المهدي حقيقة ... لاخرافة

- محمد بن اسماعيل المزيد...
240 /
103

13-الدليل السمعي المتفق عليه، و هو ما في القرآن من ذم أهل التخرص و الظن، و النهى عن القول على اللّه بلا علم، كقوله تعالى: وَ لاََ تَقْفُ مََا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ

____________

287

، و قوله: قُلْ إِنَّمََا حَرَّمَ رَبِّيَ اَلْفَوََاحِشَ مََا ظَهَرَ مِنْهََا وَ مََا بَطَنَ، وَ اَلْإِثْمَ وَ اَلْبَغْيَ بِغَيْرِ اَلْحَقِّ، وَ أَنْ تُشْرِكُوا بِاللََّهِ مََا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطََاناً، وَ أَنْ تَقُولُوا عَلَى اَللََّهِ مََا لاََ تَعْلَمُونَ

____________

288

و قوله تعالى: قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنََا، إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ اَلظَّنَّ، وَ إِنْ أَنْتُمْ إِلاََّ تَخْرُصُونَ

____________

289

و قوله:

وَ إِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي اَلْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اَللََّهِ، إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ اَلظَّنَّ، وَ إِنْ هُمْ إِلاََّ يَخْرُصُونَ

____________

290

و قوله: إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ اَلظَّنَّ، وَ مََا تَهْوَى اَلْأَنْفُسُ، وَ لَقَدْ جََاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ اَلْهُدى‏ََ

____________

291

و قوله: وَ مََا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ اَلظَّنَّ وَ إِنَّ اَلظَّنَّ لاََ يُغْنِي مِنَ اَلْحَقِّ شَيْئاً

____________

292

و قوله: وَ مََا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاََّ ظَنًّا، إِنَّ اَلظَّنَّ لاََ يُغْنِي مِنَ اَلْحَقِّ شَيْئاً، إِنَّ اَللََّهَ عَلِيمٌ بِمََا يَفْعَلُونَ

____________

293

و قوله: حكاية عن الذين كفروا، على وجه الذم لهم:

إِنْ نَظُنُّ إِلاََّ ظَنًّا، وَ مََا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ

____________

294

و أمثال هذه الآيات كثير.

لقد تضمنت هذه الآيات النهي عن القول على اللّه في دينه بلا علم، و عن اتباع الإنسان ما ليس له به علم، و النهي عن التعبد بموجب الظن و ما تهواه النفس، و أخبر أن هذا الظن ليس من الحق في شي‏ء.

و ما زال المسلمون في كل زمان و مكان يفتون بموجب هذه النصوص، و إن كانت آحادا، و يحلون بها أشياء، و يحرمون أشياء، و يعاقبون على تركها، و لو

____________

(287) [الإسراء: 36].

(288) [الأعراف: 33].

(289) [الأنعام: 148].

(290) [الأنعام: 116].

(291) [النجم: 23].

(292) [النجم: 28].

(293) [يونس: 36].

(294) [الجاثية: 32].

104

كانت إنما تفيد الظن عندهم لدخلوا تحت قوله تعالى: وَ لاََ تَقُولُوا لِمََا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ اَلْكَذِبَ هََذََا حَلاََلٌ وَ هََذََا حَرََامٌ، لِتَفْتَرُوا عَلَى اَللََّهِ اَلْكَذِبَ

____________

295

.

فالقائلون بأنها ظنية و يجب العمل بها، يلزمهم القول بأن اللّه أمر بما نهى عنه، و ما ذمه في هذه الآيات، حيث أوجب أن نحكم في دينه و شرعه بأدلة متوهمة، و قد نهانا عن التخرص في الدين، و أخبر أنه خلاف الهدى الذي جاءهم من ربهم، و إذا فلا فرق بين أهل الظن و بين أولئك المشركين الذين قال اللّه فيهم:

إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ اَلظَّنَّ وَ إِنْ أَنْتُمْ إِلاََّ تَخْرُصُونَ

____________

296

.

و قد نهى اللّه نبيه عليه الصلاة و السلام أن يقفو ما ليس له به علم، بل جعل القول عليه بلا علم في منزلة فوق الشرك، كما في آية المحرمات في سورة الأعراف، حيث ترقى من الأسهل إلى الأشد، فبدأ بالفواحش، ثم بالإثم و هو أشد، ثم بالبغي و هو أعظم من الإثم، و بعده الشرك أشد منه، ثم القول على اللّه بلا علم، فأي ذم أبلغ من هذا.

14-ما اشتهر عن الصحابة رضي اللّه عنهم من قبولهم للآحاد و تصديقهم بها، كما اشتهر عن أهل قباء من تحولهم إلى جهة الكعبة و هم في الصلاة، اعتمادا على خبر واحد، و هو من أوضح البراهين على حصول العلم لهم بصدقه، و إلا لما انصرفوا عن قبلة قد تحققوها اعتمادا على خبر لا يوجب إلا الظن.

و كذا ما اشتهر عن أبي طلحة الأنصاري رضي اللّه عنه من بنائه على خبر الذى أفادهم بتحريم الخمر، حيث أتلفها، و كسر جرارها، و في ذلك إضاعة لمال محترم، و لو لم يكن متحققا صدق ذلك الخبر لما أقدم على هذا الإتلاف، و أمثلة ذلك كثيرة.

15-ما اشتهر عن الصحابة و السلف من الشهادة على اللّه و على رسوله

____________

(295) [النحل: 116].

(296) [الأنعام: 148].

105

بموجب هذه الأخبار، و لا شك أنهم لا يشهدون بما لا يعتقدون صحته.

و قد قال تعالى: وَ كَذََلِكَ جَعَلْنََاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً، لِتَكُونُوا شُهَدََاءَ عَلَى اَلنََّاسِ وَ يَكُونَ اَلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً

____________

297

. فوصفهم بأنهم وسط أي عدول خيار، و بأنهم يشهدون على الناس، أي بأن اللّه أمرهم بكذا، و فرض كذا، و بلغهم دينه و أزال عذرهم.

ثم هم ينقلون آثار نبيهم التي أمرهم بإثباتها، و يشهدون بكونها من دينه، و قد قرؤا قوله تعالى: إِلاََّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ»

____________

298

فشهادتهم بهذه الأخبار عن نبيهم توجب صدقهم و اليقين بما قالوه لما عرف من عدالتهم، و تورعهم عما فيه شك أو تردد.

16-قوله تعالى: فَسْئَلُوا أَهْلَ اَلذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاََ تَعْلَمُونَ*

____________

299

و قوله تعالى: فَلَوْ لاََ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طََائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي اَلدِّينِ، وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذََا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ

____________

300

و لو لا أن جواب أهل الذكر، و إنذار الطائفة قومها يفيد العلم لما أمر به، فإن أهل الذكر يعم ما لو كان واحدا، و الطائفة تعم الواحد، و الإنذار هو الإعلام بما يفيد العلم ليحصل الحذر.

17-ما تواتر عن النبى صلى اللّه عليه و على آله و سلم من بعثه الآحاد إلى أطراف البلاد، ليبلغوا عنه ما أمره اللّه بتبليغه من الدين، و ليعلموهم شرائع اللّه.

و لو لا أن أخبارهم تفيد العلم لم يحصل البلاغ، و لحصل التوقف من المدعوين، و لم ينقل أن أحدا منهم قال لمن علّمه شيئا من الدين، أو طلب منه جزية، أو زكاة أو نحوها: إن خبرك لا يفيد العلم، فأنا أتوقف حتى يتواتر الخبر

____________

(297) [البقرة: 143].

(298) [الزخرف: 86].

(299) [النحل: 43]، [الأنبياء: 7].

(300) [التوبة: 122].

106

بما ذكرت.

و قد اكتفى صلى اللّه عليه و على آله و سلم بتبليغهم عنه، و تعليمهم ما أمر اللّه به. و قد حصل بذلك تبليغ الرسالة الذي كلفه اللّه به بقوله: بَلِّغْ مََا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ

____________

301

و نحوها منه و من رسله و أتباعه بعده، و بذلك قامت حجة اللّه على الخلق، و محال أن يحصل البلاغ بما فيه شك أو توهم.

18-أن اللّه أمر برد ما يحصل فيه النزاع إليه و إلى رسوله في قوله تعالى:

فَإِنْ تَنََازَعْتُمْ فِي شَيْ‏ءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اَللََّهِ وَ اَلرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللََّهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ

____________

302

. و قال تعالى: فَلْيَحْذَرِ اَلَّذِينَ يُخََالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذََابٌ أَلِيمٌ

____________

303

.

و الرد إلى الرسول هو الرد إليه في حياته، و إلى سنته بعد وفاته، و لو كانت سنته إنما تفيد الظن، لم ينفصل النزاع بالرد إليها.

و من المعلوم أن أكثر أحاديث الرسول صلى اللّه عليه و على آله و سلم إنما رويت آحادية، و لم يزل سلف الأمة و من تبعهم يتحاكمون إليها امتثالا لهذا الأمر، و يجعلونها فاصلة للنزاع بينهم، و يرضون بها حكما، و يشتد إنكارهم على من امتنع عن قبولها، و يخوفونه بالفتنة و العذاب الأليم الذي توعد اللّه به من خالف أمر رسوله صلى اللّه عليه و على آله و سلم، و لو كان أمره الوارد في هذه الأخبار لا يفيد يقينا لكان المخالف له معذورا عندهم و هو خلاف الإجماع كما تقدم.

19-ما صح عنه صلى اللّه عليه و على آله و سلم من أمره صلى اللّه عليه و على آله و سلم بالتبليغ عنه، و ذمه لمن رد ما سمعه عنه، حيث قال: «لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته، يأتيه الأمر من أمرى يقول: لا ندري ما هذا؟

____________

(301) [المائدة: 67].

(302) [النساء: 59].

(303) [النور: 63].

غ

107

بيننا و بينكم كتاب اللّه، ألا و إنى أوتيت الكتاب و مثله معه»

____________

304

، و قال في الحديث الصحيح عنه: «نضّر اللّه امرءا سمع مقالتى فوعاها و أداها كما سمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع»

____________

305

، فانظر كيف أمر كل فرد سمع علما عنه بالتبليغ، و لو لا أنه يفيد العلم لم يأمر بقبوله، و لما توعد على رده، حيث إن فى إمكان السامع أن يقول: «خبرك مشكوك فيه، فلا يلزمني قبوله» .

فالنبي صلى اللّه عليه و على آله و سلم لا يأمر من التبليغ إلا بما تقوم به الحجة على السامع، ففي دعائه لمن حفظ عنه ثم بلّغ ما حفظ و لو كان واحدا، و لو غير فقيه، و في تحذيره من رد خبره أوضح دليل على حصول العلم لمن وصل إليه هذا العلم عن هذا الثقة الحافظ.

و هذه صفة صحابته رضي اللّه عنهم، و هكذا فعلوا، و قد تقبل عنهم جمهور الأمة جميع ما نقلوه عن نبيهم موقنين بصحته.

الشبهة الرابعة:

و هى مبنية أيضا على سابقتيها:

و هى قولهم: إن أحاديث الآحاد لا يصح الاعتماد عليها فى شأن المغيبات، و العقائد:

فجوابه: أن هذه دعوى أوسع من الغبراء، و أكبر من أن تظلها الخضراء، كيف و لم يقل أحد من العلماء قبل هذا الوقت-لا من المحدثين، و لا من الفقهاء

____________

306

، و لا من الأصوليين، و لا من المتكلمين-إن حديث الآحاد لا

____________

(304) تقدم برقم (239) .

(305) رواه أحمد (4/80) ، و ابن ماجه (230) ، و الدارمي (1/75) ، و أبو داود (3660) ، و الترمذي (2795) بنحوه عن زيد بن ثابت رضي اللّه عنه، و رواه ابن ماجه (3056) ، و أحمد (4/80) ، و الدارمي (1/74) ، و غيرهم عن جبير بن مطعم رضي اللّه عنه.

(306) اللهم إلا طائفة قالوا بذلك فى الوعيد خاصة.

108

يعتمد عليه فى المغيبات مطلقا؟، بل الإجماع منعقد على ضد ذلك، فانظر كتب السنة على اختلاف أنواعها من صحاح، و سنن، و مسانيد، و معاجم، و أجزاء، و كتب التفسير، و كتب السير، و المعجزات، و الخصائص، و كتب الملاحم، و أشراط الساعة، و كتب الترغيب و الترهيب، تجدها ملأى بأحاديث الآحاد فى شأن المغيبات من ثواب و عقاب، و إخبار عن أشياء ماضية و آتية و غير ذلك، و شرّاح الحديث متفقون على قبول هذه الأحاديث و الاستنباط منها، و عدّها من أعلام النبوة، و تأويل ما أشكل ظاهره منها، و الجمع بين متعارضها.

قال السفارينى رحمه اللّه: (يعمل بأخبار الآحاد فى أصول الدين، و حكى ابن عبد البر الإجماع على ذلك)

____________

307

، و قال ابن قاضى الجبل: (مذهب الحنابلة أن أخبار الآحاد المتلقاة بالقبول تصلح لإثبات أصول الديانات)

____________

308

ا هـ.

و قد فصل الشيخ عبد اللّه بن عبد الرحمن بن جبرين حفظه اللّه حكم قبول الآحاد فى العقائد، فقال:

لقد أمر اللّه نبيه صلى اللّه عليه و على آله و سلم بتبليغ ما أنزل عليه، و بدعوة الناس إلى ما خلقوا له، و كان من أهم ذلك تعريفهم بأصول الدين، من معرفة ربهم، و توحيده، و أسمائه و صفاته، و جزائه و قضائه و قدره، و نحو ذلك.

و ما ذاك إلا أن هذه العلوم تعتبر كالأساس الذي يقوم عليه البناء للإسلام، فلزم تقدم العلم بها على كل عمل، ليصح اعتقاد العبد، و لتعتبر نيته التي يدور عليها قبول العمل أو رده، لذلك بدأ صلى اللّه عليه و على آله و سلم بالدعوة إلى معرفة هذه القواعد و الأسس، و أقام عليها الأدلة، و ضرب لها الأمثال، و ما كان قصده إلا رسوخ الإيمان في قلوب من صدّقه و آمن برسالته، لما ينبعث من ذلك من المبادرة إلى العمل، و القيام بسائر التكاليف.

____________

(307) «لوامع الأنوار البهية» .

(308) «المسودة» لآل تيمية.

109

و لقد لزمه صحابته رضي اللّه عنهم، فتلقوا عنه أنواع العلوم في الأصول و الفروع، و تقبلوها معتقدين لمفادها، و عاملين بمقتضاها.

و هكذا بلّغوها لمن بعدهم، امتثالا لأمره حيث قال: «بلغوا عني و لو آية»

____________

309

، فكان لزاما على كل مسلم قبول ما بلغه عنهم، آثرين له عن نبيهم صلى اللّه عليه و على آله و سلم و تصديقه، سواء كان متواترا أو آحادا، بعد ثبوته و توفر أسباب قبوله، أيّا كان متعلقه أصولا أو فروعا.

و لقد تلقى السلف من جملة ما بلغهم عن نبيهم صلى اللّه عليه و على آله و سلم أحاديث الصفات و العقائد، و دونوها في مؤلفاتهم، موقنين بصحتها، عالمين يقينا بأن رسول اللّه صلى اللّه عليه و على آله و سلم جاء بها كما جاء بالصلاة و الزكاة و التوحيد، و هذا مثل أحاديث الشفاعة، و الحوض، و الميزان، و عذاب القبر و نعيمه، و رؤية اللّه في الآخرة، و تكليمه لعباده كما يشاء، و علوه على خلقه، و إثبات العرش، و نحو ذلك.

فإن كل من له معرفة بأحوال الرواة، و طرق الأحاديث، يتحقق ثبوت هذا النوع من السنة، و يوقن بصدوره عن النبى صلى اللّه عليه و على آله و سلم، و لو كانت طرقه آحادا، فإن الذين نقلوه لنا هم الذين نقلوا جميع أنواع الشريعة، فيلزم من ردّ بعض أخبارهم و قبول البعض التفريق بين متماثلين، و إلحاق الطعن بالصحابة و السلف، و عدم الثقة بأخبارهم مع ما عرف من ورعهم و تثبتهم، و تحريهم للصدق، إلى غير ذلك مما ينافي سوء الظن بهم.

و إليك بعض الأدلة القاطعة على قبول هذا النوع من الأخبار في هذا الباب:

1-فمن ذلك ما تقدم من تناقل السلف لهذا النوع من الأخبار، و تداولها بينهم، و الحرص على تلقيها و تحصيلها، ثم الاشتغال بمذاكرتها، و إثباتها في المؤلفات، و إنّ في هذا لأوضح دليل على أنهم قد تحققوا صحتها، و استفادوا منها العلم اليقيني، و إلا لذهب عملهم ضياعا، و حاشاهم أن يفنوا أعمارهم في تناقل

____________

(309) رواه البخاري (6/496) عن عبد اللّه بن عمرو رضي اللّه عنهما.

110

ما لا يفيد علما، و لا يوجب عملا.

فإنه من المتفق عليه أن ما تحتوي عليه هذه الأخبار ليس من الأمور العملية التي تنقل لأجل أن يعمل بها، و إن كانت ظنية.

فما بقى إلا أن يتحقق يقينهم بمعناها، و اعتقادهم لما دلت عليه على ما يليق بجلال اللّه، و هذا هو ما عليه الصحابة و التابعون، و من اقتفى أثرهم من سلف الأمة و أئمتها.

2-و من الأدلة ما اشتهر عن الأئمة من إدخال مدلول تلك الأخبار في معتقداتهم، و تصريحهم بالقول بمقتضاها، و ردهم لقول من جحدها، و تحذيرهم منه، و ما ذاك إلا لتحققهم صدقها، و عدم الشبه و الشكوك في قلوبهم، مما يسبب نفرتهم عن الإصغاء إليها، بل إن أحدهم يتقبل كل ما سمعه من أخيه الذي يثق بصدقه و دينه، من غير توقف في نوع ما من أخباره.

بل إن عظمة حديث النبي صلى اللّه عليه و على آله و سلم في قلوبهم أعظم من أن يردّوه بمثل هذه التوهمات.

و كذلك قدر الصحابة و نقلة الحديث و حماته أجل عندهم من أن يتطرق إليهم تهمة، أو يقال لأحدهم: خبرك خبر واحد، فلا يفيد العلم، أو لا يقبل إلا في الفرع.

و قد روي عنهم التثبت، و طلب زيادة رواة في بعض أحاديث الأحكام، كما طلب عمر من أبي موسى أن يأتي بمن يتقوى به في خبر الاستئذان‏

____________

310

، فأتى بأبي سعيد، و كذا استظهر المغيرة بمحمد بن مسلمة ليشهد معه عند عمر على خبر دية الجنين و ميراث الجدة

____________

311

، و غير ذلك.

____________

(310) رواه البخارى رقم (2062) فى البيوع.

(311) خبر المغيرة في دية الجنين رواه البخارى برقم (6905) في الديات و خبره في ميراث الجدة رواه مالك في الموطأ (2/513) ، و أبو داود برقم (2894) ، و الترمذي برقم (2101) في الفرائض.

111

و لم ينقل عنهم التوقف في شي‏ء من أخبار الصفات، أو المعاد و نحوها، بل قد اشتهر عنهم إمرارها كما جاءت بلا كيف، و عدم التعرض لتأويلها، و صرح الكثير منهم بالقول بمقتضاها على ما يليق بجلال اللّه تعالى.

3-و منها ما تواترت به الأخبار عن النبى صلى اللّه عليه و على آله و سلم في بعثه الدعاة إلى أطراف البلاد، و عهده إليهم تبليغ جميع الدين أصولا و فروعا، مع البداءة بالتوحيد كما في حديث معاذ المتفق عليه، لما بعثه إلى اليمن قال له:

«إنك تأتي قوما من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا اللّه» -و في رواية: «إلى أن يوحدوا اللّه-فإن هم أطاعوك لذلك فأخبرهم أن اللّه افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم و ليلة، فإن هم أطاعوك لذلك فأخبرهم أن اللّه افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم، فتردّ على فقرائهم»

____________

312

.

فانظر كيف أمره بتقديم الدعوة إلى التوحيد، ثم بأركان الإسلام، و لم ينقل أن أحدا من أولئك الرسل اقتصر على تبليغ الفروع، أو الأعمال الظاهرة، بل كانوا يدعون إلى الإيمان باللّه و ثوابه و عقابه، و الشهادة لمحمد صلى اللّه عليه و على آله و سلم بالرسالة.

و هكذا بلغوا عنه أيضا العبادات الظاهرة المعلومة من الدين بالضرورة، كالصلاة و الزكاة، و كذا المحرمات المجمع على تحريمها كالزنا و قتل النفس، و كل ذلك مما تقبّله عنهم من استجاب لدعوتهم، و بقي معتقدا لما تلقاه من أصول أو فروع، و قامت عليه الحجة بذلك، و هو دليل القبول.

و قد اعترض على هذا الدليل من قبل المنكرين بأن بعث أولئك الرسل لم يكن لتعليم الأصول، و إنما هو لإخبارهم بالأدلة العقلية، و الآيات الكونية التي يعرفونها بفطرهم.

____________

(312) رواه البخارى برقم (1395) في أول الزكاة عن ابن عباس رضي اللّه عنهما.

112

فيقال: هذا ليس بشي‏ء، فإن ما يعرفونه بعقولهم لا يكفي لقيام الحجة عليهم، و إلا لم يكن هناك حاجة لبعث الرسل.

و يرد ذلك التصريح بتقديم الدعوة إلى التوحيد، كما في حديث معاذ المذكور، و لم ينقل أن أحدا من أولئك الصحابة بدأ بتعريف الدلائل العقلية، قبل الدعوة إلى الشهادتين.

4-و منها ما تضمنته كتب النبي صلى اللّه عليه و على آله و سلم إلى الملوك في زمانه، التي دعاهم فيها إلى الإسلام أصلا و فرعا، و قد حصل بها تبليغهم الرسالة التي كلفه اللّه بها، و لا شك أن كتبه إذ ذاك بطاقات صغيرة في الغالب، يتولى كتابتها شخص واحد، و يحملها واحد، و لو كان خبر الواحد لا يقبل في الأصول للزمه أن يبعث إلى كل قطر جماعة يبلغون حد التواتر، ليحصل العلم بخبرهم، و لو فعل ذلك لم يبق معه في المدينة أحد.

و لما لم يقع هذا أفاد اكتفاؤه بالواحد حصول العلم، و وجوب الالتزام بخبر الواحد في الأصول و الفروع، و هو المراد.

5-و من الأدلة أيضا قوله تعالى: وَ مََا أَرْسَلْنََا قَبْلَكَ إِلاََّ رِجََالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ، فَسْئَلُوا أَهْلَ اَلذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاََ تَعْلَمُونَ

____________

313

. و وجه الدلالة منها أنه أمر بسؤال أهل الذكر عن الرسل و دعوتهم، و ما أوحى إلى كل منهم، و كونهم من جنس البشر، و هذا من أكبر الأصول، فقد أمر من لا يعلم ذلك أن يسأل أهل الذكر، و لو لم يجد إلا واحدا منهم، و لا بد أن جواب المسئول يكتفى به و يلزم اعتقاده‏]

____________

314

ا هـ.

الشبهة الخامسة:

و هى قولهم: (نظرنا فى أحاديث المهدى فلم نجد منها حديثا واحدا في

____________

(313) [الأنبياء: 7].

(314) «أخبار الآحاد فى الحديث النبوى» (95-98) .

113

الصحيحين، و لا يصح الاحتجاج بحديث فى غير الصحيحين إلا إذا كان له أصل فيهما، أو فى أحدهما) .

و جواب هذا من وجوه:

أحدها: أن دعوى خلو الصحيحين من حديث واحد فى شأن المهدى غير صحيحة، بل فيهما ما يشير إلى المهدى بدون ذكر لفظة «المهدى» ، و قد وردت روايات صحيحة خارج الصحيحين تصرح بزيادة على ما فيهما كما سبق ذكره‏

____________

315

، و زيادة الثقة مقبولة عند علماء الحديث‏

____________

316

كما أنه ينبغى ألا نعزل النصوص عن شرح العلماء الراسخين و فهمهم لها، و قد سبق ذكر من حمل أحاديث الصحيحين المشار إليها آنفا على المهدىّ نفسه مثل الحافظ أبى الحسن الآبرى، و حكاه عنه القرطبى، و الحافظ ابن حجر، و السخاوى، و السيوطى، و الزرقانى، و غيرهم، و أقروه عليه، و إليه أيضا ذهب الطيبى، و أبو داود، و ابن كثير، و ابن القيم، و ابن حجر الهيتمى، و الكشميرى، و محمد صديق خان، و محمد بن جعفر الكتانى.

الثانى: أن أحدا من أهل العلم لم يقل إن عدم إيراد الحديث فى الصحيحين يدل على ضعفه عندهما، فقاعدة: «لا يصح الاحتجاج بحديث فى غير الصحيحين إلا إذا كان له أصل فيهما، أو فى أحدهما» ، قاعدة محدثة مبتدعة لم يقل بها أحد من السلف، بل صرح الأئمة-بما فيهم الشيخان البخارى و مسلم

____________

(315) انظر ص (39-42) .

(316) قال الحافظ فى «شرح النخبة» ص (37) (و زيادة راويهما-أى الصحيح و الحسن-مقبولة ما لم تقع منافية لرواية من هو أوثق-ممن لم يذكر تلك الزيادة، لأن الزيادة إما أن تكون لا تنافى بينها و بين رواية من لم يذكرها، فهذه تقبل مطلقا، لأنها فى حكم الحديث المستقل، الذى ينفرد به الثقة و لا يرويه عن شيخه غيره، و إما أن تكون منافية بحيث يلزم من قبولها رد الرواية الأخرى، فهذه هى التى يقع الترجيح بينها و بين معارضها، فيقبل الراجح و يردّ المرجوح) ا هـ.

و انظر مقدمة صحيح ابن حبان (1/120) ، «جامع الأصول» (1/103 -105) .

114

-بما ينقض دعوى الاقتصار على الصحيحين من أساسها كما سنبين إن شاء اللّه.

فقد قسم العلماء الصحيح إلى سبع مراتب، مرتبة حسب القوة على النحو التالي:

1-صحيح اتفق على إخراجه البخارى و مسلم.

2-صحيح انفرد بإخراجه البخارى عن مسلم.

3-صحيح انفرد بإخراجه مسلم عن البخارى.

4-صحيح على شرطهما معا، و لم يخرجاه.

5-صحيح على شرط البخارى، و لم يخرجه.

6-صحيح على شرط مسلم، و لم يخرجه.

7-صحيح لم يخرجاه، و لم يكن على شرطهما معا، و لا على شرط واحد منهما

____________

317

.

و ليس فى الصحيحين من هذه المراتب إلا الثلاث الأولى، أما الأربع الباقية فلا وجود لها إلا خارج الصحيحين، و لم يزل من دأب العلماء فى جميع العصور الاحتجاج بالأحاديث الصحيحة، بل و الحسنة الموجودة خارج الصحيحين‏

____________

318

، و العمل بها مطلقا، و اعتبار ما دلّت عليه دون إعراض عنها، أو تعرض للحط من شأنها و التقليل من قيمتها، و من أمثلة ذلك فى أمور الاعتقاد:

1-الحديث المشتمل على العشرة المبشرين بالجنة رضى اللّه عنهم، و هو فى السنن و مسند الإمام أحمد و غيره، و ليس فى الصحيحين‏

____________

319

، و مع ذلك

____________

(317) «قواعد التحديث» ص (82) .

(318) الصحيح من الحديث كما أنه موجود فى الصحيحين، فهو موجود خارجهما فى الكتب المؤلفة فى الحديث النبوى كالموطا، و صحيح ابن خزيمة، و صحيح ابن حبان، و مستدرك الحاكم، و جامع الترمذى، و سنن أبى داود، و النسائى، و ابن ماجه، و الدارقطنى، و البيهقى، و غيرها.

(319) أخرجه من حديث سعيد بن زيد رضى اللّه عنه أبو داود (4649) ، (4650) ، و الترمذى (3748) ، (3757) ، و ابن ماجة (134) ، -

غ

115

اعتقدت الأمة موجبه، و قل أن يوجد مؤلّف فى العقائد-و لو مختصرا-إلا و هو متضمن التنصيص على ذكرهم و الشهادة لهم بالجنة بناء على الأحاديث الواردة فى ذلك فى غير الصحيحين.

2-الحديث الدال على أن نسمة المؤمن طائر يعلق فى شجر الجنة، لم يرد فى الصحيحين‏

____________

320

، و قد اعتقد الناس موجبه، و استدلوا به، و أورده شارح «الطحاوية» و غيره، و أورده «الحافظ ابن كثير في تفسير قوله تعالى: وَ لاََ تَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اَللََّهِ أَمْوََاتاً

____________

321

الآية، و قال: (و هو بإسناد صحيح عزيز عظيم، اجتمع فيه ثلاثة من الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتبوعة فإن الإمام أحمد رحمه اللّه رواه عن محمد بن إدريس الشافعى رحمه اللّه عن مالك بن أنس الأصبحى رحمه اللّه عن الزهرى عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه رضى اللّه عنه قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و على آله و سلم:

«نسمة المؤمن طائر يعلق فى شجر الجنة حتى يرجعه اللّه إلى جسده يوم يبعثه»

____________

322

ا هـ، و نسأل اللّه الذى جمعهم فى سند هذا الحديث أن يجمع أرواحهم فيما يقتضيه متنه، و إيانا بمنه و كرمه.

3-حديث البراء بن عازب رضى اللّه عنه الطويل فى نعيم القبر و عذابه،

____________

ق-و الإمام أحمد (1/187، 188، 189) ، و ابن أبى عاصم (1428) ، (1431) ، (1433) ، (1436) ، و الحاكم (4/440) ، و النسائى فى «الفضائل» (87) ، (90) ، (92) ، (106) ، و أبو نعيم (1/95) .

و أخرج نحوه من حديث عبد الرحمن بن عوف رضى اللّه عنه الترمذى (3748) ، و الإمام أحمد (1/193) ، و البغوى (3925) .

(320) أخرجه من حديث كعب بن مالك رضى اللّه عنه النسائى (4/108) ، و ابن ماجه (4271) ، و الإمام مالك (1/240) ، و الإمام أحمد (3/455) ، (456، 460) ، و انظر «شرح الطحاوية» بتحقيق د. عبد المحسن التركى، و الشيخ شعيب الأرناؤوط (2/567) .

(321) [آل عمران: 169].

(322) «تفسير القرآن العظيم» (2/142) ط الشعب، و معنى «يعلق» أى: يأكل.

116

الذى وصف فيه الرسول صلى اللّه عليه و على آله و سلم ما يجرى عند الموت حتى البعث، و هو فى مسند الإمام أحمد و غيره‏

____________

323

، و لبعضه شواهد فى الصحيح، و قد أورده شارح الطحاوية، و قال عقب إيراده: «و ذهب إلى موجب هذا الحديث جميع أهل السنة و الحديث»

____________

324

ا هـ.

4-الحديث الذى رواه الإمام أحمد و غيره، الدال على وزن الأعمال، و هو حديث البطاقة و السجلات، لم يرد فى الصحيحين‏

____________

325

، و اعتقد أهل السنة موجبه، و أورده شارح الطحاوية للاستدلال به على أن ميزان الأعمال له كفتان، و على وزن صحائف الأعمال.

الثالث: أن المقبول من الحديث عند المحدثين أربعة أنواع هى: الصحيح لذاته، و الصحيح لغيره، و الحسن لذاته، و الحسن لغيره، و معلوم أن الحديث الصحيح موجود فى الصحيحين، و فى غيرهما، أما الحسن فوجوده فى غير الصحيحين، و قد ذكر هذه الأنواع الأربعة العلماء، و منهم الحافظ ابن حجر فى «شرحه نخبة الفكر» حيث قال:

( «و خبر الآحاد بنقل عدل تام الضبط، متصل السند، غير معلل و لا شاذ، و هو الصحيح لذاته» ، و هذا أول تقسيم المقبول إلى أربعة أنواع، لأنه إما أن يشتمل من صفات القبول على أعلاها أو لا، الأول: الصحيح لذاته، و الثانى:

____________

(323) أخرجه الإمام أحمد (4/287، 295، 296) ، و أبو داود (4753) ، و الطيالسى (753) ، و الآجرى فى «الشريعة» ص (367-370) ، و ابن أبى شيبة (3/380-382) ، و عبد الرزاق (6737) ، و أبو نعيم فى «الحلية» (9/56) ، و الطبرى (14614) ، و صححه، و الحاكم (1/37-40) .

(324) «شرح الطحاوية» بتحقيق الأرناؤوط (2/576) .

(325) رواه من حديث عبد اللّه بن عمرو رضى اللّه عنهما الإمام أحمد (2/213) ، و الترمذى (2639) و حسنه، و ابن ماجة (4300) ، و صححه ابن حبان (2524) ، و الحاكم (1/6، 529) ، و وافقه الذهبى، و انظر:

«شرح الطحاوية» (2/610) .

117

إن وجد ما يجبر ذلك القصور ككثرة الطرق فهو الصحيح أيضا، لكن لا لذاته، و حيث لا جبران فهو الحسن لذاته، و إن قامت قرينة ترجح جانب قبول ما يتوقف فيه، فهو الحسن أيضا لكن لا لذاته)

____________

326

ا هـ.

فالتشبث بقسم واحد فقط و هو الصحيح لذاته الموجود فى الصحيحين بدعة مخالفة لما عليه أهل الحديث و الأثر، و يترتب عليها إهدار قسم عظيم من الأخبار المقبولة عند أهل العلم.

الرابع: تنصيص أهل الحديث على أن الشيخين لم يستوعبا الصحيح:

قال الحاكم أبو عبد اللّه رحمه اللّه تعالى فى «المستدرك» :

(ثم قيّض اللّه لكل عصر جماعة من علماء الدين، و أئمة المسلمين، يزكّون رواة الأخبار، و نقلة الآثار ليذبوا به الكذب عن وحى الملك الجبار، فمن هؤلاء الأئمة:

أبو عبد اللّه محمد بن إسماعيل الجعفى، و أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيرى رضى اللّه عنهما، صنّفا فى صحيح الأخبار كتابين، مهذبين، انتشر ذكرهما فى الأقطار، و لم يحكما، و لا واحد منهما: أنه لم يصح من الحديث غير ما أخرجه.

و قد نبغ فى عصرنا هذا جماعة من المبتدعة، يشمتون برواة الأخبار، بأن جميع ما يصح عندكم من الحديث لا يبلغ عشرة آلاف حديث، و هذه الأسانيد المجموعة المشتملة على ألف جزء أو أقل أو أكثر منه كلها سقيمة غير صحيحة.

و قد سألنى جماعة من أعيان أهل العلم بهذه المدينة و غيرها، أن أجمع كتابا يشتمل على الأحاديث المروية بأسانيد يحتج محمد بن إسماعيل، و مسلم بن الحجاج بمثلها.... )

____________

327

ا هـ.

و قال الحاكم أيضا فى «المدخل» كما نقله ابن الأثير رحمه اللّه بعد ذكره لأقسام

____________

(326) «نخبة الفكر» ص (29) .

(327) «المستدرك» (1/2-3) .

118

الصحيح المتفق عليه، و المختلف فيه: هذه وجوه الصحيح المتفقة و المختلفة، قد ذكرناها لئلا يتوهم متوهم أنه لم يصح من الحديث إلا ما أخرجه البخارى و مسلم‏

____________

328

.

فإذا نظرنا فوجدنا البخارى قد صنف كتابا فى التاريخ، جمع أسامى من روى عنهم الحديث، من زمان الصحابة إلى زمن خمسين، فبلغ عددهم قريبا من أربعين ألف رجل و امرأة، خرّج فى «صحيحه» عن جماعة منهم، و خرّج مسلم فى «صحيحه» عن جماعة.

قال الحاكم: جمعت أنا أساميهم، و ما اختلفا فيه، فاحتج به أحدهما، و لم يحتج به الآخر، فلم يبلغوا ألفى رجل و امرأة

____________

329

.

قال: (ثم جمعت من ظهر جرحه من جملة الأربعين ألفا، فبلغ مائتين و ستة و عشرين رجلا

____________

330

فليعلم طالب هذا العلم: أن أكثر رواة الأخبار ثقات، و أن الدرجة العليا، للذين فى «صحيحى البخارى و مسلم» ، و أن الباقين أكثرهم ثقات، و إنما سقطت أساميهم من «الصحيحين» للوجوه التى قدمنا ذكرها، لا لجرح فيهم، و طعن فى عدالتهم، و إنما فعلا ذلك فى كتابيهما زيادة فى

____________

(328) «جامع الأصول» (1/172-174) ، و انظره ص (167) .

(329) لكن الذى أثبته الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسى فى «الجمع بين رجال الصحيحين» أن عدد رجال الصحيحين ألفان و أربعمائة و خمسا (2405) .

(330) و لو تأملت الفرق الكبير بين ما جمعه البخارى فى «تاريخه الكبير» و بين ما ذكره من الضعفاء فى كتابه «الضعفاء» ، و بين ما أخرجا عنه فى كتابيهما سواء اتفقا على الإخراج عنه، أو انفرد به أحدهما-فإذا كان عدد ما جمعه البخارى رحمه اللّه فى «تاريخه الكبير» نحوا من أربعين ألفا و زيادة، و كتابه الضعفاء دون سبعمائة نفس، و عند الحاكم مائتان و ستة و عشرون، و ما أخرجا عنه متفقين أو منفردين -أقل من ألفين و خمسمائة، و ما بقى فكلهم ثقات، دل هذا أنهما لم يلتزما بالإخراج عن كل ثقة، كما أنهما لم يلتزما إخراج كل حديث صحيح، و إنما كان قصدهما رحمهما اللّه تعالى إخراج مختصر للحديث الصحيح.

119

الاحتياط، و طلبا لأشرف المنازل، و أعلى الرتب، و باقى الأحاديث معمول بها عند الأئمة.

ألا ترى أن الإمام أبا عيسى الترمذى رحمه اللّه-و هو من المشهورين بالحديث و الفقه-قال فى آخر كتابه «الجامع» : (إن جميع ما فى كتابنا من الحديث معمول به، و أخذ به بعض أهل العلم، ما خلا حديثين)

____________

331

-فذكرهما، و لم تسلم له دعوى استثنائهما

____________

332

.

قال الحاكم رحمه اللّه: (فإذا كان كتاب الترمذى على كثرة ما فيه من الأحاديث‏

____________

333

، لم يسقط العمل بشى‏ء منه إلا بحديثين، فكيف يظن أنه لا صحيح إلا ما فى كتابى البخارى و مسلم)

____________

334

.

قال الحازمى: (البخارى لم يلتزم أن يخرج كل ما صح من الحديث، ..

و كما أنه لم يخرج عن كل من صح حديثه، و لم ينسب إلى شى‏ء من جهات الجرح، و هم خلق كثير، يبلغ عددهم نيفا و ثلاثين ألفا، لأن تاريخه يشتمل على نحو من أربعين ألفا و زيادة، و كتابه فى «الضعفاء» دون سبعمائة نفس، و من خرّجهم فى جامعه دون ألفين.. ) .

و ذكر قول البخارى: (كنت عند إسحق بن راهويه، فقال لنا بعض أصحابنا: «لو جمعتم كتابا مختصرا لسنن النبى صلى اللّه عليه و على آله و سلم» ، فوقع ذلك فى قلبى، فأخذت فى جمع هذا الكتاب) ، قال الحازمى رحمه اللّه:

(فقد ظهر بهذا أن قصد البخارى كان وضع مختصر فى الحديث، و أنه لم يقصد الاستيعاب، لا فى الرجال، و لا فى الحديث.... )

____________

335

.

____________

(331) «سنن الترمذى» (5/736) .

(332) انظر: «مكانة الصحيحين» ص (182-183) .

(333) عدة أحاديث كما أحصاها العلامة أحمد شاكر رحمه اللّه (3956) .

(334) «جامع الأصول» (1/172-174) .

(335) «شروط الأئمة الخمسة» ص (47-51) .

120

و مما يزيد الأمر إيضاحا أن نتأمل عنوان صحيح البخارى، فإنه رحمه اللّه سمّاه:

«الجامع الصحيح المسند المختصر من أمور رسول اللّه صلى اللّه عليه و على آله و سلم و سننه و أيامه» و ما يعنينا فى هذا المقام قوله «المختصر» فإنه إشارة منه تدل على أنه-رحمه اللّه-كان يضع مختصرا و لم يقصد الاستيعاب، و لم يلتزم إخراج كلّ ما صح من الحديث، و لا يعكر على هذا وصفه بأنه «جامع» فإن المراد به أنه يحتوى على أحاديث فى الأبواب الثمانية المعروفة إلى جانب أن العلماء الذين شرحوا أحاديث الصحيحين قاموا بشرحها فى ضوء الجمع بين أحاديث المتن المشروح، و بين الروايات الصحيحية الأخرى التى صحت فى غيرهما من الكتب، كما فعل الحافظ ابن حجر فى «فتح البارى» الذى هو «قاموس السنة» حقّا، و كذلك الإمام النووى فى شرحه لصحيح مسلم و غيرهما من العلماء و المصنفين فى الشروح، فأين هذا من منهج «الاقتصار» القاصر الذى يستغنى تماما عن أحاديث ما سوى الصحيحين؟

قال الإمام الحافظ زين الدين عبد الرحيم العراقى فى ألفيته:

أوّل من صنّف فى الصحيح # محمد و خصّ بالترجيح

و مسلم بعد و بعض الغرب مع # أبى علىّ فضّلوا ذا لو نفع

و لم يعمّاه و لاكن قلّ ما # عند ابن الأخرم منه قد فاتهما

و ردّ لكن قال يحيى البر # لم يفت الخمسة إلا النزر

____________

336

قال العراقى فى شرحه:

«و لم يعماه» أى لم يعم البخارى و مسلم الصحيح، يريد لم يستوعباه فى كتابيهما و لم يلتزما ذلك، و إلزام الدارقطنى و غيره‏

____________

337

إياهما بأحاديث ليس بلازم-قال الحاكم فى خطبة «المستدرك» : (و لم يحكما و لا واحد منهما أنه لم يصح من الحديث غير ما خرجاه) ا هـ. (و لكن قلّ ما عند ابن الأخرم) أى من

____________

(336) «فتح المغيث» (1/27) .

(337) هو أبو ذر الهروى كما فى «شرح صحيح مسلم» من «توضيح الأفكار» للصنعانى (1/50) .

121

لصحيح (قد فاتهما) ، يريد أن الحافظ أبا عبد اللّه محمد بن يعقوب الأخرم شيخ الحاكم ذكر كلاما معناه: (قل ما يفوت البخارىّ و مسلما مما ثبت من الحديث)

____________

338

، قال ابن الصلاح: (يعنى فى كتابيهما) ، و «يحيى» هو الشيخ محيى الدين النووى قال فى «التقريب و التيسير»

____________

339

: و الصواب أنه لم يفت الأصول الخمسة إلا اليسير

____________

340

أعنى الصحيحين و سنن أبى داود، و الترمذى، و النسائى) ا هـ.

و قال النووى رحمه اللّه فى مقدمة شرح صحيح مسلم بعد أن ذكر إلزام جماعة لهما إخراج أحاديث على شرطيهما، و لم يخرجاها فى كتابيهما:

____________

(338) (قال الحافظ ابن حجر: و الذي يظهر من كلامه أعنى ابن الأخرم أنه غير مريد للكتابين، و إنما أراد مدح الرجلين بكثرة الاطلاع و المعرفة، لكن لما كان غير لائق أن يوصف أحد من الأمة بأنه جمع الحديث جميعه حفظا و إتقانا حتى ذكر عن الشافعى أنه قال: «من قال إن السنة كلها اجتمعت عند رجل واحد فسق، و من قال إن شيئا منها فات الأمة فسق» ، فحينئذ عبر عما أراده من المدح بقوله: «قلما يفوتهما منه» أى: قل حديث يفوت البخارىّ و مسلما معرفته، أو نقول سلمنا أن المراد الكتابان، لكن المراد من قوله: مما ثبت من الحديث «الثبوت على شرطهما لا مطلقا» ا هـ. نقلا من «توضيح الأفكار» للصنعانى (1/54-55) .

(339) و نص عبارة النووى: «و لم يستوعبا الصحيح، و لا التزماه، قيل: و لم يفتهما إلا القليل و أنكر هذا، و الصواب أنه لم يفت الأصول الخمسة إلا اليسير أعنى:

الصحيحين و سنن أبى داود و الترمذى و النسائى، و جملة ما فى البخارى سبعة آلاف و مئتان و خمسة و سبعون حديثا بالمكررة، و بحذف المكررة أربعة آلاف، و مسلم بإسقاط المكرر نحو أربعة آلاف، ثم إن الزيادة فى الصحيح تعرف من السنن المعتمدة كسنن أبى داود و الترمذى و النسائى و ابن خزيمة و الدارقطنى و الحاكم و البيهقى و غيرها منصوصا على صحته، و لا يكفى وجوده فيها إلا فى كتاب من شرط الاقتصار على الصحيح، و اعتنى الحاكم بضبط الزائد عليهما، و هو متساهل، فما صحّحه و لم نجد فيه لغيره تصحيحا و لا تضعيفا حكمنا بأنه حسن، إلا أن يظهر فيه علة توجب ضعفه» ا هـ. «تدريب الراوى» (1/98) .

(340) (قال الحافظ ابن حجر: «مراده-أى النووى-من أحاديث الأحكام خاصة، أما غير الأحكام فليس بقليل» ) ا هـ. من «توضيح الأفكار» (1/55) .

غ

122

(و هذا الإلزام ليس بلازم فى الحقيقة، فإنهما لم يلتزما استيعاب الصحيح، بل صح عنهما تصريحهما بأنهما لم يستوعباه، و إنما قصدا جمع جمل من الصحيح، كما يقصد المصنف فى الفقه جمع جمل من مسائله لا أنه يحصر جميع مسائله)

____________

341

ا هـ.

قال السيوطى بعد أن حكى قول الحافظ أبى عبد اللّه بن الأخرم: (و لم يفتهما إلا القليل)

____________

342

و أنكر هذا القول البخارى فيما نقله الحازمى و الإسماعيلى:

(و ما تركت من الصحاح أكثر) ، و نقل السيوطى فى «التدريب» عن الحاكم ما يفهم منه الجواب عن قول ابن الأخرم قال: (و حينئذ يعرف من هذا الجواب عن قول ابن الأخرم فكأنه أراد: «لم يفتهما من أصح الصحيح الذى هو الدرجة الأولى، و بهذا الشرط إلا القليل» -و الأمر كذلك)

____________

343

ا هـ.

و قال ابن الصلاح فى مقدمته: (لم يستوعبا الصحيح فى صحيحيهما، و لا التزما ذلك «أى الاستيعاب» ، فقد روينا عن البخارى أنه قال: (ما أدخلت فى كتاب «الجامع» إلا ما صح، و تركت من الصحاح لملال‏

____________

344

الطول) ، و روينا عن مسلم أنه قال: (إنما وضعت ههنا ما أجمعوا عليه)

____________

345

و قال

____________

(341) «شرح النووى لصحيح مسلم» (1/24) .

(342) انظر: «فتح المغيث» (1/30-33) .

(343) «تدريب الراوى» (1/101) .

(344) لعل معناه: مخافة الطول.

(345) و رجح النووى أن المراد بقول مسلم: «ليس كل شى‏ء عندى صحيح وضعته هنا، إنما وضعت هاهنا ما أجمعوا عليه» أى ما لم تختلف الثقات فيه فى نفس الحديث متنا و لا إسنادا إلا ما لم يختلف فى توثيق رواته، قال ابن الصلاح: (و دليل ذلك أنه سئل عن حديث أبى هريرة «فإذا قرأ فأنصتوا» هل هو صحيح؟فقال:

«عندى هو صحيح» ، فقيل لم لم تضعه هنا؟فأجاب بذلك) ا هـ. و انظر:

«علوم الحديث» ص (15-16) .

و قال البقاعى: قال البلقينى: و قيل أراد مسلم بقوله «ما أجمعوا عليه» : (ما أجمع عليه أربعة من أئمة أهل الحديث، و هم أحمد بن حنبل، و يحيى بن يحيى، و عثمان بن أبى شيبة، و سعيد بن منصور الخراسانى) ا هـ. و لم يرد إجماع جميع-

123

العراقى: [قلت: أراد-و اللّه أعلم-أنه لم يضع فى كتابه إلا الأحاديث التى وجد عنده فيها شرائط الصحيح المجمع عليه، و إن لم يظهر اجتماعها فى بعضها عند بعضهم، ثم إن أبا عبد اللّه الأخرم الحافظ قال: (قل ما يفوت البخارى و مسلما مما يثبت من الحديث) يعنى فى كتابيهما، و لقائل أن يقول: ليس ذلك بالقليل فإن المستدرك على الصحيحين للحاكم أبى عبد اللّه كتاب كبير يشتمل مما فاتهما على شى‏ء كثير، و إن يكن عليه فى بعضه مقال فإنه يصفو له منه صحيح كثير، و قد قال البخارى: (أحفظ مائة ألف حديث صحيح و مائتى ألف حديث غير صحيح) ، و جملة ما فى كتابه الصحيح سبعة آلاف و مائتان و خمسة و سبعون حديثا بالأحاديث المكررة، و قد قيل: إنها بإسقاط المكررة أربعة آلاف حديث، إلا أن هذه العبارة قد يندرج تحتها عندهم آثار الصحابة و التابعين، و ربما عدّ الحديث الواحد المروى بإسنادين حديثين‏]

____________

346

ا هـ.

و قال الصنعانى فى «توضيح الأفكار» :

[تنبيه: إن قيل ما وجه التعرض لكون الشيخين لم يستوعبا الصحيح فى كتابيهما، و من ادعى ذلك حتى يفتقر إلى نفيه؟

قلت: ادّعاه الدارقطنى عليهما و غيره كما عرفت، و كأنه فهم هو و من تابعه من التسمية بالصحيح أنه جميع ما صحّ، و ما عداه حسن أو ضعيف، فيفيد أنهما قد حصرا الصحيح، و هو من باب مفهوم اللقب بعد التسمية به، و إن كان قبلها من باب مفهوم الصفة، و فهم ذلك الحافظ أبو زرعة، فإنه ذكر النووى عنه أنه قال: (طرّق-يريد مسلما-لأهل البدع علينا، فيجدون السبيل بأن يقولوا إذا احتجّ عليهم بحديث: ليس هذا فى الصحيح) ، قال سعيد بن عمرو راوى ذلك عن أبى زرعة: (فلما رجعت إلى نيسابور ذكرت لمسلم إنكار أبى زرعة، فقال مسلم: إنما قلت: «هو صحيح» ، قال سعيد: و قدم مسلم بعد ذلك الرىّ فبلغنى أنه خرج إلى أبى عبد اللّه محمد بن مسلم بن واره،

____________

ق-الأمة كما هو المتبادر للفهم، لكن لم يتبين برهان هذا القول اهـ) ا هـ من هامش «توضيح الأفكار» للصنعانى (1/50-51) .

(346) «التقييد و الإيضاح» ص (22) .

124

فجاءه و عاتبه على هذا الكتاب، و قال له نحوا مما قال أبو زرعة: «إن هذا يطرّق لأهل البدع» ، فاعتذر مسلم فقال: إنما قلت: «هو صحيح، و لم أقل إن لم أخرجه من الحديث فهو ضعيف» ) ، ذكر هذا النووى فى شرح مقدمة مسلم مفرقا.

قلت: قد اتفق ما حدسه أبو زرعة من ذلك التطريق، فإنه ذكر الحاكم أبو عبد اللّه فى خطبة المستدرك ما لفظه: إنه صنف الشيخان فى صحيح الأخبار كتابين مهذبين، انتشر ذكرهما فى الأقطار، و لم يحكما و لا واحد منهما، أنه لم يصح من الحديث غير ما أخرجه، و قد نبغ فى عصرنا هذا جماعة من المبتدعة يسمّون برواة الآثار (بأن جميع ما صحّ عندهم من الحديث لا يبلغ عشرة آلاف حديث، و هذه المسانيد المجموعة المشتملة على ألف جزء أو أكثر كلها سقيمة أو غير صحيحة) ا هـ.

فهذا هو الذى حدسه أبو زرعة و غيره قد وقع، و فى قوله: «عشرة آلاف» إشعار بعدة أحاديث الصحيحين، فكأن هذا هو من الحوامل لأهل الحديث على التعرض لذكر أن الشيخين لم يستوعبا الصحيح فى كتابيهما، أما البخارى فقوله:

«أحفظ مائة ألف حديث صحيح» و كون الذى أخرجه فى كتابه لا يبلغ عشر ما ذكره، صريح فى أنه لم يستوعب الصحيح.

إن قلت: إن قول الحاكم فى مواضع من المستدرك فى الحديث: «على شرطهما، و لم يخرجاه» يشعر بخلاف ما نقله عنه فى الخطبة و إلا فلا فائدة لقوله:

«و لم يخرجاه» .

قلت: لعله لم يسق قوله: «و لم يخرجاه» مساق الاعتراض عليهما بأنهما لم يخرجاه، بل ذكر ذلك إخبارا بأنهما لم يخرجا كل ما كان على شرطهما، فهو كالاستدلال لما قاله فى خطبته من أنهما لم يستوعبا الصحيح، و لا التزما ذلك‏]

____________

347

ا هـ.

____________

(347) «توضيح الأفكار لمعانى تنقيح الأنظار» للصنعانى (1/51-52) .

125

فهذه أقوال أئمة الشأن بما فيهم الشيخان-و كانا أولى الناس بتبنى هذه القاعدة إن كانت صحيحة-تدحض هذه القاعدة المفتراة، و لم يقل أحد قط فى حد الصحيح: «إنه ما أخرجه البخارى أو مسلم» و لا هذا شرط فى التصحيح.

الشبهة السادسة:

و هى احتجاجهم على تكذيب الأحاديث الصحيحة الواردة فى شأن المهدى بحديث أخرجه ابن ماجه و الحاكم عن أنس رضى اللّه عنه، و فيه: «.... و لا مهدى إلا عيسى ابن مريم» .

و الجواب: أن هذا الحديث تفرد به ابن ماجة

____________

348

دون سائر الستة، و رواه الحاكم عن أنس‏

____________

349

، و قال عقب روايته له: (إنما ذكرت هذا الحديث تعجبا، لا محتجا به فى المستدرك على الشيخين رضى اللّه عنهما) ، و قال الذهبى فى الميزان: (منكر) ، و ضعّفه البيهقى كما فى «عون المعبود» و قال الهيثمى:

(معلول) ، و قال الصنعانى: (موضوع) ، و ممن ضعّفه أيضا الآبرّىّ و القرطبى و ابن تيمية و ابن القيم و غيرهم.

و لا يتكلّف الجواب عن الحديث حتى يكون صحيحا، و الباطل يكفى فى ردّه كونه باطلا، و اللّه أعلم.

قال الإمام المحقق ابن قيم الجوزية رحمه اللّه تعالى:

[فأما حديث «لا مهدى إلا عيسى ابن مريم» فرواه ابن ماجه فى سننه عن يونس بن عبد الأعلى عن الشافعى عن محمد بن خالد الجندى عن أبان بن صالح عن الحسن عن أنس بن مالك عن النبى صلى اللّه عليه و على آله و سلم، و هو مما تفرد به محمد بن خالد، قال أبو الحسين محمد بن الحسين الآبرى فى كتاب «مناقب الشافعى» : «محمد بن خالد هذا غير معروف عند أهل الصناعة من أهل العلم و النقل، و قد تواترت الأخبار و استفاضت عن رسول اللّه صلى اللّه عليه

____________

(348) «سنن ابن ماجه» (2/495) .

(349) «المستدرك» (4/441) .

126

و على آله و سلم بذكر المهدى، و أنه من أهل بيته، و أنه يملك سبع سنين، و أنه يملأ الأرض عدلا، و أن عيسى يخرج، فيساعده على قتل الدجال، و أنه يؤم هذه الأمة، و يصلى عيسى خلفه.

و قال البيهقى: (تفرد به محمد بن خالد هذا، و قد قال الحاكم أبو عبد اللّه:

هو مجهول، و قد اختلف عليه فى إسناده، فروى عنه عن أبان بن أبى عياش عن الحسن مرسلا عن النبى صلى اللّه عليه و على آله و سلم، قال: فرجع الحديث إلى رواية محمد بن خالد، و هو مجهول، عن أبان بن أبى عياش، و هو متروك، عن الحسن عن النبى صلى اللّه عليه و على آله و سلم، و هو منقطع، و الأحاديث على خروج المهدى أصح إسنادا)

____________

350

ا هـ.

و مما يدل على ضعف هذا الحديث:

ما رواه العرباض بن سارية رضى اللّه عنه عن النبى صلى اللّه عليه و على آله و سلم أنه قال: «عليكم بسنتى، و سنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها، و عضّوا عليها بالنواجذ»

____________

351

.

و المهدى الذى قد هداه اللّه إلى الحق، قال ابن الأثير: (و يريد بالخلفاء المهديين أبا بكر و عمر و عثمان و عليّا رضى اللّه عنهم، و إن كان عامّا فى كل من سار سيرتهم)

____________

352

ا هـ.

و قال التويجرى: (أجمع العلماء قاطبة على أنه-أى عمر بن عبد العزيز- من أئمة العدل، و أحد الخلفاء الراشدين، و الأئمة المهديين)

____________

353

ا هـ.

و دعا رسول اللّه صلى اللّه عليه و على آله و سلم فقال: «اللهم اغفر لأبى سلمة،

____________

(350) «المنار المنيف» ص (83-84) .

(351) تقدم برقم (14) .

(352) «النهاية فى غريب الحديث و الأثر» (5/254) .

(353) «الاحتجاج بالأثر» ص (231) .

127

و ارفع درجته فى المهديين»

____________

354

الحديث، و عن أبى هريرة رضى اللّه عنه: قال صلى اللّه عليه و على آله و سلم: «يوشك من عاش منكم أن يلقى عيسى ابن مريم إماما مهديّا»

____________

355

الحديث.

و أفضل مهدى بعد نبينا صلى اللّه عليه و على آله و سلم نبى اللّه عيسى عليه السلام، و أفضل المهديين بعده الخلفاء الراشدون الأربعة.

و قال ابن القيم رحمه اللّه: (عيسى أعظم مهدى بين يدى رسول اللّه صلى اللّه عليه و على آله و سلم و بين الساعة، و قد دلت السنة الصحيحة عن النبى صلى اللّه عليه و على آله و سلم على نزوله على المنارة البيضاء شرقى دمشق، و حكمه بكتاب اللّه، و قتله اليهود و النصارى، و وضعه الجزية، و إهلاك أهل الملل فى زمانه، فيصح أن يقال: لا مهدى فى الحقيقة سواه، و إن كان غيره مهديّا، كما يقال: «لا علم إلا ما نفع» ، و «لا مال إلا ما وقى وجه صاحبه» ، و كما يصح أن يقال:

«إنما المهدى عيسى ابن مريم» يعنى المهدى الكامل المعصوم)

____________

356

ا هـ.

قال السيوطى فى «العرف الوردى» : (رواه ابن ماجه: عن أنس أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و على آله و سلم قال: «لا يزداد الأمر إلاّ شدة و لا الدنيا إلا إدبارا و لا الناس إلا شحا، و لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس، و لا مهدى إلا عيسى ابن مريم» قال القرطبى فى «التذكرة» : (إسناده ضعيف و الأحاديث عن النبى صلى اللّه عليه و على آله و سلم فى التنصيص على خروج المهدى من عترته من ولد فاطمة ثابتة أصح من هذا الحديث فالحكم بها

____________

(354) رواه مسلم رقم (920) فى الجنائز، و الترمذى رقم (977) فى الجنائز، و أبو داود (3115) ، (3118) ، و النسائى (4/4، 5) .

(355) أخرجه الإمام أحمد فى «مسنده» (2/411) .

(356) نقله عنه الشيخ العباد فى «الرد» ص (192) .

غ

128

دونه)

____________

357

... إلى أن قال السيوطى: (قال القرطبى: و يحتمل أن يكون قوله عليه السلام: «و لا مهدى إلا عيسى» أى: لا مهدىّ كاملا معصوما إلا عيسى، قال: و على هذا تجتمع الأحاديث، و يرتفع التعارض-قال ابن كثير: «هذا الحديث-فيما يظهر ببادى‏ء الرأى-مخالف للأحاديث الواردة فى إثبات مهدىّ غير عيسى ابن مريم، و عند التأمل لا ينافيها، بل يكون المراد من ذلك أن المهدى حقّ المهدىّ هو عيسى، و لا ينفى ذلك أن يكون غيره مهديا أيضا» )

____________

358

ا هـ. من الحاوى للفتاوى للسيوطى.

هذا من جهة الأثر، أما من جهة النظر فيقال: (إن المهدى لم يأت ذكره إلا من جهة الشارع، فكيف يخبر عن أمر أنه سيقع و هو الصادق الذى لا ينطق عن الهوى-، ثم ينفيه؟و الأخبار لا يتصور وقوعها على خلاف ما أخبر به الصادق المصدوق صلى اللّه عليه و على آله و سلم، و نفى المهدى يلزم منه وقوع الخبر على خلاف ما أخبر به أوّلا من وجوده، و اللازم باطل و هذا ما قرّروا به أن النسخ لا يدخل الأخبار التى هى من هذا القبيل، و هذا متفق عليه بين أهل الأصول-قال الزركشى فى «البحر» : (إن كان مدلول الخبر مما لا يمكن تغيره بألا يقع إلا على وجه واحد كصفات اللّه تعالى، و خبر ما كان من الأنبياء و الأمم، و ما يكون من الساعة و آياتها كخروج الدجال فلا يجوز نسخه بالاتفاق، كما قال أبو إسحق المروزى، و ابن برهان فى «الأوسط» لأنه يفضى إلى الكذب»

____________

359

.

____________

(357) «التذكرة» (2/722-723) ، و انظر: «فيض القدير» (5/332) ، «عارضة الأحوذى» (9/79) ، «سنن ابن ماجه بحاشية السندى» (2/495) .

(358) «نهاية البداية و النهاية» (1/45) .

(359) «عقيدة أهل الإسلام فى نزول عيسى عليه السلام» ص (58) .

129

الشبهة السابعة:

و هى قولهم: (إن من العلماء من ضعّف أحاديث المهدى جميعها

____________

360

، و هو ابن خلدون) .

و الجواب بمعونة الملك الوهاب:

هذا الزعم من ابن خلدون رحمه اللّه و غيره خطأ ظاهر

____________

361

، و قد تصدى عدد من العلماء لابن خلدون، و صنّفوا فى الرد عليه.

و قال الشيخ محمد صديق حسن خان فى معرض رده على ابن خلدون رحمه اللّه: (أقول: لا شك فى أن المهدى يخرج فى آخر الزمان من غير تعيين لشهر و عام لما تواتر من الأخبار فى الباب، و اتفق عليه جمهور الأمة سلفا عن خلف إلا من لا يعتد بخلافه، و ليس القول بظهوره بناء على أقوال الصوفية و مكاشفاتهم

____________

(360) دعوى ضعف جميع أحاديث المهدى لم تنقل عن أحد من أئمة الشأن، و صدق وصف الضعف على بعضها لا يلزم منه سحبه على الصحيح و الضعيف منها، فإن الكل لا يحكم عليه بحكم البعض، علما بأن ابن خلدون نفسه اعترف بسلامة بعضها من النقد، حيث قال بعد إيراده أحاديث المهدى: (فهذه جملة الأحاديث التى خرّجها الأئمة فى شأن المهدى و خروجه آخر الزمان، و هى-كما رأيت- لم يخلص منها من النقد إلا القليل، و الأقل منه) ا هـ. على أن ابن خلدون فاته من الأحاديث الواردة فى شأن المهدى الشى‏ء الكثير.

و لعل من أوسع المراجع التى تناولت هذه الأحاديث بالدراسة النقدية العلمية رسالة ماجستير بعنوان: «الأحاديث الواردة فى شأن المهدى فى ميزان الجرح و التعديل» للأستاذ عبد العليم بن عبد العظيم البستى، تزيد على ستمائة صفحة، أنفق فى إعدادها عدة سنوات، و جمع فيها ما جاء فى هذا الموضوع من الأحاديث و الآثار، و درس أسانيدها، و بيّن ما قاله المحدثون عن أحوال رجالها، و ما قاله أهل العلم فى صحتها أو ضعفها، و نقل فيها الكثير من أقوال العلماء فى تواترها، و فى ثبوتها، و الاحتجاج بها، و ناقش قضية المهدى من جميع جوانبها، و أشرف على هذه الرسالة الأستاذ الدكتور محمد أبو شهبة رحمه اللّه تعالى، و هى موجودة بمكتبة الدراسات العليا بجامعة الملك عبد العزيز، بمكة المكرمة حرسها اللّه.

(361) انظر: «التاج» (5/341) .

130

أو أهل التنجيم أو الرأى المجرد، بل إنما قال به أهل العلم لورود الأحاديث الجمة فى ذلك، فقول ابن خلدون: «إن صح ظهور هذا المهدى.... » لا يخلو عن مسامحة و نوع إنكار من خروجه، و تلك الأحاديث واردة عليه، و ليست بدون من الأحاديث التى ثبتت بها الأحكام الكثيرة المعمول بها فى الإسلام، و ما ذكر من جرح الرواة و تعديلهم يجرى فى رجال الأسانيد الأخرى أيضا بعينه أو بنحوه، فلا معنى للريب فى أمر ذلك الفاطمى الموعود المنتظر المدلول عليه بالأدلة، بل إنكار ذلك جرأة عظيمة فى مقابلة النصوص المستفيضة المشهورة البالغة إلى حد التواتر، و أما أنه لا تتم شوكة أحد إلا بالعصبية فنعم، و لكن اللّه تعالى قادر على خرق العادة، و يؤيد دينه كيف يشاء) ا هـ، و قد قال ذلك فى معرض رده على قول ابن خلدون (فإن صح ظهور هذا المهدى فلا وجه لظهور دعوته إلا بأن يكون منهم-يعنى بقايا الفاطميين المتفرقين فى الآفاق، و يؤلف اللّه بين قلوبهم فى اتباعه حتى تتم له شوكة و عصبية وافية بإظهار كلمته و حمل الناس عليها، و أما على غير هذا الوجه مثل أن يدعو فاطمى منهم إلى مثل هذا الأمر فى أفق من الآفاق من غير عصبية و لا شوكة إلا مجرد نسبه فى أهل البيت فلا يتم ذلك، و لا يمكن لما أسلفناه من البراهين الصحيحة) ا هـ.

ثم قال الشيخ صديق حسن خان رحمه اللّه: (و هذا الاحتمال-و إن كان مطابقا لما فى الخارج-فلا يصح لأن تردّ به الأحاديث النبوية، فهذه زلة صدرت من ابن خلدون رحمه اللّه تعالى، و ليست من التحقيق فى صدر و لا ورد، فلا تغتر به، و اعتقد ما جاء عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و على آله و سلم، و فوّض حقائقه إليه تعالى تكن على بصيرة من أمر دينك)

____________

362

ا هـ.

و قال فى «عون المعبود» : (و قد بالغ الإمام المؤرخ عبد الرحمن بن خلدون فى تاريخه فى تضعيف أحاديث المهدى كلها فلم يصب، بل أخطأ)

____________

363

ا هـ.

____________

(362) «الإذاعة» ص (145-146) .

(363) «عون المعبود» (11/362) و انظر التعليق رقم (360) .

131

و قال الشيخ محمد حبيب اللّه الشنقيطى رحمه اللّه: (و قد أفردت تأليفا مستقلا فى الأحاديث الواردة فى سيدنا عيسى و فى المهدى المنتظر سمّيته:

«الجواب المقنع المحرر فى أخبار عيسى و المهدى المنتظر» ، و رددت فيه على ابن خلدون فى تضعيفه لأحاديث المهدى فى مقدمة تاريخه، فمن شاء استيفاء الكلام على ما ورد فيهما، فليراجعه)

____________

364

ا هـ.

و قد صحح العلامة أحمد محمد شاكر رحمه اللّه بعض الأحاديث الواردة فى شأن المهدى فى تحقيقه لمسند الإمام أحمد إلا أنه حمل على ابن خلدون حملة عنيفة، و قال: (أما ابن خلدون فقد قفا ما ليس له به علم، و اقتحم قحما لم يكن من رجالها، و غلبه ما شغله من السياسة و أمور الدولة و خدمة من كان يخدم من الملوك و الأمراء، فأوهم أن شأن المهدى عقيدة شيعية أو أوهمته نفسه ذلك) ا هـ، بل إنه قدم بين يدى الفصل نصيحة للقارى‏ء قال فيها: (هذا الفصل من مقدمة ابن خلدون مملوء بالأغلاط الكثيرة فى أسماء الرجال و نقل العلل، فلا يعتمدن أحد عليها فى النقل، و ما أظن أن ابن خلدون كان بالمنزلة التى يغلط فيها هذه الأغلاط!و لكنها-فيما أرى-من تخليط الناسخين و إهمال المصححين)

____________

365

ا هـ.

و قال أيضا: (إن ابن خلدون لم يحسن قول المحدثين: «الجرح مقدم على التعديل»

____________

366

، و لو اطلع على أقوالهم، وفقهها ما قال شيئا مما قال، و قد يكون قرأ، و عرف، و لكنه أراد تضعيف أحاديث المهدى، بما غلب عليه من الرأى السياسى فى عصره) ا هـ.

و قال الشيخ محمد المغربى: (و يقرب فى شدة القبح من الطعن فى الأحاديث الصحيحة الواردة فى نزول سيدنا عيسى الطعن فى الأحاديث الكثيرة الشهيرة الواردة فى خروج المهدى آخر الزمان بأنها باطلة، و أنه «خرافة» تقليدا لابن

____________

(364) «فتح المنعم» (1/331) .

(365) «المسند» (5/3570-3571) .

(366) انظر تحقيق هذه القاعدة فى «قواعد التحديث» للقاسمى ص (170-171) .

132

خلدون، و ابن خلدون لم يكن فقيها فى مذهبه فضلا عن كونه محدّثا، و فضلا عن كونه مبرزا فى علم الحديث فيه أهلية النقد و التمييز للأحاديث، و من الغلط الفاحش الداخل على كثير من خواص الناس فضلا عن عوامهم الحكم على الكل بحكم البعض، فابن خلدون حكم على جميع الأحاديث الواردة فى خروج المهدى بأنها من خرافات الرافضة و دسائسهم، و لا شك عند كل من له إلمام بالعلم أن هذا طعن بمجرد الرأى لا يمت إلى تحقيق علم الرواية بشى‏ء، و هو فاسد من وجهين:

الأول: يلزم منه رد كل رأى أو عقيدة أخذ بها طائفة من طوائف المسلمين مخالفة لنا فى المذهب، و لو كان حقا، و لو جاء فيه حديث أو أحاديث عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و على آله و سلم، و هذا نظر سخيف، فليست سنته عليه الصلاة و السلام مقصورة على طائفة مخصوصة من أمته.

الثانى: تهجمه بغير علم على جميع الأحاديث الواردة بأنها من الخرافات، فلو كان عنده إلمام بعلم الرواية و وقار العلماء المتثبتين، و حكم على بعضها بطريق الظن بأن فيه مثلا راويا كذابا أو ضعيفا، أو إسناد هذا الحديث مقطوع أو واه، لكان قريبا من القبول عند من يفهم العلم) .

ثم قال بعد كلام: (لقد تحقق بهذا أن كل فن من فنون العلم يرجع فيه إلى أهله المبرزين فيه، و أن المسلم اللبيب المحتاط لدينه لا ينبغى له التسرع إلى إنكار حديث واحد لرأى أى شخص إلا ببرهان واضح فكيف بأحاديث؟و إن المتمسك برأى ابن خلدون غريق متمسك بغريق)

____________

367

ا هـ.

دعوا كلّ قول عند قول محمد # فما آمن فى دينه كمخاطر

و قال الشيخ أبو الفضل الغمارى: (قد تصدى لابن خلدون شقيقنا العلامة المحدث السيد أحمد فى كتاب خاص سماه: «إبراز الوهم المكنون من كلام ابن

____________

(367) «سيد البشر يتحدث عن المهدى المنتظر» ص (58-59) نقلا عن: «اعتقاد أهل القرآن فى نزول المسيح ابن مريم آخر الزمان» للشيخ محمد العربى المغربى.

133

خلدون» نقض فيه كل ما أبداه ابن خلدون من المطاعن، و تتبع كلامه جملة جملة بحيث لم يترك بعده لقائل مقالا)

____________

368

ا هـ.

و قال الشيخ محمد بن جعفر الكتانى-رحمه اللّه-بعد أن نقل الحكم بتواتر أحاديث المهدى عن جمع من الأئمة: (و لو لا مخافة التطويل لأوردت هاهنا ما وقفت عليه من أحاديثه لأنى رأيت الكثير من الناس فى هذا الوقت يتشككون فى أمره، و يقولون: يا ترى هل أحاديثه قطعية أم لا؟و كثير منهم يقف مع كلام ابن خلدون و يعتمده مع أنه ليس من أهل هذا الميدان، و الحق الرجوع فى كل فن لأربابه و العلم عند اللّه تبارك و تعالى)

____________

369

ا هـ.

و قال الشيخ حمود بن عبد اللّه التويجرى حفظه اللّه:

(إن منخل ابن خلدون الذى نخل به أحاديث المهدى كان واسع الخروق جدّا، و لم يكن مضبوطا و محكما، فلهذا نخل به كثيرا من الصحاح و الحسان الواردة فى المهدى، و لم يستثن منها من النقد إلا القليل، أو الأقل منه)

____________

370

ا هـ.

و قال الشيخ عبد المحسن العباد حفظه اللّه:

(إن ابن خلدون مؤرخ، و ليس من رجال الحديث، فلا يعتد به فى التصحيح و التضعيف، و إنما الاعتداد بذلك بمثل البيهقى، و العقيلى، و الخطابى، و الذهبى، و ابن تيمية، و ابن القيم، و غيرهم من أهل الرواية و الدراية الذين قالوا بصحة الكثير من أحاديث المهدى، فالذى يرجع فى ذلك إلى ابن خلدون كالذى يقصد الساقية، و يترك البحور الزاخرة، و عمل ابن خلدون فى نقد الأحاديث أشبه ما يكون بعمل المتطبب إذا خالف الأطباء الحذاق المهرة.

... إن ابن خلدون-و إن كان فى التاريخ علما من الأعلام-فهو فى الحديث من الأتباع المستفتين، و ليس من المتبوعين المفتين، و القاصر فى فنّ،

____________

(368) «المهدى المنتظر» للغمارى ص (7) .

(369) «نظم المتناثر فى الحديث المتواتر» ص (146) .

(370) «الاحتجاج بالأثر» ص (202) .

134

كالعامّى فيه، و إن كان متمكنا من غيره.

و الواجب الرجوع فى كل فنّ إلى أهله، و لا شك أن المرجع فى الحديث لمعرفة صحيحه و سقيمه أوعيته و نقاده....

و إذا اقتصرنا على القرنين الثامن و التاسع اللذين عاش ابن خلدون فترة منهما إذ كانت ولادته سنة 732 هـ، و وفاته سنة 808 هـ، نجد أن من أبرز العلماء المتمكنين فى الحديث النبوى، و معرفة صحيحه و سقيمه ممن أدركته الوفاة خلال هذين القرنين الحفاظ الجهابذة النقاد: الذهبى، و ابن تيمية، و ابن القيم، و ابن كثير، و ابن حجر العسقلانى، و قد قالوا جميعا بصحة خروج المهدى فى آخر الزمان استنادا إلى ثبوت الأحاديث الصحيحة فى ذلك عندهم)

____________

371

ا هـ.

***

____________

(371) «الرد على من كذب بالأحاديث الصحيحة الواردة فى المهدى» ص (29-31) بتصرف.

135

الفصل الثانى شبهات عقلية سقيمة

الشبهة الأولى:

و هى قولهم: (التصديق بخروج المهدى من القضايا النظرية فى الدين التى لا يترتب عليها عمل، و ما يفيدنى فى دينى إذا صدقت به؟و ماذا يضيرنى إن كذبت به؟) .

و الجواب بمعونة الملك الوهاب:

أولا:

إن هذه الأمور العلمية الخبرية، و التى تسمونها «الجانب النظرى من الدين» ، و التى أخبر بها الوحى يلزم تصديقها و اعتقادها، لأنها أصل الدين، و لب الإسلام، و جوهر التوحيد، و لذا سمى الإمام أبو حنيفة النعمان رحمه اللّه الأوراق التى جمعها فى التوحيد «الفقه الأكبر» لأنه كذلك بالنسبة لفقه الفروع العملية.

و هذه الأمور هى فى الحقيقة عملية تناط بالقلب، و عمل القلب فيها التصديق، المنافى للتكذيب، و اليقين الخالى من شائبة الشك و الريب، قال تعالى: «وَ لََكِنْ يُؤََاخِذُكُمْ بِمََا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ

____________

372

الآية.

ثانيا:

أن الإيمان بهذه القضايا من مستلزمات الشهادة بأن محمدا صلى اللّه عليه و على آله و سلم رسول اللّه، و التى تقتضى: طاعته فيما أمر، و تصديقه فيما أخبر، و اجتناب ما نهى عنه و زجر، و أن لا يعبد اللّه، إلا بما شرع، و عن أبى هريرة رضى اللّه عنه قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و على آله و سلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللّه، و يؤمنوا بى و بما جئت به، فإذا فعلوا

____________

(372) [البقرة: 225].

غ

136

ذلك عصموا منى دماءهم و أموالهم إلا بحقها، و حسابهم على اللّه»

____________

373

.

ثالثا:

أن التصديق بها من مستلزمات الإيمان باليوم الآخر، لأن أشراط الساعة التى منها خروج المهدى من مقدمات اليوم الآخر، و قد عدّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و على آله و سلم التصديق بأمارات الساعة من أركان الدين، و ذلك فى حديث جبريل عليه السلام حين أتاه فسأله عن الإسلام، و الإيمان، و الإحسان، و أمارات الساعة، و قال صلى اللّه عليه و على آله و سلم فى آخره: «إنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم»

____________

374

.

رابعا:

(أن التصديق بخروج المهدى داخل فى الإيمان بالقدر، فإن سبيل علم الخلق بما قدّره اللّه أمران:

أحدهما: وقوع الشى‏ء، فكل ما كان و وقع، علمنا أن اللّه قد شاءه لأنه لا يكون و لا يقع إلا ما شاءه اللّه، و ما شاء اللّه كان، و ما لم يشأ لم يكن.

الثانى: الإخبار بالشى‏ء الماضى الذى وقع و بالشى‏ء المستقبل قبل وقوعه من الذى لا ينطق عن الهوى صلى اللّه عليه و على آله و سلم، فكل ما ثبت إخباره به من الأخبار فى الماضى علمنا بأنه كان على وفق خبره صلى اللّه عليه و على آله و سلم، و كل ما ثبت إخباره عنه مما يقع فى المستقبل نعلم بأن اللّه قد شاءه، و أنه لا بد أن يقع على وفق خبره، كإخباره صلى اللّه عليه و على آله و سلم بنزول عيسى عليه الصلاة و السلام فى آخر الزمان، و إخباره بخروج المهدى، و خروج الدجال، و غير ذلك من الأخبار)

____________

375

.

____________

(373) تقدم تخريجه برقم (45) .

(374) رواه مسلم فى الإيمان: باب وصف جبريل عليه السلام للنبى صلى اللّه عليه و على آله و سلم الإسلام و الإيمان، رقم (8) ، و الترمذى فيه أيضا رقم (2738) ، و أبو داود (4695) ، و النسائى (8/97) .

(375) «الرد» للشيخ عبد المحسن العباد ص (222) .

137

خامسا:

أن الإيمان بأشراط الساعة من مقتضيات الإيمان بالغيب، و عليه فمن الإيمان.

بالغيب الإيمان بما أخبر به النبى صلى اللّه عليه و على آله و سلم عن المهدى الذى يخرج فى آخر الزمان، و قد قال تعالى: وَ مََا آتََاكُمُ اَلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مََا نَهََاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا

____________

376

الآية، و قد جعل اللّه عز و جل أمر التصديق بالأخبار الغيبية فتنة و محنة لعباده ليميز الخبيث من الطيّب، قال تعالى: الم `أَ حَسِبَ اَلنََّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنََّا وَ هُمْ لاََ يُفْتَنُونَ `وَ لَقَدْ فَتَنَّا اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اَللََّهُ اَلَّذِينَ صَدَقُوا وَ لَيَعْلَمَنَّ اَلْكََاذِبِينَ

____________

377

.

و قال عز و جل: وَ مََا جَعَلْنَا اَلرُّؤْيَا اَلَّتِي أَرَيْنََاكَ إِلاََّ فِتْنَةً لِلنََّاسِ وَ اَلشَّجَرَةَ اَلْمَلْعُونَةَ فِي اَلْقُرْآنِ

____________

378

الآية.

و قال تبارك و تعالى: وَ مََا جَعَلْنََا أَصْحََابَ اَلنََّارِ إِلاََّ مَلاََئِكَةً، وَ مََا جَعَلْنََا عِدَّتَهُمْ إِلاََّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتََابَ وَ يَزْدََادَ اَلَّذِينَ آمَنُوا إِيمََاناً وَ لاََ يَرْتََابَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتََابَ وَ اَلْمُؤْمِنُونَ وَ لِيَقُولَ اَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَ اَلْكََافِرُونَ مََا ذََا أَرََادَ اَللََّهُ بِهََذََا مَثَلاً

____________

379

الآية.

قال ابن القيم: (... فهذا تصوير لحال القلوب عند ورود الحق المنزل عليها:

قلب يفتتن به كفرا و جحودا، و قلب يزداد به إيمانا و تصديقا، و قلب يتيقنه فتقوم عليه به الحجة، و قلب يوجب له حيرة و عمى فلا يدرى ما يراد به)

____________

380

ا هـ.

و قال سبحانه و تعالى: وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى‏ََ عَلَى اَللََّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ

____________

(376) [الحشر: 7].

(377) [العنكبوت: 1-3].

(378) [الإسراء: 60].

(379) [المدثر: 31].

(380) «إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان» (1/21) .

138

لَمََّا جََاءَهُ

____________

381

الآية، و قال عز و جل: فَلْيَحْذَرِ اَلَّذِينَ يُخََالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذََابٌ أَلِيمٌ

____________

382

.

و أىّ فتنة أعظم من أن يخبر الصادق المصدوق الذى لا ينطق عن الهوى- صلى اللّه عليه و على آله و سلم-بخبر، فيقول من ينتسب إلى دينه: «ماذا يفيدنى إن صدقت به، و ماذا يضيرنى إن كذبت؟» ، على أنه يضيرك أن تكذب بخبر المعصوم صلى اللّه عليه و على آله و سلم على الوجوه التى تقدمت، و يفيدك فى خصال كثيرة: منها زيادة إيمانك بمزيد التصديق، و ارتفاع وصف الجهالة عنك، و محبة أهل الحق و موالاتهم، و الحمية من الشبهات التى قد تلم بك كما ألمت بغيرك فلم يملك لها دفعا

____________

383

.

الشبهة الثانية:

و هى قولهم: (كيف يملأ المهدى الأرض عدلا بعد أن ملئت جورا فى سبع سنين فقط، و هذا رسول اللّه صلى اللّه عليه و على آله و سلم مكث ثلاثا و عشرين سنة يجاهد و يدعو إلى اللّه، و ماملأ الأرض كلها عدلا؟) .

و الجواب: بمعونة الملك الوهاب:

أولا:

أن اللّه تعالى قال: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاََ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اَللََّهِ وَ رَسُولِهِ

____________

384

، و قال عز و جل: وَ مََا يَنْطِقُ عَنِ اَلْهَوى‏ََ `إِنْ هُوَ إِلاََّ وَحْيٌ يُوحى‏ََ

____________

385

، و كل ما ثبت عن النبى صلى اللّه عليه و على آله و سلم أنه أخبر به، فالواجب تصديقه، و أن لا يجد المسلم فى نفسه حرجا مما أخبر به

____________

(381) [العنكبوت: 68].

(382) [النور: 63].

(383) انظر: «العالم و المتعلم» المنسوب لأبى حنيفة النعمان ص (36-37) .

(384) [الحجرات: 1].

(385) [النجم: 3-4].

139

رسول اللّه صلى اللّه عليه و على آله و سلم، و أن لا يعارض خبره بكيف؟و لم؟ و هل؟، فإن هذا عنوان فساد العقيدة، قال تعالى: فَلاََ وَ رَبِّكَ لاََ يُؤْمِنُونَ حَتََّى يُحَكِّمُوكَ فِيمََا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاََ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمََّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً

____________

386

.

ثانيا:

أن اللّه تبارك و تعالى إذا أراد أمرا هيّأ أسبابه، و يسّر الوصول إليه، و هذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه قد ملأ الأرض قسطا و عدلا فى عشر سنين، و قد كانت قبل انتشار الإسلام فى خلافته قد ملئت ظلما و جورا، و هذا عمر بن عبد العزيز قد ملأ الأرض قسطا و عدلا فى سنتين و خمسة أشهر، و أخبر النبى صلى اللّه عليه و على آله و سلم أن المهدى يملأ الأرض قسطا و عدلا فى سبع سنين، و خبر الصادق المصدوق صلى اللّه عليه و على آله و سلم واقع لا محالة، و لا يستبعد وقوعه إلا من يشك فى عموم قدرة الرب تبارك و تعالى، و نفوذ مشيئته، أو يشك فى صدق النبى صلى اللّه عليه و على آله و سلم فيما أخبر به عما كان فى الماضى و عما يكون فى المستقبل.

ثالثا:

أن المهدى سيهيئه اللّه و يعدّه لتجديد الدين بأن يصلحه فى ليلة، ثم يؤيده اللّه تعالى بكرامة خارقة للعادة، و هى أن يخسف بالجيش الذى يقصده حينما يعوذ بالبيت الحرام فلعل هذا أحد أسباب التمكين له فى الأرض، و ليجزم الناس بعدئذ بأنه المهدى الذى أخبر عنه رسول اللّه صلى اللّه عليه و على آله و سلم حقّا و صدقا.

رابعا:

و من المعلوم أن ثمار دعوة الأنبياء و آثارها فى العالمين أحد أعلام نبوتهم، و كل ما وقع فى هذه الأرض من آثار نبوة رسول اللّه صلى اللّه عليه و على آله و سلم من العدل و الرحمة و الخير إنما هو من أعلام نبوته صلى اللّه عليه و على آله و سلم،

____________

(386) [النساء: 65].

140

و كل ما يأتى الناس من خير بسبب بركة الإسلام إنما المتسبب الأول فيه من البشر هو رسول اللّه صلى اللّه عليه و على آله و سلم حتى لو وقع ذلك من خلفائه و أتباعه من بعده صلى اللّه عليه و على آله و سلم فما وقع من الخلفاء الراشدين، و ما سيقع بإذن اللّه من المهدى إنما هو أثر من آثار نبوة رسول اللّه صلى اللّه عليه و على آله و سلم و ثمرة من ثمرات بعثته المباركة

____________

387

.

و من هذا يتضح الجواب عن قول من غلظ حجابه، فتوهّم أن فى التصديق بأن المهدى سيملأ الأرض عدلا فى سبع سنين تفضيلا له على رسول اللّه صلى اللّه عليه و على آله و سلم، فرد الحديث لذلك:

و كم عائب قولا صحيحا # و آفته من الفهم السّقيم‏

فالمهدى يوافق اسمه اسمه صلى اللّه عليه و على آله و سلم، و يوافق رسمه رسمه، لأنه محمد المهدى، و بهدى رسول اللّه صلى اللّه عليه و على آله و سلم للناس يهدى.

الشبهة الثالثة:

لما ضيّق علماء الحديث الخناق على منكرى أحاديث المهدى، و أثبتوا صحتها، بل تواترها، ذهب بعض من كبر عليهم أن يصدقوا بها على حقيقتها مذهبا عجيبا متهافتا، إذ عجزوا عن ردها من حيث السند، فراحوا يتخبطون فى تأويلها، و يتمحكون فى صرفها عن ظاهرها، فقالوا: (نعم!صحت الأحاديث فى إثبات حقيقة المهدى، و لكننا نؤولها بأن المهدى رمز للخير و الهدى و الصلاح) .

و الجواب: أن القائلين بهذا التأويل الفاسد هم فى الحقيقة مكذبون لا مثبتون، فمثل هذه الصورة من التأويل الفاسد توأم التكذيب و ردّ الحديث.

ناهيك عن الأضرار و الفتن و المفاسد التى قد تنشأ عن مثل هذا التأويل، حيث يكثر مدعو المهدية ممن يرى فى نفسه الخير و الهدى و الصلاح، أو يرى الناس

____________

(387) بجانب أن مجرد وقوع خبره صلى اللّه عليه و على آله و سلم تماما كما أخبر من أعلام نبوته صلى اللّه عليه و على آله و سلم، كما سبق التنبيه على ذلك فى المقدمة ص (95) .

141

فيه ذلك.

و إذا كانت أحاديث المهدى الحقيقى قد استغلت أسوأ الاستغلال من مدعى المهدية مع أن محورها شخص معين له صفات محصورة، فماذا نتوقع أن يحصل إذا عممنا صفة المهدى بأنه كل خيّر و مهتد و مصلح؟

***

142

التأويل عدو الرسالات‏

فإن التأويل هو سبب البلاء الذى حل بالأمة الإسلامية على مد العصور، و طاغوت التأويل هو الذى فرق الأمة إلى ثلاث و سبعين فرقة، و بإخراج النصوص عن ظاهرها-بدون مسوّغ-و بتأويل كل فرقة للنصوص حتى تشهد لها على مدّعاها انقسمت الأمة، و تشعبت بها الأهواء... و لم ترق دماء المسلمين فى الفتن، و لم تستحل أموالهم و أعراضهم و حرماتهم إلا بالتأويل، فالتأويل وراء كل فسوق و مروق و كفر و ضلال، و زندقة و إلحاد، فاستعرض أحوال الدعاة من متألهين و متنبئين، و متمهّدين، ثم انظر أرباب الفرق من معتزلة و مرجئة و قرامطة و باطنية و بهائية و قاديانية و غيرهم تجد الباب الذى دخلوا منه جميعا هو التأويل، و إن اختلفت أهواؤهم و نزعاتهم و ميولهم.

و لذا كان أهل السنة موفّقين كل التوفيق حين ضيّقوا دائرة التأويل، و جعلوه مقصورا على حد الضّرورة لا يتعدّاها، لأنه بمثابة الرخصة، و قرروا أن كل ما جوزه العقل، و ورد بوقوعه السمع وجب حمله على ظاهره كما نص عليه ابن المنير، و لو لا هذه القاعدة لما صح الإيمان بالمعجزات، و لا بشى‏ء من السمعيات.

و إنما يصار إلى التأويل عند تعذر الجمع بين النصوص المتعارضة، أو لوجود قرينة تصحب الكلام تدل على أن قائله لا يريد ظاهره، أو لغير ذلك من موجبات التأويل، و التأويل الصحيح هو الذى يوافق ما جاءت به السنة، و الفاسد المخالف له، فكل تأويل لم يدل عليه دليل من السياق، و لا معه قرينة تقتضيه فإن هذا لا يقصده المبيّن الهادى بكلامه، إذ لو قصده لحفّ بالكلام قرائن تدل على المعنى المخالف لظاهره حتى لا يوقع السامع فى اللبس و الخطأ، فإن اللّه سبحانه أنزل كلامه بيانا و هدى، فإذا أراد به خلاف ظاهره، و لم يحف به قرائن تدل على المعنى الذى يتبادر غيره إلى فهم كل أحد-لم يكن بيانا و لا هدى‏

____________

388

.

____________

(388) انظر: «إعلام الموقعين» (4/316-319) .

143

التأويل إخبار بمراد المتكلم لا إنشاء

و فى هذا الموضع يغلط كثير من الناس، فإن المقصود فهم مراد المتكلم بكلامه، فإذا قيل: (معنى اللفظ كذا و كذا) كان إخبارا بالذى عنى المتكلم، فإن لم يكن الخبر مطابقا كان كذبا على المتكلم.

و يعرف مراد المتكلم بطرق متعددة، منها: أن يصرح بإرادة ذلك المعنى، و منها أن يستعمل اللفظ الذى له معنى ظاهر بالوضع، و لا يبين بقرينة تصحب الكلام أنه لم يرد ذلك المعنى.

فكيف إذا حف المتكلم الذى أوتى جوامع الكلم صلى اللّه عليه و على آله و سلم بكلامه ما يدل على أنه إنما أراد حقيقته و ما وضع له: من ذكره اسم المهدى و اسم أبيه و اسم قبيلته و مدة خلافته و ملامح خلقته إلى آخر ما ذكر مما يقطع السامع له بمراد المتكلم، و أنه يقصد شخصا مميّزا عن غيره، لا مطلق المهدى؟!!

و قد يريد المتكلم بكلامه خلاف ظاهره إذا قصد التعمية على السامع حيث يسوغ ذلك (كما فى رخصة التعريض) ، و لكن المنكر أن يريد بكلامه خلاف حقيقته إذا قصد البيان و الإيضاح و إفهام مراده، كيف و المتكلم يؤكد كلامه بما ينفى المجاز، و يكرره غير مرة، و يضرب له الأمثال؟!

و أى تلاعب بالنصوص مثل هذا التلاعب؟و أى إقدام على الكلام فيها بمجرد التشهى مثل هذا الإقدام؟!

و الحاصل أن هذه الدعوى الخاسرة مردودة و لا كرامة، و أن المهدى جسم لا عرض، و اللّه أعلم.

الشبهة الرابعة:

و هى قولهم: (الاعتقاد فى خروج المهدى خرافة، تسربت إلى أهل السنة

144

من طريق المؤانسة و المجالسة و الاختلاط بالشيعة، دون أن يكون لها أصل فى عقيدتهم) .

و الجواب بمعونة الملك الوهاب:

أولا:

قد تقدم بيان صفة المهدى و أحواله فى اعتقاد أهل السنة، يبقى أن نتعرف على اعتقاد الشيعة فى مهديهم المزعوم:

فهو فى اعتقادهم آخر الأئمة الاثنى عشر المنصوص عليهم، و هم يعتقدون أن الإمامة منصب إلهى واجب على اللّه-معاذ اللّه-لا على العباد، و أنها ركن من أركان الإيمان، لا يصح إيمان عبد حتى يعتقد فيه على النحو الذى يقولون به، فهى تمام إيمانهم، و بناء إسلامهم، و ركن أحكامهم.

و يغلون فى أئمتهم غلوّا شديدا فيعتقدون أنهم معصومون عن الخطأ و السهو و النسيان، منذ ولادتهم حتى موتهم، بل إنهم يولدون متعلمين لا يحتاجون إلى تعليم المعلمين، (و يعتقدون أن أمرهم أمر اللّه تعالى، و نهيهم نهيه، و طاعتهم طاعته، و معصيتهم معصيته، و وليهم وليه، و عدوّهم عدوه، و لا يجوز الرد عليهم، و الراد عليهم كالراد على الرسول، و الراد على الرسول كالراد على اللّه تعالى، فيجب التسليم لهم، و الانقياد لأمرهم و الأخذ بقولهم.

و لهذا يعتقدون أن الأحكام الشرعية الإلهية لا تستقى إلا من نمير مائهم، و لا يصح أخذها إلا منهم، و لا تفرغ ذمة المكلف بالرجوع إلى غيرهم، و لا يطمئن بينه و بين اللّه إلى أنه قد أدّى ما عليه من التكاليف المفروضة إلا من طريقهم)

____________

389

.

و قال إمام الضلالة الخمينى:

(و إن من ضروريات مذهبنا أن لأئمتنا مقاما لا يبلغه ملك مقرب، و لا نبى مرسل، و بموجب ما لدينا من الروايات و الأحاديث؛ فإن الرسول الأعظم

____________

(389) «عقائد الإمامية» لمحمد رضا المظفر ص (70) .

غ

145

صلى اللّه عليه و على آله و سلم، و الأئمة (ع) كانوا قبل هذا العالم أنوارا، فجعلهم اللّه بعرشه محدقين، و جعل لهم من المنزلة و الزلفى ما لا يعلمه إلا اللّه) إلى أن قال: (و قد ورد عنهم (ع) أن لنا مع اللّه حالات لا يسعها ملك مقرب، و لا نبى مرسل)

____________

390

ا هـ.

و قال أيضا: (إن للإمام مقاما محمودا، و درجة سامية، و خلافة تكوينية تخضع لولايتها و سيطرتها جميع ذرات هذا الكون)

____________

391

.

و قال أيضا: (و الأئمة الذين لا نتصور فيهم السهو أو الغفلة)

____________

392

.

و قال أيضا: (إن تعاليم الأئمة كتعاليم القرآن يجب تنفيذها و اتباعها)

____________

393

.

قال الشيخ إحسان إلهى ظهير رحمه اللّه تعالى:

(و أما الثانى عشر الموهوم، فكفى فيه القول أنهم يصرحون فى كتبهم أنفسهم أنه لم يولد، و لم يعثر عليه، و لم ير له أثر مع كل التفتيش و التنقيب، ثم يحكون حكايات و ينسجون الأساطير، و يختلقون القصص و الأباطيل فى ولادته و أوصافه:

إما موجود ولد، و إما معدوم لم يولد؟غير مولود و مولود!و معدوم و موجود!)

____________

394

ا هـ.

ثم ساق النص الذى يفيد ذلك من ستة مراجع لهم، و حكى الإمام ابن حزم

____________

(390) «الحكومة الإسلامية» ص (52) ، و إذا كان الخليفة الراشد على بن أبى طالب رضى اللّه عنه قال: «لا أوتى بأحد يفضلنى على أبى بكر و عمر إلا جلدته حد المفترى» ، فماذا كان يقول و يفعل لو أتى بمن يفضله، و من هم دونه حتى خرافة السرداب على الأنبياء، و المرسلين، و الملائكة المقربين؟!

سبحانك هذا بهتان مبين!

(391) «الحكومة الإسلامية» ص (52) .

(392) «السابق» ص (91) .

(393) «السابق» ص (113) .

(394) «الشيعة و أهل البيت» ص (294-295) .

146

رحمه اللّه اضطرابهم الشديد فى شأن ذلك المولود الذى لم يخلق قط، ثم قال:

(و كل هذا هوس، و لم يعقب الحسن المذكور لا ذكرا و لا أنثى، فهذا أول نوك‏

____________

395

الشيعة، و مفتاح عظيماتهم، و أخفها، و إن كانت مهلكة)

____________

396

ا هـ.

و قال الإمام المحقق ابن قيم الجوزية رحمه اللّه فى شأن ذلك المعدوم، الموجود فى خيالاتهم الفاسدة:

(إنه الحاضر فى الأمصار، الغائب عن الأبصار، الذى ورث العصا و يختم الفضا، دخل سرداب سامرا طفلا صغيرا من أكثر من خمسمائة سنة، فلم تره بعد ذلك عين، و لم يحس فيه بخر و لا أمر، و هم ينتظرونه كل يوم يقفون بالخيل على باب السرداب، و يصيحون به أن يخرج إليهم: «اخرج يا مولانا» ، ثم يرجعون بالخيبة و الحرمان، فهذا دأبهم و دأبه) ثم قال: (و لقد أصبح هؤلاء عارا على بنى آدم، و ضحكة يسخر منهم كل عاقل)

____________

397

ا هـ.

ما آن للسرداب أن يلد الذى # كلّمتموه بجهلكم ما آنا

فعلى عقولكم العفاء فإنكم # ثلّثتم العنقاء و الغيلانا

____________

398

فإذا كان الفرق بين المهدى عند الشيعة، و المهدى عند السنة كالفرق بين الثرى و الثريا، فكيف يسوّغ عاقل لنفسه أن يسوى بين الحق و الباطل؟ما لكم كيف تحكمون؟!

ثانيا:

أن دعوى اقتباس السنة التصديق بخروج المهدى من الرافضة لا تستند إلى دليل

____________

(395) النّوك: بالضم و الفتح-الحمق.

(396) «الفصل فى الملل و النحل» (4/181) ، و انظر:

«الشيعة و التشيع: فرق و تاريخ» للشيخ إحسان إلهى ظهير رحمه اللّه ص (271-295) .

(397) نقله عنه الشيخ العباد فى «الرد» ص (194) .

(398) «الصواعق المحرقة» لابن حجر الهيتمى ص (168) ، و العنقاء: طائر معروف الاسم لا الجسم.

147

إلا الظن، و قد قال صلى اللّه عليه و على آله و سلم:

«إياكم و الظن، فإن الظن أكذب الحديث»

____________

399

.

أحاديث المهدى مدونة فى كتب السنة الشريفة بأسانيد تنتهى إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و على آله و سلم عن طريق صحابته الكرام رضى اللّه عنهم، أما أحاديث الشيعة فهى تنتهى إلى أئمتهم المعصومين فى زعمهم، و قد ينسبونها إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و على آله و سلم.

و ما صح من الأحاديث الواردة فى المهدى عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و على آله و سلم لا علاقة له بالشيعة، و لم ينقل عن الشيعة

____________

400

.

ثم إن المهدى عند الشيعة هو محمد بن الحسن العسكرى صاحب السرداب، أما المهدى عند أهل السنة فهو محمد بن عبد اللّه.

فعقيدة أهل السنة فى المهدى فى واد، و عقيدة الشيعة فى مهديهم فى واد آخر.

رابعا:

أنه لا يجوز أن ندع حقّا لباطل، فكون الرافضة كذبوا فى ادّعاء المهدية لإمامهم الوهمى لا يسوّغ لنا لا عقلا و لا نقلا أن نرفض الأدلة الصحيحة من سنته صلى اللّه عليه و على آله و سلم التى تؤكد أن المهدى حقيقة لا خرافة، و قد ادّعى كثير من الدجالين النبوة فهل يصح أن يحتجّ بمجرد ذلك على نفى صحة الاعتقاد فى النبوة؟!حاشا و كلاّ، و قد انحرف قوم فى باب صفات اللّه جل و علا حتى خرجوا إلى التشبيه و التجسيم، فهل يسوّغ لنا هذا أن ننفى عن اللّه صفاته

____________

(399) صدر حديث رواه البخارى (9/171) فى النكاح: باب لا يخطب على خطبة أخيه، و مسلم رقم (2563) فى البر و الصلة، و أبو داود رقم (4882) ، (4917) فى الأدب، و الترمذى رقم (1928) فى البر و الصلة.

(400) و يلزم من زعم أن أهل السنة اقتبسوا فكرة المهدية من الشيعة أن يكون ابتداء الفكرة فى المهدى فى أواخر القرن الثالث من الهجرة، بعد الميلاد الافتراضى لمحمد بن الحسن العسكرى و بعد ما دخل السرداب على حد زعم الرافضة فيه!

148

و نعطلها؟قال الإمام أحمد رحمه اللّه: «لا ننفى عن اللّه صفة من صفاته من أجل شناعة المشنعين» .

و قد تطرف النصارى فى شأن عيسى عليه السلام حتى رفعوه إلى مقام الألوهية، فهل يسوغ لنا هذا الاعتقاد الكفرى أن نتطرف نحن فى الجانب الآخر، فنسب المسيح عليه السلام، أو نكذب بنبوته؟

معاذ اللّه!فإن «كلا طرفى قصد الأمور ذميم» .

فالحق فى شأن المهدى هو ما أخبر به الصادق المصدوق صلى اللّه عليه و على آله و سلم، و سيقع كما أخبر بإذن اللّه تعالى‏ وَ لَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ

____________

401

.

مطلب‏

فى بيان معنى قوله صلى اللّه عليه و على آله و سلم: «يكون اثنا عشر خليفة» و أنه لا متعلق له بالمهدى المنتظر، فضلا عن مهدى الرافضة الموهوم.

عن جابر بن سمرة رضى اللّه عنه عن النبى صلى اللّه عليه و على آله و سلم قال:

«يكون اثنا عشر خليفة كلهم من قريش»

____________

402

، و فى رواية أبى داود من طريق أخرى بلفظ:

«لا يزال هذا الدين قائما حتى يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلهم تجتمع عليه الأمة» فسمعت كلاما من النبى صلى اللّه عليه و على آله و سلم لم أفهمه، قلت لأبى: «ما يقول؟» ، قال: «كلهم من قريش»

____________

403

.

و فى رواية له أيضا: «لا يزال هذا الدين عزيزا إلى اثنى عشر

____________

(401) [ص: 88].

(402) رواه البخارى (13/181) فى الأحكام: باب فى الاستخلاف، و مسلم رقم (1821) فى الإمارة: باب الناس تبع لقريش، و الترمذى رقم (2224) فى الفتن: باب ما جاء فى الخلفاء، و أخرجه أيضا الإمام أحمد فى «المسند» (5/87، 90، 92، 95، 97، 99، 101، 107، 108) .

(403) رقم (4279) ، (4/106) ، كتاب المهدى.

149

خليفة»

____________

404

الحديث.

قال الحافظ ابن كثير رحمه اللّه:

(فهؤلاء المبشر بهم فى الحديثين ليسوا الاثنى عشر الذين زعم فيهم الروافض ما يزعمون من الكذب و البهتان، و أنهم معصومون، لأن أكثر أولئك لم يل أحد منهم شيئا من أعمال هذه الأمة فى خلافة، بل و لا فى قطر من الأقطار، و لا بلد من البلدان، و إنما ولى منهم على و ابنه الحسن بن على رضى اللّه عنهما.

و ليس المراد من هؤلاء الاثنى عشر الذين تتابعت ولايتهم سردا إلى أثناء دولة بنى أمية، لأن حديث سفينة: «الخلافة بعدى ثلاثون سنة»

____________

405

يمنع من هذا الملك، و إن كان البيهقى قد رجحه‏

____________

406

.....

____________

(404) رقم (4280) ، (4/106) -كتاب المهدى.

(405) رواه الترمذى بلفظ: «الخلافة فى أمتى ثلاثون سنة، ثم ملك بعد ذلك» الحديث رقم (2227) فى الفتن: باب ما جاء فى الخلافة، و رواه أبو داود بلفظ:

( «خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم يؤتى اللّه الملك من يشاء» قال سعيد: قال لى سفينة: أمسك: أبو بكر سنتين، و عمر عشرا، و عثمان اثنتى عشرة، و علىّ ستّا رقم (4646) ، (4647) فى السنة: باب فى الخلفاء، و قال الحافظ ابن حجر فى «الفتح» : (أخرجه أصحاب السنن، و صححه ابن حبان) ا هـ (13/212) ط. السلفية.

(406) و ذلك لأن حديث سفينة يراد به خلافة النبوة خصوصا، و هى التى اختص بها أبو بكر و عمر و عثمان و على رضى اللّه عنهم، و أكملت بخلافة الحسن بن على رضى اللّه عنهما، و أما من كان بعد الثلاثين سنة، فخلافتهم خلافة ملك، أما حديث جابر بن سمرة رضى اللّه عنه فلم يقيد الخلافة بخلافة النبوة، فلفظ الخلافة مشترك، يختص الراشدون منه بخصيصة هى خلافة النبوة المقدرة بثلاثين سنة.

قال الإمام المحقق ابن قيم الجوزية رحمه اللّه تعالى:

(و الدليل على أن النبى صلى اللّه عليه و على آله و سلم إنما أوقع عليهم اسم الخلافة بمعنى الملك فى غير خلافة النبوة قوله فى الحديث الصحيح من حديث الزهرى عن أبى سلمة عن أبى هريرة: «سيكون من بعدى خلفاء يعملون بما يعلمون، و يفعلون-

150

و لكن هؤلاء الأئمة الاثنى عشر وجد منهم الأئمة الأربعة: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم على و ابنه الحسن بن على أيضا، و منهم عمر بن عبد العزيز كما هو عند كثير من الأئمة، و جمهور الأمة، و للّه الحمد.

و كذلك وجد منهم طائفة من بنى العباس، و سيوجد بقيتهم فيما يستقبل من الزمان، حتى يكون منهم المهدى المبشر به فى الأحاديث الواردة فيه.... ، و قد نص على هذا الذى بيناه غير واحد كما قررنا ذلك)

____________

407

ا هـ.

و قال الشيخ عبد المحسن العباد حفظه اللّه معلّقا على ما ذهب إليه الحافظ ابن كثير رحمه اللّه من أن المهدى يمكن أن يكون أحد الأئمة الاثنى عشر:

(هذا محل نظر، فإن الرسول صلى اللّه عليه و على آله و سلم قال: «لا يزال أمر هذه الأمة قائما ما ولى عليهم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش» ، فقوله:

«لا يزال أمر هذه الأمة قائما» يدل على أن الدين فى زمانهم قائم، و الأمر نافذ، و الحق ظاهر، و معلوم أن هذا إنما كان قبل انقراض دولة بنى أمية، و قد جرى فى آخرها اختلاف تفرق بسببه الناس، و حصل به نكبة على المسلمين، و انقسم أمر المسلمين إلى خلافتين، خلافة فى الأندلس، و خلافة فى العراق، و جرى من الخطوب و الشرور ما هو معلوم.

و الرسول صلى اللّه عليه و على آله و سلم قال: «لا يزال أمر هذه الأمة قائما» ، ثم جرى بعد ذلك أمور عظيمة، حتى اختل نظام الخلافة، و صار على كل جهة من جهات المسلمين أمير و حاكم، و صارت دويلات كثيرة، و فى زماننا هذا أعظم و أكثر و المهدى حتى الآن لم يخرج، فكيف يصح أن يقال:

____________

ق-ما يؤمرون، و سيكون من بعدهم خلفاء يعملون بما لا يعلمون، و يفعلون ما لا يأمرون، فمن أنكر برى‏ء، و من أمسك سلم، و لكن من رضى و تابع» ) «تهذيب سنن أبى داود» (11/364) مع «عون المعبود» .

(407) «نهاية البداية و النهاية» (1/17-18) ، و انظر: «البداية و النهاية» (6/198) .

151

إن الأمر قائم إلى خروج المهدى، هذا لا يمكن أن يقوله من تأمّل و نظر.

و الأقرب فى هذا كما قاله جماعة من أهل العلم: أن مراد النبى صلى اللّه عليه و على آله و سلم بهذا الحديث: لا يزال أمر هذه الأمة قائما ما ولى عليهم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش، أن مراده من ذلك، الخلفاء الأربعة، و معاوية رضى اللّه عنه، و ابنه يزيد، ثم عبد الملك بن مروان و أولاده الأربعة

____________

408

، و عمر بن عبد العزيز، هؤلاء اثنا عشر خليفة، و المقصود أن الأئمة الاثنى عشر فى الأقرب و الأصوب ينتهى عددهم بهشام بن عبد الملك، فإن الدين فى زمانهم قائم، و الإسلام منتشر، و الحق ظاهر، و الجهاد قائم، و ما وقع بعد موت يزيد من الاختلاف و الانشقاق فى الخلافة، و تولى مروان فى الشام، و ابن الزبير فى الحجاز، لم يضر المسلمين فى ظهور دينهم، فدينهم ظاهر، و أمرهم قائم، و عدوهم مقهور، مع وجود هذا الخلاف الذى جرى ثم زال بحمد اللّه بتمام البيعة لعبد الملك، و اجتماع الناس بعد ما جرى من الخطوب على يد الحجاج و غيره، و بهذا يتبين أن هذا الأمر الذى أخبر به صلى اللّه عليه و على آله و سلم قد وقع، و مضى، و انتهى، و أمر المهدى يكون فى آخر الزمان، و ليس له تعلق بحديث جابر بن سمرة)

____________

409

ا هـ.

الشبهة الخامسة:

و هى قولهم: إن الاعتقاد فى خروج المهدى يترتب عليه من المضار و المفاسد و الفتن ما يشهد به التاريخ و الواقع، أما اعتقاد بطلانه و عدم التصديق به فإنه يجلب الراحة و الأمان، و السلامة من الزعازع و الفتن.

و الجواب بمعونة الملك الوهاب:

____________

(408) و هم: الوليد، ثم سليمان، ثم يزيد، ثم هشام، و تخلل بين سليمان و يزيد عمر بن عبد العزيز.

(409) «الرد» ص (159-160) ، و انظر: «فتح البارى»

(13/211-215) ط. السلفية.

152

أولا: أن الجواب تصديق رسول اللّه صلى اللّه عليه و على آله و سلم فيما يخبر به من أمور الغيب سواء كانت ماضية أو مستقبلة، أو موجودة و غائبة عنا، و الذين حكموا بصحة أحاديث المهدى هم العلماء الجهابذة، و النقاد المحققون من أهل الحديث، فلم يبق عذر لمن دونهم فى أن يرد بجهله حكمهم، و ينازع الأمر أهله.

ثانيا: أن أهل السنة و الجماعة يعتقدون أن المهدى يقيم القسط، و يبسط العدل، و يرفع الجور، و يزيل الظلم، أما الفتن و الزعازع فإنما تكون من الدجالين الكذابين الذين يدّعون المهدية.

ثالثا: أن المضار و المفاسد تترتب أيضا على التكذيب بالأحاديث الصحيحة، مما ينافى الإيمان، قال تعالى: فَلاََ وَ رَبِّكَ لاََ يُؤْمِنُونَ حَتََّى يُحَكِّمُوكَ فِيمََا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاََ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمََّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً

____________

410

، و قال عز و جل: فَلْيَحْذَرِ اَلَّذِينَ يُخََالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذََابٌ أَلِيمٌ

____________

411

.

و قال الإمام أحمد رحمه اللّه: «من رد حديث رسول اللّه صلى اللّه عليه و على آله و سلم فهو على شفا هلكة»

____________

412

.

رابعا: أن إنكار خروج المهدى فى آخر الزمان ليس هو الذى يمنع من وقوع الفتن، و يحصل به الأمن و الاطمئنان، بدليل أن اللّه تعالى قال فى كتابه العزيز:

مََا كََانَ مُحَمَّدٌ أَبََا أَحَدٍ مِنْ رِجََالِكُمْ وَ لََكِنْ رَسُولَ اَللََّهِ وَ خََاتَمَ اَلنَّبِيِّينَ

____________

413

، و قال صلى اللّه عليه و على آله و سلم: «.. و أنا خاتم النبيين لا نبى بعدى»

____________

414

، و مع ذلك وجد كثيرون ممن ادّعى النبوة، و حصل بذلك للمسلمين

____________

(410) [النساء: 65].

(411) [النور: 63].

(412) انظر التنبيه السابع ص (21، 22) .

(413) [الأحزاب: 40].

(414) انظر: «الفصل» لابن حزم (1/77) .

غ