الروض الأنف في شرح السيرة النبوية - ج7

- عبد الرحمن السهيلي المزيد...
614 /
305

و غيرهم من علمائنا، كلّ حدث فى غزوة تبوك ما بلغه عنها، و بعض القوم يحدّث ما لا يحدّث بعض: أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أمر أصحابه بالتّهيّؤ لغزو الروم، و ذلك فى زمان من عسرة الناس، و شدّة من الحرّ، و جدب من البلاد: و حين طابت الثمار، و الناس يحبّون المقام فى ثمارهم و ظلالهم، و يكرهون الشّخوص على الحال من الزمان الذي هم عليه؛ و كان رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قلّما يخرج فى غزوة إلا كنى عنها، و أخبر أنه يريد غير الوجه الذي يصمد له، إلا ما كان من غزوة تبوك، فإنه بيّنها للناس، لبعد الشّقّة، و شدة الزمان، و كثرة العدوّ الذي يصمد له، ليتأهب الناس لذلك أهبته، فأمر الناس بالجهاز، و أخبرهم أنه يريد الروم.

[شأن الجد بن قيس‏]

شأن الجد بن قيس فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ذات يوم و هو فى جهازه ذلك للجدّ ابن قيس أحد بنى سلمة: يا جدّ، هل لك العام فى جلاد بنى الأصفر؟ فقال:

يا رسول اللّه، أو تأذن لى و لا تفتنّى؟ فو اللّه لقد عرف قومى أنه ما من رجل بأشدّ عجبا بالنساء منى، و إنى أخشى إن رأيت نساء بنى الأصفر أن لا أصبر، فأعرض عنه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و قال: قد أذنت لك. ففى الجدّ ابن قيس نزلت هذه الآية: وَ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَ لا تَفْتِنِّي، أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا، وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ‏ التوبة: 49. أى إن كان إنما خشى الفتنة من نساء بنى الأصفر، و ليس ذلك به، فما سقط فيه من الفتنة أكبر، بتخلفه عن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و الرغبة بنفسه عن نفسه، يقول تعالى: و إنّ جهنّم لمن ورائه.

____________

..........

306

[المنافقون المثبطون‏]

المنافقون المثبطون و قال قوم من المنافقين بعضهم لبعض: لا تنفروا في الحرّ، زهادة فى الجهاد، و شكّا فى الحقّ، و إرجافا برسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فأنزل اللّه تبارك و تعالى فيهم: وَ قالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ، قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ. فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَ لْيَبْكُوا كَثِيراً، جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ‏ التوبة: 81، 82.

[شعر الضحاك فى تحريق بيت سويلم‏]

شعر الضحاك فى تحريق بيت سويلم قال ابن هشام: و حدثني الثقة عمن حدّثه، عن محمد بن طلحة بن عبد الرحمن عن إسحاق بن إبراهيم بن عبد اللّه بن حارثة، عن أبيه، عن جدّه، قال:

بلغ رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، أنّ ناسا من المنافقين يجتمعون فى بيت سويلم اليهودىّ، و كان بيته عند جاسوم، يثبّطون النّاس عن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فى غزوة تبوك، فبعث إليهم النبيّ (صلى الله عليه و سلم) طلحة ابن عبيد اللّه فى نفر من أصحابه، و أمره أن يحرّق عليهم بيت سويلم، ففعل طلحة. فاقتحم الضّحاك بن خليفة من ظهر البيت، فانكسرت رجله، و اقتحم أصحابه، فأفلتوا. فقال الضحاك فى ذلك:

كادت و بيت اللّه نار محمّد* * * يشيط بها الضّحّاك و ابن أبيرق‏

و ظلت و قد طبّقت كبس سويلم‏* * * أنوء على رجلى كسيرا و مرفقى‏

سلام عليكم لا أعود لمثلها* * * أخاف و من تشمل به النار يحرق‏

____________

..........

307

[حض أهل الغنى على النفقة]

حض أهل الغنى على النفقة قال ابن إسحاق: ثم إن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) جدّ فى سفره، و أمر الناس بالجهاز و الانكماش، و حضّ أهل الغنى على النّفقة و الحملان فى سبيل اللّه، فحمل رجال من أهل الغنى و احتسبوا، و أنفق عثمان بن عفان فى ذلك نفقة عظيمة، لم ينفق أحد مثلها.

قال ابن هشام: حدثني من أثق به: أن عثمان بن عفّان أنفق فى جيش العسرة فى غزوة تبوك ألف دينار، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): اللهم أرض عن عثمان، فإنى عنه راض.

[قصة البكائين و المعذرين و المتخلفين‏]

قصة البكائين و المعذرين و المتخلفين قال ابن إسحاق: ثم إن رجالا من المسلمين أتوا رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و هم البكّاءون، و هم سبعة نفر من الأنصار و غيرهم من بنى عمرو بن عوف: سالم بن عمير، و علبة بن زيد، أخو بنى حارثة، و أبو ليلى عبد الرحمن ابن كعب، أخو بنى مازن بن النّجّار، و عمرو بن حمام بن الجموح، أخو بنى سلمة، و عبد اللّه بن المغفّل المزنىّ- و بعض الناس يقول: بل هو عبد اللّه ابن عمرو المزنى- و هرمىّ بن عبد اللّه، أخو بنى واقف، و عرباض بن سارية الفزارىّ. فاستحملوا رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و كانوا أهل حاجة،

____________

..........

308

فقال: لا أجد ما أحملكم عليه، فتولّوا و أعينهم تفيض من الدّمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون.

قال ابن إسحاق: فبلغنى أنّ ابن يامين بن عمير بن كعب النضرى لقى أبا ليلى عبد الرحمن بن كعب و عبد اللّه بن مغفّل و هما يبكيان، فقال: ما يبكيكما؟ قالا: جئنا رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ليحملنا، فلم نجد عنده ما يحملنا عليه، و ليس عندنا ما نتقوّى به على الخروج معه؛ فأعطاهما ناضحا له، فارتحلاه، و زوّدهما شيئا من تمر، فخرجا مع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم).

قال ابن إسحاق: و جاءه المعذّرون من الأعراب، فاعتذروا إليه، فلم يعذرهم اللّه تعالى. و قد ذكر لى أنهم نفر من بنى غفار.

ثم استتبّ برسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) سفره، و أجمع السير، و قد كان نفر من المسلمين أبطأت بهم النية عن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، حتى تخلفوا عنه، عن غير شكّ و لا ارتياب: منهم: كعب بن مالك بن أبى كعب، أخو بنى سلمة، و مرارة بن الربيع، أخو بنى عمرو بن عوف، و هلال بن أميّة، أخو بنى واقف، و أبو خيثمة، أخو بنى سالم بن عوف.

و كانوا نفر صدق، لا يتهمون فى إسلامهم.

فلما خرج رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ضرب عسكره على ثنيّة الوداع.

قال ابن هشام: و استعمل على المدينة محمد بن مسلمة الأنصاري.

____________

..........

309

و ذكر عبد العزيز بن محمد الدّراورديّ عن أبيه: أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) استعمل على المدينة، مخرجه إلى تبوك: سباع بن عرفطة.

المنافقون المتخلفون قال ابن إسحاق: و ضرب عبد اللّه بن أبىّ معه على حدة عسكره أسفل منه، نحو ذباب، و كان فيما يزعمون ليس بأقل العسكرين. فلما سار رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) تخلّف عنه عبد اللّه بن أبىّ، فيمن تخلّف من المنافقين و أهل الرّيب.

[إرجاف المنافقين بعلىّ‏]

إرجاف المنافقين بعلىّ و خلّف رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) علىّ بن أبى طالب، (رضوان اللّه عليه)، على أهله، و أمره بالإقامة فيهم، فأرجف به المنافقون، و قالوا:

ما خلفه إلا استثقالا له، و تخفّفا منه. فلما قال ذلك المنافقون، أخذ على ابن أبى طالب، (رضوان اللّه عليه) سلاحه، ثم خرج حتى أتى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و هو نازل بالجرف، فقال: يا نبىّ اللّه، زعم المنافقون أنّك إنّما خلّفتنى أنك استثقلتنى و تخفّفت منى؛ فقال: كذبوا، و لكننى خلّفتك لما تركت ورائى، فارجع فاخلفنى فى أهلى و أهلك، أ فلا ترضى يا علىّ أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى؟ إلا أنه لا نبىّ بعدى، فرجع علىّ إلى المدينة؛ و مضى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) على سفره.

قال ابن إسحاق: و حدثني محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة، عن إبراهيم‏

____________

..........

310

ابن سعد بن أبى وقاص، عن أبيه سعد: أنه سمع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يقول لعلى هذه المقالة.

قال ابن إسحاق: ثم رجع علىّ إلى المدينة، و مضى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) على سفره.

[قصة أبى خيثمة]

قصة أبى خيثمة ثم إنّ أبا خيثمة رجع بعد أن سار رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أياما إلى أهله فى يوم حارّ، فوجد امرأتين له فى عريشين لهما فى حائطه، قد رشّت كلّ واحدة منهما عريشها، و برّدت له فيه ماء، و هيأت له فيه طعاما. فلما دخل، قام على باب العريش، فنظر إلى امرأتيه و ما صنعتا له، فقال: رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فى الضّحّ و الرّيح و الحرّ، و أبو خيثمة فى ظلّ بارد، و طعام مهيّأ، و امرأة حسناء، فى ماله مقيم، ما هذا بالنّصف! ثم قال: و اللّه لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فهيئا، لى زادا، ففعلتا. ثم قدّم ناضحه فارتحله، ثم خرج فى طلب رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) حتى أدركه حين نزل تبوك. و قد كان أدرك أبا خيثمة عمير بن وهب الجمحىّ فى الطريق، يطلب رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فترافقا، حتى إذا دنوا من تبوك، قال أبو خيثمة لعمير بن وهب: إن لى ذنبا، فلا عليك أن تخلّف عنى حتى آتى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، ففعل، حتى إذا دنا من رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و هو نازل بتبوك، قال الناس: هذا راكب على الطريق مقبل؛ فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): كن أبا خيثمة؛ فقالوا

____________

..........

311

يا رسول اللّه هو و اللّه أبو خيثمة. فلما أناخ أقبل فسلّم على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)؛ فقال له رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): أولى لك يا أبا خيثمة.

ثم أخبر رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) الخبر؛ فقال له رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) خيرا، و دعا له بخير.

قال ابن هشام: و قال أبو خيثمة فى ذلك شعرا، و اسمه مالك بن قيس:

لمّا رأيت النّاس فى الدين نافقوا* * * أتيت التي كانت أعفّ و أكرما

و بايعت باليمنى يدى لمحمّد* * * فلم أكتسب إثما و لم أغش محرما

تركت خضيبا فى العريش و صرمة* * * صفايا كراما بسرها قد تحمّما

و كنت إذا شك المنافق أسمحت‏* * * إلى الدين نفسى شطره حيث يمّما

[مرور النبيّ (صلى الله عليه و سلم) بالحجر]

مرور النبيّ (صلى الله عليه و سلم) بالحجر قال ابن إسحاق: و قد كان رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) حين مرّ بالحجر نزلها، و استقى الناس من بئرها. فلما راحوا قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم):

لا تشربوا من مائها شيئا، و لا تتوضّئوا منه للصلاة، و ما كان من عجين عجنتموه فاعلفوه الإبل، و لا تأكلوا منه شيئا، و لا يخرجنّ أحد منكم الليلة إلا و معه صاحب له، ففعل الناس ما أمرهم به رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، إلا أن رجلين من بنى ساعدة خرج أحدهما لحاجته، و خرج الآخر فى طلب بعير له، فأما الذي ذهب لحاجته فإنه خنق على مذهبه؛ و أما الذي ذهب فى طلب بعيره فاحتملته الريح، حتى طرحته بجبلى طيئ. فأخبر بذلك رسول اللّه‏

____________

..........

312

(صلى الله عليه و سلم)، فقال: أ لم أنهكم أن يخرج منكم أحد ألا و معه صاحبه ثم دعا رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) للّذى أصيب على مذهبه فشفى، و أما الآخر الذي وقع بجبلى طيئ، فإن طيّئا أهدته لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) حين قدم المدينة.

و الحديث عن الرجلين عن عبد اللّه بن أبى بكر، عن عباس بن سهل بن سعد السّاعدىّ، و قد حدثني عبد اللّه بن أبى بكر أن قد سمّى له العبّاس الرجلين، و لكنه استودعه إياهما، فأبى عبد اللّه أن يسمّيهما لى.

قال ابن هشام: بلغنى عن الزهرى أنه قال: لما مرّ رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بالحجر سجّى ثوبه على وجهه، و استحثّ راحلته، ثم قال:

لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا إلا و أنتم باكون، خوفا أن يصيبكم مثل ما أصابهم.

قال ابن إسحاق: فلما أصبح الناس و لا ماء معهم شكوا إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فدعا رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فأرسل اللّه سبحانه سحابة فأمطرت حتى ارتوى الناس، و احتملوا حاجتهم من الماء.

قال ابن إسحاق: فحدثنى عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن رجال من بنى عبد الأشهل، قال: قلت لمحمود: هل كان الناس يعرفون النّفاق فيهم؟ قال: نعم و اللّه، إن كان الرجل ليعرفه من أخيه و من أبيه و من عمّه و فى عشيرته، ثم يلبس بعضهم بعضا على ذلك. ثم قال محمود: لقد أخبرنى رجال‏

____________

..........

313

من قومى عن رجل من المنافقين معروف نفاقه، كان يسير مع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) حيث سار؛ فلما كان من أمر الناس بالحجر ما كان، و دعا رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) حين دعا، فأرسل اللّه السّحابة، فأمطرت حتى ارتوى الناس، قالوا: أقبلنا عليه نقول: ويحك، هل بعد هذا شي‏ء! قال:

سحابة مارّة.

[مقالة ابن اللّصيت‏]

مقالة ابن اللّصيت قال ابن إسحاق: ثم إن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) سار حتى إذا كان ببعض الطريق ضلّت ناقته، فخرج أصحابه فى طلبها، و عند رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) رجل من أصحابه، يقال له، عمارة بن حزم، و كان عقبيّا بدريّا، و هو عم بنى عمرو بن حزم، و كان فى رحله زيد بن اللّصيت القينقاعى، و كان منافقا.

قال ابن هشام: و يقال: ابن لصيب، بالباء.

قال ابن إسحاق: فحدثنى عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن رجال من بنى عبد الأشهل، قالوا: فقال زيد بن اللّصيت، و هو فى رحل عمارة، و عمارة عند رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): أ ليس محمد يزعم أنه نبى، و يخبركم عن خبر السماء، و هو لا يدرى أين ناقته؟ فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و عمارة عنده: إن رجلا قال: هذا محمّد يخبركم أنه نبى، و يزعم أنه يخبركم بأمر السماء و هو لا يدرى أين ناقته، و إنى و اللّه ما أعلم إلا ما علّمنى اللّه و قد دلنى اللّه عليها، و هى فى هذا الوادى، فى شعب كذا و كذا، قد حبستها

____________

..........

314

شجرة بزمامها، فانطلقوا حتى تأتونى بها، فذهبوا، فجاءوا بها. فرجع عمارة ابن حزم إلى رحله، فقال: و اللّه لعجب من شي‏ء حدّثناه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) آنفا، عن مقالة قائل أخبره اللّه عنه بكذا و كذا، للذى قال زيد بن لصيت؛ فقال رجل ممن كان فى رحل عمارة و لم يحضر رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): زيد و اللّه قال هذه المقالة قبل أن تأتى. فأقبل عمارة على زيد يجافي عنقه و يقول: إلىّ عباد اللّه، إنّ فى رحلى لداهية و ما أشعر، أخرج أى عدوّ اللّه من رحلى، فلا تصحبنى.

قال ابن إسحاق: فزعم بعض الناس أن زيدا تاب بعد ذلك؛ و قال بعض الناس: لم يزل متّهما بشرّ حتى هلك.

[إبطاء أبى ذر]

إبطاء أبى ذر ثم مضى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) سائرا، فجعل يتخلّف عنه الرجل، فيقولون: يا رسول اللّه، تخلّف فلان، فيقول: دعوه، فإن يك فيه خير فسيلحقه اللّه تعالى بكم، و إن يك غير ذلك فقد أراحكم اللّه منه، حتى قيل: يا رسول اللّه، قد تخلّف أبو ذرّ، و أبطأ به بعيره؛ فقال: دعوه، فإن يك فيه خير فسيلحقه اللّه بكم، و إن يك غير ذلك فقد أراحكم اللّه منه؛ و تلوّم أبو ذرّ على بعيره، فلما أبطأ عليه، أخذ متاعه فحمله على ظهره، ثم خرج يتبع أثر رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ماشيا. و نزل رسول اللّه فى‏

____________

..........

315

بعض منازله، فنظر ناظر من المسلمين فقال: يا رسول اللّه، إن هذا الرجل يمشى على الطريق وحده؛ فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): كن أبا ذر.

فلما تأمّله القوم قالوا: يا رسول اللّه، هو و اللّه أبو ذرّ، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): رحم اللّه أبا ذرّ يمشى وحده، و يموت وحده، و يبعث وحده.

و قال ابن إسحاق: فحدثنى بريدة بن سفيان الأسلمي، عن محمد بن كعب القرظى، عن عبد اللّه بن مسعود، قال: لما نفى عثمان أبا ذرّ إلى الرّبذة، و أصابه بها قدره، لم يكن معه أحد إلا امرأته و غلامه، فأوصاهما أن اغسلانى و كفّنانى، ثم ضعانى على قارعة الطّريق، فأوّل ركب يمر بكم فقولوا: هذا أبو ذرّ صاحب رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فأعينونا على دفنه. فلما مات فعلا ذلك به. ثم وضعاه على قارعة الطريق: و أقبل عبد اللّه ابن مسعود فى رهط من أهل العراق عمّار، فلم يرعهم إلا بالجنازة على ظهر الطّريق، قد كادت الإبل تطؤها، و قام إليهم الغلام. فقال: هذا أبو ذرّ صاحب رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فأعينونا على دفنه. قال: فاستهلّ عبد اللّه بن مسعود يبكى و يقول: صدق رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، تمشى وحدك، و تموت وحدك، و تبعث وحدك. ثم نزل هو و أصحابه فواروه، ثم حدثهم عبد اللّه بن مسعود حديثه، و ما قال له رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فى مسيره إلى تبوك.

____________

..........

316

[تخذيل المنافقين للمسلمين و ما نزل فيهم‏]

تخذيل المنافقين للمسلمين و ما نزل فيهم قال ابن إسحاق: و قد كان رهط من المنافقين، منهم وديعة بن ثابت، أخو بنى عمرو بن عوف، و منهم رجل من أشجع، حليف لبنى سلمة، يقال له: مخشّن بن حميّر- قال ابن هشام: و يقال مخشىّ- يشيرون إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و هو منطلق إلى تبوك، فقال بعضهم لبعض: أ تحسبون جلاد بنى الأصفر كقتال العرب بعضهم بعضا! و اللّه لكأنّا بكم غدا مقرّنين في الحبال، إرجافا و ترهيبا للمؤمنين، فقال مخشّن بن حميّر: و اللّه لوددت أنى أقاضى على أن يضرب كل رجل منّا مائة جلدة، و إنّا ننفلت أن ينزل فينا قرآن لمقالتكم هذه.

و قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)- فيما بلغنى- لعمّار بن ياسر: أدرك القوم، فإنهم قد احترقوا، فسلهم عما قالوا، فإن أنكروا فقل: بلى، قلتم كذا و كذا. فانطلق إليهم عمّار، فقال ذلك لهم: فأتوا رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يعتذرون إليه، فقال وديعة بن ثابت، و رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) واقف على ناقته، فجعل يقول و هو آخذ بحقبها يا رسول اللّه، إنما كنّا نخوض و نلعب؛ فأنزل اللّه عزّ و جلّ: وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَ نَلْعَبُ‏. و قال مخشّن بن حميّر: يا رسول اللّه، قعد بى اسمى و اسم أبى، و كأن الذي عفى عنه فى هذه الآية مخشّن بن حميّر، فتسمى عبد الرحمن، و سأل اللّه تعالى أن يقتله شهيدا لا يعلم بمكانه، فقتل يوم اليمامة، فلم يوجد له أثر.

____________

..........

317

[الصلح مع صاحب أيلة]

الصلح مع صاحب أيلة و لما انتهى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إلى تبوك، أتاه يحنّة بن رؤبة، صاحب أيلة، فصالح رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و أعطاه الجزية، و أتاه أهل جرباء و أذرح، فأعطوه الجزية، فكتب رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) لهم كتابا، فهو عندهم.

[كتاب الرسول لصاحب أيلة]

كتاب الرسول لصاحب أيلة فكتب ليحنّة بن رؤبة:

بسم اللّه الرحمن الرحيم: هذه أمنة من اللّه و محمد النبي رسول اللّه ليحنّة ابن رؤبة و أهل أيلة، سفنهم و سيّارتهم في البرّ و البحر: لهم ذمّة اللّه، و ذمّة محمد النبيّ، و من كان معهم من أهل الشام، و أهل اليمن، و أهل البحر، فمن أحدث منهم حدثا، فإنه لا يحول ماله دون نفسه، و إنه طيّب لمن أخذه من الناس، و إنه لا يحلّ أن يمنعوا ماء يردونه، و لا طريقا يريدونه، من برّ أو بحر.

[أكيدر]

أكيدر ثم إن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) دعا خالد بن الوليد، فبعثه إلى أكيدر دومة، و هو أكيدر بن عبد الملك، رجل من كندة كان ملكا عليها، و كان نصرانيّا، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) لخالد: إنك ستجده يصيد البقر. فحرج خالد، حتى إذا كان من حصنه بمنظر العين، و فى ليلة

____________

..........

318

مقمرة صائفة، و هو على سطح له، و معه امرأته، فباتت البقر تحكّ بقرونها باب القصر، فقالت له امرأته: هل رأيت مثل هذا قطّ؟ قال: لا و اللّه! قالت: فمن يترك هذه؟ قال: لا أحد. فنزل فأمر بفرسه، فأسرج له، و ركب معه نفر من أهل بيته، فيهم أخ يقال له حسّان. فركب، و خرجوا معه بمطاردهم. فلما خرجوا تلقتهم خيل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فأخذته، و قتلوا أخاه؛ و قد كان عليه قباء من ديباج مخوّص بالذّهب، فاستلبه خالد، فبعث به إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قبل قدومه به عليه.

قال ابن إسحاق: فحدثنى عاصم بن عمر بن قتادة، عن أنس بن مالك، قال: رأيت قباء أكيدر حين قدم به على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فجعل المسلمون يلمسونه بأيديهم، و يتعجبون منه، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): أ تعجبون من هذا؟ فو الذي نفسى بيده لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا.

قال ابن إسحاق: ثم إن خالدا قدم بأكيدر على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فحقن له دمه، و صالحه على الجزية، ثم خلّى سبيله، فرجع إلى قريته، فقال رجل من طيئ: يقال له بجير بن بجرة، يذكر قول رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) لخالد: إنك ستجده يصيد البقر، و ما صنعت البقر تلك الليلة حتى استخرجته، لتصديق قول رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم):

تبارك سائق البقرات إنى‏* * * رأيت اللّه يهدى كلّ هاد

فمن يك حائدا عن ذى تبوك‏* * * فإنّا قد أمرنا بالجهاد

____________

..........

319

فأقام رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بتبوك بضع عشرة ليلة، لم يجاوزها ثم انصرف قافلا إلى المدينة.

[حديث وادى المشقق و مائه‏]

حديث وادى المشقق و مائه و كان فى الطريق ماء يخرج من وشل، ما يروى الراكب و الراكبين و الثلاثة، بواد يقال له وادى المشقّق؛ فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم):

من سبقنا إلى ذلك الوادى فلا يستقين منه شيئا حتى نأتيه. قال: فسبقه إليه نفر من المنافقين، فاستقوا ما فيه؛ فلما أتاه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) وقف عليه، فلم ير فيه شيئا. فقال: من سبقنا إلى هذا الماء؟ فقيل له: يا رسول اللّه، فلان و فلان؛ فقال: أ و لم أنههم أن يستقوا منه شيئا حتى آتيه! ثم لعنهم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و دعا عليهم. ثم نزل فوضع يده تحت الوشل، فجعل يصب فى يده ما شاء اللّه أن يصبّ ثم نضحه به، و مسحه بيده، و دعا رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بما شاء اللّه أن يدعو به، فانخرق من الماء- كما يقول من سمعه- ما إنّ له حسّا كحس الصواعق، فشرب الناس، و استقوا حاجتهم منه. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): لئن بقيتم أو من بقى منكم لتسمعنّ بهذا الوادى، و هو أخصب ما بين يديه و ما خلفه.

[قيام الرسول على دفن ذى البجادين‏]

قيام الرسول على دفن ذى البجادين قال: و حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التّيمى، أن عبد اللّه بن مسعود كان يحدث، قال: قمت من جوف الليل، و أنا مع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)

____________

..........

320

فى غزوة تبوك، قال: فرأيت شعلة من نار فى ناحية العسكر، قال: فاتّبعتها أنظر إليها، فإذا رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و أبو بكر و عمر، و إذا عبد اللّه ذو النجادين المزنى قد مات، و إذا هم قد حفروا له، و رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فى حفرته، و أبو بكر و عمر يدلّيانه إليه، و هو يقول: أدنيا إلىّ أخا كما، فدلّياه إليه، فلما هيأه لشقّه قال: اللهم إنى أمسيت راضيا عنه، فارض عنه.

قال: يقول عبد اللّه بن مسعود: يا ليتنى كنت صاحب الحفرة.

[لم سمى ذو البجادين؟]

لم سمى ذو البجادين؟

قال ابن هشام: و إنما سمّى ذو البجادين، لأنه كان ينازع إلى الإسلام، فيمنعه قومه من ذلك، و يضيقون عليه، حتى تركوه فى بجاد ليس عليه غيره، و البجاد: الكساء الغليظ الجافى، فهرب منهم إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فلما كان قريبا منه، شق بجاده باثنين، فاتّزر بواحد، و اشتمل بالآخر ثم أتى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فقيل له: ذو البجادين لذلك، و البجاد أيضا: المسح، قال ابن هشام: قال امرؤ القيس:

كأنّ أبانا فى عرانين ودقه‏* * * كبير أناس فى بجاد مزمّل‏

[أبو رهم فى تبوك‏]

أبو رهم فى تبوك قال ابن إسحاق: و ذكر ابن شهاب الزهرى، عن ابن أكيمة اللّيثى، عن ابن أخى أبى رهم الغفارى، أنه سمع أبا رهم كلثوم بن الحصين، و كان من أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) الذين بايعوا تحت الشجرة، يقول:

____________

..........

321

غزوت مع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) غزوة تبوك، فسرت ذات ليلة معه و نحن بالأخضر قريبا من رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و ألقى اللّه علينا النعاس فطفقت أستيقظ و قد دنت راحلتى من راحلة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فيفزعني دنوّها منه، مخافة أن أصيب رجله فى الغرز، فطفقت أحوز راحلتى عنه، حتى غلبتنى عينى فى بعض الطريق، و نحن فى بعض الليل، فزاحمت راحلتى راحلة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و رجله فى الغرز، فما استيقظت إلا بقوله: حسّ، فقلت: يا رسول اللّه، استغفر لى. فقال: سر، فجعل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يسألنى عمّن تخلّف عن بنى غفار، فأخبره به؛ فقال و هو يسألنى: ما فعل النّفر الحمر الطّوال الثطاط. فحدّثته بتخلّفهم.

قال: فما فعل النّفر السود الجعاد القصار؟ قال: قلت: و اللّه ما أعرف هؤلاء منا.

قال: بلى الذين لهم نعم بشبكة شدخ؛ فتذكّرتهم فى بنى غفار، و لم أذكرهم حتى ذكرت أم لهم رهط من أسلم كانوا حلفاء فينا، فقلت: يا رسول اللّه، أولئك رهط من أسلم، حلفاء فينا؛ فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم):

ما منع أحد أولئك حين تخلّف أن يحمل على بعير من إبله امرأ نشيطا فى سبيل اللّه؟ إن أعزّ أهلى علىّ أن يتخلّف عنى المهاجرون من قريش و الأنصار و غفار و أسلم.

[أمر مسجد الضرار عند القفول من غزوة تبوك‏]

أمر مسجد الضرار عند القفول من غزوة تبوك قال ابن إسحاق: ثم أقبل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) حتى نزل بذى أوان، بلد بينه و بين المدينة ساعة من نهار، و كان أصحاب مسجد الضّرار

____________

..........

322

قد كانوا أتوه و هو يتجهّز إلى تبوك، فقالوا: يا رسول اللّه، إنّا قد بنينا مسجدا لذى العلّة و الحاجة و الليلة المطيرة و الليلة الشاتية، و إنّا نحبّ أن تأتينا، فتصلى لنا فيه؛ فقال: إنى على جناح سفر، و حال شغل، أو كما قال (صلى الله عليه و سلم)، و لو قد قدمنا إن شاء اللّه لأتيناكم، فصلّينا لكم فيه.

فلما نزل بذى أوان، أتاه خبر المسجد، فدعا رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) مالك بن الدّخشم أخا بنى سالم بن عوف، و معن بن عدىّ، أو أخاه عاصم بن عدىّ، أخا بنى العجلان، فقال: انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله، فاهدماه و حرّقاه. فخرجا سريعين حتى أتيا بنى سالم بن عوف، و هم رهط مالك بن الدّخشم، فقال مالك لمعن: أنظرنى حتى أخرج إليك بنار من أهلى.

فدخل إلى أهله، فأخذ سعفا من النخل، فأشعل فيه نارا، ثم خرجا يشتدّان حتى دخلاه و فيه أهله، فحرقاه و هدّماه، و تفرّقوا عنه، و نزل فيهم من القرآن ما نزل: وَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَ كُفْراً وَ تَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ‏ ...

إلى آخر القصة.

و كان الذين بنوه اثنى عشر رجلا: خذام بن خالد، من بنى عبيد بن زيد، أحد بنى عمرو بن عوف، و من داره أخرج مسجد الشّقاق، و ثعلبة ابن حاطب من بنى أمية بن زيد، و معتّب بن قشير، من بنى ضبيعة بن زيد، و أبو حبيبة بن الأزعر، من بنى ضبيعة بن زيد، و عبّاد بن حنيف، أخو سهل بن حنيف، من بنى عمرو بن عوف، و جارية بن عامر، و ابناه مجمّع بن جارية، و زيد بن جارية، و نبتل بن الحارث، من ضبيعة، و بحزج،

____________

..........

323

من بنى ضبيعة، و بجاد بن عثمان، من بنى ضبيعة، و وديعة بن ثابت، و هو من بنى أمية بن زيد رهط أبى لبابة بن المنذر.

و كانت مساجد رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فيما بين المدينة إلى تبوك معلومة مسماة: مسجد بتبوك، و مسجد بثنيّة مدران، و مسجد بذات الزّراب، و مسجد بالأخضر، و مسجد بذات الخطمىّ، و مسجد بألاء، و مسجد بطرف البتراء، من ذنب كواكب، و مسجد بالشقّ، شقّ تارا، و مسجد بذى الجيفة، و مسجد بصدر حوضى، و مسجد بالحجر، و مسجد بالصّعيد، و مسجد بالوادى، اليوم، وادى القرى، و مسجد بالرّقعة من الشقّة، شقة بنى عذرة، و مسجد بذى المروة، و مسجد بالفيفاء، و مسجد بذى خشب.

[أمر الثلاثة الذين خلفوا و أمر المعذرين فى غزوة تبوك‏]

أمر الثلاثة الذين خلفوا و أمر المعذرين فى غزوة تبوك و قدم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) المدينة، و قد كان تخلّف عنه رهط من المنافقين، و تخلّف أولئك الرهط الثلاثة من المسلمين من غير شكّ و لا نفاق:

كعب بن مالك، و مرارة بن الربيع، و هلال بن أميّة؛ فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) لأصحابه: لا تكلّمنّ أحدا من هؤلاء الثلاثة، و أتاه من تخلّف عنه من المنافقين فجعلوا يحلفون له و يعتذرون، فصفح عنهم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و لم يعذرهم اللّه و لا رسوله. و اعتزل المسلمون كلام أولئك النفر الثلاثة.

____________

..........

324

[حديث كعب عن التخلف‏]

حديث كعب عن التخلف قال ابن إسحاق: فذكر الزهرىّ محمد بن مسلم بن شهاب، عن عبد الرحمن بن عبد اللّه بن كعب بن مالك: أن أباه عبد اللّه، و كان قائد أبيه حين أصيب بصره، قال: سمعت أبى كعب بن مالك يحدّث حديثه حين تخلّف عن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فى غزوة تبوك، و حديث صاحبيه، قال: ما تخلّفت عن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فى غزوة غزاها قطّ، غير أنى كنت قد تخلّفت عنه فى غزوة بذر؛ و كانت غزوة لم يعاتب اللّه و لا رسوله أحدا تخلّف عنها، و ذلك أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إنما خرج يريد عير قريش، حتى جمع اللّه بينه و بين عدوّه على غير ميعاد، و لقد شهدت مع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) العقبة، و حين تواثقنا على الإسلام، و ما أحبّ أنّ لى بها مشهد بدر، و إن كانت غزوة بدر هى أذكر فى الناس منها. قال:

كان من خبرى حين تخلّفت عن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فى غزوة تبوك أنى لم أكن قطّ أقوى و لا أيسر منى حين تخلّفت عنه فى تلك الغزوة، و و اللّه ما اجتمعت لى راحلتان قطّ حتى اجتمعتا فى تلك الغزوة، و كان رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قلّما يريد غزوة يغزوها إلا ورّى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة، فغزاها رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فى حرّ شديد، و استقبل سفرا بعيدا، و استقبل غزو عدوّ كثير، فجلّى للناس أمرهم ليتأهّبوا لذلك أهبته و أخبرهم خبره بوجهه الذي يريد، و المسلمون من تبع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) كثير، لا يجمعهم كتاب حافظ، يعنى بذلك الديوان، يقول:

لا يجمعهم ديوان مكتوب.

____________

..........

325

قال كعب: فقلّ رجل يريد أن يتغيّب إلا ظنّ أنه سيخفى له ذلك، ما لم ينزل فيه وحى من اللّه، و غزا رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) تلك الغزوة حين طابت الثمار و أحبّت الظّلال، فالناس إليها صعر؛ فتجهّز رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و تجهّز المسلمون معه، و جعلت أغدو لأتجهّز معهم، فأرجع و لم أقض حاجة، فأقول فى نفسى، أنا قادر على ذلك إذا أردت، فلم يزل ذلك يتمادى بى حتى شمّر الناس بالجدّ، فأصبح رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) غاديا، و المسلمون معه، و لم أقض من جهازى شيئا، فقلت: أتجهّز بعده بيوم أو يومين، ثم ألحق بهم، فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز، فرجعت و لم أقض شيئا، ثم غدوت فرجعت و لم أقض شيئا، فلم يزل ذلك يتمادى بى حتى أسرعوا، و تفرّط الغزو، فهممت أن أرتحل، فأدركهم، و ليتنى فعلت، فلم أفعل، و جعلت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فطفت فيهم، يحزننى أنى لا أرى إلا رجلا مغموصا عليه فى النفاق، أو رجلا ممن عذر اللّه من الضعفاء، و لم يذكرنى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) حتى بلغ تبوك، فقال و هو جالس فى القوم بتبوك: ما فعل كعب بن مالك؟

فقال رجل من بنى سلمة: يا رسول اللّه، حبسه برداه، و النّظر فى عطفيه؛ فقال له معاذ بن جبل: بئس ما قلت! و اللّه يا رسول اللّه ما علمنا منه إلا خيرا؛ فسكت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ..

فلما بلغنى أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قد توجّه قافلا من تبوك، حضرنى بثى، فجعلت أتذكّر الكذب و أقول: بما ذا أخرج من سخطة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) غدا و أستعين على ذلك كلّ ذى رأى من أهلى؛

____________

..........

326

فلما قيل إن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قد أظلّ قادما زاح عنى الباطل، و عرفت أنى لا أنجو منه إلا بالصدق، فأجمعت أن أصدقه، و صبّح رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) المدينة، و كان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد، فركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك، جاءه المخلّفون، فجعلوا يحلفون له و يعتذرون، و كانوا بضعة و ثمانين رجلا، فيقبل منهم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) علانيتهم و أيمانهم، و يستغفر لهم، و يكل سرائرهم إلى اللّه تعالى، حتى جئت فسلّمت عليه، فتبسم تبسم المغضب، ثم قال لى: تعاله، فجئت أمشى، حتى جلست بين يديه، فقال لى: ما خلّفك؟ أ لم تكن ابتعت ظهرك؟ قال: قلت:

إنى يا رسول اللّه، و اللّه لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أبى سأخرج من سخطه بعذر، و لقد أعطيت جدلا، لكن و اللّه لقد علمت لئن حدّثتك اليوم حديثا كذبا لترضينّ عنى، و ليوشكنّ اللّه أن يسخطك علىّ، و لئن حدثتك حديثا صدقا تجد علىّ فيه، إنى لأرجو عقباى من اللّه فيه، و لا و اللّه ما كان لى عذر، و اللّه ما كنت قطّ أقوى و لا أيسر منى حين تخلّفت عنك. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): أمّا هذا فقد صدقت فيه، فقم حتى يقضى اللّه فيك. فقمت، و ثار معى رجال من بنى سلمة، فاتّبعونى فقالوا لى: و اللّه ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا، و لقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بما اعتذر به إليه المخلّفون، قد كان كافيك ذنبك استغفار رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) لك، فو اللّه ما زالوا بى حتى أردت أن أرجع إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فأكذّب نفسى، ثم قلت لهم: هل لقى هذا أحد غيرى؟ قالوا: نعم، رجلان‏

____________

..........

327

قالا مثل مقالتك، و قيل لهما مثل ما قيل لك؛ قلت: من هما؟ قالوا: مرارة بن الرّبيع العمرى، من بنى عمرو بن عوف، و هلال بن (أبى) أميّة الواقفى؛ فذكروا لى رجلين صالحين، فيهما أسوة، فصمتّ حين ذكروهما لى، و نهى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) عن كلامنا أيّها الثلاثة، من بين من تخلّف عنه، فاجتنبنا الناس، و تغيّروا لنا، حتى تنكّرت لى نفسى و الأرض، فما هى بالأرض التي كنت أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباى فاستكانا، و قعدا فى بيوتهما، و أما أنا فكنت أشبّ القوم و أجلدهم، فكنت أخرج، و أشهد الصلوات مع المسلمين، و أطوف بالأسواق، و لا يكلمنى أحد، و آتى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فأسلم عليه و هو فى مجلسه بعد الصلاة، فأقول فى نفسى، هل حرّك شفتيه بردّ السلام علىّ أم لا؟ ثم أصلى قريبا منه، فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتى نظر إلىّ، و إذا التفتّ نحوه أعرض عنى، حتى إذا طال ذلك علىّ من جفوة المسلمين، مشيت حتى توّرت جدار حائط أبى قتادة. و هو ابن عمّى، و أحبّ الناس إلىّ، فسلمت عليه، فو اللّه ما ردّ علىّ السلام، فقلت: يا أبا قتادة، أنشدك باللّه، هل تعلم أنى أحبّ اللّه و رسوله؟ فسكت. فعدت فناشدته، فسكت عنى، فعدت فناشدته فسكت عنى، فعدت فناشدته، فقال: اللّه و رسوله أعلم، ففاضت عيناى، و و ثبت فتسوّرت الحائط، ثم غدوت إلى السّوق، فبينا أنا أمشى بالسّوق، إذا نبطىّ يسأل عنى من نبط الشام، مما قدم بالطعام ببيعه بالمدينة، يقول: من يدلّ على كعب بن مالك؟ قال: فجعل الناس يشيرون له إلىّ، حتى جاءنى، فدفع إلىّ كتابا من ملك غسان، و كتب كتابا فى سرقة من حرير، فإذا فيه: «أما بعد،

____________

..........

328

فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك، و لم يجعلك اللّه بدار هوان و لا مضيعة، فالحق بنا نواسك». قال: قلت حين قرأتها: و هذا من البلاء أيضا، قد بلغ بى ما وقعت فيه أن طمع فىّ رجل من أهل الشرك. قال: فعمدت بها إلى تنوّر، فسجرته بها. فأقمنا على ذلك حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا رسول رسول اللّه يأتينى، فقال: إن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يأمرك أن تعتزل امرأتك، قال: قلت: أ طلّقها أم ما ذا؟ قال: لا، بل اعتزلها و لا تقربها، و أرسل إلىّ صاحبى بمثل ذلك، فقلت لامرأتى: الحقى بأهلك، فكونى عندهم حتى يقضى اللّه فى هذا الأمر ما هو قاض. قال: و جاءت امرأة هلال بن أمية رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فقالت: يا رسول اللّه، إن هلال ابن أمية شيخ كبير ضائع لا خادم له، أ فتكره أن أخدمه؟ قال: لا، و لكن لا يقربنك؛ قالت: و اللّه يا رسول اللّه ما به من حركة إلىّ، و اللّه ما زال يبكى منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا، و لقد تخوّفت على بصره. قال:

فقال لى بعض أهلى: لو استأذنت رسول اللّه لامرأتك، فقد أذن لامرأة هلال بن أميّة أن تخدمه؛ قال: فقلت: و اللّه لا أستأذنه فيها، ما أدرى ما يقول رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) لى فى ذلك إذا استأذنته فيها، و أنا رجل شابّ.

قال: فلبثنا بعد ذلك عشر ليال، فكمل لنا خمسون ليلة، من حين نهى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) المسلمين عن كلامنا، ثم صليت الصبح، صبح خمسين ليلة، على ظهر بيت من بيوتنا، على الحال التي ذكر اللّه منّا، قد ضاقت علينا الأرض بما رحبت، و ضاقت علىّ نفسى، و قد كنت ابتنيت خيمة فى ظهر مبلع، فكنت أكون فيها إذ سمعت صوت صارخ أو فى على‏

____________

..........

329

أمر سلع يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك، أبشر، قال: فخررت ا، و عرفت أن قد جاء الفرج.

قال: و آذن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) الناس بتوبة اللّه علينا حين صلى الفجر، فذهب الناس يبشّروننا، و ذهب نحو صاحبىّ مبشّرون، و ركض رجل إلى فرسا. و سعى ساع من أسلم، حتى أو فى على الجبل، فكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءنى الذي سمعت صوته يبشّرنى، نزعت ثوبي، فكسوتهما إيّاه بشارة، و اللّه ما أملك يومئذ غيرهما، و استعرت ثوبين فلبستهما، ثم انطلقت أتيمم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و تلقّانى الناس يبشّروننى بالتّوبة، يقولون: ليهنك توبة اللّه عليك، حتى دخلت المسجد، و رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) جالس حوله الناس، فقام إلىّ طلحة بن عبيد اللّه، فحيّانى و هنّأنى، و و اللّه ما قام إلىّ رجل من المهاجرين غيره. قال:

فكان كعب بن مالك لا ينساها لطلحة.

قال كعب: فلما سلّمت على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قال لى، و وجهه يبرق من السرور: أبشر بخير يوم مرّ عليك منذ ولدتك أمّك، قال: قلت: أمن عندك يا رسول اللّه أم من عند اللّه؟ قال: بل من عند اللّه. قال:

و كان رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إذا استبشر كأن وجهه قطعة قمر. قال:

و كنّا نعرف ذلك منه. قال: فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول اللّه، إن من توبتى إلى اللّه عزّ و جلّ أن أنخلع من مالى، صدقة إلى اللّه و إلى رسوله، قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): أمسك عليك بعض مالك، فهو خير لك.

____________

..........

330

قال: قلت إنى ممسك سهمى الذي بخيبر؛ و قلت: يا رسول اللّه، إن اللّه قد نجّانى بالصدق، و إن من توبتى إلى اللّه أن لا أحدّث إلا صدقا ما حييت، و اللّه ما أعلم أحدا من الناس أبلاه اللّه فى صدق الحديث منذ ذكرت لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ذلك أفضل مما أبلانى اللّه، و اللّه ما تعمّدت من كذبة منذ ذكرت ذلك لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إلى يومى هذا، و إنى لأرجو أن يحفظنى اللّه فيما بقى.

و أنزل اللّه تعالى: لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَ الْمُهاجِرِينَ وَ الْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ، ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ. وَ عَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا ...

إلى قوله: وَ كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ‏ التوبة: 117- 119.

قال كعب: فو اللّه ما أنعم اللّه علىّ نعمة قطّ بعد أن هدانى للإسلام كانت أعظم فى نفسى من صدقى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يومئذ، أن لا أكون كذبته، فأهلك كما هلك الذين كذبوا، فإن اللّه تبارك و تعالى قال فى الذين كذبوه حين أنزل الوحى شرّ ما قال لأحد، قال: سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ، فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ* يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ، فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى‏ عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ‏. التوبة: 95، 96.

قال: و كنّا خلّفنا أيها الثلاثة عن أمر هؤلاء الذين قبل منهم رسول اللّه‏

____________

..........

331

(صلى الله عليه و سلم)، حين حلفوا له فعذرهم، و استغفر لهم، و أرجأ رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أمرنا، حتى قضى اللّه فيه ما قضى، فبذلك قال اللّه تعالى:

وَ عَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا.

و ليس الذي ذكر اللّه من تخليفنا لتخلفنا عن الغزوة و لكن لتخليفه إيانا، و إرجائه أمرنا عمن حلف له، و اعتذر إليه، فقبل منه.

[أمر وفد ثقيف و إسلامها فى شهر رمضان سنة تسع‏]

أمر وفد ثقيف و إسلامها فى شهر رمضان سنة تسع قال ابن إسحاق: و قدم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) المدينة من تبوك فى رمضان، و قدم عليه فى ذلك الشهر وفد ثقيف.

و كان من حديثهم أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) لما انصرف عنهم، اتبع أثره عروة بن مسعود الثقفى، حتى أدركه قبل أن يصل إلى المدينة، فأسلم و سأله أن يرجع إلى قومه بالإسلام، فقال له رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، كما يتحدّث قومه: إنهم قاتلوك، و عرف رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أنّ فيهم نخوة الامتناع الذي كان منهم، فقال عروة: يا رسول اللّه أنا أحبّ إليهم من أبكارهم.

قال ابن هشام: و يقال: من أبصارهم.

قال ابن إسحاق: و كان فيهم كذلك محبّبا مطاعا، فخرج يدعو قومه إلى‏

____________

..........

332

الإسلام رجاء أن لا يخالفوه، لمنزلته فيهم؛ فلما أشرف لهم على علّية له، و قد دعاهم إلى الإسلام، و أظهر لهم دينه، رموه بالنّبل من كلّ وجه، فأصابه سهم فقتله. فتزعم بنو مالك أنه قتله رجل منهم، يقال له أوس بن عوف، أخو بنى سالم بن مالك، و تزعم الأحلاف أنه قتله رجل منهم، من بنى عتّاب ابن مالك، يقال له وهب بن جابر، فقيل لعروة: ما ترى فى دمك؟ قال:

كرامة أكرمنى اللّه بها، و شهادة ساقها اللّه إلىّ، فليس فىّ إلا ما فى الشهداء الذين قتلوا مع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قبل أن يرتحل عنكم، فادفنونى معهم، فدفنوه معهم، فزعموا أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قال فيه: إن مثله فى قومه لكمثل صاحب ياسين فى قومه.

ثم أقامت ثقيف بعد قتل عروة أشهرا، ثم إنهم ائتمروا بينهم، و رأوا أنه لا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب و قد بايعوا و أسلموا.

حدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس: أن عمرو بن أميّة، أخا بنى علاج، كان مهاجرا لعبد ياليل بن عمرو، الذي بينهما سيئ، و كان عمرو بن أميّة من أدهى العرب، فمشى إلى عبد ياليل بن عمرو، حتى دخل داره، ثم أرسل إليه أن عمرو بن أمية يقول لك: أخرج إلىّ، قال: فقال عبد ياليل للرسول: ويلك! أ عمرو أرسلك إلىّ؟ قال: نعم، و ها هو ذا واقفا فى دارك، فقال: إن هذا الشي‏ء ما كنت أظنّه، لعمرو كان أمنع فى نفسه من ذلك، فخرج إليه، فلما رآه رحّب به، فقال له عمرو: إنه قد نزل بنا أمر ليست معه هجرة إنه قد كان من أمر هذا الرجل ما قد رأيت، قد أسلمت‏

____________

..........

333

العرب كلها، و ليست لكم بحربهم طاقة، فانظروا فى أمركم: فعند ذلك ائتمرت ثقيف بينها، و قال بعضهم لبعض: أ فلا ترون أنه لا يأمن لكم سرب، و لا يخرج منكم أحد إلا اقتطع، فأتمروا بينهم، و أجمعوا أن يرسلوا إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) رجلا، كما أرسلوا عروة، فكلّموا عبد ياليل بن عمرو بن عمير، و كان سنّ عروة بن مسعود، و عرضوا ذلك عليه، فأبى أن يفعل، و خشى أن يصنع به إذا رجع كما صنع بعروة. فقال:

لست فاعلا حتى ترسلوا معى رجالا، فأجمعوا أن يبعثوا معه رجلين من الأحلاف، و ثلاثة من بنى مالك، فيكونوا ستة، فبعثوا مع عبد ياليل الحكم بن عمرو بن وهب بن معتّب، و شرحبيل بن غيلان بن سلمة بن معتّب، و من بنى مالك عثمان بن أبى العاص بن بشر بن عبد دهمان، أخا بنى يسار، و أوس بن عوف، أخا بنى سالم بن عوف و نمير بن خرشة بن ربيعة، أخا بنى الحارث. فخرج بهم عبد ياليل، و هو ناب القوم و صاحب أمرهم، و لم يخرج بهم إلا خشية من مثل ما صنع بعروة بن مسعود، لكى يشغل كلّ رجل منهم إذا رجعوا إلى الطائف رهطه ..

فلما دنوا من المدينة، و نزلوا قناة ألفوا بها المغيرة بن شعبة، يرعى فى نوبته ركاب أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و كانت رعيتها نوبا على أصحابه (صلى الله عليه و سلم)، فلما رآهم ترك الركاب عند الثّقفيين، و ضبر يشتدّ، ليبشر رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بقدومهم عليه، فلقيه أبو بكر الصديق قبل أن يدخل على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فأخبره عن ركب‏

____________

..........

334

ثقيف أن قد قدموا يريدون البيعة و الإسلام، بأن يشرط لهم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) شروطا، و يكتتبوا من رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) كتابا فى قومهم و بلادهم و أموالهم، فقال أبو بكر للمغيرة: أقسمت عليك باللّه لا تسبقنى إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، حتى أكون أنا أحدّثه؛ ففعل المغيرة. فدخل أبو بكر على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فأخبره بقدومهم عليه. ثم خرج المغيرة إلى أصحابه، فروّح الظّهر معهم و علّمهم كيف يحيّون رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فلم يفعلوا إلا بتحيّة الجاهلية، و لمّا قدموا على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ضرب عليهم قبّة فى ناحية مسجده، كما يزعمون، فكان خالد بن سعيد بن العاص، هو الذي يمشى بينهم و بين رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، حتى اكتتبوا كتابهم. و كان خالد هو الذي كتب كتابهم بيده، و كانوا لا يطعمون طعاما يأتيهم من عند رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) حتى يأكل منه خالد، حتى أسلموا و فرغوا من كتابهم، و قد كان فيما سألوا رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أن يدع لهم الطاغية، و هى اللات لا يهدمها ثلاث سنين، فأبى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ذلك عليهم، فما برحوا يسألونه سنة سنة، و يأبى عليهم حتى سألوا شهرا واحدا بعد مقدمهم، فأبى عليهم أن يدعها شيئا مسمّى، و إنما يريدون بذلك فيما يظهرون أن يتسلّموا بتركها من سفهائهم و نسائهم و ذراريهم و يكرهون أن يروعوا قومهم بهدمها حتى يدخلهم الإسلام: فأبى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إلا أن يبعث أبا سفيان بن حرب و المغيرة بن شعبة فيهدماها، و قد كانوا سألوه مع ترك الطاغية أن يعفيهم من الصلاة، و أن لا يكسروا أوثانهم بأيديهم، فقال‏

____________

..........

335

رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): أما كسر أوثانكم بأيديكم فسنعفيكم منه، و أما الصلاة، فإنه لا خير فى دين لا صلاة فيه، فقالوا: يا محمد، فسنؤتيكها، و إن كانت دناءة.

فلما أسلموا و كتب لهم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) كتابهم، أمّر عليهم عثمان بن أبى العاص، و كان من أحدثهم سنّا، و ذلك أنه كان أحرصهم على التفقّه فى الإسلام و تعلّم القرآن. فقال أبو بكر لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): يا رسول اللّه، إنى قد رأيت هذا الغلام منهم من أحرصهم على التفقه فى الإسلام، و تعلم القرآن‏

قال ابن إسحاق: و حدثني عيسى بن عبد اللّه بن عطية بن سفيان بن ربيعة الثقفى، عن بعض وفدهم. قال: كان بلال يأتينا حين أسلمنا و صمنا مع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ما بقى من رمضان، بفطرنا و سحورنا من عند رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فيأتينا بالسّحور، و إنا لنقول: إنا لنرى الفجر قد طلع، فيقول: قد تركت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يتسحّر، لتأخير السّحور، و يأتينا بفطرنا، و إنا لنقول: ما نرى الشمس كلها ذهبت بعد. فيقول: ما جئتكم حتى أكل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، ثم يضع يده فى الجفنة، فيلتقم منها.

قال ابن هشام: بفطورنا و سحورنا.

قال ابن إسحاق: و حدثني سعيد بن أبى هند، عن مطرّف بن عبد اللّه ابن الشّخّير، عن عثمان بن أبى العاص، قال: كان من آخر ما عهد إلىّ‏

____________

..........

336

رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) حين بعثنى على ثقيف أن قال: يا عثمان، تجاوز فى الصلاة، و اقدر الناس بأضعفهم، فإن فيهم الكبير، و الصغير، و الضعيف، و ذا الحاجة.

قال ابن إسحاق: فلما فرغوا من أمرهم، و توجهوا إلى بلادهم راجعين، بعث رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) معهم أبا سفيان بن حرب و المغيرة بن شعبة، فى هدم الطاغية، فخرجا مع القوم، حتى إذا قدموا الطائف أراد المغيرة بن شعبة أن يقدّم أبا سفيان، فأبى ذلك أبو سفيان عليه، و قال: أدخل أنت على قومك؛ و أقام أبو سفيان بماله بذى الهدم؛ فلما دخل المغيرة بن شعبة علاها يضربها بالمعول، و قام قومه دونه، بنو معتّب، خشية أن يرمى أو يصاب كما أصيب عروة، و خرج نساء ثقيف حسّرا يبكين عليها و يقلن:

لتبكينّ دفّاع أسلمها الرضّاع‏* * * لم يحسنوا المصاع‏

قال ابن هشام: «لتبكينّ» عن غير ابن إسحاق.

قال ابن إسحاق: و يقول أبو سفيان و المغيرة يضربها بالفأس: واها لك! آها لك! فلما هدمها المغيرة، و أخذ مالها و حليّها أرسل إلى أبى سفيان و حليها مجموع، و مالها من الذهب و الجزع.

و قد كان أبو مليح بن عروة و قارب بن الأسود قدما على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قبل وفد ثقيف، حين قتل عروة، يريدان فراق ثقيف،

____________

..........

337

و أن لا يجامعاهم على شي‏ء أبدا، فأسلما؛ فقال لهما رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) تولّيا من شئتما؛ فقالا: نتولى اللّه و رسوله، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): و خالكما أبا سفيان بن حرب، فقالا: و خالنا أبا سفيان بن حرب.

فلما أسلم أهل الطائف و وجه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أبا سفيان و المغيرة إلى هدم الطاغية، سأل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أبو مليح بن عروة أن يقضى عن أبيه عروة دينا كان عليه من مال الطاغية، فقال له رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): نعم، فقال له قارب بن الأسود، و عن الأسود يا رسول اللّه فاقضه، و عروة و الأسود أخوان لأب و أم، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): إن الأسود مات مشركا. فقال قارب لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): يا رسول اللّه، و لكن تصل مسلما ذا قرابة، يعنى نفسه، إنما الدّين علىّ، و إنما أنا الذي أطلب به، فأمر رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أبا سفيان أن يقضى دين عروة و الأسود من مال الطاغية، فلما جمع المغيرة مالها قال لأبى سفيان: إن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قد أمرك أن تقضى عن عروة و الأسود دينهما، فقضى عنهما.

[و كان كتاب رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) الذي كتب لهم:]

و كان كتاب رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) الذي كتب لهم:

بسم اللّه الرحمن الرحيم: من محمد النبيّ، رسول اللّه، إلى المؤمنين: إنّ عضاه وجّ و صيده لا يعضد، من وجد يفعل شيئا من ذلك، فإنه يجلد و تنزع ثيابه، فإن تعدّى ذلك فإنه يؤخذ فيبلغ به إلى النبيّ محمد، و إن هذا أمر النبيّ محمد رسول اللّه.

____________

..........

338

و كتب خالد بن سعيد: بأمر الرسول محمد بن عبد اللّه، فلا يتعدّه أحد، فيظلم نفسه فيما أمر به محمد رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم).

[حج أبى بكر بالناس سنة تسع و اختصاص النبيّ (صلى الله عليه و سلم) علىّ بن أبى طالب (رضوان اللّه عليه) بتأديه أول براءة عنه و ذكر براءة و القصص فى تفسيرها]

حج أبى بكر بالناس سنة تسع و اختصاص النبيّ (صلى الله عليه و سلم) علىّ بن أبى طالب (رضوان اللّه عليه) بتأديه أول براءة عنه و ذكر براءة و القصص فى تفسيرها قال ابن إسحاق: ثم أقام رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بقيّة شهر رمضان و شوّالا و ذا القعدة، ثم بعث أبا بكر أميرا على الحجّ من سنة تسع، ليقيم للمسلمين حجهم، و الناس من أهل الشرك على منازلهم من حجّهم. فخرج أبو بكر رضى اللّه عنه و من معه من المسلمين.

و نزلت براءة فى نقض ما بين رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و بين المشركين من العهد، الذي كانوا عليه فيما بينه و بينهم: أن لا يصدّ عن البيت أحد جاءه، و لا يخاف أحد فى الشهر الحرام. و كان ذلك عهدا عامّا بينه و بين الناس من أهل الشرك، و كانت بين ذلك عهود بين رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و بين قبائل من العرب خصائص، إلى آجال مسماة، فنزلت فيه و فيمن تخلّف من المنافقين عنه فى تبوك، و فى قول من قال منهم، فكشف اللّه تعالى فيها سرائر أقوام كانوا يستخفون بغير ما يظهرون، منهم من سمّى لنا، و منهم من لم يسمّ لنا، فقال عزّ و جلّ:

بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ‏ أى لأهل‏

____________

..........

339

العهد العام من أهل الشرك‏ فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، وَ اعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ، وَ أَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ. وَ أَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِي‏ءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَ رَسُولُهُ‏:

أى بعد هذه الحجّة فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، وَ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ، وَ بَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ* إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ‏: أى العهد الخاصّ إلى الأجل المسمى‏ وَ لَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى‏ مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ. فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ‏: يعنى الأربعة التي ضرب لهم أجلا فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ، وَ خُذُوهُمْ وَ احْصُرُوهُمْ وَ اقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ، فَإِنْ تابُوا وَ أَقامُوا الصَّلاةَ وَ آتَوُا الزَّكاةَ، فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ* وَ إِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ‏: أى من هؤلاء الذين أمرتك بقتلهم‏ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ، ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ، ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ‏.

ثم قال: كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ‏ الذين كانوا هم و أنتم على العهد العام أن لا يخيفوكم و لا يخيفوهم فى الحرمة، و لا فى الشهر الحرام‏ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَ عِنْدَ رَسُولِهِ، إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ‏، و هى قبائل من بنى بكر الذين كانوا دخلوا فى عقد قريش و عهدهم يوم الحديبية، إلى المدة التي كانت بين رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و بين قريش، فلم يكن نقضها إلا هذا الحىّ من قريش؛ و هى الديل من بنى بكر بن وائل، الذين كانوا

____________

..........

340

دخلوا فى عقد قريش و عهدهم. فأمر بإتمام العهد لمن لم يكن نقض من بنى بكر إلى مدته‏ فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ‏.

ثم قال تعالى: كَيْفَ وَ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ‏: أى المشركون الذين لا عهد لهم إلى مدة من أهل الشرك العام‏ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَ لا ذِمَّةً.

[تفسير ابن هشام لبعض المفردات‏]

تفسير ابن هشام لبعض المفردات قال ابن هشام: الإل: الحلف. قال أوس بن حجر، أحد بنى أسيّد بن عمرو بن تميم:

لو لا بنو مالك و الإلّ مرقبة* * * و مالك فيهم الآلاء و الشّرف‏

و هذا البيت فى قصيدة له. و جمعه: آلال، قال الشاعر:

فلا إلّ من الآلال بينى‏* * * و بينكم فلا تألنّ جهدا

و الذمّة: العهد. قال الأجدع بن مالك الهمدانيّ، و هو أبو مسروق ابن الأجدع الفقيه:

و كان علينا ذمّة أن تجاوزوا* * * من الأرض معروفا إلينا و منكرا

و هذا البيت فى ثلاثة أبيات له و جمعها: ذمم.

يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَ تَأْبى‏ قُلُوبُهُمْ وَ أَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ* اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا، فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ، إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ* لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَ لا ذِمَّةً، وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ‏ أى قد اعتدوا

____________

..........

341

عليكم‏ فَإِنْ تابُوا وَ أَقامُوا الصَّلاةَ وَ آتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ‏.

[اختصاص الرسول عليّا بتأدية براءة عنه‏]

اختصاص الرسول عليّا بتأدية براءة عنه قال ابن إسحاق: و حدثني حكيم بن حكيم بن عبّاد بن حنيف، عن أبى جعفر محمد بن علىّ (رضوان اللّه عليه)، أنه قال: لما نزلت براءة على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و قد كان بعث أبا بكر الصدّيق ليقيم للناس الحجّ، قيل له: يا رسول اللّه لو بعثت بها إلى أبى بكر، فقال: لا يؤدّى عنى إلا رجل من أهل بيتى، ثم دعا علىّ بن أبى طالب (رضوان اللّه عليه)، فقال له:

اخرج بهذه القصة من صدر براءة، و أذّن فى الناس يوم النحر إذا اجتمعوا بمنى:

أنه لا يدخل الجنة كافر، و لا يحجّ بعد العام مشرك، و لا يطوف بالبيت عريان، و من كان له عند رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) عهد فهو له إلى مدّته، فخرج علىّ بن أبى طالب (رضوان اللّه عليه) على ناقة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) العضباء، حتى أدرك أبا بكر بالطريق، فلما رآه أبو بكر بالطريق قال: أ أمير أم مأمور؟ فقال: بل مأمور، ثم مضيا. فأقام أبو بكر للناس الحجّ، و العرب إذ ذاك فى تلك السنة على منازلهم من الحج، التي كانوا عليها فى الجاهلية، حتى إذا كان يوم النحر، قام علىّ بن أبى طالب رضى اللّه عنه، فأذّن فى الناس بالذى أمره به رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فقال: أيها الناس، إنه لا يدخل الجنة كافر، و لا يحجّ بعد العام مشرك، و لا يطوف بالبيت عريان، و من كان له عند رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) عهد فهو له إلى مدّته، و أجّل‏

____________

..........

342

الناس أربعة أشهر من يوم أذّن فيهم، ليرجع كلّ قوم إلى مأمنهم أو بلادهم؛ ثم لا عهد لمشرك و لا ذمة إلا أحد كان له عند رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) عهد إلى مدّة، فهو له إلى مدته. فلم يحجّ بعد ذلك العام مشرك، و لم يطف بالبيت عريان.

ثم قدما على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم).

قال ابن إسحاق: فكان هذا من براءة فيمن كان من أهل الشرك من أهل العهد العام، و أهل المدة إلى الأجل المسمى.

[ما نزل فى الأمر بجهاد المشركين‏]

ما نزل فى الأمر بجهاد المشركين قال ابن إسحاق: ثم أمر اللّه رسوله (صلى الله عليه و سلم) بجهاد أهل الشرك، ممن نقض من أهل العهد الخاصّ، و من كان من أهل العهد العام، بعد الأربعة الأشهر التي ضرب لهم أجلا إلا أن يعدو فيها عاد منهم، فيقتل بعدائه، فقال:

أَ لا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَ هَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وَ هُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ، أَ تَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَ يُخْزِهِمْ وَ يَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَ يَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ. وَ يُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَ يَتُوبُ اللَّهُ‏ أى من بعد ذلك‏ عَلى‏ مَنْ يَشاءُ، وَ اللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَ لَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ، وَ لَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ لا رَسُولِهِ وَ لَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً، وَ اللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ‏.

____________

..........

343

[تفسير ابن هشام لبعض الغريب‏]

تفسير ابن هشام لبعض الغريب قال ابن هشام: وليجة: دخيل، و جمعها: ولائج؛ و هو من ولج يلج: أى دخل يدخل، و فى كتاب اللّه عزّ و جلّ: حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ:

أى يدخل، يقول: لم يتخذوا دخيلا من دونه يسرّون إليه غير ما يظهرون، نحو ما يصنع المنافقون، يظهرون الإيمان للذين آمنوا وَ إِذا خَلَوْا إِلى‏ شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ‏ قال الشاعر:

و اعلم بأنّك قد جعلت وليجة* * * ساقوا إليك الحتف غير مشوب‏

[ما نزل فى الرد على قريش بادعائهم عمارة البيت‏]

ما نزل فى الرد على قريش بادعائهم عمارة البيت قال ابن إسحاق: ثم ذكر قول قريش: إنا أهل الحرم، و سقاة الحاجّ، و عمّار هذا البيت، فلا أحد أفضل منا، فقال: إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ: أى إن عمارتكم ليست على ذلك، و إنما يعمر مساجد اللّه أى من عمرها بحقها مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ، وَ أَقامَ الصَّلاةَ وَ آتَى الزَّكاةَ وَ لَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ‏: أى فأولئك عمارها فَعَسى‏ أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ‏ و عسى من اللّه: حقّ.

ثم قال تعالى: أَ جَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَ عِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ جاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ‏.

[ما نزل فى الأمر بقتال المشركين‏]

ما نزل فى الأمر بقتال المشركين ثم القصة عن عدوّهم، حتى انتهى إلى ذكر حنين، و ما كان فيه،

____________

..........

344

و توليهم عن عدوّهم، و ما أنزل اللّه تعالى من نصره بعد تخاذلهم، ثم قال تعالى:

إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا، وَ إِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً و ذلك أن الناس قالوا: لتنقطعنّ عنّا الأسواق، فلتهلكنّ التجارة، و ليذهبنّ ما كنا نصيب فيها من المرافق، فقال اللّه عزّ و جلّ:

وَ إِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ‏: أى من وجه غير ذلك‏ إِنْ شاءَ، إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ لا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَ لا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ لا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَ هُمْ صاغِرُونَ‏: أى ففى هذا عوض مما تخوّفتم من قطع الأسواق، فعوّضهم اللّه بما قطع عنهم بأمر الشرك، ما أعطاهم من أعناق أهل الكتاب، من الجزية.

[ما نزل فى أهل الكتابين‏]

ما نزل فى أهل الكتابين ثم ذكر أهل الكتابين بما فيهم من الشرّ و الفرية عليه، حتى انتهى إلى قوله تعالى: إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَ الرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وَ الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَ الْفِضَّةَ وَ لا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ‏.

[ما نزل فى النسى‏ء]

ما نزل فى النسى‏ء ثم ذكر النسى‏ء، و ما كانت العرب أحدثت فيه. و النسى‏ء ما كان يحل مما حرّم اللّه تعالى من الشهور، و يحرّم مما أحلّ اللّه منها، فقال: إِنَّ عِدَّةَ

____________

..........

345

الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ، مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ‏: أى لا تجعلوا حرامها حلالا، و لا حلالها حراما: أى كما فعل أهل الشرك‏ إِنَّمَا النَّسِي‏ءُ الذي كانوا يصنعون‏ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً وَ يُحَرِّمُونَهُ عاماً لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ، زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ، وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ‏.

[ما نزل فى تبوك‏]

ما نزل فى تبوك ثم ذكر تبوك و ما كان فيها من تثاقل المسلمين عنها، و ما أعظموا من غزو الروم، حين دعاهم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إلى جهادهم، و نفاق من نافق من المنافقين، حين دعوا إلى ما دعوا إليه من الجهاد، ثم ما نعى عليهم من إحداثهم في الإسلام، فقال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ‏، ثم القصة إلى قوله تعالى:

يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً وَ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ‏ إلى قوله تعالى:

إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ

[ما نزل فى أهل النفاق‏]

ما نزل فى أهل النفاق ثم قال تعالى لنبيه (صلى الله عليه و سلم)، يذكر أهل النفاق: لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً وَ سَفَراً قاصِداً لَاتَّبَعُوكَ، وَ لكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ،

____________

..........

346

وَ سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ، يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ، وَ اللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ‏: أى إنهم يستطيعون‏ عَفَا اللَّهُ عَنْكَ، لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَ تَعْلَمَ الْكاذِبِينَ‏؟ ... إلى قوله:

لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا، وَ لَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ، يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَ فِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ‏

[تفسير ابن هشام لبعض الغريب‏]

تفسير ابن هشام لبعض الغريب قال ابن هشام: أوضعوا خلالكم: ساروا بين أضعافكم، فالإيضاع:

ضرب من السير أسرع من المشى؛ قال الأجدع بن مالك الهمدانيّ:

يصطادك الوحد المدلّ بشأوه‏* * * بشريج بين الشّدّ و الإيضاع‏

و هذا البيت فى قصيدة له.

[عود إلى ما نزل فى أهل النفاق‏]

عود إلى ما نزل فى أهل النفاق قال ابن إسحاق: و كان الذين استأذنوه من ذوى الشرف، فيما بلغنى، منهم: عبد اللّه بن أبىّ بن سلول، و الجدّ بن قيس؛ و كانوا أشرافا فى قومهم، فثبطهم اللّه لعلمه بهم أن يخرجوا معه، فيفسدوا عليه جنده، و كان فى جنده قوم أهل محبة لهم، و طاعة فيما يدعونهم إليه، لشرفهم فيهم. فقال تعالى:

وَ فِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ، وَ اللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ. لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ‏:

أى من قبل أن يستأذنوك، وَ قَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ: أى ليخذّلوا عنك أصحابك و يردّوا عليك أمرك‏ حَتَّى جاءَ الْحَقُّ وَ ظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَ هُمْ كارِهُونَ‏.

____________

..........

347

وَ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَ لا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا، و كان الذي قال ذلك، فيما سمّى لنا، الجدّ بن قيس، أخو بنى سلمة، حين دعاه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إلى جهاد الروم. ثم كانت القصة إلى قوله تعالى:

لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغاراتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَ هُمْ يَجْمَحُونَ. وَ مِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ، فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا، وَ إِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ‏: أى إنما نيتهم و رضاهم و سخطهم لدنياهم.

[ما نزل فى ذكر أصحاب الصدقات‏]

ما نزل فى ذكر أصحاب الصدقات ثم بين الصدقات لمن هى و سمى أهلها، فقال: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَ الْمَساكِينِ وَ الْعامِلِينَ عَلَيْها، وَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَ فِي الرِّقابِ، وَ الْغارِمِينَ وَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَ ابْنِ السَّبِيلِ، فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ، وَ اللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ‏.

[ما نزل فيمن آذوا الرسول‏]

ما نزل فيمن آذوا الرسول ثم ذكر غشهم و أذاهم النبيّ (صلى الله عليه و سلم)، فقال: وَ مِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَ يَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ، قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ، يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ يُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَ رَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ، وَ الَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ‏. و كان الذي يقول تلك المقالة، فيما بلغنى، نبتل بن الحارث أخو بنى عمرو بن عوف، و فيه نزلت هذه الآية، و ذلك أنه كان يقول: إنما محمد أذن، من حدّثه شيئا صدّقه. يقول اللّه تعالى: قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ‏: أى يسمع الخير و يصدّق به.

____________

..........

348

ثم قال تعالى: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ‏، ثم قال: وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَ نَلْعَبُ، قُلْ أَ بِاللَّهِ وَ آياتِهِ وَ رَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ‏ ...

إلى قوله تعالى: إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طائِفَةً، و كان الذي قال وديعة بن ثابت، أخو بنى أميّة بن زيد، من بنى عمرو بن عوف، و كان الذي عفى عنه، فيما بلغنى: مخشّن بن حميّر الأشجعىّ، حليف بنى سلمة، و ذلك أنه أنكر منهم بعض ما سمع.

ثم القصّة من صفتهم حتى انتهى إلى قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَ الْمُنافِقِينَ وَ اغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ. يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا، وَ لَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَ كَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَ هَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا، وَ ما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ‏ ... إلى قوله:

مِنْ وَلِيٍّ وَ لا نَصِيرٍ. و كان الذي قال تلك المقالة الجلاس بن سويد بن صامت، فرفعها عليه رجل كان فى حجره، يقال له عمير بن سعد، فأنكرها و حلف باللّه ما قالها، فلما نزل فيهم القرآن تاب و نزع، و حسنت حاله و توبته، فيما بلغنى.

ثم قال تعالى: وَ مِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَ لَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ‏، و كان الذي عاهد اللّه منهم ثعلبة بن حاطب، و معتّب بن قشير، و هما من بنى عمرو بن عوف.

ثم قال: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ‏،

____________

..........

349

وَ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ، فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ، سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ‏ و كان المطّوّعون من المؤمنين فى الصدقات عبد الرحمن بن عوف، و عاصم بن عدىّ أخا بنى العجلان، و ذلك أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) رغّب فى الصدقة، و حضّ عليها، فقام عبد الرحمن بن عوف، فتصدّق بأربعة آلاف درهم، و قام عاصم بن عدىّ، فتصدّق بمائة وسق من تمر، فلمزوهما و قالوا ما هذا إلا رياء، و كان الذي تصدق بجهده أبو عقيل أخو بنى أنيف، أتى بصاع من تمر، فأفرغها فى الصدقة، فتضاحكوا به، و قالوا: إن اللّه لغنىّ عن صاع أبى عقيل.

ثم ذكر قول بعضهم لبعض، حين أمر رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بالجهاد و آمر بالسير إلى تبوك، على شدّة الحرّ و جدب البلاد، فقال تعالى:

وَ قالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ، قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ. فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَ لْيَبْكُوا كَثِيراً ... إلى قوله: وَ لا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَ أَوْلادُهُمْ‏.

[ما نزل بسبب صلاة النبيّ على ابن أبىّ‏]

ما نزل بسبب صلاة النبيّ على ابن أبىّ قال ابن إسحاق: و حدثني الزهرى عن عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عقبة، عن ابن عباس، قال: سمعت عمر بن الخطّاب يقول: لما توفى عبد اللّه بن أبىّ، دعى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) للصلاة عليه، فقام إليه؛ فلما وقف عليه يريد الصلاة تحوّلت حتى قمت في صدره، فقلت: يا رسول اللّه، أ تصلي على‏

____________

..........

350

عدوّ اللّه عبد بن أبىّ بن سلول؟ القائل كذا يوم كذا، و القائل كذا يوم كذا؟ أعدّد أيامه، و رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يتبسم حتى إذ أكثرت قال:

يا عمر أخّر عنى، إنى قد خيّرت فاخترت، قد قيل لى: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ، إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ‏، فلو أعلم أنى إن زدت على السبعين غفر له، لزدت. قال ثم صلى عليه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و مشى معه حتى قام على قبره، حتى فرغ منه. قال: فعجبت لى و لجرأتى على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و اللّه و رسوله أعلم. فو اللّه ما كان إلا يسيرا حتى نزلت هاتان الآيتان: وَ لا تُصَلِّ عَلى‏ أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَ لا تَقُمْ عَلى‏ قَبْرِهِ، إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ ماتُوا وَ هُمْ فاسِقُونَ‏ فما صلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بعده على منافق حتى قبضه اللّه تعالى.

[ما نزل فى المستأذنين‏]

ما نزل فى المستأذنين قال ابن إسحاق: ثم قال تعالى: وَ إِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَ جاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ‏، و كان ابن أبىّ من من أولئك، فنعى اللّه ذلك عليه، و ذكره منه، ثم قال تعالى: لكِنِ الرَّسُولُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ، وَ أُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها، ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ. وَ جاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ، وَ قَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَ رَسُولَهُ‏ ... إلى آخر القصة. و كان المعذّرون، فيما بلغنى نفرا من بنى غفار، منهم خفاف بن إيماء بن رحضة،

351

ثم كانت القصة لأهل العذر، حتى انتهى إلى قوله: وَ لا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ، قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَ أَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ‏ و هم البكاءون.

ثم قال تعالى: إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَ هُمْ أَغْنِياءُ، رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ، وَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى‏ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ‏ و الخوالف: النساء. ثمّ ذكر حلفهم للمسلمين و اعتذارهم، فقال: فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ‏ إلى قوله تعالى: فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى‏ عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ‏.

[ما نزل فيمن نافق من الأعراب‏]

ما نزل فيمن نافق من الأعراب ثم ذكر الأعراب و من نافق منهم و تربّصهم برسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و بالمؤمنين، فقال: وَ مِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ‏: أى من صدقة أو نفقة فى سبيل اللّه‏ مَغْرَماً وَ يَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ، عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ، وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ‏.

ثم ذكر الأعراب أهل الإخلاص و الإيمان منهم، فقال: وَ مِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَ صَلَواتِ الرَّسُولِ، أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ‏.

[ما نزل فى السابقين من المهاجرين و الأنصار]

ما نزل فى السابقين من المهاجرين و الأنصار ثم ذكر السابقين الأولين من المهاجرين و الأنصار، و فضلهم، و ما وعدهم‏

____________

..........

352

اللّه من حسن ثوابه إياهم، ثم ألحق بهم التابعين لهم بإحسان، فقال:

رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ‏، ثم قال تعالى: وَ مِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ‏: أى لجّوا فيه، و أبوا غيره‏ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ‏، و العذاب الذي أوعدها اللّه تعالى مرّتين، فيما بلغنى: غمهم بما هم فيه من أمر الإسلام، و ما يدخل عليهم من غيظ ذلك على غير حسبة، ثم عذابهم فى القبور إذا صاروا إليها، ثم العذاب العظيم الذي يردّون إليه، عذاب النار و الخلد فيه. ثم قال تعالى: وَ آخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ، إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَ إِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ‏، و هم الثلاثة الذين خلّفوا، و أرجأ رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أمرهم حتى أتت من اللّه توبتهم.

ثم قال تعالى: وَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً ... الخ. القصة ثم قال تعالى‏ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى‏ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ.

ثم كان قصة الخبر عن تبوك، و ما كان فيها إلى آخر السورة.

و كانت براءة تسمى فى زمان النبيّ (صلى الله عليه و سلم) و بعده المبعثرة، لما كشفت من سرائر الناس. و كانت تبوك آخر غزوة غزاها رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم).

[شعر حسان الذي عدد فيه المغازى‏]

شعر حسان الذي عدد فيه المغازى و قال حسّان بن ثابت يعدّد أيام الأنصار مع النبيّ (صلى الله عليه و سلم)، و يذكر مواطنهم معه فى أيام غزوه:

____________

..........

353

قال ابن هشام: و تروى لابنه عبد الرحمن بن حسان:

أ لست خير معدّ كلّها نفرا* * * و معشرا إن هم عمّوا و إن حصلوا

قوم هم شهدوا بدرا بأجمعهم‏* * * مع الرسول فما ألوا و ما خذلوا

و بايعوه فلم ينكث به أحد* * * منهم و لم يك فى إيمانهم دخل‏

و يوم صبّحهم فى الشّعب من أحد* * * ضرب رصين كحرّ النّار مشتعل‏

و يوم ذى قرد يوم استثار بهم‏* * * على الجياد فما خاموا و ما نكلوا

و ذا العشيرة جاسوها بخيلهم‏* * * مع الرّسول عليها البيض و الأسل‏

و يوم ودّان أجلوا أهله رقصا* * * بالخيل حتى نهانا الحزن و الجبل‏

و ليلة طلبوا فيها عدوّهم‏* * * للّه و اللّه يجزيهم بما عملوا

و غزوة يوم نجد ثم كان لهم‏* * * مع الرّسول بها الأسلاب و النّفل‏

و ليلة بحنين جالدوا معه‏* * * فيها يعلّهم بالحرب إذ نهلوا

و غزوة القاع فرّقنا العدوّ به‏* * * كما تفرّق دون المشرب الرّسل‏

و يوم بويع كانوا أهل بيعته‏* * * على الجلاد فآسوه و ما عدلوا

و غزوة الفتح كانوا فى سريّته‏* * * مرابطين فما طاشوا و ما عجلوا

و يوم خيبر كانوا فى كتيبته‏* * * يمشون كلّهم مستبسل بطل‏

بالبيض ترعش فى الأيمان عارية* * * تعوجّ فى الضرب أحيانا و تعتدل‏

و يوم سار رسول اللّه محتسبا* * * إلى تبوك و هم راياته الأول‏

و ساسة الحرب إن حرب بدت لهم‏* * * حتى بدا لهم الإقبال و القفل‏

أولئك القوم أنصار النّبىّ و هم‏* * * قومى أصير إليهم حين أتّصل‏

____________

..........

354

ماتوا كراما و لم تنكث عهودهم‏* * * و قتلهم فى سبيل اللّه إذ قتلوا

قال ابن هشام عجز آخرها بيتا عن غير ابن إسحاق.

قال ابن إسحاق: و قال حسان بن ثابت أيضا:

كنّا ملوك النّاس قبل محمّد* * * فلمّا أتى الإسلام كان لنا الفضل‏

و أكرمنا اللّه الذي ليس غيره‏* * * إله بأيّام مضت ما لها شكل‏

بنصر الإله و الرّسول و دينه‏* * * و ألبسناه اسما مضى ماله مثل‏

أولئك قومى خير قوّم بأسرهم‏* * * فما عد من خير فقومى له أهل‏

يربّون بالمعروف معروف من مضى‏* * * و ليس عليهم دون معروفهم قفل‏

إذا اختبطوا لم يفحشوا فى نديّهم‏* * * و ليس على سؤالهم عندهم بخل‏

و إن حاربوا أو سالموا لم يشبّهوا* * * فحربهم حتف و سلمهم سهل‏

و جارهم موف بعلياء بيته‏* * * له ما ثوى فينا الكرامة و البذل‏

و حاملهم موف بكلّ حمالة* * * تحمّل لا غرم عليها و لا خذل‏

و قائلهم بالحقّ إن قال قائل‏* * * و حلمهم عود و حكمهم عدل‏

و منّا أمير المسلمين حياته‏* * * و من غسّلته من جنابته الرّسل‏

قال ابن هشام: و قوله «و ألبسناه اسما» عن غير ابن إسحاق.

قال ابن إسحاق: و قال حسّان بن ثابت أيضا:

قومى أولئك إن تسألى‏* * * كرام إذا الضّيف يوما ألم‏

____________

..........