الروض الأنف في شرح السيرة النبوية - ج7

- عبد الرحمن السهيلي المزيد...
614 /
205

..........

____________

أطعمتم الضّيف غرمولا مخاتلة* * * فلا سقاكم إلهى الخالق البارى‏

من كتاب الأمثال للأصبهانىّ. فهذا الفزارىّ هو حذف المذكور فى البيت، و اللّه أعلم.

و قوله:

و الأجربان بنو عبس و ذبيان‏

سماهما بالأجربين تشبيها بالأجرب الذي لا يقرب، و قال مجذوم من العرب:

بأىّ فعال ربّ أوتيت ما أرى‏* * * أظلّ كأنّى كلّما قمت أجرب‏

أى: يفرّ منى، و فى الخبر أن عمر لما نهى الناس عن مجالسة صبيغ بن عسل كان كلّما حلّ موضعا تفرّق الناس عنه كأنه بعير أجرب‏ (1)، و من‏

____________

(1) فى القاموس: عسيل بالتصغير، و فى غيره: عسل. و قصة صبيغ مع عمر أنه سأله عن الذاريات، ثم عن المقسمات، ثم عن الجاريات، فأجابه عمر، ثم أمر بضربه، فضرب مائة، و جعل فى بيت، فلما برأ دعا به فضربه مائة أخرى، و حمله على قتب، و كتب إلى أبى موسى: امنع الناس من مجالسته، فلم يزل كذلك حتى أتى أبا موسى. فحلف بالأيمان المغلظة ما يجد فى نفسه مما كان يجد شيئا، فكتب فى ذلك إلى عمر، رضى اللّه عنه، فكتب عمر: ما إخاله إلا قد صدق، فخل بينه و بين مجالسة الناس. و يقول البزار عن أبى بكر بن أبى سيرة راوى الحديث: إنه لين، و عن سعيد بن سلام راوى الحديث عن أبى أسيرة: ليس من أصحاب الحديث: و يقول ابن كثير: الحديث ضعيف رفعه. و أقرب فيه أنه موقوف على عمر رضى اللّه عنه، فإن قصة صبيغ بن عسل مشهورة مع عمر،-

206

..........

____________

رواه الأجربان بضم النون، فهو جائز فى كل اثنين متلازمين كالجلمين، يقال فيهما. الجلمان‏ (1) بضم النون، و كذلك القمران، و روى أن فاطمة- رضى اللّه عنها- نادت ابنيها في ليلة ظلمة: يا حسنان يا حسينان بضم النون، قاله الهروى فى الغريبين.

أنا ابن عبد المطلب:

فصل: و ذكر قول النبيّ- (صلى الله عليه و سلم)- أين أيها الناس؟! أنا محمد، أنا رسول اللّه، و فى غير هذه الرواية:

أنا النبيّ لا كذب‏* * * أنا ابن عبد المطلب‏ (2)

و هو كلام موزون، و قد تقدم الكلام فى مثل هذا، و أنه ليس بشعر حتى يقصد به الشعر. و للخطابى فى كتاب الأعلام تنبيه على قوله: أنا ابن عبد المطّلب، قال: إنما خص عبد المطلب بالذكر فى هذا المقام، و قد انهزم الناس تشبيها لنبوّته، و إزالة للشك لما اشتهر، و عرف من رؤيا عبد المطلب المبشّرة بالنبى (صلى الله عليه و سلم)، و قد تقدم ذكرها، و لما أنبأت به الأحبار و الرّهبان، فكأنه يقول: أنا ذاك، فلا بد مما وعدت به لئلا ينهزموا عنه،

____________

- و إنما ضربه لأنه ظهر له من أمره فيما يسأل تعنتا و عنادا. و أقول: و شيئا آخر قد يكون ارتيابا، أو محاولة لتشكيك. و قد روى الحافظ ابن عساكر قصة صبيغ مطولة.

(1) المقراضان، و احدهما: جلم، و الجلم: اسم يقع على الجلمين.

(2) فى رواية البخاري و مسلم.

207

..........

____________

و يظنوا أنه مقتول و مغلوب، فاللّه أعلم أ أراد ذلك رسوله أم لا.

شيبة و محاولة قتل الرسول (صلى الله عليه و سلم):

و ذكر قصة شيبة بن عثمان حين أراد قتل النبيّ (صلى الله عليه و سلم)، قال فجاء شي‏ء حتى تغشّى فؤادى، و قد ذكر هذا الخبر أبو بكر بن أبى خيثمة فى تاريخه، قال شيبة: اليوم آخذ بثارى، فجئت النبيّ (صلى الله عليه و سلم) من خلفه، فلما هممت به حال بينى و بينه خندق من نار و سور من حديد، قال:

فالتفت إلىّ النبيّ- (صلى الله عليه و سلم)- و تبسّم، و عرف الذي أردت، فمسح صدرى، و ذهب عنى الشّكّ، أو كما قال، ذهب عنى بعض ألفاظ الحديث‏ (1).

أم سليم و الفرار يوم حنين:

و ذكر أمّ سليم و هى مليكة بنت ملحان، و قال فى اسمها رميلة، و يقال: سهيلة، و تعرف بالغميصاء و الرّميصاء لرمص كان فى عينيها، و أبو طلحة بعلها هو زيد بن سهل بن الأسود بن حرام و هو القائل:

____________

(1) فى رواية البيهقي قال شيبة: فذهبت لأجيئه عن يمينه فإذا بالعباس ابن عبد المطلب قائم عليه درع بيضاء كأنها فضة ينكشف عنها العجاج، فقلت:

عمه و لن يخذله، قال: ثم جئته عن يساره فإذا أنا بأبى سفيان بن الحارث ابن عبد المطلب، فقلت: ابن عمه و لن يخذله، قال: ثم جئته من خلفه، فلم يبق إلا أن أساوره سورة بالسيف إذ رفع شواظ من نار بينى و بينه كأنه برق فخفت أن يمحشنى، فوضعت يدى على بصرى، و مشيت القهقرى فالتفت رسول اللّه-

208

..........

____________

أنا أبو طلحة، و اسمى: زيد* * * و كل يوم فى سلاحى صيد

و قول أمّ سليم: يا رسول اللّه اقتل هؤلاء الذين ينهزمون عنك.

إن قيل: كيف فرّ أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) عنه حتى لم يبق معه منهم إلا ثمانية، و الفرار من الزحف من الكبائر، و قد أنزل اللّه تعالى فيه من الوعيد ما أنزل. قلنا: لم يجمع العلماء على أنه من الكبائر إلا فى يوم بدر، و كذلك قال الحسن و نافع مولى عبد اللّه بن عمر و ظاهر القرآن يدل على هذا، فإنه قال: وَ مَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ‏ فيومئذ إشارة إلى يوم بدر، ثم نزل التحقيق من بعد ذلك فى الفارّين يوم أحد و هو قوله:

وَ لَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ‏ و كذلك أنزل فى يوم حنين: وَ يَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ‏ إلى قوله: غَفُورٌ رَحِيمٌ‏ و فى تفسير ابن سلام:

كان الفرار من الزحف يوم بدر من الكبائر، و كذلك يكون من الكبائر فى ملحمة الرّوم الكبرى‏ (1)، و عند الدّجّال، و أيضا فإن المنهزمين عنه (عليه السلام) رجعوا لحينهم، و قاتلوا معه حتى فتح اللّه عليهم.

____________

- (صلى الله عليه و سلم) و قال: يا شيب ادن منى، اللهم أذهب عنه الشيطان، قال: فرفعت إليه بصرى و لهو أحب إلى من سمعى و بصرى، فقال: يا شيب قاتل الكفار.

(1) عن أبى هريرة قال: قال رسول اللّه «ص»: لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق أو بدابق، فيخرج إليهم جيش من المدينة من خيار أهل الأرض يومئذ، فإذا تصافوا قالت الروم: خلوا بيننا و بين الذين سبوا منا تقاتلهم، فيقول المسلمون: لا و اللّه لا نخلى بينكم و بين إخواننا، فيقاتلونهم-

209

..........

____________

حول رجز مالك:

و قول مالك فى رجزه:

قد أطعن الطّعنة تقذى بالسّبر

____________

- فينهزم ثلث لا يتوب اللّه عليهم أبدا، و يقتل ثلثهم أفضل الشهداء عند اللّه، و بفتح الثلث لا يفتنون أبدا، فيفتحون قسطنطينية، فبيناهم يقتسمون الغنائم قد علقوا سيوفهم بالزيتون إذ صاح فيهم الشيطان: إن المسيح قد خلفكم فى أهليكم، فيخرجون، و ذلك باطل، فإذا جاموا الشام خرج، فبيناهم يعدون للقتال يسوون الصفوف إذ أقيمت الصلاة، فينزل عيسى بن مريم، فأمهم، فإذا رآه عدو اللّه ذاب كما يذوب الملح فى الماء، فلو تركه لانذاب حتى يهلك و لكن يقتله اللّه بيده، فيريهم دمه فى حربته» مسلم.

و فى مسلم نفسه و لكن عن عبد اللّه بن مسعود أن ملحمة الروم تكون بين أهل الشام و بين الروم، و أن المعركة تستمر أربعة أيام، و أن صريخ الدجال يجيئهم، فيترك المسلمون ما بأيديهم.

و فى مسلم نفسه أن صريخ الدجال يظهر حين يغز و سبعون ألفا من بني إسحاق مدينة جانب منها فى البر، و جانب منها فى البحر و أن هؤلاء السبعين ألفا تقاتلونها بغير سلاح!!

و عند أبى داود عن معاذ: «عمران بيت المقدس خراب يثرب، و خراب يثرب خروج الملحمة، و خروج الملحمة فتح قسطنطينية، و فتح قسطنطينية خروج الدجال».

و فى رواية لأبى داود و الترمذى «الملحمة العظمى و فتح القسطنطينية و خروج الدجال فى سبعة أشهر».

و فى رواية لأبى داود أن المسلمين سيصالحون الروم، و أن الروم و المسلمين يغزون معا عدوا، و أن نصرانيا سيصيح: غلب الصليب، فيغضب رجل من المسلمين،-

210

..........

____________

السّبر: جمع سابر، و هو الفتيل الذي يسبر به الجرح أى: يخبر.

و قوله فى الرّجز الآخر:

أقدم محاج إنها الأساوره‏

و قول ابن هشام: هما لغير مالك فى غير هذا اليوم، يعنى يوم القادسية، و كانت الدولة فيه للمسلمين على الفرس، و الأساورة: ملوك الفرس، و قتل فى ذلك اليوم رستم ملكهم دون الملك الأكبر، و كان على المسلمين يومئذ سعد بن أبى وقّاص، و قد ذكرنا قبل: بم سمّيت القادسية.

و ذكر حديث أبى قتادة فى سلب القتيل، قال: فاشتريت بثمنه مخرفا فإنه لأوّل مال اعتقدته، يقال: اعتقدت مالى، أى: اتخذت منه عقدة، كما تقول: نبذة، أو قطعة، و الأصل فيه من العقد، و أن من ملك شيئا عقد عليه، و أنشد أبو على [الفالى‏]:

و لما رأيت الدّهر أنحت صروفه‏* * * علىّ و أودت بالذّخائر و العقد

____________

- و يكسر الصليب. فتغدر لروم، و تجمع للملحمة. و يستشهد الذين يحملون السلام من المسلمين. هكذا الروايات، و فيها اضطراب واضح كما ترى.

و يحدثنا التاريخ أن معاوية حاول فتح القسطنطينية فى سنة 35 ه 655 م و أنه هزم بأسطوله العربى قسطنطين هزيمة ماحقة، لكنه لم يدخل المدينة التي كانت عاصمة الدولة البيزنطية، و لم تفتح القسطنطينية إلا فى عهد محمد الثانى العثمانى و ذلك فى أواخر 856 ه- 1451 م أى فى القرن التاسع الهجرى فلنعتصم بهدى القرآن حين تضطرب بنا الشعاب.

211

..........

____________

حذفت فضول العيش حتى رددتها* * * إلى القوت خوفا أن أجاء إلى أحد (1)

و يروى: تأثّلته، و هى رواية الموطّأ، و يقال: مخرف بفتح الراء و كسرها، و أما كسر الميم فإنما هو للمخرّف، و هى الآلة التي تخترف بها التمرة أى تجتنى‏ (2) بفتح الميم معناه البستان من النخل، هكذا فسروه، و فسره الحربى، و أجاد فى تفسيره، فقال: المخرف: نخلة واحدة أو نخلات يسيرة إلى عشر، فما فوق ذلك، فهو بستان أو حديقة، و يقوى ما قاله الحربى ما قاله أبو حنيفة، قال: المخرف:

مثل الخروفة، و الخروفة: هى النخلة يخترفها الرجل لنفسه و لعياله، و أنشد:

مثل المخارف من خيلان أو هجرا؟؟؟

قال: و يقال للخروفة: خريفة أيضا.

السلب للقاتل:

و فى هذا الحديث من الفقه أن السّلب للقاتل حكما شرعيّا جعل ذلك الإمام له، أو لم يجعله، و هو قول الشافعى‏ (3)، و قال مالك: إنما ذلك إلى‏

____________

(1) بعدهما:

و قلت لنفسى: أبشرى و توكلى‏* * * على قاسم الأرزاق و الواحد الصمد

فإن لا تكن عندى دراهم جمة* * * فعندى بحمد اللّه ما شئت من جلد

ص 127 ج 2 الأمالى للقالى. و قد قال: أنشدنا أبو بكر، قال: أنشدنا عبد الأول: قال: أنشدنى حماد، قال: أنشدنى أبى لنفسه.

(2) فى القاموس: زنبيل صغير يخترف فيه أطايب الرطب.

(3) و هى إحدى الروايتين عن أحمد. و يرى أبو حنيفة أيضا أنه لا يستحق إلا بشرط الإمام بعد القتال، فلو نص قبله لم يجز.

212

..........

____________

الإمام له أن يقول بعد معمعة الحرب: من قتل قتيلا فله سلبه‏ (1)، و يكره مالك (رحمه اللّه) أن يقول ذلك قبل القتال لئلا يخالط النية غرض آخر غير احتساب نفسه للّه تعالى، و قد ذكرنا فى غزوة بدر فى هذه المسألة ما هو أكثر من هذا.

نزول الملائكة:

و قول جبير بن مطعم: لقد رأيت مثل البجاد، يعنى الكساء من النمل مبثوثا، يعنى رآه ينزل من السماء. قال: لم أشك أنها الملائكة، و قد قدم ابن إسحاق قول الآخر: رأيت رجالا بيضا على خيل بلق، و كانت الملائكة فأراهم اللّه لذلك الهوازنى على صور الخيل و الرجال ترهيبا للعدو، و رآهم جبير على صورة النمل المبثوث إشعارا بكثرة عددها، إذ النمل لا يستطاع عدّها مع أن النملة يضرب بها المثل فى القوة، فيقال: أقوى من النملة، لأنها تحمل ما هو أكبر من جرمها بأضعاف، و قد قال رجل لبعض الملوك: جعل اللّه قوتك قوة النّملة، فأنكر عليه، فقال: ليس فى الحيوان ما يحمل ما هو أكبر منه إلا النّملة (2)، و هذا المثل قد ذكره الأصبهاني فى كتاب الأمثال مقرونا بهذا الخبر، و قد أهلك بالنمل أمة من الأمم، و هم جرهم.

____________

(1) حديث: من قتل قتيلا فله سلبه حديث منفق عليه من حديث أبى قتادة.

و قد قال مالك: لم يبلغنى أن النبيّ «ص» قال ذلك إلا يوم حنين، و إنما نفل النبيّ «ص» بعد أن برد القتال. و للامام ابن القيم تفصيل فى منشأ النزاع فى هذا الأمر و غيره فانظره ص 457 ج 2 زاد المعاد.

(2) النملة بضم النون: النميمة. و كنية النمل: أبو مشغول، و النملة: أم نوبة و أم مازن. و سميت النملة نملة لتنملها، و هو كثرة حركتها و قلة قوائمها. يقول-

213

..........

____________

حول قصيدة ابن مرداس:

فصل: و ذكر قول عبّاس:

و سوف إخال يأتيك‏ (1)الخبير

الفعل المستقبل هو: يأتيك، و إن كان حرف سوف داخلا على إخال فى اللفظ، فإن ما يدل عليه من الاستقبال إنما هو الفعل الثانى كما قال:

و ما أدرى و سوف إخال أدرى‏ (2)

و ذلك أن إخال فى معنى: أظن، و ليس يريد أنه يظن فيما يستقبل، و إنما يريد أن يخال الآن أن سيكون ذلك، و قوله:

فإن يهدوا إلى الإسلام يلقوا* * * أنوف النّاس ما سمر السّمير

أنوف الناس انتصب على الحال، لأنه نكرة لم يتعرّف بالإضافة، لأنه لم يرد الأنوف بأعيانها، و لكن أشرافا، و هذا كقوله:

بمنجرد قيد الأوابد (3)

____________

- الدميرى: «و ليس فى الحيوان ما يحمل ضعف بدنه مرارا غيره، على أنه لا يرضى بأضعاف الأضعاف حتى إنه يتكلف لحمل نوى التمر» حياة الحيوان.

(1) فى السيرة: يأتيه.

(2) بقية البيت: أقوم آل حصن أم نساء، و بعده:

فمن فى كفه منهم خضاب‏* * * كمن فى كفه منهم قباء

(3) من معلقة امرئ القيس فى وصف فرسه.

214

..........

____________

لأنه جعله كالقيد، و مثله ما ذكرناه قبل فى: نصب غمائم الأبصار، على الحال، و ليس هذا من باب ما منعه سيبويه حين قال معترضا على الخيل:

لو قلت مررت بقصير الطويل، تريد: مثل الطويل، لم يجز، و الذي أراده الخليل هو ما ذكرناه فى غير موضع من استعارة الكلمة على جهة التشبيه، نحو قيد الأوابد، و أنوف الناس تريد: أشرافهم، فمثل هذا يكون وصفا للنّكرة و حالا من المعرفة، و قد ألحق بهذا الباب: له صوت صوت الحمار، على الصّفة، و ضعّفه سيبويه فى الحال، قال: و هو فى الصفة أقبح، و إنما ألحقه الخليل بما تنكّر، و هو مضاف إلى معرفة من أجل تكرر اللفظ فيه، فحسن لذلك.

و قوله: و أسلمت النّصور. ذكر البرقي أن النّصور هاهنا جمع: ناصر، و ليس هو عندى كذلك. فإن فاعلا قلّ ما يجمع على فعول، و إن جمع فليس هو بالقياس المطرد، و إنما هم بنو نصر من هوازن رهط مالك بن عوف النّصرىّ يقال لهم النّصور، كما يقال لبنى المهلّب المهالبة، و لبنى المنذر:

المناذرة، و كما يقال الأشعرون، و هم بنو أشعر بن أدد، و التّوتيات لبنى تويت بن أسد

جمع أخ و ابن:

و قوله: أنا أخوكم، جمع أخا جمعا مسلما بالواو و النون، ثم حذفت النون للإضافة، كما أنشدوا:

215

..........

____________

و لما تبيّن أصواتنا بكّين‏* * * و فدّيننا بالأبينا (1)

و يجوز أن يكون وضع الواحد موضع الجميع، كما تقدم فى قوله: أنتم الولد، و نحن الولد.

من وصف الزبير:

و قوله فى صفة الزبير: طويل البادّ، أى: الفخر، و البدد: تباعد ما بين الفخذين.

من أحكام القتال:

و قوله فى المرأة المقتولة: أدرك خالدا، فقل: إن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ينهاك أن تقتل وليدا، أو امرأة، أو عسيفا العسيف: الأجير، و هذا منتزع من كتاب اللّه تعالى، لأنه يقول: وَ قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ‏ فاقتضى دليل الخطاب ألا تقتل المرأة إلا أن تقاتل، و قد أخطأ من قاس مسألة المرتدّة على هذه المسألة، فإن المرتدّة لا تسترقّ و لا تسبى،

____________

(1) نقل سيبويه عن الخليل قوله: «إن ألحقت فيه النون و الزيادة التي قبلها قلت: أبون، و كذلك أخ تقول: أخون لا تغير البناء، إلا أن تحدث العرب شيئا كما يقولون: دمون، و لا تغير بناء للقرب عن حال الحرفين لأنه بنى عليه إلا أن تحدث العرب شيئا، كما بنوه على غير الحرفين ثم استشهد بالبيت، و قال: إنه جاهلى. و إن شئت كسرت، فقلت آباء و آخاء. و يقول السيرافى عن البيت إنه لزياد بن واصل السلمى. أنظر خزانة البغدادى ص 362 ج 4 ط السلفية.

216

..........

____________

كما تسبى نساء الحرب و ذراريهم، فتكون مالا للمسلمين، فنهى عن قتلهنّ لذلك.

حكم رفع اليد في الدعاء:

و ذكر فيمن استشهد أبا عامر، و اسمه: عبيد بن سليم بن حصّار، و هو عم أبى موسى عبد اللّه بن قيس الأشعرى، و هو الذي استغفر له رسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم)- حين قتل رافعا يديه جدّا، يقول: اللّهمّ اغفر لعبيد أبى عامر ثلاثا، و فيه من الفقه رفع اليدين فى الدعاء، و قد كرهه قوم، روى عبد اللّه بن عمر أنه رأى قوما يرفعون أيديهم فى الدعاء، فقال:

أو قد رفعوها؟ قطعها اللّه، و اللّه لو كانوا بأعلى شاهق ما ازدادوا من اللّه بذلك قربا و ذكر لمالك أن عامر بن عبد اللّه بن الزّبير كان يدعو بأثر كلّ صلاة، و يرفع يديه، فقال: ذلك حسن، و لا أرى أن يرفعهما جدّا.

و حجة من رأى الرفع أحاديث منها ما ذكرناه آنفا، و منها حديث تقدّم فى سريّة الغميصاء حين رفع النبيّ- (صلى الله عليه و سلم)- يديه، و قال:

اللهم إنى أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد ثلاث مرات و لكل شي‏ء وجه، فمن كره، فإنما كره الإفراط فى الرفع كما كره رفع الصوت بالدعاء جدا. قال (صلى الله عليه و سلم): أربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصمّ و لا غائبا، و هو معنى قول مالك الذي قدمناه فى رفع اليدين.

الحفنة و شاهت الوجوه:

فصل: و مما ذكر فى غزوة حنين من غير رواية ابن إسحاق الحفنة التي‏

217

..........

____________

أخذها النبيّ (صلى الله عليه و سلم) من البطحاء، و هو على بغلته، فرمى بها أوجه الكفّار، و قال: شاهت الوجوه‏ (1)، فانهزموا. و المستقبل من شاهت:

تشاه، لأن وزنه فعل، و فيه أنّ البغلة حضجت به إلى الأرض حين أخذ الحفنة، ثم قامت به، و فسروا حضجت، أى: ضربت بنفسها إلى الأرض، و ألصقت بطنها بالتراب، و منه الحضاج، و هو زقّ مملوء قد أسند إلى شي‏ء، و أميل إليه، و البغلة التي كان عليها يومئذ هى التي تسمّى البيضاء (2)، و هى التي أهداها إليه فروة بن نفاثة، و قد تقدم ذكر الأخرى، و اسمها:

دلدل و ذكر من أهداها إليه.

نداء أصحاب الشجرة:

و ذكر نداء العباس: يا معشر أصحاب السّمرة، و كان العبّاس صيّتا جهيرا. و أصحاب السّمرة: هم أصحاب بيعة الرضوان الذين بايعوا تحت الشّجرة، و كانت الشجرة سمرة.

____________

(1) فى رواية لمسلم أنهم لما غشوا النبيّ «ص» نزل عن البغلة، ثم قبض قبضة من تراب الأرض، ثم استقبل به وجوههم، فقال: شاهت الوجوه فما خلق اللّه منهم إنسانا إلا ملأت عينه ترابا تلك القبضة فولوا منهزمين. و فى رواية أخرى أنه تناول حصيات من الأرض، و أنه لم ينزل من على البغلة. فاللّه أعلم.

(2) عن ابن سعد و جماعة ممن صنفوا فى السيرة أنها دلدل، و فيه نظر، لأن دلدل أهداها له المقوقس، و قد روى مسلم أنه كان على بغلة له بيضاء كما ورد فى الروض و لكن فى مسلم أيضا أنه كان على بغلته الشهباء، و قد زعم النووى أن البيضاء و الشهباء واحدة، و لا يعرف له غيرها، و لكن ذكر غير واحد بغلته دلدل، غير أن ابن الصلاح زعم أن دلدل و البيضاء اسمان لبغلة واحدة.

218

..........

____________

لضحاك بن سفيان:

فصل: و ذكر الضّحّاك بن سفيان الكلابى، و هو الضّحّاك بن سفيان ابن عوف بن كعب بن أبى بكر بن كلاب الكلابىّ، يكنى أبا سعيد، و كان يقوم على رأس النّبىّ- (صلى الله عليه و سلم)- متوشّحا بالسيف، و كان يعدّ وحده بمائة فارس، و كانت بنو سليم يوم حنين تسعمائة، فأمّره عليهم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و أخبره أنه قد تمّمهم به ألفا، و إياه أراد عباس بن مرداس بقوله:

جند بعثت عليهم الضّحّاكا

و قال البرقي: ليس الضّحّاك بن سفيان هذا بالكلابى، إنما هو الضحاك ابن سفيان السّلمى.

و ذكر من غير رواية البكائى عن ابن إسحاق نسبه مرفوعا إلى بهثة ابن سليم، و لم يذكر أبو عمر فى الصحابة إلا الأول، و هو الكلابى، فاللّه أعلم.

قصيدة ابن مرداس العينية:

و ذكر شعر عباس بن مرداس الذي أوله:

عفا مجدل من أهله فمتالع‏

المجدل: القصر، و هو فى هذا البيت اسم علم لمكان.

و فيه:

فمطلا أريك‏

219

..........

____________

المطل: يمدّ و يقصر، و هى أرض تعقل الرّجل عن الشى، فقيل: إنها مفعال من الطّلى و هو الجرى يطلى، أى تعقل رجله، و قيل: إن المطلاء فعلاء من مطلت إذا مددت، و جمعه: مطال فى الأمالى:

أ ما تسألان اللّه أن يسقى الحمى‏* * * ألا فسقى اللّه الحمى فالمطايا (1)

و فيه:

نذود أخانا عن أخينا، و لو نرى‏* * * مصالا لكنّا الأقربين نتابع‏

يريد أنه من بنى سليم، و سليم من قيس، كما أن هوازن من قيس، كلاهما ابن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس، فمعنى البيت: نقاتل إخوتنا، و نذودهم عن إخوتنا من سليم، و لو نرى فى حكم الدين مصالا مفعلا من الصّولة، لكنا مع الأقربين هوازن:

و لكنّ دين اللّه دين محمّد* * * رضينا به فيه الهدى و الشّرائع‏

و فيه قوله:

دعانا إليه خير وفد علمتهم‏* * * خزيمة و المدّار (2)منهم و واسع‏

هؤلاء وفد بنى سليم وفدوا على النبيّ- (صلى الله عليه و سلم)- فأسلموا،

____________

(1) فى الأهالى أن هذا الشعر لرجل طلق امرأتين من أهل الحمى ص 191 ج 1 ط 2. و من الشعر:

و إنى لأستسقى لثنتين بالحمى‏* * * و لو تملكان البحر ما سقتانيا

(2) فى رواية: المرار.

220

..........

____________

ثم دعوا قومهم إلى الإسلام، فذكر فيهم المدّار السّلمىّ، و واسعا السّلمىّ، و خزيمة، و هو خزيمة بن جزىّ أخو حبّان بن جزىّ، و كان الدّارقطنيّ يقول فيه: جزىّ بكسر الجيم و الزاى.

و فيها:

يد اللّه بين الأخشبين نبايع‏

من قول اللّه تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ‏ أقام يد رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) مقام يده، كما قال- (صلى الله عليه و سلم)- فى الحجر الأسود: هو يمين اللّه فى الأرض‏ (1)، أقامه فى المصافحة و التّقبيل مقام يمين الملك الذي يصافح بها، لأن الحاجّ وافد على الملك الأعلى و زائر بيته، فجعل تقبيله الحجر مصافحة له، و كما جعلت يمين السائل الآخذ للصدقة المتقبلة يمين الرحمن سبحانه ترغيبا فى الصّدقة، و تبشيرا بقبولها، و تعظيما لحرمة من أعطيت له، فإنما أعطاها المتصدّق للّه سبحانه، و إياه سبحانه أقرض،

____________

(1) رواه الطبرانى فى معجمه، و هو موقوف على ابن عباس و هو سقط من القول لا يصح نسبته إلى مؤمن. و إليك ما يقوله الإمام ابن القيم فى قوله سبحانه: (يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) .. «لما كانوا يبايعون رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بأيديهم، و يضرب بيده على أيديهم، و كان رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) هو السفير بينه و بينهم كانت مبايعتهم له مبايعة للّه تعالى، و لما كان سبحانه فوق سماواته على عرشه، و فوق الخلائق كلهم، كانت يده فوق أيديهم، كما أنه سبحانه فوقهم» ص 172 ج 2 الصواعق المراسلة. و هذا خير من تأويل السهيلى الذي يعطى لأصحاب وحدة الوجود وجها!!

221

..........

____________

فقال سبحانه و تعالى: وَ يَأْخُذُ الصَّدَقاتِ‏ (1) التوبة: 104 و قال (صلى الله عليه و سلم): إنما يضعها فى كفّ الرحمن يربّيها له الحديث.

شعر عباس الكافى:

و قول عباس فى الشعر الكافى:

إن الإله بنى عليك محبّة* * * فى خلقه و محمّدا سمّاكا

معنى دقيق و غرض نبيل و تفطّن لحكمة نبويّة قد بيّنّاها فى غير موضع من هذا الكتاب و غيره فى تسمية اللّه تعالى لنبيه محمّدا و أحمد (2)، و أنه اسم لم يكن لأحد من قومه قبله، و أنّ أمّه أمرت فى المنام أن تسميه محمدا، فوافق معنى الاسم صفة المسمّى به موافقة تامّة قد بينا شرحها (3) هنالك، و لذلك قال: بنى عليك محبة، لأن البناء تركيب على أسّ، فأسّس له سبحانه مقدّمات لنبوّته منها: تسميته بمحمد قبل أن يولد، ثم لم يزل يدرجه فى محامد الأخلاق‏

____________

(1) رواية البخاري و مسلم و النسائى و الترمذى و ابن ماجة و ابن خزيمة فى صحيحه هى: «من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب- و لا يقبل اللّه إلا الطيب- فإن اللّه يقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبها» كما يربى أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل» و الفلو- بفتح الفاء و ضم اللام و تشديد الواو: المهر الصغير، و قيل: الفطيم من أولاد ذوات الحافر.

(2) سبق الكلام عن هذا. و أنه كان هناك من سمى بمحمد و أحمد فى الجاهلية و أنظر ص 8، 9 الاشتقاق لابن دريد، و ص 130 المحبر لابن حبيب فقد ذكر سبعة ممن سموا باسم محمد.

(3) علقنا على شرحه بما قاله ابن القيم و أبدع فيه.

222

..........

____________

و ما تحبه القلوب من الشّيم، حتى بلغ إلى أعلى المحامد مرتبة، و تكاملت له المحبة من الخالق و الخليقة، و ظهر معنى اسمه فيه على الحقيقة، فهو اللّبنة التي استتم بها البناء، كما أخبر (عليه السلام)، و هذا كله معنى بيت عباس، حيث قال: إن الإله بنى عليك، البيت.

الداماء و الدأماء:

و قوله: فى العينيّة الأخرى يصف الخيل:

أو هى مقارعة الأعادى دمّها

يريد شحمها، يقال: أدمم قدرك بودك، و دممت الشي‏ء: طليته، و منه: الدّاماء أحد جحرة اليربوع، لأنه يدمّ بابه بقشر رقيق من الأرض، فلا يراه الصائد، فإذ طلب من القاصعاء أو الرّاهطاء أو النّافقاء أو العانقاء، و هى الأبواب الأخر نطح برأسه باب الدّاماء فخرقه، و أما الدّأماء بالتخفيف، فهو البحر و هو فعلاء، لأنه يهمز فيقال: دأماء، قاله أبو عبيد

شعر عباس الفاوى:

و ذكر شعر عباس الفاوى، و فيه:

بعاقبة و استبدلت نيّة خلفا

النية: من النوى و هو البعد. و خلفا يجوز أن يكون مفعولا من أجله أى: فعلت ذلك من أجل الخلف، و يجوز أن يكون مصدرا مؤكدا

223

..........

____________

للاستبدال، لأن استبدالها به خلف منها لما وعدته به، و يقوّى هذا البيت البيت الذي بعده:

و قد حلفت باللّه لا تقطع القوى‏

يعنى: قوى الحبل، و الحبل هنا: هو العهد، ثم قال:

فما صدقت فيه، و لا برّت الحلفا

و هذا هو الخلف المتقدم ذكره.

و قوله:

و فينا و لم يستوفها معشر ألفا

أى: وفينا ألفا و لم يستوفها غيرنا، أى: لم يستوف هذه العدة غيرنا من القبائل.

و قوله:

إذا هى حالت فى مراودها عزفا

يجوز أن يكون جمع مرود (1) و هو الوتد، كما قال الآخر يصف طعنة:

و مستنّة كاستنان الخرو* * * ف قد قطع الحبل بالمرود

و الخروف هاهنا فى قول بعضهم: المهر، و قال آخرون: و الفرس يسمى خروفا، و معناه عندى فى هذا البيت أنها صفة من خرفت الثمرة إذا جنيتها

____________

(1) فى الأصل: مردود.

224

..........

____________

فالفرس خروف للشّجر و النّبات، لا نقول: إن الفرس يسمّى خروفا فى عرف اللغة، و لكن خروف فى معنى أكول، لأنه يخرف، أى: يأكل، فهو صفة لكل من فعل ذلك الفعل من الدّوابّ، و يجوز أن يكون فى مراودها جمع مراد، و هو حيث ترود الخيل تذهب و تجي‏ء فمراد و مراود، مثل مقام و مقاوم، و منار و مناور.

و قوله: لنا زجمة إلا التّذامر و النّقفا.

يقال: ما زجم زجمة (1)، أى ما نبس بكلمة، و قوس زجوم، أى:

ضعيفة الإرنان.

و قوله: إلا التّذامر، أى يذمّر بعضنا بعضا، و يحرّضه على القتل و النّقف: كسر الرّءوس، و ناقف الحنظلة: كاسرها و مستخرج ما فيها.

النسب إلى حروف المعجم و تصغيرها:

قال المؤلف: و إنما قلنا فى هذه القصيدة و فى التي بعدها الفاويّة و الرّاويّة، لأن النسب إلى حروف المعجم التي أواخرها ألف هكذا، هو بالواو، قاله أبو عبيد و غيره، و فى التصغير تقلب ألفها ياء، تقول فى تصغير باء: بييّة، و خاء: خييّة، و ما كان آخره حرفا سالما من هذه الحروف قلبت ألفه واوا فى التصغير، فتقول فى الذّال: ذويلة، و فى الضاد: ضويدة، و كذلك قال صاحب العين، و قياس الواو فى النحو أن تصغّر: أويّة بهمزة [فى‏] أولها.

____________

(1) فى الأصل: رجمة.

225

..........

____________

القصيدة الراوية:

و قول عباس فى القصيدة الراوية:

مثل الحماطة أغضى فوقها الشّفر

الحماطة من ورق الشجر: ما فيه خشونة و حروشة و قال أبو حنيفة:

الحماط: ورق التّين الجبلىّ. و قال أيضا فى باب القطانى: الحماط: تبن الذّرة، إذا ذرّيت، و له أكال فى الجلد. و العائر: كالشّي‏ء يتنخّس فى العين كأنه يعورها، و جعله سهرا، و إنما السّهر الرجل، لأنه لم يفتر عنه، فكأنه قد سهر، و لم ينم، كما قال آخر فى وصف برق:

حتى شئاها كليل موهنا عمل‏* * * باتت طرابا و بات الليل لم ينم‏

شئاها: شاقها، يقال: شاه و شاءه بمعنى واحد، أى شاقه، و أنشد:

و لقد عهدت تشاء بالأظعان‏

فتأمله فإنه بديع من المعانى.

و قوله: الصّمّان و الحفر: هما موضعان، و إليه ينسب أبو داود الحفرى من أهل الحديث. و العكر: جمع عكرة، و هى القطعة الضّخمة من المال.

و عكرة اللسان أيضا: أصله، و ما غلظ منه، و عكدته‏ (1) أيضا بالدال.

____________

(1) فى اللسان: العكدة- بضم العين و سكون الكاف- و العكدة بفتحهما أصل اللسان و الذنب و عقدته. أما فى القاموس فقال: العكدة بضم العين و سكون الكاف: العصعص. و بالتحريك: أصل اللسان و أصل القلب.

226

..........

____________

قصيدة عباس السينية:

و قوله فى السّينية:

وجناء مجمرة المناسم عرمس‏

وجناء: غليظة الوجنات بارزتها، و ذلك يدل على غئور عينيها، و هم يصفون الإبل بغئور العينين عند طول السفار، و يقال: هى الوجنة فى الآدميين، رجل موجن و امرأة موجنة، و لا يقال: وجناء، قاله يعقوب.

و مجمرة المناسم، أى: نكبت مناسمها الجمار، و هى الحجارة، و العرمس:

الصّخرة الصّلبة، و تشبّه بها الناقة الجلدة، و قد يريد بمجمرة أيضا أن مناسمها مجتمعة منضمّة، فذلك أقوى لها، و قد حكى أجمرت المرأة شعرها إذا ظفرته و أجمر الأمير الجيش أى حبسه عن القفول قال الشاعر:

معاوى إمّا أن يجهّز أهلنا* * * إلينا، و إما أن نئوب معاويا

أ أجمرتنا إجمار كسرى جنوده‏* * * و منّيتنا حتى نسينا الأمانيا

و قوله:

كانوا أمام المؤمنين دريئة

الدريئة: الحلقة التي يتعلم عليها الرمى، أى: كانوا كالدّريئة للرّماح و قوله:

و الشّمس يومئذ عليهم أشمس‏

يريد: لمعان الشمس، فى كل بيضة من بيضات الحديد، و السيوف،

227

..........

____________

كأنها شمس. و هو معنى صحيح و تشبيه مليح.

و فيها قوله:

و الخيل تقرع بالكماة و تضرس‏

أى: تضرب أضراسها باللّجم. تقول: ضرسته، أى ضربت أضراسه، كما تقول: رأسته، أى أصبت رأسه.

قصيدة عباس الميمية:

و قوله: فى كلمته الميميّة:

و فيهم منهم من تسلّما

يريد: و فى سليم من اعتزى إليهم من حلفائهم، فتسلّم بذلك، كما تقول: تقيّس الرجل، إذا اعتزى إلى قيس. أنشد سيبويه:

و قيس عيلان و من تقيّسا (1)

____________

(1) يقول ابن قتيبة: تأتى تفعلت بمعنى إدخالك نفسك فى أمر حتى تضاف إليه، أو تصير من أهله، ثم أتى بأمثلة و استشهد بهذا الرجز المنسوب إلى رؤبة و لكن ابن يرى يقول: الرجز للعجاج و ليس لرؤبة. و صواب إنشاده: و قيس بالنصب، لأن قبله:

و إن دعوت من تميم أرؤسا

و جواب إن فى البيت الثالث:

تقاعس العز بنا فاقعنسسا

أنظر اللسان مادة قيس، و أدب الكاتب لابن قتيبة ص 457، ص 322 من شرح أدب الكاتب للجواليقى، و قد سبق الحديث.

228

..........

____________

حول قصيدة ضمضم بن الحارث:

و أنشد لضمضم بن الحارث، و هو ممن شهد حنينا مع المسلمين، و كان ينبغى لأبى عمر (رحمه اللّه) أن يذكره فى الصّحابة، لأنه من شرطه، فلم يفعل، و قد أنشد له ابن إسحاق ما يدل على أنه منهم لقوله:

يوما على أثر النّهاب و تارة* * * كتبت مجاهدة مع الأنصار

يعنى: فرسه، و كذلك لم يذكر أبو عمر ضمضم بن قتادة العجلىّ، و له حديث مشهور فى قدومه على النبيّ (صلى الله عليه و سلم)، و ذلك أنه قال له: يا رسول اللّه، إنى قد تزوجت امرأة فولدت لى غلاما أسود، فقال له النبيّ- (صلى الله عليه و سلم)- هل لك من إبل، فقال: نعم‏ (1) و الحديث مشهور، غير أنه لم يسمّ باسمه فى الصحيحين، و سمى فى بعض المسندات، و ذكره عبد الغنى فى المبهمات، و ذكر عبد الغنى فى الحديث زيادة حسنة قال: كانت المرأة من بنى عجل، فقدم المدينة عجائز من عجل، فسألن عن المرأة التي ولدت الغلام الأسود، فقلن: كان فى آبائها رجل أسود.

____________

(1) بقية الحديث: قال: فما ألوانها؟ قال: فيها الأحمر و الأسود و غير ذلك، قال: فأنى ذلك؟ قال: عرق نزع، قال: هذا عرق نزع، قال: فقدم عجائز من بنى عجل، فأخبرن أنه كان للمرأة جدة سوداء. قال أبو موسى فى الذيل: إسناده عجيب. قال الحافظ: أصل القصة فى الصحيحين من حديث أبى هريرة. و سيأتى.

229

..........

____________

شعر أبي خراش:

و ذكر شعر أبى خراش، و اسمه: خويلد بن مرّة شاعر إسلامى مات فى خلافة عمر (رحمه اللّه): من نهش حيّة نهشته، كان سببها أضياف نزلوا به، و خبره بذلك عجيب، و له فيه شعر. و الخراش: وسم لإبل يكون من الصّدغ إلى الذّقن: فقوله:

تكاد يداه تسلمان إزاره‏* * * من الجود لما أذلفته الشمائل‏

يريد: أنه من سخائه، يريد أن يتجرّد من إزاره لسائله، فيسلمه إليه، و ألفيت بخطّ أبى الوليد الوقشى: الجود هاهنا، و على هذه الرواية، و بهذه الرّتبة: السّخاء، و كذلك فسره الأصمعي و الطّوسى، و أمّا على ما وقع فى شعر الهذلىّ، و فسر فى الغريب المصنف، فهو الجوع‏ (1) و موضعه فى الشعر المذكور يتلو قوله: تروّح مقرورا.

و فى الغريب رداءه بدل إزاره.

و قوله:

و لكن قرن الظّهر للمرء شاغل‏

قرن بالقاف: جمعه: أقران، و يروى:

و لكن أقران الظهور مقاتل‏

____________

(1) عقب الخشنى على تفسيره بالجوع: و يكاد أن يكون الجود هنا على أصله يعنى به كثرة العطاء.

230

..........

____________

مقاتل: جمع مقتل بكسر الميم، مثل محرب من الحرب، أى من كان قرن ظهر، فإنه قاتل و غالب.

و قوله يصف الريح:

لها حدب تحتشّه فيوائل‏

بالحاء المهملة وقع فى الأصل، و قد يسمى انحدار الماء و نحوه حدبا، فيكون هذا منه، و إلا فالخدب بالخاء المنقوطة أشبه بمعنى البيت، لأنهم يقولون: ريح خدباء كان بها خدبا (1)، و هو الهوج‏ (2).

من شعر مالك بن عوف:

و ذكر فى آخر بيت من شعر مالك بن عوف:

مثل الدّريئة تستحل و تشرم‏

الدريئة: الحلقة التي يتعلم عليها الطعن، و هو مهموز (3)، و تستحلّ بالحاء المهملة، وقع فى الأصل، و فى غيره: تستخلّ بالخاء معجمة، و هو أظهر فى المعنى من الخلال، و قد يكون لتستحلّ وحيه من الحل إذ بعده تشرم، و كلاهما قريب فى المعنى.

____________

(1) كذا بالأصل.

(2) فى الأصل: الهودج و التصويب من المعاجم.

(3) جعلها القاموس فى باب درى أيضا.

231

[ذكر غزوة الطائف بعد حنين فى سنة ثمان‏]

ذكر غزوة الطائف بعد حنين فى سنة ثمان و لما قدم فلّ ثقيف الطائف أغلقوا عليهم أبواب مدينتها، و صنعوا الصنائع للقتال.

و لم يشهد حنينا و لا حصار الطّائف عروة بن مسعود، و لا غيلان بن سلمة، كانا بجرش يتعلّمان صنعة الدّبّابات و المجانيق و الضّبور.

ثم سار رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إلى الطائف حين فرغ من حنين؛ فقال كعب بن مالك، حين أجمع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) السير إلى الطائف:

[شعر كعب‏]

شعر كعب‏

قضينا من تهامة كلّ ريب‏* * * و خيبر ثم أجممنا السّيوفا

نخيّرها و لو نطقت لقالت‏* * * قواطعهنّ: دوسا أو ثقيفا

فلست لحاضن إن لم تروها* * * بساحة داركم منّا ألوفا

و ننتزع العروش ببطن وجّ‏* * * و تصبح دوركم منكم خلوفا

و يأتيكم لنا سرعان خيل‏* * * يغادر خلفه جمعا كثيفا

إذا نزلوا بساحتكم سمعتم‏* * * لها ممّا أناخ بها رجيفا

بأيديهم قواضب مرهفات‏* * * يزرن المصطلين بها الحتوفا

كأمثال العقائق أخلصتها* * * قيون الهند لم تضرب كتيفا

____________

..........

232

تخال جديّة الأبطال فيها* * * غداة الزّحف جاديّا مدوفا

أجدّهم أ ليس لهم نصيح‏* * * من الأقوام كان بنا عريفا

يخبّرهم بأنّا قد جمعنا* * * عتاق الخيل و النّجب الطّروفا

و أنّا قد أتيناهم بزحف‏* * * يحيط بسور حصنهم صفوفا

رئيسم النبيّ و كان صلبا* * * نقىّ القلب مصطبرا عزوفا

رشيد الأمر ذو حكم و علم‏* * * و حلم لم يكن نزقا خفيفا

نطيع نبيّنا و نطيع ربّا* * * هو الرّحمن كان بنا رءوفا

فإن تلقوا إلينا السّلم نقبل‏* * * و نجعلكم لنا عضدا وريفا

و إن تأبوا نجاهدكم و نصبر* * * و لا يك أمرنا رعشا ضعيفا

نجالد ما بقينا أو تنيبوا* * * إلى الإسلام إذعانا مضيفا

نجاهد لا نبالى من لقينا* * * أ أهلكنا التّلاد أم الطّريفا

و كم من معشر ألبوا علينا* * * صميم الجذم منهم و الحليفا

أتونا لا يرون لهم كفاء* * * فجدّعنا المسامع و الأنوفا

بكل مهنّد لين صقيل‏* * * يسوقهم بها سوقا عنيفا

لأمر اللّه و الإسلام حتى‏* * * يقوم الدّين معتدلا حنيفا

و تنسى اللات و العزّى و ودّ* * * و نسلبها القلائد و الشّنوفا

فأمسوا قد أقرّوا و اطمأنّوا* * * و من لا يمتنع يقبل خسوفا

____________

..........

233

[كنانة يرد على كعب‏]

كنانة يرد على كعب فأجابه كنانة بن عبد يا ليل بن عمرو بن عمير، فقال:

من كان يبغينا يريد قتالنا* * * فإنّا بدار معلم لا نريمها

وجدنا بها الآباء من قبل ما ترى‏* * * و كانت لنا أطواؤها و كرومها

و قد جرّبتنا قبل عمرو بن عامر* * * فأخبرها ذو رأيها و حليمها

و قد علمت إن قالت الحقّ أنّنا* * * إذا ما أبت صعر الخدود نقيمها

نقوّمها حتى يلين شريسها* * * و يعرف للحقّ المبين ظلومها

علينا دلاص من تراث محرّق‏* * * كلون السماء زيّنتها نجومها

نرفّهها عنّا ببيض صوارم‏* * * إذا جرّدت فى غمرة لا نشيمها

[قصيدة شداد فى المسير إلى الطائف‏]

قصيدة شداد فى المسير إلى الطائف قال ابن إسحاق: و قال شداد بن عارض الجشمىّ فى مسير رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إلى الطائف:

لا تنصروا اللات إن اللّه مهلكها* * * و كيف ينصر من هو ليس ينتصر

إن التي حرّقت بالسّدّ فاشتعلت‏* * * و لم يقاتل لدى أحجارها هدر

إنّ الرسول متى ينزل بلادكم‏* * * يظعن و ليس بها من أهلها بشر

[الطريق إلى الطائف‏]

الطريق إلى الطائف قال ابن إسحاق: فسلك رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) على نخلة

____________

..........

234

اليمانية، ثم على قرن، ثم على المليح، ثم على بحرة الرّغاء من ليّة، فابتنى بها مسجدا فصلّى فيه.

قال ابن إسحاق: فحدثنى عمرو بن شعيب: أنه أقاد يومئذ ببحرة الرّغاء، حين نزلها، بدم، و هو أوّل دم أقيد به فى الإسلام، رجل من بنى ليث قتل رجلا من هذيل، فقتله به؛ و أمر رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و هو بليّة، بحصن مالك بن عوف فهدم، ثم سلك فى طريق يقال لها الضّيقة، فلما توجّه فيها رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) سأل عن اسمها، فقال: ما اسم هذه الطريق؟ فقيل له: الضّيقة، فقال: بل هى اليسرى، ثم خرج منها على نخب، حتى نزل تحت سدرة يقال لها الصادرة، قريبا من مال رجل من ثقيف، فأرسل إليه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): إما أن تخرج، و إما أن نخرب عليك حائطك؛ فأبى أن يخرج، فأمر رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بإخرابه‏

ثم مضى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) حتى نزل قريبا من الطائف، فضرب به عسكره، فقتل به ناس من أصحابه بالنّبل، و ذلك أن العسكر اقترب من حائط الطائف، فكانت النّبل تنالهم، و لم يقدر المسلمون على أن يدخلوا حائطهم، أغلقوه دونهم؛ فلما أصيب أولئك النّفر من أصحابه بالنّبل وضع عسكره عند مسجده الذي بالطائف اليوم، فحاصرهم بضعا و عشرين ليلة.

قال ابن هشام: و يقال سبع عشرة ليلة.

قال ابن إسحاق: و معه امرأتان من نسائه، إحداهما أمّ سلمة بنت‏

____________

..........

235

أبى أميّة، فضرب لهما قبّتين، ثم صلى بين القبّتين. ثم أقام، فلما أسلمت ثقيف بنى على مصلّى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) عمرو بن أميّة بن وهب بن معتّب ابن مالك مسجدا، و كانت فى ذلك المسجد سارية، فيما يزعمون، لا تطلع الشمس عليها يوما من الدهر إلا سمع لها نقيض، فحاصرهم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و قاتلهم قتالا شديدا، و تراموا بالنّبل.

[أول من رمى بالمنجنيق‏]

أول من رمى بالمنجنيق قال ابن هشام: و رماهم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بالمنجنيق.

حدثني من أثق به، أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أوّل من رمى فى الإسلام بالمنجنيق، رمى أهل الطائف.

[يوم الشدخة]

يوم الشدخة قال ابن إسحاق: حتى إذا كان يوم الشّدخة عند جدار الطّائف، دخل نفر من أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) تحت دبّابة، ثم زحفوا بها إلى جدار الطائف ليحرقوه، فأرسلت عليهم ثقيف سكك الحديد محماة بالنار، فخرجوا من تحتها، فرمتهم ثقيف بالنّبل، فقتلوا منهم رجالا، فأمر رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بقطع أعناب ثقيف؛ فوقع الناس فيها يقطعون.

[بين أبى سفيان و ثقيف‏]

بين أبى سفيان و ثقيف و تقدّم أبو سفيان بن حرب و المغيرة بن شعبة إلى الطائف، فناديا ثقيفا:

____________

..........

236

أن أمّنونا حتى نكلّمكم، فأمنوهما، فدعوا نساء من نساء من قريش و بنى كنانة ليخرجن إليهما، و هما يخافان عليهنّ السّباء، فأبين، منهنّ: آمنة بنت أبى سفيان، كانت عند عروة بن مسعود، له منها داود بن عروة.

قال ابن هشام: و يقال إن أمّ داود ميمونة بنت أبى سفيان، و كانت عند أبى مرّة بن عروة بن مسعود، فولدت له داود بن أبى مرّة.

قال ابن إسحاق: و الفراسيّة بنت سويد بن عمرو بن ثعلبة، لها عبد الرحمن بن قارب، و الفقيميّة أميمة بنت الناسئ أميّة بن قلع؛ فلما أبين عليهما، قال لهما ابن الأسود بن مسعود: يا أبا سفيان و يا مغيرة، أ لا أدلّكما على خير مما جئتما له، إن مال بنى الأسود بن مسعود حيث قد علمتما، و كان رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بينه و بين الطائف، نازلا بواد يقال له العقيق، إنه ليس بالطائف مال أبعد رشاء، و لا أشدّ مئونة، و لا أبعد عمارة من مال بنى الأسود، و إن محمدا إن قطعه لم يعمر أبدا، فكلّماه فليأخذ لنفسه، أو ليدعه للّه و الرّحم، فإنّ بيننا و بينه من القرابة ما لا يجهل؛ فزعموا أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) تركه لهم.

[تفسير أبى بكر لرؤيا الرسول‏]

تفسير أبى بكر لرؤيا الرسول و قد بلغنى أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قال لأبى بكر الصدّيق و هو محاصر ثقيفا: يا أبا بكر، إنى رأيت أنّى أهديت لى قعبة مملوءة زبدا، فنقرها ديك، فهراق ما فيها. فقال أبو بكر: ما أظنّ أن تدرك منهم يومك هذا

____________

..........

237

ما تريد. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): و أنا لا أرى ذلك.

[سبب ارتحال المسلمين‏]

سبب ارتحال المسلمين ثم إنّ خويلة بنت حكيم بن أميّة بن حارثة بن الأوقص السّلمية، و هى امرأة عثمان، قالت: يا رسول اللّه، أعطنى إن فتح اللّه عليك الطائف حلىّ بادية ابنة غيلان بن سلمة، أو حلىّ الفارعة بنت عقيل، و كانتا من أحلى نساء ثقيف.

فذكر لى أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قال لها: و إن كان لم يؤذن لى فى ثقيف يا خويلة؟ فخرجت خويلة، فذكرت ذلك لعمر بن الخطّاب، فدخل على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فقال: ما حديث حدّثتنيه خويلة، زعمت أنك قلته؟ قال: قد قلته؛ قال: أو ما أذن لك فيهم يا رسول اللّه؟ قال: لا.

قال: أ فلا أؤذّن بالرحيل؟ قال: بلى. قال: فأذّن عمر بالرّحيل.

[عيينة بن حصن‏]

عيينة بن حصن فلما استقلّ الناس نادى سعيد بن عبيد بن أسيد بن أبى عمرو بن علاج:

ألا إنّ الحىّ مقيم قال: يقول عيينة بن خصن: أجل، و اللّه مجدة كراما؛ فقال له رجل من المسلمين: قاتلك اللّه يا عيينة، أ تمدح المشركين بالامتناع من رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و قد جئت تنصر رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)! فقال: إنى و اللّه ما جئت لأقاتل ثقيفا معكم، و لكنى أردت أن يفتح محمد

____________

..........

238

الطائف، فأصيب من ثقيف جارية أتّطئها، لعلّها تلد لى رجلا، فإن ثقيفا قوم مناكير.

و نزل على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فى إقامته ممن كان محاصرا بالطائف عبيد، فأسلموا، فأعتقهم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم).

[العبيد الذين نزلوا من حصن الطائف‏]

العبيد الذين نزلوا من حصن الطائف قال ابن إسحاق: و حدثني من لا أنهم، عن عبد اللّه بن مكدّم، عن رجال من ثقيف، قالوا: لمّا أسلم أهل الطائف تكلّم نفر منهم فى أولئك العبيد، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): لا، أولئك عتقاء اللّه؛ و كان ممن تكلّم فيهم الحارث بن كلدة

قال ابن هشام: و قد سمّى ابن إسحاق من نزل من أولئك العبيد.

[شعر الضحاك و موضوعه‏]

شعر الضحاك و موضوعه قال ابن إسحاق: و قد كانت ثقيف أصابت أهلا لمروان بن قيس الدوسىّ، و كان قد أسلم، و ظاهر رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) على ثقيف، فزعمت ثقيف، و هو الذي تزعم به ثقيف أنها من قيس: أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قال لمروان بن قيس: خذ يا مروان بأهلك أوّل رجل من قيس تلقاه، فلقى أبىّ بن مالك القشيرىّ، فأخذه حتى يؤدّوا إليه أهله، فقام فى ذلك الضّحاك بن سفيان الكلابى، فكلّم ثقيفا حتى أرسلوا أهل مروان،

____________

..........

239

و أطلق لهم أبىّ بن مالك، فقال الضحّاك بن سفيان فى شي‏ء كان بينه و بين أبىّ بن مالك:

أ تنسى بلائى يا أبى بن مالك‏* * * غداة الرسول معرض عنك أشوس‏

يقودك مروان بن قيس بحبله‏* * * ذليلا كما قيد الذّلول المخيّس‏

فعادت عليك من ثقيف عصابة* * * متى يأتهم مستقبس الشّر يقبسوا

فكانوا هم المولى فعادت حلومهم‏* * * عليك و قد كادت بك النّفس تيأس‏

قال ابن هشام: «يقبسوا» عن غير ابن إسحاق‏

[الشهداء فى يوم الطائف‏]

الشهداء فى يوم الطائف قال ابن إسحاق: هذه تسمية من استشهد من المسلمين مع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يوم الطائف:

من قريش، ثم من بنى أميّة بن عبد شمس: سعيد بن سعيد بن العاص ابن أميّة، و عرفطة بن جنّاب، حليف لهم، من الأسد بن الغوث.

قال ابن هشام: و يقال: ابن حباب.

قال ابن إسحاق: و من بنى تيم بن مرّة: عبد اللّه بن أبى بكر الصدّيق، رمى بسهم، فمات منه بالمدينة بعد وفاة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم).

و من بنى مخزوم: عبد اللّه بن أبى أميّة بن المغيرة، من رمية رميها يومئذ.

و من بنى عدىّ بن كعب: عبد اللّه بن عامر بن ربيعة، حليف لهم.

____________

..........

240

و من بنى سهم بن عمرو: السائب بن الحارث بن قيس بن عدىّ، و أخوه عبد اللّه بن الحارث.

و من بنى سعد بن ليث: جليحة بن عبد اللّه.

و استشهد من الأنصار: من بنى سلمة: ثابت بن الجذع.

و من بنى مازن بن النّجار: الحارث بن سهل بن أبى صعصعة.

و من بنى ساعدة: المنذر بن عبد اللّه.

و من الأوس: رقيم بن ثابت بن ثعلبة بن زيد بن لوذان بن معاوية.

فجميع من استشهد بالطائف من أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) اثنا عشر رجلا، سبعة من قريش، و أربعة من الأنصار، و رجل من بنى ليث.

[قصيدة بجير فى حنين و الطائف‏]

قصيدة بجير فى حنين و الطائف فلما انصرف رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) عن الطائف بعد القتال و الحصار، قال بجير بن زهير بن أبى سلمى يذكر حنينا و الطائف:

كانت علالة يوم بطن حنين‏* * * و غداة أوطاس و يوم الأبرق‏

جمعت باغواء هوازن جمعها* * * فتبدّدوا كالطّائر المتمزّق‏

لم يمنعوا منّا مقاما واحدا* * * إلا جدارهم و بطن الخندق‏

و لقد تعرّضنا لكيما يخرجوا* * * فتحصّنوا منّا بباب مغلق‏

ترتد حسرانا إلى رجراجة* * * شهباء تلمع بالمنايا فيلق‏

____________

..........

241

ملمومة خضراء لو قذفوا بها* * * حضنا لظلّ كأنّه لم يخلق‏

مشى الضّراء على الهراس كأنّنا* * * قدر تفرّق فى القياد و تلتقى‏

فى كلّ سابغة إذا ما استحصنت‏* * * كالنّهى هبّت ريحه المترقرق‏

جدل تمسّ فضولهنّ نعالنا* * * من نسج داود و آل محرّق‏

[أمر أموال هوازن و سباياها و عطايا المؤلفة قلوبهم منها و إنعام رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فيها]

أمر أموال هوازن و سباياها و عطايا المؤلفة قلوبهم منها و إنعام رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فيها ثم خرج رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) حين انصرف عن الطائف على دحنا حتى نزل الجعرانة فيمن معه من الناس، و معه من هوازن سبى كثير و قد قال له رجل من أصحابه يوم ظعن عن ثقيف: يا رسول اللّه، ادع عليهم؛ فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): اللّهمّ اهد ثقيفا و أت بهم.

ثم أتاه وفد هوازن بالجعرانة، و كان مع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) من سبى هوازن ستة آلاف من الذّرارىّ و النساء، و من الإبل و الشّاء ما لا يدرى ما عدّته‏

قال ابن إسحاق: فحدثنى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه عبد اللّه ابن عمرو: أنّ وفد هوازن أتوا رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و قد أسلموا، فقالوا: يا رسول، إنا أصل و عشيرة، و قد أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك، فامنن علينا، منّ اللّه عليك. قال: و قام رجل من هوازن، ثم أحد بنى سعد

____________

..........

242

ابن بكر، يقال له زهير، يكنى أبا صرد، فقال: يا رسول اللّه، إنما فى الحظائر عمّاتك و خالاتك و حواضنك اللاتى كنّ يكفلنك، و لو أنّا ملحنا للحارث بن أبى شمر، أو للنعمان بن المنذر، ثم نزل منا بمثل الذي نزلت به، رجونا عطفه و عائدته علينا، و أنت خير المكفولين.

قال ابن هشام: و يروى: و لو أنا مالحنا الحارث بن أبى شمر، أو النّعمان ابن المنذر.

قال ابن إسحاق: فحدثنى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه عبد اللّه ابن عمرو، قال: فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): أبناؤكم و نساؤكم أحبّ إليكم أم أموالكم؟ فقالوا: يا رسول اللّه، خيّرتنا بين أموالنا و أحسابنا، بل تردّ إلينا نساءنا و أبناءنا، فهو أحبّ إلينا؛ فقال لهم: أما ما كان لى و لبنى عبد المطّلب فهو لكم، و إذا ما أنا صلّيت الظّهر بالناس، فقوموا فقولوا: إنا نستشفع برسول اللّه إلى المسلمين، و بالمسلمين إلى رسول اللّه فى أبناءنا و نسائنا، فسأعطيكم عند ذلك، و أسأل لكم، فلما صلّى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بالناس الظّهر، قاموا فتكلّموا بالذى أمرهم به، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): و أما ما كان لى و لبنى عبد المطّلب فهو لكم. فقال المهاجرون: و ما كان لنا فهو لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم). و قالت الأنصار:

و ما كان لنا فهو لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم). فقال الأقرع بن حابس:

أما أنا و بنو تميم فلا. و قال عيينة بن حصن: أما أنا و بنو فزارة فلا.

و قال عباس بن مرداس: أما أنا و بنو سليم فلا فقالت بنو سليم: بلى،

____________

..........

243

ما كان لنا فهو لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم).

قال: يقول عباس بن مرداس لبنى سليم: وهّنتمونى‏

فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): أمّا من تمسّك منكم بحقه من هذا السبى فله بكلّ إنسان ستّ فرائض، من أوّل سبى أصيبه، فردّوا إلى النّاس أبناءهم و نساءهم.

قال ابن إسحاق: و حدثني أبو وجزة يزيد بن عبيد السّعدىّ: أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أعطى علىّ بن أبى طالب رضى اللّه عنه جارية، يقال لها ريطة بنت هلال بن حيّان بن عميرة بن هلال بن ناصرة بن قصيّة ابن نصر بن سعد بن بكر، و أعطى عثمان بن عفّان جارية، يقال لها زينب بنت حيّان بن عمرو بن حيّان، و أعطى عمر بن الخطّاب جارية، فوهها لعبد اللّه بن عمر ابنه.

قال ابن إسحاق: فحدثنى نافع مولى عبد اللّه بن عمر، عن عبد اللّه ابن عمر، قال: بعثت بها إلى أخوالى من بنى جمح، ليصلحوا لى منها، و يهيّئوها، حتى أطوف بالبيت، ثم آتيهم، و أنا أريد أن أصيبها إذا رجعت إليها. قال: فخرجت من المسجد حين فرغت، فإذا النّاس يشتدّون؛ فقلت:

ما شأنكم؟ قالوا: ردّ علينا رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) نساءنا و أبناءنا؛ فقلت: تلكم صاحبتكم فى بنى جمح، فاذهبوا فخذوها، فذهبوا إليها، فأخذوها.

____________

..........

244

قال ابن إسحاق: و أما عيينة بن حصن، فأخذ عجوزا من عجائز هوازن، و قال حين أخذها: أرى عجوزا إنى لأحسب لها فى الحىّ نسبا، و عسى أن يعظم فداؤها فلما ردّ رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) السّبايا بستّ فرائض، أبى أن يردّها، فقال له زهير أبو صرد: خذها عنك، فو اللّه ما فوها ببارد، و لا ثديها بناهد، و لا بطنها بوالد، و لا زوجها بواجد، و لا درّها بماكد. فردّها بستّ فرائض حين قال له زهير ما قال؛ فزعموا أن عيينة لقى الأقرع بن حابس، فشكا إليه ذلك، فقال: إنك و اللّه ما أخذتها بيضاء غريرة، و لا نصفا و ثيرة.

و قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) لوفد هوازن، و سألهم عن مالك بن عوف ما فعل؟ فقالوا: هو بالطائف مع ثقيف، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): أخبروا مالكا أنه إن أتانى مسلما رددت عليه أهله و ماله، و أعطيته مائة من الإبل، فأتى مالك بذلك، فخرج إليه من الطائف. و قد كان مالك خاف ثقيفا على نفسه أن يعلموا أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قال له ما قال، فيحبسوه، فأمر براحلته فهيّئت له، و أمر بفرس له فأتى به إلى الطائف، فخرج ليلا، فجلس على فرسا، فركضه حتى أتى راحلته حيث أمر بها أن تحبس، فركبها، فلحق برسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فأدركه بالجعرانة أو بمكة، فردّ عليه أهله و ماله، و أعطاه مائة من الإبل، و أسلم فحسن إسلامه؛ فقال مالك بن عوف حين أسلم:

ما إن رأيت و لا سمعت بمثله‏* * * فى النّاس كلّهم بمثل محمّد

____________

..........

245

أو فى و أعطى للجزيل إذا اجتدى‏* * * و متى تشأ يخبرك عما فى غد

و إذا الكتيبة عرّدت أنيابها* * * بالسّمهرىّ و ضرب كلّ مهنّد

فكأنّه ليث على أشباله‏* * * وسط الهباءة خادر فى مرصد

فاستعمله رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) على من أسلم من قومه؛ و تلك القبائل: ثمالة، و سلمة، و فهم، فكان يقاتل بهم ثقيفا، لا يخرج لهم سرح إلا أغار عليه، حتى ضيّق عليهم؛ فقال أبو محجن بن حبيب بن عمرو بن عمير الثّقفى:

هابت الأعداء جانبنا* * * ثم تغزونا بنو اسلمه‏

و أتانا مالك بهم‏* * * ناقضا للعهد و الحرمه‏

و أتونا فى منازلنا* * * و لقد كنّا أولى نقمه‏

قال ابن إسحاق: و لما فرغ رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) من ردّ سبايا حنين إلى أهلها، ركب، و اتّبعه الناس يقولون: يا رسول اللّه، أقسم علينا فيئنا من الإبل و الغنم، حتى ألجئوه إلى شجرة، فاختطفت عنه رداءه؛ فقال:

أدّوا علىّ ردائى أيّها النّاس، فو اللّه أن لو كان لكم بعدد شجر تهامة نعما لقسمته عليكم، ثم ما ألفيتمونى بخيلا و لا جبانا و لا كذّابا، ثم قام إلى جنب بعير، فأخذ وبرة من سنامه، فجعلها بين إصبعيه، ثم رفعها، ثم قال:

أيها الناس، و اللّه ما لي من فيئكم و لا هذه الوبرة إلا الخمس، و الخمس مردود عليكم. فأدّوا الخياط و المخيط، فإنّ الغلول يكون على أهله عارا و نارا و شنارا يوم القيامة. قال: فجاء رجل من الأنصار بكبّة من خيوط شعر،

____________

..........

246

فقال: يا رسول اللّه، أخذت هذه الكبّة أعمل بها برذعة بعير لى دبر؛ فقال: أما نصيبى منها فلك! قال: أمّا إذ بلغت هذا فلا حاجة لى بها، ثم طرحها من يده.

قال ابن هشام: و ذكر زيد بن أسلم، عن أبيه: أن عقيل بن أبى طالب دخل يوم حنين على امرأته فاطمة بنت شيبة بن ربيعة، و سيفه متلطّخ دما، فقالت: إنى قد عرفت أنك قد قاتلت، فما ذا أصبت من غنائم المشركين؟

فقال: دونك هذه الإبرة تخيطين بها ثيابك، فدفعها إليها، فسمع منادى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يقول: من أخذ شيئا فليردّه، حتى الخياط و المخيط. فرجع عقيل، فقال: ما أرى إبرتك إلا قد ذهبت، فأخذها، فألقاها فى الغنائم.

قال ابن إسحاق: و أعطى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) المؤلّفة قلوبهم، و كانوا أشرافا من أشراف الناس، يتألّفهم و يتألّف بهم قومهم، فأعطى أبا سفيان بن حرب مائة بعير، و أعطى ابنه معاوية مائة بعير، و أعطى حكيم ابن حزام مائة بعير، و أعطى الحارث بن الحارث بن كلدة، أخا بنى عبد الدار مائة بعير.

قال ابن هشام: نصير بن الحارث بن كلدة، و يجوز أن يكون اسمه الحارث أيضا.

قال ابن إسحاق: و أعطى الحارث بن هشام مائة بعير، و أعطى سهيل‏

____________

..........

247

ابن عمرو مائة بعير، و أعطى حويطب بن عبد العزّى بن أبى قيس مائة بعير، و أعطى العلاء بن جارية الثّقفى، حليف بنى زهرة مائة بعير، و أعطى عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر مائة بعير، و أعطى الأقرع بن حابس التميمى مائة بعير. و أعطى مالك بن عوف النّصرىّ مائة بعير، و أعطى صفوان بن أميّة مائة بعير، فهؤلاء أصحاب المئين.

و أعطى دون المائة رجالا من قريش، منهم مخرمة بن نوفل الزّهرىّ، و عمير بن وهب الجمحىّ، و هشام بن عمرو أخو بنى عامر بن لؤيّ، لا أحفظ ما أعطاهم، و قد عرفت أنها دون المائة، و أعطى سعيد بن يربوع بن عنكثة ابن عامر بن مخزوم خمسين من الإبل، و أعطى السّهمىّ خمسين من الإبل.

قال ابن هشام: و اسمه عدىّ بن قيس.

قال ابن إسحاق: و أعطى عبّاس بن مرداس أباعر فسخطها، فعاتب فيها رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فقال عباس بن مرداس يعاقب رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم):

كانت نهابا تلافيتها* * * بكرّى على المهر فى الأجرع‏

و إيقاظى القوم أن يرقدوا* * * إذا هجع النّاس لم أهجع‏

فأصبح نهبى و نهب العبيد* * * بين عيينة و الأقرع‏

و قد كنت فى الحرب ذا تدرإ* * * فلم أعط شيئا و لم أمنع‏

إلّا أفائل أعطيتها* * * عديد قوائمها الأربع‏

____________

..........

248

و ما كان حصن و لا حابس‏* * * يفوقان شيخى فى المجمع‏

و ما كنت دون امرئ منهما* * * و من تضع اليوم لا يرفع‏

قال ابن هشام: أنشدنى يونس النّحوى:

فما كان حصن و لا حابس‏* * * يفوقان مرداس فى المجمع‏

قال ابن إسحاق: فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): اذهبوا به، فاقطعوا عنى لسانه، فأعطوه حتى رضى، فكان ذلك قطع لسانه الذي أمر به رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم).

قال ابن هشام: و حدثني بعض أهل العلم: أن عبّاس بن مرداس أتى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فقال له رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم):

أنت القائل:

«فأصبح نهبى و نهب العبيد بين الأقرع و عيينة»؟

فقال أبو بكر الصدّيق: بين عيينة و الأفرع؛ فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): هما واحد؛ فقال أبو بكر: أشهد أنك كما قال اللّه: (وَ ما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَ ما يَنْبَغِي لَهُ).

قال ابن هشام: و حدثني من أثق به من أهل العلم فى إسناد له، عن ابن شهاب لزهرى، عن عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة، عن ابن عباس، قال:

بايع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) من قريش و غيرهم، فأعطاهم يوم الجعرانة من غنائم حنين.

____________

..........

249

من بنى أميّة بن عبد شمس: أبو سفيان بن حرب بن أميّة، و طليق ابن سفيان بن أميّة، و خالد بن أسيد بن أبى العيص بن أميّة.

و من بنى عبد الدار بن قصىّ: شيبة بن عثمان بن أبى طحة بن عبد العزّى ابن عثمان بن عبد الدار، و أبو السّنابل بن بعكك بن الحارث بن عميلة بن السّبّاق بن عبد الدار، و عكرمة بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار.

و من بنى مخزوم بن يقظة: زهير بن أبى أميّة بن المغيرة، و الحارث ابن هشام بن المغيرة، و خالد بن هشام بن المغيرة، و هشام بن الوليد بن المغيرة، و سفيان بن عبد الأسد بن عبد اللّه بن عمر بن مخزوم، و السّائب بن أبى السائب بن عائذ بن عبد اللّه بن عمر بن مخزوم.

و من بنى عدىّ بن كعب: مطيع بن الأسود بن حارثة بن نضلة، و أبو جهم بن حذيفة بن غانم.

و من بنى جمح بن عمرو: صفوان بن أميّة بن خلف، و أحيحة بن أميّة بن خلف، و عمير بن وهب بن خلف.

و من بنى سهم: عدىّ بن قيس بن حذافة.

و من بنى عامر بن لؤيّ: حويطب بن عبد العزّى بن أبى قيس بن عبد ودّ هشام بن عمرو بن ربيعة بن الحارث بن حبيّب.

و من أفناء القبائل: من بنى بكر بن عبد مناة بن كنانة: نوفل بن معاوية ابن عروة بن صخر بن رزن بن يعمر بن نفاثة بن عدىّ بن الدّيل.

____________

..........

250

و من بنى قيس، ثم من بنى عامر بن صعصعة، ثم من بنى كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة: علقمة بن علاثة بن عوف بن الأحوص بن جعفر بن كلاب، و لبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب.

و من بنى عامر بن ربيعة: خالد بن هوذة بن ربيعة بن عمرو بن عامر ابن ربيعة بن عامر بن صعصعة، و حرملة بن هوذة بن ربيعة بن عمرو.

و من بنى نصر بن معاوية: مالك بن عوف بن سعيد بن يربوع‏

و من بنى سليم بن منصور: عباس بن مرداس بن أبى عامر، أخو بنى الحارث بن بهثة بن سليم‏

و من بنى غطفان، ثم من بنى فزارة: عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر.

و من بنى تميم ثم من بنى حنظلة: الأقرع بن حابس بن عقال، من بنى مجاشع بن دارم.

قال ابن إسحاق: و حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمىّ: أن قائلا قال لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) من أصحابه: يا رسول اللّه، أعطيت عيينة بن حصن و الأقرع بن حابس مائة مائة، و تركت جعيل بن سراقة الضّمرى! فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): أما و الذي نفس محمد بيده لجميل بن سراقة خير من طلاع الأرض، كلّهم مثل عيينة بن حصن و الأقرع بن حابس، و لكنى تألفتهما ليسلما، و وكلت جعيل بن سراقة إلى إسلامه.

____________

..........

251

قال ابن إسحاق: و حدثني أبو عبيدة بن محمد بن عمّار بن ياسر، عن مقسم أبى القاسم، مولى عبد اللّه بن الحارث بن نوفل، قال: خرجت أنا و تليد بن كلاب اللّيثىّ، حتى أتينا عبد اللّه بن عمرو بن العاص، و هو يطوف بالبيت، معلّقا نعله بيده، فقلنا له: هل حضرت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) حين كلمه التميمىّ يوم حنين؟ قال: نعم، جاء رجل من بنى تميم، يقال له ذو الخويصرة، فوقف عليه و هو يعطى الناس، فقال: يا محمد، قد رأيت ما صنعت فى هذا اليوم؛ فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): أجل، فكيف رأيت؟ فقال: لم أرك عدلت؛ قال: فغضب النبيّ (صلى الله عليه و سلم)، ثم قال: ويحك! إذا لم يكن العدل عندى، فعند من يكون؟! فقال عمر ابن الخطّاب: يا رسول اللّه، أ لا أقتله؟ فقال: لا، دعه فإنه سيكون له شيعة يتعمّقون فى الدين حتى يخرجوا منه كما يخرج السّهم من الرّميّة، ينظر فى النّصل، فلا يوجد شي‏ء، ثم فى القدح، فلا يوجد شي‏ء، ثم فى الفوق، فلا يوجد شي‏ء، سبق الفرث و الدّم.

قال ابن إسحاق: و حدثني محمد بن علىّ بن الحسين أبو جعفر بمثل حديث أبى عبيدة، و سماه ذا الخويصرة.

[شعر حسان فى جرمان الأنصار]

شعر حسان فى جرمان الأنصار قال ابن إسحاق: و حدثني عبد اللّه بن أبى نجيح، عن أبيه بمثل ذلك.

قال ابن هشام: و لما أعطى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ما أعطى‏

____________

..........

252

قريش و قبائل العرب، و لم يعط الأنصار شيئا، قال حسّان بن ثابت يعاتبه فى ذلك:

زادت هموم فماء العين منحدر* * * سحا إذا حفلته عبرة درر

وجدا بشمّاء إذ شمّاء بهكنة* * * هيفاء لا ذنن فيها و لا خور

دع عنك شمّاء إذ كانت مودّتها* * * نزرا و شرّ وصال الواصل النّزر

و أت الرّسول فقل يا خير مؤتمن‏* * * للمؤمنين إذا ما عدّد البشر

علام تدعى سليم و هى نازحة* * * قدّام قوم هم آووا و هم نصروا

سمّاهم اللّه أنصارا بنصرهم‏* * * دين الهدى و عوان الحرب تستعر

و سارعوا فى سبيل اللّه و اعترفوا* * * للنّائبات و ما خاموا و ما ضجروا

و الناس ألب علينا فيك ليس لنا* * * إلا السّيوف و أطراف القنا وزر

نجالد النّاس لا نبقى على أحد* * * و لا نضيّع ما توحى به السّور

و لا تهرّ جناة الحرب نادينا* * * و نحن حين تلظّى نارها سعر

كما رددنا ببدر دون ما طلبوا* * * أهل النّفاق و فينا ينزل الظّفر

و نحن جندك يوم النّعف من أحد* * * إذ حزّبت بطرا أحزابها مضر

فما ونينا و ما خمنا و ما خبروا* * * منّا عثارا و كلّ الناس قد عثروا

قال ابن هشام: حدثني زياد بن عبد اللّه، قال: حدثنا ابن إسحاق: قال:

و حدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن أبى سعيد الخدرىّ، قال: لما أعطى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ما أعطى من تلك العطايا،

____________

..........

253

فى قريش و فى قبائل العرب، و لم يكن فى الأنصار منها شي‏ء، وجد هذا الحىّ من الأنصار فى أنفسهم، حتى كثرت منهم القالة حتى قال قائلهم: لقد لقى و اللّه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قومه، فدخل عليه سعد بن عبادة، فقال:

يا رسول اللّه، إنّ هذا الحىّ من الأنصار قد وجدوا عليك فى أنفسهم، لما صنعت فى هذا الفي‏ء الذي أصبت، قسمت فى قومك، و أعطيت عطايا عظاما فى قبائل العرب، و لم يك فى هذا الحىّ من الأنصار منها شي‏ء. قال:

فأين أنت من ذلك يا سعد؟ قال: يا رسول اللّه، ما أنا إلا من قومى. قال:

فاجمع لى قومك فى هذه الحظيرة. قال: فخرج سعد، فجمع الأنصار فى تلك الحظيرة قال: فجاء رجال من المهاجرين فتركهم، فدخلوا، و جاء آخرون فردّهم فلما اجتمعوا له أتاه سعد، فقال: قد اجتمع لك هذا الحىّ من الأنصار، فأتاهم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فحمد اللّه و أثنى عليه بما هو أهله ثم قال:

يا معشر الأنصار: ما قالة بلغتنى عنكم، و جدة وجدتموها علىّ فى أنفسكم؟

أ لم آتكم ضلّالا فهداكم اللّه، و عالة فأغناكم اللّه، و أعداء فألّف اللّه بين قلوبكم! قالوا: يلى، اللّه و رسوله أمنّ و أفضل ثم قال: أ لا تجيبوننى يا معشر الأنصار؟ قالوا: بما ذا نجيبك يا رسول اللّه؟ للّه و لرسوله المنّ و الفضل.

قال (صلى الله عليه و سلم): أما و اللّه لو شئتم لقلتم، فلصدقتم و لصدّقتم:

أتيتنا مكذّبا فصدّقناك، و مخذولا فنصرنك، و طريدا فآويناك، و عائلا فآسيناك. أوجدتم يا معشر الأنصار فى أنفسكم فى لعاعة من الدّنيا تألّفت بها قوما ليسلموا، و وكلتكم إلى إسلامكم، أ لا ترضون يا معشر الأنصار، أن يذهب الناس بالشاة و البعير، و ترجعوا برسول اللّه إلى رحالكم؟

____________

..........

254

فو الذي نفس محمد بيده، لو لا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، و لو سلك الناس شعبا و سلكت الأنصار شعبا، لسلكت شعب الأنصار. اللّهمّ ارحم الأنصار، و أبناء الأنصار، و أبناء أبناء الأنصار.

قال: فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم، و قالوا: رضينا برسول اللّه قسما و حظا. ثم انصرف رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و تفرّقوا.

[عمرة الرسول من الجعرانة و استخلافه عتاب بن أسيد على مكة، و حج عتاب بالمسلمين سنة ثمان‏]

عمرة الرسول من الجعرانة و استخلافه عتاب بن أسيد على مكة، و حج عتاب بالمسلمين سنة ثمان‏

[اعتمار الرسول و استخلافه ابن أسيد على مكة]

اعتمار الرسول و استخلافه ابن أسيد على مكة قال ابن إسحاق: ثم خرج رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) من الجعرانة معتمرا، و أمر ببقايا الفي‏ء فحبس بمجنّة، بناحية مرّ الظّهران، فلما فرغ رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) من عمرته انصرف راجعا إلى المدينة و استخلف عتّاب بن أسيد على مكّة، و خلّف معه معاذ بن جبل، يفقّه الناس فى الدين، و يعلّمهم القرآن، و اتّبع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ببقايا الفي‏ء.

قال ابن هشام: و بلغنى عن زيد بن أسلم أنه قال: لما استعمل النبيّ (صلى الله عليه و سلم) عتّاب بن أسيد على مكّة رزقه كلّ يوم درهما، فقام فخطب الناس، فقال: أيها الناس، أجاع اللّه كبد من جاع على درهم،

____________

..........