الروض الأنف في شرح السيرة النبوية - ج7

- عبد الرحمن السهيلي المزيد...
614 /
405

من أدم محشوّة ليفا، فقذفها إلىّ؛ فقال: اجلس على هذه، قال: قلت:

بل أنت فاجلس عليها، فقال: بل أنت، فجلست عليها، و جلس رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بالأرض؛ قال: قلت فى نفسى: و اللّه ما هذا بأمر ملك، ثم قال: إيه يا عدى بن حاتم! أ لم تك ركوسيّا؟ قال: قلت: بلى. (قال):

أو لم تكن تسير فى قومك بالمرباع؟ قال: قلت: بلى، قال: فإن ذلك لم يكن يحل لك فى دينك؛ قال: قلت: أجل و اللّه، و قال: و عرفت أنه نبىّ مرسل، يعلم ما يجهل، ثم قال: لعلك يا عدىّ إنما يمنعك من دخول فى هذا الدين ما ترى من حاجتهم، فو اللّه ليوشكنّ المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه؛ و لعلك إنما يمنعك من دخول فيه ما ترى من كثرة عدوّهم و قلة عددهم، فو اللّه ليوشكنّ أن تسمع بالمرأة تخرج من القادسيّة على بعيرها (حتى) تزور هذا البيت، لا تخاف؛ و لعلك إنما يمنعك من دخول فيه أنك ترى أن الملك و السلطان فى غيرهم، و ايم اللّه ليوشكنّ أن تسمع بالقصور البيض من أرض بابل قد فتحت عليهم؛ قال: فأسلمت.

[وقوع ما وعد به الرسول عديا]

وقوع ما وعد به الرسول عديا و كان عدىّ يقول: قد مضت اثنتان و بقيت الثالثة، و اللّه لتكوننّ، قد رأيت القصور البيض من أرض بابل قد فتحت، و قد رأيت المرأة تخرج من القادسيّة على بعيرها لا تخاف حتى تحجّ هذا البيت، و ايم اللّه لتكوننّ الثالثة، ليفيضنّ المال حتى لا يوجد من يأخذه.

[قدوم فروة بن مسيك المرادى‏]

قدوم فروة بن مسيك المرادى قال ابن إسحاق: و قدم فروة بن مسيك المرادى على رسول اللّه صلى اللّه‏

____________

..........

406

عليه و سلم مفارقا لملوك كندة، و مباعدا لهم، إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم).

و قد كان قبيل الإسلام بين مراد و همدان وقعة، أصابت فيها همدان من مراد ما أرادوا، حتى أثخنوهم فى يوم كان يقال له: يوم الرّدم، فكان الذي قاد همدان إلى مراد الأجدع بن مالك فى ذلك اليوم.

قال ابن هشام: الذي قاد همدان فى ذلك اليوم مالك بن حريم الهمدانيّ.

قال ابن إسحاق: و فى ذلك اليوم يقول فروة بن مسيك:

مررنا على لفاة و هنّ خوص‏* * * ينازعن الأعنّة ينتحينا

فإن نغلب فغلّابون قدما* * * و إن نغلب فغير مغلّبينا

و ما إن طبّنا جبن و لكن‏* * * منايانا و طعمة آخرينا

كذاك الدّهر دولته سجال‏* * * تكرّ صروفه حينا فحينا

فبينا ما نسرّ به و نرضى‏* * * و لو لبست غضارته سنينا

إذ انقلبت به كرّات دهر* * * فألفيت الألى غبطوا طحينا

فمن يغبط بريب الدّهر منهم‏* * * يجد ريب الزّمان له خئونا

فلو خلد الملوك إذن خلدنا* * * و لو بقى الكرام إذن بقينا

فأفنى ذلكم سروات قومى‏* * * كما أفنى القرون الأوّلينا

قال ابن هشام: أوّل بيت منها، و قوله: «فإن نغلب» عن غير ابن إسحاق.

____________

..........

407

[قدوم فروة على الرسول و إسلامه‏]

قدوم فروة على الرسول و إسلامه قال ابن إسحاق: و لما توجه فروة بن مسيك إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) مفارقا لملوك كندة، قال:

لما رأيت ملوك كندة أعرضت‏* * * كالرّجل خان الرجل عرق نسائها

قرّبت راحلتى أؤمّ محمّدا* * * أرجو فواضلها و حسن ثرائها

قال ابن هشام: أنشدنى أبو عبيدة: «أرجو فواضله و حسن ثنائها».

قال ابن إسحاق: فلما انتهى إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، قال له رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فيما بلغنى: يا فروة، هل ساءك ما أصاب قومك يوم الرّدم؟ قال يا رسول اللّه، من ذا يصيب قومه مثل ما أصاب قومى يوم الرّدم لا يسوؤه ذلك! فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) له:

أما إن ذلك لم يزد قومك فى الإسلام إلا خيرا.

و استعمله النبيّ (صلى الله عليه و سلم) على مراد و زبيد و مذحج كلها، و بعث معه خالد بن سعيد بن العاص على الصدقة، فكان معه فى بلاده حتى توفى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم).

[قدوم عمرو بن معد يكرب فى أناس من بنى زبيد]

قدوم عمرو بن معد يكرب فى أناس من بنى زبيد و قدم على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) عمرو بن معد يكرب فى أناس من بنى زبيد، فأسلم؛ و كان عمرو قد قال لقيس بن مكشوح المرادىّ، حين انتهى إليهم أمر رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): يا قيس، إنك سيد قومك، و قد ذكر لنا أن رجلا من قريش يقال له محمد قد خرج بالحجاز،

____________

..........

408

يقول إنه نبىّ، فانطلق بنا إليه حتى نعلم علمه، فإن كان نبيّا كما يقول فإنه لن يخفى عليك، و إذا لقيناه اتبعناه، و إن كان غير ذلك علمنا علمه، فأبى عليه قيس ذلك، و سفّه رأيه، فركب عمرو بن معديكرب حتى قدم على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فأسلم، و صدّقه، و آمن به.

فلما بلغ ذلك قيس بن مكشوح أوعد عمرا، و تحطّم عليه، و قال: خالفى و ترك رأيى؛ فقال عمرو بن معديكرب فى ذلك:

أمرتك يوم ذى صنعاء أمرا باديا رشده‏أمرتك باتّقاء الله و المعروف تتّعده‏خرجت من المنى مثل الحميّر غرّه وتده‏تمنّانى على فرس عليه جالسا أسده‏علىّ مفاضة كالنّهى أخلص ماءه جدده‏تردّ الرّمح منثنى السّنان عوائرا قصده‏فلو لاقيتنى للقيت ليثا فوقه لبده‏تلاقى شنبثا شثن البرائن ناشزا كتده‏يسامى القرن إن قرن تيمّمه فيعتضده‏فيأخذه فيرفعه فيخفضه فيقتصده‏فيدمغه فيحطمه فيخضمه فيزدرده‏ظلوم الشّرك فيما أحرزت أنيابه و يده‏

____________

..........

409

قال ابن هشام: أنشدنى أبو عبيدة:

أمرتك يوم ذى صنعاء أمرا بيّنا رشده‏أمرتك باتّقاء الله تأتيه و تتّعده‏فكنت كذى الحميّر غرّره ممّا به وتده‏

لم يعرف سائرها.

[ارتداده و شعره فى ذلك‏]

ارتداده و شعره فى ذلك قال ابن إسحاق: فأقام عمرو بن معديكرب فى قومه من بنى زبيدة و عليهم فروة بن مسيك. فلما توفى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ارتدّ عمرو ابن معديكرب، و قال حين ارتدّ:

وجدنا ملك فروة شرّ ملك‏* * * حمارا ساف منخره بثفر

و كنت إذا رأيت أبا عمير* * * ترى الحولاء من خبث و غدر

قال ابن هشام: قوله «بثفر» عن أبى عبيدة.

[قدوم الأشعث بن قيس فى وفد كندة]

قدوم الأشعث بن قيس فى وفد كندة قال ابن إسحاق: و قدم على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) الأشعث ابن قيس فى وفد كندة، فحدثنى الزّهرى بن شهاب أنه قدم على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فى ثمانين راكبا من كندة، فدخلوا على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) مسجده و قد رجّلوا جمعهم و تكحّلوا، و عليهم جبب الحبرة،

____________

..........

410

و قد كفّفوها بالحرير، فلما دخلوا على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قال:

أ لم تسلموا؟ قالوا: بلى، قال: فمال بال هذا الحرير فى أعناقكم؟ قال:

فشقوه منها، فالقوه.

ثم قال له الأشعث بن قيس: يا رسول اللّه: نحن بنو آكل المرار، و أنت ابن آكل المرار، قال: فتبسّم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و قال:

ناسبوا بهذا النسب العباس بن عبد المطلب، و ربيعة بن الحارث، و كان العباس و ربيعة رجلين، تاجرين و كانا إذا شاعا فى بعض العرب، فسئلا ممن هما؟

قالا: نحن بنو آكل المرار، يتعزّزان بذلك، و ذلك أن كندة كانوا ملوكا.

ثم قال لهم: لا، بل نحن بنو النّضر بن كنانة، لا نقفو أمّنا، و لا ننتفى من أبينا، فقال الأشعث بن قيس: هل فرغتم يا معشر كندة؟ و اللّه لا أسمع رجلا يقولها إلا ضربته ثمانين.

قال ابن هشام: الأشعث بن قيس: هل فرغتم يا معشر كندة؟ و اللّه لا أسمع رجلا يقولها إلا ضربته ثمانين.

قال ابن هشام: الأشعث بن قيس من ولد آكل المرار من قبل النساء، و آكل المرار: الحارث بن عمرو بن حجر بن عمرو بن معاوية بن الحارث بن معاوية بن ثور بن مرتّع بن معاوية بن كندىّ، و يقال كندة، و إنما سمّى آكل المرار، لأن عمرو بن الهبولة الغسّانى أغار عليهم، و كان الحارث غائبا، فغنم و سبى، و كان فيمن سبى أمّ أناس بنت عوف بن محلّم الشّيبانى، امرأة الحارث بن عمرو، فقالت لعمرو فى مسيره: لكأنى برجل أدلم أسود، كأن مشافره مشافر بعير آكل مرار قد أخذ برقبتك، تعنى: الحارث، فسمى‏

____________

..........

411

آكل المرار، و المرار: شجر. ثم تبعه الحارث فى بنى بكر بن وائل، فلحقه، فقتله، و استنقذ امرأته، و ما كان أصاب. فقال الحارث بن حلّزة اليشكرىّ لعمرو بن المنذر و هو عمرو بن هند اللخمىّ:

و أقدناك ربّ غسّان بالمنذر* * * كرها إذ لا تكال الدّماء

لأن الحارث الأعرج الغسّانى قتل المنذر أباه، و هذا البيت فى قصيدة له.

و هذا الحديث أطول مما ذكرت، و إنما منعنى من استقصائه ما ذكرت من القطع. و يقال بل آكل المرار: حجر بن عمرو بن معاوية، و هو صاحب هذا الحديث، و إنما سمّى آكل المرار، لأنه أكل هو و أصحابه فى تلك الغزوة شجرا يقال له المرار.

[قدوم صرد بن عبد اللّه الأزدى‏]

قدوم صرد بن عبد اللّه الأزدى‏

[إسلامه‏]

إسلامه قال ابن إسحاق: و قدم على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) صرد بن عبد اللّه الأزدىّ، فأسلم، و حسن إسلامه، فى وفد من الأزد، فأمّره رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) على من أسلم من قومه. و أمره أن يجاهد بمن أسلم من كان يليه من أهل الشرك، من قبل اليمن.

____________

..........

412

[قتاله أهل جرش‏]

قتاله أهل جرش فخرج صرد بن عبد اللّه يسير بأمر رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، حتى نزل بجرش، و هى يومئذ مدينة معلقة، و بها قبائل من قبائل اليمن، و قد ضوت إليهم خثعم، فدخلوها معهم حين سمعوا بسير المسلمين إليهم، فحاصروهم فيها قريبا من شهر، و امتنعوا فيها منه، ثم إنه رجع عنهم قافلا، حتى إذا كان إلى جبل لهم يقال له شكر، ظنّ أهل جرش أنه إنما ولّى عنهم منهزما، فخرجوا فى طلبه، حتى إذا أدركوه عطف عليهم، فقتلهم قتلا شديدا.

[إخبار الرسول وافدى جرش بما حدث لقومها]

إخبار الرسول وافدى جرش بما حدث لقومها و قد كان أهل جرش بعثوا رجلين منهم إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بالمدينة يرتادان و ينظران؛ فبيناهما عند رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) عشيّة بعد صلاة العصر، إذ قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): بأىّ بلاد اللّه شكر؟ فقام إليه الجرشيان فقالا: يا رسول اللّه، ببلادنا جبل يقال له كشر؛ و كذلك يسميه أهل جرش، فقال: إنه ليس بكشر، و لكنه شكر؛ قالا: فما شأنه يا رسول اللّه؟ قال: إن بدن اللّه لتنحر عنده الآن، قال: فجلس الرجلان إلى أبى بكر أو إلى عثمان، فقال لهما: ويحكما! إن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) لينعى لكما قومكما، فقوما إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فاسألاه أن يدعو اللّه أن يرفع عن قومكما؛ فقاما إليه، فسألاه ذلك، فقال:

اللهمّ ارفع عنهم، فخرجا من عند رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) راجعين‏

____________

..........

413

إلى قومهما، فوجدا قومهما قد أصيبوا يوم أصابهم صرد بن عبد اللّه، فى اليوم الذي قال فيه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ما قال، و فى الساعة التي ذكر فيها ما ذكر.

[إسلام أهل جرش‏]

إسلام أهل جرش و خرج وفد جرش حتى قدموا على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فأسلموا، و حمى لهم حول قريتهم، على أعلام معلومة، للفرس و الراحلة و للمثيرة، بقرة الحرث، فمن رعاه من الناس فما لهم سحت. فقال فى تلك الغزوة رجل من الأزد: و كانت خثعم تصيب من الأزد فى الجاهلية، و كانوا يعدون فى الشهر الحرام:

يا غزوة ما غزونا غير خائبة* * * فيها البغال و فيها الخيل و الحمر

حتى أتينا حميرا فى مصانعها* * * و جمع خثعم قد شاعت لها النّذر

إذا وضعت غليلا كنت أحمله‏* * * فما أبالى أدانوا بعد أم كفروا

[قدوم رسول ملوك حمير بكتابهم‏]

قدوم رسول ملوك حمير بكتابهم‏

[قدوم رسول ملوك حمير]

قدوم رسول ملوك حمير و قدم على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) كتاب ملوك حمير، مقدمه من تبوك، و رسولهم إليه بإسلامهم، الحارث بن عبد كلال، و نعيم ابن عبد كلال. و النّعمان قيل ذى رعين و معافر و همدان؛ و بعث إليه زرعة ذو يزن مالك بن مرّة الرّهاوى بإسلامهم، و مفارقتهم الشرك و أهله.

____________

..........

414

[كتاب الرسول إليهم‏]

كتاب الرسول إليهم فكتب إليهم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم):

بسم اللّه الرحمن الرحيم: من محمد رسول اللّه النبيّ، إلى الحارث ابن عبد كلال، و إلى نعيم بن عبد كلال، و إلى النّعمان، قيل ذى رعين و معافر و همدان. أما بعد ذلكم، فإنى أحمد إليكم اللّه الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فإنه قد وقع بنا رسولكم منقلبنا من أرض الروم، فلقينا بالمدينة، فبلّغ ما أرسلتم به، و خبّرنا ما قبلكم، و أنبأنا بإسلامكم و قتلكم المشركين، و أن اللّه قد هداكم بهداه، إن أصلحتم و أطعتم اللّه و رسوله، و أقمتم الصلاة، و آتيتم الزكاة، و أعطيتم من المغانم خمس اللّه، و سهم الرسول و صفيه، و ما كتب على المؤمنين من الصّدقة من العقار، عشر ما سقت العين و سقت السماء، و على ما سقى الغرب نصف العشر: و أن فى الإبل الأربعين ابنة لبون، و فى ثلاثين من الإبل ابن لبون ذكر، و فى كلّ خمس من الإبل شاة، و فى كل عشر من الإبل شاتان، و فى كلّ أربعين من البقر بقرة؛ و فى كلّ ثلاثين من البقر تبيع، جذع أو جذعة؛ و فى كل أربعين من الغنم سائمة وحدها، شاة، و أنها فريضة اللّه التي فرض على المؤمنين فى الصدقة؛ فمن زاد خيرا فهو خير له، و من أدّى ذلك و أشهد على إسلامه، و ظاهر المؤمنين على المشركين، فإنه من المؤمنين، له ما لهم، و عليه ما عليهم، و له ذمّة اللّه و ذمّة رسوله، و إنه من أسلم من يهودىّ أو نصرانىّ، فإنه من المؤمنين، له ما لهم، و عليه ما عليهم؛

____________

..........

415

و من كان على يهوديته أو نصرانيّته فإنه لا يرد عنها، و عليه الجزية، على كلّ حال ذكر أو أنثى، حرّ أو عبد، دينار واف، من قيمة المعافر أو عوضه ثيابا، فمن أدّى ذلك إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فإن له ذمّة اللّه و ذمّة رسوله، و من منعه فإنه عدوّ للّه و لرسوله. أما بعد، فإن رسول اللّه محمدا النبيّ أرسل إلى زرعة ذى يزن أن إذا أتاكم رسلى فأوصيكم بهم خيرا: معاذ بن جبل، و عبد اللّه بن زيد، و مالك بن عبادة، و عقبة بن نمر. و مالك بن مرّة، و أصحابهم و أن أجمعوا ما عندكم من الصدقة و الجزية من مخاليفكم، و أبلغوها رسلى، و أن أميرهم معاذ بن جبل، فلا ينقلبنّ إلّا راضيا. أما بعد. فإن محمدا يشهد أن لا إله إلا اللّه و أنه عبده و رسوله، ثم إن مالك بن مرّة الرّهاوى قد حدّثنى أنك أسلمت من أوّل حمير، و قتلت المشركين، فأبشر بخير و آمرك بحمير خيرا، و لا تخونوا و لا تخاذلوا، فإنّ رسول اللّه هو ولىّ غنيّكم و فقيركم، و إن الصدقة لا تحلّ لمحمد و لا لأهل بيته، إنما هى زكاة يزكّى بها على فقراء المسلمين و ابن السبيل، و إن مالكا قد بلّغ الخبر، و حفظ الغيب، و آمركم به خيرا، و إنى قد أرسلت إليكم من صالحى أهلى و أولى دينهم و أولى علمهم، و آمرك بهم خيرا، فإنهم منظور إليهم، و السلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته.

[وصية الرسول معاذا حين بعثه إلى اليمن‏]

وصية الرسول معاذا حين بعثه إلى اليمن‏

[بعث الرسول معاذا على اليمن و شي‏ء من أمره بها]

بعث الرسول معاذا على اليمن و شي‏ء من أمره بها قال ابن إسحاق: و حدثني عبد اللّه بن أبى بكر أنه حدّث: أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) حين بعث معاذا، أوصاه و عهد إليه، ثم قال له: يسّر

____________

..........

416

و لا تعسّر، و بشّر و لا تنفّر، و إنك ستقدم على قوم من أهل الكتاب، يسألونك ما مفتاح الجنة؛ فقل: شهادة أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، قال: فخرج معاذ، حتى إذا قدم اليمن قام بما أمره به رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فأتته امرأة من أهل اليمن، فقالت: يا صاحب رسول اللّه، ما حقّ زوج المرأة عليها؟ قال: ويحك! إن المرأة لا تقدر على أن تؤدّى حقّ زوجها، فأجهدى نفسك فى أداء حقه ما استطعت، قالت: و اللّه لئن كنت صاحب رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إنك لتعلم ما حقّ الزوج على المرأة. قال: ويحك! لو رجعت إليه فوجدته تنثعب منخراه قيحا و دما، فمصصت ذلك حتى تذهبيه ما أدّيت حقه.

[إسلام فروة بن عمرو الجذاميّ‏]

إسلام فروة بن عمرو الجذاميّ‏

[إسلامه‏]

إسلامه قال ابن إسحاق: و بعث فروة بن عمرو النافرة الجذاميّ، ثم النّفاثى، إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) رسولا بإسلامه، و أهدى له بغلة بيضاء، و كان فروة عاملا للرّوم على من يليهم من العرب، و كان منزله معان و ما حولها من أرض الشام.

[حبس الروم له و شعره فى محبسه‏]

حبس الروم له و شعره فى محبسه فلما بلغ الروم ذلك من إسلامه، طلبوه حتى أخذوه، فحبسوه عندهم، فقال فى محبسه ذلك:

____________

..........

417

طرقت سليمى موهنا أصحابى‏* * * و الرّوم بين الباب و القروان‏

صدّ الخيال و ساءه ما قد رأى‏* * * و هممت أن أغفى و قد أبكانى‏

لا تكحلنّ العين بعدى إثمدا* * * سلمى و لا تدينّ للإتيان‏

و لقد علمت أبا كبيشة أننى‏* * * وسط الأعزّة لا يحص لسانى‏

فلئن هلكت لتفقدنّ أخاكم‏* * * و لئن بقيت لتعرفنّ مكانى‏

و لقد جمعت أجلّ ما جمع الفتى‏* * * من جودة و شجاعة و بيان‏

فلما أجمعت الروم لصلبه على ماء لهم، يقال له عفراء بفلسطين، قال:

ألا هل أتى سلمى بأنّ حليلها* * * على ماء عفرا فوق إحدى الرّواحل‏

على ناقة لم يضرب الفحل أمّها* * * مشّذّبة أطرافها بالمناجل‏

[مقتله‏]

مقتله فزعم الزهرىّ بن شهاب، أنهم لما قدّموه ليقتلوه. قال:

بلغ سراة المسلمين بأنّنى‏* * * سلم لربّى أعظمى و مقامى‏

ثم ضربوا عنقه، و صلبوه على ذلك الماء، ي(رحمه اللّه تعالى).

____________

..........

418

[إسلام بنى الحارث بن كعب على يدى خالد بن الوليد لما سار إليهم‏]

إسلام بنى الحارث بن كعب على يدى خالد بن الوليد لما سار إليهم‏

[دعوة خالد الناس إلى الإسلام و إسلامهم‏]

دعوة خالد الناس إلى الإسلام و إسلامهم قال ابن إسحاق: ثم بعث رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) خالد بن الوليد فى شهر ربيع الآخر أو جمادى الأولى، سنة عشر، إلى بنى الحارث بن كعب بنجران و أمره أن يدعوهم إلى الإسلام قبل أن يقاتلهم ثلاثا، فإن استجابوا فاقبل منهم، و إن لم يفعلوا فقاتلهم. فخرج خالد حتى قدم عليهم، فبعث الرّكبان يضربون فى كلّ وجه، و يدعون إلى الإسلام، و يقولون:

أيها الناس، أسلموا تسلموا. فأسلم الناس، و دخلوا فيما دعوا إليه، فأقام فيهم خالد يعلّمهم الإسلام و كتاب اللّه و سنّة نبيه (صلى الله عليه و سلم)، و بذلك كان أمره رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إن هم أسلموا و لم يقاتلوا.

ثم كتب خالد بن الوليد إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، من خالد بن الوليد، السلام عليك يا رسول اللّه و رحمة اللّه و بركاته، فإنى أحمد إليك اللّه الذي لا إله إلا هو، أما بعد، يا رسول اللّه صلى اللّه عليك، فإنك بعثتنى إلى بنى الحارث بن كعب، و أمرتنى إذا أتيتهم ألا أقاتلهم ثلاثة أيام، و أن أدعوهم إلى الإسلام، فإن أسلموا أقمت فيهم، و قبلت منهم، و علّمتهم معالم الإسلام و كتاب اللّه و سنّة نبيّه، و إن لم يسلموا قاتلتهم. و إنى قدمت عليهم فدعوتهم إلى الإسلام ثلاثة أيام، كما أمرنى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و بعثت‏

____________

..........

419

فيهم ركبانا، قالوا: يا بنى الحارث، أسلموا تسلموا، فأسلموا و لم يقاتلوا، و أنا مقيم بين أظهرهم، آمرهم بما أمرهم اللّه به و أنهاهم عما نهاهم اللّه عنه، و أعلّمهم معالم الإسلام و سنة النبيّ (صلى الله عليه و سلم) حتى يكتب إلىّ رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم). و السلام عليك يا رسول اللّه و رحمة اللّه و بركاته.

[كتاب الرسول إلى خالد يأمره بالمجى‏ء]

كتاب الرسول إلى خالد يأمره بالمجى‏ء فكتب إليه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم):

بسم اللّه الرحمن الرحيم: من محمد النبيّ رسول اللّه إلى خالد بن الوليد.

سلام عليك، فإنى أحمد إليك اللّه الذي لا إله إلا هو. أما بعد، فإن كتابك جاءنى مع رسولك تخبر أن بنى الحارث بن كعب قد أسلموا قبل أن تقاتلهم، و أجابوا إلى ما دعوتهم إليه من الإسلام، و شهدوا أن لا إله إلا اللّه، و أن محمدا عبد اللّه و رسوله، و أن قد هداهم اللّه بهداه، فبشّرهم و أنذرهم، و أقبل و ليقبل معك وفدهم، و السلام عليك و رحمة اللّه و بركاته.

[قدوم خالد مع وفدهم على الرسول‏]

قدوم خالد مع وفدهم على الرسول فأقبل خالد إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و أقبل معه وفد بنى الحارث بن كعب، منهم قيس بن الحصين ذى الغصة، و يزيد بن عبد المدان، و يزيد بن المحجّل، و عبد اللّه بن قرد الزيادى؛ و شداد بن عبد اللّه القنانى، و عمرو بن عبد اللّه الضبابى.

____________

..........

420

[حديث وفدهم مع الرسول‏]

حديث وفدهم مع الرسول فلما قدموا على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فرآهم، قال: من هؤلاء القوم الذين كأنهم رجال الهند؟ قيل: يا رسول اللّه، هؤلاء رجال بنى الحارث ابن كعب؛ فلما وقفوا على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) سلّموا عليه، و قالوا:

نشهد أنك رسول اللّه، و أنه لا إله إلا اللّه؛ قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و أنا أشهد أن لا إله إلا اللّه و أنى رسول اللّه، ثم قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): أنتم الذين إذا زجروا استقدموا؟ فسكتوا، فلم يراجعه منهم أحد، ثم أعادها الثانية، فلم يراجعه منهم أحد، ثم أعادها الثالثة، فلم يراجعه منهم أحد، ثم أعادها الرابعة، فقال يزيد بن عبد المدان: نعم، يا رسول اللّه، نحن الذين إذا زجروا استقدموا، قالها أربع مرار؛ فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): لو أن خالدا لم يكتب إلىّ أنكم أسلمتم و لم نقاتلوا، لألقيت رءوسكم تحت أقدامكم؛ فقال يزيد بن عبد المدان: أما و اللّه ما حمدناك و لا حمدنا خالدا، قال: فمن حمدتم؟ قالوا: حمدنا اللّه عزّ و جلّ الذي هدانا بك يا رسول اللّه؛ قال: صدقتم. ثم قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم):

بم كنتم تغلبون من قاتلكم فى الجاهلية؟ قالوا: لم نكن نغلب أحدا؛ قال:

بلى، قد كنتم تغلبون من قاتلكم؛ قالوا: كنا نغلب من قاتلنا يا رسول اللّه إنا كنا نجتمع و لا نفترق، و لا نبدأ أحدا بظلم؛ قال: صدقتم، و أمّر رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) على بنى الحارث بن كعب قيس بن الحصين.

فرجع وفد بنى الحارث إلى قومهم فى بقيّة من شوّال، أو فى صدر

____________

..........

421

ذى القعدة، فلم يمكثوا بعد أن رجعوا إلى قومهم إلا أربعة أشهر، حتى توفّى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و رحم و بارك، و رضى و أنعم.

[بعث الرسول عمرو بن حزم بعهده إليهم‏]

بعث الرسول عمرو بن حزم بعهده إليهم و قد كان رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بعث إليهم بعد أن ولّى وفدهم عمرو بن حزم، ليفقّههم فى الدين، و يعلمهم السنة و معالم الإسلام، و يأخذ منهم صدقاتهم، و كتب له كتابا عهد إليه فيه عهده، و أمره فيه بأمره.

بسم اللّه الرحمن الرحيم: هذا بيان من اللّه و رسوله، يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود، عهد من محمد النبيّ رسول اللّه لعمرو بن حزم، حين بعثه إلى اليمن، أمره بتقوى اللّه فى أمره كلّه، فإن اللّه مع الذين اتقوا و الذين هم محسنون، و أمره أن يأخذ بالحقّ كما أمره اللّه، و أن يبشّر الناس بالخير، و يأمرهم به، و يعلّم الناس القرآن، و يفقّههم فيه، و ينهى الناس، فلا يمسّ القرآن إنسان إلا و هو طاهر، و يخبر الناس بالذى لهم، والدى عليهم، و يلين للنّاس فى الحقّ، و يشدّ عليهم فى الظلم، فإن اللّه كره الظلم، و نهى عنه، فقال: أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ‏، و يبشّر الناس بالجنّة و بعملها، و ينذر الناس النار و عملها، و يستألف الناس حتى يفقّهوا فى الدين، و يعلّم الناس معالم الحجّ و سنته و فريضته، و ما أمر اللّه به، و الحجّ الأكبر: الحجّ الأكبر، و الحجّ الأصغر:

هو العمرة؛ و ينهى الناس أن يصلّى أحد فى ثوب واحد صغير، إلا أن يكون ثوبا يثنى طرفيه على عاتقيه؛ و ينهى الناس أن يحتبى أحد فى ثوب واحد يفضى بفرجه إلى السماء، و ينهى أن يعقص أحد شعر رأسه فى قفاه، و ينهى إذا كان‏

____________

..........

422

بين الناس هيج عن الدعاء إلى القبائل و العشائر، و ليكن دعواهم إلى اللّه عزّ و جلّ وحده لا شريك له، فمن لم يدع إلى اللّه، و دعا إلى القبائل و العشائر فليقطفوا بالسيف، حتى تكون دعواهم إلى اللّه وحده لا شريك له، و يأمر الناس بإسباغ الوضوء وجوههم و أيديهم إلى المرافق و أرجلهم إلى الكعبين و يمسحون برءوسهم كما أمرهم اللّه، و أمر بالصلاة لوقتها، و إتمام الركوع و السجود و الخشوع، و يغلّس بالصبح، و يهجّر بالهاجرة حين تميل الشمس، و صلاة العصر و الشمس فى الأرض مدبرة، و المغرب حين يقبل الليل، لا يؤخر حتى تبدو النجوم فى السماء، و العشاء أوّل الليل، و أمر بالسّعى إلى الجمعة إذا نودى لها، و الغسل عند الرّواح إليها، و أمره أن يأخذ من المغانم خمس اللّه، و ما كتب على المؤمنين فى الصّدقة من العقار عشر ما سقت العين و سقت السماء، و على ما سقى الغرب نصف العشر، و فى كلّ عشر من الإبل شاتان، و فى كلّ عشرين أربع شياه، و فى كل أربعين من البقر بقرة، و فى كل ثلاثين من البقر تبيع جذع أو جذعة، و فى كل أربعين من الغنم سائمة وحدها: شاة، فإنها فريضة اللّه التي افترض على المؤمنين فى الصدقة، فمن زاد خيرا فهو خير له، و أنه من أسلم من يهودىّ أو نصرانىّ إسلاما خالصا من نفسه، و دان بدين الإسلام، فإنه من المؤمنين، له مثل ما لهم، و عليه مثل ما عليهم، و من كان على نصرانيته أو يهوديّته فإنه لا يردّ عنها، و على كلّ حالم: ذكر أو أنثى، حرّ أو عبد، دينار واف أو عوضه ثيابا.

فمن أدّى ذلك فإن له ذمّة اللّه و ذمّة رسوله، و من منع ذلك، فإنه‏

____________

..........

423

عدوّ للّه و لرسوله و للمؤمنين جميعا، صلوات الله على محمد، و السلام عليه و رحمة الله و بركاته.

[قدوم رفاعة بن زيد الجذاميّ‏]

قدوم رفاعة بن زيد الجذاميّ‏

[إسلامه و حمله كتاب الرسول إلى قومه‏]

إسلامه و حمله كتاب الرسول إلى قومه و قدم على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فى هدنة الحديبية، قبل خيبر، رفاعة بن زيد الجذاميّ ثم الضّبيبىّ، فأهدى لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) غلاما، و أسلم، فحسن إسلامه، و كتب له رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) كتابا إلى قومه. و فى كتابه: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد رسول الله، لرفاعة بن زيد. إنى بعثته إلى قومه عامّة، و من دخل فيهم، يدعوهم إلى الله و إلى رسوله، فمن أقبل منهم ففى حزب اللّه و حزب رسوله، و من أدبر فله أمان شهرين.

فلما قدم رفاعة على قومه أجابوا و أسلموا، ثم ساروا إلى الحرّة: حرّة الرّجلاء. و نزلوها.

[قدوم وفد همدان‏]

قدوم وفد همدان‏

[أسماؤهم و كلمة ابن نمط بين يدى الرسول‏]

أسماؤهم و كلمة ابن نمط بين يدى الرسول قال ابن هشام: و قدم وفد همدان على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فيما حدثني من أثق به، عن عمرو بن عبد اللّه بن أذينة العبدى، عن أبى إسحاق‏

____________

..........

424

السّبيعى، قال: قدم وفد همدان على رسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم)- منهم: مالك بن نمط، و أبو ثور، و هو ذو المشعار، و مالك بن أيفع و ضمام بن مالك السّلمانى و عميرة بن مالك الخارفىّ، فلقوا رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) مرجعه من تبوك و عليهم مقطّعات الحبرات. و العمائم العدنية؛ برحال الميس على المهريّة و الأرحبيّة و مالك بن نمط و رجل آخر يرتجزان بالقوم، يقول أحدهما:

همدان خير سوقة و أقيال‏* * * ليس لها فى العالمين أمثال‏

محلّها الهضب و منها الأبطال‏* * * لها إطابات بها و آكال‏

و يقول الآخر:

إليك جاوزن سواد الرّيف‏* * * فى هبوات الصّيف و الخريف‏

مخطّمات بحبال اللّيف

فقام مالك بن نمط بين يديه، فقال: يا رسول اللّه، نصيّة من همدان، من كلّ حاضر و باد، أتوك على قلص نواج، متّصلة بحبائل الإسلام، لا تأخذهم فى اللّه لومة لائم، من مخلاف خارف و يام و شاكر أهل السّود و القود، أجابوا دعوة الرسول، و فارقوا آلهات الأنصاب عهدهم لا ينقض ما أقامت لعلع، و ما جرى اليعفور بصلّع.

[فكتب لهم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) كتابا فيه:]

فكتب لهم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) كتابا فيه:

بسم اللّه الرحمن الرحيم. هذا كتاب من رسول اللّه محمد، لمخلاف‏

____________

..........

425

خارف و أهل جناب الهضب و حقاف الرمل، مع وفدها ذى المشعار مالك ابن نمط و من أسلم من قومه، على أنّ لهم فراعها و وهاطها، ما أقاموا الصلاة و آتوا الزّكاة، يأكلون علافها و يرعون عافيها، لهم بذلك عهد اللّه و ذمام رسوله، و شاهدهم المهاجرون و الأنصار. فقال فى ذلك مالك بن نمط:

ذكرت رسول اللّه فى فحمة الدّحى‏* * * و نحن بأعلى رحرحان و صلدد

و هن بنا خوص طلائح تعتلى‏* * * بركبانها فى لاحب متمدّد

على كل فتلاء الذّراعين جسرة* * * تمرّ بنا مرّ الهجفّ الخفيدد

حلفت بربّ الرّاقصات إلى منى‏* * * صوادر بالرّكبان من هضب قردد

بأنّ رسول اللّه فينا مصدّق‏* * * رسول أتى من عند ذى العرش مهتدى‏

فما حملت من ناقة فوق رحلها* * * أشدّ على أعدائه من محمّد

و أعطى إذا ما طالب العرف جاءه‏* * * و أمضى بحدّ المشرفىّ المهنّد

[ذكر الكذابين مسيلمة الحنفى و الأسود العنسى‏]

ذكر الكذابين مسيلمة الحنفى و الأسود العنسى قال ابن إسحاق: و قد كان تكلّم فى عهد رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) الكذابان مسيلمة بن حبيب باليمامة فى حنيفة، و الأسود بن كعب العنسى بصنعاء.

[رؤيا الرسول فيهما]

رؤيا الرسول فيهما قال ابن إسحاق: حدّثنى يزيد بن عبد اللّه بن قسيط، عن عطاء بن يسار

____________

..........

426

أو أخيه سليمان بن يسار، عن أبى سعيد الخدرىّ، قال: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و هو يخطب الناس على منبره، و هو يقول: أيّها الناس، إنى قد رأيت ليلة القدر، ثم أنسيتها، و رأيت فى ذراعىّ سوارين من ذهب، فكرهتهما، فنفختهما فطارا، فأوّلتهما هذين الكذّابين: صاحب اليمن، و صاحب اليمامة.

[حديث الرسول عن الدجالين‏]

حديث الرسول عن الدجالين قال ابن إسحاق: و حدثني من لا أتهم عن أبى هريرة أنه قال: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يقول: لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون دجالا، كلهم يدّعى النبوّة.

[خروج الأمراء و العمال على الصدقات‏]

خروج الأمراء و العمال على الصدقات‏

[الأمراء و أسماء العمال و ما تولوه‏]

الأمراء و أسماء العمال و ما تولوه قال ابن إسحاق: و كان رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قد بعث أمراءه و عماله على الصدقات، إلى كلّ ما أوطأ الإسلام من البلدان، فبعث المهاجر ابن أبى أميّة بن المغيرة إلى صنعاء، فخرج عليه العنسىّ و هو بها، و بعث زيادة بن لبيد، أخا بنى بياضة الأنصاري، إلى حضرموت و على صدقاتها؛ و بعث عدىّ بن حاتم على طيئ و صدقاتها، و على بنى أسد، و بعث مالك ابن نويرة- قال ابن هشام: اليربوعى- على صدقات بنى حنظلة، و فرّق صدقة بنى سعد على رجلين منهم، فبعث الزّبرقان بن بدر على ناحية منها،

____________

..........

427

و قيس بن عاصم على ناحية، و كان قد بعث العلاء بن الحضرمىّ على البحرين، و بعث علىّ بن أبى طالب (رضوان اللّه عليه) إلى أهل بحران، ليجمع صدقتهم و يقدم عليه بجزيتهم.

[كتاب مسيلمة إلى رسول اللّه و الجواب عنه‏]

كتاب مسيلمة إلى رسول اللّه و الجواب عنه و قد كان مسيلمة بن حبيب، قد كتب إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): من مسيلمة رسول اللّه، إلى محمد رسول اللّه: سلام عليك، أما بعد، فإنى قد أشركت فى الأمر معك، و إن لنا نصف الأرض، و لقريش نصف الأرض و لكن قريشا قوم يعتدون.

فقدم عليه رسولان له بهذا الكتاب.

قال ابن إسحاق: فحدثنى شيخ من أشجع، عن سلمة بن نعيم بن مسعود الأشجعىّ، عن أبيه نعيم، قال: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يقول لهما حين قرأ كتابه: فما تقولان أنتما؟ قالا: نقول كما قال، فقال: أما و اللّه لو لا أن الرّسل لا تقتل لضربت أعناقكما.

ثم كتب إلى مسيلمة: بسم اللّه الرحمن الرحيم، من محمد رسول اللّه، إلى مسيلمة الكذّاب: السلام على من اتبع الهدى. أما بعد، الأرض للّه يورثها من يشاء من عباده، و العاقبة للمتقين.

و ذلك فى آخر سنة عشر.

____________

..........

428

..........

____________

قدوم الوفود على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) وفد عبد القيس:

من أصحّ ما جاء فى هذا الباب حديث وفد عبد القيس، و هم الذين قال لهم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): مرحبا بالوفد غير خزايا و لا ندامى، و قد تكرر حديثهم فى الصّحيحين دون تسمية أحد منهم، فمنهم أشجّ عبد القيس، و هو المنذر بن عائذ، قال له النبيّ (صلى الله عليه و سلم): إن فيك خلّتين يحبّهما اللّه و رسوله: الحلم و الأناة، و منهم أبو الوازع الزّارع بن عامر و ابن أخته مطر بن هلال العنزى.

و لما ذكروا للنبى (صلى الله عليه و سلم) أنه ابن أختهم قال: ابن أخت القوم منهم. و منهم: ابن أخى الزّارع، و كان مجنونا، فجاء به معه ليدعو له النبيّ- (صلى الله عليه و سلم)- فمسح ظهره، و دعا له فبرئ لحينه، و كان شيخا كبيرا فكسى جمالا و شبابا، حتى كان وجهه وجه العذراء، و منهم الجهم بن قثم لما نهاهم النبيّ (عليه السلام) عن الشرب فى الأوعية و حذّرهم ما يقع فى ذلك من الجراح، و أخبرهم أنهم إذا شربوا المسكر عمد أحدهم إلى ابن عمّه، فجرحه، و كان فيهم رجل قد جرح فى ذلك و كان يخفى جرحه و يكتمه، و ذلك الرجل هو جهم بن قثم، عجبوا من علم النبيّ (عليه السلام) بذلك، و إشارته إلى ذلك الرجل.

و منهم: أبو خيرة الصباحى من بنى صباح بن لكيز من حديثه عن‏

429

..........

____________

رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أنه قال: اللّهمّ اغفر لعبد القيس، و أنه زوّدهم الأراك يستاكون به، و منهم: مزيدة (1) العصرى جدّ هود بن عبد اللّه‏ (2) بن سعد ابن مزيدة، و على هود يدور حديثه فى التّمر البرنىّ، و أنه دواء، و ليس فيه داء، و منهم: قيس بن النّعمان ذكره أبو داود فى كتاب الأشربة، فهذا ما بلغنى من تسمية من وفد على النبيّ (صلى الله عليه و سلم) فى وفد عبد القيس.

و ذكر فى الوفود الحتات بن يزيد و قول الفرزدق لمعاوية فيه:

فما بال ميراث الحتات أكلته‏

البيت، و بعده فى غير سيرة ابن إسحاق:

فلو أنّ هذا كان فى غير ملككم‏* * * لبؤت بها أو غصّ بالماء شاربه‏

شرح صاحب الحلة:

و ذكر فيهم عطارد بن حاجب بن زرارة، و هو صاحب الحلّة التي قال فيها النبيّ (صلى الله عليه و سلم) إنما يلبس هذه الحلة من لا خلاق له [فى الآخرة] (3)

____________

(1) قال عنه ابن مندة: مزيدة بن جابر العبدى العصرى. و سماه ابن الكلبى:

مزيدة بن مالك بن همام بن معاوية بن شبابة بن عامر بن خطمة بن محارب ابن عمرو بن وديعة بن لكير بن أفصى. و قال الحافظ: و هذا هو المعتمد. و الذي ذكره ابن مندة و هم، فان مزيدة بن جابر العبدى كان قاضى الخوارج فى زمان قطرى بن الفجاءة فى زمن بنى أمية.

(2) هو جده لأمه كما جاء فى الإصابة.

(3) الزيادة من الصحيح، هذا و قد ورد فى الصحيح من طريق جرير بن حازم عن نافع عن ابن عمر قال: رأى عمر بن الخطاب عطاردا التميمى يبيع-

430

..........

____________

و قول عمر رضى اللّه عنه: أ تكسونى هذه، و قد قلت فى حلّة عطارد ما قلت، و كان سبب تلك الحلّة أن حاجب بن زرارة أبا عطارد كان وفد على كسرى ليأخذ منه أمانا لقومه ليقربوا من ريف العراق لجدب أصاب بلادهم، فسأله كسرى رهنا ليستوثق بها منهم، فدفع إليه قوسه رهينة فاستحمقه الملك و ضحك منه، فقيل له: أيها الملك إنهم العرب لو رهنك أحدهم تبنة ما أسلمها غدرا فقبلها منه كسرى، فلما أخصبت بلادهم انتشروا راجعين إليها، و جاء حاجب يطلب قوسه، فعند ذلك كساه كسرى تلك الحلّة التي كانت عند عطارد المذكورة فى جامع الموطّأ. ذكره ابن قتيبة فى المعارف أو معناه، و فى الموطّأ أن عمر رضى اللّه عنه- كسا الحلّة أخاله مشركا بمكة، قال ابن الحذّاء: كان أخاه لأمّه، و اسمه: عثمان بن حكيم الثّقفىّ، و هو جد سعيد بن المسيّب لأمه، هكذا ذكر فى تسمية رجال الموطّأ، و غلط من وجهين، أحدهما أنه قال: كان أخا عمر لأمّه، و إنما هو أخو زيد ابن الخطّاب لأمّه أسماء بنت وهب بن أسد بن خزيمة، و أما أمّ عمر فهى حنتمة بنت هاشم بن المغيرة [بن عبد اللّه بن مخزوم‏ (1)]، و الغلط الثانى أنه جعله ثقيفيّا و إنما هو سلمىّ، و هو عثمان بن حكيم بن أميّة بن مرّة بن هلال‏

____________

- فى السوق حلة سيراء، و كان رجلا يغشى الملوك، و يصيب منهم، فقال عمر:

يا رسول اللّه لو اشتريتها فلبستها لوفود العرب، فقال: إنما يلبس الحرير فى الدنيا من لا خلاق له فى الآخرة و رواه مسلم عن شعبان بن أبى شيبة عن جرير، و له روايات أخرى عند الطبرانى و ابن مندة.

(1) الزيادة من نسب قريش ص 347.

431

..........

____________

ابن فالج بن ذكوان بن ثعلبة بن بهثة بن سليم‏ (1)، هكذا نسبه الزبير و بنته أم سعيد، ولدت سعيد بن المسيّب.

نسب ابن الأهتم:

و ذكر فيهم عمرو بن الأهنم و نسبه، و اسم الأهتم: سمىّ بن سنان، و هو جد شبيب بن شيبة و خالد بن صفوان الخطيبين البليغين، و سمّى سمىّ بالأهتم، لأن قيس بن عاصم ضربه فهتم فاه.

عن كرسى اللّه:

و ذكر خطبة ثابت بن قيس، و فيها وسع كرسيّه علمه، و فيه ردّ على من قال: الكرسى هو العلم، و كذلك من قال هو القدرة، لأنه لا توصف القدرة و العلم بأن العلم وسعها، و إنما كرسيّه ما أحاط بالسّماوات و الأرضين، و هو دون العرش كما جاءت به الآثار، فعلمه سبحانه قد وسع الكرسىّ بما حواه من دقائق الأشياء و جلائلها و جملها و تفاصيلها، و قد قيل: إن الكرسى فى القرآن هو العرش، و هو قول الحسن، و فى هذا الحديث ما يكاد أن يكون حجّة لهذا القول، لأنه لم يرد أن العلم وسع الكرسىّ، فما دونه‏

____________

(1) أم زيد أسماء بنت وهب بن حبيب بن الحارث بن عيسى بن قعين من بنى أسد بن خزيم. و يقول المصعب الزبيرى فى كتابه: نسب قريش: «و أخوه لأمه عثمان بن حكيم بن أمية بن حارثة بن الأوقص السلمى، و عثمان بن حكيم هو جد سعيد بن المسيب أبو أمه» ص 348.

432

..........

____________

على الخصوص، دون ما فوقه، فجائز أن يريد به العرش، و ما تحته و اللّه أعلم.

فإن صحت الرواية عن ابن عباس أن الكرسىّ هو العلم، فمؤوّلة، كأنه لم يقصد تفسير لفظ الكرسىّ، و لكن أشار إلى أن معنى العلم و الإحاطة يفهم من الآية، لأن الكرسىّ الذي هو عند العرب موضع القدمين من سرير الملك إذا وسع ما وسع، فقد وسعه علم الملك و ملكه و قدرته، و نحو هذا، فليس فى أن يسع الكرسىّ ما وسعه مدح و ثناء على الملك سبحانه، إلا من حيث تضمّن سعة العلم و الملك، و إلا فلا مدح فى وصف الكرسى بالسّعة، و الآية لا محالة واردة فى معرض المدح و التعظيم للعلىّ العظيم الذي لا يئوده حفظ مخلوقاته كلّها، و هو الحى القيّوم، و قرّى الطبرى قول ابن عباس، و احتج له بقوله عز و جل (و لا يئوده حفظهما) و بأن العرب تسمى العلماء كراسىّ. قال: و منه سمّيت الكرّاس‏ (1) لما تضمّنته‏ (2) و تجمعه من العلم، و أنشد:

تحفّهم بيض الوجوه و عصبة* * * كراسىّ بالأحداث حين تنوب‏ (3)

أى عالمون بالأحداث.

____________

(1) فى الأصل: الكراسى. و الكراسى: واحدتها كراسة.

(2) فى الأصل تضمنه فلعلها كما ضبطت أو تضمه. و نص تعبير الطبرى:

قيل يكون فيها علم مكتوب: كراسة.

(3) فى الطبرى: يحف بهم. و فى أساس البلاغة للزمخشرى عن قطرب:

تحف بها.

433

..........

____________

شعر الزبرقان:

و ذكر شعر الزّبرقان، و أن بعض الناس ينكر الشعر له، و ذكر البرقي أن الشعر لقيس بن عاصم المنقرىّ، و كان الزّبرقان يرفع له بيت من عمائم و ثياب، و ينضخ بالزّعفران و الطّيب، و كانت بنو تميم تحج ذلك البيت. قال الشاعر، و هو المخبّل السّعدى، و اسمه كعب بن ربيعة بن قتال:

و أشهد من عوف حلولا كثيرة* * * يحجّون سبّ الزّبرقان المزعفرا (1)

____________

(1) فى الأصل: ست و هو خطأ فى الطبع. و يقول الجاحظ: كان الزبرقان يصبغ عمامته بصفرة، و ذكره الشاعر فقال: ثم ذكر البيت. و يرى قطرب أن المخبل نسب الزبرقان إلى الأبنة لأنه كان يصفر استه، و أنه يعنى بالسب:

الاست السمط ص 191 و اللسان مادة زبرق. و فى إصلاح المنطق عن معنى البيت «يكثرون الاختلاف إليه، و السب: العمامة، و سب المرأة: خمارها، و إنما سمى الزبرقان لصفرة عمامته» ص 411 و الحلول: الأحياء المجتمعة. انظر ص 97 ج 3 البيان و مادتى سبب و حجج فى اللسان و رواية البيت فى الاشتقاق:

فهم أهلات حول قيس بن عاصم الخ. و فيه أيضا: قال قوم: سمى الزبرقان لخفة لحيته، و قال قوم: بل لجماله و قال قوم: لأنه كان يصبغ عمامته بالزعفران و كانت سادة العرب تفعل ذلك. و عن المخبل قال مغلطاى: اسمه: الربيع بن ربيعة، و قيل: ربيعة بن مالك بن ربيعة بن عوف بن قتال بن أنف الناقة شاعر مخضرم فحل يكنى أبا يزيد مات فى خلافة عمر أو عثمان. و قال السهيلى: اسمه:

كعب بن ربيعة بن قتال، و هو وهم بينته فى كتاب الزهر الباسم» ص 254 الاشتقاق و فى السمط أنه ربيعة بن مالك من بنى شماس بن لأى ابن أنف النافة ص 418- و قبل بيت الزبرقان:-

434

..........

____________

و السّبّ: العمامة، و أحسبه أشار إلى هذا المعنى بقوله:

بما ترى الناس تأتينا سراتهم‏

البيت. و ليس السّراة جمع سرى كما ظنّوا، و إنما هو كما تقول ذروتهم و سنامهم، و سراة كل شي‏ء: أعلاه، و قد أوضحناه فيما مضى من هذا الكتاب، و الزّبرقان من أسماء القمر. قال الشاعر:

تضى‏ء به المنابر حين يرقى‏* * * عليها مثل ضوء الزّبرقان‏

و الزّبرقان أيضا: الخفيف العارضين، و كانت له ثلاثة اسماء: الزّبرقان و القمر و الحصين، و ثلاث كنّى: أبو العبّاس، و أبو شذرة، و أبو عيّاش، و هو الزّبرقان بن بدر بن امرئ القيس بن خلف بن بهدلة بن عوف ابن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم.

شعر حسان فى الرد على الزبرقان في المسيحية و العينية:

و قول حسان:

ببيت حريد عزّه و ثراؤه‏

يريد: بيت شرفهم من غسّان و هم ملوك الشام، و هم وسط الأعاجم، و البيت الحريد: المنفرد عن البيوت، كما انفردت غسّان، و انقطعت عن أرض‏

____________

-

أ لم تعلمى يا أم عمرة أننى‏* * * تخطأنى ريب المنون لأكبرا

و لهذا ضبط ابن برى أشهد فى البيت بالنصب «مادة زبرق» اللسان.

435

..........

____________

العرب، و كان حسان يضرب بلسانه أرنبة أنفه هو و ابنه و أبوه و جدّه، و كان يقول: لو وضعته يعنى لسانه على حجر لفلقه، أو على شعر لحلقه، و ما يسرنى به مقول من معدّ.

و قول حسان:

يخاض إليه السّمّ و السّلع‏

السّلع: شجر مر. قال أميّة [بن أبى الصّلت‏]:

عشر ما و فوقه سلع ما* * * عائل ما، و عالت البيقورا (1)

يريد أنهم كانوا إذا استسقوا فى الجاهلية ربطوا السّلع و العشر فى أذناب البقر.

و قوله: شمعوا، أى: ضحكوا و مزحوا. قال الشاعر [المتنخل الهذلى‏] يصف الأضياف:

و أبدؤهم بمشمعة و أثنى‏* * * بجهدى من طعام أو بساط

و فى الحديث: من تتبّع المشمعة شمّع اللّه به. يريد من ضحك من الناس و أفرط فى المزح.

____________

(1) البيت فى اللسان:

سلع ما و مثله عشر ما الخ. و فى البيت كما قال الأزهرى و قاله السهيلى بعد، شاهد على ما يفعله العرب من استمطارهم بإضرام النار فى أذناب البقر، و السلع شجر، و العشر: شجر له صمغ. و البيقور: اسم جمع للبقر.

436

..........

____________

و قوله:

أو وازنوا أهل مجد بالنّدى متعوا

أى: ارتفعوا، يقال: متع النهار إذا ارتفع.

شعر آخر لحسان في الرد علي الزبرقان:

و قول حسان:

و طبنا له أنفسا بفى‏ء المغانم‏

يريد: طيب نفوسهم يوم حنين حين أعطى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) المؤلّفة قلوبهم، و لم يعط الأنصار شيئا.

شرح قول ابن الأهتم لابن عاصم:

فصل: و ذكر قول عمرو بن الأهتم لقيس بن عاصم:

ظللت مفترش الهلباء تشتمنى‏* * * عند النبيّ فلم تصدق و لم تصب‏

الهلباء: فعلاء من الهلب و هو الخشين من الشعر، يقال منه: رجل أهلب، و منه قول الشّعبى فى مشكلة نزلت: هلباء زبّاء ذات وبر، كأنه أراد بمفترش الهلباء، أى: مفترشا لحيته، و يجوز أن يريد بمفترش الهلباء، يعنى امرأة. و قيل: الهلباء، يريد بها هاهنا دبره، فإن كان عنى امرأة، فهو نصب على النّداء.

ما نزل في وفد تميم من الحجرات:

و ذكر ما أنزل اللّه تبارك و تعالى فيهم فى سورة الحجرات، و قد كان‏

437

..........

____________

عمر و أبو بكر اختلفا فى أمر الزّبرقان و عمرو بن الأهتم، فأشار أحدهما بتقديم الزّبرقان، و أشار الآخر بتقديم عمرو بن الأهتم حتى ارتفعت أصواتهما، فأنزل اللّه عز و جل‏ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ، وَ اتَّقُوا اللَّهَ‏ إلى قوله: لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِ‏ فكان عمر بعد ذلك إذا كلم النبيّ (عليه السلام) لا يكلّمه إلا كأخى السّرار (1).

إن من البيان لسحرا:

و فى هذا الوفد جاء الحديث أن رجلين قدما من نجد فخطبا، فعجب الناس لبيانهما، فقال النبيّ (صلى الله عليه و سلم): إن من البيان لسحرا، و أدخله مالك فى باب ما يذمّ من القول، من أجل أن السّحر مذموم شرعا، و غيره يذهب إلى أنه مدح لهما بالبيان و استمالة القلوب كالسّحر، و كان من قولهما.

إن عمرا قال للنبى (صلى الله عليه و سلم) فى الزّبرقان: إنه مطاع فى أذنيه سيّد فى عشيرته، فقال الزّبرقان: لقد حسدنى يا رسول اللّه لشرفى، و لقد علم أفضل ممّا قال. قال: فقال عمرو: إنه لزمر المروءة ضيّق العطن لئيم الخال، فعرف الإنكار فى وجه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فقال: يا رسول اللّه‏

____________

(1) عند البخاري فى رواية أن أحدهم أشار بالأقرع بن حابس، و الآخر برجل آخر. قال نافع: لا أحفظ اسمه، فقال أبو بكر لعمر: ما أردت إلا خلافى الخ، و قد انفرد به البخاري دون مسلم. و فى رواية أخرى أن أبا بكر أشار بتأمير القعقاع بن معبد، و أن عمر أشار بتأمير الأقرع بن حابس. و فى مسند البزار أن أبا بكر هو الذي قال: يا رسول اللّه لا أكلمك إلا كأخى السرار.

و هناك روايات أخرى تخالف هذه حول أسباب نزول الآية، فاللّه أعلم.

438

..........

____________

رضيت فقلت أحسن ما علمت، و سخطت فقلت أقبح ما علمت، و لقد صدقت فى الأولى و ما كذبت فى الثانية، فحينئذ قال النبيّ (صلى الله عليه و سلم): «إن من البيان لسحرا» و قوله: لئيم الخال، قيل: إن أمه كانت من باهلة، قاله ابن ثابت فى الدلائل، و قد أنكر هذا عليه، و ممن أنكره عليه أبو مروان بن سراج، فاللّه أعلم، لأن أهل النسب ذكروا أن أم الزّبرقان عكليّة من بنى أقيش، و عكل و إن كانت تجتمع مع تميم فى أدّ بن طابخة لكنّ تميما أشرف منهم، و لا سيما بنى سعد رهط الزّبرقان، فلذلك جعله عمرو لئيم الخال.

خبر عامر و أربد:

فصل: و ذكر خبر عامر بن الطفيل و أربد، و أن أربد قال لعامر: ما هممت بقتل محمّد إلا رأيتك بينى و بينه أ فأقتلك؟! و فى غير رواية ابن إسحاق: إلّا رأيت بينى و بينه سورا من حديد و كذلك فى رواية غيره، قال عامر: لأملأنّها عليك خيلا جردا، و رجالا مردا، و لأربطنّ بكلّ نخلة فرسا، فجعل أسيد ابن حضير يضرب فى رءوسهما و يقول: اخرجا أيها الهجرسان، فقال له عامر: و من أنت؟ فقال: أسيد بن حضير، فقال: أ حضير بن سماك؟ قال:

نعم، قال: أبوك كان خيرا منك، فقال: بل أنا خير منك، و من أبى، لأن أبى كان مشركا، و أنت مشرك. و ذكر سيبويه قول عامر: أغدّة (1) كغدّة

____________

(1) مضبوطة فى اللسان برفع غدة و كذلك فى النهاية لابن كثير.

439

..........

____________

البعير، و موتا فى بيت سلوليّة، فى باب ما ينتصب على إضمار الفعل المتروك إظهاره، كأنه قال: أغدّ غدّة، و السّلولية امرأة منسوبة إلى سلول بن صعصعة و هم بنو مرّة بن صعصعة، و سلول أمهم، و هى بنت ذهل بن شيبان، و كان عامر بن الطّفيل من بنى عامر بن صعصعة، فلذلك اختصها لقرب النّسب بينهما، حتى مات فى بيتها. و أما أشعار لبيد فى أربد ففيها قوله:

تطير عدائد (1)الأشراك شفعا* * * و وترا و الزّعامة (2) للغلام‏

الزّعامة: الرّئاسة، و قيل: أراد بالزّعامة هنا بيضة السّلاح، و الأشراك:

الشّركاء، و العدائد: الأنصباء مأخوذ من العدد، و يقال: إن أربد حين أصابته الصاعقة أنزل اللّه تبارك و تعالى على محمد (صلى الله عليه و سلم): وَ يُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ يعنى أربد و اللّه أعلم. و عامر و أربد يجتمعان فى جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر، و أمّهما واحدة، و سائر شعر لبيد فى أربد مرغوب عن الاشتغال بشرحه بناء على أصلنا المتقدم، و اللّه ولىّ التوفيق.

عن لبيد:

على أنّ لبيد (رحمه اللّه) قد أسلم و حسن إسلامه، و عاش فى الإسلام ستّين سنّة، لم يقل فيها بيت شعر، فسأله عمر عن تركه الشعر، فقال: ما كنت لأقول شعرا بعد أن علّمنى للّه البقرة و آل عمران، فزاده عمر فى عطائه خمسمائة درهم، من أجل هذا القول، فكان عطاؤه ألفين و خمسمائة،

____________

(1) رواية أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابى: غدائر.

(2) قيل عن الزعامة إنها الرئاسة أو الدرع.

440

..........

____________

فلما كان معاوية، أراد أن ينقصه من عطائه الخمسمائة، و قال له: ما بال العلاوة فوق الفودين؟ فقال له لبيد: الآن أموت، و تصير لك العلاوة و الفودان، فرقّ له معاوية و تركها له، فمات لبيد إثر ذلك بأيام قليلة، و قد قيل: إنه قال بيتا واحدا فى الإسلام:

الحمد للّه إذ لم يأتنى أجلى‏* * * حتى اكتسيت من الإسلام سربالا

وفد جرس:

فصل: و ذكر وفد جرش، و أن خثعم ضوت إليها حين حاصرهم صرد ابن عبد اللّه، و أنشد:

حتى أتينا حميرا فى مصانعها* * * و جمع خثعم قد صاغت‏ (1)لها النّذر

و يروى خميرا بالخاء المعجمة، و فى حمير حمير الأدنى، و هو حمير بن الغوث بن سعد بن عوف بن عدىّ بن مالك بن زيد بن شدد (2) بن زرعة و هو حمير الأصغر بن سبأ الأصغر بن كعب كهف الظّلم بن زيد الجمهور ابن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس بن وائل بن الغوث ابن حيدان بن قطن بن عريب بن زهير بن الهميسع بن حمير الأكبر (3)

____________

(1) فى السيرة: شاعت.

(2) فى جمهرة النسب: شرد.

(3) النسب فى جمهرة ابن حزم من أول شرد: بن زرعة بن قيس بن صنعاء ابن سبأ الأصغر بن كعب بن زيد بن سهل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس بن وائل بن عوف بن حمير بن قطن بن عوف بن زهير بن أيمن بن حمير بن سبأ. و هو كما ترى يختلف عما هنا. و عند ابن الكلبى:-

441

..........

____________

و هو العزبحج، و قال الأبرهىّ: و هو من علماء حمير بالنسب و هو منسوب إلى أبرهة بن الصباح الحميرىّ فى حمير الأدنى المبدوء بذكره حمير، و على هذا القول تصحّ رواية الخاء المنقوطة، و من رواه بالحاء المهملة فهو تصغير حمير تصغير التّرخيم، و العزبحج فى لغة: حمير العتيق.

حديث ضمام:

فصل: و ذكر حديث ضمام بن ثعلبة، و هو الذي قال فيه طلحة بن عبيد اللّه: جاءنا أعرابى من أهل نجد ثائر الرأس يسمع دوىّ صوته، و لا يفقه ما يقول، حتى دنا، فإذا هو يسأل عن الإسلام، الحديث، رواه مالك فى الموطّأ عن عمّه عن جدّه عن طلحة، و قد ترجم عليه أبو داود لما فيه من دخول المشرك المسجد.

و ذكر معه حديث اليهود حين دخلوا المسجد، و ذكروا أن رجلا منهم، و امرأة زنيا، و قال به الشافعى، و كره مالك دخول الذّمّى المسجد، و خصص أبو حنيفة المسجد الحرام لقول اللّه تبارك و تعالى: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ، فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ‏ الآية، و تعلق مالك بالعلة التي نبهت عليها الآية، و هى التّنجيس، فعمّ المساجد كلّها.

____________

- كعب بن زيد بن سهل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس بن الغوث بن حيدان بن قطن بن عريب بن الهميسع. و قد سقط حيدان منه هنا، و لكنه ذكرها فى مكان آخر. أنظر 364، 365 المحبر.

442

..........

____________

حول حديث الجارود:

فصل: و ذكر الجارود العبدىّ، و هو بشر بن عمرو بن المعلّى، يكنى أبا المنذر، و قال الحاكم: يكنى أبا غياث و أبا عتاب، و سمى الجارود، لأنه أغار على قوم من بكر، فجرّدهم‏ (1) قال الشاعر:

و دسناهم بالخيل من كلّ جانب‏* * * كما جرّد الجارود بكر بن وائل‏

و ذكر فى آخر حديث الجارود الغرور بن النّعمان بن المنذر، و كان كسرى حين قتل النّعمان صيّر أمر الحيرة إلى هانئ بن قبيصة الشّيبانى، و لم يبق لآل المنذر رسم و لا أمر يذكر حتى كانت الرّدّة، و مات هانئ ابن قبيصة فأظهر أهل الرّدّة أمر الغرور بن النّعمان، و اسمه: المنذر، و إنما سمى الغرور، لأنه غرّ قومه فى تلك الرّدّة، أو غرّوه و استعانوا به على حربهم فقتل هنالك، و زعم وثيمة بن موسى أنه أسلم بعد ارتداده، و اللّه أعلم.

وفد بنى حنيفة و نسب مسيلمة:

فصل: و ذكر وفد بنى حنيفة، و اسم حنيفة أثال بن لجيم بن سعد بن على ابن بكر بن وائل مع مسيلمة على النبيّ (صلى الله عليه و سلم)، و هو مسيلمة

____________

(1) فى اللسان: لأنه فر بإبله إلى أخواله من بنى شيبان، و بإبله داء، ففشا ذلك الداء فى إبل أخواله، فأهلكها.

443

..........

____________

ابن ثمامة بن كبير (1) بن حبيب بن الحارث بن عبد الحارث بن هفّان بن ذهل بن الدّول بن حنيفة يكنى أبا ثمامة، و قيل: أبا هارون، و كان يسمّى بالرّحمن فيما روى عن الزّهرى قبل مولد عبد اللّه والد رسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم)- و قتل و هو ابن مائة و خمسين سنة، و كانت قريش حين سمعت بسم اللّه الرحمن الرحيم، قال قائلهم: دق فوك، إنما تذكر مسيلمة رحمان اليمامة، و كان الرّحّال الحنفى‏ (2)، و اسمه نهار بن عنفوة، و العنفوة يابس الحلىّ، و هو نبات، و ذكره أبو حنيفة، فقال فيه: عنثو بالثاء المثلّثة، و قال: هو يابس الحلىّ، و الحلىّ: النّصى، و هو نبت- قدم فى وفد اليمامة على النبيّ (صلى الله عليه و سلم) فآمن و تعلم سورا من القرآن، فرآه النبيّ- (صلى الله عليه و سلم)- يوما جالسا مع رجلين من أصحابه، أحدهما فرات بن حيّان، و الآخر: أبو هريرة، فقال: ضرس أحدكم فى النار مثل أحد، فما زالا خائفين حتى ارتدّ الرّحّال، و آمن بمسيلمة و شهد زورا أن النبيّ- (صلى الله عليه و سلم)- قد شركه معه فى النّبوّة، و نسب إليه بعض ما تعلم من القرآن، فكان من أقوى أسباب الفتنة على بنى حنفية، و قتله زيد بن الخطّاب يوم اليمامة، ثم قتل زيد بن الخطاب سلمة بن صبيح الحنفىّ، و كان مسيلمة صاحب‏

____________

(1) فى جهرة ابن حزم: كثير.

(2) ذكره القاموس بالجيم على وزن شداد، و قال: و وهم من ضبطه بالحاء.

444

..........

____________

نيروجات‏ (1) يقال: إنه أول من أدخل البيضة فى القارورة (2)، و أول من وصل جناح الطائر المقصوص، و كان يدّعى أنّ ظبية تأتيه من الجبل، فيحلب لبنها، و قال رجل من بنى حنيفة يرثيه:

لهفى عليك أبا ثمامه‏* * * لهفى على ركنى شمامه‏

كم آية لك فيهم‏* * * كالشّمس تطلع من غمامه‏

و كذب بل كانت آياته منكوسة، تفل فى بئر قوم سألوه ذلك تبرّكا فملح ماؤها، و مسح رأس صبىّ فقرع قرعا فاحشا، و دعا لرجل فى ابنين له بالبركة، فرجع إلى منزله فوجد أحدهما قد سقط فى البئر، و الآخر قد أكله الذئب، و مسح على عينى رجل استشفى بمسحه، فابيضّت عيناه.

مؤذنا مسيلمة و سجاح:

و اسم مؤذّنه: حجير، و كان أول ما أمر أن يذكر مسيلمة فى الأذان توقف، فقال له محكّم بن الطّفيل: صرّح حجير، فذهبت مثلا. و أمّا سجاح التي تنبّأت فى زمانه و تزوّجها، فكان مؤذّنها جنبة بن طارق، و قال القتبىّ: اسمه: زهير بن عمرو، و قيل: إن شبث بنى ربعىّ أذّن لها أيضا، و تكنى أمّ صادر، و كان آخر أمرها أن أسلمت فى زمان عمر، كل هذا من كتاب الواقدى و غيره. و كان محكّم بن طفيل الحنفىّ، صاحب‏

____________

(1) النيرنج: آخذ كالسحر و ليس به، و جمعها: نيرنجات و نيارج.

(2) عمل هين يأتيه طلابنا فى معاملهم.

445

..........

____________

حربه و مدبّر أمره، و كان أشرف منه فى حنيفة، و يقال فيه: محكّم و محكّم، و فيه يقول حسان بن ثابت:

يا محكم بن طفيل قد أتيح لكم‏* * * للّه درّ أبيكم حيّة الوادى‏

و قال أيضا:

يخبطن بالأيدى حياض محكّم‏

امرأة مسيلمة:

و قول ابن إسحاق: انزلوا، يعنى وفد بنى حنيفة بدار الحارث. الصواب:

بنت الحارث، و اسمها: كيسة بنت الحارث بن كريز بن حبيب بن عبد شمس، و قد تقدم فى غزوة قريظة الكلام على كيسة: و كيسة بالتخفيف، و أنها كانت امرأة لمسيلمة قبل ذلك، فلذلك أنزلهم بدارها و كانت تحت مسيلمة، ثم خلف عليها عبد اللّه بن عامر، و ذكرنا هنالك أن الصواب ما قاله ابن إسحاق أنّ اسم تلك المرأة زينب بنت الحارث، كذا وقع فى رواية يونس عن ابن إسحاق، و المذكورة هاهنا كيسة بنت الحارث، و إياه عنى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) حين خطب، فقال: أريت فى يدى سوارين من ذهب فكرهتهما، فنفخت فيهما فطارا فأوّلتهما كذّاب اليمامة و العنسى، صاحب صنعاء، فأما مسيلمة فقتله خالد بن الوليد، و أفنى قومه قتلا و سبيا.

مسعود العنسى:

و أما مسعود بن كعب العنسى، و عنس من مذحج، فاتبعته قبائل من‏

446

..........

____________

مذحج و اليمن على أمره، و غلب على صنعاء، و كان يقال له ذو الخمار، و يلقب: عيهلة، و كان يدّعى أن سحيقا و شريقا يأتيانه بالوحى، و يقول:

هما ملكان يتكلّمان على لسانى، فى خدع كثيرة يزخرف بها، و هو من ولد مالك بن عنس، و بنو عنس جشم و جشيم و مالك و عامر و عمرو، و عزيز و معاوية و عتيكة و شهاب و القرّيّة و يام‏ (1) و من ولد يام بن عنس عمّار ابن ياسر، و أخواه عبد اللّه و حويرث ابنا ياسر بن عمر بن مالك، قتله فيروز الدّيلمى، و قيس بن مكشوح و داذويه رجل من الأبناء دخلوا عليه من سرب صنعته لهم امرأة كان قد غلب عليها من الأبناء، فوجدوه سكران لا يعقل من الخمر، فخبطوه بأسيافهم و هم يقولون:

ضلّ نبىّ مات و هو سكران‏* * * و الناس تلقى جلّهم كالذّبّان‏

النور و النار لديهم سيّان

ذكره الدّولابى، و زاد ابن إسحاق فى رواية يونس عنه أن امرأته سقته البنج فى شرابه تلك الليلة، و هى التي احتفرت السّرب للدخول عليه، و كان اغتصبها، لأنها كانت من أجمل النساء، و كانت مسلمة صالحة، و كانت تحدّث عنه أنه لا ينتسل من الجنابة، و اسمها المرزبانة، و فى صورة قتله اختلاف.

و قوله (صلى الله عليه و سلم): أريت سوارين من ذهب، فنفختهما فطارا، قال بعض أهل العلم بالتعبير: تأويل نفخه لهما أنهما بريحه قتلا، لأنه لم يغزهما

____________

(1) فى الجمهرة هم: سعد الأكبر و سعد الأصغر، و عمرو، و عامر و معاوية، و عزيز و عتيك و شهاب و مالك و يام و جشم و القرية.

447

..........

____________

بنفسه، و تأويل الذهب أنه زخرف، فدل لفظه على زخرفتهما، و كذبهما، و دل الأسواران بلفظهما على ملكين لأن الأساورة هم الملوك، و بمعناهما على التضييق عليه لكون السّوار مضيّقا على الذّراع.

زيد الخيل:

فصل: و ذكر زيد الخيل، و هو زيد بن مهلهل بن زيد بن منهب، يكنى: أبا مكنف الطّائىّ، و اسم طيّئ أدد، و قيل له: زيد الخيل لخمس أفراس، كانت له، لها أسماء أعلام ذهب عنى حفظها الآن‏ (1).

و ذكر قوله (صلى الله عليه و سلم): إن ينج زيد من حمّى المدينة.

أسماء الحمي:

قال الراوى: و لم يسمّها باسمها الحمّى، و لا أمّ ملدم، سماها باسم آخر ذهب عنى، و الاسم الذي ذهب عن الرّاوى من أسماء الحمى، هو أم كلبة، ذكر لى أن أبا عبيدة ذكره فى مقاتل الفرسان، و لم أره، و لكن رأيت البكرى ذكره فى باب أفرده من أسماء البلاد، و لها أيضا اسم سوى هذه الأسماء ذكره ابن دريد فى الجمهرة، قال: سباط، من أسماء الحمّى على وزن‏

____________

(1) ضبط منهب فى السمط بوزن منبر، و يقول البكرى: «و إنما سمى زيد الخيل لكثرة خيله، لأنه لم يكن لأحد من قومه، و لا لكثير من العرب إلا الفرس و الفرسان، و كانت لزيد خيل كثيرة، فالتى ذكر منها فى شعره ستة:

الهطال و الكميت و الورد و الكامل و ذؤل، «و لاحق».

448

..........

____________

رقاش، و أما أم ملدم، فيقال بالدّال، و بالذال و بكسر الميم و فتحها، و هو [من‏] اللدم و هو شدة الضرب، و يحتمل أن يكون أم كلبة هذا الاسم مغيّرا من كلبة بضم الكاف؛ و الكلبة شدّة الرّعدة، و كلب البرد سدائده، فهذه أم كلبة بالهاء، و هى الحمّى، و أما أم كلب، فشجرة لها نور حسن، و هى إذا حرّكت أنتن شي‏ء، و زعم أبو حنيفة أن الغنم إذا مستها لم تستطع أن تقرب الغنم ليلتها تلك من شدّة إنتانها.

خبر زيد فى رواية أخرى:

و ذكر فى خبر زيد الخيل فى رواية أبى على البغدادىّ ما هذا نصّه: خرج نفر من طىّ‏ء يريدون النبيّ (عليه السلام) بالمدينة وفودا، و معهم زيد الخيل، و وزر بن سدوس النّبهانىّ و قبيصة بن الأسود بن عامر بن جوين الجرمىّ، و هو النصرانى، و مالك بن عبد اللّه بن خيبرىّ بن أفلت بن سلسلة و قعين بن خليف الطّريفىّ رجل من جديلة، ثم من بنى بولان، فعقلوا رواحلهم بفناء المسجد، و دخلوا، فجلسوا قريبا من النبيّ- (صلى الله عليه و سلم)- حيث يسمعون صوته، فلما نظر النبيّ- (صلى الله عليه و سلم)- إليهم، قال: إنى خير لكم من العزّى، و لاتها، و من الجمل الأسود الذي تعبدون من دون اللّه، و مما حازت مناع‏ (1)، من كل ضار غير نفّاع، فقام زيد الخيل، فكان من أعظمهم خلقا و أحسنهم وجها و شعرا، و كان يركب الفرس العظيم الطويل‏

____________

(1) فى معجم البكرى: مناع: هضبة فى جبال طى‏ء، أو هو اسم لأجأ، سمى بذلك لامتناعهم فيه من ملوك العرب و العجم.

449

..........

____________

فتخط رجلاه فى الأرض كأنه حمار، فقال له النبيّ (صلى الله عليه و سلم)- و هو لا يعرفه: الحمد للّه الذي أتى بك من سهلك و حزنك، و سهّل قلبك للإيمان، ثم قبض على يده، فقال: من أنت؟ فقال: أنا زيد الخيل بن مهلهل، و أنا أشهد أن لا إله إلّا اللّه، و أنك عبد اللّه و رسوله، فقال له: بل أنت زيد الخير، ثم قال: يا زيد ما خبّرت عن رجل شيئا قطّ إلا رأيته دون ما خبّرت عنه غيرك، فبايعه، و حسن إسلامه، و كتب له كتابا على ما أراد، و أطعمه قرى كثيرة، منها: فيد، و كتب لكل واحد منهم على قومه إلّا وزر بن سدوس، فقال: إنى لأرى رجلا ليملكنّ رقاب العرب، و لا و اللّه لا يملك رقبتى عربىّ أبدا، ثم لحق بالشام، و تنصّر و حلق رأسه، فلما قام زيد من عند النبيّ (صلى الله عليه و سلم)، قال: أى فتى لم تدركه أم كلبة، يعنى: الحمّى، و يقال: بل قال: إن نجا من آجام المدينة، فقال زيد حين انصرف:

أنيخت بآجام المدينة أربعا* * * و عشرا يغنّى فوقها الليل طائر

فلما قضت أصحابها كلّ بغية* * * و خطّ كتابا فى الصحيفة ساطر

شددت عليها رحلها و شليلها* * * من الدّرس و الشّعراء و البطن ضامر

الدّرس: الجرب. و الشّعراء: ذباب. قال أبو الحسن المدائنى فى حديثه:

و أهدى زيد لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) مخذما و الرّسوب، و كانا سيفين لصنم بلى الفلس‏ (1)، فلما انصرفوا قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم):

____________

(1) الفلس بضم الفاء و اللام، أو سكونها أو بفتح الفاء و سكون اللام هو-

450

..........

____________

ما قدم علىّ رجل من العرب يفضّله قومه إلا رأيته دون ما يقال إلا ما كان من زيد، فإن ينج زيد من حمّى المدينة فلأمر ما هو. و قوله:

ألا ربّ يوم لو مرضت لعادنى‏* * * عوائد من لم يبر منهن يجهد

و بعده:

فليت اللّواتى عدننى لم يعدننى‏* * * و ليت اللّواتى غبن عنّى شهّدى‏

قدوم عدى بن حاتم و هو عدىّ بن حاتم بن عبد اللّه بن سعد بن حشرج بن امرئ القيس ابن عدىّ‏ (1) بن ربيعة بن جرول بن ثعل بن عمرو بن الغوث بن طيّئ، يكنى أبا ظريف‏ (2)، و حديث إسلامه صحيح عجيب خرّجه الترمذى، و أخته التي ذكر إسلامها أحسب اسمها سفّانة، لأنى وجدت فى خبر عن امرأة حاتم تذكر فيه من سخائه قالت: فأخذ حاتم عديّا يعلّله من الجوع، و أخذت أنا سفّانة، و لا يعرف لعدىّ ولدا نقرض عقبه، و لحاتم عقب من قبل‏

____________

- صنم طى‏ء الذي بعث النبيّ «ص» عليا لهدمه سنة تسع. و كان آنقا أحمر فى وسط أجأ كأنه تمثال إنسان. و أخذ سيفين مشهورين يقال لهما المخذم و رسوب كان الحارث بن أبى شمر الغسلان؟؟؟ قلده إياهما. أنظر الطبرى ص 177 ج 3 ط المعارف، و لسان العرب مادة خذم و المراصد.

(1) فى إمتاع الأسماع بعد عدى: ابن أخزم بن أبى أخزم بن ربيعة بن ثعل ابن جرول.

(2) فى الإصابة: طريف.

451

..........

____________

عبد اللّه بن حاتم، ذكره القتبىّ، و لا يعرف له بنت إلّا سفّانة، فهى إذا هذه المذكورة فى السيرة و اللّه أعلم، و أم حاتم: عنبة (1) بنت عفيف [بن عمرو (2) ابن عبد القيس‏] كانت من أكرم الناس و هى التي تقول:

لعمرى لقد ما عضّنى الجوع عضّة* * * فآليت ألا أحرم الدّهر جائعا (3)

و السّفّانة: الدّرّة، و بها كان يكنى حاتم.

حديث فروة «معنى قرو».

و ذكر ابن إسحاق حديث فروة و قوله:

طرقت سليمى موهنا أصحابى‏* * * و الروم بين الباب و القروان‏ (4)

القروان: يجوز أن يكون جمع قرو، و هو حوض الماء مثل صنوان،

____________

(1) قال عنها القالى: غنية بنت عفيف بن عمرو بن عبد القيس. و قال البكرى:

و صواب اسمها عنبة .. و قد تصحف فى عامة الكتب بعتبة و غنية. ص 23 ح 3 ط 2 الأمالى و ص 13 ح 3 سمط اللآلى.

(2) الزيادة من الأمالى المكان السابق.

(3) فى الأمالى أ لا أمنع، و قد حجر أهلها عليها لإتلافها ما لها فى الكرم، فلما ظنوا أنها قد وجدت الم ذلك أعطوها صرمة من إبلها، فجاءتها هوازنية فأعطتها إياها، ثم أنشدت هذا البيت، و بعده:

فقولا لهذا اللائم اليوم أعفنى‏* * * فإن أنت لم تفعل فعض الأصابعا

فما ذا عسيتم أن تقولوا لأختكم‏* * * سوى عذلكم أو عذل من كان مانعا

و لا ما ترون الخلق إلا طبيعة* * * فكيف بتركى يا ابن أم الطبائعا

ص 24 ح 3 الأمالى ط 1.

(4) هذا البيت ليس فى السيرة.

452

..........

____________

و يجوز أن يكون جمع: قرىّ مثل صليب و صلبان. و أصحّ ما قيل فى القرو إنّه حويض من خشب تسقى فيه الدّوابّ، و تلغ فيه الكلاب، و فى المثل: ما فيها لا على قرو، أى: (1) ما فى الدار حيوان، و أراد: بلاعى قرو، لاعق قرو، و قلب القاف الأولى ياء للتّضعيف.

إبدال آخر حرف فى اسم الفاعل:

و حسن ذلك أنه اسم فاعل، و قد يبدلون من آخر حرف فى اسم الفاعل ياء، و إن لم يكن ثمّ تضعيف، كقولهم فى الخامس: خاميهم، و فى سادسهم ساديهم، و كذلك إلى العاشر؛ و نحو منه: ما أنشد سيبويه.

و لضفادى جمّه نقانق‏ (2)

أى لضفادع جمّه، و أنشد:

من الثّعالى و وخز من أرانبها (3)

____________

(1) فى الأصل: قروائى.

(2) فى الأصل: جبه. و أول البيت:

و منهل ليس له حوازق‏

و قيل: إن صانع البيت: خلف الأحمر. و الحوازق الجماعات. و الجم: جمع جمة، و هى معظم الماء و مجتمعه ص 344 ح 1 كتاب سيبويه.

(3) البيت لرجل من بنى يشكر. و أوله:

لها أشارير من لحم تتمره‏

و الأشارير: جمع إشرارة و هى القطعة من اللحم يجفف للادخار. و تتمره:

تجففه. و البيت فى وصف عقاب «المصدر السابق».

453

..........

____________

أراد الثعالب و أرانبها، و إذا كان هذا معروفا فلاعي قرو أحقّ أن يقلب آخره ياء كراهة اجتماع قافين.

و ذكر قدوم وفد كندة، و فيه قوله (عليه السلام): لا نقفو أمّنا، و لا ننتفى من أبينا، و فى هذا ما يدل على أن الأشعث قد أصاب فى بعض قوله: نحن و أنت بنو آكل المرار، و ذلك أن فى جدّات النبيّ (صلى الله عليه و سلم) من هى من ذلك القبيل، منهن: دعد بنت سرير بن ثعلبة بن الحارث الكندىّ المذكور، و هى أم كلاب بن مرّة، و قيل: بل هى جدّة كلاب أم أمه هند، و قد ذكر ابن إسحاق هندا هذه، و أنها ولدت كلابا.

قدوم وفد بنى الحارث بن كعب ذكر فيهم يزيد بن عبد المدان، و اسم عبد المدان عمرو بن الدّيّان، و الدّيّان اسمه: يزيد بن قطن بن زياد بن الحارث بن مالك بن ربيعة بن كعب ابن الحارث بن كعب الحارثى.

و ذكر فيهم أيضا ذا الغصّة، و اسمه الحصين بن يزيد بن شدّاد الحارثى، و قيل له: ذو الغصّة، لغصّة كانت فى حلقه لا يكاد يبين منها، و ذكره عمر ابن الخطاب يوما، فقال: لا تزاد امرأة فى صداقها على كذا و كذا، و لو كانت بنت ذى الغصّة.

و ذكر فيهم عمرو بن عبد اللّه الضّبابى، و هو ضباب بكسر الضاد فى بنى الحارث بن كعب بن مذحج، و ضباب أيضا فى قريش و هو ابن حجير

454

..........

____________

ابن عبد بن معيص بن عامر أخو حجر بن عبد، و فى حجر و حجير يقول الشاعر:

أنبئت أنّ غواة من بنى حجر* * * و من حجير بلا ذنب أراغونى‏

أغنوا بنى حجر عنا غواتكم‏* * * و يا حجير إليكم لا تبورونى‏

و الضّباب فى بنى عامر بن صعصعة، و هم ضباب و مضبّ و حسل و حسيل بنو معاوية بن كلاب، و أما الضّباب بالفتح، ففى نسب النابغة الذّبيانىّ ضباب بن يربوع بن غيظ، و أما الضّباب بالضّم فزيد و منجا (1) ابنا ضباب من بنى بكر، ذكره الدّارقطنيّ.

وفود رفاعة:

فصل: و ذكر وفود رفاعة الضبيبى، و أنه أهدى لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) غلاما، و ذلك الغلام هو الذي يقال له: مدعم، وقع ذكره فى الموطأ (2).

و ذكر وفد همدان، و مالك بن نمط الهمدانيّ الذي يقال له ذو المشعار، و كنيته: أبو ثور وقع فى النّسخة، و فى أكثر النّسخ: و أبو ثور بالواو، كأنه غيره، و الصواب سقوط الواو، لأنه هو هو، و قد يخرج إثبات الواو على‏

____________

(1) فى القاموس: و المنجى للمفعول: سيف و اسم.

(2) وقع ذكره أيضا فى الصحيحين من طريق سالم مولى ابن مطيع عن أبى هريرة فى فتح خيبر. و فيه أن مدعما أصابه سهم عائر فقتله.