نهاية الأرب في فنون الأدب‏ - ج21

- أحمد بن عبد الوهاب النويري‏ المزيد...
557 /
455

و كان على حجابة خالد و ديوانه، فأعلم خالدا فأذن له، فلما رآه قال: ما أقدمك بغير إذن؟ قال: أمر كنت أخطأت فيه، كنت قد كتبت إلى الأمير أعزّيه بأخيه أسد، و إنما كان يجب أن آتيه ماشيا، فرقّ خالد و دمعت عيناه، فقال: ارجع إلى عملك. فأخبره الخبر لمّا غاب داود (1)؛ قال: فما الرّأى؟ قال: تركب إلى أمير المؤمنين فتعتذر إليه مما بلغه عنك. قال: لا أفعل ذلك بغير إذن. قال: فترسلنى إليه حتى آتيك بإذنه. قال: و لا هذا. قال:

فاضمن لأمير المؤمنين جمع ما انكسر فى هذه السنين و آتيك بعهده.

قال: و كم مبلغه؟ قال: مائة ألف ألف. قال: و من أين أجدها؟

و اللّه ما أجد عشرة آلاف ألف درهم. قال: أتحمّل أنا و فلان و فلان.

قال: إنى إذا للئيم، أن كنت أعطيتكم شيئا و أعود فيه. قال طارق:

إنما نقيك و نقى أنفسنا بأموالنا، و نستأنف الدّنيا و تبقى النعمة عليك و علينا خير من أن يجي‏ء من يطالبنا بالأموال. و هى عند أهل الكوفة فيتربصون فنقتل و يأكلون تلك الأموال.

فأبى خالد، فودّعه طارق و بكى، و قال: هذا آخر ما نلتقى فى الدنيا، و مضى إلى الكوفة، و خرج خالد إلى الحمّة (2)، و قدم رسول يوسف عليه اليمن، فقال: أمير المؤمنين: ساخط عليك، و قد ضربنى، و لم يكتب جواب كتابك، و هذا كتاب سالم صاحب الديوان، فقرأه، فلما انتهى إلى آخره قرأ كتاب هشام بخطّه بولاية العراق، و يأمره أن يأخذ ابن النّصرانية-

____________

(1) فى الطبرى: قال: أردت أن أذكر للأمير أمرا أسره. قال: ما دون داود سر. قال: أمر من أمرى. فغضب داود و خرج. و المثبت فى الكامل.

(2) فى بلاد العرب حمات كثيرة (ياقوت).

456

يعنى خالدا و عمّاله- فيعذّبهم، فأخذه ليلا، و سار من يومه، و استخلف على اليمن ابنه الصّلت، فقدم الكوفة فى جمادى الآخرة سنة [120 ه] عشرين و مائة، فنزل النّجف، و أرسل مولاه كيسان، و قال: انطلق فأتنى بطارق، فإن قبل فاحمله على إكاف‏ (1)، و إن لم يقبل فأت به سحبا، فأتى كيسان الحيرة فأخذ معه عبد المسيح سيّد أهلها إلى طارق، فقال له: إنّ يوسف قد قدم على العراق و هو يستدعيك. فقال له طارق: إن أراد الأمير المال أعطيته ما شاء.

و أقبلوا به إلى يوسف بالحيرة، فضربه ضربا مبرّحا يقال خمسمائة سوط. و دخل الكوفة، و أرسل إلى خالد بالحمّة. فأخذه و حبسه و صالحه عنه أبان بن الوليد على سبعة آلاف ألف، فقيل ليوسف:

لو لم تفعل لأخذت منه مائة ألف ألف، فندم، و قال: قد رهنت لسانى معه، و لا أرجع.

و أخبر أصحاب خالد خالدا، فقال: قد أخطأتم و لا آمن أن يأخذها ثم يعود. ارجعوا، فرجعوا، فأخبروه أن خالدا لم يرض. فقال:

قد رجعتم؟ قالوا: نعم. قال: و اللّه لا أرضى بمثلها و لا مثليها، فأخذ أكثر من ذلك.

و قيل: أخذ مائة ألف ألف، و حبس خالد بن عبد اللّه بالحيرة ثمانية عشر شهرا مع أخيه إسماعيل و ابنه يزيد بن خالد و ابن أخيه المنذر بن أسد.

____________

(1) إكاف الحمار- ككتاب و غراب، و وكافه: برذعته (القاموس).

457

و كتب يوسف إلى هشام يستأذنه فى تعذيبه، فأذن له مرّة واحدة، فعذّبه ثم رده إلى حبسه.

و قيل: بل عذّبه عذابا كثيرا، و أمر هشام بإطلاقه فى شوال سنة [121 ه] إحدى و عشرين و مائة، فأطلقه فأتى القرية التى بإزاء الرّصافة، فأقام بها إلى صفر سنة اثنتين و عشرين.

و خرج زيد بن على بن الحسين [(رضى اللّه عنهم)‏] (1) على ما نذكره إن شاء اللّه.

فكتب يوسف إلى هشام: إنّ بنى هاشم كانوا قد هلكوا جوعا، فكانت همّة أحدهم قوت عياله، فلما ولى خالد العراق أعطاهم الأموال، فطمحت أنفسهم إلى الخلافة، و ما خرج زيد إلّا عن رأى خالد.

فقال هشام: كذب يوسف، و ضرب رسوله، و قال: لسنا نتّهم خالدا فى طاعة. و سمع خالد، فسار حتى نزل دمشق، ثم كان من أمره و مقتله ما نذكره إن شاء اللّه فى سنة [126 ه] ست و عشرين و مائة فى أيام الوليد، و كانت ولاية خالد العراق فى شوال سنة [105 ه] خمس و مائة، و عزل فى جمادى الآخرة سنة عشرين.

قال: و لما ولى يوسف العراق كان الإسلام ذليلا و الحكم إلى أهل الذمّة، فقال يحيى بن نوفل فيه‏ (2):

أتانا و أهل الشّرك أهل زكاتنا * * * و حكامنا فيما نسرّ و نجهر

فلما أتانا يوسف الخير أشرقت‏ * * * له الأرض حتّى كل واد منوّر

و حتى رأينا العدل فى الناس ظاهرا * * * و ما كان من قبل العقيلىّ يظهر

____________

(1) ساقط فى د.

(2) و الشعر و الشعراء: 717.

458

و حجّ بالناس فى هذه السنة محمد بن هشام بن إسماعيل المخزومى.

و قيل: حج بهم سليمان بن هشام بن عبد الملك، و قيل: أخوه يزيد بن هشام، و اللّه أعلم.

سنة (121 ه) إحدى و عشرين و مائة:

فى هذه السنة كان ظهور زيد بن على بن الحسين بن على [(رضى اللّه عنهم)(1)] على ما نذكر ذلك إن شاء اللّه فى أخبار من نهض فى طلب الخلافة من آل أبى طالب، فقتل دونها و هو فى السّفر الثالث و العشرين من كتابنا هذا.

و فيها فرغ الوليد بن بكير عامل الموصل من حفر النهر الذى أدخله البلد، و كان مبلغ النفقة عليه ثمانية آلاف ألف درهم، و جعل عليه ثمانين حجرا تطحن. و وقف هشام هذه الأرحاء على عمل النهر.

و حجّ بالناس فى هذه السنة محمد بن هشام بن إسماعيل المخزومى‏

سنة (122 ه) اثنتين و عشرين و مائة:

فى هذه السنة كان مقتل زيد بن على [(رضى اللّه عنه)(2)] على ما نذكره إن شاء اللّه تعالى.

ذكر قتل البطال‏

فى هذه السنة قتل البطّال، و هو أبو الحسين عبد اللّه الأنطاكى، فى جماعة من المسلمين. و قيل: كان مقتله فى سنة [123 ه] ثلاث‏

____________

(1) ساقط فى د.

(2) ساقط فى د.

459

و عشرين و مائة، و كان كثير الغزاة إلى الروم و الإغارة على بلادهم، و له عندهم ذكر عظيم، و له حكايات فى غزواته يطول الشّرح بسردها.

حكى أنه دخل بلاد الروم فى بعض غاراته هو و أصحابه، فدخل قرية لهم ليلا و امرأة تقول لصغير يبكى: تسكت و إلّا سلمتك للبطّال، ثم رفعته بيدها، و قالت: يا بطّال خذه، فتناوله من يدها.

و قد وضع الناس له سيرة.

و حجّ بالناس محمد بن هشام المخزومى.

سنة (123 ه) ثلاث و عشرين و مائة:

ذكر صلح نصر بن سيار مع الصغد

فى هذه السنة صالح نصر بن سيّار الصّغد، و كان خاقان لما قتل تفرّقت التّرك فى غارة بعضها على بعض، فطمع أهل الصّغد فى الرجعة إليها، و انحاز قوم منهم إلى الشاش، فراسلهم نصر بن سيّار، و دعاهم إلى الرجوع إلى بلادهم، و أعطاهم ما أرادوا، فاشترطوا شروطا منها ألّا يعاقب من كان مسلما و ارتدّ عن الإسلام، و لا يعدى عليهم فى دين لأحد من الناس، و لا يؤخذ أسرى المسلمين من أيديهم إلّا بقضيّة قاض و شهادة عدول.

فعاب الناس ذلك على نصر، فقال: لو عاينتم شوكتهم فى المسلمين مثل ما عاينت ما أنكرتم ذلك.

و أرسل رسولا إلى هشام فى ذلك، فأجابه إليه.

و حجّ بالناس فى هذه السنة يزيد بن هشام بن عبد الملك.

460

سنة (124 ه) أربع و عشرين و مائة:

فى هذه السنة و ما قبلها كان من خبر شيعة بنى العباس ما نذكره إن شاء اللّه فى أخبارهم.

و حجّ بالناس فى هذه السنة محمد بن هشام بن إسماعيل.

سنة (125 ه) خمس و عشرين و مائة:

ذكر وفاة هشام بن عبد الملك و نبذة من أخباره‏

كانت وفاته بالرّصافة لستّ خلون من شهر ربيع الآخر منها، و صلّى عليه ابنه مسلم و كان عمره ستا و خمسين سنة. و قيل أقلّ من ذلك إلى اثنتين و خمسين. و مدة خلافته تسع عشرة سنة و سبعة أشهر و أحد عشر يوما، و كان أحول أبيض سمينا منقلب العينين ربعة يخضب بالسّواد، و كان حسن السياسة يقظا يباشر الأمور بنفسه، و كان له من الستور و الكسوة ما لم يكن لمن قبله.

و ذكر صاحب العقد (1): أنه لما حجّ حملت ثياب لباسه‏ (2) على ستمائة جمل، و كان جمّاعا للأموال شديد البخل كأبيه.

قال عقّال بن شبّة (3): دخلت على هشام و عليه قباء أخضر، فجعلت أنظر إليه، فقال: مالك؟ فقلت: رأيت عليك قبل أن تلى الخلافة قباء مثل هذا. فتأمّلته هل هو هو أم غيره؟

فقال: هو و اللّه هو. و أما ما ترون من جمع المال فهو لكم.

____________

(1) صفحة 446 جزء رابع.

(2) فى العقد: خرج فحمل ثياب طهره.

(3) و الطبرى. و فى ك: عفان بن شيبة. و نراه تحريفا.

461

قيل: و كتب له بعض عمّاله: قد بعثت إلى أمير المؤمنين بسلة دراقن‏ (1). فكتب إليه: قد وصل و أعجب أمير المؤمنين فزد منه و استوثق من الوعاء.

و كتب إليه عامل: قد بعثت بكمأة. فأجابه: قد وصلت الكمأة و هى أربعون، و قد تغيّر بعضها من حشوها، فإذا بعثت شيئا فأجد الحشو فى الظّرف [التى تجعلها فيه‏] (2) بالرّمل حتى لا يضطرب و لا يصيب بعضه بعضا.

و قيل [له‏] (3): أ تطمع فى الخلافة و أنت بخيل جبان؟ قال:

و لم لا أطمع، و أنا عفيف حليم؟

قالوا: و خلّف من العين أربعة و أربعين ألف ألف دينار، و ما لا يحصى من الورق.

و لما مات طلبوا له قمقما من بعض الخزّان يسخّن له الماء فيه، فمنعه عياض كاتب الوليد، فاستعاروا له قمقما من بعض الخزان يسخن له فيه.

و فى أيامه بنى سعيد أخوه قبّة بيت المقدس.

أولاده: كان له عشرة أولاد من الذكور و الإناث، منهم: معاوية، و سليمان.

نقش خاتمه: الحكم للحكم الحكيم.

____________

(1) الدرافن- و قد تشدد الراء: المشمش و الخوخ (القاموس).

(2) من الطبرى.

(3) من الطبرى.

462

كتّابه: سعيد بن الوليد، و الأبرش الكلبى، و محمد بن عبد اللّه ابن حارثة.

قاضيه: محمد بن صفوان الجمحى.

حاجبه: غالب مولاه الأمراء بمصر: محمد بن عبد الملك أخوه، ثم استعفاه فولّاها [بعده أنس بن يوسف بن يحيى بن الحكم بن العاص، ثم استعفى فولاها] (1) حفص بن الوليد الحضرمى، ثم صرفه و ولّاها عبد الملك ابن رفاعة، ثم مات فولّاها أخاه الوليد بن رفاعة، ثم مات فولّاها عبد الرحمن بن خالد التميمى‏ (2)، ثم صرفه و ولّاها حنظلة بن صفوان، ثم سيّره إلى إفريقية، و ولى حفصا.

و كان على قضائها من قبل هشام يحيى بن ميمون الحضرمىّ إلى أن وليها الوليد بن رفاعة فصرفه، و ولّاها أبا نضلة الخيار ابن خالد، ثم مات فولى سعيد بن ربيعة الصّدفى، و استعفى، فولى توبة بن يمين‏ (3) الحضرمى، ثم مات فولّاها جبر (4) بن نعيم الحضرمى.

ذكر بيعة الوليد بن يزيد

هو أبو العباس الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان، و أمه أمّ الحجاج بنت محمد بن يوسف [أخى الحجاج بن يوسف‏] (5) الثقفى، و هو الحادى عشر من ملوك بنى أمية.

____________

(1) ساقط فى ك.

(2) فى د: الفهمى.

(3) فى حسن المحاضرة (1- 297): بن نمر.

(4) فى حسن المحاضرة: خير.

(5) ساقط فى ك.

463

بويع له لستّ مضين من شهر ربيع الآخر سنة [125 ه] خمس و عشرين و مائة.

قال: و كان يزيد قد جعل ولاية العهد لأخيه هشام من بعده، ثم من بعده للوليد، و كان عمر الوليد إحدى عشرة سنة، ثم عاش يزيد حتى بلغ الوليد خمس عشرة سنة، فكان [يزيد] (1) يقول:

اللّه بينى و بين من جعل هشاما بينى و بينك‏ (2).

فلما ولى هشام أكرم الوليد بن يزيد حتى ظهر من الوليد مجون و اشتهر بشرب الشراب، و كان يؤدّبه عبد الصمد بن عبد الأعلى يحمله على ذلك، و اتّخذ له ندماء، فأراد هشام أن يقطعهم عنه، فولّاه الحج سنة [116 ه] ست عشرة و مائة، فحمل معه كلابا فى صناديق، و عمل قبّة على قدر الكعبة ليضعها على الكعبة، و حمل معه الخمر، و أراد أن ينصب القبّة على الكعبة و يشرب فيها الخمر، فخوّفه أصحابه، و قالوا: لا نأمن الناس عليك و علينا معك، فلم يفعل.

و ظهر للناس منه تهاون بالدّين و استخفاف، فطمع هشام فى البيعة لابنه مسلمة (3)، و خلع الوليد، و أراد الوليد على ذلك فأبى، فقال له:

اجعله بعدك، فأبى؛ فتنكّر له هشام، و عمل سرّا فى البيعة لابنه مسلمة، فأجابه قوم، فكان ممن أجابه خالاه: محمد، و إبراهيم ابنا هشام ابن إسماعيل، و بنو القعقاع بن خليد العبسى و غيرهم من خاصّته.

و أفرط الوليد فى الشراب، و طلب اللذات؛ فقال له هشام: يا وليد،

____________

(1) ساقط فى ك.

(2) فى هامش ك: يعنى به الدعاء على أخيه مسلمة بن عبد الملك.

(3) فى ك: مسلم. و المثبت فى الطبرى و الكامل أيضا.

464

و اللّه ما أدرى أعلى الإسلام أنت أم لا؟ ما تدع شيئا من المنكر إلّا أتيته غير متحاش؛ فكتب إليه الوليد (1):

يا أيّها السائل عن ديننا * * * نحن على دين أبى شاكر

نشربها صرفا و ممزوجة * * * بالسّخن أحيانا و بالفاتر

فغضب هشام على ابنه مسلمة، و كان يكنى أبا شاكر، و قال له:

يعيرنى الوليد بك، و أنا أرشّحك للخلافة. فألزمه الأدب، و أحضره الجماعة، و ولّاه الموسم سنة تسع عشرة و مائة، فأظهر النّسك و اللّين، و قسم بمكة و المدينة أموالا، فقال مولى لأهل المدينة:

يا أيّها السائل عن ديننا * * * نحن على دين أبى شاكر

الواهب الجرد (2)بأرسانها * * * ليس يزنديق و لا كافر

يعرض بالوليد.

و كان هشام ينتقص الوليد و يعيبه، فخرج الوليد و معه ناس من خاصّته و مواليه، فنزل بالأزرق على ماء يقال له الأغدف، و خلف كاتبه عياض بن مسلم عند هشام ليكاتبه بما عندهم.

و قطع هشام عن الوليد ما كان يجرى عليه، و كاتبه فيه الوليد فلم يجبه إلى ردّه، و أمره بإخراج عبد الصمد من عنده، فأخرجه و سأله أن يأذن لابن سهيل فى الخروج إليه، فضرب هشام ابن سهيل و سيّره إليه، و أخذ عياض بن مسلم كاتب الوليد فضربه و حبسه.

فقال الوليد: من يثق بالناس، و من يصنع المعروف؟ هذا الأحول‏

____________

(1) و الطبرى: 7- 210، و الكامل: 4: 257.

(2) فى الأغانى (7- 3): الواهب البزل.

465

المشئوم أبى، قدّمه على أهل بيته فصيّره ولىّ عهده، ثم يصنع [بى‏] (1) ما ترون، لا يعلم أنّ لى فى أحد هوى إلا عبث به.

و كتب إلى هشام فى ذلك يعاتبه، و يسأله أن يردّ عليه كاتبه. فلم يردّه، فكتب إليه الوليد (2):

رأيتك تبنى دائما (3)فى قطيعتى‏ * * * و لو كنت ذا حزم‏ (4) لهدّمت ما تبنى‏

تثير على الباقين مجنى ضغينة * * * فويل لهم إن متّ من شرّ ما تجنى‏

كأنى بهم و الليت أفضل قولهم‏ * * * ألا ليتنا و الليت إذ ذاك لا يغنى‏

كفرت يدا من منعم لو شكرتها * * * جزاك بها الرحمن ذو الفضل و المنّ‏

قال، و لم يزل الوليد مقيما بتلك البريّة حتى مات هشام، فلما كان صبيحة اليوم الذى جاءته فيه الخلافة قال لأبى الزّبير المنذر بن أبى عمرو:

ما أتت علىّ ليلة منذ عقلت عقلى أطول من هذه الليلة، عرضت لى أمور، و حدّثت نفسى فيها بأمور من أمر هذا الرجل- يعنى هشاما- قد (5) أولع بى، فاركب بنا نتنفّس، فركبا فسارا ميلين، و وقف على كثيب، فنظر إلى رهج‏ (6)، فقال: هؤلاء رسل هشام، نسأل اللّه من خيرهم؛ إذ بدا رجلان على البريد: أحدهما مولى لأبى محمد السّفيانى، فلما قربا نزلا يعدوان حتى دنوا منه، فسلّما عليه بالخلافة،

____________

(1) ساقط فى ك.

(2) الشعر فى الطبرى: 7- 215، و الكامل: 4- 257

(3) فى الطبرى: جاهدا.

(4) فى الطبرى: ذا إرب.

(5) فى الطبرى: الذى قد أولع بى.

(6) الرهج- و يحرك: الغبار.

466

فوجم، ثم قال: أمات هشام؟ قالا: نعم و الكتاب معنا من سالم ابن عبد الرحمن صاحب ديوان الرسائل. فقرأه؛ و سأل مولى أبى محمد السّفيانى عن كاتبه عياض، فقال‏ (1): لم يزل محبوسا حتى نزل بهشام الموت، فأرسل إلى الخزّان فقال: احتفظوا بما فى أيديكم، فأفاق هشام فطلب شيئا فمنعوه، فقال: إنا للّه، كنا خزّانا للوليد، و مات من ساعته.

و خرج عياض من السجن، فختم أبواب الخزائن، و أنزل هشاما عن فرشه و ما وجدوا له قمقما يسخّن فيه الماء حتى استعاروه، و لا وجدوا له كفنا من الخزائن، فكفّنه غالب مولاه، فقال الوليد (2):

هلك الأحول المشو * * * م فقد أرسل المطر

و ملكنا من بعد ذا * * * ك، فقد أورق الشجر

فاشكر اللّه إنّه‏ * * * زائد كلّ من شكر

و قيل: إنّ هذا الشعر لغير الوليد.

قال: و لما سمع الوليد بموته كتب إلى العباس بن عبد الملك ابن مروان أن يأتى الرّصافة فيحصى ما فيها من أموال هشام و ولده و عماله و حشمه إلّا مسلمة بن هشام فإنه كان يكلم أباه فى الرفق بالوليد، فقدم العباس الرّصافة ففعل ذلك و كتب به إلى الوليد، فقال الوليد (3):

ليت هشاما كان حيّا يرى‏ * * * محلبه الأوفر قد أترعا

____________

(1) فى ك: قال.

(2) الشعر فى الكامل: 4- 258.

(3) و الطبرى: 7- 216، و الكامل: 4- 258، و الأغانى: 7- 18.

467

ليت‏ (1)هشاما عاش حتى يرى‏ * * * مكياله الأوفر قد طبّعا (2)

كلناه بالصّاع الذى كاله‏ (3) * * * و ما ظلمناه به إصبعا (4)

و ما أتينا ذاك عن بدعة * * * أحلّه الفرقان لى أجمعا

و ضيّق الوليد على أهل هشام و أصحابه، و استعمل العمّال، و كتب إلى الآفاق بأخذ البيعة، فجاءته بيعتهم.

قال: و لما ولى الوليد أجرى على زمنى أهل الشام و عميانهم و كساهم، و أمر لكل إنسان منهم بخادم، و أخرج لعيالات الناس الكسوة و الطّيب، و زادهم؛ و زاد الناس فى العطاء عشرات؛ ثم زاد أهل الشام بعد العشرات عشرة عشرة، و زاد الوفود، و لم يقل فى شي‏ء يسأله: لا.

و فى هذه السنة، عقد الوليد البيعة لابنيه: الحكم، و عثمان من بعده، و كتب بذلك إلى الأمصار، و جعل الحكم مقدما و الآخر من بعده.

و فيها استعمل الوليد خالد بن يوسف بن محمد بن يوسف الثقفى على المدينة و مكة و الطائف، و دفع إليه محمدا و إبراهيم ابنى هشام ابن إسماعيل المخزومى موثقين فى عباءتين؛ فقدم بهما المدينة فى شعبان، فأقامهما للناس، ثم حملا إلى الشام، فأحضرا عند الوليد، فأمر، بجلدهما، فقال محمد: نسألك القرابة. قال: و أىّ قرابة بيننا!

____________

(1) قبل هذا البيت فى الطبرى: و يروى، فكأن هذا البيت رواية أخرى للبيت السابق.

(2) فى ك، د: ضيعا. و طبع الإناء تطبيعا: ملأه (اللسان).

(3) فى الأغانى: كلنا له الصاغ التى كالها.

(4) فى الأغانى: أصوعا.

468

قال: فقد نهى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أن يضرب بسوط إلّا فى حد. قال: ففى حدّ أضربك وقود، أنت أوّل من فعل بالعرجى و هو ابن عمى؛ و ابن أمير المؤمنين عثمان- و كان محمد قد أخذه و قيّده و أقامه للناس و جلده، و سجنه إلى أن مات بعد تسع سنين لهجاء العرجى‏ (1) إياه، ثم أمر به الوليد فجلد هو و أخوه إبراهيم ثم أوثقهما، و بعث بهما إلى يوسف بن عمر، و هو على العراق فعذّبهما حتى ماتا.

و فيها عزل الوليد سعد بن إبراهيم عن قضاء المدينة، و ولّى القضاء يحيى بن سعيد الأنصارى.

و فيها خرجت الروم إلى زبطرة (2) و هو حصن قديم كان افتتحه حبيب بن مسلمة الفهرى، فأخربه الروم الآن فبنى بناء غير محكم، فعاد الروم و أخربوه أيام مروان بن محمد ثم بناه الرشيد و شحنه بالرجال.

فلما كانت خلافة المأمون طرقه الروم فشعّثوه، فأمر المأمون بمرمّته و تحصينه، ثم قصده الروم بعد ذلك أيام المعتصم.

و فيها أغزى الوليد أخاه الغمر بن يزيد، و أمّر على جيش البحر الأسود بن بلال المحاربى، و سيّره إلى قبرس ليخيّر أهلها بين المسير إلى الشام أو إلى الروم، فاختارت طائفة جوار المسلمين، فسيّرهم إلى الشام، و اختار آخرون الروم فسيّرهم إليهم.

____________

(1) هو عبد اللّه بن عمر، شاعر غزل، كان مشغوفا باللهو و الصيد، صحب مسلمة بن عبد الملك فى وقائعه بأرض الروم.

(2) مدينة بين ملطية و سميساط و الحدث فى طرف بلاد الروم (ياقوت).

469

و حجّ بالناس فى هذه السنة يوسف بن محمد بن يوسف. و غزا النعمان بن يزيد بن عبد الملك الصائفة.

سنة (126 ه) ست و عشرين و مائة:

ذكر مقتل خالد بن عبد اللّه القسرى و شي‏ء من أخباره‏

قد ذكرنا من أخباره فى سنة [120 ه] عشرين و مائة ما تقدم، و ذكرنا أنه لما أفرج عنه سار من الحيرة إلى دمشق.

قال: و لما قدمها كان العامل عليها يومئذ كلثوم بن عياض القشيرى، و كان يبغض خالدا، و اتفق أنه ظهر فى دور [دمشق‏ (1)] حريق فى كل ليلة، يلقيه‏ (2) رجل من أهل العراق يقال له: أبو العمرّس‏ (3) فإذا وقع الحريق يسرقون.

و كان أولاد خالد و إخوته بالساحل لحدث كان من الروم، فكتب كلثوم إلى هشام: إنّ موالى خالد يريدون الوثوب على بيت المال، و إنهم يحرقون البلد كلّ ليلة.

فكتب هشام إليه يأمره بحبس آل خالد: الصغير منهم و الكبير و مواليهم، فأنفذ من أحضر أولاده و إخوته من الساحل فى الجوامع‏ (4)، و معهم مواليهم، و حبس بنات خالد و النساء و الصبيان، ثم ظهر على أبى العمرّس و من كان معه.

____________

(1) من الكامل.

(2) فى الكامل: يفعله رجل.

(3) فى الكامل: ابن العمرس. و المثبت فى الطبرى أيضا.

(4) الجوامع: الأغلال، مفرده: جامعة.

470

فكتب الوليد بن عبد الرحمن عامل الخراج إلى هشام بأخذ أبى العمرّس و أصحابه بأسمائهم و قبائلهم، و لم يذكر فيهم أحدا من موالى خالد.

فكتب هشام إلى كلثوم يسبّه و يأمره بإطلاق آل خالد، فأطلقهم و ترك الموالى رجاء أن يشفع فيهم خالد إذا قدم من الصائفة.

ثم قدم خالد فنزل منزله بدمشق، و جاءه الناس للسلام عليه، فقال: خرجت مغازيا سميعا مطيعا، فخلفت فى عقبى، و أخذ حرمى و أهل بيتى فحبسوا مع أهل الجرائم كما يفعل بالمشركين، فما منع عصابة منكم أن تقول: علام حبس حرم هذا السامع المطيع؟

أخفتم أن تقتلوا جميعا؟ أخافكم اللّه.

ثم قال: ما لي و لهشام ليكفّنّ عنى أو لأدعونّ إلى عراقى الهوى، شامى الدّار، حجازى الأصل- يعنى محمد بن على بن عبد اللّه بن عباس.

و لقد أذنت لكم أن تبلّغوا هشاما.

فلما بلغه قال: قد خرف أبو الهيثم، و استمرّ خالد مدة أيام و هو بدمشق و يوسف بن عمر يطلب ابنه يزيد بن خالد، فلم يظفر به، و بذل فيه لهشام خمسين ألف ألف.

فلما هلك هشام و قام الوليد بعده كتب إلى خالد: ما حال الخمسين ألف ألف التى تعلم؟ و استقدمه، فقدم عليه حتى وقف بباب سرادق الوليد، فأرسل إليه الوليد يقول: أين ابنك يزيد؟ فقال: كان [قد] (1) هرب من هشام، و كنا نراه عند أمير المؤمنين، فلما لم نره‏

____________

(1) ليس فى ك.

471

ظنناه ببلاد قومه من الشّراة. فرجع الرسول، فقال: لا، و لكنك خلّفته طلبا للفتنة. فقال: قد علم أمير المؤمنين أنّا أهل بيت طاعة.

فرجع الرسول فقال: يقول أمير المؤمنين: لتأتينّ به أو لأزهقنّ نفسك. فرفع خالد صوته، و قال: قل له: هذا و اللّه أردت، لو كان تحت قدمى ما رفعتها عنه.

فأمر الوليد بضربه فضرب، فلم يتكلم، فحبسه حتى قدم يوسف ابن عمر من العراق بالأموال، فاشتراه من الوليد بخمسين ألف ألف، فأرسل إليه الوليد: إنّ يوسف قد اشتراك بخمسين ألف ألف، فإن كنت تضمنها و إلّا دفعتك إليه.

فقال خالد: ما عهدت العرب تباع، و اللّه لو سألنى أن أضمن عودا ما ضمنته، فدفعه إلى يوسف، فنزع ثيابه، و حمله على بعير بغير و طاء، و عذّبه عذابا شديدا، و هو لا يكلّمه كلمة واحدة، ثم حمله إلى الكوفة فعذّبه، و وضع المضرّسة على صدره فقتله، و دفنه من الليل [بالحيرة (1)] فى العباءة التى كان فيها، و ذلك فى المحرم سنة [126 ه] ست و عشرين و مائة.

و قيل: بل أمر يوسف فوضع على رجليه عود، و قام عليه الرّجال حتى تكسّرت قدماه، و ما تكلّم و لا عبس، ثم على ساقيه و فخذيه.

ثم على صدره حتى مات.

و كانت أمّ خالد نصرانية رومية استلبها أبوه، فأولدها خالدا

____________

(1) ساقط من ك.

472

و أسدا، و لم تسلم، و بنى لها خالد بيعة فذمّه الناس على ذلك، فقال الفرزدق‏ (1):

ألا قطع الرحمن ظهر مطيّة * * * أتتنا تهادى من دمشق بخالد

فكيف يؤمّ الناس من كانت امّه‏ * * * تدين بأنّ اللّه ليس بواحد

بنى بيعة فيها النصارى لأمّه‏ * * * و يهدم من كفر منار المساجد

و كان خالد قد أمر بهدم منار المساجد؛ لأنه بلغه أنّ شاعرا قال‏ (2):

ليتنى فى المؤذّنين حياتى‏ * * * إنهم يبصرون من فى السطوح‏

و يشيرون أو تشير إليهم‏ * * * بالهوى كلّ ذات دلّ مليح‏

فلما بلغ خالدا هذا الشّعر أمر بهدمها.

و لما بلغه أنّ الناس يذمّونه لبنائه البيعة لأمّه قام يعتذر إليهم، فقال: لعن اللّه دينهم إن كان شرّا من دينكم.

و حكى عنه أنه كان يقول: إنّ خليفة الرجل فى أهله أفضل من رسوله إليهم- يعنى أنّ هشاما أفضل من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، نبرأ إلى اللّه من ذلك.

و كان خالد يصل الهاشميين فى أيام إمارته، و يبرّهم، إلا أنه كان يبالغ فى سبّ على (رضى اللّه عنه)، و يلعنه، فقيل: إنه كان يفعل ذلك نفيا للتهمة، و تقرّبا إلى بنى أمية، فأتاه مرة محمد ابن عبد اللّه بن عمرو بن عثمان بن عفّان يستميحه‏ (3)، فلم ير منه‏

____________

(1) و الكامل: 4- 263

(2) و الكامل: 4- 263

(3) فى د: يستمنحه.

473

ما يحب، فقال: أمّا الصّلة فللهاشميين، و ليس لنا منه إلا أن يلعن‏ (1) عليّا، فبلغ خالدا كلامه، فقال: إن أحبّ نلنا عثمان بشى‏ء؛ [يريد بشى‏ء (2)] من اللّعن أو السب، و اللّه تعالى أعلم.

ذكر مقتل الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان و شي‏ء من أخباره‏

كان مقتله يوم الخميس الثامن و العشرين من جمادى الآخرة سنة [126 ه] ست و عشرين و مائة.

و كان سبب ذلك ما قدّمناه من اشتهاره باللّهو و اللّعب و الخلاعة، فلما ولى الخلافة ما زاد إلّا تماديا و إصرارا، و اشتهر بمنادمة القيان و شرب النبيذ، فثقل ذلك على رعيّته و جنده، و كرهوه؛ فكان من أعظم ما جنى على نفسه إفساد بنى عمّيه: هشام، و الوليد؛ فإنه أخذ سليمان بن هشام فضربه مائة سوط، و حلق رأسه و لحيته و غرّبه إلى عمّان من أرض الشام، فحبسه بها، فلم يزل محبوسا حتى قتل الوليد.

و أخذ جارية كانت لآل الوليد، فكلّمه عثمان بن الوليد فى ردّها، فقال: لا أردّها. فقال: إذن تكثر الصّواهل حول عسكرك، و حبس الأفقم يزيد بن هشام، و فرّق بين روح بن الوليد و بين امرأته، و حبس عدّة من ولد الوليد، فرماه بنو هاشم و بنو الوليد بالكفر و غشيان أمهات أولاد أبيه، و قالوا: قد اتخذ مائة جامعة لبنى أمية، و كان أشد الناس عليه يزيد بن الوليد، و كان الناس إلى قوله أميل؛ لأنه كان يظهر النّسك و يتواضع.

____________

(1) فى ك: نلعن. و فى د: أنه يلعن.

(2) ساقط فى ك.

474

و كان سعيد بن بيهس بن صهيب قد نهاه عن البيعة لابنيه الحكم و عثمان لصغرهما، فحبسه حتى مات، و فعل بخالد القسرى ما ذكرناه ففسدت عليه اليمانية و قضاعة، و هم أكثر جند الشام؛ و كان حريث و شبيب بن أبى مالك الغسّانى، و منصور بن جمهور الكلبى؛ و ابن عمه حبال ابن عمرو، و يعقوب بن عبد الرحمن، و حميد بن نصر اللّخمى، و الأصبغ ابن ذؤالة و الطّفيل‏ (1) بن حارثة، و السرى بن زياد، أتوا خالد بن ابن عبد اللّه القسرى، فدعوه إلى أمرهم، فلم يجبهم، و أراد الوليد الحجّ، فخاف خالد أن يقتلوه، فنهاه عن الحج، فقال: و لم؟

فلم يخبره، فحبسه، و طالبه بأموال العراق ثم سلّمه إلى يوسف ابن عمر كما تقدم، فقال بعض أهل اليمن شعرا على لسان الوليد يحرّض عليه اليمانية.

و قيل: بل قاله الوليد يوبخ اليمن على ترك نصر خالد (2):

أ لم تهتج فتدكر (3)الوصالا * * * و حبلا كان متّصلا فزالا

بلى فالدّمع‏ (4) منك إلى انسجام‏ * * * كماء المزن ينسجل انسجالا

فدع عنك ادّكارك آل سعدى‏ * * * فنحن الأكثرون حصى‏ (5) و مالا

و نحن المالكون الناس قسرا * * * نسومهم المذلّة و النّكالا

____________

(1) فى الطبرى: و طفيل.

(2) الشعر فى الطبرى: 7- 234، و فى الكامل: 4- 264

(3) فى الطبرى: فتذكر.

(4) فى ك: ما الدمع. و فى الطبرى: فالدمع منك له سجام.

(5) حاشية: قوله: حصبى: يريد المناقب، لأن العرب كانت تجتمع فى نواديها، فتعد مفاخرها. و مناقبها، فكلما ذكر الرجل منقبة طرح حصاة، فمن كان كان أكثر حصى علم أنه أكثر مناقب. و فى معنى ذلك يقول الشاعر:

و لست بالأكثر منهم حصى‏ * * * و إنما العزة للكاثر (هامش د.)

475

وطئنا الأشعرى‏ (1)بعزّ قيس‏ * * * فيا لك وطأة لن تستقالا

و هذا خالد فينا أسيرا (2) * * * أ لا منعوه إن كانوا رجالا

عظيمهم و سيّدهم قديما * * * جعلنا المخزيات له ظلالا

فلو كانت قبائل ذات عزّ * * * لما ذهبت صنائعه ضلالا

و لا تركوه مسلوبا أسيرا * * * يعالج‏ (3) من سلاسلنا الثّقالا

و كندة و السّكون فما استقاموا * * * و لا برحت خيولهم الرّحالا

بها سمنا (4) البريّة كلّ خسف‏ * * * و هدّمنا السهولة و الجبالا

و لكنّ الوقائع ضعضعتهم‏ * * * و جذّتهم‏ (5) و ردّتهم شلالا

فما زالوا لنا أبدا عبيدا * * * نسومهم المذلّة و السفالا

فأصبحت الغداة علىّ تاج‏ * * * لملك الناس لا يبغى‏ (6) انتقالا

فعظم ذلك عليهم، و سعوا فى قتله، و ازدادوا حنقا، و قال حمزة ابن بيض‏ (7) فى الوليد:

وصلت سماء الضّرّ بالضّرّ بعد ما * * * زعمت سماء الذلّ‏ (8)عنا ستقلع‏

فليت هشاما كان حيّا يسوسنا * * * و كنا كما كنّا نرجّى و نطمع‏

____________

(1) فى الطبرى: الأشعرين. و المثبت فى الكامل أيضا.

(2) فى الكامل: أسير.

(3) فى الطبرى: يسامر. و المثبت فى الكامل أيضا.

(4) فى د: سمت.

(5) فى ك: و أجدتهم. و فى الكامل: وجدتهم.

(6) فى الكامل و الطبرى: ما يبغى.

(7) فى تاج العروس: هو بكسر الباء لا غير. قاله ابن برى. و ضبطه الحافظ بالفتح. و الشعر فى الطبرى: 7- 236. و الكامل: 4- 265

(8) فى الطبرى، و الكامل: سماء الضر.

476

و قال أيضا (1):

يا وليد الخنا (2)تركت الطّريقا * * * واضحا و ارتكبت فجّا عميقا

و تماديت و اعتديت و أسرف * * * ت و أغويت و انبعثت فسوقا

أبدا هات ثم هات و هاتى‏ * * * ثم هاتى حتى تخرّ صعيقا

أنت سكران لا تفيق فما تر * * * تق فتقا إلّا فتقت‏ (3) فتوقا

فأتت اليمانية يزيد بن الوليد بن عبد الملك فأرادوه على البيعة، فاستشار عمر بن زيد الحكمى، فقال له: لا يبايعك الناس على هذا، و شاور أخاك العباس؛ فإن بايعك لم يخالفك أحد، و إن أبى كان الناس له أطوع؛ فإن أبيت إلا المضىّ على رأيك فأظهر أنّ أخاك العباس قد بايعك.

و كان الشام وبيئا فخرجوا إلى البوادى، و كان العباس بالقسطل‏ (4) و يزيد بالبادية أيضا، فأتى يزيد العباس فاستشاره فنهاه عن ذلك، فرجع و بايع الناس سرّا، و بثّ دعاته، فدعوا الناس، ثم عاود أخاه العباس أيضا فاستشاره و دعاه إلى نفسه، فزبره‏ (5)، و قال: إن عدت لمثل هذا لأشدّنّك وثاقا، و لأحملنّك إلى أمير المؤمنين.

فخرج من عنده، فقال العباس: إنّى لأظنّه أشأم مولود فى بنى مروان.

____________

(1) الشعر فى الكامل: 4- 265

(2) فى ك: الحيا.

(3) فى الكامل: و قد فتقت.

(4) القسطل بالفتح ثم السكون و طاء مهملة مفتوحة و لام: موضع بين حمص و دمشق (ياقوت).

(5) زبره: نهره و نهاه (القاموس).

477

و بلغ الخبر مروان بن محمد بإرمينية. فكتب إلى سعيد بن عبد الملك بن مروان يأمره أن ينهى الناس و يكفّهم و يحذرهم الفتنة و يخوّفهم خروج الأمر عنهم. فأعظم سعيد ذلك، و بعث الكتاب إلى العباس بن الوليد، فاستدعى العباس يزيد و تهدّده؛ فكتمه يزيد أمره فصدّقه، و قال العباس لأخيه بشر بن الوليد: إنى أظنّ اللّه قد أذن فى هلاككم يا بنى أمية، ثم تمثل‏ (1):

إنى أعيذكم باللّه من فتن‏ * * * مثل الجبال تسامى ثم تندفع‏

إنّ البريّة قد ملّت سياستكم‏ * * * فاستمسكوا بعمود الدّين و ارتدعوا

لا تلحمنّ ذئاب الناس أنفسكم‏ * * * إن الذئاب إذا ما ألحمت رتعوا (2)

لا تبقرنّ بأيديكم بطونكمو * * * فثمّ لا حسرة تغنى و لا جزع‏

قال: فلما اجتمع ليزيد أمره و هو بالبادية أقبل إلى دمشق، و كان بينه و بينها أربع ليال، و جاء متنكرا فى سبعة نفر على حمير، فنزلوا بجرود- و هى على مرحلة من دمشق، ثم سار فدخل دمشق ليلا، و قد بايع له أكثر أهلها سرّا، و بايع أهل المزّة (3)؛ و كان على دمشق عبد الملك بن محمد بن الحجاج، فخرج منها للوباء، فنزل قطنا (4)، و استخلف على دمشق ابنه، و على شرطته أبو العاج كثير بن عبد اللّه السلمى؛ فأجمع يزيد على الظّهور، فقيل للعامل:

إنّ يزيد (5) خارج فلم يصدّق، و راسل يزيد أصحابه بعد المغرب‏

____________

(1) الشعر فى الطبرى: 7- 239، و الكامل: 4- 266

(2) ألحمت القوم: أطعمتهم اللحم.

(3) المزة- بالكسر ثم التشديد: قرية كبيرة غناء فى وسط بساتين دمشق (ياقوت).

(4) قطن: من قرى دمشق (ياقوت).

(5) فى ك: يزيدا- تحريف.

478

ليلة الجمعة، فكمنوا عند باب الفراديس حتى أذّن بالعشاء؛ فدخلوا المسجد فصلّوا، و للمسجد حرس قد وكلوا بإخراج الناس منه بالليل، فلما صلّى الناس أخرجهم الحرس و تباطأ أصحاب يزيد حتى لم يبق فى المسجد غيرهم، فأخذوا الحرس، و مضى يزيد ابن عنبسة إلى يزيد بن الوليد، فأعلمه، و أخذ بيده، فقال: قم يا أمير المؤمنين، و أبشر بنصر اللّه و عونه. فقام، و أقبل فى اثنى عشر رجلا.

فلما كان عند سوق الحمر لقوا أربعين رجلا من أصحابهم، و لقيهم زهاء مائتى رجل، فمضوا إلى المسجد فدخلوه و أتوا باب المقصورة فضربوه، و قالوا: رسل الوليد؛ ففتح لهم الباب خادم فدخلوا فأخذوا أبا العاج و هو سكران، و أخذوا خزّان بيت المال، و أرسل إلى كل من كان يحذره فأخذ و قبض محمد (1) بن عبيدة و هو على بعلبك، و أرسل إلى محمد بن عبد الملك بن الحجاج فأخذه، و كان بالمسجد سلاح كثير، فأخذوه.

فلما أصبحوا جاء أهل المزّة و تبايع الناس، و جاءت السكاسك، و أقبل أهل داريّا و يعقوب بن عمير بن هانئ العبسى‏ (2).

و أقبل عيسى بن شبيب التغلبى و أهل دومة و حرستا، و أقبل‏

____________

(1) فى الطبرى: و أرسل يزيد من ليلته إلى محمد بن عبيدة مولى سعيد بن العاص:

و هو على بعلبك فأخذه.

(2) فى ك: العبسى. و فى الكامل: يعقوب بن محمد ... و المثبت فى الطبرى أيضا.

479

حميد بن حبيب اللخمى‏ (1) فى أهل دير مرّان‏ (2) و الأرزة و سطرا (3) و أقبل أهل جرش‏ (4) و أهل الحديثة (5) و ديرزكى‏ (6).

و أقبل ربعىّ بن هاشم‏ (7) الحارثى فى الجماعة من بنى عذرة و سلامان، و أقبلت جهينة و من والاهم.

ثم وجّه يزيد بن الوليد عبد الرحمن بن مصاد فى مائتى فارس ليأخذوا عبد الملك بن محمد بن الحجاج بن يوسف من قصره، فأخذوه بأمان، و أصاب عبد الرحمن خرجين فى كل واحد منهما ثلاثون ألف دينار، فقيل له: خذ أحد هذين الخرجين، فقال: لا تتحدث العرب عنى أنى أوّل من خان فى هذا الأمر.

ثم جهّز يزيد جيشا عليهم عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك، و سيّرهم إلى الوليد. و كان يزيد لما ظهر بدمشق سار مولى للوليد إليه، و أعلمه الخبر و هو بالأغدف من عمان، فضربه الوليد و حبسه، و سيّر أبا محمد عبد اللّه بن يزيد بن معاوية إلى دمشق، فسار بعض الطريق، و أقام فأرسل إليه يزيد بن الوليد عبد الرحمن بن مصاد، فبايع يزيد.

____________

(1) فى الكامل: النخعى.

(2) فى ك: مروان- تحريف.

(3) سطرا: من قرى دمشق (ياقوت).

(4) جرش: شرقى جبل السواد من أرض البلقاء (ياقوت).

(5) الحديثة: من قرى غوطة دمشق.

(6) دير زكى- بفتح أوله و تشديد الكاف- مقصور: هو دير بالرها بإزائه تل. و قال الخالدى: هو بالرقة قريب من الفرات (ياقوت).

(7) فى ك: هشام. و المثبت فى الطبرى و الكامل أيضا.

480

و لما أتى الخبر الوليد قال له يزيد بن خالد بن يزيد بن معاوية:

سر حتى تنزل حمص، فإنها حصينة، و وجّه الخيول إلى يزيد فيقتل أو يؤسر.

فقال عبد اللّه بن عنبسة بن سعيد بن العاص: ما ينبغى للخليفة أن يدع عسكره و نساءه قبل أن يقاتل، و اللّه‏ (1) يؤيّد أمير المؤمنين بنصره‏ (2).

فأخذ بقول ابن عنبسة، و سار حتى أتى البخراء (3)- قصر النعمان بن بشير، و سار معه من ولد الضحاك بن قيس أربعون رجلا، فقالوا له: ليس لنا سلاح، فلو أمرت لنا بسلاح! فلم يعطهم شيئا، و نازله عبد العزيز.

و كتب العباس بن الوليد بن عبد الملك إلى الوليد: إنى آتيك.

فأخرج الوليد سريرا و جلس عليه ينتظر العبّاس، فقاتلهم عبد العزيز، و معه منصور بن جمهور، فبعث إليهم عبد العزيز زياد بن حصين الكلبى، يدعوهم إلى كتاب اللّه و سنّة نبيه، فقتله أصحاب الوليد و اقتتلوا قتالا شديدا.

و كان الوليد قد أخرج لواء مروان بن الحكم الذى كان قد عقده بالجابية.

و بلغ عبد العزيز مسير العباس إلى الوليد، فأرسل منصور بن‏

____________

(1) فى ك: فاللّه.

(2) فى د: و ينصره.

(3) فى ك: الفجر. و المثبت فى الكامل، و الطبرى.

481

جمهور إلى طريقه، فأخذه قهرا، و أتى به عبد العزيز، فقال له:

بايع لأخيك يزيد، فبايع، و وقف و نصبوا راية، فقالوا: هذه راية العباس [قد بايع لأمير المؤمنين يزيد، فقال العباس‏] (1):

إنا للّه! خدعة من خدع الشيطان، هلك و اللّه بنو مروان.

فتفرّق الناس عن الوليد، و أتوا العباس و عبد العزيز، و أرسل الوليد إلى عبد العزيز يبذل له خمسين ألف دينار و ولاية حمص ما بقى، و يؤمّنه من كل حدث، على أن ينصرف عن قتاله، فأبى و لم يجبه، فظاهر الوليد من درعين، و أتوه بفرسيه‏ (2): السندى، و الزائد (3)، فقاتلهم قتالا شديدا، فناداهم رجل: اقتلوا عدوّ اللّه قتلة قوم لوط، ارجموه بالحجارة، فلما سمع ذلك دخل القصر و أغلق عليه الباب، و قال‏ (4):

دعوا لى سليمى‏ (5)و الطّلاء و قينة * * * و كأسا، ألا حسبى بذلك مالا

إذا ما صفا عيشى‏ (6) برملة عالج‏ * * * و عانقت سلمى لا أريد بدالا

خذوا ملككم لا ثبّت اللّه ملككم‏ * * * ثباتا يساوى‏ (7) ما حييت عقالا

و خلّوا عنانى قبل عير (8) و ما جرى‏ * * * و لا تحسدونى أن أموت هزالا

____________

(1) ليس فى ك.

(2) فى ك: بفرسه.

(3) فى ك: و الراية. و المثبت فى الطبرى أيضا.

(4) الشعر فى العقد الفريد: 4- 460، و الأغانى: 7- 279، و الكامل: 4- 267

(5) فى الكامل: سلمى. و فى العقد الفريد: مع طلاء ... و كأن. و الطلاء: الخمر.

(6) فى الأغانى: عيش.

(7) فى ك: لا يساوى.

(8) فى ك، د: غير. و المثبت فى الأغانى و الكامل أيضا.

482

قال: و أحاط عبد العزيز بالقصر، فدنا الوليد من الباب، فقال: أ ما فيكم رجل شريف له حسب و حياء أكلّمه! قال يزيد ابن عنبسة السكسكى: كلّمنى. قال: يا أخا السّكاسك، أ لم أزد فى أعطياتكم! أ لم أرفع المؤن عنكم! أ لم أعط فقراءكم؛ أ لم أخدم زمناكم؟ فقال: إنا ما ننقم عليك فى أنفسنا، إنما ننقم عليك فيما حرّم اللّه، و شرب الخمر، و نكاح أمهات أولاد أبيك، و استخفافك بأمر اللّه.

قال: حسبك يا أخا السكاسك، فلعمرى لقد أكثرت، و إن فيما أحلّ اللّه سعة عما ذكرت.

و رجع و جلس، و أخذ مصحفا، و نشره يقرأ فيه، و قال:

يوم كيوم عثمان. فصعدوا على الحائط، و كان أول من علاه يزيد ابن عنبسة، فنزل إليه، و أخذ بيده، و هو يريد أن يحبسه، و يؤامر فيه، فنزل من الحائط عشرة؛ فيهم: منصور بن جمهور، و عبد السلام اللخمى، فضربه عبد السلام على رأسه، و ضربه السرىّ‏ (1) بن زياد بن أبى كبشة على وجهه، و احتزّوا رأسه، و بعثوا به إلى يزيد، فأتاه الرأس و هو يتغدى، فسجد و أمر بنصب الرأس. فقال له يزيد بن فروة مولى بنى مرّة: إنما تنصب رءوس الخوارج؛ و هذا رأس ابن عمك و خليفة، و لا آمن إن نصبته أن ترقّ له قلوب الناس، و يغضب له أهل بيته.

فلم يسمع منه، و نصبه على رمح، و طاف به دمشق؛ ثم أمر به أن يدفع إلى أخيه سليمان بن يزيد، فلما نظر إليه سليمان قال:

____________

(1) فى الكامل: السندى. و المثبت فى الطبرى أيضا.

483

بعدا له! أشهد أنه كان شروبا للخمر ماجنا فاسقا، و لقد أرادنى على نفسى الفاسق- و كان سليمان ممّن سعى فى أمره.

و حكى يزيد بن عنبسة ليزيد بن الوليد أنّ الوليد قال فى آخر كلامه: و اللّه لا يرتق فتقكم، و لا يلم شعثكم، و لا تجتمع كلمتكم.

و كانت مدة خلافة الوليد سنة و شهرين و اثنين و عشرين يوما.

و كان عمره اثنتين و أربعين سنة. و قيل: قتل و هو ابن ثمان و ثلاثين سنة.

و قيل: إحدى و أربعين.

و قيل: ست و أربعين سنة. و اللّه أعلم.

و كان الوليد من فتيان بنى أمية و ظرفائهم و شجعانهم، و أجوادهم، جيّد الشّعر، له أشعار حسنة فى الغزل و العتاب و وصف الخمر و غير ذلك، إلا أنه كان كثير الانهماك فى اللهو و الشّرب و سماع الغناء.

و من كلامه: المحبة للغناء تزيد الشهوة، و تهدم المروءة، و تنوب عن الخمر، و تفعل ما يفعل السكر، فإن كنتم لا بدّ فاعلين فجنبوه النساء، فإن الغناء رقية الزنى، و إنى لأقول ذلك على أنه أحب إلىّ من كل لذة، و أشهى إلى نفسى من الماء إلى ذى الغلّة، و لكن الحقّ أحقّ أن يتّبع.

و مما اشتهر عنه أنه استفتح المصحف الكريم، فخرج له قوله‏

484

تعالى‏ (1): «وَ اسْتَفْتَحُوا وَ خابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ». فألقاه و نصبه غرضا، و رماه بالسهام، و قال‏ (2):

تهدّدنى بجبّار عنيد * * * فها أنا ذاك جبّار عنيد

إذا ما جئت ربّك يوم حشر * * * فقل يا ربّ مزّقنى الوليد

فلم يلبث بعد ذلك إلّا يسيرا حتى قتل. هذا هو المشهور عنه.

و روى أبو الفرج الأصفهانى بسنده إلى العلاء البندار، قال:

كان الوليد زنديقا، و كان رجل من كلب من أهل الشام يقول مقالة الثّنوية، فدخلت على الوليد يوما و ذلك الكلبىّ عنده، و إذا بينهما سفط قد رفع رأسه عنه، و إذا ما يبدو لى منه حرير أخضر؛ فقال: ادن يا علاء، فدنوت، فرفع الحريرة فإذا فى السفط صورة إنسان، و إذا الزئبق و النوشادر (3) قد جعلا فى جفنه.

فجفنه يطرف كأنه يتحرّك، فقال: يا علاء، هذا مانى، لم يبعث اللّه نبيا قبله، و لا يبعث نبيا بعده؛ فقلت: يا أمير المؤمنين، اتق اللّه و لا يغرنّك هذا الذى ترى من دينك. فقال الكلبى:

يا أمير المؤمنين، قد قلت لك: إن العلاء لا يحتمل هذا الحديث.

قال العلاء: و مكثت‏ (4) أياما، ثم جلست مع الوليد على بناء كان‏

____________

(1) سورة إبراهيم، آية 15

(2) الشمر فى الكامل: 4- 269

(3) فى د: النوشادر.

(4) فى ك: و مكث.

485

[قد (1)] بناه فى عسكره يشرف منه و الكلبىّ عنده إذ نزل من عنده، و قد كان الوليد حمله على برذون هملاج‏ (2) أشقر من أفخر ما سخّر، فخرج على برذونه، فمضى فى الصحراء حتى غاب عن العسكر، فما شعر إلا و أعراب قد جاءوا به يحملونه منفسحة عنقه، و برذونه يقاد، حتى أسلموه.

فبلغنى ذلك، فخرجت حتى أتيت أولئك الأعراب، و كانت لهم أبيات بالقرب من أرض البحر لا حجر فيها و لا مدر، فقلت لهم: كيف كانت قصّة هذا الرجل؟ فقالوا: أقبل علينا على برذون، فو اللّه لكأنه دهن يسيل على صفاة من فراهيته، فعجبنا لذلك إذ انقضّ رجل من السماء عليه ثياب بيض، فأخذ بضبعيه، فاحتمله، ثم نكسه. و ضرب برأسه الأرض، فدقّ عنقه، ثم غاب عن عيوننا فاحتملناه فجئنا به.

و قد نزّه قوم الوليد عما قيل، و أنكروه و نفوه عنه، و قالوا: إنه اختلق عليه و ألصق به، و ليس بصحيح.

حكى عن شبيب بن شيبة أنه قال: كنّا جلوسا عند المهدى، فذكروا الوليد، فقال المهدى: كان زنديقا، فقام ابن علاثة الفقيه، فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ اللّه عزّ و جلّ أعدل من أن يولّى خلافة النبوة و أمر الأمّة زنديقا، لقد أخبرنى من كان يشهده فى ملاعبه و شربه عنه بمروءة فى طهارته و صلاته؛ فكان إذا حضرت الصلاة

____________

(1) ليس فى د.

(2) الهملجة: حسن سير الدابة فى سرعة (اللسان).

486

يطرح الثياب التى عليه المطيّبة المصبّغة، ثم يتوضّأ فيحسن الوضوء، و يؤتى بثياب نظاف بيض فيلبسها، و يصلى فيها، فإذا فرغ عاد إلى تلك الثياب فلبسها، و اشتغل بشربه و لهوه، فهذا فعال من لا يؤمن باللّه! فقال المهدى: بارك اللّه عليك يا ابن علاثة.

و للوليد كلام حسن؛ فمن أحسن كلامه ما قاله لهشام بن عبد الملك لما مات مسلمة بن عبد الملك و قعد هشام للعزاء، فأتاه الوليد و هو نشوان يجرّ مطرف خزّ عليه، فوقف على هشام فقال: يا أمير المؤمنين، إن عقبى من بقى لحوق من مضى، و قد أقفر بعد مسلمة الصّيد لمن رمى، و اختلّ الثّغر فهوى، و على أثر من سلف يمضى من خلف؛ فتزوّدوا فإنّ خير الزّاد التّقوى.

فأعرض هشام و لم يحر جوابا، و سكت القوم فلم ينطقوا.

و الوليد أوّل خليفة عدّ الشّعر و أجاز عن كلّ بيت ألف درهم، فإن يزيد بن ضبّة مولى ثقيف مدحه و هنّأه‏ (1) بالخلافة فأمر أن تعدّ الأبيات و يعطى لكل بيت ألف درهم؛ فعدّت فكانت خمسين بيتا فأعطى خمسين ألف درهم.

قال: و دفن الوليد بباب الفراديس بدمشق. و قيل: إنه قتل بأرض حمص.

و حكى الدّولابى أن رأس الوليد نصب فى مسجد دمشق و لم يزل‏

____________

(1) فى د: و هشام.

487

أثر دمه على الجدار إلى أن قدم المأمون دمشق فى سنة [215 ه] خمس عشرة و مائتين، فأمر بحكّه.

و كان الوليد أبيض ربعة قد وخطه الشّيب.

و كان نقش خاتمه: يا وليد، احذر الموت.

و كان له من الأولاد الذكور و الإناث ثلاثة عشر.

كاتبه: العباس بن مسلم.

قاضيه: محمد بن صفوان الجمحى.

حاجبه: قطرى مولاه.

الأمير بمصر: حفص بن الوليد الحضرمى، ثم صرفه عن الخراج.

قاضيها: حسين بن نعيم [و اللّه أعلم‏ (1)].

ذكر بيعة يزيد بن الوليد الناقص‏

هو أبو خالد يزيد بن الوليد (2) بن عبد الملك بن مروان؛ و لقّب بالناقص؛ لأنه نقص الزيادات التى كان الوليد زادها فى أعطيات الناس، و هى عشرة عشرة، و ردّ العطاء إلى أيام هشام.

و قيل: أول من لقّبه بهذا اللقب مروان بن محمد.

و أم يزيد شاه آفريد (3) بنت فيروز بن يزدجر بن شهريار.

بويع له لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة سنة [126 ه] ست و عشرين و مائة.

____________

(1) ليس فى د.

(2) فى ك: يزيد بن الوليد بن يزيد بن عبد الملك.

(3) فى العقد الفريد: و أمه ابنة يزدجرد بن كسرى. و فى الطبرى: و أمه شاه‏آفريد بنت فيروز بن يزدجرد بن شهريار بن كسرى. و فى مروج الذهب:

أمه سارية بنت فيروز. و فى ك: شاه فهند. و نراه تحريفا.

488

قال: و لما قتل الوليد خطب يزيد الناس فذمّ الوليد، و ذكر إلحاده، و أنه قتله لفعله الخبيث، و قال: أيها الناس، إنّ لكم علىّ ألّا أضع حجرا على حجر، و لا لبنة على لبنة، و لا أكرو (1) نهرا، و لا أكنز مالا، و لا أعطيه زوجة و ولدا، و لا أنقل مالا من بلد حتى أسدّ ثغره و خصاصة أهله بما يغنيهم، فما فضل نقلته إلى البلد الذى يليه، و لا أجمّركم فى ثغوركم فأفتنكم. و لا أغلق بابى دونكم، و لا أحمل على أهل جزيتكم، و لكم أعطياتكم كل سنة و أرزاقكم فى كل شهر، حتى يكون أقصاكم كأدناكم؛ فإن وفّيت بما قلت فعليكم السمع و الطاعة و حسن المؤازرة، و إن لم أوف‏ (2) فلكم أن تخلعونى، إلّا أن أتوب، و إن علمتم أحدا ممن يعرف بالصلاح يعطيكم مثل ما أعطيكم و أردتم أن تبايعوه فأنا أوّل من يبايعه.

أيها الناس، إنه لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق. [و اللّه الموفّق بمنّه و كرمه‏ (3)].

ذكر اضطراب أمر بنى أمية

و فى سنة ست و عشرين و مائة فى أيام يزيد هذا اضطرب أمر بنى أميّة، و هاجت الفتنة، فكان من ذلك و ثوب سليمان بن هشام ابن عبد الملك بعمان، و كان الوليد قد حبسه بها، فلما قتل خرج‏

____________

(1) فى ك: أكرى. و فى الكامل: أكترى. و فى القاموس: كرا الأرض يكروها: حفرها. و البئر طواها بالشجر.

(2) فى الكامل: أف.

(3) ليس فى د.

489

من الحبس، و أخذ ما كان بها من الأموال، و أقبل إلى دمشق، و جعل يلعن الوليد و يعيبه بالكفر.

و من ذلك خلاف أهل حمص و فلسطين:

ذكر خلاف أهل حمص‏

قال: و لما قتل الوليد أغلق أهل حمص أبوابها، و أقاموا النوائح و البواكى عليه. و قيل لهم: إنّ العباس بن الوليد بن عبد الملك أعان عبد العزيز على قتله، فهدموا داره، و انتهبوها، و سلبوا حريمه، و طلبوه؛ فسار إلى أخيه يزيد، و كاتب أهل حمص الأجناد، و دعوهم إلى الطّلب بدم الوليد، فأجابوهم و اتفقوا على ألّا يطيعوا يزيد، و أمّروا عليهم معاوية بن يزيد بن حصين بن نمير، و وافقهم مروان بن عبد اللّه بن عبد الملك على ذلك، فراسلهم يزيد، فأخرجوا رسله، فسيّر إليهم أخاه مسرورا فى جمع كثير، فنزلوا حوّارين‏ (1)، ثم قدم على يزيد سليمان بن هشام، فردّ عليه ما كان الوليد أخذه من أموالهم، و سيّره إلى أخيه مسرور، و أمرهم بالسّمع و الطاعة له؛ و كان أهل حمص يريدون السير إلى دمشق، فقال لهم مروان بن عبد اللّه: أرى أن تسيروا إلى هذا الجيش فتقاتلوهم، فإن ظفرتم بهم كان ما بعدهم أهون عليكم، و لست أرى المسير إلى دمشق و ترك هؤلاء خلفكم.

فقال السّمط بن ثابت: إنما يريد خلافكم، و هو مائل‏ (2).

____________

(1) حوارين- بالضم و تشديد الواو، و يختلف فى الراء، فمنهم من يفتحها و منهم من يكسرها، و ياء ساكنة و نون: و هى من قرى حلب (ياقوت).

(2) فى ك: نائل.

490

ليزيد، فقتلوه و قتلوا ابنه، و ولّوا عليهم أبا محمد السفيانى، و تركوا عسكر سليمان ذات اليسار، و ساروا إلى دمشق، فخرج سليمان مجدّا فى طلبهم، فلحقهم بالسّليمانية- مزرعة كانت لسليمان ابن عبد الملك خلف عذراء (1).

و أرسل يزيد عبد العزيز بن الحجاج فى ثلاثة آلاف إلى ثنيّة العقاب، و أرسل هشام بن مصاد فى ألف و خمسمائة إلى عقبة السلامية. و أمرهم أن يمدّ بعضهم بعضا، و لحقهم سليمان على تعب مقاتلتهم‏ (2)، فانهزمت ميمنته و ميسرته، و ثبت هو فى القلب، ثم حمل أصحابه على أهل حمص حتى ردّوهم إلى موضعهم، و حمل بعضهم على بعض مرارا.

فبينما هم كذلك إذ أقبل عبد العزيز من ثنيّة العقاب، فحمل على أهل حمص حتى دخل عسكرهم، و قتل فيه من عرض له، فانهزموا و نادوا: يا يزيد بن خالد بن عبد اللّه القسرى! اللّه اللّه فى قومك! فكفّ الناس، و أخذ أبو محمد السّفيانى أسيرا، و يزيد بن خالد بن معاوية، فأتى بهما سليمان فسيّرهما إلى يزيد فحبسهما.

و اجتمع أمر أهل دمشق ليزيد، و بايعه أهل حمص، فأعطاهم العطاء، و أجاز الأشراف؛ و استعمل عليهم يزيد بن الوليد ابن معاوية بن يزيد بن الحصين.

____________

(1) عذراء- بالفتح ثم السكون و المد: قرية بغوطة دمشق (المراصد). و فى الطبرى خلف عذراء من دمشق على أربعة عشر ميلا.

(2) فى الكامل: فاقتتلوا قتالا شديدا.

491

ذكر خلاف أهل فلسطين‏

و فى هذه السنة وثب أهل فلسطين على عاملهم سعيد بن عبد الملك فطردوه، و كان الوليد قد استعمله عليهم، فأحضروا يزيد بن سليمان بن عبد الملك فجعلوه عليهم، فدعا الناس إلى قتال يزيد، فأجابوه إلى ذلك؛ و بلغ أهل الأردن أمر أهل فلسطين، فولّوا عليهم محمد بن عبد الملك، و اجتمعوا (1) معهم على قتال يزيد ابن الوليد، فبعث يزيد إليهم سليمان بن هشام بن عبد الملك فى أهل دمشق و أهل حمص الذين كانوا مع السفيانى، و عدّتهم أربعة آلاف و نيّف، فبايع الناس ليزيد، و استعمل ضبعان‏ (2) بن روح على فلسطين و إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك على الأردن.

ذكر عزل يوسف بن عمر عن العراق و ما كان من أمره، و استعمال منصور بن جمهور

و فى هذه السنة عزل يزيد بن الوليد يوسف بن عمر عن العراق، و استعمل منصور بن جمهور، و قال له لمّا ولّاه العراق: اتّق اللّه و اعلم أنى إنما قتلت الوليد لفسقه، و لما أظهر من الجور، فلا تركب مثل ما قتلناه عليه. فسار حتى إذا بلغ عين‏ (3) التّمر كتب إلى من بالحيرة من قوّاد أهل الشام يخبرهم بقتل الوليد و تأميره على العراق و يأمرهم بأخذ يوسف و عماله، و بعث بالكتب‏

____________

(1) فى ك: و أجمعوا. و المثبت فى الكامل أيضا.

(2) فى ك، د: صنعان. و المثبت فى الطبرى أيضا.

(3) عين التمر: بلدة فى طرف بادية الشام (المراصد).

492

كلّها إلى سليمان بن سليم بن كيسان ليفرقها على القوّاد، فحبس الكتب؛ و حمل كتابه فأقرأه يوسف بن عمر، فتحيّر فى أمره، و قال: ما الرّأى يا سليمان؟ قال: ليس لك إمام تقاتل معه، و لا يقاتل أهل الشام معك، و لا آمن عليك منصورا. و ما الرأى إلّا أن تلحق بشامك.

قال: فكيف الحيلة؟ قال: تظهر الطاعة ليزيد و تدعو له فى خطبتك؛ فإذا قرب منصور تستخفى عندى و تدعه و العمل.

ثم مضى سليمان إلى عمرو بن محمد بن سعيد بن العاص، فأخبره بالأمر، و سأله أن يؤوى‏ (1) يوسف بن عمر عنده، ففعل، فانتقل يوسف إليه، فلم‏ (2) ير رجل كان مثل عتوّه خاف مثل خوفه.

و قدم منصور الكوفة فحضّهم و ذمّ الوليد و يوسف، و قامت الخطباء فذمّوهما معه، فأتى عمرو بن محمد إلى يوسف، فأخبره:

فجعل لا يذكر له رجلا ممن ذكره بسوء إلا قال: للّه علىّ أن أضربه كذا و كذا سوطا؛ فجعل عمرو يتعجّب من طمعه فى الولاية.

و يهدّده الناس.

و سار يوسف من الكوفة سرّا إلى الشام، فنزل البلقاء (3).

فلما بلغ خبره يزيد بن الوليد وجّه إليه خمسين فارسا، فعرض رجل من بنى نمير ليوسف، و قال: يا ابن عمر، أنت و اللّه مقتول، فأطعنى و امتنع.

____________

(1) فى الكامل: يوارى. و المثبت فى الطبرى أيضا.

(2) فى الطبرى: قال عمرو: فلم أر رجلا مثل عتوه رعب رعبه ...

(3) البلقاء: أرض بالشام (البكرى).

493

قال: لا، فدعنى أقتلك أنا و لا تقتلك هذه اليمانية فتغيظنا بقتلك.

قال: ما لى فيما عرضت خيار، فطلبه المسيّرون إليه، فلم يروه، فتهدّدوا ابنا له، فقال لهم: انطلق إلى مزرعة له، فساروا فى طلبه، فلما أحسّ بهم هرب و ترك نعليه، ففتّشوا عليه فوجدوه بين نسوة قد ألقين عليه قطيفة خز و جلسن على حواشيها حاسرات، فجرّوا برجله، و أخذوه، و أقبلوا به إلى يزيد، فوثب عليه بعض الحرس، فأخذ بلحيته و نتف بعضها، و كان من أعظم الناس لحية، و أصغرهم قامة.

فلما أدخل على يزيد قبض على لحية نفسه، و هى إلى سرّته، و جعل يقول: يا أمير المؤمنين؛ نتفت و اللّه لحيتى، حتى لم يبق فيها شعرة؛ فأمر به فحبس فى الخضراء فأتاه إنسان فقال له:

أ ما تخاف أن يطلع عليك بعض من وترت فيلقى عليك حجرا فيقتلك؟

قال‏ (1): ما فطنت لهذا، فأرسل إلى يزيد يطلب منه أن يحوّل إلى حبس‏ (2) غير الخضراء، و إن كان أضيق منه، فعجبوا من حمقه، فنقله و حبسه مع ابنى الوليد، فبقى فى الحبس ولاية يزيد و شهرين و عشرة أيام من ولاية إبراهيم.

فلما قرب مروان من دمشق ولى يزيد بن خالد [القسرى‏] (3)

____________

(1) فى د: فقال.

(2) فى الطبرى: مجلس.

(3) ليس فى د.

494

مولى لأبيه يقال له أبو الأسد (1) قتلهم‏ (2)، فقتل الحكم و عثمان و يوسف على ما نذكر ذلك إن شاء اللّه تعالى.

و كان يوسف بن عمر يحمّق، و فيه أشياء متباينة متناقضة؛ كان طويل الصلاة، ملازما للمسجد، ضابطا لحشمه و أهله عن الناس، ليّن الكلام، متواضعا، حسن المملكة كثير التضرّع و الدعاء، فكان يصلّى الصّبح، و لا يكلم أحدا حتى يصلى الضّحى، و هو فيما بين ذلك يقرأ القرآن و يتضرّع، و كان بصيرا بالشعر و الأدب، و كان شديد العقوبة، مسرفا فى ضرب الأبشار، و كان يأخذ الثوب الجيّد فيمر ظفره عليه فإن تعلّق به طاقه ضرب صاحبه، و ربما قطع يده.

حكى أنه أتى يوما بثوب فقال لكاتبه: ما تقول فى هذا الثوب؟

قال: كان ينبغى أن تكون بيوته أصغر مما هى. فقال للحائك:

صدق يا ابن اللخناء. فقال الحائك: نحن أعلم بهذا. فقال لكاتبه:

صدق يا ابن اللخناء. فقال الكاتب: هذا يعمل فى السنة ثوبا أو ثوبين و أنا يمرّ على يدى فى السنة مائة ثوب مثل هذا. فقال للحائك: صدق يا ابن اللّخناء، فلم يزل يكذّب هذا مرة، و هذا مرة حتى عدّ أبيات الثوب، فوجدها تنقص بيتا من أحد جانبى الثوب، فضرب الحائك مائة سوط.

و قيل: إنه أراد السفر فدعا جواريه، فقال لإحداهنّ: تخرجين معى؟ قالت: نعم. قال: يا خبيثة. كلّ هذا من حبّ النكاح،

____________

(1) فى ك: يقال له الأسد. و المثبت فى الطبرى، و الكامل.

(2) فى الكامل (4- 272): فلما قرب مروان من دمشق ولى قتلهم يزيد بن خالد القسرى مولى لأبيه خالد، يقال له أبو الأسد. و هى أوضح.

495

يا خادم، اضرب رأسها. و قال لأخرى: ما تقولين؟ فقالت: أقيم على ولدى. فقال: يا خبيثة، كلّ هذا زهادة فىّ، اضرب رأسها.

و قال لثالثة: ما تقولين؟ قالت: لا أدرى ما أقول، إن قلت ما قالت إحداهما لم آمن عقوبتك. فقال: يا لخناء و تناقضين و تحتجّين، اضرب رأسها.

و كان قصيرا، فكان يحضر الثوب الطويل ليفصّله ليلبسه، فإن قال له الخياط: إنه يفضل منه ضرب رأسه، و إن قال: لا يكفى إلّا بعد التصرّف فى التفصيل سرّه ذلك، فكانوا يفصّلون له و يأخذون ما بقى. و كان له فى ذلك أشياء كثيرة.

فلنرجع إلى أخبار منصور بن جمهور.

قال: و كان دخول منصور الكوفة لأيام خلت من شهر رجب سنة [126 ه] ست و عشرين [و مائة (1)]، فأخذ بيوت الأموال، و أخرج العطاء و الأرزاق، و أطلق من كان فى السجون من العمّال و أهل الخراج، و بايع ليزيد بالعراق، و أقام بقيّة رجب و شعبان و رمضان، و انصرف لأيّام بقين منه.

و امتنع نصر بن سيّار بخراسان من تسليم عمله لعامل منصور، فإنّ يزيد كان قد ضمّ خراسان لمنصور مع العراق.

ذكر عزل منصور بن جمهور عن العراق و ولاية عبد اللّه بن عمر بن عبد العزيز

و فى هذه السنة عزل يزيد بن الوليد منصور بن جمهور عن العراق،

____________

(1) زيادة مما بين السطور فى د.

496

و استعمل عبد اللّه بن عمر بن عبد العزيز: و قال له: سر إلى العراق؛ فإنّ أهله يميلون إلى أبيك. و خاف ألّا يسلم إليه المنصور العمل، فانقاد له أهل الشام، و سلّم إليه منصور الولاية، و انصرف إلى الشام، ففرّق عبد اللّه العمال، و أعطى الناس أرزاقهم و أعطياتهم، فنازعه قوّاد أهل الشام، و قالوا: تقسم على هؤلاء فيئنا، و هم عدوّنا! فقال لأهل العراق: إنى أريد أن أردّ عليكم فيئكم، و علمت أنكم أحقّ به، فنازعنى هؤلاء.

فاجتمع أهل الكوفة بالجبّانة، فأرسل إليهم أهل الشام يعتذرون، و ثار غوغاء الناس فى الفريقين، فأصيب منهم رهط لم يعرفوا، و استعمل عبد اللّه بن عمر على شرطته عمر بن الغضبان ابن القبعثرى، و على خراج السواد و المحاسبات أيضا.

ذكر الاختلاف بين أهل خراسان‏

و فى سنة [126 ه] ست و عشرين و مائة وقع الاختلاف بخراسان بين النّزاريّة و اليمانية، و أظهر الكرمانى الخلاف لنصر بن سيّار.

و كان سبب ذلك أن نصرا رأى الفتنة قد ثارت، فرفع حاصل بيت المال، و أعطى الناس بعض أعطياتهم ورقا و ذهبا، من أوان‏ (1) كان اتّخذها للوليد بن يزيد، فطلب الناس منه العطاء، و هو يخطب؛ فقال نصر: إيّاى و المعصية، عليكم بالطاعة و الجماعة. فوثب أهل السوق إلى أسواقهم، فغضب نصر، و قال: ما لكم عندى عطاء (2)

____________

(1) فى الطبرى و الكامل: من الآنية التى كان ...

(2) فى الطبرى: عطاء بعد يومكم هذا.

497

ثم قال: كأنى بكم و قد نبع من تحت أرجلكم شرّ لا يطاق، و كأنى بكم مطرّحين فى الأسواق كالجزر المنحورة، إنه لم تطل ولاية رجل إلّا ملّوها، و أنتم يأهل خراسان مسلحة فى نحور العدو، فإياكم أن يختلف فيكم سيفان؛ إنكم تريشون أمرا و تريدون‏ (1) به الفتنة، و لا أبقى اللّه عليكم، لقد نشرتكم و طويتكم، فما عندى منكم عشرة.

فاتقوا اللّه، فو اللّه لئن اختلف فيكم سيفان ليتمنّينّ أحدكم أنه ينخلع من ماله و ولده. يأهل خراسان، إنكم قد غمطتم الجماعة، و ركنتم إلى الفرقة.

ثم تمثل بقول النابغة (2):

فإن يغلب شقاؤكمو عليكم‏ * * * فإنّى فى صلاحكمو سعيت‏

و قدم على نصر عهده‏ (3) على خراسان من قبل عبد اللّه بن عمر ابن عبد العزيز؛ فقال الكرمانى لأصحابه: الناس فى فتنة فانظروا لأموركم رجلا.

و الكرمانى اسمه جديع بن علىّ الأزدي، و إنما سمى الكرمانى لأنه ولد بكرمان، فقالوا له: أنت لنا. و قالت المضريّة لنصر: إن الكرمانى يفسد عليك الأمور، فأرسل إليه فاقتله أو احبسه.

قال: لا، و لكن لى أولاد ذكور و إناث، فأزوّج بنىّ من بناته، و بناتى من بنيه.

قالوا: لا. قال: فأبعث إليه بمائة ألف درهم، و هو بخيل،

____________

(1) فى الطبرى: تريدون.

(2) فى ديوانه: 22

(3) ك: عهد.

498

فلا يعطى أصحابه شيئا منها، فيتفرّقون عنه. قالوا: لا، هذه قوّة له، و لم يزالوا به حتى قالوا له: إنّ الكرمانى لو لم يقدر على السلطنة و الملك إلا بالنصرانية و اليهودية لتنصّر و تهوّد.

و كان نصر و الكرمانى متصافيين، و كان الكرمانىّ قد أحسن إلى نصر فى ولاية أسد [بن عبد اللّه‏ (1)] القسرى. فلما ولى نصر عزل الكرمانى عن الرئاسة و ولّاها غيره، فتباعد ما بينهما، فلما أكثروا على نصر فى أمره عزم على حبسه، فأرسل صاحب حرسه ليأتيه [به‏ (2)]، فأرادت الأزد أن تخلّصه من يده، فمنعهم من ذلك، و سار مع صاحب الحرس و هو يضحك.

فلما دخل على نصر قال له: يا كرمانى، أ لم يأتنى كتاب يوسف ابن عمر بقتلك فراجعت‏ (3) و قلت: شيخ خراسان و فارسها، فحقنت دمك؟ قال: بلى. قال: أ لم أغرم عنك ما كان لزمك من الغرم، و قسمته فى أعطيات الناس؟ قال: بلى. قال: أ لم أرئّس ابنك عليّا على كره من قومك؟ قال: بلى. قال: فبدّلت ذلك إجماعا على الفتنة.

قال الكرمانى: لم يقل الأمير شيئا إلّا و قد كان أكثر منه، و أنا لذلك شاكر، و قد كان منّى أيام أسد ما قد علمت، و لست أحبّ الفتنة.

____________

(1) من الكامل.

(2) ليس فى ك.

(3) فى د: فراجعته.

499

قال سلم‏ (1) بن أحوز: اضرب عنقه أيها الأمير، و أشار غيره بذلك، فقال المقدام و قدامة ابنا عبد الرحمن بن نعيم العامرى‏ (2):

لجلساء فرعون خير منكم؛ إذ قالوا (3): «أَرْجِهْ وَ أَخاهُ»* و اللّه لا يقتل الكرمانى بقولكم، فأمر نصر بحبسه فى القهندز (4). فحبس و ذلك لثلاث بقين من شهر رمضان، فتكلمت الأزد فقال نصر: إنى حلفت أن أحبسه، و لا يناله منى سوء، فإن خشيتم عليه فاختاروا رجلا يكون معه، فاختاروا يزيد النحوى، فكان معه؛ فجاء رجل من أهل نسف، فقال لآل الكرمانى:

ما تجعلون لى إن أخرجته؟ قالوا: كل ما سألت، فأتى مجرى الماء فى القهندز فوسعه، و قال لولد الكرمانى: اكتبوا لأبيكم‏ (5) يستعد الليلة للخروج.

فكتبوا إليه، و أدخلوا الكتاب فى الطعام، فتعشّى الكرمانى، و يزيد النحوى، و حصين بن حكيم؛ و خرجا من عنده.

و دخل الكرمانى السّرب، فانطوت على بطنه حيّة فلم تضرّه؛ و خرج من السّرب، و ركب فرسه البشير، و القيد فى رجله، فأتوا به عبد الملك بن حرملة فأطلق عنه القيد.

و قيل: إنّ الذى خلّص الكرمانى مولى له رأى خرقا فوسّعه و أخرجه‏

____________

(1) فى ك: مسلم. و فى د: سالم. و المثبت فى الطبرى، و المشتبه.

(2) فى الطبرى: الغامدى. و المثبت فى الكامل أيضا.

(3) سورة الأعراف، آية 111.

(4) فى ياقوت: القهندز- بفتح أوله و ثانيه و سكون النون و فتح الدال و زاى: فى الأصل اسم الحصن أو القلعة فى وسط المدينة، و أكثر الرواة يسمونه قهندز- بضم القاف و الدال، و هو تعريب. كهندر- و معناه القلعة الحصينة.

(5) فى د: إلى أبيكم.

500

منه، فلم يصلّ الصّبح حتى اجتمع معه زهاء ألف، و لم يرتفع النهار حتى بلغوا ثلاثة آلاف.

و كانت الأزد قد بايعوا عبد الملك بن حرملة. فلما خرج الكرمانى قدمه عبد الملك.

قال: و لما خرج الكرمانى عسكر نصر بباب مرو الرّوذ، و خطب الناس، فنال من الكرمانى، ثم ذكر الأزد، فقال: إن يستوسقوا (1) فهم أذلّ قوم، و إن يأبوا فهم كما قال الأخطل‏ (2):

ضفادع فى ظلماء ليل تجاوبت‏ * * * فدلّ عليها صوتها حيّة البحر

ثم ندم على ما فرط منه، فقال: اذكروا اللّه؛ فإنه خير لا شرّ فيه.

و اجتمع إلى نصر بشر كثير، فسفر الناس بينه و بين الكرمانىّ، و سألوا نصرا أن يؤمّنه، و لا يحبسه؛ و جاء الكرمانىّ، فوضع يده فى يد نصر، فأمره بلزوم بيته، ثم بلغ الكرمانى عن نصر شي‏ء، فخرج إلى قرية له، و خرج نصر فعسكر بباب مرو، فكلّموه فيه، فأمّنه.

فلما عزل ابن جمهور عن العراق و ولّى عبد اللّه بن عمر فى شوّال من السنة خطب نصر، و ذكره، و قال: قد علمت أنه لم يكن من عمّال العراق، و قد عزله اللّه، و استعمل الطيّب ابن الطيّب.

فغضب الكرمانى لابن جمهور، و عاد فى جمع‏ (3) الرجال و اتخاذ السلاح؛ فكان يحضر الجمعة فى ألف و خمسمائة فيصلّى خارج‏

____________

(1) فى د: يستوثقوا.

(2) البيت فى الطبرى، و الكامل.

(3) فى ك: جميع.

501

المقصورة، ثم يدخل فيسلّم على نصر، و لا يجلس، ثم ترك إتيان نصر و أظهر الخلاف؛ فأرسل إليه مع سلّم‏ (1) بن أحوز، يقول:

إنى و اللّه ما أردت بحبسك سوءا، و لكن خفت فساد أمر الناس فأتنى.

فقال: لو لا أنّك فى منزلى لقتلتك، ارجع إلى ابن الأقطع، فأبلغه ما شئت من خير أو شر.

فرجع إلى نصر فأخبره، فلم يزل يرسل إليه مرة بعد أخرى، فكان آخر ما قال له الكرمانى: إنى لا آمن أن يحملك قوم على‏ (2) غير ما تريد، فتركب منا مالا بقيّة بعده، فإن شئت خرجت عنك لا من هيبة لك، و لكن أكره سفك الدماء، فتهيّأ للخروج إلى جرجان؛ ثم كان من أمر الكرمانى ما نذكره إن شاء اللّه تعالى.

ذكر الحرب بين أهل اليمامة و عاملهم‏

قال: لما قتل الوليد بن يزيد كان على اليمامة عليّ بن المهاجر، استعمله عليها يوسف بن عمر، فقال له المهير بن سلمى بن هلال أحد بنى الدؤل بن حنيفة: اترك لنا بلادنا، فأبى؛ فجمع له المهير، و سار إليه، و هو بقصره فى قاع‏ (3) هجر، فالتقوا بالقاع، فانهزم علىّ حتى دخل قصره، ثم هرب إلى المدينة، و قتل المهير ناسا من أصحابه، و تأمّر المهير على اليمامة، ثم إنه مات، و استخلف على اليمامة عبد اللّه بن النعمان أحد بنى قيس بن ثعلبة بن الدؤل، فاستعمل‏

____________

(1) فى ك: مسلم. و فى الكامل: سالم. و قد سبق.

(2) فى ك: إلى.

(3) فى د: بقاع.

502

عبد اللّه بن النعمان المندلث‏ (1) بن إدريس الحنفى على الفلج- و هى قرية من قرى بنى عامر بن صعصعة، فجمع له بنو كعب ابن ربيعة بن عامر و معهم بنو عقيل، فأتوا (2) الفلج، فلقيهم المندلث، و قاتلهم، فقتل المندلث و أكثر أصحابه، و لم يقتل من بنى عامر كثير، و قتل يومئذ يزيد ابن الطّثريّة (3) و هى أمّه، تنسب إلى طثر بن عنز (4) بن وائل، و هو يزيد بن المنتشر (5).

فلما بلغ عبد اللّه بن النعمان قتل المندلث جمع ألفا من حنيفة و غيرها، و غزا الفلج.

فلما تصافّ الناس انهزم أبو لطيفة بن مسلم العقيلى، و طارق ابن عبد اللّه القشيرى، و الجعونيان‏ (6)، و تجلّلت بنو جعدة البراذع، و ولّوا، فقتل أكثرهم، و قطعت يد زياد بن حيان الجعدى؛ ثم قتل‏ (7).

ثم إن بنى عقيل و قشيرا و جعدة و نميرا تجمّعوا و عليهم أبو سهلة النّميرى، فقتلوا من لقوا من بنى حنيفة بمعدن الصحراء، و سبوا نساءهم، و كفّت بنو نمير عن النساء.

____________

(1) هذا فى ك، د.

(2) فى د: و أتوا.

(3) الطثرية- بالتحريك: أم يزيد بن الطثرية الشاعر القشيرى. و فى الشعر و الشعراء (1- 392): هو يزيد بن الطثرية- بسكون الثاء، و هى من طثر ابن عنز بن وائل.

(4) فى ك: بن عمير. و الصواب فى د، و الشعر و الشعراء.

(5) و هذا يوم الفلج الأول (الكامل: 4- 273).

(6) الضبط فى د.

(7) و هذا يوم الفلج الثانى (الكامل: 4- 273).

503

ثم إنّ عمر بن الوازع الحنفى لمّا رأى ما فعل عبد اللّه بن النعمان قال: لست بدون عبد اللّه و غيره ممن يغير، و هذه فترة يؤمن فيها عقوبة السلطان، فجمع خيله و بثّها فأغارت و أغار فملأ يده من الغنائم، و أقبل بمن معه حتى أتى النّشّاش‏ (1)، و أقبلت بنو عامر، و قد حشدت، فلم يشعر عمر بن الوازع إلا برغاء الإبل، فجمع النساء فى فسطاط، و جعل عليهنّ حرسا، و لقى القوم فقاتلهم، فانهزم هو و من معه، و هرب ابن الوازع، فلحق باليمامة، و كفّت قيس يوم النشّاش عن السّلب، فجاءت عكل فسلبتهم‏ (2).

و جمع عبيد اللّه بن مسلم الحنفى جمعا، و أغار على ماء لقشير يقال له حلبان‏ (3)، و أغار على عكل فقتل منهم عشرين رجلا.

ثم قدم المثنّى بن يزيد بن عمر بن هبيرة الفزارى واليا على اليمامة من قبل أبيه يزيد بن عمر حين ولى العراق لمروان بن محمد، فوردها و هم سلّم.

و سكنت البلاد؛ و لم يزل عبيد اللّه بن مسلم الحنفى مستخفيا حتى قدم السرىّ بن عبد اللّه الهاشمى واليا على اليمامة لبنى العباس، فدلّ عليه فقتله.

و فى هذه السنة أمر يزيد بن الوليد بالبيعة [بولاية (4)] العهد لأخيه إبراهيم، و من بعده لعبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك بن مروان.

____________

(1) النشاش- ككتان: واد لبنى نمير كانت به وقعة بين بنى عامر و أهل اليمامة (القاموس). و فى د: النشناش.

(2) و هو يوم النشاش (الكامل: 4- 274) ..

(3) الضبط فى ياقوت.

(4) ليس فى ك.

504

و فيها خالف مروان بن محمد يزيد بن الوليد و أظهر الخلاف، و تجهّز للمسير إلى الشام، و عرض جند الجزيرة فى نيف و عشرين ألفا، فكاتبه يزيد ليبايع له و يوليه ما كان عبد الملك ولّى أباه محمدا من الجزيرة و إرمينية و الموصل و أذربيجان، فبايع له مروان، و أعطاه يزيد ولاية ما شرطه‏ (1) له.

ذكر وفاة يزيد بن الوليد بن عبد الملك‏

كانت وفاته بدمشق لعشر بقين من ذى الحجة سنة [126 ه] ستّ و عشرين و مائة؛ فكانت مدة ولايته خمسة أشهر و اثنين‏ (2) و عشرين يوما، و قيل ستة أشهر و ليلتين، و قيل ستة أشهر؛ و كان عمره ستا و أربعين سنة.

و اختلف فيه إلى ثلاثين سنة.

و كان أسمر نحيف البدن، ربع القامة، خفيف العارضين، فصيحا شديد العجب.

و قيل فى صفته: أسمر طويلا صغير الرأس جميلا.

و كان نقش خاتمه: يا يزيد، قم بالحق. و قيل: كان نقش خاتمه:

العظمة للّه.

و كان آخر ما تكلّم به: وا حسرتاه! وا أسفاه! و كان له عقب كثير.

كاتبه: ثابت بن سليمان.

قاضيه: عثمان بن عمر بن موسى بن معمر التميمى.

____________

(1) فى د: ما شرط له.

(2) فى الكامل: و اثنى عشر يوما.