كلّها* * * و نخيلها لحلول خطب مفدح‏

و لقد زجرت الطير قبل وفاته‏* * * بمصابه، و زجرت سعد الأذبح‏

و قال أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب يبكى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم):

أرقت فبات ليلى لا يزول‏* * * دليل أخى المصيبة فيه طول‏

و أسعدنى البكاء و ذاك فيما* * * أصيب المسلمون به قليل‏

لقد عظمت مصيبتنا و جلّت‏* * * عشيّة قيل: قد قبض الرسول‏

و أضحت أرضنا مما عراها* * * تكاد بنا جوانبها تميل‏

فقدنا الوحى و التنزيل فينا* * * يروح به و يغدو جبرئيل‏

و ذاك أحقّ ما سألت عليه‏* * * نفوس الناس أو كربت تسيل‏

نبىّ كان يجلو الشّكّ عنا* * * بما يوحى إليه و ما يقول‏

594

..........

____________

و يهدينا فلا نخشى ضلالا* * * علينا و الرسول لنا دليل‏

أ فاطم إن جزعت فذاك عذر* * * و إن لم تجزعى، ذاك السّبيل‏

فقبر أبيك سيّد كلّ قبر* * * و فيه سيّد الناس الرّسول‏

و لما توفى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و دفن و رجع المهاجرون و الأنصار لى رحالهم و رجعت فاطمة إلى بيتها اجتمع إليها نساؤها، فقالت:

اغبرّ آفاق السماء و كوّرت‏* * * شمس النهار و أظلم العصران‏

فالأرض من بعد النبيّ كئيبة* * * أسفا عليه كثيرة الرّجفان‏

فليبكه شرق البلاد و غربها* * * و لتبكه مضر و كلّ يمان‏

و ليبكه الطّود المعظم جوّه‏* * * و البيت ذو الأستار و الأركان‏

يا خاتم الرّسل المبارك ضوؤه‏* * * صلّى عليك منزّل القرآن‏

[نفسى فداؤك ما لرأسك ماثلا* * * ما وسّدوك و سادة الوسنان‏]

595

..........

____________

الاختلاف في كفنه:

فصل: و أما الاختلاف فى كفنه (عليه السلام) كم ثوبا كان، و فى الذين أدخلوه قبره و نزلوا فيه، فكثير، و أصحّ ما روى فى كفنه أنه كفّن فى ثلاثة أثواب بيض سحوليّة (1)، و كانت تلك الأثواب من كرسف‏ (2)، و كذلك قميصه (عليه السلام) كان من قطن، و وقع فى السيرة من غير رواية البكّائى أنها كانت إزارا و رداء، و لفافة، و هو موجود فى كتب الحديث و فى الشّروحات، و كانت اللّبن التي نضّدت عليه فى قبره تسع لبنات.

و ذكر ابن إسحاق فيمن ألحده شقران مولاه، و اسمه: صالح، و شهد بدرا، و هو عبد قبل أن يعتق، فلم يسهم له، انقرض عقبه فلا عقب له.

و ذكر ابن إسحاق مراثى حسّان فى النبيّ (صلى الله عليه و سلم)، و ليس فيها ما يشكل فنشرحه، و قد رثاه كثير من الشعراء و غيرهم، و أكثرهم‏

____________

(1) بضم السين و الحاء، و بفتح السين أشهر نسبة إلى سحول قرية باليمن.

قال ابن الأعرابى: و هى ثياب بيض نقية لا تكون إلا من القطن. و قال ابن قتيبة ثياب بيض، و لم يخصها بالقطن، و فى رواية للبخارى. سحول بدون نسبة. و هو جمع سحل، و السحل: الثوب الأبيض النقى، و قيل هى بالضم نسبة إلى القرية، و بالفتح نسبة إلى القصار لأنه يسحل الثياب، أي ينقيها. و كونه كفن فى ثلاثة أثواب بيض سحولية جدد يمانية ليس فيها قميص و لا عمامة أدرج فيها إدراجا هو من رواية الجماعة.

(2) القطن.

596

..........

____________

أفحمهم المصاب عن القول، و أعجزتهم الصّفة عن التّأبين، و لن يبلغ بالإطناب فى مدح و لا رثاء فى كنه محاسته (عليه السلام) و لا قدر مصيبة فقده على أهل الإسلام، فصلى اللّه عليه و على آله صلاة تتّصل مدى الليالى و الأيام، و أحلّه أعلى مراتب الرحمة و الرضوان و الإكرام، و جزاء عنا أفضل ما جزى به نبيّا عن أمته، و لا خالف بنا عن ملّته، إنه ولىّ الطّول و الفضل و الإنعام، و هو حسبنا و نعم الوكيل، و الحمد للّه رب العالمين.

«تم الكتاب بحمد اللّه رب العالمين» و كان الفراغ من تحقيقه فى الساعة الثامنة و الدقيقة الخامسة و الأربعين صباح يوم الاثنين 27 من شعبان سنة 1388 ه- 18 من نوفمبر سنة 1968 م بمدينة الزهراء بوادى حوف‏

597

خاتمة

الحمد للّه رب العالمين بهذا الحمد الذي يجيش به القلب، و تفيض الحياة، و يتجاوب الوجود، أختم عملى فى هذا الكتاب الذي يتناول سيرة أقدس و أنبل حياة بشرية، كانت للناس نورا و حياة و رحمة، حياة خاتم النبيين محمد «(صلوات اللّه و سلامه عليه)» الذي بعثه اللّه لأمته، يتلو عليهم آياته، و يزكيهم، و يعلمهم الكتاب و الحكمة فتحقق ما وعد به اللّه، فكانوا خير أمة أخرجت الناس، إيمانا، و خلقا، و سلوكا فى الحياة، و تحكيما لهدى القرآن فى شئون الحياة.

و شهد اللّه لقد بذلت من الجهد ما أملك، و حاولت أن أقوم بما هو مفروض علىّ نحو هذا الكتاب «الروض الأنف» الذي سيطر على المعارف الإسلامية قرونا متطاولات.

فهو فوق كونه شرحا و تحقيقا لسيرة ابن هشام، يضم بين دفتيه كل أثر للثقافة الشاملة، التي كان الإمام السهيلى عليها فى عصره، و التي بسببها كان مصدرا لأمثال هؤلاء الأعلام «الإمام ابن القيم، و الإمام الحافظ ابن حجر العسقلانى، و ابن منظور» فى لسان العرب.

الكتاب سيرة، و تاريخ، و فقه، و عقيدة، و نحو، و أدب. و السهيلى إمام كبير فى كل ذلك.

598

و قد حاولت جهدى تحقيق كل مسائله بالرجوع إلى نفس مصادره التي عنها أخذ، أو بالرجوع إلى الكتب التي عنه أخذت و نقدت، حتى استوى الكتاب على هذه الصورة المشرفة المشرقة التي صوّبت ما كان من أخطاء كثيرة فى طبعته الأولى.

و لقد كان فى طبعته الأولى جزءين فى مجلد، و ها هو فى سبعة أجزاء كبار، تجمع بين سيرة ابن هشام، و بين «الروض الأنف» و بين تحقيقى للروض.

و مثل هذه الكتب الجادة التي تمثل تراثنا الفكرى الإسلامى أصدق تمثيل، لا يقبل عليها الناشرون كثيرا. و لكن صاحب «دار الكتب الحديثة» أقدم على هذا، مصابرا الزمن الذي قضيته فى تحقيق الكتاب و مقداره ثلاث سنوات، استغرقت فيها اليوم كله إلا قليلا. و لقد كنت حين أقبل على الكتاب أضرع إلى اللّه أن يلهمنى الصواب فيما أكتب، و أضرع إليه الآن سبحانه أن يكون قد استجاب دعائى.

و فى السهيلى مسّ من أشعرية، كان يبتعد به أحيانا عن السلفية، فلم تمنعنا إمامته الكبرى عن نقده، و بيان الصواب فى المسألة.

و لقد قمت بتصحيح تجارب طبع ثلاثة أجزاء من الكتاب، ثم انتدبت لتدريس مادة العقيدة الإسلامية فى قسم الدراسات الإسلامية العليا بكلية الشريعة، فى مكة المكرمة، حرسها اللّه، و كلأها برعايته و حفظه، فوكلت الدار إلى الأخ «محمود غانم غيث» تصحيح تجارب الطبع فى بقية الأجزاء، و اللّه يجزيه على ما قدم أحسن و أطيب الجزاء.

و أخيرا و بعد حمد اللّه و شكره أشكر الشاب الكريم «أحمد حمدى شعبان»

599

صاحب دار النصر للطباعه، و الإخوة العاملين فى الدار، على هذا الجهد الكريم السخى، الذي بذلوه فى طبع الكتاب.

و جزى اللّه صاحب «دار الكتب الحديثة» على ما ينشر من كتب الخير و الحق و الموسوعات الإسلامية الجادة.

و صلّ اللّه عليه و سلم و بارك على خاتم النبيين محمد.

و الحمد للّه رب العالمين؟

30 من ربيع الأول سنة 1390

مكة المكرمة

5 يونيه سنة 1970

عبد الرحمن عبد الوهاب الوكيل أستاذ العقيدة الإسلامية فى قسم الدراسات العليا بكلية الشريعة

600

فهرس الجزء السابع من الروض الأنف‏

5 مقدمة الجزء السابع‏

7 عمرة القضاء فى ذى القعدة سنة سبع «س» (1)

10 ذكر غزوة مؤتة فى جمادى الأولى سنة ثمان و مقتل جعفر و زيد و عبد اللّه بن رواحة «س»

14 لقاء الروم «س»

14 مقتل ابن حارثة «س»

14 إمارة جعفر و مقتله «س»

15 استشهاد جعفر و ابن رواحة «س»

16 عمل خالد «س»

16 تنبؤ الرسول بما حدث «س»

17 حزن الرسول على جعفر «س»

18 كاهنة حدس «س»

19 كيف تلقى الجيش «س»

19 شعر قيس فى الاعتذار عن تقهقر خالد «س»

20 شعر حسان فى بكاء قتلى مؤتة «س»

ص 21 شعر كعب فى بكاء قتلى مؤتة «س»

22 شعر حسان فى بكاء جعفر بن أبى طالب «س»

23 شعر حسان فى بكاء ابن حارثة و ابن رواحة «س»

24 شهداء مؤتة «س»

25 عمرة القضية

27 حكم العمرة

28 تفسير شعر عمار

28 حكم الزواج للمحرم‏

31 غزوة مؤتة

31 تفسير (و إن منكم إلا واردها)

32 شرح شعر ابن رواحة

36 عقر جعفر فرسه و مقتله‏

38 معنى الجناحين‏

39 فضل ابن رواحة

40 فضل زيد

40 رجوع أهل مؤتة

____________

(1) س رهن عن السيرة. و «ن. ل» رمز عن النحو و اللغة. و ش رمز عن الشرح. أما الروض فبدون رمز.

601

42 طعام التعزية و غيرها

43 من شعر حسان فى رثاء جعفر

45 حول شعر كعب‏

46 الاستسقاء للقبور عند العرب‏

47 من شعر حسان فى رثاء جعفر

49 ذكر الأسباب الموجبة المسير إلى مكة، و ذكر فتح مكة فى شهر رمضان سنة ثمان س‏

51 شعر تميم فى الاعتذار من فراره عن منبه س‏

52 شعر الأخزر فى الحرب بين كنانة و خزاعة س‏

53 بديل يرد على الأخزر س‏

53 شعر حسان فى الحرب بين كنانة و خزاعة س‏

54 شعر عمرو الخزاعى للرسول يستنصره و رده عليه س‏

55 ابن ورقاء يشكو إلى الرسول بالمدينة س‏

56 أبو سفيان يحاول المصالحة س‏

57 الرسول ص يعد لفتح مكة س‏

58 حسان يحرض الناس س‏

58 كتاب حاطب إلى قريش س‏

60 خروج الرسول فى رمضان س‏

62 قصة إسلام أبى سفيان على يد العباس س‏

65 عرض الجيش س‏

66 أبو سفيان يحذر أهل مكة س‏

66 وصول النبيّ ص إلى ذى طوى س‏

67 إسلام والد أبى بكر س‏

68 جيوش المسلمين تدخل مكة س‏

68 المهاجرون و سعد س‏

68 كيف دخل الجيش مكة؟ س‏

69 الذين تعرضوا للمسلمين س‏

70 شعار المسلمين يوم الفتح س‏

71 من أمر الرسول بقتلهم س‏

73 أم هانئ تؤمن رجلين س‏

74 طواف الرسول بالكعبة س‏

74 خطبته على باب الكعبة س‏

75 إقرار الرسول عثمان بن طلحة على السدانة س‏

75 طمس الصور التي بالبيت س‏

76 دخول الكعبة و الصلاة فيها س‏

76 إسلام عتاب و الحارث بن هشام س‏

77 خراش و ابن الأثوع س‏

78 بين أبى شريح و ابن سعد س‏

79 أول من ودى يوم الفتح س‏

80 بدء فتح مكة

80 حول شعر تميم‏

81 حول شعر الأخرز

83 حول شعر بديل‏

602

84 حول شعر عمرو بن سالم‏

85 ما قال عمر لأبى سفيان و معناه‏

85 شرح قول فاطمة لأبى سفيان‏

86 حاطب بن أبى بلتعة و ما كان فى كتابه‏

87 تصحيف هشيم لخاخ‏

87 تفسير (تلقون إليهم بالمودة)

88 قتل الجاسوس‏

89 عن عبد اللّه بن أبى أمية

89 عن أبى سفيان بن الحارث و ابنه و قصيدته‏

90 وزن فعلل (ن. ل)

92 عود إلى أبى سفيان‏

92 عن إسلام سفيان بن حرب‏

95 قول هند عن أبى سفيان‏

95 إسلام أبى قحافة

95 حكم الخضاب‏

98 كداء و كدى‏

98 موقف إبراهيم بكداء

99 موقف الرسول «ص» من سعد

101 خنيس بن خالد

103 حول: لما ذا و موتمة

103 حول رجزى حماس‏

105 طرف من أحكام أرض مكة

106 الهذلى القتيل‏

106 هل تعيذ الكعبة عاصيا؟

108 صلاة الفتح‏

109 أم هانئ‏

109 عبد اللّه بن سعد

110 نميلة

110 عن ابن نقيذ و القينتين‏

111 عن الديات فى خطبة الرسول ص‏

112 الصلاة فى الكعبة

114 كسر الأصنام س‏

114 قصة إسلام فضالة س‏

115 أمان الرسول لصفوان بن أمية س‏

116 إسلام عكرمة و صفوان س‏

116 إسلام ابن الزبعرى و شعره فى ذلك س‏

118 بقاء هبيرة على كفره و شعره فى إسلام زوجه أم هانئ س‏

119 عدة من شهد فتح مكة من المسلمين س‏

119 شعر حسان فى فتح مكة س‏

121 شعر أنس بن زنيم فى الاعتذار إلى الرسول مما قال ابن سالم س‏

122 شعر بديل فى الرد على ابن زنيم «س»

122 شعر بحير فى يوم الفتح س‏

123 شعر ابن مرداس فى فتح مكة س‏

123 إسلام عباس بن مرداس س‏

124 شعر جعدة فى يوم الفتح س‏

124 شعر بجيد فى يوم الفتح س‏

603

125 مسير خالد بن الوليد بعد الفتح إلى بنى جذيمة من كنانة و مسير على لتلافى خطأ خالد س‏

126 براءة الرسول ص من عمل خالد س‏

128 الاعتذار عن خالد س‏

128 بين خالد و بين ابن عوف س‏

129 بين قريش و بنى جذيمة س‏

129 شعر سلمى فيما بين جذيمة و قريش س‏

130 شعر ابن مرداس فى الرد على سلمى س‏

130 الجحاف يرد على سلمى س‏

131 حديث ابن أبى حدرد يوم الفتح س‏

132 شعر جذيمى فى الفتح س‏

132 وهب يرد على الجذيمى س‏

133 شعر علام جذمى هارب أمام خالد س‏

133 ارتجاز بنى مساحق حين سمعوا بخالد س‏

134 مسير خالد بن الوليد لهدم العزى س‏

135 عن إسلام أبى سفيان و صاحبيه‏

136 الحنفاء بنت أبى جهل‏

137 إسلام الحارث بن هشام‏

138 إسلام بنت أبى جهل‏

139 هند بنت عتبة

140 عمرو بن سعيد لا عمرو بن الزبير

141 أم حكيم بنت الحارث‏

142 دم ربيعة بن الحارث‏

142 حول التخيير بين القصاص و بين الدية

144 النهى عن اشتمال الصماء و الاحتباء

145 شعر ابن الزبعرى‏

146 حول شعر حسان‏

151 معنى التفضيل فى شركما

151 يلطم أو يطلم «ن. ل»

153 حول شعر أنس بن سليم‏

154 حول شعر بجير بن زهير

155 عباس بن مرداس و الذين حرموا الخمر؟؟؟

158 شعر جعدة

158 سرية خالد إلى بنى خذيمة

160 شعر أبى حدرد

161 غزوة حنين فى سنة ثمان بعد الفتح «س»

165 قصيدة ابن مرداس «س»

166 ذات انواط «س»

166 ثبات الرسول «س»

167 الذين ثبتوا الرسول «س»

168 الشماتة بالمسلمين «س»

168 شعر حسان فى هجاء كلدة «س»

604

169 شيبة يحاول قتل الرسول «س»

169 فى الانتصار بعد الهزيمة «

170 رأى أم سليم «

171 شعر مالك بن عوف فى الهزيمة «

172 من قتل قتيلا فله سلبه «

173 نزول الملائكة «

173 هزيمة المشركين من أهل حنين «

175 رائية ابن مرداس «

177 مصرع دريد «

178 مصرع أبى عامر الأشعرى «

179 حال بنى رئاب فى المعركة «

179 موقف قوم مالك بن عوف «

181 شعر سلمة فى فزارة «

181 عود إلى حديث مصرع أبى عامر «

182 النهى عن قتل الضعفاء «

182 شأن الشيماء و بجاد «

183 شهداء يوم حنين «

184 سبايا حنين يجمعون «

184 شعر بجير يوم حنين «

185 شعر لعباس بن مرداس يوم حنين «س»

185 ابن عفيف يرد على ابن مرداس «

186 شعر آخر لعباس بن مرداس «

193 شعر ضمضم فى يوم حنين «

194 رثاء أبى خراش لابن العجوة «

195 ابن عوف يعتذر عن قراره «

196 هوازنى يذكر إسلام قومه «س»

197 جشمية ترثى أخويها «

197 أبو ثواب يهجو قريشا «

198 ابن وهب يرد على ابن أبى ثواب «

198 شعر خديج فى يوم حنين «

199 ذكر غزوة حنين‏

200 ابن الصمة و الخنساء

201 مالك بن عوف و ابن حدرد

202 حول قصيدة عباس النونية

203 سعد و دهمان‏

206 أنا ابن عبد المطلب‏

207 شيبة و محاولة قتل الرسول «ص»

207 أم سليم و الفرار يوم حنين‏

209 حول رجز مالك‏

211 السلب القاتل‏

212 نزول الملائكة

213 حول قصيدة ابن مرداس‏

214 جمع أخ و ابن «ن. ل»

215 من وصف الزبير

215 من أحكام القتال‏

216 حكم رفع اليد فى الدعاء

216 الحفنة و شاهت الوجوه‏

217 نداء أصحاب الشجرة

218 الضحاك بن سفيان‏

218 قصيدة ابن مرداس العينية