طرف من الأنباء و المناقب‏

- السيد علي بن موسى بن طاووس المزيد...
640 /
507

قال (عليه السلام): لكنّي لا أرجو و لا من كل مائة اثنين ...

فالكفر مقبل و الردّة و النفاق، بيعة الأوّل، ثمّ الثاني و هو شرّ منه و أظلم، ثمّ الثالث‏

مرّ الكلام عن هذا المعنى في الطّرفة السادسة، عند قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «بيعة الأوّل ضلالة، ثمّ الثاني، ثمّ الثالث». و قد وصف الثلاثة في روايات أهل البيت (عليهم السلام)- التي ذكرنا بعضها و دللنا على البعض الآخر- بالكفر و الردّة و النفاق، و تظافرت الروايات عنهم (عليهم السلام)، بأنّ الناس كانوا بعد وفاة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أهل ردّة إلّا ثلاثة، سلمان و المقداد و أبو ذرّ، ثمّ لحق بهم جماعة آخرون.

ففي اختيار معرفة الرجال (ج 1؛ 38) بسنده عن أبي بصير، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام):

ارتدّ الناس إلّا ثلاثة: أبو ذرّ و سلمان و المقداد؟ قال: فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): فأين أبو ساسان و أبو عمرة الأنصاريّ؟

و فيه (ج 1؛ 26- 32) بسنده عن حنان بن سدير، عن أبيه، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال:

كان الناس أهل ردّة بعد النبي إلّا ثلاثة، فقلت: و من الثلاثة؟ فقال: المقداد بن الأسود و أبو ذرّ الغفاريّ و سلمان الفارسي، ثمّ عرف الناس بعد يسير، قال: هؤلاء الذين دارت عليهم الرحى، و أبوا أن يبايعوا لأبي بكر حتّى جاءوا بأمير المؤمنين (عليه السلام) مكرها فبايع، و ذلك قول اللّه عزّ و جلّ: وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى‏ أَعْقابِكُمْ‏ (1).

و في الكافي (ج 1؛ 420) بسنده عن عبد الرحمن بن كثير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)- في قول اللّه عزّ و جلّ: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً (2) لَنْ تُقْبَلَ‏

____________

(1). آل عمران؛ 144

(2). النساء؛ 136

508

تَوْبَتُهُمْ‏ (1)- قال: نزلت في فلان و فلان، آمنوا بالنبي (صلّى اللّه عليه و آله) في أوّل الأمر، و كفروا حيث عرضت عليهم الولاية- حين قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله): «من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه»- ثمّ آمنوا بالبيعة لأمير المؤمنين (عليه السلام)، ثمّ كفروا حيث مضى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)؛ فلم يقرّوا بالبيعة، ثمّ ازدادوا كفرا بأخذهم من بايعه بالبيعة لهم، فهؤلاء لم يبق فيهم من الإيمان شي‏ء.

و في الكافي أيضا (ج 1؛ 420- 421) بسنده عن الصادق (عليه السلام)- في قول اللّه تعالى:

إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى‏ أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى‏ (2)-: فلان و فلان و فلان، ارتدوا عن الإيمان في ترك ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام).

و في كتاب سليم بن قيس (149- 150): و قال [أي عمر] لأصحابه الأربعة- أصحاب الكتاب-: الرأي و اللّه أن ندفع محمّدا إليهم برمّته، و نسلم من ذلك، حين جاء العدوّ من فوقنا و من تحتنا، كما قال اللّه تعالى: وَ زُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً (3) و ظنّوا بِاللَّهِ الظُّنُونَا (4) و قال‏ الْمُنافِقُونَ وَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَ رَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً (5)، فقال صاحبه: لا و لكن نتخذ صنما عظيما نعبده؛ لأنّا لا نأمن أن يظفر ابن أبي كبشة فيكون هلاكنا، و لكن يكون هذا الصنم؛ لنا ذخرا، فإن ظفرت قريش أظهرنا عبادة هذا الصنم و أعلمناهم أنّا لن نفارق ديننا، و إن رجعت دولة ابن أبي كبشة كنا مقيمين على عبادة هذا الصنم سرّا. و روى هذا الخبر الشيخ حسن بن سليمان الحلي في كتاب المحتضر (58- 59) عن أبان بن أبي عيّاش، عن سليم بن قيس الهلالي، عن أمير المؤمنين (عليه السلام).

و هذه الروايات على التسلسل تصرّح بكفرهم و ردّتهم و نفاقهم، و من شاء المزيد من ذلك فليراجع باب «كفر الثلاثة و نفاقهم و فضائح أعمالهم و قبائح آثارهم و فضل التبري منهم و لعنهم» في المجلد الثامن من بحار الأنوار.

____________

(1). آل عمران: 90.

(2). محمّد؛ 25

(3). الأحزاب؛ 11

(4). الأحزاب؛ 10

(5). الأحزاب؛ 12

509

و أمّا أنّ الثاني أشرّ من الأوّل و أظلم، فمما عليه المحقّقون، و قد أكّدت الروايات بأنّه هو الذي أضلّ الأوّل عن الذكر، كما أنّ الوقائع و الأحداث تدلّ على أنّه كان رأس الحربة في ظلم و إيذاء آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله)، و قد مرّ توثيق كثير من أعماله في الحرق و الضرب و إسقاط الجنين و غيرها من أعماله.

و في معاني الأخبار (412) بسنده عن أبي بصير، قال: سألته (عليه السلام) عمّا روي عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه قال: «إنّ ولد الزنا شرّ الثلاثة»؟ قال (عليه السلام): عنى به الأوسط، إنّه شرّ ممّن تقدّمه و ممّن تلاه.

و في بصائر الدرجات (306- 307) بسنده عن أبي الصخر، قال: أخبرني أبي، عن جدّي، أنّه كان مع أبي جعفر محمّد بن عليّ بمنى و هو يرمي الجمرات، و أنّ أبا جعفر رمى الجمرات، قال: فاستتمّها، ثمّ بقي في يده بعد خمس حصيّات، فرمى اثنتين في ناحية و ثلاث في ناحية، فقال له جدّي، جعلت فداك، لقد رأيتك صنعت شيئا ما صنعه أحد قطّ؛ رأيتك رميت الجمرات، ثمّ رميت بخمسة بعد ذلك؛ ثلاثة في ناحية و اثنتين في ناحية؟

قال (عليه السلام): نعم، إنّه إذا كان كلّ موسم أخرجا- الفاسقين الغاصبين- ثمّ يفرّق بينهما هاهنا، لا يراهما إلّا إمام عدل، فرميت الأوّل اثنتين و الآخر ثلاثة، لأنّ الآخر أخبث من الأوّل.

ثمّ تجتمع لك شيعة تقاتل بهم الناكثين و القاسطين و المارقين.

لقد أمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عليّا (عليه السلام) بقتال الناكثين و القاسطين و المارقين، و ذلك على تأويل القرآن كما قاتل (صلّى اللّه عليه و آله) على تنزيله، و قد مرّ تخريج قول النبي (صلّى اللّه عليه و آله) في عليّ أنّه يقاتل على التأويل كما قاتل (صلّى اللّه عليه و آله) على التنزيل في الطّرفة السادسة، و سنذكر هنا أمره (صلّى اللّه عليه و آله) صريحا بقتال الناكثين و القاسطين و المارقين، و معلوم بالضرورة- مضافا إلى ما تقدّم قبل قليل- اشتراط المقاتلة بوجود الناصر المعين، و وجود شيعة مخلصين يقاتلون مع عليّ (عليه السلام).

ففي نهج البلاغة (ج 1؛ 35- 37): فما راعني إلّا و الناس كعرف الضّبع إليّ، ينثالون عليّ من كلّ جانب، حتّى لقد وطئ الحسنان، و شقّ عطفاي، مجتمعين حولي كربيضة الغنم، فلمّا

510

نهضت بالأمر نكثت طائفة، و مرقت أخرى، و قسط آخرون، كأنّهم لم يسمعوا كلام اللّه حيث يقول: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لا فَساداً وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ‏ (1)، بلى و اللّه، لقد سمعوها و وعوها، و لكنّهم حليت الدنيا في أعينهم، و راقهم زبرجها، أما و الّذي فلق الحبّة، و برأ النسمة، لو لا حضور الحاضر، و قيام الحجّة بوجود الناصر، و ما أخذ اللّه على العلماء أن لا يقاروا على كظّة ظالم، و لا سغب مظلوم، لألقيت حبلها على غاربها، و لسقيت آخرها بكأس أوّلها، و لألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز.

قال أبو الصلاح الحلبي في تقريب المعارف (241) معلّقا على هذه الفقرة: فوصفهم بإيثار الدنيا على الآخرة، على وجه يوجب على المتمكّن من ذلك منعهم بالقهر، و سوّى بينهم و بين المتقدّمين عليه بجعلهم آخرا لأوّلهم، و صرّح باستحقاق الجميع الموافقة على الظلم و إيثار العاجلة، و أنّه (عليه السلام) إنّما أمسك عن أولئك و قاتل هؤلاء؛ لعدم التمكّن هناك؛ لفقد الناصر، و حصوله هاهنا لكثرته، و هذا تصريح منه (عليه السلام) بظلم القوم له.

و في كتاب سليم بن قيس (94) قول النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لعلي (عليه السلام): و ستبقى بعدي ثلاثين سنة، تعبد اللّه، و تصبر على ظلم قريش، ثمّ تجاهد في سبيل اللّه إذا وجدت أعوانا، تقاتل على تأويل القرآن- كما قاتلت على تنزيله- الناكثين و القاسطين و المارقين من هذه الأمّة.

و في أمالي الصدوق (312) بسنده عن المفضل بن عمر، عن أبي عبد اللّه الصادق، عن أبيه، عن جدّه (عليهم السلام)، قال: بلغ أمّ سلمة زوجة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أنّ مولى لها ينتقص عليّا و يتناوله، فأرسلت إليه، فلمّا أن صار إليها قالت له: يا بني بلغني أنّك تنتقص عليّا و تتناوله؟ قال لها:

نعم يا أمّاه، قالت: اقعد ثكلتك أمّك حتّى أحدّثك بحديث سمعته من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، ثمّ اختر لنفسك: إنّا كنّا عند رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) تسع نسوة، و كانت ليلتي، و يومي من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فدخل النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و هو متهلّل، أصابعه في أصابع عليّ (عليه السلام)، واضعا يده عليه، فقال (صلّى اللّه عليه و آله): ...

____________

(1). القصص؛ 83

511

يا أمّ سلمة اسمعي و اشهدي، هذا عليّ بن أبي طالب سيّد المسلمين، و إمام المتّقين، و قائد الغرّ المحجّلين، و قاتل الناكثين و القاسطين و المارقين، قلت: يا رسول اللّه من الناكثون؟

قال: الذين يبايعونه بالمدينة و ينكثون بالبصرة، قلت: من القاسطون؟ قال: معاوية و أصحابه من أهل الشام، قلت: من المارقون؟ قال: أصحاب النهروان، فقال مولى أمّ سلمة:

فرّجت عنّي فرّج اللّه عنك، و اللّه لا سببت عليّا أبدا. و هو في التحصين (606- 607) و أمالي الطوسي (424- 426) و بشارة المصطفى (58- 59) و كشف الغمّة (ج 1؛ 400- 401).

و في المستدرك على الصحيحين (ج 3؛ 139) روى بسنده عن الأصبغ بن نباتة، عن أبي أيّوب الأنصاريّ، قال: سمعت النبي (صلّى اللّه عليه و آله) يقول لعلي بن أبي طالب (عليه السلام): تقاتل الناكثين و القاسطين و المارقين بالطرقات و النهروانات و بالسعفات، قال أبو أيوب: قلت:

يا رسول اللّه مع من نقاتل هؤلاء الأقوام؟ قال: مع عليّ بن أبي طالب.

و في أسد الغابة (ج 4؛ 33) بسنده عن أبي سعيد الخدريّ، قال: أمرنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بقتال الناكثين و القاسطين و المارقين، فقلنا: يا رسول اللّه أمرتنا بقتال هؤلاء، فمع من؟

فقال (صلّى اللّه عليه و آله): مع عليّ بن أبي طالب، معه يقتل عمّار بن ياسر.

و في كنز العمال (ج 8؛ 215) بسنده عن يحيى بن عبد اللّه بن الحسن، عن أبيه، قال: كان عليّ (عليه السلام) يخطب، فقام إليه رجل، فقال: يا أمير المؤمنين ... أخبرنا عن الفتنة، هل سألت عنها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)؟ قال (عليه السلام): نعم، إنّه لمّا نزلت هذه الآية من قول اللّه عزّ و جلّ: الم أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ‏ (1) علمت أنّ الفتنة لا تنزل بنا و رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حي بين أظهرنا، فقلت: ما هذه الفتنة الّتي أخبرك اللّه بها؟ فقال: يا عليّ، إنّ أمّتي سيفتنون من بعدي ....

فقلت: بأبي أنت و أمّي، بيّن لي ما هذه الفتنة الّتي يبتلون بها؟ و على ما أجاهدهم بعدك؟ فقال: إنّك ستقاتل بعدي الناكثة و القاسطة و المارقة، و حلّاهم و سمّاهم رجلا رجلا.

____________

(1). العنكبوت؛ 2

512

و انظر شرح الأخبار (ج 1؛ 141) و الخرائج و الجرائح (115) و المسترشد (296) و كشف اليقين (224، 352) و كفاية الأثر (117، 122) و الخصال (145) و بشارة المصطفى (59، 142) و تفسير القمّي (ج 1؛ 283) و مناقب ابن شهرآشوب (ج 3؛ 147) و الجمل (50، 80) و تقريب المعارف (213) و إثبات الوصيّة (127) و أمالي الطوسي (366، 726) و تفسير العيّاشي (ج 2؛ 84).

و المستدرك للحاكم (ج 3؛ 139) و فرائد السمطين (ج 1؛ 278- 286) و تاريخ بغداد (ج 8؛ 340- 341) و (ج 13؛ 186- 187) و أنساب الأشراف (ج 2؛ 138) و كفاية الطالب (167- 171) و مطالب السئول (61- 63) و أسد الغابة (ج 4؛ 32- 33) و الدرّ المنثور (ج 6؛ 18) و الاستيعاب (ج 3؛ 1117) و ينابيع المودّة (ج 1؛ 79، 128) و (ج 2؛ 59) و تذكرة الخواص (5) و كنوز الحقائق (161) و كنز العمال (ج 6؛ 72، 82، 88، 154، 319، 392) و مناقب الخوارزمي (110) و الرياض النضرة (ج 2؛ 240) و مجمع الزوائد (ج 7؛ 238) و (ج 9؛ 235).

العن المضلّين المصلّين و اقنت عليهم، هم الأحزاب‏

لا شكّ عند المسلمين في جواز لعن البغاة على الإمام العادل، و لا خلاف بين أهل القبلة أنّ الخارج على عليّ (عليه السلام) باعتباره رابع الخلفاء الراشدين يعدّ باغيا، فيجوز لعنه و البراءة منه.

قال الحمويني في فرائد السمطين (ج 1؛ 288): قال الإمام أبو بكر: فنشهد أنّ كلّ من نازع أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) في خلافته فهو باغ، على هذا عهدت مشايخنا.

و روى الشيخ الصدوق في الخصال (607) بسنده عن الإمام الصادق (عليه السلام)، قال: هذه شرائع الدين لمن أراد أن يتمسّك بها و أراد اللّه هداه ... و البراءة من الناكثين و القاسطين و المارقين واجبة، و البراءة من الأنصاب و الأزلام- أئمّة الضلال، و قادة الجور كلّهم؛ أوّلهم و آخرهم- واجبة.

و في أمالي الصدوق (484- 485) بسنده عن الأصبغ بن نباتة، قال: قال‏

513

أمير المؤمنين (عليه السلام) في بعض خطبه: أيّها الناس، اسمعوا قولي و اعتقلوه عنّي؛ فإنّ الفراق قريب ... لقد علم المستحفظون من أصحاب رسول اللّه محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) أنّ الناكثين و القاسطين و المارقين ملعونون على لسان النبي الأمي، و قد خاب من افترى. و مثله في بشارة المصطفى (191).

و في كتاب سليم بن قيس (211) قال أبان: قال سليم: لمّا التقى أمير المؤمنين (عليه السلام) و أهل البصرة يوم الجمل، نادى (عليه السلام) الزبير: يا أبا عبد اللّه، اخرج إليّ، ... فخرج إليه الزبير، فقال (عليه السلام): أين طلحة؟ ليخرج، فخرج طلحة، فقال: نشدتكما اللّه أ تعلمان- و أولو العلم من آل محمّد و عائشة بنت أبي بكر- أنّ أصحاب الجمل و أهل النهروان ملعونون على لسان محمّد (صلّى اللّه عليه و آله)، و قد خاب من افترى.

و في تفسير فرات (141) في تفسير قوله تعالى: وَ لا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ (1) بسنده عن أبي الطفيل، قال: سمعت أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) يقول: لقد علم المستحفظون من أصحاب محمّد (صلّى اللّه عليه و آله)، و عائشة بنت أبي بكر، أنّ أصحاب الجمل و أصحاب النهروان ملعونون على لسان النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، و لا يدخلون الجنّة حتّى يلج الجمل في سمّ الخياط. و انظر تفسير القمّي (ج 1؛ 230) و تفسير العيّاشي (ج 2؛ 21).

و في تفسير القمّي (ج 1؛ 283) بسنده عن الإمام السجاد (عليه السلام) في قوله: وَ إِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَ طَعَنُوا فِي دِينِكُمْ، فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ‏ (2): فإنّها نزلت في أصحاب الجمل، و قال أمير المؤمنين (عليه السلام) يوم الجمل: و اللّه ما قاتلت هذه الفئة الناكثة إلّا بآية من كتاب اللّه عزّ و جلّ؛ يقول اللّه: وَ إِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ‏ (3) ...

الآية. و انظر تفسير العيّاشي (ج 2؛ 83- 85) و شواهد التنزيل (ج 1؛ 275- 276).

و في تفسير فرات (163) بسنده عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام)، قال: قال أمير المؤمنين عليّ ابن أبي طالب: يا معشر المسلمين، فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ‏ (4)، ثمّ‏

____________

(1). الأعراف؛ 40

(2). التوبة؛ 12

(3). التوبة؛ 12

(4). التوبة؛ 12

514

قال: هؤلاء القوم هم و ربّ الكعبة، يعني أهل صفين و البصرة و الخوارج.

و في تفسير العيّاشي (ج 2؛ 84) عن الحسن البصري، قال: خطبنا عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) على هذا المنبر، و ذلك بعد ما فرغ من أمر طلحة و الزبير و عائشة، صعد المنبر فحمد اللّه و أثنى عليه، و صلّى على رسوله، ثمّ قال: أيّها الناس، و اللّه ما قاتلت هؤلاء بالأمس إلّا بآية تركتها في كتاب اللّه، إنّ اللّه يقول: وَ إِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَ طَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ‏ (1)، أما و اللّه لقد عهد إليّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و قال لي: يا عليّ، لتقاتلنّ الفئة الباغية، و الفئة الناكثة، و الفئة المارقة. و انظر مجمع البيان (ج 3؛ 11) و التبيان (ج 5؛ 183) و فيهما: «و كان حذيفة يقول: لم يأت أهل هذه الآية». و قال شيخ الطائفة (رحمه اللّه): «و روي عن أبي جعفر (عليه السلام) أنّها نزلت في أهل الجمل، و روي ذلك عن عليّ (عليه السلام) و عمّار، و غيرهما».

هذا كلّه، مضافا إلى الأحاديث الصريحة الواردة في لعن من يقاتل عليّا (عليه السلام)، و يتقدّمه، و الأحاديث الواردة في لعن الخوارج خصوصا، و أنّهم كلاب أهل النار، كما رواه الطوسي في أماليه (487) بسنده عن عبد اللّه بن أبي أوفى، عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله). و بالجملة فلا شبهة و لا إشكال في جواز بل استحباب- و ربّما الوجوب إذا توقفت البراءة من أعداء اللّه على- لعن الناكثين و القاسطين و المارقين، و مضافا إلى ما تقدّم في لعن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) معاوية و أخاه و أباه في عدّة مواطن.

و قد كان أمير المؤمنين (عليه السلام) إذا صلّى بالناس فقنت في الركعة الثانية، لعن معاوية و عمرو ابن العاص، و أبا الأعور السلمي، و الوليد بن عقبة، و المغيرة بن شعبة، و الضحاك بن قيس، و بسر بن أرطأة، و حبيب بن مسلمة، و أبا موسى الأشعري، و مروان بن الحكم. انظر في ذلك الأصول الستّة عشر (88) و عنه في بحار الأنوار (ج 8؛ 566) و شرح النهج (ج 4؛ 79) و تذكرة الخواص (102) و أمالي الطوسي (725).

____________

(1). التوبة؛ 12

515

و قد تقدّم في الطّرفة الأولى عند قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «و البراءة من الأحزاب تيم و عدي و أميّة و أشياعهم و أتباعهم» ما يتعلق بالموضوع، و إنّهم يسمّون ب «الأحزاب» إمّا حقيقة لتحزّبهم ضد عليّ و أهل البيت (عليهم السلام)، و إمّا مجازا باعتبار أنّ الكثير منهم هم بقيّة الأحزاب الذين قاتلوا رسول اللّه و آذوه و ألّبوا عليه، و يشير إليه هنا قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «هم الأحزاب و شيعتهم» فإنّ الملاك واحد في جميع الخارجين و المقاتلين لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و عليّ و أهل البيت (عليهم السلام).

و نضيف هنا ما في كتاب عليّ (عليه السلام) الّذي أخرجه للناس- كما في المسترشد (426)- و فيه قوله (عليه السلام): ثمّ نظرت في أهل الشام، فإذا هم بقيّة الأحزاب و حثالة الأعراب ... ليسوا من المهاجرين و الأنصار، و لا التابعين بإحسان.

و في الغارات (206) قال (عليه السلام) في هذا الكتاب: ثمّ إنّي نظرت في أهل الشام، فإذا هم أعراب أحزاب، و أهل طمع جفاة طغام، يجتمعون من كلّ أوب، و من كان ينبغي أن يؤدّب و يدرّب، أو يولّى عليه و يؤخذ على يديه، ليسوا من المهاجرين و لا الأنصار.

و في كشف المحجّة (259- 263) قول عليّ (عليه السلام) في كتابه هذا: و قد نزل [طلحة] داران مع شكّاك اليمن، و نصارى ربيعة، و منافقي مضر ... و نظرت إلى أهل الشام، فإذا هم بقيّة الأحزاب، فراش نار، و ذباب طمع، تجمّع من كلّ أوب، ممّن ينبغي أن يؤدّب و يحمل على السنّة، ليسوا من المهاجرين و لا الأنصار، و لا التابعين بإحسان.

و في الإمامة و السياسة (ج 1؛ 176- 178): ثمّ إنّي نظرت بعد ذلك في أهل الشام، فإذا هم أعراب و أحزاب، و أهل طمع، جفاة طغام، تجمّعوا من كلّ أوب، ممّن ينبغي أن يؤدّب، و يولّى عليه، و يؤخذ على يديه، ليسوا من المهاجرين و الأنصار، و لا من التابعين بإحسان ... إنّما تقاتلون الطلقاء و أبناء الطلقاء، ممّن أسلم كرها، و كان لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حربا، أعداء السنّة و القرآن، و أهل الأحزاب و البدع و الأحداث.

و في الخصال (398) بسنده عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، قال: إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لعن أبا سفيان في سبعة مواطن، في كلّهن لا يستطيع إلّا أن يلعنه ... و أنزل اللّه عزّ و جلّ في القرآن آيتين في سورة الأحزاب، فسمّى أبا سفيان و أصحابه كفّارا، و معاوية مشرك‏

516

عدوّ للّه و لرسوله.

و في تطهير الجنان (54) أنّ عليّا قال: «انفروا إلى بقيّة الأحزاب، و انظروا إلى ما قال اللّه و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله)، إنّا نقول: صدق اللّه و رسوله، و يقولون: كذب اللّه و رسوله»، و المراد ببقيّة الأحزاب معاوية؛ لأنّ أبا سفيان كان رئيس الأحزاب المجمع لهم، و معنى «إلى ما قال اللّه ...» انفروا قائلين هذا القول الّذي قاله الصحابة لمّا نفروا إلى الأحزاب مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، لا الّذي قاله المنافقون، قال تعالى حاكيا عن الفريقين: وَ لَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ صَدَقَ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ‏ (1)، و قال تعالى: وَ إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَ رَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً (2).

____________

(1). الأحزاب؛ 22

(2). الأحزاب؛ 12.

517

الطّرفة الخامسة و العشرون‏

روى هذه الطّرفة- عن كتاب الطّرفة- العلّامة المجلسي في بحار الأنوار (ج 22؛ 489- 490) و نقلها- بكلتا روايتيها- مختصرة العلّامة البياضي في الصراط المستقيم (ج 2؛ 93- 94).

و قد روي مضمون الطّرفة كاملا في عدّة مصادر و بعدّة أسانيد، مع اختلافات في المتن و الألفاظ. رواه فرات في تفسيره (392- 394) بسنده عن فاطمة بنت الحسين (عليه السلام)، عن أبيها سيّد الشهداء (عليه السلام)، و روى مثله في تفسيره أيضا (544- 545) بسند آخر عن فاطمة بنت الحسين، عن أبيها (عليه السلام). و رواه الشيخ المفيد في أماليه (351- 353) بسنده عن الأصبغ بن نباتة العبدي، عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، و رواه فرات في تفسيره (394- 395) بسنده عن الأصبغ بن نباتة: أنّ رجلا من بجيلة يكنّى أبا خديجة جاء معه ستّون رجلا إلى عليّ (عليه السلام) في مسجد الكوفة، فسأله أبو خديجة عن سرّ من أسرار رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فأمر (عليه السلام) قنبرا، فأتاه بكتاب ففضّه، و كان فيه مضمون الطّرفة. و رواه الشيخ الصدوق في معاني الأخبار (118) بسنده عن أنس بن مالك، و أنّ عليّا (عليه السلام) أمر الحسن (عليه السلام) أن ينادي بها على المنبر. و رواه شيخ الطائفة الطوسي في أماليه (122- 124) بسنده عن الأصبغ بن نباتة السعدي، عن أمير المؤمنين (عليه السلام). و رواه العلّامة البياضي في الصراط المستقيم (ج 1؛ 242- 243) قائلا:

و قد روينا عن شيخنا زين الدين عليّ بن محمّد التوليني، أنّ الأصبغ بن نباتة دخل على عليّ (عليه السلام) ... ثمّ ساق مضمون الطّرفة.

هذا، مع أنّنا لو أردنا استنتاج هذه المضامين عبر القياس المنطقي، المتألّف من‏

518

صغرى القياس و كبراه، لنتج مضمون الطّرفة بلا كلام، لأنّ كلّ مقدّمات الاستدلال ثابتة عند جميع المسلمين، و المضامين هي:

الأوّل: أ- من ظلم أجيرا أجره فعليه لعنة اللّه.

ب- قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى‏ (1).

فينتج أنّ من ظلم ذوي القربى عليه لعنة اللّه.

الثاني: أ- من توالى غير مواليه فعليه لعنة اللّه.

ب- «من كنت مولاه فعلي مولاه».

فينتج أنّ من توالى غير عليّ (عليه السلام) فعليه لعنة اللّه.

الثالث: أ- من سبّ أبويه فعليه لعنة اللّه.

ب- «أنا و عليّ أبوا المؤمنين».

فينتج أنّ من سبّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و أمير المؤمنين (عليه السلام) فعليه لعنة اللّه.

____________

(1). الشورى؛ 23

519

الطّرفة السادسة و العشرون‏

روى هذه الطرفة- عن كتاب الطّرف،- العلّامة المجلسي في بحار الأنوار (ج 22؛ 2490- 492).

الروايات في وفاة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) كلّها- أو جلّها- متّفقة على حضور الزهراء و الحسنين بعد عليّ (عليهم السلام) عند وفاة النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، و أنّه أوصى عليّا و الزهراء (عليهما السلام) و أسرّ لهما بما لم يسرّ به إلى أحد غيرهما، و الروايات من حيث التفصيل و الجزئيّات مختلفة زيادة و نقيصة، إلّا أنّها متواترة المعنى في أنّ النبي أفضى لهما ببعض الأسرار، و نبّأهما بما سيلقون من بعده، و لهذا كلّه رأينا أن ننقل بعض المرويّات في ذلك و نشير إلى باقي الروايات ليطّلع على التفاصيل من أراد ذلك.

ففي كتاب سليم بن قيس (69- 72) قال سليم: سمعت سلمان الفارسي، قال: كنت جالسا بين يدي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في مرضه الّذي قبض فيه، فدخلت فاطمة (عليها السلام)، فلمّا رأت ما برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) خنقتها العبرة حتّى جرت دموعها على خدّيها، فقال لها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): يا بنيّة، ما يبكيك؟ قالت: يا رسول اللّه، أخشى على نفسي و ولدي الضيعة من بعدك، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و اغرورقت عيناه: يا فاطمة، أو ما علمت أنّا أهل بيت اختار اللّه لنا الآخرة على الدنيا، و أنّه حتم الفناء على جميع خلقه؟! إنّ اللّه تبارك و تعالى اطّلع إلى الأرض اطّلاعة فاختارني منهم فجعلني نبيّا، ثمّ اطّلع إلى الأرض ثانيا فاختار بعلك و أمرني أن أزوّجك إيّاه، و أن أتّخذه أخا و وزيرا و وصيّا، و أن أجعله خليفتي في أمّتي، فأبوك خير

520

أنبياء اللّه و رسله، و بعلك خير الأوصياء و الوزراء، و أنت أوّل من يلحقني من أهلي، ثمّ اطّلع إلى الأرض اطّلاعة ثالثة، فاختارك و أحد عشر رجلا من ولدك و ولد- أخي- بعلك، فأنت سيّدة نساء أهل الجنّة، و ابناك سيّدا شباب أهل الجنّة، و أنا و أخي و الأحد عشر إماما أوصيائي إلى يوم القيامة، كلّهم هاد مهتد ... فاستبشرت فاطمة (عليها السلام) بما قال و فرحت ... ثمّ نظر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إلى فاطمة، و إلى بعلها و إلى ابنيها، فقال: يا سلمان، أشهد اللّه أنّي حرب لمن حاربهم، و سلم لمن سالمهم، أما إنّهم معي في الجنّة، ثمّ أقبل النبي (صلّى اللّه عليه و آله) على عليّ (عليه السلام) فقال: يا عليّ، إنّك ستلقى من قريش شدّة من تظاهرهم عليك و ظلمهم لك، فإن وجدت أعوانا فجاهدهم، و قاتل من خالفك بمن وافقك، فإن لم تجد أعوانا فاصبر و اكفف يدك، و لا تلق بيدك إلى التهلكة، فإنك منّي بمنزلة هارون من موسى، و لك بهارون أسوة حسنة؛ إنّه قال لأخيه موسى‏ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَ كادُوا يَقْتُلُونَنِي‏ (1). و روى هذا الخبر بتفاوت يسير في إكمال الدين (262- 264) بسنده عن سليم بن قيس، و روى فرات في تفسيره (464- 465) قريبا منه بسنده عن عبد اللّه بن عبّاس، عن سلمان. و انظر أمالي الطوسي (154- 155) و إرشاد القلوب (419- 421).

و في أمالي الطوسي (188) بسنده عن عبد اللّه بن العبّاس، قال: لمّا حضرت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) الوفاة بكى حتّى بلت دموعه لحيته، فقيل له: يا رسول اللّه ما يبكيك؟ فقال: أبكي لذرّيّتي، و ما تصنع بهم شرار أمّتي من بعدي، كأنّي بفاطمة ابنتي و قد ظلمت بعدي، و هي تنادي: «يا أبتاه يا أبتاه»، فلا يعينها أحد من أمّتي، فسمعت ذلك فاطمة (عليها السلام) فبكت، فقال لها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): لا تبكين يا بنيّة، فقالت: لست أبكي لما يصنع بي بعدك، و لكن أبكي لفراقك يا رسول اللّه، فقال لها: أبشري يا بنت محمّد بسرعة اللّحاق بي، فإنّك أوّل من يلحق بي من أهل بيتي.

و في كشف الغمّة (ج 1؛ 497- 498) روى جابر بن عبد اللّه الأنصاري، قال: دخلت‏

____________

(1). الأعراف؛ 150

521

فاطمة (عليها السلام) على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و هو في سكرات الموت، فانكبّت عليه تبكي، ففتح عينه و أفاق، ثمّ قال: يا بنيّة، أنت المظلومة بعدي، و أنت المستضعفة بعدي، فمن آذاك فقد آذاني، و من غاظك فقد غاظني، و من سرّك فقد سرّني، و من برّك فقد برّني، و من جفاك فقد جفاني، و من وصلك فقد وصلني، و من قطعك فقد قطعني، و من أنصفك فقد أنصفني، و من ظلمك فقد ظلمني، لأنّك منّي و أنا منك، و أنت بضعة منّي، و روحي الّتي بين جنبي، ثمّ قال:

إلى اللّه أشكو ظالميك من أمّتي.

ثمّ دخل الحسن و الحسين (عليهما السلام)، فانكبّا على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و هما يبكيان و يقولان:

أنفسنا لنفسك الفداء يا رسول اللّه، فذهب عليّ (عليه السلام) لينحّيهما عنه، فرفع (صلّى اللّه عليه و آله) رأسه إليه، ثمّ قال: يا عليّ دعهما يشمّاني و أشمّهما، و يتزوّدان منّي و أتزوّد منهما، فإنّهما مقتولان بعدي ظلما و عدوانا، فلعنة اللّه على من يقتلهما، ثمّ قال: يا عليّ، و أنت المظلوم المقتول بعدي، و أنا خصم لمن أنت خصمه يوم القيامة.

و في أمالي الصدوق (505- 509) بسنده عن ابن عبّاس، قال: لمّا مرض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ... ثمّ قام رسول اللّه فدخل بيت أمّ سلمة، و هو يقول: ربّ سلّم أمّة محمّد من النار و يسّر عليهم الحساب، فقالت أمّ سلمة: يا رسول اللّه، مالي أراك مغموما متغيّر اللّون؟ فقال: نعيت إليّ نفسي هذه الساعة، فسلام لك في الدنيا، فلا تسمعين بعد هذا اليوم صوت محمّد أبدا، فقالت أمّ سلمة: وا حزناه، حزنا لا تدركه الندامة عليك يا محمّداه.

ثمّ قال (صلّى اللّه عليه و آله): ادعي لي حبيبة قلبي و قرّة عيني فاطمة تجي‏ء، فجاءت فاطمة و هي تقول: نفسي لنفسك الفداء، و وجهي لوجهك الوقاء يا أبتاه، أ لا تكلّمني كلمة، فإنّي أنظر إليك و أراك مفارق الدنيا، و أرى عساكر الموت تغشاك شديدا.

فقال لها: يا بنيّة، إنّي مفارقك، فسلام عليك منّي ... ثمّ أغمي على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فدخل بلال و هو يقول: الصلاة رحمك اللّه، فخرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و صلّى بالناس و خفّف الصلاة، ثمّ قال: ادعوا إليّ عليّ بن أبي طالب و أسامة بن زيد، فجاءا فوضع يده على عاتق عليّ (عليه السلام) و الأخرى على أسامة، ثمّ قال: انطلقا بي إلى فاطمة، فجاءا به حتّى وضع‏

522

رأسه في حجرها، فإذا الحسن و الحسين (عليهما السلام) يبكيان و يصطرخان و يقولان: أنفسنا لنفسك الفداء، و وجوهنا لوجهك الوقاء ... فعانقهما و قبّلهما، و كان الحسن أشدّ بكاء، فقال له: كفّ يا حسن فقد شققت على رسول اللّه ...

فروي عن ابن عبّاس: أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في ذلك المرض كان يقول: ادعوا لي حبيبي، فجعل يدعى له رجل بعد رجل فيعرض عنه، فقيل لفاطمة: امضي إلى عليّ، فما نرى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يريد غير عليّ (عليه السلام)، فبعثت فاطمة إلى عليّ (عليه السلام)، فلمّا دخل فتح رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عينيه و تهلّل وجهه، ثمّ قال: إليّ يا عليّ، إليّ يا عليّ، فما زال يدنيه حتّى أخذه بيده و أجلسه عند رأسه، ثمّ أغمي عليه، فجاء الحسن و الحسين (عليهما السلام) يصيحان و يبكيان حتّى وقعا على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فأراد عليّ (عليه السلام) أن ينحّيهما عنه، فأفاق رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، ثمّ قال: يا عليّ، دعني أشمّهما و يشمّاني، و أتزوّد منهما و يتزوّدان منّي، أما إنّهما سيظلمان بعدي، و يقتلان ظلما، فلعنة اللّه على من ظلمهما- يقول ذلك ثلاثا- ثمّ مدّ يده إلى عليّ (عليه السلام)، فجذبه إليه حتّى أدخله تحت ثوبه الّذي كان عليه، و وضع فاه على فيه، و جعل يناجيه مناجاة طويلة، حتّى خرجت روحه الطيّبة، فانسلّ عليّ (عليه السلام) من تحت ثيابه، و قال: أعظم اللّه أجوركم في نبيّكم، فقد قبضه اللّه إليه، فارتفعت الأصوات بالضجّة و البكاء، فقيل لأمير المؤمنين (عليه السلام): ما الّذي ناجاك به رسول اللّه حين أدخلك تحت ثيابه؟ فقال: علّمني ألف باب، يفتح لي كلّ باب ألف باب. و روى هذا الخبر الفتّال النيسابوريّ في روضة الواعظين (72- 75).

و في كفاية الأثر (36- 38) بسنده عن أبي ذرّ الغفاريّ، قال: دخلت على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في مرضه الّذي توفي فيه، فقال: يا أبا ذرّ، ائتني بابنتي فاطمة.

قال: فقمت و دخلت عليها، و قلت: يا سيّدة النسوان، أجيبي أباك، قال: فلبست جلبابها و اتّزرت، و خرجت حتّى دخلت على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فلمّا رأت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) انكبّت عليه و بكت، و بكى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لبكائها، و ضمّها إليه، ثمّ قال: يا فاطمة، لا تبكين فداك أبوك، فأنت أوّل من تلحقين بي، مظلومة مغصوبة، و سوف تظهر بعدي حسيكة النفاق، و يسمل جلباب الدين، و أنت أوّل من يرد عليّ الحوض.

523

قالت: يا أبه، أين ألقاك؟ قال: تلقيني عند الحوض و أنا أسقي شيعتك و محبّيك، و أطرد أعداءك و مبغضيك.

قالت: يا رسول اللّه، فإن لم ألقك عند الحوض؟ قال: تلقيني عند الميزان.

قالت: يا أبه و إن لم ألقك عند الميزان؟ قال: تلقيني عند الصراط، و أنا أقول: سلم سلم شيعة عليّ.

قال أبو ذرّ: فسكن قلبها، ثمّ التفت إليّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فقال: يا أبا ذرّ، إنّها بضعة منّي، فمن آذاها فقد آذاني، ألا إنّها سيّدة نساء العالمين، و بعلها سيّد الوصيين، و ابنيها الحسن و الحسين سيّدا شباب أهل الجنّة، و إنّهما إمامان إن قاما أو قعدا، و أبوهما خير منهما، و سوف يخرج من صلب الحسين (عليه السلام) تسعة من الأئمّة معصومون، قوّامون بالقسط، و منّا مهديّ هذه الأمّة.

و فيه أيضا (124- 126) بسنده عن عمّار بن ياسر، قال: لمّا حضرت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) الوفاة دعا بعلي (عليه السلام) فسارّه طويلا، ثمّ قال: يا عليّ، أنت وصيّي و وارثي، قد أعطاك اللّه علمي و فهمي، فإذا متّ ظهرت لك ضغائن في صدور قوم، و غصبت على حقّك، فبكت فاطمة (عليها السلام)، و بكى الحسن و الحسين (عليهما السلام)، فقال (صلّى اللّه عليه و آله) لفاطمة: يا سيّدة النسوان، ممّ بكاؤك؟

قالت: يا أبه، أخشى الضيعة بعدك، قال: أبشري يا فاطمة، فإنّك أوّل من يلحقني من أهل بيتي، و لا تبكي و لا تحزني، فإنّك سيّدة نساء أهل الجنّة ....

و انظر دخولها على النبي (صلّى اللّه عليه و آله) في مرض موته، و بكائها، و قول النبي: حبيبتي فاطمة ما الّذي يبكيك؟ فقالت: أخشى الضيعة بعدك، ثمّ بشّرها النبي (صلّى اللّه عليه و آله) ببشارات، انظر ذلك في مجمع الزوائد (ج 9؛ 165) و تاريخ دمشق (ج 1؛ 239): و مفتاح النجا (30).

و في مناقب ابن شهرآشوب (ج 1؛ 237) أبو عبد اللّه بن ماجة في السنن، و أبو يعلى الموصلىّ في المسند، قال أنس: كانت فاطمة تقول لمّا ثقل النبي (صلّى اللّه عليه و آله): جبرئيل إلينا ينعاه، يا أبتاه من ربّه ما أدناه، يا أبتاه جنّة الفردوس مأواه، يا أبتاه أجاب ربّا دعاه.

و في المختار من مسند فاطمة الزهراء (153) عن عائشة: أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في مرضه‏

524

الّذي قبض فيه، قال: يا فاطمة، يا بنتي، احني عليّ، فأحنت عليه، فناجاها ساعة، ثمّ انكشفت عنه تبكي، و عائشة حاضرة، ثمّ قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بعد ذلك ساعة: احني عليّ، فأحنت عليه، فناجاها ساعة، ثمّ انكشفت عنه تضحك.

فقالت عائشة: يا بنت رسول اللّه، أخبريني بما ذا ناجاك أبوك؟

قالت (عليها السلام): أو شكت رأيته ناجاني على حال سرّ، ثمّ ظننت أنّي أخبر بسرّه و هو حي؟! فشقّ ذلك على عائشة أن يكون سرّ دونها.

فلمّا قبضه اللّه إليه، قالت عائشة لفاطمة: أ لا تخبريني ذلك الخبر؟

قالت (عليها السلام): أمّا الآن فنعم، ناجاني في المرّة الأولى فأخبرني أنّ جبرئيل كان يعارضه القرآن في كلّ عام مرّة، و أنّه عارضه القرآن العام مرّتين، و أنّه أخبره أنّه لم يكن نبي بعد نبي إلّا عاش نصف عمر الّذي كان قبله، و أنّه أخبرني أنّ عيسى عاش عشرين و مائة سنة، و لا أراني إلّا ذاهب على رأس الستّين، فأبكاني ذلك، و قال: يا بنيّة، إنّه ليس من نساء المؤمنين أعظم رزيّة منك، فلا تكوني أدنى من امرأة صبرا، ثمّ ناجاني في المرّة الأخرى، فأخبرني أنّي أوّل أهله لحوقا به، و قال: إنّك سيّدة نساء أهل الجنّة (كر). و هو رمز لتهذيب تاريخ دمشق لابن عساكر.

فيتّضح من هذه المرويّات و غيرها، المطالب الأساسيّة في هذه الطّرفة، و أنّ عائشة شقّ عليها ما أسرّه النبي (صلّى اللّه عليه و آله) للزهراء (عليها السلام)، و أنّ الزهراء (عليها السلام) أجابتها ببعض ما أخبرها به رسول اللّه ممّا يتعلّق ببكائها و ضحكها- لئلّا يظنّوا بها العمل العبثي و العياذ باللّه كما صرح في روايات أخرى بأنّ عائشة ظنّت ذلك بالزهراء، كما في سنن الترمذيّ (ج 5؛ 361/ الحديث 3964) و المنتقى من إتحاف السائل (97)- و أجملت (عليها السلام) باقي ما أسرّه إليها النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، و أنّ عائشة علمت أنّ ما أسرّه النبي للزهراء يتعلّق بعضه بها و بحفصة و بأبيها و فاروقه.

و بعد ما سردنا من الروايات الّتي فيها إخبار النبي (صلّى اللّه عليه و آله) عند موته للزهراء و عليّ (عليهما السلام) بالظلم الّذي سيحلّ بهم، و وقوع ذلك الظلم بعد وفاته (صلّى اللّه عليه و آله) من قبل الشيخين و ابنتيهما

525

و باقي المتحزّبين، مضافا إلى إخبار النبي (صلّى اللّه عليه و آله) عليّا (عليه السلام) في مواطن شتّى بأسماء الظالمين له و ما سيحلّ به و بأهل البيت، و إخباره للشيخين و عائشة و حفصة بما سيفعلونه، مع تحذيره (صلّى اللّه عليه و آله) لهم من ذلك، بعد كلّ ذلك يبدو جليّا صحّة ما في هذه الطّرفة من إسرار النبي للزهراء بما سيجري عليها و على ولدها كما علمت، و أنّه (صلّى اللّه عليه و آله) بعد ذلك دعا عليّا فأخبره بكلّ ما سيجري، و علّمه ألف باب يفتح من كلّ باب ألف باب.

و انظر ما كان عند وفاة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و بعض ما يتعلّق بالمطلب، فيما مرّ من صدر الطّرفة التاسعة عشر.

فقد أجمع القوم على ظلمكم‏

إن إجماع القوم على ظلم عليّ و أهل بيته (عليهم السلام) ممّا لا يرتاب و لا يشكّ فيه أحد، لتواتر هذا المعنى و كونه من المسلّمات التاريخيّة، و لكنّنا ننقل هنا إخبار النبي (صلّى اللّه عليه و آله) عليّا و أهل البيت (عليهم السلام) بذلك، و في مناسبات شتّى، و خصوصا عند وفاته.

ففي الاحتجاج (ج 1؛ 272- 273) عن الحسن (عليه السلام)، قال: أنشدكم باللّه أ تعلمون أنّه [أي عليّا] دخل على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في مرضه الّذي توفّي فيه، فبكى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فقال عليّ (عليه السلام): ما يبكيك يا رسول اللّه؟ فقال (صلّى اللّه عليه و آله): يبكيني أنّي أعلم أنّ لك في قلوب رجال من أمّتي ضغائن لا يبدونها لك حتّى أتولّى عنك.

و في مناقب ابن شهرآشوب (ج 2؛ 209) عن عليّ (عليه السلام)، قال: بينا أنا و فاطمة و الحسن و الحسين (عليهم السلام) عند رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إذا التفت إليّ فبكى، فقلت: ما يبكيك يا رسول اللّه؟ قال:

أبكي من ضربتك على القرن، و لطم فاطمة خدّها، و طعن الحسن في فخذه و السمّ الّذي يسقاه، و قتل الحسين.

و في كفاية الأثر (124) عن عمّار بن ياسر، قال: لمّا حضرت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) الوفاة دعا بعلي (عليه السلام) فسارّه طويلا، ثمّ قال: يا عليّ، أنت وصيّي و وارثي، و أعطاك اللّه علمي و فهمي، فإذا متّ ظهرت لك ضغائن في صدور القوم، و غصبت على حقّك، فبكت فاطمة

526

و بكى الحسن و الحسين (عليهم السلام) ....

و في تفسير فرات (215) عن عليّ (عليه السلام)، قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ذات يوم: يا عليّ، علمت أنّ جبرئيل أخبرني أنّ أمّتي تغدر بك من بعدي، فويل ثمّ ويل ثمّ ويل لهم ... و انظر في هذا شرح النهج (ج 6؛ 45) و نهج الحقّ (330) و كنز العمال (ج 6؛ 157) و السقيفة و فدك (69) و مناقب ابن شهرآشوب (ج 1؛ 272) و التهاب نيران الأحزان (59) و تفسير فرات (181، 306).

و قد ثبت حديث مرور النبي و عليّ- (صلوات اللّه عليهما)- على الحدائق السبع، و تبشير النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لعلي (عليه السلام) بأنّ له أحسن منها في الجنّة، قال عليّ (عليه السلام): فلمّا خلا له الطريق اعتنقني و أجهش باكيا، فقلت: يا رسول اللّه، ما يبكيك؟ قال: ضغائن في صدور أقوام لا يبدونها لك إلّا بعدي، فقلت: في سلامة من ديني؟ قال: في سلامة من دينك. انظر في هذا نهج الحقّ (330) و كتاب سليم بن قيس (73) و مناقب ابن شهرآشوب (ج 2؛ 121) و تذكرة الخواص (45- 46) و مناقب الخوارزمي (26) و تاريخ بغداد (ج 12؛ 398) و كنز العمال (ج 6؛ 408) و (ج 15؛ 146، 156) و فرائد السمطين (ج 1؛ 152- 153) و تاريخ دمشق (ج 2؛ 327) و مجمع الزوائد (ج 9؛ 118) و المستدرك للحاكم (ج 3؛ 139) و كفاية الطالب (272- 273).

و في ينابيع المودّة (ج 1؛ 134) و (ج 3؛ 98) و أمالي الطوسي (351): ثمّ قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لعلي (عليه السلام): اتّق الضغائن الّتي كانت في صدور قوم لا تظهرها إلّا بعد موتي، أولئك يلعنهم اللّه و يلعنهم اللّاعنون، و بكى (صلّى اللّه عليه و آله)، ثمّ قال: أخبرني جبرئيل أنّهم يظلمونك بعدي، و أنّ ذلك الظلم لا يزول بالكليّة عن عترتنا، حتّى إذا قام قائمهم ....

و في أمالي الصدوق (99) عن ابن عبّاس، لمّا أقبل عليّ (عليه السلام) و رآه النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فبكى، فسأله ابن عبّاس عن سبب بكائه، قال: قال: و إنّي بكيت حين أقبل؛ لأنّي ذكرت غدر الأمّة به بعدي، حتّى إنّه ليزال عن مقعدي و قد جعله اللّه له بعدي، ثمّ لا يزال الأمر به حتّى يضرب على قرنه ضربة تخضب منها لحيته.

527

و في الكافي (ج 8؛ 334)، عن سليم، عن عليّ (عليه السلام): و أخبرني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه لو قبض أنّ الناس يبايعون أبا بكر في ظلّة بني ساعدة بعد ما يختصمون.

و في المسترشد (363) و بشارة المصطفى (220) قول النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لعلي (عليه السلام): أنت المظلوم من بعدي.

و في المسترشد (610) قول النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لعلي (عليه السلام): أما إنّهم سيظهرون لك من بعدي ما كتموا، و يعلنون لك ما أسرّوا.

و في كفاية الأثر (102) قوله (صلّى اللّه عليه و آله) لعليّ (عليه السلام): فإذا متّ ظهرت لك ضغائن في صدور قوم يتمالئون عليك و يمنعونك حقّك.

و قد مرّ ما يتعلّق بظلم عليّ (عليه السلام) في الطّرفة الرابعة عشر، عند قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «يا عليّ توفي ...

على الصبر منك و الكظم لغيظك على ذهاب حقّك».

يا عليّ إنّي قد أوصيت ابنتي فاطمة بأشياء، و أمرتها أن تلقيها إليك، فأنفذها، فهي الصادقة الصدوقة

انظر ما مرّ في الطّرفة التاسعة عشر من قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «يا عليّ انفذ لما أمرتك به فاطمة، فقد أمرتها بأشياء أمرني بها جبرئيل».

أما و اللّه لينتقمن اللّه ربّي و ليغضبنّ لغضبك، ثمّ الويل ثمّ الويل ثمّ الويل للظالمين‏

انظر ما مرّ في الطّرفة التاسعة عشر من قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «و اعلم يا عليّ أنّي راض عمّن رضيت عنه ابنتي فاطمة، و كذلك ربّي و ملائكته» و قوله (صلّى اللّه عليه و آله) بعده: «ويل لمن ظلمها».

لقد حرّمت الجنّة على الخلائق حتّى أدخلها، و إنّك لأوّل خلق اللّه يدخلها، كاسية حالية ناعمة

مرّ في الطّرفة السادسة ما يتعلّق بدخول أهل البيت الجنّة قبل الخلائق، و ذلك عند

528

قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «و تشهدون أنّ الجنّة حقّ، و هي محرّمة على الخلائق حتّى أدخلها أنا و أهل بيتي»، و نذكر هنا بعض الروايات الّتي خصّت الزهراء (عليها السلام) بأنّها أوّل من يدخل الجنّة.

ففي ميزان الاعتدال (ج 2؛ 131) ذكر حديثا صحيحا، بسند عن أبي هريرة، قال:

قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): أوّل شخص يدخل الجنّة فاطمة (عليها السلام)، قال: خرّجه أبو صالح المؤذّن في مناقب فاطمة. و رواه ابن حجر في لسان الميزان (ج 4؛ 16/ الحديث 34) و (ج 3؛ 237/ الحديث 1052).

و في كنز العمال (ج 6؛ 219) أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: إنّ أوّل شخص يدخل الجنّة فاطمة بنت محمّد (صلّى اللّه عليه و آله)، و مثلها في هذه الأمّة مثل مريم في بني إسرائيل، و قال: أخرجه أبو الحسن أحمد بن ميمون في كتاب «فضائل عليّ» (عليه السلام)، و الرافعي عن بدل بن المحبّر، عن عبد السّلام بن عجلان، عن أبي يزيد المدني، يعني عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله).

و في ينابيع المودّة (ج 2؛ 84) أبو هريرة، رفعه: إنّ أوّل من يدخل الجنّة فاطمة بنت محمّد (صلّى اللّه عليه و آله)، مثلها في هذه الأمّة مثل مريم بنت عمران في بني إسرائيل. و رواه الخوارزمي في مقتل الحسين (ج 1؛ 76) بإسناده عن أبي هريرة.

و يبقي أن نذكر بعض ما يتعلّق بدخولها الجنّة كاسية حالية ناعمة. ففي دلائل الإمامة (58) بسنده عن عليّ بن موسى، قال: حدّثني أبي موسى بن جعفر، قال:

حدّثني أبي جعفر بن محمّد، قال: حدّثني أبي محمّد بن عليّ، قال: حدّثني أبي عليّ بن الحسين، قال: حدّثني أبي الحسين بن عليّ، قال: حدّثني أبي عليّ بن أبي طالب (عليهم السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): تحشر ابنتي فاطمة عليها حلّة الكرامة، قد عجنت بماء الحيوان، تنظر إليها الخلائق فيتعجّبون منها، ثمّ تكسى حلّة من حلل الجنّة، و هي ألف حلّة، مكتوب على كلّ حلّة بخطّ أخضر «أدخلوا ابنة محمّد الجنّة على أحسن صورة و أحسن كرامة و أحسن منظر»، فتزفّ إلى الجنّة كما تزفّ العروس، و يوكّل بها سبعون ألف جارية. و رواه ابن المغازلي في مناقبه (402) بسنده عن الرضا، عن آبائه (عليهم السلام)، و رواه أيضا بسنده عن الرضا (عليه السلام) الخوارزمي في مقتل الحسين (ج 1؛ 52) و المحبّ الطبريّ في ذخائر العقبى (48)

529

و قال: «خرّجه عليّ بن موسى الرضا (عليهما السلام)»، و القندوزيّ في ينابيع المودّة (ج 2؛ 24- 25) و ابن حجر في لسان الميزان (ج 2؛ 417).

و في مستدرك الحاكم (ج 3؛ 161) بسنده عن أبي جحيفة، عن عليّ (عليه السلام)، قال:

قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله): إذا كان يوم القيامة، قيل: يا أهل الجمع، غضّوا أبصاركم حتّى تمرّ فاطمة بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فتمرّ و عليها ريطتان خضراوان. و رواه الهيثمي في مجمع الزوائد (ج 9؛ 212) و البدخشي في مفتاح النجا (153) و ابن الأثير في أسد الغابة (ج 5؛ 523) و المحبّ الطبريّ في ذخائر العقبى (48).

و في تفسير فرات (269) بسنده عن الصادق، عن أبيه (عليهما السلام)، قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله):

إذا كان يوم القيامة نادى مناد من بطنان العرش: يا معشر الخلائق، غضّوا أبصاركم حتّى تمرّ بنت حبيب اللّه إلى قصرها، فاطمة ابنتي، فتمرّ و عليها ريطتان خضراوان، حواليها سبعون ألف حوراء ....

و في كشف الغمّة (ج 1؛ 496- 497): روى الزهريّ، عن عليّ بن الحسين (عليهما السلام)، قال:

قال عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) لفاطمة (عليها السلام): سألت أباك فيما سألت أين تلقينه يوم القيامة؟ قالت:

نعم، قال لي: اطلبيني عند الحوض، قلت: إن لم أجدك هاهنا؟ قال: تجديني إذا مستظلا بعرش ربّي، و لن يستظلّ به غيري، قالت فاطمة: فقلت: يا أبه، أهل الدنيا يوم القيامة عراة؟

فقال: نعم يا بنيّة، فقلت له: و أنا عريانة؟ قال: نعم، و أنت عريانة، و إنّه لا يلتفت فيه أحد إلى أحد، قالت فاطمة: فقلت له: وا سوأتاه يومئذ من اللّه عزّ و جلّ، فما خرجت حتّى قال لي:

هبط عليّ جبرئيل الروح الأمين، فقال لي: يا محمّد، أقرئ فاطمة السلام، و أعلمها أنّها استحيت من اللّه تبارك و تعالى، فاستحى اللّه منها، فقد وعدها أن يكسوها يوم القيامة حلّتين من نور، قال عليّ (عليه السلام): فقلت لها: فهلّا سألتيه عن ابن عمّك؟ فقالت: قد فعلت، فقال:

إنّ عليّا أكرم على اللّه عزّ و جلّ من أن يعريه يوم القيامة.

530

إنّ الحور العين ليفخرنّ بك، و تقرّبك أعينهنّ، و يتزيّنّ لزينتك.

في دلائل الإمامة (57) بسنده عن عليّ بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جدّه عليّ بن الحسين، عن أبيه الحسين بن عليّ، عن جدّه عليّ ابن أبي طالب (عليهم السلام)، عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، قال: إذا كان يوم القيامة نادى مناد: يا معشر الخلائق، غضّوا أبصاركم، و نكّسوا رءوسكم، حتّى تمرّ فاطمة بنت محمّد، فتكون أوّل من يكسى، و تستقبلها من الفردوس اثنا عشر ألف حوراء، و خمسون ألف ملك، على نجائب من الياقوت ...

حتّى يجوزوا بها الصراط، و يأتوا بها الفردوس، فيتباشر بمجيئها أهل الجنان، فتجلس على كرسي من نور، و يجلسون، حولها، و هي جنّة الفردوس.

و في تفسير فرات (269) بسنده عن الصادق، عن أبيه (عليهما السلام)، قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله):

إذا كان يوم القيامة نادى مناد من بطنان العرش: يا معاشر الخلائق، غضّوا أبصاركم حتّى تمرّ بنت حبيب اللّه إلى قصرها، فاطمة ابنتي، فتمرّ و عليها ريطتان خضراوان، حواليها سبعون ألف حوراء.

و في دلائل الإمامة (50) بسنده عن أبي أيّوب الأنصاري، قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): إذا كان يوم القيامة نادى مناد من بطنان العرش: يا أهل الجمع، نكّسوا رءوسكم، و غضّوا أبصاركم، حتّى تمرّ فاطمة بنت محمّد على الصراط، قال: فتمرّ و معها سبعون ألف جارية من الحور كالبرق الخاطف.

و في مناقب ابن شهرآشوب (ج 3؛ 326): السمعانيّ في «الرسالة القواميّة»، و الزعفراني في «فضائل الصحابة»، و الأشنهي في «اعتقاد أهل السنّة»، و العكبريّ في «الإبانة»، و أحمد في «الفضائل»، و ابن المؤذن في «الأربعين» بأسانيدهم عن الشعبي، عن أبي جحيفة، و عن ابن عبّاس و الأصبغ، عن أبي أيّوب، و قد روى حفص بن غياث، عن القزويني، عن عطاء، عن أبي هريرة، كلّهم عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، قال: إذا كان يوم القيامة و وقف الخلائق بين يدي اللّه تعالى، نادى مناد من وراء الحجاب: أيّها الناس، غضّوا أبصاركم، و نكّسوا رءوسكم؛ فإنّ فاطمة بنت محمّد تجوز على الصراط، و في حديث‏

531

أبي أيوب: فيمرّ معها سبعون جارية من الحور العين كالبرق اللّامع. و هو في ينابيع المودّة (ج 2؛ 24) عن أبي أيّوب الأنصاريّ. و رواه الطبريّ في دلائل الإمامة (56- 57) بسنده عن الأصبغ بن نباتة، عن أبي أيّوب الأنصاريّ.

و في كشف الغمّة (ج 1؛ 457): ابن عرفة، عن رجاله، يرفعه إلى أبي أيّوب الأنصاريّ، قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): إذا كان يوم القيامة نادى مناد من بطنان العرش: يا أهل الجمع، نكّسوا رءوسكم، و غضّوا أبصاركم، حتّى تجوز فاطمة (عليها السلام) على الصراط، فتمرّ و معها سبعون ألف جارية من الحور العين.

و روى ابن حجر الهيثمي في الصواعق المحرقة (113) بإسناده عن أبي أيّوب، أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قال: إذا كان يوم القيامة، نادى مناد من بطنان العرش: يا أهل الجمع، نكّسوا رءوسكم، و غضّوا أبصاركم، حتّى تمرّ فاطمة بنت محمّد على الصراط، فتمرّ مع سبعين ألف جارية من الحور العين كمرّ البرق. و رواه الخوارزمي في مقتل الحسين (ج 1؛ 55).

إنّك لسيّدة من يدخلها من النّساء

انظر ما مرّ في الطّرفة التاسعة عشر من قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «هذه و اللّه سيّدة نساء أهل الجنّة من الأوّلين و الآخرين، هذه و اللّه مريم الكبرى».

يا جهنّم، يقول لك الجبّار: اسكني- بعزّتي- و استقرّي حتّى تجوز فاطمة بنت محمّد إلى الجنان.

لم نعثر على نصّ بهذا الخصوص، و إنّما ورد النصّ من طرق الفريقين بأنّ الباري عزّ و جلّ يأمر الخلائق بأن يغضوا أبصارهم و ينكّسوا رءوسهم لتجوز فاطمة على الصراط إلى الجنان، و قد ذكرنا بعضها آنفا، و انظره أيضا في مناقب ابن المغازلي (355- 356) و مستدرك الحاكم (ج 3؛ 153) و ميزان الاعتدال (ج 2؛ 382/ الحديث 4160) و لسان الميزان (ج 3؛ 237) و أسد الغابة (ج 5؛ 523) و تذكرة الخواص (310)

532

و الفصول المهمة (145، 147) و كنز العمال (ج 6؛ 216) و الصواعق المحرقة (113) و ذخائر العقبى (48) و تاريخ بغداد (ج 8؛ 141- 142) و ينابيع المودّة (ج 2؛ 8، 24، 85، 135) و أمالي المفيد (130) و أمالي الصدوق (25) و تفسير فرات (299، 438، 443).

لكنّ النصّ ورد بأنّ نور عليّ (عليه السلام) يطفئ لهيب جهنّم، ففي تفسير القمّي (ج 2؛ 326) بسنده عن ابن سنان، عن الصادق (عليه السلام) في حديث طويل، فيه: فيقبل عليّ (عليه السلام) و معه مفاتيح الجنّة و مقاليد النار، حتّى يقف على شفير جهنّم، و يأخذ زمامها بيده، و قد علا زفيرها، و اشتدّ حرّها، و كثر شررها، فتنادي جهنّم: يا عليّ، جزني، قد أطفأ نورك لهبي، فيقول لها عليّ (عليه السلام): قرّي يا جهنّم، ذري هذا وليّي، و خذي هذا عدوّي.

و في فرائد السمطين (ج 1؛ 107- 108) بسنده عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): ... ثمّ يرجع مالك، فيقبل عليّ و معه مفاتيح الجنّة و مقاليد النار، حتّى يقف على عجرة جهنّم، و قد تطاير شرارها و علا زفيرها، و اشتدّ حرّها، و عليّ آخذ بزمامها، فتقول له جهنّم: جزني يا عليّ، فقد أطفأ نورك لهبي، فيقول لها عليّ (عليه السلام): «قرّي يا جهنّم، خذي هذا و اتركي هذا، خذي هذا عدوّي، و اتركي هذا وليي»، فلجهنّم يومئذ أشدّ مطاوعة لعلي من غلام أحدكم لصاحبه، فإن شاء يذهبها يمنة و إن شاء يذهبها يسرة، و لجهنّم يومئذ أشدّ مطاوعة لعلي فيما يأمرها به من جميع الخلائق.

و نقله عن الحمويني، القندوزيّ في ينابيع المودّة (ج 1؛ 82)، ثمّ قال: «أخرج هذا الحديث صاحب كتاب المناقب، عن جعفر الصادق، عن آبائه (عليهم السلام)»، و نقله عن أبي سعيد الخدريّ، الفتال النيسابوريّ في روضة الواعظين (114) و رواه الصدوق في معاني الأخبار (117) بسنده عن أبي سعيد الخدريّ.

فإذا أخذنا هذا المطلب، و علمنا أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و عليّا و فاطمة و الحسنين (عليهم السلام) كلّهم من نور واحد- كما في مائة منقبة لابن شاذان: 63 و غيره- ثبت أنّ نور الزهراء (عليها السلام) يخمد و يطفئ نار جهنّم بإذن اللّه تعالى و أمره.

533

ليدخل حسن و حسين، حسن عن يمينك، و حسين عن يسارك‏

مرّ دخلوهم الجنّة في ظل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و عليّ (عليه السلام) يتقدّمهم بلواء الحمد، في الطّرفة السادسة، عند قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «و تشهدون أنّ الجنّة حقّ، و هي محرّمة على الخلائق حتّى أدخلها أنا و أهل بيتي».

و لواء الحمد مع عليّ بن أبي طالب أمامي‏

في مناقب ابن شهرآشوب (ج 3؛ 229) بالإسناد عن جابر بن عبد اللّه، قال: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: أوّل من يدخل الجنّة بين يدي النبيّين و الصدّيقين عليّ بن أبي طالب، فقام إليه أبو دجانة، فقال له: أ لم تخبرنا أنّ الجنّة محرّمة على الأنبياء حتّى تدخلها أنت، و على الأمم حتّى تدخلها أمّتك؟ قال: بلى، و لكن أ ما علمت أنّ حامل لواء الحمد أمامهم، و عليّ بن أبي طالب حامل لواء الحمد يوم القيامة بين يدي، يدخل الجنّة و أنا على أثره الخبر.

و في أمالي الصدوق (266) بسنده عن مخدوج بن زيد الذهلي: أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) آخى بين المسلمين، ثمّ قال: يا علي أنت أخي، و أنت منّي بمنزلة هارون من موسى غير أنّه لا نبي بعدي، أ ما علمت يا عليّ أنّه أوّل من يدعى به يوم القيامة يدعى بي، فأقوم عن يمين العرش، فأكسى حلّة خضراء من حلل الجنّة ... ثمّ أبشّرك يا عليّ، أنّ أوّل من يدعى يوم القيامة يدعى بك، هذا لقرابتك منّي و منزلتك عندي فيدفع إليك لوائي، و هو لواء الحمد، فتسير به بين السماطين، و إنّ آدم و جميع من خلق اللّه يستظلون بظلّ لوائي يوم القيامة، و طوله مسيرة ألف سنة، سنانه ياقوتة حمراء، قصبه فضّة بيضاء، زجّه درّة خضراء له ثلاث ذوائب من نور، ذؤابة في المشرق و ذؤابة في المغرب و ذؤابة في وسط الدنيا، مكتوب عليها ثلاثة أسطر: الأوّل «بسم اللّه الرحمن الرحيم»، و الآخر «الحمد للّه ربّ العالمين» و الثالث «لا إله إلّا اللّه محمّد رسول اللّه»، طول كلّ سطر مسيرة ألف سنة، و عرضه مسيرة ألف سنة، فتسير باللواء، و الحسن عن يمينك، و الحسين عن يسارك، حتّى تقف بيني و بين إبراهيم في ظلّ العرش، فتكسى حلّة خضراء من حلل الجنّة، ثمّ ينادي مناد من عند العرش: «نعم الأب‏

534

أبوك إبراهيم، و نعم الأخ أخوك عليّ»، ألا و إنّي أبشّرك يا عليّ، أنّك تدعى إذا دعيت، و تكسى إذا كسيت، و تحيّى إذا حيّيت. و رواه المحبّ الطبريّ في الرياض النضرة (ج 2؛ 201) و ذخائر العقبى (75).

و في الخصال (582- 583) بسنده عن مجاهد، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله):

أتاني جبرئيل و هو فرح مستبشر، فقلت: حبيبي جبرئيل- مع ما أنت فيه من الفرح- ما منزلة أخي و ابن عمّي عليّ بن أبي طالب عند ربّه؟ فقال: و الّذي بعثك بالنبوّة و اصطفاك بالرسالة، ما هبطت في وقتي هذا إلّا لهذا، يا محمّد، اللّه الأعلى يقرئ عليكما السلام، ... قال:

ثمّ قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): إذا كان يوم القيامة يأتيني جبرئيل و معه لواء الحمد، و هو سبعون شقّة، الشقّة منه أوسع من الشمس و القمر، و أنا على كرسي من كراسي الرضوان، فوق منبر من منابر القدس، فآخذه و أدفعه إلى عليّ بن أبي طالب.

فوثب عمر بن الخطّاب، فقال: يا رسول اللّه، و كيف يطيق عليّ حمل اللواء و قد ذكرت أنّه سبعون شقّة، الشقّة منه أوسع من الشمس و القمر؟!

فقال النبي (صلّى اللّه عليه و آله): إذا كان يوم القيامة يعطي اللّه عليّا من القوّة مثل قوّة جبرئيل، و من النور مثل نور آدم، و من الحلم مثل حلم رضوان، و من الجمال مثل جمال يوسف، و من الصوت ما يداني صوت داود، و لو لا أن يكون داود خطيبا في الجنان لأعطي مثل صوته، و إنّ عليّا أوّل من يشرب من السلسبيل و الزنجبيل، لا يجوز لعلي قدم على الصراط إلّا و ثبتت له مكانها أخرى، و إنّ لعلي و شيعته من اللّه مكانا يغبطه به الأوّلون و الآخرون.

و هذه الرواية في إرشاد القلوب (292) و مناقب ابن شهرآشوب (ج 3؛ 229) و روضة الواعظين (109).

و انظر تفسير فرات (366، 437، 506) و روضة الواعظين (113، 123) و أمالي الصدوق (59، 99، 231، 252، 266، 272، 312، 356) و مناقب ابن شهرآشوب (ج 3؛ 228، 231، 262) و بشارة المصطفى (21، 54- 55، 59، 100، 126) و مناقب الخوارزمي (84، 206، 258- 260) و كشف اليقين (170) و المسترشد (362) و أمالي الطوسي‏

535

(35، 209، 258، 345، 425) و تفسير القمّي (ج 2؛ 379) و تفسير العيّاشي (ج 2؛ 116) و الخصال (204 و 416) و اليقين (150، 157، 163، 181، 219، 426، 440، 442، 479) و التحصين (572، 607) و الاحتجاج (48) و أمالي المفيد (168، 272).

و كنز العمال (ج 6؛ 393، 400) و تذكرة الخواص (5، 21) و مناقب ابن المغازلي (43، 151- 152) و الرياض النضرة (ج 2؛ 201، 203) و مقتل الحسين للخوارزمي (ج 1؛ 84) و ينابيع المودّة (ج 1؛ 79، 123) و (ج 2؛ 34، 58، 138، 140) و مناقب الخوارزمي (209، 227، 259) و منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد (ج 5؛ 50) و فرائد السمطين (ج 1؛ 87) و تاريخ دمشق (ج 2؛ 333/ الحديث 836) و تاريخ بغداد (ج 11؛ 112- 113).

يكسى إذا كسيت، و يحلّى إذا حلّيت‏

لقد روى الأثبات من رواة و علماء الفريقين، هذه الكرامة لعلي بن أبي طالب (عليه السلام)، يوم القيامة، و قد جاء حديث النبي (صلّى اللّه عليه و آله) هذا باللّفظ المذكور، و بلفظ «و تحيّى إذا حيّيت» و «تحبى إذا حبيت»؛ مرّ بعض هذا المطلب في ضمن الطّرفة السادسة، عند قوله (صلّى اللّه عليه و آله):

«و تشهدون أنّ الجنّة حقّ، و هي محرّمة على الخلائق حتّى أدخلها أنا و أهل بيتي»، كما مرّ بعضه آنفا في قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «و لواء الحمد مع عليّ بن أبي طالب أمامي».

و في الخصال (362) بسنده عن عمّار بن ياسر، و عن جابر بن عبد اللّه، قالا: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لعلي (عليه السلام): ... أ ما علمت يا عليّ أنّ إبراهيم موافينا يوم القيامة، فيدعى فيقام عن يمين العرش، فيكسى كسوة الجنّة، و يحلّى من حليّها، و يسيل له ميزاب من ذهب من الجنّة، فيهب من الجنّة ما هو أحلى من الشهد، و أبيض من اللّبن، و أبرد من الثلج، و أدعى أنا فأقام عن شمال العرش، فيفعل بي مثل ذلك، ثمّ تدعى أنت يا عليّ، فيفعل بك مثل ذلك، أ ما ترضى يا عليّ أن تدعى إذا دعيت أنا، و تكسى إذا كسيت أنا، و تحلّى إذا حلّيت أنا ....

و فيه أيضا (342) بسنده عن الصادق، عن أبيه، عن جدّه، عن عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)،

536

عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه قال في وصيّته له: يا عليّ، إنّ اللّه تبارك و تعالى أعطاني فيك سبع خصال:

أنت أوّل من ينشقّ عنه القبر معي، و أنت أوّل من يقف على الصراط معي، و أنت أوّل من يكسى إذا كسيت و يحيّى إذا حيّيت، و أنت أوّل من يسكن معي في علّيين، و أنت أوّل من يشرب معي من الرحيق المختوم الّذي ختامه مسك.

و في الرياض النضرة (ج 2؛ 201) بسنده عن مخدوج بن زيد الذهلي، أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قال لعلي (عليه السلام): أ ما علمت يا عليّ أنّه أوّل من يدعى به يوم القيامة أنا، فأقوم عن يمين العرش في ظلّه، فأكسى حلّة خضراء من حلل الجنّة ... ثمّ تكسى حلّة من الجنّة، ثمّ ينادي مناد من تحت العرش: «نعم الأب أبوك إبراهيم، و نعم الأخ أخوك عليّ»، أبشر يا عليّ، إنّك تكسى إذا كسيت، و تدعى إذا دعيت، و تحبى إذا حبيت. قال: أخرجه أحمد في المناقب.

و انظر الكافي (ج 1؛ 196- 197) و بصائر الدرجات (220- 221) و الاحتجاج (140) و أمالي الصدوق (86، 266) و تفسير القمّي (ج 2؛ 337) و تفسير فرات (181) و أمالي الطوسي (206) و كشف اليقين (281) و روضة الواعظين (123) و تقريب المعارف (183) و مناقب ابن شهرآشوب (ج 2؛ 155، 185) و مناقب ابن المغازلي (42، 43، 152) و مناقب الخوارزمي (84) و تذكرة الخواص (21، 75) و ينابيع المودّة (ج 1؛ 142) و (ج 2؛ 34، 139) و ذخائر العقبى (75) و الرياض النضرة (ج 2؛ 202) و كنز العمال (ج 6؛ 403).

و ليندمنّ قوم ابتزّوا حقّك، و قطعوا مودّتك، و كذبوا عليّ، و ليختلجنّ دوني، فأقول: أمّتي أمّتي، فيقال: إنّهم بدّلوا بعدك و صاروا إلى السعير

حديث الحوض و ارتداد الصحابة من الأحاديث الصحيحة الّتي وردت في كتب الفريقين من المسلمين، بل هو متواتر معنى، و قد خرّج في صحاح و مسانيد العامّة و الخاصة.

ففي كتاب سليم بن قيس (92- 93): قال سلمان: فقال عليّ (عليه السلام): إنّ الناس كلّهم ارتدّوا بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) غير أربعة، إنّ الناس صاروا بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بمنزلة هارون و من تبعه،

537

و منزلة العجل و من تبعه، فعلي في شبه هارون، و عتيق في شبه العجل، و عمر في شبه السامريّ، و سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: ليجيئن قوم من أصحابي من أهل العليّة و المكانة ليمرّوا على الصراط، فإذا رأيتهم و رأوني، و عرفتهم و عرفوني، اختلجوا دوني، فأقول: أي ربّ أصحابي!! فيقال: ما تدري ما أحدثوا بعدك، إنّهم ارتدّوا على أدبارهم حيث فارقتهم، فأقول: بعدا و سحقا.

و في أمالي المفيد (37- 38) بسنده عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، قالت: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: إنّي على الحوض أنظر من يرد عليّ منكم، و ليقطعنّ برجال دوني، فأقول: يا ربّ أصحابي أصحابي، فيقال: إنّك لا تدري ما عملوا بعدك، إنّهم ما زالوا يرجعون على أعقابهم القهقرى.

و في صحيح البخاري (ج 4؛ 94)/ باب الحوض من كتاب الرقاق، بسنده عن أبي هريرة، عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: بينما أنا قائم فإذا زمرة، حتّى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني و بينهم، فقال: هلمّ، فقلت: أين؟ قال: إلى النار و اللّه، قلت: و ما شأنهم؟ قال: إنّهم ارتدّوا بعدك على أدبارهم القهقرى .... فلا أراه يخلص منهم إلّا مثل همل النعم.

و أخرج في آخر الباب المذكور، عن أسماء بنت أبي بكر، قالت: قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله): إنّي على الحوض حتّى أنظر من يرد عليّ منكم، و سيؤخذ ناس دوني، فأقول: يا ربّ منّي و من أمّتي!! فيقال: هل شعرت ما عملوا بعدك؟! و اللّه ما برحوا يرجعون على أعقابهم، فكان ابن مليكه يقول: اللّهمّ إنّا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا أو نفتن عن ديننا.

و في الاستيعاب (ج 1؛ 163) بسنده عن سهل بن سعد، قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): أنا فرطكم على الحوض، من مرّ عليّ شرب، و من شرب لم يظمأ أبدا، و ليردنّ عليّ أقوام أعرفهم و يعرفونني، ثمّ يحال بيني و بينهم.

قال أبو حازم: فسمعني النعمان بن أبي عيّاش، فقال: هكذا سمعت من سهل؟ قلت: نعم، قال: فإنّي أشهد على أبي سعيد الخدريّ، سمعته و هو يزيد فيها: فأقول: إنّهم أمّتي!! فيقال:

إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: فسحقا سحقا لمن غيّر بعدي.

538

و انظر ارتدادهم و تبديلهم و إحداثهم في صحيح البخاريّ (ج 4؛ 154/ كتاب الفتن) و صحيح مسلم (ج 4؛ 1793، 1800، 2195) و الطرائف (ج 2؛ 377) عن الجمع بين الصحيحين، و الفتح الكبير للنبهاني (ج 1؛ 455) و الجمع بين الصحيحين (ج 2؛ 376) و مسند أحمد (ج 1؛ 235، 253، 258، 390، 424) و (ج 2؛ 54، 231) و (ج 3؛ 391، 392) و أضواء على السنّة المحمّديّة (355) و دلائل الصدق (ج 2؛ 11) و الاستيعاب (ج 1؛ 164).

539

الطّرفة السابعة و العشرون‏

روى هذه الطّرفة- عن كتاب الطّرف- العلّامة المجلسي في بحار الأنوار (ج 22؛ 492).

و في أمالي الطوسي (553) بسنده عن أبي ذرّ في احتجاج عليّ (عليه السلام) على القوم في يوم الشورى، قال في جملة احتجاجاته (عليه السلام): فهل فيكم أحد أعطاه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حنوطا من حنوط الجنّة، فقال: «اقسم هذا أثلاثا: ثلثا لي حنّطني به، و ثلثا لابنتي، و ثلثا لك» غيري؟

قالوا: لا. و انظر قوله هذا في المناشدة في إرشاد القلوب (263) و المسترشد (338) و الاحتجاج (144).

و في كشف الغمّة (ج 1؛ 500): و روي أنّها بقيت بعد أبيها أربعين صباحا، و لمّا حضرتها الوفاة قالت لأسماء: إنّ جبرئيل أتى النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لمّا حضرته الوفاة بكافور من الجنّة، فقسّمه أثلاثا: ثلث لنفسه، و ثلث لعليّ، و ثلث لي ... و عنه في بحار الأنوار (ج 43؛ 186) و بيت الأحزان (257- 258).

و في طبقات ابن سعد (ج 2؛ 288) بسنده عن هارون بن سعد، قال: كان عند عليّ (عليه السلام) مسك، فأوصى أن يحنّط به، قال: و قال عليّ (عليه السلام): هو فضل حنوط رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). و رواه الحاكم في المستدرك (ج 1؛ 361) بسنده عن أبي وائل. و ذكره المتّقي الهنديّ في كنز العمال (ج 6؛ 412) و قال: «أخرجه ابن سعد و البيهقي و ابن عساكر»، و رواه المحبّ الطبريّ في الرياض النضرة (ج 2؛ 247) عن هارون بن سعيد، ثمّ قال: «أخرجه البغويّ».

540

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

541

الطّرفة الثامنة و العشرون‏

روى هذه الطّرفة- عن كتاب الطّرف- العلّامة المجلسي في بحار الأنوار (ج 22؛ 492- 493) و نقلها العلّامة البياضي في الصراط المستقيم (ج 2؛ 94) باختصار.

يا عليّ، أ ضمنت ديني تقضيه عنّي؟ قال: نعم‏

تقدّم بيانه في الطّرفة السابعة، و في الطّرفة العشرين، عند قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «من كانت له عندي عدة فليأت فيها عليّ بن أبي طالب»، و مرّ فيها أداء عليّ (عليه السلام) لما ضمنه لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و أنّه كان ينادي في الموسم و غيره: «من كان له عند رسول اللّه عدة أو دين فليأتني»، و تقدّم أنّ الحسن و الحسين (عليهما السلام) فعلا ذلك أيضا بعد عليّ (عليه السلام)، كلّ ذلك بعد وفاة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، مضافا إلى أنّ عليّا (عليه السلام) قضى ديون رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أدّى الأمانات الّتي كانت عنده (صلّى اللّه عليه و آله) لأهلها، و ذلك عند هجرته المباركة إلى المدينة المنوّرة كما ثبت ذلك في محله.

يا عليّ غسّلني و لا يغسّلني غيرك‏

من الثابت تاريخيا، أنّ عليّا (عليه السلام) هو الّذي غسّل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و سيأتيك ذلك بحول اللّه و قوّته، و قد كان تغسيله للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) بأمر منه، حيث أوصى النبي و أمر عليّا أن لا يغسّله غيره.

ففي أمالي الصدوق (505) بسنده عن ابن عبّاس، قال: لمّا مرض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و عنده‏

542

أصحابه، قام إليه عمّار بن ياسر، فقال له: فداك أبي و أمّي يا رسول اللّه، من يغسّلك منّا إذا كان ذلك منك؟ قال: ذاك عليّ بن أبي طالب (عليه السلام). و عنه في روضة الواعظين (72).

و في كتاب سليم بن قيس (74) قال: سمعت البراء بن عازب يقول: كنت أحبّ بني هاشم حبّا شديدا في حياة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و بعد وفاته، فلمّا قبض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أوصى عليّا (عليه السلام) أن لا يلي غسله غيره.

و في مناقب ابن شهرآشوب (ج 1؛ 239): إبانة ابن بطّة، قال يزيد بن بلال: قال عليّ (عليه السلام): أوصى النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أن لا يغسّله أحد غيري.

و في دلائل الإمامة (106) بسنده عن عمارة بن يزيد الواقديّ في حديث طويل، قال فيه الإمام الباقر (عليه السلام): و أوحى اللّه إلى نبيّه أن لا يبقي في غيبه و سرّه و مكنون علمه شيئا إلّا ناجاه [أي عليّا] به، و أمره أن يؤلّف القرآن من بعده، و يتولّى غسله و تحنيطه و تكفينه من دون قومه.

و في كفاية الأثر (125) بسنده عن عمّار: لمّا حضرت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) الوفاة، دعا بعلي (عليه السلام) ... ثمّ التفت إلى عليّ (عليه السلام)، فقال: يا عليّ، لا يلي غسلي و تكفيني غيرك.

و فيه (21) بسنده عن عطاء، عن ابن عبّاس، قال: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: عليّ مع الحقّ و الحقّ مع عليّ، و هو الإمام و الخليفة من بعدي، فمن تمسّك به فاز و نجا، و من تخلّف عنه ضلّ و غوى، يلي تكفيني و غسلي و يقضي ديني ....

و في كنز العمال (ج 6؛ 393) بسنده عن ابن عبّاس، في حديث نقل فيه عمر قول النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لعليّ (عليه السلام): و أنت عاضدي و غاسلي و دافني.

و في مجمع الزوائد (ج 9؛ 39) بسنده عن عليّ (عليه السلام)، قال: أوصاني النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أن لا يغسّله أحد غيري.

و انظر بشارة المصطفى (58) و الخصال (371، 573) و تفسير القمّي (ج 2؛ 109) و المسترشد (169، 336) و اليقين (390) و كتاب سليم بن قيس (209) و أمالي الطوسي (660) و طبقات ابن سعد (ج 2؛ 278) و حلية الأولياء (ج 4؛ 73) و الرياض النضرة

543

(ج 2؛ 178) و وسيلة المآل للحضرمي (239) و تحفة المحبّين بمناقب الخلفاء الراشدين (187) و تاريخ دمشق (ج 2؛ 487/ الحديث 1006). و سيأتي المزيد في أثناء المطالب الآتيه في وفاته (صلّى اللّه عليه و آله).

إنّه لا يرى عورتي أحد غيرك إلّا عمي بصره‏

في دلائل الإمامة (106) بسنده عن عمارة بن يزيد الواقديّ في حديث طويل، قال فيه الإمام الباقر (عليه السلام): و قال (صلّى اللّه عليه و آله) لأهله و أصحابه: حرام أن تنظروا إلى عورتي غير أخي، فهو منّي و أنا منه، له مالي، و عليه ما عليّ.

و في المسترشد (336) بسنده: أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: فإن رأى أحد شيئا من جسدي و أنا ميّت ذهب بصره.

و في كتاب سليم بن قيس (74) قال: سمعت البراء بن عازب يقول ... فلمّا قبض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أوصى عليّا أن لا يلي غسله غيره، و أنّه لا ينبغي لأحد أن يرى عورته غيره، و أنّه ليس أحد يرى عورة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إلّا ذهب بصره.

و في طبقات ابن سعد (ج 2؛ 278) بسنده عن يزيد بن بلال، قال: قال عليّ (عليه السلام):

أوصى النبي (صلّى اللّه عليه و آله) ألّا يغسّله أحد غيري، فإنّه «لا يرى أحد عورتي إلّا طمست عيناه».

و في مناقب ابن المغازلي (93) بسنده عن السائب بن يزيد، قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله):

لا يحلّ لمسلم يرى مجرّدي- أو عورتي- إلّا عليّ. و روى مثله بسنده عن جابر الأنصاريّ في مناقبه أيضا (94).

و انظر فقه الرضا (عليه السلام) (21) و المسترشد (69) و مناقب ابن شهرآشوب (ج 1؛ 239) و أمالي الطوسي (660) و بصائر الدرجات (328) و كفاية الأثر (125) و الخصال (573) و كنوز الحقائق (193) و مجمع الزوائد (ج 9؛ 39) و كنز العمال (ج 7؛ 176) و منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد (ج 3؛ 122) و الشفاء للقاضي عياض (ج 1؛ 54) و نهاية الأرب (ج 18؛ 389) و البداية و النهاية (ج 5؛ 282).

544

يعينك جبرئيل و ميكائيل و إسرافيل و ملك الموت و إسماعيل‏

في نهج البلاغة (ج 2؛ 172) من كلام لعليّ (عليه السلام)، قال فيه: و لقد قبض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و إنّ رأسه لعلى صدري، و لقد سالت نفسه في كفّي، فأمررتها على وجهي، و لقد وليت غسله (صلّى اللّه عليه و آله) و الملائكة أعواني، فضجّت الدار و الأفنية، ملأ يهبط و ملأ يعرج، و ما فارقت سمعي هينمة منهم يصلّون عليه حتّى واريناه في ضريحه. و انظر هذا النص في ربيع الأبرار للزمخشريّ (ج 5؛ 197).

و في كتاب سليم بن قيس (74) قال: سمعت البراء بن عازب، يقول: ... فقال عليّ (عليه السلام):

يا رسول اللّه، فمن يعينني على غسلك؟ قال: جبرئيل في جنود من الملائكة، فكان عليّ (عليه السلام) يغسّله، و الفضل بن العبّاس مربوط العينين يصبّ عليه الماء، و الملائكة يقلّبونه له كيف شاء.

و في مناقب ابن شهرآشوب (ج 2؛ 245) و قد احتج أمير المؤمنين يوم الشورى، فقال:

هل فيكم من غسل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) غيري، و جبرئيل يناجي، و أجد مسّ يده معي؟!

و في أمالي الطوسي (11) بسنده عن الأصبغ بن نباتة، قال: إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) خطب ذات يوم، فحمد اللّه و أثنى عليه، و صلّى على النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، ثمّ قال: ... و لقد قبض النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و إنّ رأسه لفي حجري، و لقد و ليت غسله بيدي، تقلّبه الملائكة المقرّبون معي. و رواه الأربلي في كشف الغمّة (ج 1؛ 379) و رواه المفيد في أماليه (235) بسنده عن الأصبغ أيضا، و رواه نصر بن مزاحم في وقعة صفين (224) بسنده عن أبي سنان الأسلمي.

و في أمالي الصدوق (505) بسنده عن ابن عبّاس، قال: لمّا مرض رسول اللّه، (صلّى اللّه عليه و آله) و عنده أصحابه، قام إليه عمّار بن ياسر، فقال له: فداك أبي و أمّي يا رسول اللّه من يغسّلك منّا إذا كان ذلك منك؟ قال: ذاك عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)؛ لأنّه لا يهمّ بعضو من أعضائي إلّا أعانته الملائكة على ذلك. و عنه في روضة الواعظين (72).

و في كفاية الأثر (125) بسنده عن عمّار بن ياسر، قال: لمّا حضرت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) الوفاة دعا بعلي (عليه السلام) ... ثمّ التفت (صلّى اللّه عليه و آله) إلى عليّ (عليه السلام)، فقال: يا عليّ، لا يلي غسلي و تكفيني غيرك، فقال عليّ (عليه السلام): يا رسول اللّه، من يناولني الماء؛ فإنّك رجل ثقيل لا أستطيع أن أقلّبك؟

545

فقال (صلّى اللّه عليه و آله): إنّ جبرئيل معك، و الفضل يناولك الماء، و ليغطّ عينيه؛ فإنّه لا يرى أحد عورتي إلّا انفقأت عيناه. و مثله في فقه الرضا (عليه السلام) (21) عن الصادق (عليه السلام).

و في كتاب سليم بن قيس (209) في مناشدة الحسين (عليه السلام) في منى، قال: أ تعلمون أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أمره [أي عليّا (عليه السلام)‏] بغسله، و أخبره أنّ جبرئيل يعينه عليه؟ قالوا: اللّهم نعم.

و في مناقب ابن شهرآشوب (ج 1؛ 238): حلية الأولياء، و تاريخ الطبريّ: أنّ عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) كان يغسّل النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، و الفضل يصبّ الماء عليه، و جبرئيل يعينهما.

و في المسترشد (338) قول عليّ (عليه السلام): هل فيكم أحد قلّب رسول اللّه مع الملائكة- لا أشاء أقلّب منه عضوا إلّا قلبته الملائكة معي- و حظي بغسله من جميع الناس، غيري؟! قالوا: لا.

و في حلية الأولياء (ج 4؛ 77) بسنده عن ابن عبّاس و جابر الأنصاريّ، في حديث طويل في وفاة النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، فيه: فقال عليّ (عليه السلام): يا رسول اللّه، إذا أنت قبضت، فمن يغسلك؟ و فيما نكفّنك؟ و من يصلّي عليك؟ و من يدخلك القبر؟ فقال النبي (صلّى اللّه عليه و آله): يا عليّ، أمّا الغسل فاغسلني أنت، و ابن عبّاس يصبّ عليك الماء، و جبرئيل ثالثكما.

و سيأتي إعانة الملائكة لعليّ (عليه السلام) في تغسيله النبي (صلّى اللّه عليه و آله) في الطّرفة الثالثة و الثلاثين عند قول عليّ (عليه السلام): «و لا أقلب منه عضوا إلّا قلب لي».

قلت: فمن يناولني الماء؟ قال: الفضل بن العبّاس من غير نظر إلى شي‏ء منّي‏

في كتاب سليم بن قيس (74) قال: سمعت البراء بن عازب يقول: ... فلمّا قبض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أوصى عليّا (عليه السلام) أن لا يلي غسله غيره، و أنّه لا ينبغي لأحد أن يرى عورته غيره، و أنّه ليس أحد يرى عورة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إلّا ذهب بصره ... فكان عليّ (عليه السلام) يغسّله و الفضل بن العبّاس مربوط العينين يصبّ الماء.

و في إعلام الورى (82): و لمّا أراد عليّ (عليه السلام) غسله استدعى الفضل بن عبّاس، فأمره أن يناوله الماء، بعد أن عصب عينيه.

546

و في مناقب ابن شهرآشوب (ج 1؛ 239): و روي أنّه لمّا أراد عليّ (عليه السلام) غسله (صلّى اللّه عليه و آله) استدعى الفضل بن عبّاس ليعينه، و كان مشدود العينين، و قد أمره عليّ (عليه السلام) بذلك إشفاقا عليه من العمى.

و في الإرشاد (100): فلمّا أراد أمير المؤمنين (عليه السلام) غسله (صلّى اللّه عليه و آله) استدعى الفضل بن العبّاس، فأمره أن يناوله الماء لغسله بعد أن عصب عينيه.

و في فقه الرضا (عليه السلام) (21): و قال جعفر (عليه السلام): إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أوصى إلى عليّ (عليه السلام) أن «لا يغسّلني غيرك»، فقال عليّ (عليه السلام): يا رسول اللّه، من يناولني الماء، و إنّك رجل ثقيل لا أستطيع أن أقلّبك؟ فقال (صلّى اللّه عليه و آله): جبرئيل معك يعاونك، و يناولك الفضل الماء، و قل له:

فليغطّ عينيه، فإنّه لا يرى أحد عورتي غيرك إلّا انفقأت عيناه، قال: فكان الفضل يناوله الماء، و جبرئيل يعاونه. و روى مثله الخزاز في كفاية الأثر (125) بسنده عن عمّار.

و هذا فيه دلالة على أنّ الفضل عصب عينيه بأمر من عليّ (عليه السلام) لئلّا يعمى إذا وقع بصره على عورة النبي (صلّى اللّه عليه و آله).

و في طبقات ابن سعد (ج 2؛ 278): بسنده عن يزيد بن بلال، قال: قال عليّ (عليه السلام):

أوصى النبي (صلّى اللّه عليه و آله) ألّا يغسّله أحد غيري، فإنّه لا يرى أحد عورتي إلّا طمست عيناه، قال عليّ (عليه السلام): فكان الفضل و أسامة يناولاني الماء من وراء الستر و هما معصوبا العين.

و رواه محمّد صدر العالم في كتابه معارج العلى في مناقب المرتضى (121).

و في البداية و النهاية (ج 5؛ 282) عن البيهقيّ في دلائل النبوّة (ج 7؛ 244) بسنده عن يزيد بن بلال: سمعت عليّا (عليه السلام) يقول: أوصى رسول اللّه أن لا يغسّله أحد غيري، فإنّه لا يرى أحد عورتي إلّا طمست عيناه، قال عليّ (عليه السلام): فكان العبّاس و أسامة يناولاني الماء من وراء الستر.

و قال ابن كثير أيضا (ج 5؛ 282) و قد أسند هذا الحديث الحافظ أبو بكر البزّار في مسنده ... و ساق مثله.

و يدلّ على أنّ الفضل كان معصوب العين أو وراء الستر- يناول عليّا الماء- ما تقدّم‏

547

من أنّه لا يرى عورة النبي أو مجرّده أو جسده أحد غير عليّ إلّا عمي بصره، هذا مع الفراغ عن أنّ الفضل كان يناوله الماء قطعا، إمّا لوحده كما هو الصواب، أو معه غيره كما ورد في بعض الروايات. و قد ذكرت حضور الفضل في الغسل و مناولة الماء كلّ المصادر الّتي ذكرت وفاة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فلا حاجة للإطالة في ذلك، و قد مرّ بعضها آنفا.

فإذا فرغت من غسلي فضعني على لوح، و أفرغ عليّ من بئر غرس أربعين دلوا مفتّحة الأفواه‏

لقد وردت الروايات في كتب الفريقين، أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أوصى أن يغسل بستّ أو سبع قرب من ماء بئره بئر غرس، و انفرد هذا الخبر بذكر وصيّته (صلّى اللّه عليه و آله) بأن يفرغ عليه أربعين دلوا أو قربة من هذا البئر بعد غسله. و في الاستبصار (ج 1؛ 196/ 687) عن الصادق (عليه السلام)، قال:

قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لعليّ (عليه السلام): يا عليّ، إذا أنا متّ فاغسلني بسبع قرب من بئر غرس. و هو في التهذيب (ج 1؛ 435/ 1398).

و في الاستبصار أيضا (ج 1؛ 196/ 688): ما رواه سهل بن زياد، عن أحمد بن محمّد ابن أبي نصر، عن فضل بن سكرة، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): جعلت فداك، هل للماء حدّ محدود؟ قال: إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال لعليّ (عليه السلام): إذا أنا متّ فاستق لي ستّ قرب من بئر غرس، فاغسلني و كفّنّي.

انظر أمر النبي (صلّى اللّه عليه و آله) عليّا (عليه السلام) بتغسيله بست أو سبع قرب من ماء بئر غرس في مناقب ابن شهرآشوب (ج 1؛ 238- 239) و بصائر الدرجات (303- 304) و الكافي (ج 1؛ 297) و طبقات ابن سعد (ج 2؛ 280 «و غسل من بئر يقال لها الغرس») و معجم البلدان (ج 4؛ 193) و في الوفا لابن الجوزيّ (810) «العرس».

و في البداية و النهاية (ج 5؛ 282) عن البيهقي في دلائل النبوّة (ج 7؛ 244)، بسنده عن الباقر (عليه السلام)، قال: غسل النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بالسدر ثلاثا، و غسل و عليه قميص، و غسل من بئر كان يقال لها «الغرس» بقباء، كانت لسعد بن خيثمة، و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يشرب منها ....

548

و فيه أيضا (ج 5؛ 282): و قال الواقدي: حدّثنا عاصم بن عبد اللّه الحكمي، عن عمير ابن عبد الحكم، قال: قال رسول اللّه: «نعم البئر بئر غرس، هي من عيون الجنّة، و ماؤها أطيب المياه» و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يستعذب له منها، و غسل من بئر غرس.

ثمّ ضع يدك يا عليّ على صدري ... ثمّ تفهم عند ذلك ما كان و ما هو كائن‏

هذه الفقرة تبيّن طريقة من طرق علم الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، و لذلك ذكر المجلسي الروايات المتعلّقة بهذا المطلب في أبواب علم أمير المؤمنين (عليه السلام)، و قد روى كبار علماء الإماميّة هذا المضمون.

ففي الكافي (ج 1؛ 296- 297) بسنده عن فضيل بن سكرة، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام):

جعلت فداك، هل للماء الّذي يغسّل به الميّت حدّ محدود؟ قال: إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال لعليّ (عليه السلام): إذا متّ فاستق ستّ قرب من ماء بئر غرس، فغسّلني و كفّنّي و حنّطني، فإذا فرغت من غسلي و كفني فخذ بجوامع كفني و أجلسني، ثمّ سلني عمّا شئت، فو اللّه لا تسألني عن شي‏ء إلّا أجبتك فيه.

و فيه أيضا (ج 1؛ 297) بسنده عن أبان بن تغلب، عن الصادق (عليه السلام)، قال: لمّا حضر رسول اللّه الموت دخل عليه عليّ (عليه السلام)، فأدخل رأسه، ثمّ قال: يا عليّ، إذا أنا متّ فغسّلني و كفّني، ثمّ أقعدني و سلني، و اكتب.

و عقد الصفّار في بصائر الدرجات (302- 304) الباب السادس من الجزء السادس تحت عنوان «باب في وصيّة رسول اللّه أمير المؤمنين أن يسأله بعد الموت»، روى فيه عشرة أحاديث في ذلك: الأوّل: عن عمر بن أبي شعبة، و الثاني: عن الحسين بن معاوية، عن الصادق (عليه السلام)، و الثالث: عن بعض أصحابنا، عن الصادق (عليه السلام)، و الرابع: عن حفص ابن البختري، عن الصادق (عليه السلام)، و الخامس: عن أبان بن تغلب، عن الصادق (عليه السلام)، و السادس: عن حفص بن البختريّ، عن الصادق (عليه السلام)، و السابع: عن عمر بن سليمان الجعفي،

549

عن الصادق (عليه السلام)، و الثامن: عن فضيل سكرة، عن الصادق (عليه السلام)، و التاسع: عن فضيل سكرة أيضا، عن الصادق (عليه السلام)، و العاشر: عن إسماعيل بن عبد اللّه بن جعفر، عن أبيه، عن عليّ (عليه السلام).

و نحن ننقل الثاني و العاشر منها:

فعن الحسين بن معاوية، قال: قال لي جعفر بن محمّد (عليهما السلام): دعا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عليّا (عليه السلام):

فقال: يا عليّ، إذا أنا متّ فاستق ستّ قرب من ماء، فإذا استقيت فأنق غسلي و كفّني و حنّطني، فإذا كفّنتني و حنّطتني، فخذني و أجلسني، وضع يدك على صدري، و سلني عمّا بدا لك.

و عن إسماعيل بن عبد اللّه بن جعفر، عن أبيه، عن عليّ (عليه السلام)، قال: أوصاني النبي (صلّى اللّه عليه و آله) إذا أنا متّ فغسّلني بستّ قرب من بئر غرس، فإذا فرغت من غسلي فأدرجني في أكفاني، ثمّ ضع فاك على فمي، قال: ففعلت، و أنبأني بما هو كائن إلى يوم القيامة.

و في مناقب ابن شهرآشوب (ج 2؛ 37): أبان بن تغلب، و الحسين بن معاوية، و سليمان الجعفريّ، و إسماعيل بن عبد اللّه بن جعفر، كلّهم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: لمّا حضر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) الممات دخل عليه عليّ (عليه السلام)، فأدخل رأسه معه، ثمّ قال: يا عليّ، إذا أنا متّ فغسّلني و كفّني، ثمّ أقعدني و سائلني و اكتب.

تهذيب الأحكام: فخذ بمجامع كفني، و أجلسني، ثمّ اسألني عمّا شئت، فو اللّه لا تسألني عن شي‏ء إلّا أجبتك فيه- انظر التهذيب (ج 1؛ 435/ 1397)- و في رواية أبي عوانة، بإسناده، قال عليّ (عليه السلام): ففعلت، فأنبأني بما هو كائن إلى يوم القيامة.

و في إثبات الوصيّة (105): و روي أنّه كان ممّا قال له في تلك الحال: إذا أنا متّ فغسّلني و كفّنّي و حنّطني، ثمّ أجلسني، فاسأل عمّا بدا لك و اكتب.

و نقل المجلسي في بحار الأنوار (ج 22؛ 514) رواية بهذا الصدد عن كتاب الخرائج و الجرائح.

550

قال (صلّى اللّه عليه و آله): يا عليّ ما أنت صانع لو تأمر القوم عليك من بعدي، و تقدّموك و بعثوا إليك طاغيتهم يدعوك إلى البيعة، ثمّ لبّبت بثوبك، و تقاد كما يقاد الشارد من الإبل مرموما مخذولا محزونا مهموما

مرّ ما يتعلّق بظلم القوم لأمير المؤمنين (عليه السلام) و غصبهم الخلافة في الطّرفة الرابعة عشر، عند قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «يا عليّ توفي ... على الصبر منك و الكظم لغيظك على ذهاب حقّك» و في الطّرفة السادسة و العشرين، عند قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «فقد أجمع القوم على ظلمكم»، كما مرّ أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أخبره بأسمائهم و حلّاهم، و في مناقب ابن شهرآشوب (ج 3؛ 203) عن أبي جعفر، عن أبيه (عليه السلام) قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لعليّ (عليه السلام): كيف بك يا عليّ إذا ولّوها من بعدي فلانا؟ قال:

هذا سيفي أحول بينهم و بينها، قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله): و تكون صابرا محتسبا فهو خير لك منها، قال عليّ (عليه السلام): فإذا كان خيرا لي فأصبر و أحتسب، ثمّ ذكر فلانا و فلانا كذلك ....

كلّ هذا قد مرّ فيما تقدّم، كما تقدّم أنّ بيعتهم ضلالة، و أنّهم كانوا يخطّطون لقتل عليّ في السقيفة، و عند صلاة الفجر، و يوم الشورى، و سنذكر هنا جرّهم لعليّ (عليه السلام) بالرّمّة- أي الحبل- و سوقهم إيّاه سوقا عنيفا، و قودهم إيّاه (عليه السلام) كما يقاد الجمل المخشوش.

ففي شرح النهج (ج 15؛ 186) من كتاب لمعاوية بن أبي سفيان إلى عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، يقول في جملته: لقد حسدت أبا بكر و التويت عليه، و رمت إفساد أمره، و قعدت في بيتك، و استغويت عصابة من الناس حتّى تأخّروا عن بيعته، ثمّ كرهت خلافة عمر و حسدته، و استطلت مدّته، و سررت بقتله، و أظهرت الشماتة بمصابه، حتّى إنّك حاولت قتل ولده لأنّه قتل قاتل أبيه، ثمّ لم تكن أشدّ منك حسدا لابن عمك عثمان، ... و ما من هؤلاء إلّا من بغيت عليه، و تلكّأت في بيعته، حتّى حملت إليه قهرا، تساق بخزائم الاقتسار كما يساق الفحل المخشوش ....

و جواب عليّ (عليه السلام) لهذا الكتاب في نهج البلاغة (ج 3؛ 30- 35)، حيث افتخر (عليه السلام) بما وقع عليه من الظلم، و عدّ ذلك مفخرة لا منقصة، فقال في جوابه: و قلت أنّي كنت أقاد كما يقاد الجمل المخشوش حتّى أبايع، و لعمر اللّه لقد أردت أن تذمّ فمدحت، و أن تفضح‏

551

فافتضحت، و ما على المسلم من غضاضة في أن يكون مظلوما، ما لم يكن شاكّا في دينه، و لا مر تابا بيقينه. و انظر هذه الفقرة من كتابه (عليه السلام) في تقريب المعارف (237). و الكتاب في الاحتجاج، انظر الفقرة هذه في (178) منه.

و في كتاب سليم بن قيس (84): فانطلق قنفذ الملعون فاقتحم هو و أصحابه بغير إذن، و ثار عليّ (عليه السلام) إلى سيفه، فسبقوه إليه و كاثروه و هم كثيرون، فتناول بعض سيوفهم فكاثروه، فألقوا في عنقه حبلا ... ثمّ انطلق بعلي (عليه السلام) يعتل عتلا، حتّى انتهي به إلى أبي بكر ...

و انظر مضمون خبر سليم في بيت الأحزان (160).

و فيه أيضا (251): فانتهوا بعلي (عليه السلام) إلى أبي بكر ملبّبا.

و فيه أيضا (89): فنادى عليّ (عليه السلام) قبل أن يبايع، و الحبل في عنقه: يا ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَ كادُوا يَقْتُلُونَنِي‏ (1).

و في الاحتجاج (83): فانطلق قنفذ، فاقتحم هو و أصحابه بغير إذن، و بادر عليّ (عليه السلام) إلى سيفه ليأخذه، فسبقوه إليه، فتناول بعض سيوفهم، فكثروا عليه فضبطوه، و ألقوا في عنقه حبلا أسود ... ثمّ انطلقوا بعلي (عليه السلام) ملبّبا بحبل، حتّى انتهوا به إلى أبي بكر، و عمر قائم بالسيف على رأسه، و خالد بن الوليد، و أبو عبيدة بن الجراح، و سالم، و المغيرة بن شعبة، و أسيد بن حضير، و بشير بن سعد، و سائر الناس قعود حول أبي بكر عليهم السلاح، و هو (عليه السلام) يقول: أما و اللّه لو وقع سيفي بيدي لعلمتم أنّكم لن تصلوا إليّ، هذا جزاء منّي، و باللّه لا ألوم نفسي في جهد، و لو كنت في أربعين رجلا لفرّقت جماعتكم، فلعن اللّه قوما بايعوني ثمّ خذلوني.

و في الاحتجاج (150) عن كتاب سليم بن قيس (117) في احتجاج عليّ (عليه السلام) على جماعة كثيرة من المهاجرين و الأنصار- لمّا تذاكروا فضلهم بما قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من النصّ عليه و غيره من القول الجميل- و فيه: فقال طلحة بن عبيد اللّه- و كان يقال له «داهية

____________

(1). الأعراف؛ 150

552

قريش»-: فكيف نصنع بما ادّعى أبو بكر و أصحابه الّذين صدّقوه، و شهدوا على مقالته، يوم أتوه بك تعتل و في عنقك حبل، فقالوا لك: بايع ... و روى بعض الحديث الحمويني في فرائد السمطين (ج 1؛ 312- 318) بسنده عن أبان بن أبي عيّاش، عن سليم بن قيس الهلالي.

و في اختيار معرفة الرجال (ج 1؛ 37) بسنده عن أبي حمزة، قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: لمّا مرّوا بأمير المؤمنين (عليه السلام) و في رقبته حبل آل زريق، ضرب أبو ذرّ بيده على الأخرى ثمّ قال: ليت السيوف قد عادت بأيدينا ثانية، و قال مقداد: لو شاء لدعا عليه ربّه عزّ و جلّ، و قال سلمان: مولانا أعلم بما هو فيه.

و في الخصال (462) بسنده عن زيد بن وهب- في قضيّة الّذين أنكروا على أبي بكر جلوسه في الخلافة و تقدّمه على عليّ (عليه السلام)- و فيه قول عليّ (عليه السلام) لهم: و لقد شاورت في ذلك أهل بيتي فأبوا إلّا السكوت؛ لما تعلمون من وغر صدور القوم و بغضهم للّه عزّ و جلّ و لأهل بيت نبيّة (صلّى اللّه عليه و آله)، و إنّهم يطالبون بثارات الجاهليّة، و اللّه لو فعلتم ذلك لشهروا سيوفهم مستعدّين للحرب و القتال، كما فعلوا ذلك حتّى قهروني، و غلبوني على نفسي و لبّبوني، و قالوا لي: بايع و إلّا قتلناك، فلم أجد حيلة إلّا أن أدفع القوم عن نفسي، و ذاك أنّي ذكرت قول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): يا عليّ إنّ القوم نقضوا أمرك، و استبدّوا بها دونك، و عصوني فيك، فعليك بالصبر حتّى ينزل الأمر، ألا و إنّهم سيغدرون بك لا محالة، فلا تجعل لهم سبيلا إلى إذلالك و سفك دمك، فإنّ الأمّة ستغدر بك بعدي، كذلك أخبرني جبرئيل عن ربّي.

و في التهاب نيران الأحزان (70): ثمّ إنّ الثاني جمع جماعة من الطلقاء و المنافقين و المؤلّفة قلوبهم، و أتى بهم إلى منزل عليّ ... و تواثبوا على أمير المؤمنين و هو جالس على فراشه، فأخرجوه سحبا ملبّبا بثوبه إلى المسجد.

و فيه أيضا (71): فدخلوا على أمير المؤمنين (عليه السلام)، و لبّبوه بثوبه، و جعلوا يقودونه قود البعير المخشوش.

و في الشافي في الإمامة (ج 3؛ 244): و روى إبراهيم، عن يحيى بن الحسن، عن عاصم ابن عامر، عن نوح بن درّاج، عن داود بن يزيد الأودي، عن أبيه، عن عديّ بن حاتم،

553

قال: ما رحمت أحدا رحمتي عليّا حين أتي به ملبّبا ... و رواه الدرازيّ في التهاب نيران الأحزان (71).

و في السقيفة و فدك (71- 72): أخبرني أبو بكر الباهلي، عن إسماعيل بن مجالد، عن الشعبي، قال: قال أبو بكر: يا عمر، أين خالد بن الوليد؟ قال: هو هذا، فقال: انطلقا إليهما- يعني عليّا و الزبير- فائتياني بهما، فانطلقا، فدخل عمر و وقف خالد على الباب من خارج، فقال عمر للزبير: ما هذا السيف؟ قال: أعددته لأبايع عليّا، قال: و كان في البيت ناس كثير، منهم المقداد بن الأسود و جمهور الهاشميّين، فاخترط عمر السيف فضرب به صخرة في البيت فكسره، ثمّ أخذ بيد الزبير فأقامه، ثمّ دفعه فأخرجه، و قال: يا خالد دونك هذا، فأمسكه خالد، و كان خارج البيت مع خالد جمع كثير من الناس، أرسلهم أبو بكر ردءا لهما، ثمّ دخل عمر، فقال لعليّ: قم فبايع، فتلكّأ و احتبس، فأخذ بيده، و قال: قم، فأبى أن يقوم، فحمله و دفعه كما دفع الزبير، ثمّ أمسكهما خالد، و ساقهما عمر و من معه سوقا عنيفا، و اجتمع الناس ينظرون، و امتلأت شوارع المدينة بالرجال ... و رواه عن الجوهريّ ابن أبي الحديد في شرح النهج (ج 6؛ 48- 49).

و هذه النصوص كلّها صريحة بأنّهم لبّبوا عليّا (عليه السلام)، و ساقوه سوقا عنيفا، و ألقوا في عنقه حبلا، و سحبوه إلى البيعة سحبا، و أنّه (عليه السلام) صبر و احتسب لوصيّة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بذلك.

و لقد أجاد الشاعر المرحوم السيّد باقر الهنديّ الموسويّ (رحمه اللّه)، حيث قال في قصيدة له بعنوان «نصّ الغدير» كما في ديوانه (25):

دخلوا الدار و هي حسرى بمر أى‏ * * * من عليّ ذاك الأبي الغيور

و استداروا بغيا على أسد ال * * * لّه فأضحى يقاد قود البعير

ينظر الناس ما بهم من معين‏ * * * و ينادي، و ماله من نصير

554

فقال عليّ (عليه السلام): يا رسول اللّه، أنقاد للقوم و أصبر- كما أمرتني على ما أصابني- من غير بيعة لهم، ما لم أصب أعوانا عليهم لم أناظر القوم‏

مرّ ما يتعلّق بوصيّة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لعليّ (عليه السلام) بالصبر على غصب حقّه ما لم يجد أعوانا في الطّرفة الرابعة و العشرين، عند قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «يا عليّ، اصبر على ظلم الظالمين ما لم تجد أعوانا».

و يبقى هنا أن نشير إجمالا إلى أنّ عليّا (عليه السلام) لم يبايع القوم أبدا، و إنّما انقاد لهم بوصيّة من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و هو الّذي عبّر عنه في كتب التاريخ بالمبايعة؛ أخذا بظاهر صورة الأمر، هذا مع الإغماض عن أنّه ما انقاد لهم إلّا بعد استشهاد الصدّيقة الطاهرة الزهراء (عليها السلام).

ففي الشافي في الإمامة (ج 3؛ 242): روى إبراهيم الثقفي، عن محمّد بن أبي عمير، عن أبيه، عن صالح بن أبي الأسود، عن عقبة بن سنان، عن الزهريّ، قال: ما بايع عليّ (عليه السلام) إلّا بعد ستّة أشهر، و ما اجترئ عليه إلّا بعد موت فاطمة (عليها السلام).

و في الصراط المستقيم (ج 3؛ 106): و أخرج مسلم، أنّه قيل للزهريّ: لم يبايع عليّ (عليه السلام) ستّة أشهر؟ فقال: لا و اللّه و لا واحد من بني هاشم. و في تاريخ ابن الأثير (ج 2؛ 331) قال الزهريّ: بقي عليّ (عليه السلام) و بنو هاشم و الزبير ستّة أشهر لم يبايعوا أبا بكر، حتّى ماتت فاطمة (عليها السلام) فبايعوه.

و قد حقّق الشريف المرتضى في الشافي (ج 3؛ 237- 273) أنّ عليّا لم يبايع القوم إلّا ظاهرا، و بأمر من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و أنّه (عليه السلام) احتجّ على القوم و لم يسكت، و تخلّف عن بيعتهم، و لو افترضنا أنّه سكت، فإنّ السكوت ينقسم إلى الرضا و عدمه، مع أنّ الأدلّة كلّها تدلّ على أنّه (عليه السلام) لم يرض خلافتهم و لم يبايعهم.

كما حقّق ذلك أبو الصلاح الحلبي في تقريب المعارف (220- 227) و قال من جملة كلامه: و أمّا البيعة، فإن أريد بها الرضا، فهو من أفعال القلوب الّتي لا يعلمها غيره تعالى، بل لا ظنّ بها فيه؛ لفقد أماراتها و ثبوت ضدّها، و إن أريد الصفقة باليد فغير نافعة، لا سيّما مع كونها واقعة عن امتناع شديد، و تخلّف ظاهر، و تواصل إنكار عليه، و تقبيح لفعله، و موالاة مراجعة؛ بتهديد تارة، و تخويف أخرى، و تحشيم و تقبيح، إلى غير ذلك ممّا هو

555

معلوم، و دلالة ما وقع على هذا الوجه على كراهيّة المبايع واضحة، و أمّا إظهار التسليم، فعند فقد كلّ ما يظنّ معه الانتصار، و لهذا صرّح (عليه السلام) عند التمكّن من القول بوجود الأنصار بأكثر ما في نفسه من ظلم القوم له، و تقدّمهم عليه بغير حقّ ... و ذلك مانع من وقوع تسليمه عن رضى.

و كذلك حقّق الموضوع العلّامة البياضي في الصراط المستقيم (ج 3؛ 113- 116) و قال من جملة كلامه: و لئن سلّم سكوته (عليه السلام) فهو أعمّ من رضاه، و قد عرف في الأصول بطلان الإجماع السكوتي؛ إذ لا ينسب إلى ساكت قول، بل دلالة السكوت على السخط أولى من دلالته على الرضا، فإن قالوا: يكفي في الرضا ترك النكير، قلنا: لا، فإنّ السخط أسبق؛ للإجماع على تأخّره (عليه السلام) عن البيعة كراهة لها، قالوا: و في وصيّة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) له (عليه السلام) «أن لا توقع فتنة»، دليل صحّة خلافتهم، قلنا: قد أمر اللّه نبيّه بالصبر على أذى الكفّار، حتّى نزلت آية السيف، و قد أخرج صاحب جامع الأصول، عن أبي ذرّ، قول النبي (صلّى اللّه عليه و آله): كيف أنتم و أئمّة من بعدي يستأثرون بهذا الفي‏ء؟! قلت: أضرب بسيفي حتّى ألقاك، قال: هل أدلّك على خير من ذلك؟ تصبر حتّى تلقاني.

و في كشف الاشتباه (88) قال: و نحن ننكر حجيّة الإجماع [على أبي بكر] و تحقّقه، أمّا عدم حجيّته؛ فلأنّ الإجماع إنّما يعتبر عندنا إذا كشف عن رضى المعصوم، و بيعة أبي بكر لم تقترن بموافقة الإمام أمير المؤمنين، و أمّا عدم تحقّقه؛ فلتخلّف الإمام أمير المؤمنين و جماعة من الصحابة عن بيعة أبي بكر؛ إذ قد اجتمعت الأمّة على أنّه تخلّف عن بيعة أبي بكر، فالمقلّ يقول بتأخّره ثلاثة أيّام، و منهم من يقول: تأخّر حتّى ماتت فاطمة (عليها السلام)، ثم بايع بعد موتها، و منهم من يقول: تأخّر أربعين يوما، و منهم من يقول: تأخّر ستّة أشهر، و المحقّقون من أهل الإماميّة يقولون: لم يبايع ساعة قطّ. و انظر هذا الكلام في الفصول المختارة من العيون و المحاسن (56) و هو اختيار الشريف المرتضى من كتاب العيون و المحاسن للشيخ المفيد.

و في كتاب سليم (89): ثمّ قال [عمر]: قم يا بن أبي طالب فبايع، فقال: فإن لم أفعل؟

قال: إذا و اللّه نضرب عنقك، فاحتجّ عليهم ثلاث مرّات، ثمّ مدّ يده من غير أن يفتح كفّه،

556

فضرب عليها أبو بكر و رضي بذلك منه ... و قيل للزبير: بايع، فأبى ... قال سلمان: ثمّ أخذوني فوجئوا عنقي حتّى تركوها كالسّلعة، ثمّ أخذوا يدي فبايعت مكرها، ثمّ بايع أبو ذرّ و المقداد مكرهين، و ما بايع أحد من الأمّة مكرها غير عليّ (عليه السلام) و أربعتنا.

و فيه أيضا (128) قول عليّ (عليه السلام): و لم يكن معي أحد من أهل بيتي أصول به، و لا أقوى به، أمّا حمزة فقتل يوم أحد، و أمّا جعفر فقتل يوم مؤتة ... فأكرهوني و قهروني، فقلت كما قال هارون لأخيه: يا ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَ كادُوا يَقْتُلُونَنِي‏ (1)، فلي بهارون أسوة حسنة، ولي بعهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إليّ حجّة قويّة.

و في الشافي في الإمامة (ج 3؛ 244): روى إبراهيم، عن يحيى بن الحسن، عن عاصم بن عامر، عن نوح بن درّاج، عن داود بن يزيد الأوديّ، عن أبيه، عن عديّ بن حاتم، قال: ما رحمت أحدا رحمتي عليّا، حين أتي به ملبّبا، فقيل له: بايع، قال: فإن لم أفعل؟ قالوا: إذا نقتلك، قال: إذا تقتلون عبد اللّه و أخا رسوله، ثمّ بايع كذا، و ضمّ يده اليمنى.

و في التهاب نيران الأحزان (71- 72): و روى عديّ بن حاتم، قال: و اللّه ما رحمت أحدا من خلق اللّه مثل رحمتي لعليّ بن أبي طالب، حين أتوا به ملبّبا بثوبه حتّى أو قفوه بين يدي الأوّل، فقالوا له: بايع، قال: و إن لم أفعل؟ قالوا: نضرب الّذي فيه عيناك، فرفع طرفه إلى السماء، و قال: اللّهمّ إنّي أشهدك أنّهم يقتلونني و أنا عبدك و أخو رسولك، فقالوا له: مدّ يدك و بايع، فجرّوا يده فقبض عليها، و راموا فتحها فلم يقدروا، فمسح عليها الأوّل و هي مضمومة، و هو (عليه السلام) ينظر إلى قبر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و يقول: يا بن العم‏ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَ كادُوا يَقْتُلُونَنِي‏ (2). و رواه بهذا النصّ الشيخ عبّاس القمّي في بيت الأحزان (165- 166).

و قال العلّامة المجلسي (رحمه اللّه) في بحار الأنوار (ج 8؛ 230- 233): أجاز لي بعض الأفاضل في مكّة- زاد اللّه شرفها- رواية هذا الخبر، و أخبرني أنّه أخرجه من الجزء الثاني من كتاب‏

____________

(1). الأعراف؛ 150

(2). الأعراف؛ 150