الروض الأنف في شرح السيرة النبوية - ج7

- عبد الرحمن السهيلي المزيد...
614 /
255

فقد رزقنى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) درهما كلّ يوم، فليست بى حاجة إلى أحد.

[وقت العمرة]

وقت العمرة قال ابن إسحاق: و كانت عمرة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فى ذى القعدة، فقدم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) المدينة فى بقيّة ذى القعدة أو فى ذى الحجّة.

قال ابن هشام: و قدم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) المدينة لستّ ليال بقين من ذى القعدة فيما زعم أبو عمرو المدنى.

قال ابن إسحاق: و حجّ الناس تلك السنة على ما كانت العرب تحجّ عليه، و حجّ بالمسلمين تلك السنة عتّاب بن أسيد، و هى سنة ثمان، و أقام أهل الطائف على شركهم و امتناعهم فى طائفهم، ما بين ذى القعدة إذ انصرف رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إلى شهر رمضان من سنة تسع.

[أمر كعب بن زهير بعد الانصراف عن الطائف‏]

أمر كعب بن زهير بعد الانصراف عن الطائف و لما قدم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) من منصرفه عن الطائف كتب بجير بن زهير بن أبى سلمى إلى أخيه كعب بن زهير يخبره أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قتل رجالا بمكة، ممن كان يهجوه و يؤذيه، و أن من بقى من شعراء قريش، ابن الزّبعرى و هبيرة بن أبى وهب، قد هروا فى كلّ وجه، فإن كانت لك فى نفسك حاجة، فطر إلى رسول اللّه صلى اللّه‏

____________

..........

256

عليه و سلم، فإنه لا يقتل أحدا جاءه تائبا، و إن أنت لم تفعل فانج إلى نجائك من الأرض؛ و كان كعب بن زهير قد قال:

ألا أبلغا عنّى بجيرا رسالة* * * فهل لك فيما قلت ويحك هل لكا؟

فبيّن لنا إن كنت لست بفاعل‏* * * على أىّ شي‏ء غير ذلك دلّكا

على خلق لم ألف يوما أباله‏* * * عليه و ما تلفى عليه أبا لكا

فإن أنت لم تفعل فلست بآسف‏* * * و لا قائل إمّا عثرت: لعا لكا

سقاك بها المأمون كأسا رويّة* * * فأنهلك المأمون منها و علّكا

قال ابن هشام: و يروى «المأمور». و قوله «فبين لنا» عن غير ابن إسحاق.

و أنشدنى بعض أهل العلم بالشعر و حديثه:

من مبلغ عنّى بجيرا رسالة* * * فهل لك فيما قلت بالخيف هل لكا

شربت مع المأمون كأسا رويّة* * * فأنهلك المأمون منها و علّكا

و خالفت أسباب الهدى و اتّبعته‏* * * على أىّ شي‏ء ويب غيرك دلّكا

على خلق لم تلف أمّا و لا أبا* * * عليه و لم تدرك عليه أخا لكا

فإن أنت لم تفعل فلست بآسف‏* * * و لا قائل إمّا عثرت: لعا لكا

قال: و بعث بها إلى بجير، فلما أتت بجيرا كره أن يكتمها رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فأنشده إياها، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) لما سمع «سقاك بها المأمون». صدق و إنه لكذوب، أنا المأمون: و لما سمع:

____________

..........

257

«على خلق لم تلف أمّا و لا أبا عليه» قال: أجل، لم يلف عليه» قال: أجل، لم يلف عليه أباه و لا أمّه.

ثم قال بجير لكعب:

من مبلغ كعبا فهل لك فى التي‏* * * تلوم عليها باطلا و هى أحزم‏

إلى اللّه (لا العزّى و لا اللات) وحده‏* * * فتنجو إذا كان النّجاء و تسلم‏

لدى يوم لا ينجو و ليس بمفلت‏* * * من النّاس إلا طاهر القلب مسلم‏

فدين زهير و هو لا شي‏ء دينه‏* * * و دين أبى سلمى علىّ محرّم‏

قال ابن إسحاق: و إنما يقول كعب: «المأمون»، و يقال: «المأمور» فى قول ابن هشام، لقول قريش الذي كانت تقوله لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم).

[قدوم كعب على الرسول و قصيدته اللامية]

قدوم كعب على الرسول و قصيدته اللامية قال ابن إسحاق: فلما بلغ كعبا الكتاب ضافت به الأرض، و أشفق على نفسه، و أرجف به من كان فى حاضره من عدوّه، فقالوا: هو مقتول:

فلما لم يجد من شي‏ء بدّا، قال قصيدته التي يمدح فيها رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و ذكر فيها خوفه و إرجاف الوشاة به من عدوّه، ثم خرج حتى قدم المدينة، فنزل على رجل كانت بينه و بينه معرفة، من جهينة، كما ذكر لي، فغدا به إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) حين صلى الصبح، فصلى مع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، ثم أشار له إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فقال: هذا رسول اللّه، فقم إليه فاستأمنه. فذكر لي أنه قام إلى رسول اللّه‏

____________

..........

258

(صلى الله عليه و سلم)، حتى جلس إليه، فوضع يده فى يده، و كان رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) لا يعرفه، فقال: يا رسول اللّه، إن كعب بن زهير قد جاء ليستأمن منك تائبا مسلما، فهل أنت قابل منه إن أنا جئتك به؟ قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) نعم؛ قال: أنا يا رسول اللّه كعب بن زهير.

قال ابن إسحاق: فحدثنى عاصم بن عمر بن قتادة: أنه وثب عليه رجل من الأنصار، فقال: يا رسول اللّه، دعنى و عدوّ اللّه أضرب عنقه؛ فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): دعه عنك، فإنه قد جاء تائبا، نازعا (عما كان عليه) قال فغضب كعب على هذا الحىّ من الأنصار، لما صنع به صاحبهم، و ذلك أنه لم يتكلم فيه رجل من المهاجرين إلا بخير، فقال فى قصيدته التي قال حين قدم على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم):

بانت سعاد فقلبى اليوم متبول‏* * * متيّم إثرها لم يفد مكبول‏

و ما سعاد غداة البين إذ رحلوا* * * إلا أغنّ غضيض الطّرف مكحول‏

هيفاء مقبلة عجزاء مدبرة* * * لا يشتكى قصر منها و لا طول‏

تجلو عوارض ذى ظلم إذا ابتسمت‏* * * كأنّه منهل بالروح معلول‏

شجّت بذى شيم من ماء محنية* * * صاف بأبطح أضحى و هو مشمول‏

تنفى الرّياح القذى عنه و أفرطه‏* * * من صوب غادية بيض يعاليل‏

فيا لها خلّة لو أنها صدقت‏* * * بوعدها أو لو أنّ النّصح مقبول‏

لكنها خلّة قد سيط من دمها* * * فجع و ولع و إخلاف و تبديل‏

فما تدوم على حال تكون بها* * * كما تلوّن فى أثوابها الغول‏

____________

..........

259

و ما تمسّك بالعهد الذي زعمت‏* * * إلا كما يمسك الماء الغرابيل‏

فلا يغرّنك ما منّت و ما وعدت‏* * * إنّ الأمانىّ و الأحلام تضليل‏

كانت مواعيد عرقوب لها مثلا* * * و ما مواعيدها إلا الأباطيل‏

أرجو و آمل أن تدنو مودّتها* * * و ما إخال لدينا منك تنويل‏

أمست سعاد بأرض لا يبلّغها* * * إلا العتاق النّجيبات المراسيل‏

و لن يبلّغها إلا عذافرة* * * لها على الأين إرقال و تبغيل‏

من كلّ نضّاخة الذّفرى إذا عرقت‏* * * عرضتها طامس الأعلام مجهول‏

ترمى الغيوب بعينى مفرد لهق‏* * * إذا توقّدت الحزّان و الميل‏

ضخم مقلّدها فعم مقيّدها* * * فى خلقها عن بنات الفحل تفضيل‏

غلباء وجناء علكوم مذكّرة* * * فى دفّها سعة قدّامها ميل‏

و جلدها من أطوم ما يؤيّسه‏* * * طلح بضاحية المتنين مهزول‏

حرف، أخوها أبوها من مهجّنة* * * و عمّها خالها قوداء شمليل‏

يمشى القراد عليها ثم يزلقه‏* * * منها لبان و أقراب زهاليل‏

عيرانة قذفت بالنّحض عن عرض‏* * * مرفقها عن بنات الزّور مفتول‏

كأنّما فات عينيها و مذبحها* * * من خطمها و من اللّحيين برطيل‏

تمرّ مثل عسيب النّخل ذا خصل‏* * * فى غارز لم تخوّنه الأحاليل‏

قنواء فى حرّتيها للبصير بها* * * عتق مبين و فى الخدّين تسهيل‏

تخدى على يسرات و هى لاحقة* * * ذوابل مسّهنّ الأرض تحليل‏

____________

..........

260

سمر العجايات يتركن الحصى زيما* * * لم يقهنّ رءوس الأكم تنعيل‏

كأنّ أوب ذراعيها و قد عرقت‏* * * و قد تلفّع بالقور العساقيل‏

يوما يظلّ به الحرباء مصطخدا* * * كأنّ ضاحيه بالشّمس مملول‏

و قال للقوم حاديهم و قد جعلت‏* * * ورق الجنادب يركضن الحصاقيلوا

شدّ النهار ذراعا عيطل نصف‏* * * قامت فجاوبها نكد مثاكيل‏

نوّاحة رخوة الضّبعين ليس لها* * * لمّا نعى بكرها النّاعون معقول‏

تفرى اللّبان بكفّيها و مدرعها* * * مشقّق عن تراقيها رعابيل‏

تسعى الغواة جنابيها و قولهم‏* * * إنّك يا ابن أبى سلمى لمقتول‏

و قال كلّ صديق كنت آمله‏* * * لا ألهينّك إنى عنك مشغول‏

فقلت خلّوا سبيلى لا أبا لكم‏* * * فكلّ ما قدّر الرّحمن مفعول‏

كلّ ابن أنثى و إن طالت سلامته‏* * * يوما على آلة حدباء محمول‏

نبّئت أنّ رسول اللّه أوعدنى‏* * * و العفو عند رسول اللّه مأمول‏

مهلا هداك الذي أعطاك نافلة* * * القرآن فيها مواعيظ و تفصيل‏

لا تأخذنّى بأقوال الوشاة و لم‏* * * أذنب و لو كثرت فىّ الأقاويل‏

لقد أقوم مقاما لو يقوم به‏* * * أرى و أسمع ما لو يسمع الفيل‏

لظلّ يرعد إلا أن يكون له‏* * * من الرّسول بإذن اللّه تنويل‏

حتى وضعت يمينى ما أنازعه‏* * * فى كفّ ذى نقمات قيله القيل‏

فلهو أخوف عندى إذ أكلّمه‏* * * و قيل إنّك منسوب و مسئول‏

من ضيغم بضراء الأرض مخدره‏* * * فى بطن عثّر غيل دونه غيل‏

____________

..........

261

يغدو فيلحم ضرغامين عيشهما* * * لحم من النّاس معفور خراديل‏

إذا يساور قرنا لا يحلّ له‏* * * أن يترك القرن إلا و هو مفلول‏

منه تظلّ سباع الجوّ نافرة* * * و لا تمشّى بواديه الأراجيل‏

و لا يزال بواديه أخو ثقة* * * مضرّج البزّ و الدّرسان مأكول‏

إنّ الرّسول لنور يستضاء به‏* * * مهنّد من سيوف اللّه مسلول‏

فى عصبة من قريش قال قائلهم‏* * * ببطن مكّة لمّا أسلموا زولوا

زالوا فما زال أنكاس و لا كشف‏* * * عند اللّقاء و لا ميل معازيل‏

شمّ العرانين أبطال لبوسهم‏* * * من نسج داود فى الهيجا سرابيل‏

بيض سوابغ قد شكّت لها حلق‏* * * كأنها حلق القفعاء مجدول‏

ليسوا مفاريح إن نالت رماحهم‏* * * قوما و ليسوا مجازيعا إذا نيلوا

يمشون مشى الجمال الزّهر يعصمهم‏* * * ضرب إذا عرّد السّود التّنابيل‏

لا يقع الطّعن إلا فى نحورهم‏* * * و ما لهم عن حياض الموت تهليل‏

قال ابن هشام: قال كعب هذه القصيدة بعد قدومه على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) المدينة و بيته: «حرف أخوها أبوها» و بيته: «يمشى القراد»، و بيته: «عيرانة قذفت»، و بيته: «تمرّ مثل عسيب النّخل»، و بيته: «تفرى اللّبان» و بيته: «إذا يساور قرنا» و بيته: «و لا يزال بواديه»: عن غير ابن إسحاق.

____________

..........

262

[استرضاء كعب الأنصار بمدحه إياهم‏]

استرضاء كعب الأنصار بمدحه إياهم قال ابن إسحاق: و قال عاصم بن عمر بن قتادة: فلما قال كعب:

«إذا عرّد السّود التّنابيل»، و إنما يريدنا معشر الأنصار، لما كان صاحبنا صنع به ما صنع، و خصّ المهاجرين من قريش من أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بمدحته، غضبت عليه الأنصار؛ فقال بعد أن أسلم يمدح الأنصار، و يذكر بلاءهم مع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و موضعهم من اليمن:

من سرّه كرم الحياة فلا يزل‏* * * فى مقنب من صالحى الأنصار

ورثوا المكارم كابرا عن كابر* * * إنّ الخيار هم بنو الأخيار

المكرهين السّمهرى بأذرع‏* * * كسوالف الهندىّ غير قصار

و النّاظرين بأعين محمرّة* * * كالجمر غير كليلة الأبصار

و البائعين نفوسهم لنبيّهم‏* * * للموت يوم تعانق و كرار

و القائدين النّاس عن أديانهم‏* * * بالمشرفىّ و بالقنا الخطّار

يتطهّرون يرونه نسكا لهم‏* * * بدماء من علقوا من الكفّار

دربوا كما دربت ببطن خفيّة* * * غلب الرقاب من الأسود ضوارى‏

و إذا حللت ليمنعوك إليهم‏* * * أصبحت عند معاقل الأعفار

ضربوا عليّا يوم بدر ضربة* * * دانت لوقعتها جميع نزار

لو يعلم الأقوام علمى كلّه‏* * * فيهم لصدّقنى الذين أمارى‏

قوم إذا خوت النّجوم فإنهم‏* * * للطّارقين النّازلين مقاري‏

____________

..........

263

فى الغرّ من غسّان من جرثومة* * * أعيت محافرها على المنقار

قال ابن هشام: و يقال إن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قال له حين أنشده: «بانت سعاد فقلبى اليوم متبول»: لو لا ذكرت الأنصار بخير، فإنهم لذلك أهل، فقال كعب هذه الأبيات، و هى فى قصيدة له.

قال ابن هشام: و ذكر لى عن علىّ بن زيد بن جدعان أنه قال: أنشد كعب بن زهير رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فى المسجد:

«بانت سعاد فقلبى اليوم متبول»

____________

غزوة الطائف ذكر بعض أهل النّسب أن الدّمون بن الصّدف، و اسم الصّدف: ملك ابن مالك بن مرتّع بن كندة من حضر موت أصاب دما من قومه، فلحق بثقيف، فأقام فيهم، و قال لهم: ألا أبنى لكم حائطا يطيف ببلدكم، فبناه، فسمّى به الطائف، ذكره البكرى هكذا (1) قال: و إنما هو الدّمون بن عبيد ابن مالك بن دهقل، و هو من الصّدف، و له ابنان أدركا النبيّ- (صلى الله عليه و سلم)- و بايعاه، اسم أحدهما: الهميل، و الآخر: قبيصة، و لم يذكرهما أبو عمر فى الصحابة، و ذكرهما غيره.

____________

(1) ذكر؟؟؟؟ معجم ما استعجم.

264

..........

____________

و ذكر أن أصل أعنابها أن قيس‏ (1) بن منبّه، و هو ثقيف أصاب دما فى قومه أيضا، و هم إياد ففر إلى الحجاز، فمر بأمرأة يهودية فآوته‏ (2)، و أقام عندها زمانا، ثم انتقل عنها، فأعطته قضبا من الحبلة و أمرته أن يغرسها فى أرض و صفتها له، فأتى بلاد عدوان، و هم سكان الطائف فى ذلك الزمان، فمر بسخيلة (3) جارية عامر بن الظّرب العدوانىّ، و هى ترعى غنما، فأراد سباءها، و أخذ الغنم، فقالت له: أ لا أدلك على خير مما هممت به، اقصد إلى سيدى و جاوره فهو أكرم الناس، فأتاه فزوّجه من بنته زينب بنت عامر، فلما جلت عدوان عن الطائف بالحروب التي وقعت بينها أقام قسىّ، و هو ثقيف، فمنه تناسل أهل الطائف، و سمى: قسيّا بقسوة قلبه حين قتل أخاه أو ابن عمه‏ (4)، و قيل: سمّى ثقيفا لقولهم فيه: ما أثقفه حين ثقف عامرا حتى أمنه و زوّجه بنته.

و ذكر بعض المفسرين وجها آخر فى تسميتها بالطائف، فقال فى الجنة التي ذكرها اللّه سبحانه فى سورة «ن» حيث يقول: فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَ هُمْ نائِمُونَ‏ ن: 19. قال: كان الطائف جبريل (عليه السلام) اقتلعها من موضعها، فأصبحت كالصّريم، و هو الليل، أصبح موضعها كذلك،

____________

(1) فى الأصل قيس. و لكنه قسى كما سيذكر، و كما ورد فى كتب النسب.

(2) فى البكرى «فاتخذها أما، و اتخذته ابنا».

(3) فى معجم البكرى: خصيلة، و قيل: زبينة.

(4) فى البكرى: ابن عمه، و أنه قال هقب قتله:

و حربة ناهل أوجرت عمرا* * * فما لي بعده أبدا قرار

265

..........

____________

ثم سار بها إلى مكة، فطاف بها حول البيت، ثم أنزلها حيث الطائف اليوم، فسمّيت باسم الطائف الذي طاف عليها، و طاف بها، و كانت تلك الجنة بضروان‏ (1) على فراسخ من صنعاء، و من ثمّ كان الماء و الشجر بالطائف دون ما حولها من الأرضين، و كانت قصة أصحاب الجنة بعد عيسى بن مريم صلى اللّه على نبينا و عليه و سلم بيسير، ذكر هذا الخبر النقاش و غيره‏ (2).

فإن قيل: فإذا كان ثقيف هو قسىّ بن منبّه، كما قال ابن إسحاق و غيره، فكيف قال سيبويه حاكيا عن العرب: ثقيف بن قسىّ، فجعله ابنا لقسىّ؟

قيل: إنما أراد سيبويه أن الحىّ سمّى ثقيفا، و هم بنو قسىّ، كما قالوا باهلة ابن أعصر، و إنما هى أمهم، و لكن سمّى الحىّ بها، ثم قيل فيه: ابن أعصر (3)، كذلك قالوا: ثقيف بن قسىّ على هذا، و يقوى هذا أن سيبويه إنما قال حاكيا: هؤلاء ثقيف بن قسىّ.

____________

(1) فى الأصل: ضوارن و التصويب من البكرى و تفسير ابن كثير، و هى على بعد ستة أميال من صنعاء كما نقل ابن كثير عن سعيد بن جبير.

(2) أقوال بلا سند. و النقاش يفترى الكثير، و قد ورد أنهم من أهل الحبشة، و أنهم كانوا أهل كتاب.

(3) فى الاشتقاق: من قبائل سعد بن قيس: أعصر بن سعد، و هو أبو غنى و باهلة و الطفاوة، و لقب أعصر لبيت قاله، و كان من المعمرين. و البيت كما هو فى اللسان:

أبنى إن أباك غير لونه‏* * * كر الليالى و اختلاف الأعصر

ثم قال عن باهلة إنها امرأة من مذحج أو من همدان، و إنها حضنت كل أولاد معن بن أعصر أو معن بن مالك بن أعصر.

266

و هذه الأبيات فى أرجوزة له. ذكر بعض المفسرين أنهما كلمتان بالفارسية، جعلتهما العرب كلمة واحده، و إنما هو سنج و جلّ يعنى بالسنج:

الحجر، و بالجلّ: الطين، يعنى: الحجارة من هذين الجنسين: الحجر و الطين.

و العصف: ورق الزرع الذي لم يعصف، و واحدته عصفة. قال: و أخبرنى أبو عبيدة النحوىّ أنه يقال له: العصافة و العصيفة. و أنشدنى لعلقمة بن عبدة أحد بنى ربيعة بن مالك بن زيد مناة بن تميم:

تسقى مذانب قد مالت عصيفتها* * * حدورها من أتىّ الماء مطموم‏

و هذا البيت فى قصيدة له. و قال الراجز:

فصيّروا مثل كعصف مأكول‏

قال ابن هشام: و لهذا البيت تفسير فى النحو.

____________

و ذكر قول عبد المطلب:

لاهمّ إن المرء يم* * * نع رحله فامنع حلالك‏

العرب تحذف الألف و اللام من اللّهمّ، و تكتفى بما بقى، و كذلك تقول:

لاه أبوك تريد: للّه أبوك، و قد تقدم. قول من قال فى لهنّك [أو: لهنّك‏]، و أن المعنى: و اللّه إنك، و هذا لكثرة دور هذا الاسم على الألسنة، و قد قالوا فيما هو دونه فى الاستعمال: أجنّك تفعل كذا و كذا. أى من أجل أنك تفعل كذا و كذا و الحلال فى هذا البيت: القوم الحلول فى المكان، و الحلال مركب من مراكب النساء. قال الشاعر:

بغير حلال غادرته مجحفل‏ (1)

____________

(1) جحفله: صرعه و رماه و بكته. و البيت لطفيل و هو:

و راكضة ما تستجنّ بجنّة* * * بعير حلال غادرته مجحفل‏

267

..........

____________

و أما المجانيق‏ (1): فمعروفة و هى أعجمية عربتها العرب. قال كراع:

كلّ كلمة فيها جيم و قاف، أو جيم و كاف فهى أعجمية، و ذلك كالجوالق و الجولق‏ (2) و جلّق و الكيلجة و هى مكيال صغير، و الكفجلار (3) و هى المغرفة و القبج و هو الحجل و ما كان نحو ذلك، و الميم فى منجنيق أصلية عند سيبويه و النون زائدة، و لذلك سقطت فى الجمع‏ (4).

حول شعر كعب:

و ذكر شعر كعب و فيه:

و كم من معشر ألبوا علينا

أى جمعوا، و صميم الجذم مفعول بألبوا، و فيه يصف السيوف:

كأمثال العقائق أخلصتها* * * قيون الهند لم تضرب كتيفا

____________

(1) جمع منجنيق بفتح الميم و كسرها آلة ترمى بها الحجارة كالمنجنوق معربة، و قد تذكر فارسيتها من جهنيك، أى: أنا ما أجودنى و جمعها منجنيقات و مجانق، و قد جنقوا، و جنقوا، و مجنقوا.

(2) بكسر الجيم و اللام، و بضم الجيم و فتح اللام و كسرها و جمعه جوالق كصحائف و جواليق بفتح الجيم و جوالقات بضم الجيم، أما الخفاجى فى شفاء الغليل فيقول: بالضم مفرد و جمعه جوالق بالفتح ناد- معرب. و بعضهم- و منهم سيبويه سينكر جوالقات لأنهم جمعوا جوالق جمع تكسير. و فى اللسان: الجوالق بضم الجيم و فتح اللام و كسرها مفرد. و لم أجد جولق فلعله يعنى: جوسق، و هو اسم قصر صغير.

(3) لم أهتد إلى ضبطها.

(4) فى القاموس جمعها: منجنيقات و مجانق و مجانيق.

268

..........

____________

العقائق: جمع عقيقة، و هو البرق تنعق عنه السحاب‏ (1).

و قوله: لم تضرب كتيفا، جمع كتيفة، و هى صحيفة من حديد صغيرة، و أصل الكتيف: الضّيّق من كلّ شي‏ء.

شعر كنانة:

و ذكر شعر كنانة بن عبد يا ليل الثّقفى، و فيه:

و كانت لنا أطواؤها و كرومها

الأطواء: جمع طوىّ، و هى البئر، جمعت على غير قياس توهّموا سقوط ياء فعيل منها إذ كانت زائدة (2)

و فيها:

و قد جرّبتنا قبل عمرو بن عامر

إنما قال هذا جوابا للأنصار، لأنهم بنو حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر، و عمر و هو مزيقياء، و عامر هو ماء السماء، و لم يرد أن الأنصار جربتهم قبل ذلك، و إنما أراد إخوتهم، و هم خزاعة لأنهم بنو ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر فى أحد القولين، و قد كانوا حاربوهم عند نزولهم مكة، و قال البكرى فى معنى‏

____________

(1) عرفه القاموس: العقيقة من البرق ما يبقى فى السحاب من شعاعه، و لعل تنعق: تنشق.

(2) يقول ابن الأثير: الطوى فى الأصل صفة فعيل بمعنى مفعول، فلذلك جمعوه على الأطواء، كشريف و أشراف، و إن كان قد انتقل إلى باب الاسمية

269

..........

____________

هذا البيت: إنما أراد بنى عمرو بن عامر بن صعصعة، و كانوا مجاورين لثقيف و أمّهم عمرة بنت عامر بن الظّرب العدوانىّ، و أختها زينب كانت تحت ثقيف، و أكثر قبائل ثقيف منها، و كانت ثقيف قد أنزلت بنى عمرو ابن عامر فى أرضهم ليعملوا فيها، و يكون لهم النّصف فى الزّرع و الثّمر، ثم إن ثقيفا منعتهم ذلك، و تحصنوا منهم بالحائط الذي بنوه حول حاضرهم، فحاربتهم بنو عمرو بن عامر، فلم يظفروا منهم بشي‏ء، و جلوا عن تلك البلاد، و لذلك يقول كنانة:

و قد جرّبتنا قبل عمرو بن عامر

البيت ذكره البكرى فى خبر طويل لخصته‏ (1).

أول من رمي بالمنجنيق في الجاهلية و الاسلام:

فصل: و ذكر حصار الطائف، و أن أول من رمى بالمنجنيق فى الإسلام النبيّ (صلى الله عليه و سلم).

قال المؤلف: و أمّا فى الجاهليّة: فيذكر أن جذيمة بن مالك بن فهم بن غنم بن دوس، و هو المعروف بالأبرش أول من رمى بالمنجنيق، و كان من ملوك الطّوائف، و كان يعرف بالوضّاح، و يقال له أيضا منادم الفرقدين، لأنه ربأ بنفسه عن منادمة الناس، فكان إذا شرب نادم الفرقدين عجبا

____________

(1) أنظر ص 77، 78 ج 1 معجم ما استعجم للبكرى، و لكن البكرى ينسب هذه القصيدة إلى الأجش بن مرداس بن عمرو بن عامرين سيار بن مالك بن حطيط بن جشم بن قسى.

270

..........

____________

بنفسه، ثم نادم بعد ذلك مالكا و عقيلا اللّذين يقول فيهما متمّم [بن نويره يرثى أخاه مالكا]:

و كنّا كندمانى جذيمة حقبة* * * من الدّهر حتى قيل لن يتصدّعا (1)

و يذكر أيضا أنه أول من أوقد الشمع.

غيلان بن سلمة:

و ذكر حلىّ بادية بنت غيلان، و هو غيلان بن سلمة الثّقفىّ، و هو الذي أسلم، و عنده عشر نسوة، فأمره النبيّ (صلى الله عليه و سلم) أن يمسك أربعا (2)، و يفارق سائرهن، فقال فقهاء الحجاز: يختار أربعا، و قال فقهاء

____________

(1) و بعده:

و عشنا بخير فى الحياة و قبلنا* * * أصاب المنايا رهط كسرى و تبعا

فلما تفرقنا كأنى و مالك‏* * * لطول اجتماع لم نبت ليلة معا

و كان ضرار بن الأزور الأسدي قد قتل مالكا بأمر خالد بن الوليد. و مالك و عقيل ابنا فارج هما اللذان عثرا على عمرو بن عدى بن أخت حذيمة فى أودية السماوة بعد ضلاله فيها عدة سنوات، فحملاه إلى خاله جذيمة، ثم سألاه منادمته، فلم يزالا نديميه حتى فرق الموت بينهم. و هما اللذان يذكرهما أبو خراش الهذلى فى شعره بقوله:

أ لم تعلمى أن قد تفرق قبلنا* * * خليلا صفاء مالك و عقيل‏

و يضرب المثل بهما للمتواخيين، فيقال: كندمانى جذيمة و قد دامت لهما رتبة المنادمة- كما قيل- أربعين سنة.

(2) روى حديثه هذا أحمد و الترمذى و ابن حبان و الحاكم. و لحديثه هذا عند الحافظ فى الإصابة تخريجات عديدة فراجعه فى ترجمة غبلان.

271

..........

____________

العراق: بل يمسك التي تزوّج أولا، ثم التي تليها إلى الرابعة (1)، و احتج فقهاء الحجاز بأن النبيّ (صلى الله عليه و سلم) لم يستفصله أيتهن تزوّج أوّل، و تركه للاستفصال دليل على أنه مخيّر حتى جعل الأصوليون منهم هذا أصلا من أصول العموم، فقال أبو المعالى فى كتاب البرهان: ترك الاستفصال فى حكايات الأحوال مع الاحتمال يتنزل منزلة العموم فى المقال، كحديث غيلان. و غيلان هذا هو الذي قدم على كسرى، فسأله أى ولده أحب إليه؟

فقال غيلان: الغائب حتى يقدم، و المريض حتى يفيق، و الصغير حتى يكبر، فقال له كسرى: ما غذاؤك فى بلدك؟ قال: الخبز: قال: هذا عقل الخبز، تفضيلا لعقله على عقول أهل الورّ، و نسب المبرد هذه الحكاية مع كسرى إلى هوذة بن علىّ الحنفىّ، و الصحيح عند الإخباريين ما قدمناه، و كذلك قال أبو الفرج.

بادية بنت غيلان:

و أما بادية ابنته، فقد قيل فيها: بادنة بالنون، و الصحيح بالياء، و كذلك روى عن مالك، و هى التي قال فيها هيت المخنّث لعبد اللّه بن أبى أميّة: إن فتح اللّه عليكم الطائف، فإنى أدلك على بادية بنت غيلان، فإنها تقبل بأربع و تدبر بثمان، فسمعه النبيّ (صلى الله عليه و سلم)، فقال: قاتلك‏

____________

(1) يقول أبو حنيفة: إن تزوجهن فى عقد واحد فسد نكاح الجميع، و إن تزوجهن مترتبات ثبت نكاح الأربع، و فسد نكاح من بعدهن، و لا تخيير، أما الجمهور فعلى التخيير.

272

..........

____________

اللّه لقد أمعنت النّظر، و قال: لا يدخلن هؤلاء عليكن‏ (1) ثم نفاه إلى روضة خاخ، فقيل: إنه يموت بها جوعا فأذن له أن يدخل المدينة كل جمعة يسأل الناس، و يروى فى الحديث زيادة لم تقع فى الصحيح بعد قوله: و تدبر بثمان‏ (2) مع ثغر كالأقحوان، إن قامت تثنّت، و إن قعدت تبنّت‏ (3)، و إن تكلمت تغنّت، يعنى من الغنّة، و الأصل تغنّنت، فقلبت إحدى النونين ياء، و هى هيفاء (4) شموع نجلاء كما قال قيس بن الخطيم:

بيضاء فرعاء يستضاء بها* * * كأنها خوط بانة قصف‏

____________

(1) الرواية فى صحيح البخاري: لا يدخل عليكم. هذا و لم قسم بادية فى صحيح البخاري. و حديث هيت عند مسلم و أبى داود و النسائى دون تسميته.

(2) يعنى- كما قال القالى فى الأمالى- أنها تقبل بأربع عكن، فإذا رأيتها من خلف رأيت لكل عكنة طرفين، فصارت ثمانية ص 160، ج 1 الأمالى.

و العكنة: الطى الذي فى البطن من السمن.

(3) أى فرجت رجليها لضخم ركبها كأنه شبهها بالقبة من الأدم و هى المبناة لسمنها و كثرة لحمها، و قيل: شبهها بها إذا ضربت و طنبت انفرجت و كذلك هذه إذا قعدت تربعت و فرجت رجليها «النهاية لابن الأثير» و قيل من تبنت الناقة إذا باعدت ما بين فخذيها عند الحلب ص 422 سمط اللالى.

(4) فى سمط البكرى: فإنها مبتلة هيفاء شموع نجلاء تناصف وجهها فى القسامة، و تجزأ معتدلا في الوسامة. و قد تسب هذا الوصف لنعيمان المخنث و هو يصف عائشة بنت طلحة ص 421 سمط الآلى.

273

..........

____________

تنترق الطّرف، و هى لاهية* * * كأنما شفّ وجهها نزف‏ (1)

تنام عن كبر شأنها فإذا قا* * * مت رويدا تكاد تنغرف‏ (2)

و فى هذا البيت صحّف ابن دريد أعنى قوله: تغترق، فقال هو بالعين المهملة، حتى هجى بذلك‏ (3)، فقيل:

أ لست قدما جعلت تعترق‏* * * الطّرف بجهل مكان تغترق‏

و قلت: كان الخباء من أدم‏* * * و هو حباء يهدى و يصطدق‏ (4)

____________

(1) بعده:

بين شكول النساء خلقتها* * * قصد فلا جبلة و لا قضف‏

و قد ضبطت نزف فى اللسان كما ذكرت. و النزف الاسم من نزف فلان دمه و من نزفه الدم ينزفه إذا خرج منه كثيرا. و النزف: الضعف الحادث عن ذلك.

أما فى البيت، فقد قال ابن الأعرابى: من الضعف و الانبهار- و لم يزد على ذلك قال غيره: النزف هنا الجرح الذي ينزف عنه دم الإنسان، و قال أبو منصور:

أراد أنها رقيقة المحاسن حتى كأن دمها منزوف. و معنى تغترق: تستغرق عيون الناس بالنظر إليها، و هى غافلة ثم هى رقيقة المحاسن كأن دمها و دم وجهها نزف و المرأة أحسن ما تكون غب نفاسها لأنه ذهب تهيج الدم، فصارت رقيقة المحاسن «اللسان مادة غرق و مادة نزف».

(2) تتثنى أو تنقصف من دقة خصرها.

(3) هجاه المفجع البصرى، و قد تقدم ذكر هذا عند الحديث عز جنب.

(4) ذكره الشيخ بدر الدين الزركشى فى كراسة له سماها: عمل من طب لمن حب، و روى البيت الأول هكذا:

أ لست مما صحفت تغترق الط* * * رف بجهل فقلت تعترق‏

و رواه التيجاني فى تحفة العروس:

أ لم تصحف، فقلت تعترق الط* * * رف بجهل مكان تغترق‏

ص 366 ج 2 المزهر للسيوطى.

274

..........

____________

و كان صحّف أيضا قول مهلهل، فقال فيه: الخباء (1)، و بادية هذه كانت تحت عبد الرحمن بن عوف، فولدت له جويرية و هى امرأة المسور ابن مخرمة.

المخنثون الذين كانوا بالمدينة:

و كان المخنّثون على عهد رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أربعة: هيت هذا، و هرم و ماتع‏ (2)، و إنه، و لم يكونوا يزنّون بالفاحشة الكبرى، و إنما كان تأنيثهم لينا فى القول و خضابا فى الأيدى و الأرجل كخضاب النّساء، و لعبا كلعبهنّ، و ربما لعب بعضهم بالكرّج‏ (3)، و فى مراسيل أبى داود أن عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه، رأى لاعبا يلعب بالكرّج، فقال: لو لا أنى رأيت هذا يلعب به على عهد النبيّ- (صلى الله عليه و سلم)- لنفيته من المدينة.

عيينة و ذكر عيينة بن حصن، و اسمه: حذيفة، و إنما قيل له: عيينة لشتر كان بعينه.

العبيد الذين نزلوا من حصن الطائف و ذكر العبيد الذين نزلوا من الطائف، و لم يسمّهم، و منهم أبو بكرة

____________

(1) سبق قول مهلهل عند الحديث عن جنب.

(2) ذكرهم البكرى فى السمط ص 421 و قد نقله الحافظ فى الإصابة عن البكرى و قال: هدم بالدال.

(3) دخيل معرب كره لا أصل له فى العربية و هو مثل المهر يتخذ ليلعب عليه، و لهذا نسب إليه المخنث فقيل عنه: الكرجى.

275

..........

____________

نفيع بن مسروح تدلّى من سور الطائف على بكرة، فكنى أبا بكرة، و هو من أفاضل الصحابة، و مات بالبصرة، و منهم الأزرق، و كان عبدا للحارث بن كلدة المتطبّب، و هو زوج سميّة مولاة الحارث أمّ زياد ابن أبى سفيان، و أم سلمة بن الأزرق، و بنو سلمة بن الأزرق، و لهم صيت و ذكر بالمدينة، و قد انتسبوا إلى غسّان، و غلط ابن قتيبة فى المعارف، فجعل سميّة هذه المذكورة أمّ عمّار بن ياسر، و جعل سلمة بن الأزرق أخا عمّار بن ياسر لأمّه، و قد ذكر أن الأزرق خرج من الطائف، فأسلم و سميّة قد كانت قبل ذلك بزمان قتلها أبو جهل، و هى إذ ذاك تحت ياسر أبى عمار، كما تقدم فى باب المبعث. فتبيّن غلط ابن قتيبة و وهمه، و كذلك قال أبو عمر النّمرىّ كما قلت. و من أولئك العبيد: المنبعث، و كان اسمه المضطجع، فبدّل النبيّ (صلى الله عليه و سلم) اسمه، و كان عبدا لعثمان بن عامر ابن معتّب.

و منهم يحنّس النّبّال، و كان عبدا لبعض آل يسار.

و منهم: وردان جدّ الفرات بن زيد بن وردان، و كان لعبد اللّه بن ربيعة بن خرشة، و إبراهيم بن جابر، و كان أيضا لخرشة، و جعل النبيّ- (صلى الله عليه و سلم)- ولاء هؤلاء العبيد لسادتهم، حين أسلموا. كل هذا ذكره ابن إسحاق فى غير رواية ابن هشام‏ (1).

____________

(1) و منهم: يسار، و أبو السائب، و مرزوق ص 418 إمتاع الأسماع للمقريزى.

276

..........

____________

و ذكر أبو عمر فيهم نافع بن مسروح، و هو أخو نفيع أبى بكرة، و يقال فيه و فى أخيه ابن الحارث بن كلدة.

و ذكر ابن سلّام فيهم نافعا مولى غيلان بن سلمة الثقفى، و ذكر أن ولاءه رجع إلى غيلان حين أسلم و أحسبه و هما من ابن سلّام، أو ممّن رواه عنه، و إنما المعروف نافع بن غيلان، و اللّه أعلم.

من نسب بجير بن زهير:

و ذكر شعر بجير بن زهير بن أبى سلمى، و اسم أبى سلمى: ربيعة، و هو من بنى لاطم بن عثمان، و هم مزينة، عرفوا بأمهم، و قد قدمنا أنها بنت كلب بن وبرة، و أن أختها الحوأب، و بها سمّى ماء الحوأب، و عثمان هو ابن أدّ بن طابخة.

حول شعر بجير:

و قوله:

كانت علالة يوم بطن حنين‏

هذا من الإقواء الذي تقدم ذكره، و هو أن ينقص حرفا من آخر القسيم الأول من الكامل، و هو الذي كان الأصمعي يسميه المقعد (1).

____________

(1) و كذلك كان يسميه الخليل لنقصانه من عروض البيت قوة. و أبو ذر الخشنى يقرأ حنينا مصغرة أى بتضعيف الياء مع كسرها مصغرة، و بهذا لا يكون فى البيت إقواء.

277

..........

____________

و قوله: كانت علالة. العلالة: جرى بعد جرى، أو قتال بعد قتال‏ (1)، يريد: أن هوازن جمعت جمعها علالة فى ذلك اليوم، و حذف التنوين من علالة ضرورة، و أضمر فى كانت اسمها، و هو القصة، و إن كانت الرّواية بخفض يوم، فهو أولى من التزام الضّرورة القبيحة بالنّصب، و لكن ألفيته فى النسخة المقيدة، و إذا كان اليوم مخفوضا بالإضافة جاز فى علالة أن يكون منصوبا على خبر كان، فيكون اسمها عائدا على شي‏ء تقدم ذكره، و يجوز الرفع فى علالة مع إضافتها إلى يوم على أن تكون كان تامّة مكتفية باسم واحد، و يجور أن تجعلها اسما علما للمصدر مثل برّة و فجار (2)، و ينصب يوم على الظرف كما تقيد فى النّسخة.

و قوله: ترتد حسرانا، جمع: حسير و هو الكليل. و الرّجراجة: الكتيبة الضّخمة من الرّجرجة، و هى شدّة الحركة و الاضطراب. و فيلق: من الفلق، و هى الداهية. و الهراس: شوك معروف و الضّراء: الكلاب، و هى إذا مشت فى الهراس ابتغت لأيديها موضعا، ثم تضع أرجلها فى موضع أيديها، شبّه الخيل بها. و الفدر: الوعول المسنّة. و النّهي‏ء: الغدير، سمى بذلك، لأنه ماء نهاه ما ارتفع من الأرض عن السّيلان فوقف.

____________

(1) و هى من العلل: الشرب بعد الشرب، و أراد به هاهنا معنى التكرار كما قال أبو ذر ص 410.

(2) فجار اسم للفجرة و الفجور مثل قطام، و هو معرفة علم غير مصروف و برة كذلك اسم علم غير مصروف بمعنى البر، قال النابغة:

إنا اقتسمنا خطتينا بيننا* * * فحملت برة و احتملت فجار

278

..........

____________

و قوله: جدل: جمع جدلاء، و هى الشديدة الفتل، و من رواه: جدل، فمعناه: ذات جدل.

و قوله: و آل محرّق يعنى عمر بن هند ملك الحيرة، و قد تقدم فى أول الكتاب سبب تسميته بمحرّق، و فى زمانه ولد رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فيما ذكروا- و اللّه أعلم.

دحنا و مسح ظهر آدم:

فصل: و ذكر انصراف النبيّ (صلى الله عليه و سلم) عن الطائف على دحنا.

و دحنا هذه هى التي خلق من تربها آدم صلى اللّه على نبينا و عليه، و فى الحديث: إن اللّه خلق آدم من دحنا، و مسح ظهره بنعمان الأراك‏ (1) رواه ابن عبّاس، و كان مسح ظهر آدم بعد خروجه من الجنة باتفاق من الروايات، و اختلفت الرواية فى مسح ظهره، فروى ما تقدم، و هو أصح، و روى أن‏

____________

(1) قال البكرى: موضع بسيف البحر، و فى اللسان: بين الطائف و مكة، و عند ياقوت أنها من مخاليف الطائف: و يرى البكرى أن ابن إسحاق أراد أنه سلك على وحى، إذ ليس فى الطائف سيف تجر. و نعمان: وادى عرفة دونها إلى منى، و هو كثير الأراك. و فى ياقوت: واد بنبته- أى ينبت الأراك- و بصب إلى ودان بلد غزاه النبيّ و هو بين مكة و الطائف، يسكنه هذيل «معجم ياقوت و كتابه المشترك وضعا» و زعم أن اللّه خلق آدم من دحنا قول لا يثبته سند صحيح. و يخالف ما رواه أحمد و أبو داود و الترمذى و ابن حبان فى صحيحه من أن اللّه خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض. ثم: أ لا يكفينا ما ورد فى القرآن.

279

..........

____________

ذلك كان فى سماء الدنيا قبل هبوطه إلى الأرض، و هو قول السدى، و كلتا الروايتين ذكرهما الطبرى.

و قوله: حتى نزل الجعرانة، بسكون العين فيها هو أصح الروايتين، و قد ذكر الخطابى أن كثيرا من أهل الحديث يشددون الراء (1)، و قد ذكر أن المرأة التي نقضت غزلها من بعد قوّة كانت تلقّب بالجعرانة، و اسمها:

ريطة بنت سعد، و أن الموضع يسمى بها، و اللّه أعلم.

حول قول زهير أبي صرد:

فصل: و ذكر زهيرا أبا صرد، و قوله للنبى (صلى الله عليه و سلم): و لو أنّا ملحنا للحارث بن أبى شمر، أو للنعمان بن المنذر، و قد تقدم فى أول الكتاب التعريف بالحارث و بالنعمان، و ملحنا: أرضعنا، و الملح: الرضاع قال الشاعر:

فلا يبعد اللّه ربّ العبا* * * د و الملح ما ولدت خالده‏

هم المطعمو الضّيف شحم السّنا* * * م و الكاسرو و الليلة البارده‏

و هم يكسرون صدور القنا* * * بالخيل تطرد أو طارده‏

فإن يكن الموت أفناهم‏* * * فللموت ما تلد الوالده‏

و أما زهير الذي ذكره فهو ابن صرد يكنى أبا صرد، و قيل أبا جرول،

____________

(1) بكسر الجيم و العين و تشديد الراء هكذا يقوله العراقيون، أما الحجازيون فيخففون، فيقولونها بالضبط الأول. و كذلك الحديبية، العراقيون يشددون، و الحجازيون يخففون.

280

..........

____________

و كان من رؤساء بنى جشم، و لم يذكر ابن إسحاق شعره فى النبيّ (صلى الله عليه و سلم) ذلك اليوم فى رواية البكائى و ذكره فى رواية إبراهيم بن سعد عنه و هو:

أمنن علينا رسول اللّه فى كرم‏* * * فإنك المرء نرجوه و ننتظر

أمنن على بيضة قد عاقها قدر* * * ممزّق شملها فى دهرها غير

يا خير طفل و مولود و منتخب‏* * * فى العالمين إذا ما حصّل البشر

إن لم تداركهم نعماء تنشرها* * * يا أرجح الناس حلما حين يختبر

امنن على نسوة قد كنت ترضعها* * * إذ فوك تملأه من محضها الدّرر

إذ كنت طفلا صغيرا كنت ترضعها (1)* * * و إذ يزينك ما تأتى و ما تدر

لا تجعلنا كمن شالت نعامته‏* * * و استبق منا فإنا معشر زهر

يا خير من مرحت كمت الجياد به‏* * * عند الهياج إذا ما استوقد الشّرر

إنّا لنشكر آلاء و إن كفرت‏* * * و عندنا بعد هذا اليوم مدّخر

____________

(1) فى البداية: امنن على نسوة قد كنت ترضعها.

281

..........

____________

إنا نؤمّل عفوا منك تلبسه‏ (1)* * * هذى البريّة إذ تعفو و تنتصر

فاغفر عفا اللّه عما أنت راهبه‏* * * يوم القيامة إذ يهدى لك الظّفر

من أحكام السبايا:

فصل: و ذكر ردّ السّبايا إلى هوازن، و أنه من لم تطب نفسه بالرد عوّضه مما كان بيده، و استطاب نفوس الباقين، و ذلك أن المقاسم كانت قد وقعت فيهم، و لا يجوز للإمام أن يمنّ على الأسرى بعد القسم، و يجوز له ذلك قبل المقاسم، كما فعل النبيّ- (صلى الله عليه و سلم)- بأهل خيبر حين منّ عليهم، و تركهم عمّالا للمسلمين فى أرضهم التي افتتحوها عنوة، كذلك قال أبو عبيد، قال: و لا يجوز للإمام أن يمنّ عليهم، فيردّهم إلى دار الحرب، و لكن على أن يؤدوا الجزية، و يكونوا تحت حكم المسلمين، قال، و الإمام مخيّر فى الأسرى بين القتل و الفداء و المنّ و الاسترقاق و الفداء بالنفوس لا بالمال كذلك، قال أكثر الفقهاء هذا فى الرجال، و أما الذّرارى و النّساء، فليس إلا الاسترقاق، أو المفاداة بالنفوس دون المال كما تقدم.

و ذكر الجارية التي أعطيها عبد اللّه بن عمر، و أنه بعث بها إلى أخواله من بنى جمح ليصلحوا له منها كى يصيبها، و هذا لأنها كانت قد أسلمت، لأنه لا يجوز وطء وثنيّة و لا مجوسيّة بملك يمين، و لا بنكاح حتى تسلم، و إن‏

____________

(1) فى الأصل: منك عفوا.

282

..........

____________

كانت ذات زوج، فلا بد أيضا من استبرائها، و أما الكتابيات، فلا خلاف فى جواز وطئهنّ بملك اليمين، و قد روى عن طائفة من التابعين منهم عمرو بن دينار إباحة وطء المجوسية و الوثنية بملك اليمين، و قول اللّه تعالى:

وَ لا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَ‏ تحريم عام إلا ما خصّصته آية المائدة من الكتابيّات، و النكاح يقع على الوطء بالعقد و الملك.

حول سبى حنين:

و كان سبى حنين ستة آلاف رأس‏ (1)، و كان النبيّ- (صلى الله عليه و سلم)- قد ولّى أبا سفيان بن حرب أمرهم، و جعله أمينا عليهم، قاله الزبير، و فى حديث آخر ذكره الزبير بإسناد حسن أن أبا جهم بن حذيفة العدوىّ كان على الأنفال يوم حنين، فجاءه خالد بن البرصاء، فأخذ من الأنفال زمام شعر فمانعه أبو جهم، فلما تمانعا ضربه أبو جهم بالقوس فشجّه منقّلة (2)، فاستعدى عليه خالد رسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم)- فقال له: خذ خمسين شاة ودعه، فقال أقدنى منه، فقال خذ مائة، ودعه، فقال: أفدنى منه، فقال: خذ خمسين و مائة ودعه، و ليس لك إلا ذلك، و لا أقصّك من وال عليك، فقوّمت الخمسون و المائة بخمس عشرة فريضة من الإبل، فمن هنالك جعلت دية المنقّلة خمس عشرة فريضة (3).

____________

(1) و قيل كان مع هذا من الإبل أربعة و عشرون و ألف، و من الغنم أكثر من أربعين ألف شاة، و من الفضة أربعة آلاف أوقية.

(2) منقلة كمحدثة: الشجة التي تنقل منها فراش العظام.

(3) وردت ديتها فى حديث صحيفة عمرو بن حزم. الذي قال عنه أبو داود-

283

..........

____________

إعطاء المؤلفة قلوبهم من الغنائم:

فصل: و أما إعطاء رسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم) المؤلّفة قلوبهم من غنائم حنين حتى تكلمت الأنصار فى ذلك، و كثرت منهم القالة، و قالت:

يعطى صناديد العرب و لا يعطينا، و أسيافنا تقطر من دمائهم، فللعلماء فى هذه المسألة ثلاثة أقوال: أحدها أنه أعطاهم من خمس الخمس، و هذا القول مردود لأن خمس الخمس ملك له و لا كلام لأحد فيه.

القول الثانى: أنه أعطاهم من رأس الغنيمة، و أن ذلك خصوص بالنبى (صلى الله عليه و سلم) لقوله تبارك و تعالى‏ (قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَ الرَّسُولِ) و هذا القول أيضا يرده ما تقدم من نسخ هذه الآية، و قد تقدم الكلام عليها فى غزوة بدر، غير أن بعض العلماء احتج لهذا القول بأن الأنصار لما انهزموا يوم حنين فأيّد اللّه رسوله و أمدّه بملائكته، فلم يرجعوا حتى كان الفتح، رد اللّه تعالى أمر المغانم إلى رسوله من أجل ذلك فلم يعطهم منها شيئا و قال لهم: أ لا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشّاة و البعير، و ترجعوا برسول اللّه إلى رحالكم، فطيّب نفوسهم بذلك بعد ما فعل ما أمر به.

و القول الثالث: و هو الذي اختاره أبو عبيد أن إعطاءهم كان من الخمس حيث يرى أن فيه مصلحة للمسلمين.

____________

- لا يصح .. و لا أحدث به: و قال ابن حزم فى المحلى: صحيفة عمرو بن حزم منقطعة لا تقوم بها حجة. و الفريضة: أصلها البعير المأخوذ فى الزكاة، ثم اتسع فيه.

284

..........

____________

فصل: و مما لم يذكر ابن إسحاق يوم حنين أن خالد بن الوليد أثقل بالجراحة يومئذ، فأتاه النبيّ (صلى الله عليه و سلم) يقول: من يدلّنى على رحل خالد حتى دلّ عليه، فوجده قد أسند إلى مؤخّرة رحله، فنفث على جرحه فبرئ، ذكره الكشّى.

وصف عجوز ابن حصن:

فصل: و ذكر عيينة بن حصن، و قول زهير بن صرد له فى العجوز التي أخذها: ما فوها ببارد، و لا ثديها بناهد، و لا درّها بماكد، و يقال أيضا بناكد، يريد: ليست بغزيرة الدّرّ، و النّوق النّكد: الغزيرات اللّبن، و أحسبه من الأضداد، لأنه قد يقال أيضا نكد لبنها إذا نقص، قاله صاحب العين، و الصحيح عند أكثرهم أن النّكد هى القليلات اللبن من قوله عز و جل: (لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً) و أن المكد بالميم هى الغزيرات اللبن، قال ابن سراج، لأنه من مكد فى المكان إذا أقام فيه، و قد يقال أيضا:

نكد فى معنى مكد، أى ثبت‏

الأقرع بن حابس:

و ذكر الأقرع بن حابس، و كان من المؤلّفة قلوبهم، ثم حسن إسلامه بعد، و هو الذي قال لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) حين نزلت: (وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ) أ فى كلّ عام يا رسول اللّه؟ قال: لو قلتها لوجبت، و هو الذي قال للنبى (صلى الله عليه و سلم) حين أقطع أبيض بن حمّال الماء الذي‏

285

..........

____________

بمأرب: أ تدري ما أقطعته يا رسول اللّه؟ إنما أقطعته الماء العدّ (1)، فاسترجعه النبيّ- (صلى الله عليه و سلم)- و هو حديث مشهور، غير أنه لم يسمّ قائل هذا الكلام فيه إلا الدّارقطنيّ فى روايته، و زاد فيه أيضا: قال أبيض: على أن يكون صدقة منى يا رسول اللّه على المسلمين، فقال: نعم، و أما نسب الأقرع بن حابس، فهو ابن حابس بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع [بن دارم‏] التّميمىّ المجاشعىّ الدّارمىّ، و أما عيينة، فاسمه: حذيفة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزارىّ، و قد تقدم ذكره.

مالك بن عوف:

فصل: و ذكر تولية النبيّ (صلى الله عليه و سلم) مالك بن عوف على ثمالة و بنى سلمة و فهم. و ثمالة هم بنو أسلم بن أحجن أمّهم: ثمالة، و قول أبى محجن فيه:

هابت الأعداء جانبنا* * * ثم تغزونا بنو سلمه‏

هكذا تقيد فى النسخة بكسر اللام، و المعروف فى قبائل قيس: سلمة بالفتح إلا أن يكونوا من الأزد، فإن ثمالة المذكورين معهم حىّ من الأزد و فهم من دوس، و هم من الأزد أيضا، و أمهم: جديلة و هى من غطفان بن قيس بن غيلان، على أنه لا يعرف فى الأزد سلمة إلا فى الأنصار، و هم من‏

____________

(1) أى الدائم الذي لا انقطاع لمادته، و جمعه: أعداد. و قد روى حديثه هذا أبو داود و الترمذى و النسائى فى الكبرى و ابن ماجة و ابن حبان فى صحيحه‏

286

..........

____________

الأزد و سلمة أيضا فى جعفى هم، و سلمة بن عمرو بن ذهل بن مرّان بن جعفىّ، و سلمة فى جهينة أيضا سلمة بن نصر بن غطفان بن قيس بن جهينة و جعفىّ من مذحج، و جهينة من قضاعة (1).

و أما محجن، فاسمه: مالك بن حبيب، و قيل: عبد اللّه بن حبيب بن عمرو بن عمير بن عوف بن عقدة بن غيرة بن عوف بن قيس الثّقفى، و قد تقدم نسب أحجن عند ذكرنا لهب بن أحجن قبل باب المبعث.

و ذكر أبا السّنابل بن بعكك، و اسمه: حبّة أحد بنى عبد الدار، و كان شاعرا و حديثه مع سبيعة الأسلميّة حين آمت من زوجها مذكور فى الصّحاح‏ (2).

قول النبيّ (صلى الله عليه و سلم) لمرداس:

فصل: و ذكر قول النبيّ (صلى الله عليه و سلم) لعباس بن مرداس أنت القائل: فأصبح نهبى و نهب العبيد بين الأقرع و عيينة؟

____________

(1) فى القاموس «و بنو سلمة بطن من الأنصار، و ابن كهلاء فى بجيلة، و ابن الحارث فى كندة، و ابن عمرو بن ذعل، و اين غطفان بن قيس و عميرة ابن خفاف بن سلمة، و عبد اللّه بن سلمة البدرى الأحدى. و عمرو بن سلمة الهمدانيّ و عبد اللّه بن سلمة المرادى. و أخطأ الجوهرى فى قوله: و ليس سلمة فى العرب غير بطن الأنصار» و قد نقل اللسان قول الجوهرى و لم يعقب عليه.

(2) لما مات زوج سبيعة وضعت حملها و تهيأت للخطاب، فأنكر عليها أبو السنابل، و قال. حتى تعتدى أربعة أشهر و عشرا، فسألت النبيّ (صلى الله عليه و سلم)، فأعلمها أن قد حلت. هذا ما ورد فى الصحيحين. أقول: و فى القرآن عن عدة ذات الحمل: (و أولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن) و قد روى أنها ولدت بعد وفاة زوجها بنصف شهر. و قد أخرج قصة سبيعة البخاري و مسلم و مالك و أبو داود و النسائى. و فى الأصل عن نسبتها الإسلامية.

287

..........

____________

فقال أبو بكر الصديق: بين عيينة و الأقرع، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): هما واحد، يعنى فى المعنى، و أما فى الفصاحة، فالذى أجرى على لسانه (صلى الله عليه و سلم) هو الأفصح فى تنزيل الكلام و ترتيبه، و ذلك أن القبليّة تكون بالفضل نحو قوله تعالى: مِنَ النَّبِيِّينَ وَ الصِّدِّيقِينَ‏ و تكون بالرّتبة نحو قوله تعالى حين ذكر اليهود و النصارى، فقدم اليهود لمجاورتهم المدينة، فهم فى الرتبة قبل النصارى، و قبليّة بالزمان نحو ذكر التّوراة و الإنجيل بعده و نوحا و إبراهيم، و قبليّة بالسّبب، و هو أن يذكر ما هو علّة الشي‏ء و سبب وجوده، ثم يذكر المسبّب بعده، و هو كثير فى الكلام مثل أن يذكر معصية و عقابا أو طاعة و ثوابا فالأجود فى حكم الفصاحة تقديم السبب.

القبلية بين الأقرع و عيينة:

و الأقرع و عيينة من باب قبليّة المرتبة، و قبليّة الفضل، أما قبليّة الرّتبة فإنه من خندف، ثم من بنى تميم، فهو أقرب إلى النبيّ (صلى الله عليه و سلم) من عيينة، فترتب فى الذكر قبله، و أما قبليّة الفضل، فإن الأقرع حسن إسلامه و عيينة لم يزل معدودا فى أهل الجفاء حتى ارتدّ و آمن بطليحة، و أخذ، أسيرا فجعل الصّبيان يقولون له- و هو يساق إلى أبى بكر- ويحك يا عدوّ اللّه ارتددت بعد إيمانك، فيقول: و اللّه ما كنت آمنت، ثم أسلم فى الظاهر، و لم يزل جافيا أحمق حتى مات،

288

..........

____________

و بحسبك تسمية النبيّ (صلى الله عليه و سلم) له: الأحمق المطاع‏ (1) و مما يذكر من جفائه أن عمرو بن معدى كرب نزل به ضيفا، فقال له عيينة: هل لك فى الخمر نتنادم عليها؟ فقال عمرو: أ ليست محرّمة فى القرآن؟ فقال عيينة إنما قال: فهل أنتم منتهون، فقلنا نحن: لا، فشربا.

حديث ذى الخويصرة و ذكر حديث ذى الخويصرة التّميمىّ، و ما قال فيه النبيّ (عليه السلام) و فى شيعته، و قال فى حديث آخر: يخرج من ضئضئه قوم تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم، و صيامكم إلى صيامهم يمرقون من الدين كما يمرق السّهم من الرّميّة الحديث‏ (2)، فكان كما قال- (صلى الله عليه و سلم)- و ظهر صدق الحديث فى الخوارج، و كان أولهم من ضئضئى ذلك الرجل، أى: من أصله، و كانوا من أهل نجد التي قال فيها النبيّ (صلى الله عليه و سلم): منها يطلع قرن‏

____________

(1) رواه سعيد بن منصور و الطبرانى. لأنه كان قد دخل على النبيّ «ص» بدون استئذان، و عنده عائشة فقال: من هذه الجالسة إلى جانبك؟ قال: عائشة.

قال: أ فلا أنزل لك عن خير منها يعنى امرأته؟ فقال له النبيّ: أخرج فاستأذن، فقال: إنها يمين على ألا أستأذن على مضرى فقالت عائشة من هذا؟ فقال الأحمق المطاع. و قد ذكر الشافعى فى كتاب الأم فى باب من كتاب الركان أن عمر قتل عيينة على الردة.

(2) أصل الحديث فى الصحيحين.

289

..........

____________

الشّيطان، فكان بدؤهم من ذى الخويصرة، و كان آيتهم ذو الثّديّة الذي قتله علىّ رضى اللّه عنه، و كانت إحدى يديه كثدى المرأة، و اسم ذى الثّديّة نافع، ذكره أبو داود، و غيره بقول اسمه: حرقوص [بن زهير] (1) و قول أبى داود أصحّ، و اللّه أعلم.

شعر حسان في عتابه (صلى الله عليه و سلم):

و ذكر شعر حسان و فيه:

هيفاء لا ذنن فيها و لا خور

الذنن: الغدر و التّفل، و الذّنين المخاط، و الذّنن أيضا ألّا ينقطع حيض المرأة، يقال: امرأة ذنّاء، و لو روى بالدال المهملة لكان جيّدا أيضا، فإن الدّنن بالدال هو قصر العنق و تطامنها، و هو عيب. و البهكنة: الضّخمة

حول عتاب النبيّ للأنصار:

فصل: و ذكر قول النبيّ- (صلى الله عليه و سلم)- للأنصار: ما قالة بلغتنى‏

____________

(1) كذا فى القاموس، و فى الملل و النحل، للشهرستانى، و هو من المحكمة الأولى الذين خرجوا على على بن أبى طالب، و اجتمعوا بحروراء قرية بظاهر الكوفة. و يقول أبو سعيد الخدرى فيما رواه الصحيحان عن الخوارج «آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدى المرأة أو مثل البضعة تدردر» ثم يقول:

«و أشهد أن على بن أبى طالب قاتلهم. و أنا معه، و أمر بذلك للرجل فالتمس، فأتى به حتى نظرت إليه على نعت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) الذي نعت».

290

..........

____________

عنكم و جدة وجدتموها فى أنفسكم، هكذا الرواية: جدة و المعروف عند أهل اللغة: موجدة إذا أردت الغضب، و إنما الجدة فى المال.

و قوله (عليه السلام): فى لعاعة من الدنيا تألفت بها قوما، ليسلموا. اللّعاعة بقلة ناعمة، و هذا نحو من قوله (عليه السلام): المال حلوة خضرة، و اللّعّة من هذا المعنى: و هى المرأة المليحة العفيفة، و اللّعلع: السّراب، و لعاعه: بصيصه‏ (1).

جعيل بن سراقة:

و ذكر جعيل بن سراقة، و قول النبيّ- (صلى الله عليه و سلم)- فيه:

و وكلت جعيل بن سراقة إلى إسلامه. نسب ابن إسحاق جعيلا إلى ضمرة، و هو معدود فى غفار، لأن غفارا، هم بنو مليل بن ضمرة من بنى ليث بن بكر ابن عبد مناة بن كنانة. و أما حديث التّميمى الذي قال للنبى (صلى الله عليه و سلم) حين أعطى المؤلفة قلوبهم: لم أرك عدلت، فغضب النبيّ (صلى الله عليه و سلم)، ثم قال: إذا لم يكن العدل عندى، فعند من يكون؟ و قال أيضا: إنى أرى قسمة ما أريد بها وجه اللّه، فقال (صلى الله عليه و سلم): أ يأمنني اللّه فى السماء، و لا تأمنونى، أو كما قال (صلى الله عليه و سلم)، فالرجل هو ذو الخويصرة، كذلك جاء ذكره فى الحديث‏ (2).

____________

(1) فى اللسان: و لعاع الشمس: السراب، و الأكثر: لعاب الشمس و العلع:

السراب، و اللعلعة: بصيصة.

(2) هكذا ورد اسمه فى الصحيحين: ذو الخويصرة رجل من بنى تميم.

291

..........

____________

و يذكر عن الواقدى أنه قال: هو حرقوص بن زهير السّعدى من سند؟؟؟

تميم، و قد كان لحرقوص هذا مشاهد محمودة فى حرب العراق مع الفرس أيام عمر، ثم كان خارجيا، و فيه يقول نحيبة الخارجي:

حتى ألاقى فى الفردوس حرقوصا

و لذلك قال فيه النبيّ (صلى الله عليه و سلم): إنه سيكون من ضئضئه قوم تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم، و ذكر صفة الخوارج، و ليس ذو الخويصرة هذا ذا الثّديّة الذي قتله علىّ بالنّهر، و أن ذلك اسمه نافع، ذكره أبو داود، و كلام الوافدى حكاه ابن الطلاع فى الأحكام له.

شعر بجير و كعب ابى زهير:

فصل: و ذكر قصّة بجير بن زهير بن أبى سلمى، و اسم أبى سلمى:

ربيعة بن رياح أحد بنى مزينة.

و فى شعر كعب إلى أخيه بجير:

سقاك بها المأمون كأسا رويّة

و يروى: المحمود فى غير رواية ابن إسحاق، أراد بالمحمود: محمدا- (صلى الله عليه و سلم)- و كذلك المأمون و الأمين كانت قريش تسمى بهما النبيّ (صلى الله عليه و سلم) قبل النبوة.

و قوله لأخيه بجير:

292

..........

____________

على خلق لم تلف أمّا و لا أبا* * * عليه، و لم تدرك عليه أخا لكا (1)

إنما قال ذلك، لأن أمهما واحدة، و هى كبشة بنت عمّار السّحيميّة فيما ذكر ابن الأعرابى عن ابن الكلبى.

و قوله: إمّا عثرت لعّا لكا، كلمة تقال للعاثر دعاء له بالإقالة قال الأعشى:

فالتّعس أدنى لها* * * من أن يقال لعّا لها (2)

و أنشد أبو عبيد:

فلا لعا لبنى فعلان إذ عثروا

و قول بجير:

و دين زهير و هو لا شي‏ء دينه‏

رواية مستقيمة، و قد رواه القالى، فقال: و هو لا شي‏ء غيره، و فسّره على التقديم و التأخير أراد: و دين زهير غيره، و هو لا شي‏ء. و رواية ابن إسحاق أبعد من الإشكال و أصح، و اللّه أعلم.

و كعب هذا من فحول الشعراء هو و أبوه زهير، و كذلك ابنه عقبة

____________

(1) فى السيرة:

على خلق لم ألف يوما أباله‏* * * عليه و ما تلقى عليه أبالكا

(2) البيت فى اللسان هكذا:

بذات لوث عفرناة إذا عثرت‏* * * فالتعس أدنى لها من أن أقول لعا

و كذلك هو فى معجم ابن فارس، و فى ديوان الأعشى. و فى نوادر أبى زيد ص 38.

293

..........

____________

ابن كعب بن زهير يعرف عقبة بالمضرّب، و ابن عقبة العوّام‏ (1) شاعر أيضا، و هو الذي يقول:

ألا ليت شعرى هل تغيّر بعدنا* * * ملاحة عينى أمّ عمرو و جيدها

و هل بليت أثوابها بعد جدّة* * * ألا حبّذ أخلاقها و جديدها (2)

و مما يستحسن و يستجاد من قول كعب:

لو كنت أعجب من شي‏ء لاعجبنى‏* * * سعى الفتى و هو مخبوء له القدر

يسعى الفتى لأمور ليس يدركها* * * فالنّفس واحدة و الهمّ منتشر

و المرء ما عاش ممدود له أمل‏* * * لا تنتهى العين حتى ينتهى الأثر

و قوله:

إن كنت لا ترهب ذمّى‏* * * لما تعرف من صفحى عن الجاهل‏

____________

(1) كان فى عهد بنى العباس. و فى سمط البكرى عنه «شاعر مفلق مقل من شعراء الحجاز .. و العوام من المعرقين فى الشعر، لأنهم خمسة شعراء فى نسق، و كان ربيعة أبو سلمى شاعرا» ص 373، 374.

(2) بعده:

نظرت إليها نظرة ما يسرنى‏* * * بها حمر أنعام البلاد و سودها

و من القصيدة فى حماسة أبى تمام:

و نبئت سوداء الغميم مريضة* * * فأقبلت من مصر إليها أعودها

فو اللّه ما أدرى إذا أنا جئتها* * * أ أبرئها من دائها أم أزيدها

و الشعر فى امرأة كلف بها من بنى عبد اللّه بن غطفان، فخرج فى ميرة إلى مصر فعلم أنها مريضة، فترك ميرته وكر راجعا إليها. فلما رأته أشارت إليه أن يرجع إلى ميرته، فرجع، فلما ماتت رثاها بقصيدة منها:

سقى جدثا بين الغميم و زلفة* * * أحم الذرى واهى العزالى مطيرها

أنظر الحماسة بشرح التبريزى.

294

..........

____________

فاخش سكوتى إذ أنا منصت‏* * * فيك لمسموع خنا القائل‏

فالسّامع الذمّ شريك له‏* * * و مطعم المأكول كالآكل‏

مقالة السّوء إلى أهلها* * * أسرع من منحدر سائل‏

و من دعا الناس إلى ذمّه‏* * * ذمّوه بالحقّ و بالباطل‏

قصيدة بانت سعاد:

و ذكر قصيدته:

بانت سعاد فقلبى اليوم متبول‏

و فيها قوله:

شجّت بذى شم‏

يعنى: الخمر، و شجّت كسرت من أعلاها لأنّ الشّجّة لا تكون إلا فى الرأس، و الشّبم البرد، و أفرطه: أى ملأه. و البيض اليعاليل:

السّحاب، و قيل: جبال ينحدر الماء من أعلاها، و اليعاليل أيضا: الغدران، واحدها يعلول؛ لأنه يعلّ الأرض بمائه.

و قوله: يا ويحها (1) خلّة قد سيط من دمها

أى خلط بلحمها و دمها هذه الأخلاق التي وصفها بها من الولع و هو

____________

(1) فى السيرة: لكنها.

295

..........

____________

الخلف، و الكذب، و المطل، يقال: ساط الدم و الشراب إذا ضرب بعضه ببعض. و قال الشاعر يصف عبد اللّه بن عباس:

صموت إذا ما زيّن الصّمت أهله‏* * * و فتّاق أبكار الكلام المختّم‏

وعى ما حوى القرآن من كلّ حكمة* * * و سيطت له الآداب باللّحم و الدم‏

و الغول: التي تتراءى بالليل. و السعلاة ما تراءى بالنّهار من الجن، و قد أبطل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) حكم الغول حيث قال: لا عدوى و لا غول‏ (1)، و ليس يعارض هذا ما روى من قوله (عليه السلام): إذا تغوّلت‏

____________

(1) لا عدوى و لا طيرة و لا هامة و لا صفر و لا غول «أحمد و مسلم» عن جابر. و الصفر فى زعم العرب: حية تصيب الإنسان إذا جاع و تؤذيه، و أنها تعدى. و قيل أراد به النسى‏ء الذي كانوا يفعلونه فى الجاهلية و هو تأخير المحرم إلى صفر و يجعلون صفر هو الشهر الحرام، فأبطله. و الهامة تقدم ذكرها. و يقول ابن الأثير: هى من طير الليل، و قيل: هى البوم و كان العرب يتشاءمون بها، و قيل:

كانت العرب تزعم أن روح القتيل الذي لا يدرك بثأره تصير هامة فتقول:

اسقونى، فإذا أدرك بثأره طارت و قيل غير ذلك. و الغول عند ابن الأثير جنس من الجن و الشياطين كانت العرب تزعم أن الغول فى القلاة تتراءى للناس، فتتغول تغولا، أى: تتلون تلونا فى صور شتى، و تغولهم أى: تضلهم عن الطريق و تهلكهم.

و النفى إما الوجود، و إما للزعم. و لم لا يكون للأمرين؟! و قد تأول ابن الاثير نفى العدوى بقوله «و قد أبطله الإسلام، لأنهم كانوا يظنون أن المرض بنفسه يتعدى، فأعلمهم النبيّ «ص» أنه ليس الأمر كذلك، و إنما اللّه هو الذي-

296

..........

____________

الغيلان فارفعوا أصواتكم بالأذان‏ (1)، و كذلك حديث أبى أيوب مع الغول حين أخذها، لأن قوله (عليه السلام): لا غول إنما أبطل به ما كانت الجاهلية تتقوله من أخبارها و خرافاتها معها

و قوله:

كانت مواعيد عرقوب لها مثلا

هو: عرقوب بن صخر من العماليق الذين سكنوا يثرب، و قيل: بل هو من الأوس و الخزرج، و قصّته فى إخلاف الوعد مشهورة حين وعد أخاه بجنا نخلة له وعدا من بعد وعد، ثم جذّها ليلا، و لم يعطه شيئا.

و التّبغيل: ضرب من السّير سريع، و الحزّان جمع حزن و هو ما غلظ من الأرض. و الميل ما اتسع منها:

و قوله: ترمى النّجاد، و أنشده أبو على: ترمى الغيوب، و هو جمع غيب، و هو ما غار من الأرض، كما قال ابن مقبل:

لزم الغلام وراء الغيب بالحجر

و قوله:

حرف أبوها أخوها من مهجّنة* * * و عمّها خالها قوداء شمليل‏

القوداء: الطّويلة العنق. و الشمليل: السريعة. و الحرف: الناقة الضامر.

____________

- يمرض و ينزل الداء، و لهذا قال فى بعض الأحاديث: فمن أعدى البعير الأول، أى: من أين صار فيه الجرب» هذا لأن الواقع و التجربة تؤكد وجود العدوى‏

(1) رواه الطبرانى فى الأوسط و هو ضعيف.

297

..........

____________

و قوله: من مهجّنة، أى: من إبل مهجّنة مستكرمة هجان.

و قوله: أبوها أخوها أى: إنهما من جنس واحد فى الكرم، و قيل:

إنها من فحل حمل على أمّه فجاءت بهذه الناقة، فهو أبوها و أخوها، و كانت للناقة التي هى أمّ هذه بنت أخرى من الفحل الأكبر، فعمّها خالها على هذا، و هو عندهم من أكرم النتاج، و القول الأول ذكره أبو على القالى عن أبى سعيد، فاللّه أعلم.

و قوله: أقراب زهاليل، أى: خواصر ملس، واحدها: زهلول و البرطيل: حجر طويل، و يقال: للمعول أيضا: برطيل.

و قوله: ذوابل وقعهنّ‏ (1) الأرض تحليل.

تحليل، أى قليل. يقال: ما أقام عندنا إلّا كتحليل الأليّة، و كتحلّة المقسم، و عليه حمل ابن قتيبة قوله (عليه السلام) لن تمسّه النار إلّا تحلّة القسم، و غلّط أبا عبيد حيث فسره على القسم حقيقة. قال القتىّ: ليس فى الآية قسم لأنه قال: وَ إِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها و لم يقسم. قال: الخطابى: هذه غفلة من ابن قتيبة فإن فى أول الآية: فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَ الشَّياطِينَ‏ و قوله:

وَ إِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها داخل تحت القسم المتقدم.

و قوله: بالقور العساقيل. القور: جمع قارة، و هى الحجارة السّود.

____________

(1) فى السيرة: مسهن.

298

..........

____________

و العساقيل هنا السّراب، و هذا من المقلوب، أراد و قد تلفّعت القود بالعساقيل.

و فيها قوله:

تمشى‏ (1) الغواة بجنبيها، أى بجنبى ناقته.

عن القول و القيل إعرابا و معنى:

و قوله: إنك يا ابن أبى سلمى لمقتول و يروى: و قيلهم، و هو أحسن فى المعنى، و أولى بالصّواب؛ لأن القيل هو الكلام المقول فهو مبتدأ، و قوله: إنك يا ابن أبى سلمى لمقتول: خبر، تقول: إذا سئلت ما قيلك؟

قيلى: إن اللّه واحد، فقولك: إن اللّه واحد هو القيل، و القول مصدر كالطّحن و الذّبح، و القيل اسم للمقول كالطّحن و الذّبح بكسر أوله، و إنما حسنت هذه الرواية، لأن القول مصدر فيصير: إنك يا ابن أبى سلمى فى موضع المفعول فيه، فيبقى المبتدأ بلا خبر إلّا أن تجعل المقول هو القول على المجار، كما يسمّى المخلوق خلقا، و على هذا يكون قوله عزّ و جل:

وَ قِيلِهِ يا رَبِ‏ فى موضع البدل من القيل، و كذلك قوله: إِلَّا قِيلًا: سَلاماً سَلاماً منتصب بفعل مضمر، فهو فى موضع البدل من قيلا و كذلك قوله: وَ مَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا أى: حديثا مقولا، و من‏

____________

(1) فى السيرة: تسعى.

299

..........

____________

هذا الباب مسألة من النحو ذكرها سيبويه، و ابن السراج فى كتابه، و أخذ الفارسى منهما، أو من ابن السراج، فكثيرا ما ينقل من كتابه بلفظه غير أنه أفسد هذه المسألة، و لم يفهم ما أراد بها، و ذلك أنهما قالا: إذا قلت أول ما أقول: إنى أحمد اللّه، بكسر الهمزة، فهو على الحكاية، فظن الفارسى أنه يريد على الحكاية بالقول، فجعل إني أحمد اللّه فى موضع المفعول بأقول، فلما بقى له المبتدأ بلا خبر تكلّف له تقديرا لا يعقل، فقال: تقديره أول ما أقول: إنى أحمد اللّه موجود أو ثابت، فصار معنى كلامه: إلى أن أوّل هذه الكلمة التي هى إنى أحمد اللّه موجود أى: أوّل هذه الكلمة موجود، فآخرها إذا معدوم، و هذا خلف من القول، كما ترى، و قد وافقه ابن جنّى عليه، رأيته فى بعض مسائله، قال: قلت لأبى علىّ لم لا يكون: إنى أحمد اللّه فى موضع الخبر، كما تقول: أول سورة أقرأها: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ أو نحو هذا و لا يحتاج إلى حذف خبر، قال: فسكت و لم يجد جوابا، و إنما معنى هذه المسألة أول ما أقول، أى: أول القيل الذي أقوله إنى أحمد اللّه على حكاية الكلام المقول، و هذا الذي أراد سيبويه، و أبو بكر بن السراج، فإن فتحت الهمزة من أنّ صار معنى الكلام أول القول لا أول القيل، و كانت ما واقعة على المصدر، و صار معناه: أول قولى الحمد إذ الحمد قول و لم يبين مع فتح الهمزة كيف حمد اللّه، هل قال: الحمد للّه بهذا اللفظ، أو غيره، و على كسر الهمزة قد بين كيف حمد حين افتتح كلامه، بأنه قال:

إنى أحمد اللّه بهذا اللفظ، أو غيره و على كسر الهمزة قد بين كيف حمد حين افتتح كلامه، بأنه قال: إنى أحمد اللّه بهذا اللفظ لا بلفظ آخر، فقف على‏

300

..........

____________

هذه المسألة، و تدبرها إعرابا و معنى، فقلّ: من أحكمها و حسبك أنّ الفارسىّ لم يفهم عمّن قبله، و جاء بالتخليط المتقدّم، و اللّه المستعان.

عود إلي بانت سعاد:

و الخراديل: القطع من اللحم، و فى الحديث فى صفة الصّراط: فمنهم الموبق بعمله، و منهم المخردل، أى تخردل لحمه‏ (1) الكلاليب التي حول الصّراط، سمعت شيخنا الحافظ أبا بكر (رحمه اللّه) يقول: تلك الكلاليب هى الشّهوات، لأنها تجذب العبد فى الدنيا عن الاستقامة على سواء الصّراط، فتمثّل له فى الآخرة على نحو ذلك.

و قوله: بضراء الأرض. الضّراء: ما واراك من شجر، و الخمر: ما واراك من شجر و غيره.

و قوله: بواديه الأراجيل، أى: الرّجّالة، قيل: إنه جمع الجمع، كأنه جمع الرّجل، و هم الرّجّالة على أرجل، ثم جمع أرجلا على أراجل، و زاد الياء ضرورة. و الدّرس: الثوب الخلق. و الفقعاء: شجرة لها ثمر كأنه حلق.

و يروى أن النبيّ- (صلى الله عليه و سلم)- حين أنشده كعب:

إن الرّسول لنور يستضاء به‏* * * مهنّد من سيوف اللّه مسلول‏

نظر إلى أصحابه كالمعجب لهم من حسن القول و جودة الشعر.

____________

(1) خردلت اللحم بالدال و الذال: فصلت أعضاءه و قطعته.

301

..........

____________

و قوله:

ليس لهم‏ (1)عن حياض الموت تهليل‏

التهليل: أن ينكص الرجل عن الأمر جبنا.

و قوله فى الأنصار:

ضربوا عليّا يوم بدر ضربة (2)

بنو على: هم بنو كنانة، يقال لهم: بنو علىّ لما تقدم ذكره فى هذا الكتاب، و أراد: ضربوا قريشا لأنهم من بنى كنانة.

و قوله: إذا عرّد (3) السّود التنابيل: جمع تنبال و هو القصير، و قوله:

عرّد، أى: هرب. قال الشاعر:

يعرّد عنه صحبه و صديقه‏* * * و بنبش عنه كلبه و هو ضاربه‏

علة السواد فى أهل اليمن و شرح بيت لحسان:

و جعلهم سودا لما خالط أهل اليمن من السّودان عند غلبة الحبشة على بلادهم‏ (4)، و لذلك قال حسان فى آل جفنة:

____________

(1) فى السيرة: و مالهم.

(2) هذا من قصيدة كعب الراوية.

(3) عاد إلى اللامية.

(4) ترك السهيلى كثيرا من مفردات القصيدة دون شرح، و هنا أنقل عن الخشنى معانى ما ترك السهيلى: بانت: ذهبت و فارقت. متبول: هالك. متيم:-

302

..........

____________

أولاد جفنة حول قبر أبيهم‏* * * بيض الوجوه من الطّراز الأوّل‏

يعنى بقوله: من الطّراز الأول، أن آل جفنة كانوا من اليمن، ثم استوطنوا الشام بعد سيل العرم، فلم يخالطهم السّودان كما خالطوا من كان من اليمن، من الطّراز الأول الذي كانوا عليه فى ألوانهم و أخلاقهم.

____________

- معبد مذلل. أغن: الظبى الصغير الذي فى صوته غنة. غضيض: فاتر الطرف هيفاء: ضامرة البطن و الخصر. عجزاء: عظيمة العجيزة، و هو الردف. تجلو:

تصقل. و العوارض: الاسنان هنا. الظلم: شدة يريق الأسنان، و يقال: هو ماؤه. منهل: مسقى. الراح: من أسماء الخمر. محثية: منتهى الوادى، و يقال:

ما انغطف منه. أبطح: موضع سهل. مشمول: هبت عليه ريح الشمال، و هى عندهم باردة إذا هبت. و القذا: ما يقع فى الماء من تبن أو عود أو غيره، و كذا ما يقع فى العين. صوب: مصر. غادية: سحابة مطرت بالغدو. اليعاليل: الحباب الذي يعلو على وجه الماء و هى رغوته «راجع شرح السهيلى» الخلة هنا: الصديقة المراسيل: السريعة. عذافرة: ناقة ضخمة. الاين: الفتور و الإعياء. و الإرقال و التبغيل: ضربان من السير. نضاحة: يرشح عرقها. الذقرى: عظم فى أصل الاذن. عرضتها: الشي‏ء الذي يقوى عليه، و من رواه و لاجها، فمعناه: أضعفها طامس: متغير. الأعلام: العلامات التي فكون فى الطرق يهتدى بها، و أراد أنه ليس بها علم. النجاد: جمع نجد و هو ما ارتفع من الأرض. المفرد: هنا الثور الوحشى الذي انفرد فى الصحراء. اللهق: الابيض بفتح الهاء و كسرها. مقلدها:

عنقها. فعم: ممتلئ. مقيد: موضع القيد. قوداء: طويلة. شمليل: سريعة. لبان:

صدر أقرب: جمع قرب و هى الخاصرة و ما يليها. زهاليل: أملس. عيرانة: تشبه العير فى شدته و نشاطه، و العير هنا: حمار الوحش. النحض: اللحم الزور: أسفل الصدر. قنواء: فى أنفها ارتفاع. حرتاها: أذناها. قاب: قرب، تقول: بينى و بينه قاب قوس أى قرب قوس، لحييها: هو تثنية لحى، و هو العظم الذي عليه الخد،

303

..........

____________

و قوله: حول قبر أبيهم، أى إنهم لعزّهم لم يجلوا عن منازلهم قطّ، و لا فارقوا قبر أبيهم.

____________

- و اللحية لذى اللحية: و الخطم: الانف، و برطيل: حجر طويل، و يقال: هى فاس طويلة، و تمر: تمد و تحرك، العسيب: جريد النخل الخصل: جمع خصالة اللفافة من الشعر، غارز: قليل اللبن، لم تخونه: لم تنقصه، و لم تضعفه، و الاحاليل جمع إحليل و هو الثقب الذي يخرج منه اللبن، و هو من الذكر الذي يخرج منه البول. يسرات: يعنى قوائمها لانها تحسن السير بها كلها، ذوابل: شداد، عجايات جمع عجاية، و هى عصبة تكون فوق مربط القيد من ذى الخف، و من ذى الحافر.

و زيم: متكسر متفرق: الاكم: الكدى، واحدتها أكمة، الحرباء: ضرب من العظاء و يقال: هى أم حبيش. مرتبئ: مرتفع. ضاحية: ما برز منه للشمس، محلول: محرق، الملة: الحجارة و الحمر و الرماد، و الحادى: الذي يسوق. و الجنادب جمع جندب، و هو ذكر الجراد، قيلوا: أمر من القائلة، أى انزلوا و استريحوا كان أوب ذراعيها: الاوب الرجوع. تلغع: اشتمل، العساقيل: لمع السراب الفاقد: التي فقدت ولدها، الشمطاء: التي خالطها الشيب. معولة: رافعة صوتها بالبكاء. المثاكيل: جمع مثكال، و هى الفاقد أيضا، الضبعان: لحمتا العضدين، تفرى: تقطع، رعابيل: قطع متفرقة، على آلة حدباء محمول: النعش أو الداهية أى، لا يستقر عليها، لظل ترعد من وجد بوادره، البوادر: اللحم الذي بين العنق و الكتف. ضيغم: أسد. مخدر الأسد: غابته و أجمته. عثر: اسم موضع تنسب إليه الأسود. غيل: أجمة أيضا. يلحم: يطعم اللحم. ضرغامين: أسدين، و أراد بهما شبيهه. معفور: ممرغ بالعفر، و هو التراب. خراديل: متقطعة. يساور: يواثب، مفلول. أى قد أثر فيه الجو: موضع. مضرج: مخضب بالدماء. أنكاس: جمع نكس: و هو المقصر عن غاية الكرم أو الضعيف «ليست من الخشنى» كشف:

لا تراس لهم، أو الذي لا يحسن الركوب، فيميل عن السرج المعازيل: الذين لا سلاح معهم. الزهر: البيض. العرانين: الانوف. سوابغ: كاملة شكت:

أدخل بعضها فى بعض، فقعاء: ضرب من الحسك، و هو نبات له شوك تشبه به.

304

[غزوة تبوك فى رجب سنة تسع‏]

غزوة تبوك فى رجب سنة تسع‏

[التهيؤ لتبوك‏]

التهيؤ لتبوك قال: حدثنا أبو محمد عبد الملك بن هشام، قال زياد بن عبد اللّه البكائى، عن محمد بن إسحاق المطلبى، قال: ثمّ أقام رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بالمدينة ما بين ذى الحجّة إلى رجب، ثم أمر الناس بالتّهيّؤ لغزو الروم و قد ذكر لنا الزهرى و يزيد بن رومان و عبد اللّه بن أبى بكر و عاصم بن عمر بن قتادة،

____________

مدح آخر لكعب:

و مما أجاد فيه كعب بن زهير قوله يمدح النبيّ (صلى الله عليه و سلم):

تخدى به الناقة الأدماء معتجرا* * * بالبرد كالبدر جلّى ليلة الظّلم‏

ففى عطافيه أو أثناء بردته‏* * * ما يعلم اللّه من دين و من كرم‏

____________

- حلق الدرع. مجدول: محكم السرد. تهليل: فرار «انتهى من ص 415- ص 421 شرح السيرة لابي ذر بن محمد بن مسعود الخشنى. و قد أورد ابن إسحاق القصيدة دون إسناد، و رواها البيهقي فى الدلائل بإسناد متصل. و يقول ابن كثير فى البداية عن كون النبيّ (صلى الله عليه و سلم) أعطى كعبا بردته «هذا من الأمور المشهورة حدا، و لكن لم أر ذلك فى شي‏ء من هذه الكتب المشهورة باسناد أرتضيه» ص 373 ج 4 هذا و قد ذكر الربيدى فى طبقات النحاة أن بندار الأصفهانى كان يحفظ تسعمائة قصيدة أول كل منها بانت سعاد، و منها قول زهير والد كعب‏

بانت سعاد و أمسى حبلها انقطعا* * * و ليت وصلا لنا من حبلها رجعا

ص 59 ج 3 المواهب،