بداية الحكمة

- السيد محمد حسين الطباطبائي المزيد...
178 /
105

متضائفين- متغايرين بالذات أي غير مجتمعين بالذات- . و من أحكامه- أن لا تضاد بين الأجناس العالية من المقولات العشر- فإن الأكثر من واحد منها تجتمع في محل واحد- كالكم و الكيف و غيرهما في الأجسام- و كذا أنواع كل منها مع أنواع غيره- و كذا بعض الأجناس المندرجة تحت الواحد منها- مع بعض آخر كاللون مع الطعم مثلا- فالتضاد بالاستقراء إنما يتحقق بين نوعين أخيرين- مندرجين تحت جنس قريب- كالسواد و البياض المندرجين تحت اللون كذا قرروا- .

و من أحكامه- أنه يجب أن يكون هناك موضوع يتواردان عليه- إذ لو لا موضوع شخصي مشترك- لم يمتنع تحققهما في الوجود- كوجود السواد في جسم و البياض في آخر- .

و لازم ذلك أن لا تضاد بين الجواهر- إذ لا موضوع لها توجد فيه- فالتضاد إنما يتحقق في الأعراض- و قد بدل بعضهم‏ الموضوع بالمحل حتى يشمل مادة الجواهر- و على هذا يتحقق التضاد- بين الصور الجوهرية الحالة في المادة- .

و من أحكامه- أن يكون بينهما غاية الخلاف- فلو كان هناك أمور وجودية متغايرة- بعضها أقرب إلى بعضها من بعض- فالمتضادان هما الطرفان اللذان- بينهما غاية البعد و الخلاف كالسواد و البياض- الواقع بينهما ألوان أخرى متوسطة- بعضها أقرب إلى أحد الطرفين من بعض- كالصفرة التي هي أقرب إلى البياض من الحمرة مثلا- .

و مما تقدم يظهر معنى تعريفهم المتضادين بأنهما- أمران وجوديان متواردان على موضوع واحد- داخلان تحت جنس قريب بينهما غاية الخلاف.

106

الفصل الثامن في تقابل العدم و الملكة

و يسمى أيضا تقابل العدم و القنية- و هما أمر وجودي لموضوع من شأنه أن يتصف به- و عدم ذلك الأمر الوجودي في ذلك الموضوع- كالبصر و العمى الذي هو فقد البصر- للموضوع الذي من شأنه أن يكون ذا بصر- .

فإن‏ أخذ موضوع الملكة هو الطبيعة- الشخصية أو النوعية أو الجنسية التي من شأنها- أن تتصف بالملكة في الجملة من غير تقييد بوقت خاص- سميا ملكه و عدما حقيقيين- فعدم البصر في العقرب عمى و عدم ملكة- لكون جنسه و هو الحيوان موضوعا قابلا للبصر- و إن كان نوعه غير قابل له كما قيل- و كذا مرودة الإنسان قبل أوان التحائه من عدم الملكة- و إن كان صنفه غير قابل للالتحاء قبل أوان البلوغ- .

و إن أخذ الموضوع هو الطبيعة الشخصية- و قيد بوقت الاتصاف سميا عدما و ملكة مشهوريين- و عليه فقد الأكمه و هو الممسوح العين للبصر- و كذا المرودة ليسا من العدم و الملكة في شي‏ء.

الفصل التاسع في تقابل التناقض‏

و هو تقابل الإيجاب و السلب- بأن يرد السلب على نفس ما ورد عليه الإيجاب- فهو بحسب الأصل في القضايا- و قد يحول مضمون القضية إلى‏

107

المفرد فيقال- التناقض بين وجود الشي‏ء و عدمه- كما قد يقال نقيض كل شي‏ء رفعه- .

و حكم النقيضين أعني الإيجاب و السلب- أنهما لا يجتمعان معا و لا يرتفعان معا- على سبيل القضية المنفصلة الحقيقية- و هي من البديهيات الأولية التي- عليها يتوقف صدق كل قضية مفروضة- ضرورية كانت أو نظرية- إذ لا يتعلق العلم بقضية إلا بعد العلم بامتناع نقيضها- فقولنا الأربعة زوج إنما يتم تصديقه- إذا علم كذب قولنا ليست الأربعة زوجا- و لذا سميت قضية- امتناع اجتماع النقيضين- و ارتفاعهما أولى الأوائل- . و من أحكام التناقض‏- أنه لا يخرج عن حكم النقيضين شي‏ء البتة- فكل شي‏ء مفروض- إما أن يصدق عليه زيد أو اللا زيد- و كل شي‏ء مفروض- إما أن يصدق عليه البياض أو اللا بياض و هكذا- .

و أما ما تقدم في مرحلة الماهية- أن النقيضين مرتفعان عن مرتبة الذات- كقولنا الإنسان من حيث إنه إنسان- ليس بموجود و لا لا موجود- فقد عرفت أن ذلك- ليس بحسب الحقيقة من ارتفاع النقيضين في شي‏ء- بل مآله إلى خروج النيقضين معا- عن مرتبة ذات الشي‏ء- فليس يحد الإنسان بأنه حيوان ناطق موجود- و لا يحد بأنه حيوان ناطق معدوم- .

و من أحكامه أن تحققه في القضايا- مشروط بثمان وحدات معروفة- مذكورة في كتب المنطق- و زاد عليها ؟صدر المتألهين‏Y ره وحدة الحمل- بأن يكون الحمل فيهما جميعا حملا أوليا- أو فيهما معا حملا شايعا من غير اختلاف-

108

فلا تناقض بين قولنا- الجزئي جزئي أي مفهوما- و قولنا ليس الجزئي بجزئي أي مصداقا.

الفصل العاشر في تقابل الواحد و الكثير

اختلفوا في تقابل الواحد و الكثير- هل هو تقابل بالذات أو لا- و على الأول ذهب بعضهم إلى أنهما متضائفان‏- و بعضهم إلى أنهما متضادان- و بعضهم إلى أن تقابلهما نوع خامس- غير الأنواع الأربعة المذكورة- . و الحق‏ أن ما بين الواحد و الكثير من الاختلاف- ليس من التقابل المصطلح في شي‏ء- لأن اختلاف الموجود المطلق- بانقسامه إلى الواحد و الكثير اختلاف تشكيكي‏- يرجع فيه ما به الاختلاف إلى ما به الاتفاق- نظير انقسامه إلى الوجود الخارجي و الذهني- و انقسامه إلى ما بالفعل و ما بالقوة- و الاختلاف و المغايرة التي في كل من أقسام التقابل الأربع- يمتنع أن يرجع إلى ما به الاتحاد- فلا تقابل بين الواحد و الكثير- بشي‏ء من أقسام التقابل الأربعة- .

تتمة- التقابل بين الإيجاب و السلب- ليس تقابلا حقيقيا خارجيا- بل عقلي‏ بنوع من الاعتبار- لأن التقابل نسبة خاصة بين المتقابلين- و النسب وجودات رابطة قائمة بطرفين موجودين محققين- واحد الطرفين في التناقض هو السلب- الذي هو عدم و بطلان- لكن العقل يعتبر السلب طرفا للإيجاب- فيرى عدم‏

109

جواز اجتماعهما لذاتيهما- .

و أما تقابل العدم و الملكة- فللعدم فيه حظ من التحقق- لكونه عدم صفة من شأن الموضوع أن يتصف بها- فينتزع عدمها منه- و هذا المقدار من الوجود الانتزاعي- كاف في تحقق النسبة.

110

-

111

المرحلة التاسعة في السبق و اللحوق‏ و القدم و الحدوث‏

و فيها ثلاثة فصول‏

112

الفصل الأول في معنى السبق و اللحوق و أقسامهما و المعية

إن من عوارض الموجود بما هو موجود السبق و اللحوق- و ذلك أنه ربما كان لشيئين بما هما موجودان- نسبة مشتركة إلى مبدإ وجودي- لكن لأحدهما منها ما ليس للآخر- كنسبة الاثنين و الثلاثة إلى الواحد- لكن الاثنين أقرب إليه فيسمى سابقا و متقدما- و تسمى الثلاثة لاحقة و متأخرة- و ربما كانت النسبة المشتركة- من غير تفاوت بين المنتسبين- فتسمى حالهما بالنسبة إليه معية و هما معان- .

و قد عدوا للسبق و اللحوق أقساما عثروا عليها بالاستقراء- . منها السبق الزماني‏- و هو السبق الذي لا يجامع فيه السابق اللاحق- كتقدم أجزاء الزمان بعضها على بعض- كالأمس على اليوم- و تقدم الحوادث الواقعة في الزمان السابق- على الواقعة في الزمان اللاحق‏- و يقابله اللحوق الزماني- .

و منها السبق بالطبع- و هو تقدم العلة الناقصة على المعلول- كتقدم الاثنين على الثلاثة- . و منها السبق بالعلية- و هو تقدم العلة التامة على المعلول- . و منها السبق بالماهية- و يسمى أيضا التقدم بالتجوهر- و هو تقدم علل القوام على معلولها- كتقدم أجزاء الماهية النوعية على النوع- و عد منه تقدم‏

113

الماهية على لوازمها- كتقدم الأربعة على الزوجية- و يقابله اللحوق و التأخر بالماهية و التجوهر- .

و تسمى هذه الأقسام الثلاثة- أعني ما بالطبع و ما بالعلية- و ما بالتجوهر سبقا و لحوقا بالذات- .

و منها السبق بالحقيقة- و هو أن يتلبس السابق بمعنى من المعاني بالذات- و يتلبس به اللاحق بالعرض- كتلبس الماء بالجريان حقيقة و بالذات- و تلبس الميزاب به بالعرض- و يقابله اللحوق بذاك المعنى- و هذا القسم مما زاده ؟صدر المتألهين‏Y- . و منها السبق و التقدم بالدهر- و هو تقدم العلة الموجبة على معلولها- لكن لا من حيث إيجابها- لوجود المعلول و إفاضتها له كما في التقدم بالعلية- بل من حيث انفكاك- وجودها و انفصاله عن وجود المعلول- و تقرر عدم المعلول في مرتبة وجودها- كتقدم نشأة التجرد العقلي على نشأة المادة- و يقابله اللحوق و التأخر الدهري- .

و هذا القسم قد زاده السيد ؟الدامادY ره‏- بناء على ما صوره من الحدوث و القدم الدهريين- و سيجي‏ء بيانه- . و منها السبق و التقدم بالرتبة- أعم من أن يكون الترتيب بحسب الطبع- أو بحسب الوضع و الاعتبار- فالأول كالأجناس و الأنواع المترتبة- فإنك إن ابتدأت آخذا من جنس الأجناس- كان سابقا متقدما على ما دونه ثم الذي يليه- و هكذا حتى ينتهي إلى النوع الأخير- و إن ابتدأت آخذا من النوع الأخير- كان الأمر في التقدم و التأخر بالعكس- .

و الثاني كالإمام و المأموم- فإنك إن اعتبرت المبدأ هو المحراب- كان الإمام هو السابق على من يليه من المأمومين- ثم من يليه على من يليه- و إن

114

اعتبرت المبدأ هو الباب- كان أمر السبق و اللحوق بالعكس- .

و يقابل السبق و التقدم بالرتبة- اللحوق و التأخر بالرتبة- .

و منها السبق بالشرف و هو السبق في الصفات الكمالية- كتقدم العالم على الجاهل و الشجاع على الجبان.

الفصل الثاني في ملاك السبق في أقسامه‏

و هو الأمر المشترك فيه بين المتقدم و المتأخر- الذي فيه التقدم- .

ملاك السبق في السبق الزماني هو النسبة إلى الزمان- سواء في ذلك نفس الزمان و الأمر الزماني- و في السبق بالطبع هو النسبة إلى الوجود- و في السبق بالعلية هو الوجوب- و في السبق بالماهية و التجوهر هو تقرر الماهية- و في السبق بالحقيقة هو مطلق التحقق- الأعم من الحقيقي و المجازي- و في السبق الدهري هو الكون بمتن الواقع- و في السبق بالرتبة النسبة إلى مبدإ محدود- كالمحراب أو الباب في الرتبة الحسية- و كالجنس العالي أو النوع الأخير في الرتبة العقلية- و في السبق بالشرف هو الفضل و المزية.

الفصل الثالث في القدم و الحدوث و أقسامهما

كانت العامة تطلق اللفظتين- القديم و الحادث على أمرين- يشتركان في الانطباق على زمان واحد-إذا كان زمان وجود أحدهما- أكثر من‏

115

زمان وجود الآخر- فكان الأكثر زمانا هو القديم- و الأقل زمانا هو الحادث و الحديث- و هما وصفان إضافيان- أي إن الشي‏ء الواحد- يكون حادثا بالنسبة إلى شي‏ء- و قديما بالنسبة إلى آخر- فكان المحصل من مفهوم الحدوث هو- مسبوقية الشي‏ء بالعدم في زمان- و من مفهوم القدم عدم كونه مسبوقا بذلك- .

ثم عمموا مفهومي اللفظين- بأخذ العدم مطلقا يعم العدم المقابل- و هو العدم الزماني الذي لا يجامع الوجود- و العدم المجامع الذي هو عدم الشي‏ء في حد ذاته- المجامع لوجوده بعد استناده إلى العلة- .

فكان مفهوم الحدوث مسبوقية الوجود بالعدم- و مفهوم القدم عدم مسبوقيته بالعدم- و المعنيان من الأعراض الذاتية لمطلق الوجود- فإن الموجود بما هو موجود- إما مسبوق بالعدم و إما ليس بمسبوق به- و عند ذلك صح البحث عنهما في الفلسفة- .

فمن الحدوث الحدوث الزماني- و هو مسبوقية وجود الشي‏ء بالعدم الزماني‏- كمسبوقية اليوم بالعدم في أمس- و مسبوقية حوادث اليوم بالعدم في أمس- و يقابله القدم الزماني- و هو عدم مسبوقية الشي‏ء بالعدم الزماني- كمطلق الزمان الذي لا يتقدمه زمان و لا زماني- و إلا ثبت الزمان من حيث انتفى هذا خلف- .

و من الحدوث الحدوث الذاتي- و هو مسبوقية وجود الشي‏ء بالعدم في ذاته- كجميع الموجودات الممكنة- التي لها الوجود بعلة خارجة من ذاتها- و ليس لها في ماهيتها و حد ذاتها إلا العدم- .

فإن قلت الماهية ليس لها في حد ذاتها إلا الإمكان- و لازمه تساوي نسبتها إلى الوجود و العدم- و خلو الذات عن الوجود و العدم جميعا- دون التلبس بالعدم كما قيل- .

قلت الماهية و إن كانت في ذاتها- خالية عن الوجود و العدم- مفتقرة في‏

116

تلبسها بأحدهما إلى مرجح- لكن عدم مرجح الوجود و علته كاف في كونها معدومة- و بعبارة أخرى خلوها في حد ذاتها- عن الوجود و العدم و سلبهما عنها- إنما هو بحسب الحمل الأولى- و هو لا ينافي اتصافها بالعدم حينئذ بحسب الحمل الشائع- .

و يقابل الحدوث بهذا المعنى القدم الذاتي- و هو عدم مسبوقية الشي‏ء بالعدم في حد ذاته- و إنما يكون فيما كانت الذات- عين حقيقة الوجود الطارد للعدم بذاته- و هو الوجود الواجبي الذي ماهيته إنيته- .

و من الحدوث الحدوث الدهري‏- الذي ذكره السيد المحقق ؟الدامادY ره- و هو مسبوقية وجود مرتبة من مراتب الوجود- بعدمه المتقرر في مرتبة- هي فوقها في السلسلة الطولية- و هو عدم غير مجامع- لكنه غير زماني- كمسبوقية عالم المادة بعدمه المتقرر في عالم المثال- و يقابله القدم الدهري و هو ظاهر.

117

المرحلة العاشرة في القوة و الفعل‏

و فيها ستة عشر فصلا

118

المرحلة العاشرة في القوة و الفعل وجود الشي‏ء في الأعيان- بحيث يترتب عليه آثاره المطلوبة منه يسمى فعلا- و يقال إن وجوده بالفعل- و إمكانه‏ الذي قبل تحققه يسمى قوة- و يقال إن وجوده بالقوة بعد- و ذلك كالماء يمكن أن يتبدل هواء- فإنه ما دام ماء ماء بالفعل و هواء بالقوة- فإذا تبدل هواء صار هواء بالفعل و بطلت القوة- فمن الوجود ما هو بالفعل و منه ما هو بالقوة- و القسمان هما المبحوث عنهما في هذه المرحلة- و فيها ستة عشر فصلا

الفصل الأول كل حادث زماني مسبوق بقوة الوجود

كل حادث زماني فإنه مسبوق بقوة الوجود- لأنه‏ قبل تحقق وجوده- يجب أن يكون ممكن الوجود- يجوز أن يتصف بالوجود كما يجوز أن لا يوجد- إذ لو كان ممتنع الوجود استحال تحققه- كما أنه لو كان واجبا لم يتخلف عن الوجود- لكنه ربما لم يوجد- و إمكانه هذا غير قدرة الفاعل عليه- لأن إمكان وجوده وصف له بالقياس إلى وجوده- لا بالقياس إلى شي‏ء آخر كالفاعل- .

119

و هذا الإمكان أمر خارجي- لا معنى عقلي اعتباري‏ لاحق بماهية الشي‏ء- لأنه يتصف بالشدة و الضعف و القرب و البعد- فالنطفة التي فيها إمكان أن يصير إنسانا- أقرب إلى الإنسانية من الغذاء الذي يتبدل نطفة- و الإمكان فيها أشد منه فيه- . و إذ كان هذا الإمكان أمرا موجودا في الخارج- فليس جوهرا قائما بذاته‏ و هو ظاهر- بل هو عرض قائم بشي‏ء آخر- فلنسمه قوة و لنسم موضوعه مادة- فإذن لكل حادث زماني- مادة سابقة عليه تحمل قوة وجوده- .

و يجب أن تكون المادة- غير آبية عن الفعلية التي تحمل إمكانها- فهي في ذاتها قوة الفعلية التي فيها إمكانها- إذ لو كانت ذات فعلية في نفسها- لأبت عن قبول فعلية أخرى- بل هي جوهر فعلية وجوده أنه قوة الأشياء- و هي لكونها جوهرا بالقوة قائمة بفعلية أخرى- إذا حدثت الفعلية التي فيها قوتها- بطلت الفعلية الأولى- و قامت مقامها الفعلية الحديثة- كالماء إذا صار هواء بطلت الصورة المائية- التي كانت تقوم المادة الحاملة لصورة الهواء- و قامت الصورة الهوائية مقامها- فتقومت بها المادة التي كانت تحمل إمكانها- .

و مادة الفعلية الجديدة الحادثة- و الفعلية السابقة الزائلة واحدة- و إلا كانت حادثة بحدوث الفعلية الحادثة- فاستلزمت إمكانا آخر و مادة أخرى و هكذا- فكانت لحادث واحد- مواد و إمكانات غير متناهية و هو محال- و نظير الإشكال لازم فيما لو فرض للمادة حدوث زماني- .

و قد تبين بما مر أيضا أولا- أن كل حادث زماني- فله مادة تحمل قوة وجوده- . و ثانيا أن مادة الحوادث الزمانية- واحدة مشتركة بينها- . و ثالثا أن النسبة بين المادة و قوة الشي‏ء- التي تحملها نسبة الجسم الطبيعي و الجسم التعليمي- فقوة الشي‏ء الخاص تعين قوة المادة المبهمة- كما أن الجسم التعليمي تعين- الامتدادات الثلاث المبهمة في الجسم الطبيعي- .

و رابعا أن وجود الحوادث الزمانية- لا ينفك عن تغير في صورها إن‏

120

كانت جواهر- أو في أحوالها إن كانت أعراضا- .

و خامسا أن القوة تقوم دائما بفعلية- و المادة تقوم دائما بصورة تحفظها- فإذا حدثت صورة بعد صورة- قامت الصورة الحديثة مقام القديمة و قومت المادة- .

و سادسا يتبين بما تقدم- أن القوة تتقدم على الفعل الخاص تقدما زمانيا- و أن مطلق الفعل يتقدم على القوة- بجميع أنحاء التقدم- من علي و طبعي و زماني و غيرها.

الفصل الثاني في تقسيم التغير

قد عرفت أن من لوازم خروج الشي‏ء- من القوة إلى الفعل حصول التغير- إما في ذاته أو في أحوال ذاته- فاعلم أن حصول التغير إما دفعي و إما تدريجي‏- و الثاني هو الحركة و هي نحو وجود تدريجي للشي‏ء- ينبغي أن يبحث عنها من هذه الجهة في الفلسفة الأولى.

الفصل الثالث في تحديد الحركة

قد تبين في الفصل السابق- أن الحركة خروج الشي‏ء من القوة إلى الفعل تدريجا- و إن شئت فقل هي تغير الشي‏ء تدريجا- و التدريج معنى بديهي التصور بإعانة الحس عليه‏- و عرفها ؟المعلم الأول‏Y بأنها- كمال‏ أول لما بالقوة من حيث إنه بالقوة- و توضيحه أن حصول- ما يمكن أن يحصل‏

121

للشي‏ء كمال له- و الشي‏ء الذي يقصد بالحركة حالا من الأحوال- كالجسم‏ مثلا- يقصد مكانا ليتمكن فيه فيسلك إليه- كان كل من السلوك و التمكن في المكان الذي يسلك إليه- كمالا لذلك الجسم- غير أن السلوك كمال أول لتقدمه و التمكن كمال ثان- فإذا شرع في السلوك فقد تحقق له كمال لكن لا مطلقا- بل من حيث إنه بعد بالقوة- بالنسبة إلى كماله الثاني- و هو التمكن في المكان الذي يريده- فالحركة كمال أول لما هو بالقوة- بالنسبة إلى الكمالين- من حيث إنه بالقوة بالنسبة إلى الكمال الثاني- .

و قد تبين بذلك- أن الحركة تتوقف في تحققها على أمور ستة- المبدأ الذي منه الحركة- و المنتهى الذي إليه الحركة- و الموضوع الذي له الحركة و هو المتحرك- و الفاعل الذي يوجد الحركة و هو المحرك- و المسافة التي فيها الحركة- و الزمان الذي ينطبق عليه الحركة نوعا من الانطباق- و سيجي‏ء توضيح ذلك‏.

الفصل الرابع في انقسام الحركة إلى توسطية و قطعية

تعتبر الحركة بمعنيين أحدهما- كون الجسم بين المبدإ و المنتهى- بحيث كل حد فرض في الوسط- فهو ليس قبله و لا بعده فيه- و هو حالة بسيطة ثابتة لا انقسام فيها- و تسمى الحركة التوسطية- . و ثانيهما الحالة المذكورة- من حيث لها نسبة إلى حدود المسافة- من حد تركها و من حد لم يبلغها- أي إلى قوة تبدلت فعلا- و إلى قوة باقية على حالها بعد- يريد المتحرك أن يبدلها فعلا- و لازمه الانقسام إلى الأجزاء- و الانصرام و التقضي تدريجا- كما أنه خروج من القوة إلى الفعل تدريجا- و تسمى الحركة

122

القطعية- و المعنيان جميعا موجودان في الخارج- لانطباقهما عليه بجميع خصوصياتهما- .

و أما الصورة التي يأخذها الخيال من الحركة- بأخذ الحد بعد الحد من الحركة و جمعها فيه- صورة متصلة مجتمعة منقسمة إلى الأجزاء- فهي ذهنية لا وجود لها في الخارج- لعدم جواز اجتماع الأجزاء في الحركة- و إلا كان ثباتا لا تغيرا- . و قد تبين بذلك- أن الحركة و نعني بها القطعية- نحو وجود سيال منقسم إلى أجزاء- تمتزج فيه القوة و الفعل- بحيث يكون كل جزء مفروض فيه- فعلا لما قبله من الأجزاء و قوة لما بعده- و ينتهي من الجانبين إلى قوة لا فعل معها- و إلى فعل لا قوة معه‏.

الفصل الخامس في مبدإ الحركة و منتهاها

قد عرفت أن في الحركة انقساما لذاتها- فاعلم أن هذا الانقسام لا يقف على حد- نظير الانقسام الذي في الكميات المتصلة القارة- من الخط و السطح و الجسم‏- إذ لو وقف على حد كان جزءا لا يتجزأ- و قد تقدم بطلانه- . و أيضا هو انقسام بالقوة لا بالفعل- إذ لو كان بالفعل بطلت الحركة- لانتهاء القسمة إلى أجزاء دفعية الوقوع- . و بذلك يتبين- أنه لا مبدأ للحركة و لا منتهى لها- بمعنى الجزء الأول‏

123

الذي لا ينقسم- من جهة الحركة و الجزء الآخر الذي كذلك- لما عرفت آنفا أن الجزء بهذا المعنى- دفعي الوقوع‏ غير تدريجية- فلا ينطبق عليه حد الحركة- لأنها تدريجية الذات- . و أما ما تقدم- أن الحركة تنتهي من الجانبين- إلى قوة لا فعل معها و فعل لا قوة معه‏- فهو تحديد لها بالخارج من ذاتها.

الفصل السادس في موضوع الحركة و هو المتحرك الذي يتلبس بها

قد عرفت أن الحركة- خروج الشي‏ء من القوة إلى الفعل تدريجا- و أن هذه القوة يجب أن تكون محمولة- في أمر جوهري قائمة به‏- و هذا الذي بالقوة كمال بالقوة للمادة متحد معها- فإذا تبدلت القوة فعلا- كان الفعل متحدا مع المادة مكان القوة- فمادة الماء مثلا هواء بالقوة- و كذا الجسم الحامض حلو بالقوة- فإذا تبدلت الماء هواءا و الحموضة حلاوة- كانت المادة التي في الماء هي المتلبسة بالهوائية- و الجسم الحامض هو المتلبس بالحلاوة- ففي كل حركة موضوع- تنعته الحركة و تجري عليه- . و يجب أن يكون موضوع الحركة أمرا ثابتا- تجري و تتجدد عليه الحركة- و إلا كان ما بالقوة غير ما يخرج إلى الفعل- فلم تتحقق الحركة التي هي- خروج الشي‏ء من القوة إلى الفعل تدريجا- . و يجب أن لا يكون موضوع الحركة- أمرا بالفعل من كل جهة- كالعقل‏

124

المجرد إذ لا حركة إلا مع قوة ما- فما لا قوة فيه فلا حركة له- و لا أن يكون بالقوة من جميع الجهات- إذ لا وجود لما هو كذلك- بل أمرا بالقوة من جهة و بالفعل من جهة- كالمادة الأولى التي لها قوة الأشياء- و فعلية أنها بالقوة- و كالجسم الذي هو مادة ثانية- لها قوة الصور النوعية و الأعراض المختلفة- و فعلية الجسمية و بعض الصور النوعية.

الفصل السابع في فاعل الحركة و هو المحرك‏

يجب أن يكون المحرك غير المتحرك- إذ لو كان المتحرك- هو الذي يوجد الحركة في نفسه- لزم أن يكون شي‏ء واحد- فاعلا و قابلا من جهة واحدة و هو محال- فإن حيثية الفعل هي حيثية الوجدان- و حيثية القبول هي حيثية الفقدان- و لا معنى لكون شي‏ء واحد- واجدا و فاقدا من جهة واحدة- .

و أيضا المتحرك هو بالقوة بالنسبة إلى الفعل- الذي يحصل له بالحركة و فاقد له- و ما هو بالقوة لا يفيد فعلا- . و يجب أن يكون الفاعل القريب للحركة- أمرا متغيرا متجدد الذات- إذ لو كان أمرا ثابت الذات من غير تغير و سيلان- كان الصادر منه أمرا ثابتا في نفسه- فلم يتغير جزء من الحركة إلى غيره من الأجزاء- لثبات علته من غير تغير في حالها- فلم تكن الحركة حركة هذا خلف‏

125

الفصل الثامن في ارتباط المتغير بالثابت‏

ربما قيل إن وجوب استناد المتغير المتجدد- إلى علة متغيرة متجددة مثله- يوجب استناد علته المتغيرة المتجددة أيضا- إلى مثلها في التغير و التجدد و هلم جرا- و يستلزم ذلك أما التسلسل أو الدور- أو التغير في المبدإ الأول تعالى عن ذلك- . و أجيب‏ بأن التجدد و التغير- ينتهي إلى جوهر متحرك بجوهره- فيكون التجدد ذاتيا له- فيصح استناده إلى علة ثابتة توجد ذاته- لأن إيجاد ذاته عين إيجاد تجدده‏

الفصل التاسع في المسافة التي يقطعها المتحرك بالحركة

مسافة الحركة هي- الوجود المتصل السيال- الذي يجري على الموضوع المتحرك- و ينتزع منه لا محالة مقولة من المقولات‏- لكن لا من حيث إنه متصل واحد متغير- فإن لازمه وقوع التشكيك في الماهية و هو محال- بل من حيث إنه منقسم إلى أقسام آنية الوجود- كل قسم منه نوع من أنواع المقولة مبائن لغيره- كنمو الجسم مثلا فإنه حركة منه في الكم- يرد عليه في كل آن من آنات الحركة- نوع من أنواع الكم المتصل- مبائن للنوع الذي ورد عليه في الآن السابق- و النوع الذي سيرد عليه في اللاحق- .

126

فمعنى‏ حركة الشي‏ء في المقولة- أن يرد على الموضوع في كل آن- نوع من أنواع المقولة- مبائن للنوع الذي يرد عليه في آن غيره‏.

الفصل العاشر في المقولات التي تقع فيها الحركة

المشهور بين قدماء الفلاسفة- أن المقولات التي تقع فيها الحركة أربع مقولات- الأين و الكيف و الكم و الوضع- .

أما الأين فوقوع الحركة فيه ظاهر- كالحركات المكانية التي في الأجسام- لكن في كون الأين مقولة برأسها كلام- و إن كان مشهورا بينهم- بل الأين ضرب من الوضع- و عليه فالحركة الأينية ضرب من الحركة الوضعية- . و أما الكيف فوقوع الحركة فيه- و خاصة في الكيفيات غير الفعلية- كالكيفيات المختصة بالكميات- كالاستواء و الاعوجاج و نحوهما ظاهر- فإن الجسم المتحرك في كمه- يتحرك في الكيفيات القائمة بكمه- . و أما الكم فالحركة فيه- تغير الجسم في كمه- تغيرا متصلا بنسبة منتظمة تدريجا- كالنمو الذي هو زيادة الجسم في حجمه- زيادة متصلة منتظمة تدريجا- .

و قد أورد عليه- أن النمو إنما يتحقق بانضمام- أجزاء من خارج إلى أجزاء الجسم- فالكم الكبير اللاحق هو الكم العارض- لمجموع الأجزاء الأصلية و المنضمة- و الكم الصغير السابق- هو الكم العارض لنفس الأجزاء الأصلية- و الكمان متباينان غير متصلين لتباين موضوعيهما- فلا حركة في كم بل هو زوال كم و حدوث آخر- .

127

و أجيب عنه‏ أن انضمام الضمائم لا ريب فيه- لكن الطبيعة تبدل الأجزاء المنضمة بعد الضم- إلى صورة الأجزاء الأصلية- و لا تزال تبدل و تزيد كمية الأجزاء الأصلية تدريجا- بانضمام الأجزاء و تغيرها إلى الأجزاء الأصلية- فيزداد الكم العارض للأجزاء الأصلية- زيادة متصلة تدريجية و هي الحركة- . و أما الوضع فالحركة فيه أيضا ظاهر- كحركة الكرة على محورها- فإنه تتبدل بها نسبة النقاط- المفروضة عليها إلى الخارج عنها- و هو تغير تدريجي في وضعها- .

قالوا و لا تقع حركة في باقي المقولات- و هي الفعل و الانفعال- و متى و الإضافة و الجدة و الجوهر- . أما الفعل و الانفعال- فإنه قد أخذ في مفهوميهما التدريج- فلا فرد آني الوجود لهما- و وقوع الحركة فيهما يقتضي الانقسام- إلى أقسام آنية الوجود و ليس لهما ذلك- . و كذا الكلام في متى فإنه- الهيأة الحاصلة من نسبة الشي‏ء إلى الزمان- فهي تدريجية تنافي وقوع الحركة فيها- المقتضية للانقسام إلى أقسام آنية الوجود- .

و أما الإضافة فإنها انتزاعية تابعة لطرفيها- فلا تستقل بشي‏ء كالحركة- و كذا الجدة فإن التغير فيها تابع لتغير موضوعها- كتغير النعل أو القدم عما كانتا عليه- . و أما الجوهر فوقوع الحركة فيه- يستلزم تحقق الحركة من غير موضوع ثابت- و قد تقدم أن تحقق الحركة موقوف- على موضوع ثابت باق ما دامت الحركة.

128

الفصل الحادي عشر في تعقيب ما مر في الفصل السابق‏

ذهب ؟صدر المتألهين‏Y ره إلى وقوع الحركة في مقولة الجوهر- و استدل عليه بأمور أوضحها- أن وقوع الحركة في المقولات الأربع العرضية- يقضي بوقوعها في مقولة الجوهر- لأن الأعراض تابعة للجواهر- مستندة إليها استناد الفعل إلى فاعله- فالأفعال الجسمانية مستندة إلى الطبائع و الصور النوعية- و هي الأسباب القريبة لها- و قد تقدم أن السبب القريب للحركة- أمر تدريجي كمثلها- فالطبائع و الصور النوعية في الأجسام المتحركة- في الكم و الكيف و الأين و الوضع متغيرة- سيالة الوجود كأعراضها- و لو لا ذلك لم يتحقق سبب لشي‏ء من هذه الحركات‏- .

و أورد عليه أنا ننقل الكلام إلى الطبيعة المتجددة- كيف صدرت عن المبدإ الثابت و هي متجددة- .

و أجيب عنه‏ بأن الحركة لما كانت في جوهرها- فالتغير و التجدد ذاتي لها و الذاتي لا يعلل- فالجاعل إنما جعل المتجدد لا أنه جعل المتجدد متجددا- .

و أورد عليه أنا نوجه استناد- الأعراض المتجددة إلى الطبيعة بهذا الوجه بعينه- من غير حاجة إلى جعل الطبيعة متجددة- فالتجدد ذاتي للعرض المتجدد- و الطبيعة جعلت العرض المتجدد- و لم تجعل المتجدد متجددا- . و أجيب عنه‏ بأن الأعراض- مستندة في وجودها إلى الجوهر و تابعة له-

129

فالذاتية لا بد أن تتم في الجواهر- .

و أورد عليه أيضا- أن القوم صححوا ارتباط- هذه الأعراض المتجددة إلى المبدإ الثابت- من طبيعة و غيرها بنحو آخر- و هو أن التغير لاحق لها من خارج- كتجدد مراتب قرب و بعد- من الغاية المطلوبة في الحركات الطبيعية- و كتجدد أحوال أخرى في الحركات القسرية- التي على خلاف الطبيعة- و كتجدد إرادات جزئية منبعثة من النفس- في كل حد من حدود الحركات النفسانية- التي مبدؤها النفس- .

و أجيب عنه‏ بأنا ننقل الكلام- إلى هذه الأحوال و الإرادات المتجددة- من أين تجددت- فإنها لا محالة تنتهي- في الحركات الطبيعية إلى الطبيعة- و كذا في القسرية- فإن القسر ينتهي إلى الطبيعة- و كذا في النفسانية فإن الفاعل المباشر- للتحريك فيها أيضا الطبيعة كما سيجي‏ء- . و يمكن أن يستدل على الحركة في الجوهر بما تقدم‏- أن وجود العرض من مراتب وجود الجوهر- من حيث كون وجوده في نفسه عين وجوده‏ للجوهر- فتغيره و تجدده تغير للجوهر و تجدد له- . و يتفرع على ما تقدم أولا- أن الصور الطبيعية المتبدلة- صورة بعد صورة على المادة بالحقيقة- صورة جوهرية واحدة سيالة- تجري على المادة- و ينتزع من كل حد من حدودها- مفهوم مغاير لما ينتزع من غيره- .

هذا في تبدل الصور الطبيعية بعضها من بعض- و هناك حركة اشتدادية جوهرية أخرى- هي حركة المادة الأولى إلى الطبيعية- ثم النباتية ثم الحيوانية ثم الإنسانية- . و ثانيا أن الجوهر المتحرك في جوهره- متحرك بجميع أعراضه- لما سمعت‏

130

من حديث كون وجود الأعراض- من مراتب وجود الجوهر الموضوع لها- .

و لازم ذلك كون حركة الجوهر- في المقولات الأربع‏ أو الثلاث‏ من قبيل الحركة في الحركة- و على هذا ينبغي أن تسمى هذه الحركات الأربع- أو الثلاث حركات ثانية- و ما لمطلق الأعراض من الحركة- بتبع الجوهر لا بعرضه حركات أولى- .

و ثالثا أن العالم الجسماني بمادته الواحدة- حقيقة واحدة سيالة- متحركة بجميع جواهرها و أعراضها قافلة واحدة- إلى غاية ثابتة لها الفعلية المحضة.

الفصل الثاني عشر في موضوع الحركة الجوهرية و فاعلها

قالوا إن موضوع هذه الحركة- هو المادة المتحصلة بصورة ما من الصور- المتعاقبة المتحدة بالاتصال و السيلان- فوحدة المادة و شخصيتها محفوظة- بصورة ما من الصور المتبدلة- و صورة ما و إن كانت مبهمة- لكن وحدتها محفوظة بجوهر مفارق- هو الفاعل للمادة- الحافظ لها و لوحدتها و شخصيتها بصورة ما- فصورة ما شريكة العلة للمادة- و المادة المتحصلة بها هي موضوع الحركة- . و هذا كما أن القائلين بالكون و الفساد- النافين للحركة الجوهرية قالوا- أن فاعل المادة هو صورة ما- محفوظة وحدتها بجوهر مفارق- يفعلها و يفعل المادة بواسطتها- فصورة ما شريكة العلة بالنسبة إلى المادة- حافظة لتحصلها و وحدتها- .

و التحقيق أن حاجة الحركة- إلى موضوع ثابت باق ما دامت الحركة- إن كانت لأجل أن تنحفظ به وحدة الحركة- و لا تنثلم بطرو الانقسام عليها-

131

و عدم اجتماع أجزائها في الوجود- فاتصال الحركة في نفسها- و كون الانقسام وهميا غير فكي كاف في ذلك- و إن كانت لأجل أنها معنى ناعتي- يحتاج إلى أمر موجود لنفسه- حتى يوجد له و ينعته- كما أن الأعراض و الصور الجوهرية المنطبعة- في المادة تحتاج إلى موضوع كذلك- توجد له و تنعته- فموضوع الحركات العرضية أمر جوهري غيرها- و موضوع الحركة الجوهرية نفس الحركة- إذ لا نعني بموضوع الحركة- إلا ذاتا تقوم به الحركة و توجد له- و الحركة الجوهرية لما كانت ذاتا جوهرية سيالة- كانت قائمة بذاتها موجودة لنفسها- فهي حركة و متحركة في نفسها- . و إسناد الموضوعية إلى المادة التي- تجري عليها الصور الجوهرية على نحو الاتصال و السيلان- لمكان اتحادها معها- و إلا فهي في نفسها عارية عن كل فعلية.

الفصل الثالث عشر في الزمان‏

إنا نجد الحوادث الواقعة- تحت الحركة منقسمة إلى قطعات- لا تجامع قطعة منها القطعة الأخرى في فعلية الوجود- لما أن فعلية وجود القطعة المفروضة ثانيا- متوفقة على زوال الوجود الفعلي للقطعة الأولى- ثم نجد القطعة الأولى المتوقف عليها- منقسمة في نفسها إلى قطعتين كذلك- لا تجامع إحداهما الأخرى- و هكذا كلما حصلنا قطعة- قبلت القسمة إلى قطعتين كذلك- من دون أن تقف القسمة على حد- . و لا يتأتى هذا إلا بعروض امتداد كمي على الحركة- تتقدر به و تقبل الانقسام- و ليس هذا الامتداد نفس حقيقة الحركة- لأنه امتداد متعين- و ما

132

في الحركة في نفسها امتداد مبهم- نظير الامتداد المبهم الذي في الجسم الطبيعي- و تعينه الذي هو الجسم التعليمي- .

فهذا الامتداد الذي به تعين امتداد الحركة- كم متصل عارض للحركة نظير الجسم التعليمي الذي به تعين امتداد الجسم الطبيعي- للجسم الطبيعي- إلا أن هذا الكم العارض للحركة- غير قار و لا يجامع بعض أجزائه المفروضة بعضا- بخلاف كمية الجسم التعليمي- فإنها قارة مجتمعة الأجزاء- .

و هذا هو الزمان العارض للحركة و مقدارها- و كل جزء منه من حيث أنه- متوقف عليه الآخر متقدم بالنسبة إليه- و من حيث إنه متوقف متأخر بالنسبة إلى ما توقف عليه- و الطرف منه الحاصل بالقسمة هو الآن- .

و قد تبين بما تقدم أولا- أن لكل حركة زمانا خاصا بها- هو مقدار تلك الحركة- و قد أطبق الناس على تقدير عامة الحركات- و تعيين النسب بينها بالزمان العام- الذي هو مقدار الحركة اليومية- لكونه معروفا عندهم مشهودا لهم كافة- و قد قسموه إلى القرون و السنين و الشهور و الأسابيع- و الأيام و الساعات و الدقائق و الثواني و غيرها- لتقدير الحركات بالتطبيق عليها- . و الزمان الذي له دخل في الحوادث الزمانية- عند المثبتين للحركة الجوهرية- هو زمان الحركة الجوهرية- .

و ثانيا أن التقدم و التأخر- ذاتيان بين أجزاء الزمان- بمعنى أن كون وجود الزمان سيالا غير قار- يقتضي أن ينقسم لو انقسم- إلى جزء يتوقف على زواله وجود جزء آخر بالفعل- و المتوقف عليه هو المتقدم و المتوقف هو المتأخر- و ثالثا أن الآن- و هو طرف الزمان و الحد الفاصل- بين الجزءين لو انقسم هو أمر عدمي‏- لكون الانقسام وهميا غير فكي- . و رابعا أن تتالي الآنات- و هو اجتماع حدين عدميين أو أكثر- من غير تخلل جزء من الزمان- فاصل بينهما محال و هو ظاهر- و مثله الكلام في تتالي الآنيات- المنطبقة على طرف الزمان كالوصول و الافتراق- .

133

و خامسا أن الزمان لا أول له و لا آخر له- بمعنى الجزء الذي لا ينقسم من مبتدئه أو منتهاه- لأن قبول القسمة ذاتي له‏.

الفصل الرابع عشر في السرعة و البطؤ

إذا فرضنا حركتين و اعتبرنا النسبة بينهما- فإن تساوتا زمانا- فأكثرهما قطعا للمسافة أسرعهما- و إن تساوتا مسافة فأقلهما زمانا أسرعهما- فالسرعة قطع مسافة كثيرة في زمان قليل- و البطؤ خلافه‏- . قالوا إن البطؤ ليس بتخلل السكون- بأن تكون الحركة- كلما كان تخلل السكون فيها أكثر كانت أبطأ- و كلما كان أقل كانت أسرع- و ذلك لاتصال الحركة بامتزاج القوة و الفعل فيها- فلا سبيل إلى تخلل السكون فيها- . و قالوا إن السرعة و البطؤ- متقابلان‏ تقابل التضاد- و ذلك لأنهما وجوديان- فليس تقابلهما تقابل التناقض- أو العدم و الملكة و ليسا بالمتضائفين- و إلا كانا كلما ثبت أحدهما- ثبت الآخر و ليس كذلك- فلم يبق إلا أن يكونا متضادين- و هو المطلوب- . و فيه‏ أن من شرط المتضادين- أن يكون بينهما غاية الخلاف- و ليست بمتحققة بين السرعة و البطؤ- إذ ما من سريع- إلا و يمكن أن يفرض ما هو أسرع منه- و كذا ما من بطي‏ء- إلا و يمكن أن يفرض ما هو أبطأ منه- .

و الحق أن السرعة و البطؤ وصفان إضافيان- فسرعة حركة بالنسبة إلى أخرى- بطؤ بعينها بالنسبة إلى ثالثة- و كذلك الأمر في البطؤ- و السرعة بمعنى الجريان و السيلان خاصة لمطلق الحركة- ثم تشتد و تضعف- فيحدث بإضافة بعضها إلى بعض السرعة و البطؤ الإضافيان.

134

الفصل الخامس عشر في السكون‏

يطلق السكون على- خلو الجسم من الحركة قبلها أو بعدها- و على ثبات الجسم على حاله التي هو عليها- و الذي يقابل الحركة هو المعنى الأول- و الثاني لازمه و هو معنى عدمي- بمعنى انعدام الصفة عن موضوع قابل هو الجسم- فيكون هو عدم الحركة عما من شأنه أن يتحرك- فالتقابل بينه و بين الحركة تقابل العدم و الملكة- و لا يكاد يخلو عن الحركة جسم أو أمر جسماني- إلا ما كان آني الوجود- كالوصول إلى حد المسافة- و انفصال شي‏ء من شي‏ء- و حدوث الأشكال الهندسية و نحو ذلك‏.

الفصل السادس عشر في انقسامات الحركة

تنقسم الحركة- بانقسام الأمور الستة التي تتعلق بها ذاتها- .

فانقسامها بانقسام المبدإ و المنتهى- كالحركة من مكان كذا إلى مكان كذا- و الحركة من لون كذا إلى لون كذا- و حركة النبات من قدر كذا إلى قدر كذا- .

و انقسامها بانقسام الموضوع- كحركة النبات و حركة الحيوان و حركة الإنسان- .

و انقسامها بانقسام المقولة كالحركة في الكيف- و الحركة في الكم‏

135

و الحركة في الوضع- .

و انقسامها بانقسام الزمان- كالحركة الليلية و الحركة النهارية- و الحركة الصيفية و الحركة الشتوية- .

و انقسامها بانقسام الفاعل- كالحركة الطبيعية و الحركة القسرية- و الحركة الإرادية و يلحق بها بوجه‏ الحركة بالعرض- فإن الفاعل إما أن يكون ذا شعور و إرادة- بالنسبة إلى فعله أم لا- و الأول هو الفاعل النفساني و الحركة نفسانية- كالحركات الإرادية التي للإنسان و الحيوان- و الثاني إما أن تكون الحركة- منبعثة عن نفسه لو خلي و نفسه- و إما أن تكون منبعثة عنه- لقهر فاعل آخر إياه على الحركة- و الأول هو الفاعل الطبيعي و الحركة طبيعية- و الثاني هو الفاعل القاسر و الحركة قسرية- كالحجر المرمي إلى فوق- .

قالوا إن الفاعل القريب للحركة- في جميع هذه الحركات هو طبيعة المتحرك- عن تسخير نفساني أو اقتضاء طبيعي- أو قهر الطبيعة القاسرة- لطبيعة المقسور على الحركة- و المبدإ المباشر المتوسط- بين الفاعل و بين الحركة هو مبدأ الميل- الذي يوجده الفاعل في طبيعة المتحرك‏- و تفصيل الكلام فيه في الطبيعيات- .

خاتمة

- ليعلم أن القوة أو ما بالقوة- كما تطلق على حيثية القبول- كذلك تطلق على حيثية الفعل إذا كانت شديدة- و كما تطلق على مبدإ القبول القائم به ذلك- كذلك تطلق على مبدإ الفعل- كما تطلق القوى النفسانية و يراد بها- مبادي الآثار النفسانية- من إبصار و سمع و تخيل و غير ذلك- و كذلك القوى الطبيعية لمبادي الآثار الطبيعية- .

و هذه القوة الفاعلة إذا قارنت العلم و المشية- سميت قدرة الحيوان‏-

136

و هي علة فاعلة- تحتاج في تمام عليتها- و وجوب الفعل بها إلى أمور خارجة- كحضور المادة القابلة- و صلاحية أدوات الفعل و غيرها- تصير باجتماعها علة تامة- يجب معها الفعل- .

و من هنا يظهر أولا- عدم استقامة تحديد بعضهم‏ للقدرة بأنها- ما يصح معه الفعل و الترك- فإن نسبة الفعل و الترك إلى الفاعل- إنما تكون بالصحة و الإمكان- إذا كان جزءا من العلة التامة- لا يجب الفعل به وحده- بل به و ببقية الأجزاء التي تتم بها العلة التامة- و أما الفاعل التام الفاعلية- الذي هو وحدة علة تامة كالواجب تعالى- فلا معنى لكون نسبة الفعل و الترك إليه بالإمكان- .

و لا يوجب كون فعله واجبا أن يكون موجبا- مجبرا على الفعل غير قادر عليه- إذ هذا الوجوب لاحق بالفعل من قبله- و هو أثره فلا يضطره إلى الفعل- و لا أن هناك فاعلا آخر يؤثر فيه- بجعله مضطرا إلى الفعل- .

و ثانيا بطلان ما قال به قوم- إن صحة الفعل- متوقفة على كونه مسبوقا بالعدم الزماني- فالفعل الذي لا يسبقه عدم زماني ممتنع- و هو مبني على القول بأن علة الاحتياج إلى العلة- هي الحدوث دون الإمكان- و قد تقدم‏ إبطاله و إثبات أن علة الحاجة إلى العلة- هو الإمكان دون الحدوث- على أنه منقوض بنفس الزمان- .

و ثالثا بطلان قول من قال- إن القدرة إنما تحدث مع الفعل- و لا قدرة على فعل قبله‏- و فيه أنهم يرون أن القدرة- هي كون الشي‏ء بحيث يصح منه الفعل و الترك- فلو ترك الفعل زمانا ثم فعل- صدق عليه قبل الفعل- أنه يصح منه الفعل و الترك و هي القدرة.

137

المرحلة الحادية عشر في العلم و العالم و المعلوم‏

و فيها اثنا عشر فصلا

138

المرحلة الحادية عشر في العلم و العالم و المعلوم قد تحصل مما تقدم- أن الموجود ينقسم إلى ما بالقوة و ما بالفعل- و الأول هو المادة و الماديات- و الثاني غيرهما و هو المجرد- و مما يعرض المجرد عروضا أوليا- أن يكون علما و عالما و معلوما- لأن العلم كما سيجي‏ء بيانه- حضور وجود مجرد لوجود مجرد- فمن الحري أن نبحث عن ذلك في الفلسفة الأولى- و فيها اثنا عشر فصلا.

الفصل الأول في تعريف العلم و انقسامه الأولى‏

حصول العلم لنا ضروري- و كذلك مفهومه عندنا- و إنما نريد في هذا الفصل- معرفة ما هو أظهر خواصه- لنميز بها مصاديقه و خصوصياتها- . فنقول قد تقدم في بحث الوجود الذهني- أن لنا علما بالأمور الخارجة عنا في الجملة- بمعنى أنها تحصل لنا و تحضر عندنا بماهياتها- لا بوجوداتها الخارجية التي تترتب عليها الآثار- فهذا قسم من العلم- و يسمى علما حصوليا- .

139

و من العلم علم الواحد منا بذاته- التي يشير إليها بأنا- فإنه لا يغفل عن نفسه في حال من الأحوال- سواء في ذلك الخلاء و الملاء- و النوم و اليقظة و أية حال أخرى- .

و ليس ذلك بحضور ماهية ذاتنا- عندنا حضورا مفهوميا و علما حصوليا- لأن المفهوم الحاضر في الذهن- كيفما فرض‏ لا يأبى الصدق على كثيرين- و إنما يتشخص بالوجود الخارجي- و هذا الذي نشاهده من أنفسنا و نعبر عنه بأنا- أمر شخصي لذاته لا يقبل الشركة- و التشخص شأن الوجود- فعلمنا بذواتنا إنما هو بحضورها لنا بوجودها الخارجي- الذي هو- ملاك الشخصية و ترتب الآثار- و هذا قسم آخر من العلم- و يسمى العلم الحضوري- . و هذان قسمان ينقسم إليهما العلم قسمة حاصرة- فإن حصول المعلوم للعالم- إما بماهيته أو بوجوده- و الأول هو العلم الحصولي- و الثاني هو العلم الحضوري- .

ثم إن كون العلم حاصلا لنا- معناه حصول المعلوم لنا- لأن العلم عين المعلوم بالذات- إذ لا نعني بالعلم إلا حصول المعلوم لنا- و حصول الشي‏ء و حضوره ليس إلا وجوده- و وجوده نفسه- . و لا معنى لحصول المعلوم للعالم- إلا اتحاد العالم معه- سواء كان معلوما حضوريا أو حصوليا- فإن المعلوم الحضوري- إن كان جوهرا قائما بنفسه كان وجوده لنفسه- و هو مع ذلك للعالم- فقد اتحد العالم مع نفسه- و إن كان أمرا وجوده لموضوعه- و المفروض أن وجوده للعالم- فقد اتحد العالم مع موضوعه- و العرض أيضا- من مراتب وجود موضوعه غير خارج منه- فكذلك مع ما اتحد مع موضوعه- و كذا المعلوم الحصولي موجود للعالم- سواء كان جوهرا موجودا لنفسه- أو أمرا موجودا لغيره- و لازم كونه موجودا للعالم اتحاد العالم معه- . على أنه سيجي‏ء- أن العلم الحصولي علم حضوري في الحقيقة- .

140

فحصول العلم للعالم من خواص العلم- لكن لا كل حصول كيف كان- بل حصول أمر بالفعل فعلية محضة- لا قوة فيه لشي‏ء مطلقا- فإنا نشاهد بالوجدان- أن المعلوم من حيث هو معلوم- لا يقوى على شي‏ء آخر- و لا يقبل التغير عما هو عليه- فهو حصول أمر مجرد عن المادة خال من غواشي القوة- و نسمي ذلك حضورا- . فحضور المعلوم يستدعي كونه أمرا تاما في فعليته- من غير تعلق بالمادة و القوة- يوجب نقصه و عدم تمامه- من حيث كمالاته التي بالقوة- .

و مقتضى حضور المعلوم- أن يكون العالم الذي يحصل له العلم- أمرا فعليا تام الفعلية- غير ناقص من جهة التعلق بالقوة- و هو كون العالم مجردا عن المادة خاليا عن القوة- .

فقد بان أن العلم حضور موجود- مجرد لموجود مجرد- سواء كان الحاصل عين ما حصل له- كما في علم الشي‏ء بنفسه أو غيره بوجه- كما في علم الشي‏ء بالماهيات الخارجة عنه- .

و تبين أيضا أولا أن المعلوم- الذي هو متعلق العلم- يجب أن يكون أمرا مجردا عن المادة- و سيجي‏ء معنى تعلق العلم بالأمور المادية- .

و ثانيا أن العالم الذي يقوم به العلم- يجب أن يكون مجردا عن المادة أيضا.

الفصل الثاني ينقسم العلم الحصولي إلى كلي و جزئي‏

و الكلي ما لا يمتنع فرض صدقه على كثيرين- كالعلم بماهية الإنسان‏

141

و يسمى عقلا و تعقلا- و الجزئي ما يمتنع فرض صدقه على كثيرين- كالعلم بهذا الإنسان- بنوع من الاتصال بمادته الحاضرة- و يسمى علما إحساسيا- و كالعلم بالإنسان الفرد من غير حضور مادته- و يسمى علما خياليا- و عد هذين القسمين ممتنع الصدق على كثيرين- إنما هو من جهة اتصال أدوات الإحساس- بالمعلوم الخارجي في العلم الإحساسي- و توقف العلم الخيالي على العلم الإحساسي- و إلا فالصورة الذهنية كيفما فرضت- لا تأبى أن تصدق على كثيرين- .

و القسمان جميعا مجردان عن المادة لما تقدم- من فعلية الصورة العلمية- في ذاتها و عدم قبولها للتغير- .

و أيضا الصورة العلمية كيفما فرضت- لا تمتنع عن الصدق على كثيرين- و كل أمر مادي متشخص- ممتنع الصدق على أزيد من شخص واحد- .

و أيضا لو كانت الصورة الحسية أو الخيالية مادية- منطبعة بنوع من الانطباع في جزء بدني- لكانت منقسمة بانقسام محلها- و لكان في مكان و زمان و ليس كذلك- فالعلم لا يقبل القسمة- و لا يشار إليه إشارة وضعية مكانية- و لا أنه مقيد بزمان- لصحة تصورنا الصورة المحسوسة في وقت- بعد أمد بعيد على ما كانت عليه- من غير تغير فيها- و لو كانت مقيدة بالزمان لتغيرت بتقضيه- .

و ما يتوهم‏ من مقارنة حصول العلم للزمان- إنما هو مقارنة شرائط حصول الاستعداد له- لا نفس العلم- .

و أما توسط أدوات الحس في حصول الصورة المحسوسة- و توقف الصورة الخيالية على ذلك- فإنما هو لحصول الاستعداد الخاص للنفس- لتقوى به على تمثيل الصورة العلمية- و تفصيل القول في علم النفس- و مما تقدم يظهر أن قولهم-

142

إن التعقل‏ إنما هو بتقشير المعلوم- عن المادة و الأعراض المشخصة له- حتى لا يبقى إلا الماهية المعراة عن القشور- كالإنسان المجرد عن المادة الجسمية- و المشخصات الزمانية و المكانية و الوضعية و غيرها- بخلاف الإحساس المشروط بحضور المادة- و اكتناف الأعراض و الهيئات الشخصية- و الخيال المشروط ببقاء الأعراض و الهيئات المشخصة- من دون حضور المادة- قول على سبيل التمثيل للتقريب- و إلا فالمحسوس صورة مجردة علمية- و اشتراط حضور المادة و الاكتناف بالأعراض- المشخصة لحصول الاستعداد في النفس للإحساس- و كذا اشتراط الاكتناف بالمشخصات للتخيل- و كذا اشتراط التقشير في التعقل- للدلالة على اشتراط تخيل أزيد من فرد واحد- في حصول استعداد النفس لتعقل الماهية الكلية- المعبر عنه بانتزاع الكلي من الأفراد- .

و تبين‏ مما تقدم أيضا أن الوجود ينقسم- من حيث التجرد عن المادة و عدمه- إلى ثلاثة عوالم كلية- أحدها عالم المادة و القوة- و الثاني عالم التجرد عن المادة دون آثارها- من الشكل و المقدار و الوضع و غيرها- ففيه الصور الجسمانية و أعراضها و هيئاتها الكمالية- من غير مادة تحمل القوة و الانفعال- و يسمى عالم المثال و البرزخ- بين عالم العقل و عالم المادة- و الثالث عالم التجرد عن المادة و آثارها- و يسمى عالم العقل- .

و قد قسموا عالم المثال إلى- المثال الأعظم القائم بذاته- و المثال الأصغر القائم بالنفس- الذي تتصرف فيه النفس كيف تشاء- بحسب الدواعي المختلفة الحقة و الجزافية- فتأتي أحيانا بصور حقة صالحة- و أحيانا بصور جزافية تعبث بها- .

و العوالم الثلاثة المذكورة مترتبة طولا- فأعلاها مرتبة و أقواها و أقدمها وجودا- و أقربها من المبدإ الأول تعالى- عالم العقول المجردة- لتمام فعليتها و تنزه ذواتها عن شوب المادة و القوة- و يليه عالم المثال المتنزه عن المادة دون آثارها- و يليه عالم المادة موطن كل نقص و شر- و لا يتعلق بما فيه علم- إلا من‏

143

جهة ما يحاذيه من المثال و العقل.

الفصل الثالث ينقسم العلم انقساما آخر إلى كلي و جزئي‏

و المراد بالكلي ما لا يتغير بتغير المعلوم بالعرض- كصورة البناء التي يتصورها البناء- في نفسه ليبنى عليها- فالصورة عنده على حالها قبل البناء- و مع البناء و بعد البناء و إن خرب و انهدم- و يسمى علم ما قبل الكثرة- و العلوم الحاصلة من طريق العلل- كلية من هذا القبيل دائما- كعلم المنجم بأن القمر منخسف- يوم كذا ساعة كذا إلى مدة كذا- يعود فيه الوضع السماوي- بحيث يوجب حيلولة الأرض بينه و بين الشمس- فعلمه ثابت على حاله قبل الخسوف و معه و بعده- .

و المراد بالجزئي ما يتغير بتغير المعلوم بالعرض- كما إذا علمنا من طريق الإبصار بحركة زيد- ثم إذا وقف عن الحركة- تغيرت الصورة العلمية من الحركة إلى السكون- و يسمى علم ما بعد الكثرة- .

فإن‏ قلت التغير لا يكون إلا بقوة سابقة- و حاملها المادة و لازمه كون العلوم الجزئية مادية لا مجردة- .

قلنا العلم بالتغير غير تغير العلم- و المتغير ثابت في تغيره لا متغير- و تعلق العلم به‏ أعني حضوره عند العالم- من حيث ثباته لا تغيره و إلا لم يكن حاضرا- فلم يكن العلم حضور شي‏ء لشي‏ء هذا خلف‏.

144

الفصل الرابع في أنواع التعقل‏

ذكروا أن التعقل على ثلاثة أنواع- أحدها أن يكون العقل بالقوة- أي لا يكون شيئا من المعقولات بالفعل- و لا له شي‏ء من المعقولات بالفعل- لخلو النفس عن عامة المعقولات- .

الثاني أن يعقل معقولا- أو معقولات كثيرة بالفعل- مميزا لبعضها من بعض مرتبا لها- و هو العقل التفصيلي- .

الثالث أن يعقل معقولات كثيرة عقلا- بالفعل من غير أن يتميز بعضها من بعض- و إنما هو عقل بسيط إجمالي‏ فيه كل التفاصيل- و مثلوا له بما إذا سألك سائل- عن عدة من المسائل التي لك علم بها- فحضرك الجواب في الوقت- فأنت في أول لحظة تأخذ في الجواب- تعلم بها جميعا علما يقينيا بالفعل- لكن لا تميز لبعضها من بعض- و لا تفصيل و إنما يحصل التميز و التفصيل بالجواب- كان ما عندك‏ منبع تنبع و تجري منه التفاصيل- و يسمى عقلا إجماليا.

الفصل الخامس في مراتب العقل‏

ذكروا أن مراتب العقل أربع- إحداها كونه بالقوة بالنسبة إلى جميع المعقولات- و يسمى عقلا

145

هيولانيا- لشباهته في خلوه‏ عن المعقولات الهيولى- في كونها بالقوة بالنسبة إلى جميع الصور- و ثانيتها العقل بالملكة- و هي المرتبة التي تعقل فيها الأمور البديهية- من التصورات و التصديقات- فإن تعلق العلم بالبديهيات- أقدم من تعلقه بالنظريات- . و ثالثتها العقل بالفعل- و هو تعلقه النظريات بتوسيط البديهيات- و إن كانت مرتبة بعضها على بعض- .

و رابعتها عقله لجيمع ما استفاده- من المعقولات البديهية و النظرية- المطابقة لحقائق العالم العلوى و السفلى- باستحضاره الجميع و التفاته إليها بالفعل- فيكون عالما علميا مضاهيا للعالم العيني- و يسمى العقل المستفاد.

الفصل السادس في مفيض هذه الصور العلمية

أما الصور العقلية الكلية فإن مفيضها- المخرج للإنسان مثلا من القوة إلى الفعل- عقل مفارق للمادة- عنده جميع الصور العقلية الكلية- و ذلك أنك قد عرفت أن هذه الصور- بما أنها علم مجردة عن المادة- على أنها كلية تقبل الاشتراك بين كثيرين‏- و كل أمر حال في المادة- واحد شخصي لا يقبل الاشتراك- فالصورة العقلية مجردة عن المادة- ففاعلها المفيض‏ لها أمر مجرد عن المادة- لأن الأمر المادي ضعيف الوجود- فلا يصدر عنه ما هو أقوى منه وجودا- على أن فعل المادة مشروط بالوضع الخاص- و لا وضع للمجرد- .

و ليس هذا المفيض المجرد هو النفس- العاقلة لهذه الصور المجردة العلمية-

146

لأنها بعد بالقوة بالنسبة إليها- و حيثيتها حيثية القبول دون الفعل- و من المحال أن يخرج ما بالقوة- نفسه من القوة إلى الفعل- . فمفيض الصورة العقلية جوهر عقلي مفارق للمادة- فيه جميع الصور العقلية الكلية- على نحو ما تقدم من العلم الإجمالي العقلي- تتحد معه النفس المستعدة للتعقل- على قدر استعدادها الخاص- فيفيض عليها ما تستعد له- من الصور العقلية و هو المطلوب- . و بنظير البيان السابق يتبين- أن مفيض الصور العليمة الجزئية- جوهر مثالي مفارق- فيه جميع الصور المثالية الجزئية- على نحو العلم الإجمالي- تتحد معه النفس على قدر ما لها من الاستعداد.

الفصل السابع ينقسم العلم الحصولي إلى تصور و تصديق‏

لأنه إما صورة حاصلة من معلوم واحد أو كثير- من غير إيجاب أو سلب- و يسمى تصورا- كتصور الإنسان و الجسم و الجوهر- و إما صورة حاصلة من معلوم معها- إيجاب شي‏ء لشي‏ء أو سلب شي‏ء عن شي‏ء- كقولنا الإنسان ضاحك و قولنا ليس الإنسان بحجر- و يسمى تصديقا- و باعتبار حكمه قضية- .

ثم إن القضية بما تشتمل- على إثبات شي‏ء لشي‏ء أو نفي شي‏ء عن شي‏ء- مركبة من أجزاء فوق الواحد- . و المشهور أن القضية الموجبة مؤلفة- من الموضوع و المحمول و النسبة الحكمية- و هي نسبة المحمول إلى الموضوع- و الحكم باتحاد الموضوع مع المحمول- هذا في الهليات المركبة- التي محمولاتها غير وجود الموضوع- و أما

147

الهليات البسيطة التي محمولها وجود الموضوع- كقولنا الإنسان موجود- فأجزاؤها ثلاثة- الموضوع و المحمول و الحكم إذ لا معنى لتخلل النسبة- و هي الوجود الرابط بين الشي‏ء و نفسه- .

و أن القضية السالبة مؤلفة- من الموضوع و المحمول- و النسبة الحكمية الإيجابية و لا حكم فيها- لا أن فيها حكما عدميا- لأن الحكم جعل شي‏ء شيئا- و سلب الحكم‏ عدم جعله لا جعل عدمه- .

و الحق أن الحاجة إلى تصور النسبة الحكمية- إنما هي من جهة الحكم- بما هو فعل النفس لا بما هو جزء القضية- أي إن القضية إنما- هي الموضوع و المحمول و الحكم- و لا حاجة في تحقق القضية- بما هي قضية إلى تصور النسبة الحكمية- و إنما الحاجة إلى تصورها- لتحقق الحكم من النفس- و جعلها الموضوع هو المحمول- و يدل على ذلك- تحقق القضية في الهليات البسيطة- بدون النسبة الحكمية التي تربط المحمول بالموضوع- .

فقد تبين بهذا البيان- أولا أن القضية الموجبة ذات أجزاء ثلاثة- الموضوع و المحمول و الحكم- و السالبة ذات جزءين الموضوع و المحمول- و أن النسبة الحكمية- تحتاج إليها النفس في فعلها الحكم- لا القضية بما هي قضية في انعقادها- .

و ثانيا أن الحكم فعل من النفس- في ظرف الإدراك الذهني- و ليس من الانفعال التصوري في شي‏ء- و حقيقة الحكم في قولنا زيد قائم مثلا- أن النفس تنال من طريق الحس موجودا واحدا- هو زيد القائم ثم تجزئه‏ إلى مفهومي زيد- و القائم و تخزنهما عندها- ثم إذا أرادت حكاية ما وجدته في الخارج- أخذت صورتي زيد و القائم من خزانتها- و هما اثنتان ثم جعلتهما واحدا ذا وجود واحد- و هذا هو الحكم الذي ذكرنا- أنه فعل للنفس تحكى به الخارج على ما كان- . فالحكم فعل للنفس- و هو مع ذلك من الصور الذهنية الحاكية لما

148

وراءها- و لو كان الحكم تصورا مأخوذا من الخارج- كانت القضية غير مفيدة لصحة السكوت- كما في كل من المقدم و التالي في القضية الشرطية- و لو كان تصورا أنشأته النفس من عندها- من غير استعانة من الخارج- لم يحك الخارج‏ و ثالثا- أن التصديق يتوقف على تصور الموضوع و المحمول- فلا تصديق إلا عن تصور.

الفصل الثامن و ينقسم العلم الحصولي إلى بديهي و نظري‏

و البديهي‏ منه ما لا يحتاج- في تصوره أو التصديق به- إلى اكتساب و نظر- كتصور مفهوم الشي‏ء و الوحدة و نحوهما- و كالتصديق بأن الكل أعظم من جزئه- و أن الأربعة زوج- و النظري ما يتوقف- في تصوره أو التصديق به على اكتساب و نظر- كتصور ماهية الإنسان و الفرس- و التصديق بأن الزوايا الثلاث من المثلث- مساوية لقائمتين- و أن الإنسان ذو نفس مجردة- .

و العلوم النظرية- تنتهي إلى العلوم البديهية و تتبين بها- و إلا ذهب الأمر إلى غير النهاية- ثم لم يفد علما على ما بين في المنطق- . و البديهيات كثيرة مبينة في المنطق- و أولاها بالقبول الأوليات- و هي القضايا التي يكفي في التصديق بها- تصور الموضوع و المحمول- كقولنا الكل أعظم من جزئه- و قولنا الشي‏ء لا يسلب عن نفسه- .

و أولى الأوليات بالقبول- قضية استحالة اجتماع النقيضين و ارتفاعهما- و هي قضية منفصلة حقيقية- إما أن يصدق الإيجاب أو يصدق السلب- و لا تستغنى عنها في إفادة العلم- قضية نظرية و لا بديهية حتى الأوليات- فإن قولنا الكل أعظم من جزئه- إنما يفيد علما إذا كان نقيضه- و هو قولنا

149

ليس الكل بأعظم من جزئه كاذبا- .

فهي أول قضية مصدق بها لا يرتاب فيها ذو شعور- و تبتنى عليها العلوم فلو وقع فيها شك- سرى ذلك في جميع العلوم و التصديقات- .

تتمة

- السوفسطي المنكر لوجود العلم- غير مسلم لقضية أولى الأوائل- إذ في تسليمها اعتراف- بأن كل قضيتين متناقضتين- فإن إحداهما حقة صادقة- .

ثم السوفسطي- المدعي لانتفاء العلم و الشاك في كل شي‏ء- إن اعترف بأنه يعلم أنه شاك- فقد اعترف بعلم ما- و سلم قضية أولى الأوائل- فأمكن أن يلزم بعلوم كثيرة- تماثل علمه‏ بأنه شاك- كعلمه بأنه يرى و يسمع- و يلمس و يذوق و يشم- و أنه ربما جاع فقصد ما يشبعه- أو ظمأ فقصد ما يرويه- و إذا ألزم بها ألزم بما دونها من العلوم- لأن العلم ينتهي إلى الحس ما تقدم- .

و إن لم يعترف بأنه يعلم أنه شاك- بل أظهر أنه شاك في كل شي‏ء- و شاك في شكه لا يدري شيئا- سقطت معه المحاجة و لم ينجع فيه برهان- و هذا الإنسان إما مبتلى بمرض- أورثه اختلالا في الإدراك- فليراجع الطبيب- و إما معاند للحق يظهر ما يظهر لدحضه- فليضرب و ليؤلم و ليمنع مما يقصده و يريده- و ليؤمر بما يبغضه و يكرهه- إذ لايرى حقيقة لشي‏ء من ذلك-.

نعم‏ ربما راجع بعضهم هذه العلوم العقلية- و هو غير مسلح بالأصول المنطقية- و لا متدرب في صناعة البرهان- فشاهد اختلاف الباحثين في المسائل بين الإثبات و النفي- و الحجج التي أقاموها على كل من طرفي النقيض-

150

و لم يقدر لقلة بضاعته على تمييز الحق من الباطل- فتسلم طرفي النقيض في مسألة بعد مسألة- فأساء الظن بالمنطق- و زعم أن العلوم نسبية غير ثابتة- و الحقيقة بالنسبة إلى كل باحث ما دلت عليه حجته- .

و ليعالج أمثال هؤلاء بإيضاح القوانين المنطقية- و إراءة قضايا بديهية لا تقبل الترديد في حال من الأحوال- كضرورة ثبوت الشي‏ء لنفسه- و استحالة سلبه عن نفسه و غير ذلك- و ليبالغ في تفهيم معاني أجزاء القضايا- و ليؤمروا أن يتعلموا العلوم الرياضية- .

و هاهنا طائفتان أخريان من الشكاكين- فطائفة يتسلمون الإنسان و إدراكاته- و يظهرون الشك في ما وراء ذلك- فيقولون نحن و إدراكاتنا و نشك فيما وراء ذلك- و طائفة أخرى تفطنوا بما في قولهم- نحن و إدراكاتنا من الاعتراف بحقائق كثيرة- من أناسي و إدراكات لهم- و تلك حقائق خارجية- فبدلوا الكلام بقولهم- أنا و إدراكاتي و ما وراء ذلك مشكوك- .

و يدفعه أن الإنسان ربما يخطي في إدراكاته- كما في موارد أخطاء الباصرة و اللامسة- و غيرها من أغلاط الفكر- و لو لا أن هناك حقائق- خارجة من الإنسان و إدراكاته- تنطبق عليها إدراكاته أو لا تنطبق- لم يستقم ذلك بالضرورة- .

و ربما قيل- إن قول هؤلاء ليس من السفسطة في شي‏ء- بل المراد أن من المحتمل- أن لا تنطبق الصور الظاهرة للحواس- بعينها على الأمور الخارجية- بما لها من الحقيقة كما قيل- إن الصوت بما له من الهوية الظاهرة على السمع- ليس له وجود في خارجه- بل السمع إذا اتصل بالارتعاش بعدد كذا- ظهر في السمع في صورة الصوت- و إذا بلغ عدد الارتعاش كذا ارتعاشا- ظهر في البصر في صورة الضوء و اللون- فالحواس التي هي مبادي الإدراك- لا تكشف عما وراءها من الحقائق- و سائر الإدراكات منتهية إلى الحواس- .

151

و فيه أن الإدراكات- إذا فرضت غير كاشفة عما وراءها- فمن أين علم أن هناك حقائق وراء الإدراك- لا يكشف عنها الإدراك- ثم من أدرك أن حقيقة الصوت في خارج السمع- ارتعاش بعدد كذا- و حقيقة المبصر في خارج البصر ارتعاش بعدد كذا- و هل يصل الإنسان إلى الصواب الذي يخطى فيه الحواس- إلا من طريق الإدراك الإنساني- .

و بعد ذلك كله تجويز- أن لا ينطبق مطلق الإدراك على ما وراءه- لا يحتمل إلا السفسطة- حتى أن قولنا- يجوز أن لا ينطبق شي‏ء من إدراكاتنا على الخارج- لا يؤمن أن لا يكشف- بحسب مفاهيم مفرداته و التصديق- الذي فيه عن شي‏ء.

الفصل التاسع و ينقسم العلم الحصولي إلى حقيقي و اعتباري‏

و الحقيقي هو المفهوم الذي يوجد- تارة بوجود خارجي فيترتب عليه آثاره- و تارة بوجود ذهني لا يترتب عليه آثاره‏- و هذا هو الماهية- و الاعتباري ما كان بخلاف ذلك- و هو إما من المفاهيم التي حيثية مصداقها- حيثية أنه في الخارج- كالوجود و صفاته الحقيقية- كالوحدة و الفعلية و غيرهما- فلا يدخل الذهن و إلا لانقلب‏- و إما من المفاهيم التي حيثية مصداقها- حيثية أنه في الذهن- كمفهوم الكلي و الجنس و النوع- فلا يوجد في الخارج و إلا لانقلب- .

و هذه المفاهيم إنما يعملها الذهن بنوع من التعمل- و يوقعها على مصاديقها- لكن لا كوقوع الماهية و حملها على أفرادها- بحيث تؤخذ في حدها- . و مما تقدم يظهر أولا- أن ما كان من المفاهيم- محمولا على الواجب‏

152

و الممكن معا- كالوجود و الحياة فهو اعتباري- و إلا لكان الواجب ذا ماهية تعالى عن ذلك- .

و ثانيا أن ما كان منها- محمولا على أزيد من مقولة واحدة- كالحركة فهو اعتباري- و إلا كان مجنسا بجنسين فأزيد و هو محال- . و ثالثا أن المفاهيم الاعتبارية لا حد لها- و لا تؤخذ في حد ماهية من الماهيات- . و للاعتباري معان أخر خارجة عن بحثنا- منها الاعتباري مقابل الأصيل كالماهية مقابل الوجود- و منها الاعتباري بمعنى ما ليس له وجود منحاز- مقابل ما له وجود منحاز- كالإضافة الموجودة بوجود طرفيها- مقابل الجوهر الموجود بنفسه- و منها ما يوقع و يحمل على الموضوعات- بنوع من التشبيه و المناسبة- للحصول على غاية عملية- كإطلاق الرأس على زيد- لكون نسبته إلى القوم كنسبة الرأس إلى البدن- حيث يدبر أمرهم و يصلح شأنهم- و يشير إلى كل بما يخصه من واجب العمل‏.

الفصل العاشر في أحكام متفرقة

منها أن المعلوم بالعلم الحصولي‏ ينقسم- إلى معلوم بالذات و معلوم بالعرض- و المعلوم بالذات هو- الصورة الحاصلة بنفسها عند العالم- و المعلوم بالعرض هو- الأمر الخارجي الذي يحكيه الصورة العلمية- و يسمى معلوما بالعرض و المجاز- لاتحاد ما له مع المعلوم بالذات- .

153

و منها أنه تقدم أن كل معقول فهو مجرد- كما أن كل عاقل فهو مجرد- فليعلم أن هذه المفاهيم الظاهرة للقوة العاقلة- التي تكتسب بحصولها لها الفعلية- حيث كانت مجردة- فهي أقوى وجودا من النفس العاقلة- التي تستكمل بها و آثارها مترتبة عليها- فهي في الحقيقة موجودات مجردة- تظهر بوجوداتها الخارجية للنفس العالمة- فتتحد النفس بها إن كانت صور جواهر- و بموضوعاتها المتصفة بها إن كانت أعراضا- لكنا لاتصالنا من طريق أدوات الإدراك بالمواد- نتوهم أنها نفس الصور القائمة بالمواد- نزعناها من المواد من دون آثارها- المترتبة عليها في نشأة المادة- فصارت وجودات ذهنية للأشياء- لا يترتب عليها آثارها- .

فقد تبين بهذا البيان- أن العلوم الحصولية في الحقيقة علوم حضورية- . و بان أيضا أن العقول المجردة عن المادة- لا علم حصوليا عندها- لانقطاعها عن المادة ذاتا و فعلا.

الفصل الحادي عشر كل مجرد فهو عاقل‏

لأن المجرد تام ذاتا لا تعلق له بالقوة- فذاته التامة حاضرة لذاته موجودة لها- و لا نعني بالعلم إلا حضور شي‏ء لشي‏ء- بالمعنى الذي تقدم‏- هذا في علمه بنفسه و أما علمه بغيره- فإن له لتمام ذاته- إمكان أن يعقل كل ذات تام يمكن أن يعقل- و ما للموجود المجرد بالإمكان فهو له بالفعل- فهو عاقل بالفعل لكل مجرد تام الوجود- كما أن كل مجرد فهو معقول بالفعل‏ و عقل بالفعل- .

154

فإن قلت مقتضى ما ذكر- كون النفس الإنسانية عاقلة لكل معقول- لتجردها و هو خلاف الضرورة- .

قلت‏ هو كذلك- لكن النفس مجردة ذاتا لا فعلا- فهي لتجردها ذاتا تعقل ذاتها بالفعل- لكن تعلقها فعلا- يوجب خروجها من القوة إلى الفعل تدريجا- بحسب الاستعدادات المختلفة- فإذا تجردت تجردا تاما- و لم يشغلها تدبير البدن- حصلت لها جميع العلوم حصولا بالعقل الإجمالي- و تصير عقلا مستفادا بالفعل- .

و غير خفي أن هذا البرهان- إنما يجري في الذوات المجردة الجوهرية- التي وجودها لنفسها- و أما أعراضها التي وجودها لغيرها- فلا بل العاقل لها موضوعاتها.

الفصل الثاني عشر في العلم الحضوري و أنه لا يختص بعلم الشي‏ء بنفسه‏

قد تقدم أن الجواهر المجردة- لتمامها و فعليتها حاضرة في نفسها لنفسها- فهي عالمة بنفسها علما حضوريا- فهل يختص العلم الحضوري بعلم الشي‏ء بنفسه- أو يعمه و علم العلة بمعلولها إذا كانا مجردين- و بالعكس ؟المشاءون‏Y على الأول‏- و ؟الإشراقيون‏Y على الثاني‏ و هو الحق- .

و ذلك لأن وجود المعلول كما تقدم‏- رابط لوجود العلة قائم به غير مستقل عنه- فهو إذا كانا مجردين- حاضر بتمام وجوده عند علته لا حائل بينهما- فهو بنفس وجوده معلوم لها علما حضوريا- .

و كذلك العلة حاضرة بوجودها- لمعلولها القائم بها المستقل باستقلالها- إذا كانا مجردين من غير حائل يحول بينهما- فهي معلومة لمعلولها علما حضوريا- و هو المطلوب‏