نهاية الأرب في فنون الأدب‏ - ج21

- أحمد بن عبد الوهاب النويري‏ المزيد...
557 /
105

ابعثى إلىّ‏ (1) الصّلح الذى كتبت لعمرو. فقالت لرسوله: ارجع إليه فأعلمه أنّ ذلك الصّلح معه فى أكفانه ليخاصمك به عند ربّه.

قال: و لما قتل عبد الملك مصعب بن الزبير دخل أولاد عمرو عليه و هم أربعة: أمية، و سعيد، و إسماعيل، و محمد؛ فلما نظر إليهم [عبد الملك‏] (2) قال: إنكم أهل بيت لم تزالوا ترون لكم على جميع قومكم فضلا لم يجعله اللّه لكم، و إن الذى كان بينى و بين أبيكم لم يكن حديثا، بل كان قديما فى أنفس أوّليكم‏ (3) على أوّلينا فى الجاهلية.

فلم يقدر أمية أن يتكلّم. و كان الأكبر من أولاد عمرو، فقام سعيد بن عمرو [و كان الأوسط] (4) فقال: يا أمير المؤمنين، ما تنعى‏ (5) علينا أمرا فى الجاهلية، و قد جاء اللّه بالإسلام فهدم ذلك، و وعد جنّة، و حذّر نارا، و أما الذى كان بينك و بين عمرو فإنه كان ابن عمك و أنت أعلم و ما (6) صنعت. و قد وصل عمرو إلى اللّه، و كفى باللّه حسيبا؛ و لعمرى لئن أخذتنا بما كان بينك و بينه لبطن الأرض خير لنا من ظهرها، فرقّ لهم عبد الملك و قال: إنّ أباكم خيّرنى بين أن يقتلنى أو أقتله، فاخترت قتله على قتلى، و أمّا أنتم فما أرغبنى فيكم و أوصلنى لقرابتكم، و أحسن جائزتهم و وصلهم و قرّبهم.

____________

(1) فى الطبرى: ابعثى إلى بالصلح الذى كنت كتبته. و فى الكامل: ابعثى إلى كتاب الصلح ...

(2) من الطبرى.

(3) فى الكامل: أنفس أوليائكم على أوليائنا.

(4) من الطبرى.

(5) فى الكامل، د: ما تبغى.

(6) فى الكامل: بما صنعت.

106

و قد قيل فى سبب قتله: إنه قال لعبد الملك حين سار إلى العراق لقتال مصعب: إنك تخرج إلى العراق، و قد كان أبوك جعل لى الأمر بعده، و على ذلك قاتلت معه، فاجعل هذا الأمر لى بعدك، فلم يجبه عبد الملك إلى ذلك، فرجع إلى دمشق، و كان من أمره ما تقدّم.

و قيل: بل كان عبد الملك قد استخلفه على دمشق، فوثب بها.

و قيل: إنّ عبد الملك لم يقتل عمرو بن سعيد بيده، و إنما أمر غلامه ابن الزّعيزعة، فقتله و ألقى رأسه إلى الناس و رمى يحيى بصخرة فى رأسه، و كان مقتله فى سنة [69 ه] تسع و ستين. و قيل: فى سنة سبعين. و اللّه أعلم.

ذكر نبذة من أخبار عمرو بن سعيد الأشدق فى الإسلام و الجاهلية

كان مولد سعيد بن العاص والد عمرو عام الهجرة. و قيل: سنة إحدى. و قتل جدّه العاص بن سعيد يوم بدر كافرا، قتله علىّ ابن أبى طالب (رضى اللّه عنه)، و كان لجدّ أبيه سعيد بن العاص ابن أميّة ثمانية بنين؛ منهم ثلاثة ماتوا على الكفر، و هم: أحيحة، و به كان يكنى سعيد بن العاص، و قتل أحيحة يوم الفجار. و العاص، و عبيدة قتلا يوم بدر كافرين، قتل العاص علىّ، و قتل عبيدة الزّبير؛ و خمسة أدركوا الإسلام، و صحبوا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)؛ و هم: خالد، و عمرو، و سعيد؛ و أبان، و الحكم بنو سعيد ابن العاص بن أمية، و غيّر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) اسم‏ (1) الحكم، فسمّاه عبد اللّه. و جدّ هؤلاء العاص بن أمية ذو العصابة؛ قيل له ذلك،

____________

(1) و الاستيعاب: 355.

107

لأنه كان من شرفه إذا اعتمّ بعمامة بمكّة لا يعتمّ‏ (1) أحد بلونها إجلالا له، و كان يكنى بأبى أحيحة، و فى ذلك يقول الشاعر:

أبو أحيحة من يعتمّ عمّته‏ * * * يضرب و لو كان ذا مال و ذا حسب‏

و كان سعيد بن العاص والد عمرو من أشراف قريش ممن جمع له السخاء و الفصاحة، و هو أحد الذين كتبوا المصحف لعثمان بن عفان (رضى اللّه عنه)، و استعمله عثمان على الكوفة، و غزا بالناس طبرستان‏ (2) فافتتحها. و يقال: إنه افتتح أيضا جرجان فى سنة [29 ه] تسع و عشرين أو سنة ثلاثين، و غزا أذربيجان‏ (3) لما انتقضت فافتتحها، ثم عزله عثمان، و استعمل الوليد، فمكث مدة، ثم شكاه أهل الكوفة، فعزله، و ردّ سعيدا، فردّه أهل الكوفة، و كتبوا إلى عثمان: لا حاجة لنا فى سعيدك و لا وليدك، و كان فى سعيد تجبّر و غلظ و شدّة سلطان.

و لما قتل عثمان بن عفّان كان سعيد والد عمرو ممن لزم بيته، و اعتزل حرب الجمل و صفّين، فلما اجتمع الناس على معاوية ولّاه المدينة، ثم عزله و ولّاها مروان بن الحكم، و كان يعاقب بينه و بين مروان فى ولاية المدينة، و فيه يقول الفرزدق‏ (4):

____________

(1) فى ك: لا يقيم- تحريف.

(2) بفتح أوله و ثانيه، و كسر الراء و سكون السين المهملة (المراصد).

و فى معجم ما استعجم: و إسكان الراء المهملة و فتح السين المهملة: و هى بلاد واسعة و مدن كثيرة من الرى.

(3) بالفتح ثم السكون، و فتح الراء و كسر الباء الموحدة، و ياء ساكنة و ألف و نون، و فتح قوم الذال و كسروا الراء. و مد آخرون مع ذلك الهمزة (المراصد)، و هى كورة تلى الجبل من بلاد العراق (البكرى).

(4) ديوانه: 100.

108

ترى الغرّ (1)الجحاجح من قريش‏ * * * إذا ما المرء فى الحدثان غالا

قياما ينظرون إلى سعيد * * * كأنهمو يرون به هلالا

و حكى الزبير بن بكّار قال‏ (2): لما عزل سعيد عن المدينة انصرف عن المسجد وحده، فتبعه رجل، فنظر إليه سعيد (رضى اللّه عنه)، و قال: أ لك حاجة! قال: لا، و لكنى رأيتك وحدك، فوصلت جناحك. فقال له: وصلك اللّه يا ابن أخى، اطلب لى دواة و جلدا، و ادع لى مولاى فلانا، فأتاه بذلك، فكتب له بعشرين ألف درهم، و قال: إذا جاءت غلّتنا دفعنا ذلك إليك، فمات فى تلك السنة، فأتى بالكتاب إلى ابنه عمرو، فأعطاه المال.

و كان لسعيد بن العاص سبعة بنين، و هم: عمرو هذا:

و محمد، و عبد اللّه، و يحيى، و عثمان، و عنبسة، و أبان.

و كانت وفاة سعيد فى سنة [59 ه] تسع و خمسين. و لنرجع إلى أخبار عبد الملك:

ذكر عصيان الجراجمة بالشام و ما كان من أمرهم‏

هذه الحادثة ذكرها ابن الأثير (3) فى سنة [69 ه] تسع و ستين، فقال: لما امتنع عمرو بن سعيد على عبد الملك خرج قائد من قوّاد

____________

(1) فى الديوان: الشم.

(2) الأغانى: 1- 32، و قصص العرب: 1- 199.

(3) صفحة 400، جزء ثالث.

109

الضواحى فى جبل اللّكام‏ (1) و اتّبعه خلق كثير من الجراجمة (2) و الأنباط، و أبّاق عبيد المسلمين، و غيرهم، و سار إلى لبنان، فلما فرغ عبد الملك من عمرو أرسل إلى هذا الخارج عليه، فبذل له فى جمعة ألف دينار، فركن إلى ذلك، و لم يفسد فى البلاد، ثم وضع عليه عبد الملك سحيم بن المهاجر، فتلطّف حتى وصل إليه متنكّرا، و أظهر الميل إليه، و وعده أن يدلّه على عورات عبد الملك، و ما هو خير له من الصلح، فوثق به؛ ثم أتاه سحيم فى جيش من موالى عبد الملك و بنى أمية و جند من ثقات جنده و الخارج و من معه على غير أهبة، فدهمهم‏ (3)، و أمر فنودى: من أتانا من العبيد [يعنى الذين كانوا معه‏] (4) فهو حرّ، و ثبت فى الديوان؛ فالتحق به خلق كثير منهم، و قاتلوا معه، فقتل الخارج و من أعانه من الروم، و قتل نفر من الجراجمة و الأنباط، و نادى بالأمان فيمن بقى منهم فتفرّقوا، و عاد إلى عبد الملك و وفّى للعبيد.

و فى سنة تسع اجتمعت الروم و استجاشوا (5) على من بالشام، فصالح عبد الملك ملكهم على أن يؤدّى إليه فى كل جمعة ألف دينار.

و فيها كان يوم الجفرة و قد تقدم ذكره‏ (6) فى أخبار ابن الزبير (رضى اللّه عنه).

____________

(1) اللكام: بالضم و التشديد. و يروى بالتخفيف، و هو الجبل المشرف على أنطاكية و المصيصة و طرسوس (المراصد).

(2) الجراجمة: قوم من عجم الجزيرة، أو نبط الشام (القاموس).

(3) الفعل مثل سمع و منع (القاموس).

(4) من الكامل.

(5) استجاش عليهم: طلب لهم الجيش، و جمعه عليهم (اللسان- جيش).

(6) تقدم صفحة 77.

110

ذكر خبر عمير بن الحباب بن جعدة السلمى‏

و ما كان بين قيس و تغلب من الحروب إلى أن قتل عمير ابن الحباب و ما كان بعد ذلك.

كان مقتل عمير بن الحباب فى سنة [70 ه] سبعين، و كان سبب ذلك أن عمير بن الحباب لما انقضى مرج راهط التحق بزفر بن الحارث الكلابى بقرقيسيا، ثم بايع مروان و فى نفسه ما فيها بسبب قتل قيس بالمرج‏ (1)، فلما سار عبيد اللّه بن زياد إلى الموصل كان معه، و قد ذكرنا اتفاقه مع إبراهيم بن الأشتر و انهزامه، حتى قتل عبيد اللّه [بن زياد] (2)، و انهزمت جيوش الشّام، فلما كان ذلك أتى عمير ابن الحباب قرقيسيا، و صار مع زفر بن الحارث، فجعلا يطلبان كلبا و اليمانيّة بمن قتلوا من قيس، و كان معهما قوم من تغلب يقاتلون معهما، و يدلّونهما، و شغل عبد الملك عنهما بمصعب، و تغلّب عمير على نصيبين‏ (3)، ثم ملّ المقام بقرقيسيا، فاستأمن إلى عبد الملك، فأمّنه، ثم غدر به فحبسه عند مولاه الريان، فسقاه عمير و من معه من الحرس خمرا حتى أسكرهم، و تسلّق فى سلّم من الحبال، و خرج من الحبس، و عاد إلى الجزيرة، و نزل على نهر البليخ‏ (4) بين حرّان و الرّقة، فاجتمعت إليه قيس، فكان يغير بهم‏ (5) على كلب و اليمانية، و كان من معه يسيئون‏ (6) جوار تغلب، و يسخّرون‏

____________

(1) مرج راهط، كما تقدم.

(2) من الكامل.

(3) بالفتح، ثم الكسر، ثم ياء (المراصد).

(4) اسم نهر بالرقة (ياقوت).

(5) فى د: يغزيهم.

(6) فى د: بسيوف- تحريف.

111

مشايخهم من النصارى، فهاج ذلك بينهم شرّا، إلّا أنه لم يبلغ الحرب. ثم إن عميرا أغار على كلب، و رجع فنزل على الخابور، و كانت منازل تغلب بين الخابور و الفرات و دجلة، و كانت بحيث نزل عمير- امرأة من تميم ناكح فى تغلب، يقال لها أم ذويل‏ (1)، فأخذ غلام من بنى الحريش أصحاب عمير عنزا من غنمها، فشكت ذلك إلى عمير، فلم يمنع عنها، فأخذوا الباقى، فمانعهم قوم من تغلب، فقتل منهم رجل يقال له مجاشع التّغلبى، و جاء ذويل فشكت أمّه إليه، و كان من فرسان تغلب، فسار فى قومه و جعل يذكّرهم ما يصنع بهم قيس، فاجتمع منهم جماعة و أمّروا عليهم شعيث‏ (2) ابن مليل التغلبى، فأغاروا على بنى الحريش و معهم قوم من نمير، فقتل فيهم التغلبيّون و استاقوا ذودا لامرأة منهم يقال لها أمّ الهيثم، فمانعهم القيسيّون، فلم يقدروا على منعهم، فكان بينهم أيام‏ (3) مذكورة نحن نذكرها على سبيل الاختصار؛ منها:

يوم ماكسين‏ (4):

قال: و لما استحكم الشرّ بين قيس و تغلب؛ و على قيس عمير، و على تغلب شعيث بن مليل غزا عمير بنى تغلب و جماعتهم بماكسين من الخابور فاقتتلوا قتالا شديدا، و هى أول وقعة كانت بينهم، فقتل من بنى تغلب خمسمائة و قتل شعيث، و كانت رجله قد قطعت، فجعل يقاتل حتى قتل، و هو يقول:

____________

(1) بالدال المهملة فى الكامل.

(2) فى الكامل: شعيب بن مليك. و المثبت فى معجم ما استعجم.

(3) فى الكامل: أياما.

(4) ماكسين- بكسر الكاف: بلد بالخابور (المراصد)، و فى البكرى:

بفتح الكاف و كسر السين المهملة بعدها ياء و نون: قرية لبنى تغلب على شاطئ الفرات.

112

قد علمت قيس و نحن نعلم‏ * * * أنّ الفتى يقتل و هو أجذم‏

و يوم الثّرثار الأول:

و الثّرثار (1) نهر أصل منبعه شرقى مدينة سنجار يفرغ فى دجلة.

قال: لما قتل من تغلب بماكسين من قتل استمدّت تغلب و حشدت و اجتمعت إليها النّمر بن قاسط، و أتاها المجشّر (2) ابن الحارث الشيبانى. و كان من ساداتهم بالجزيرة، و أتاها عبيد اللّه ابن زياد بن ظبيان منجدا لهم، و استنجد عمير تميما و أسدا فلم ينجده منهم أحد، فالتقوا على الثّرثار، و قد جعلت تغلب عليها بعد شعيث زياد بن هوبر (3)، و يقال يزيد بن هوبر التغلبى، فاقتتلوا، فانهزمت قيس، و قتلت تغلب منها مقتلة عظيمة، و بقروا بطون ثلاثين امرأة من بنى سليم.

و يوم الثّرثار الثانى:

قال: ثم إنّ قيسا تجمّعت و استمدّت، و أتاهم زفر بن الحارث من قرقيسيا، فالتقوا بالثّرثار، و اقتتلوا قتالا شديدا. فانهزمت تغلب و من معها.

و يوم الفدين:

قال: و أغار عمير على الفدين‏ (4)، و هى قرية على الخابور فقتل من بها من بنى تغلب.

____________

(1) الثرثار- بفتح أوله، و بثاء مثلثة ثانية قبل الراء، ثم راء ثانية: ماء معروف قبل تكريت (المراصد).

(2) الضبط من المشتبه.

(3) و القاموس.

(4) بالتصغير (البكرى).

113

و يوم السّكير:

و هو على الخابور؛ يسمى سكير (1) العباس؛ قال: ثم اجتمعوا و التقوا و اقتتلوا قتالا شديدا، فانهزمت تغلب و النّمر، و هرب عمير ابن جندل، و هو من فرسان تغلب؛ فقال عمير بن الحباب:

و أفلتنا يوم السّكير ابن جندل‏ * * * على سابح عوج اللبان مثابر

و نحن كررنا الخيل قبّا (2)شوازبا * * * دقاق الهوادى داميات الدّوابر

و يوم المعارك:

و المعارك بين الحضر (3) و العقيق من أرض الموصل، اجتمعت تغلب بهذا المكان فالتقوا هم و قبس، و اقتتلوا به، فاشتدّ قتالهم، فانهزمت تغلب، فيقال: إن يوم المعارك و الحضر واحد هزموهم إلى الحضر، و قتلوا منهم بشرا كثيرا. و قيل: هما يومان، كانا لقيس على تغلب. و التقوا أيضا بلبى‏ (4) فوق تكريت فتناصفوا، فقيس تقول: كان الفضل إلىّ‏ (5)، و تغلب تقول: كان لنا.

و يوم الشّرعبيّة:

ثم التقوا بالشرعبيّة فكان بينهم قتال شديد كان لتغلب على قيس، قتل يومئذ عمار بن المهزم‏ (6) السلمى. و الشّرعبيّة هذه من بلاد تغلب ليست الشرعبيّة التى ببلاد منبج.

____________

(1) الضبط فى المراصد.

(2) فى الكامل: قدما. و القبب: دقة الخصر و ضمور البطن، و الشازب:

الضامر اليابس (القاموس).

(3) و المراصد، و البكرى.

(4) فى المراصد: بكسر أوله. و فى ياقوت ضبط بكسر اللام و تشديد الباء و قال:

صوابه أن يكتب بالياء، و إنما كتبناه هنا بالألف على اللفظ: من أرض، الموصل.

(5) فى الكامل: لنا.

(6) و المشتبه.

114

و يوم البليخ:

و البليخ: نهر بين حرّان و الرّقّة اجتمعت تغلب، و سارت إليه، و هناك عمير فى قيس، فالتقوا و اقتتلوا فانهزمت تغلب، و كثر القتل فيها و بقرت بطون النساء كما فعلوا يوم الثّرثار. [و اللّه علم‏ (1)].

ذكر يوم الحشاك‏ (2)

و مقتل عمير بن الحباب السلمى و ابن هوبر التغلبى قال: و لما رأت تغلب [إلحاح‏] (3) عمير بن الحباب عليها جمعت حاضرها و باديها، و ساروا إلى الحشّاك- و هو نهر قريب من الشرعبيّة، فأتاهم عمير فى قيس، و معه زفر بن الحارث الكلابى، و ابنه الهذيل بن زفر، و على تغلب ابن هوبر (4)، فاقتتلوا عند تل الحشّاك أشدّ قتال حتى جنّ عليهم الليل، ثم تفرقوا و اقتتلوا من الغد إلى الليل، ثم تحاجزوا و أصبحت تغلب فى اليوم الثالث، فتعاقدوا ألا يفرّوا، فلما رأى عمير جدّهم و أنّ نساءهم معهم قال لقيس: يا قوم؛ أرى لكم أن تنصرفوا عن هؤلاء فإنهم مستقتلون، فإذا اطمأنّوا و ساروا وجّهنا إلى كل قوم منهم من يغير عليهم. فقال له عبد العزيز بن حاتم بن النعمان الباهلى: قتلت فرسان قيس أمس و أول أمس، ثم ملئ سحرك و جبنت. و يقال: إن الذى قال هذه المقالة عيينة بن أسماء بن خارجة الفزارى، و كان أتاه منجدا، فغضب عليه عمير و نزل و جعل يقاتل راجلا و هو يقول:

____________

(1) من د.

(2) الحشاك- بالفتح و التشديد، و آخره كاف: واد و نهر بأرض الجزيرة كانت فيه وقعة لتغلّب (المراصد).

(3) من الكامل.

(4) ك: هويز.

115

أنا عمير و أبو المغلس‏ * * * قد أحبس القوم بضنك فاحبس‏

و انهزم زفر بن الحارث فى اليوم الثالث، فلحق بقرقيسا، و ذلك أنه بلغه أن عبد الملك عزم على الحركة إليه بقرقيسيا، فبادر إليها، و انهزمت قيس، و شدّ على عمير جميل بن قيس من بنى كعب بن زهير فقتله.

و يقال: بل اجتمع على عمير غلمان من بنى تغلب فرموه‏ (1) بالحجارة و قد أعيا حتى أثخنوه، و كرّ عليه ابن هوبر فقتله، و أصابت ابن هوبر جراحة، فلما انقضت الحرب أوصى بنى تغلب أن يولّوا أمرهم مرار (2) بن علقمة الزهيرى. و قيل: إنّ ابن هوبر جرح فى اليوم الثانى من أيامهم هذه، فأوصى أن يولّوا مرارا أمرهم، و مات من ليلته، و كان مرار رئيسهم فى اليوم الثالث، فعبأهم على راياتهم، و أمر كلّ بنى أب أن يجعلوا نساءهم خلفهم، و كان ما تقدّم.

و كثر القتل يومئذ فى بنى سليم و غنىّ خاصة، و قتل من قيس أيضا بشر كثير، و بعث بنو تغلب رأس عمير إلى عبد الملك بن مروان؛ فأعطى الوفد، و كساهم. فلما صالح عبد الملك زفر بن الحارث اجتمع الناس عليه، فقال الأخطل‏ (3):

بنى أمية قد ناضلت دونكمو * * * أبناء قوم هم آووا و هم نصروا

____________

(1) فى الكامل: غلامان ... فرمياه.

(2) فى الكامل: مرادا.

(3) و الكامل: 4- 7.

116

و قيس عيلان حتّى أقبلوا (1)رقصا * * * فبايعوا لك قسرا بعد ما قهروا

ضجّوا من الحرب إذ عضّت غواربهم‏ * * * و قيس عيلان من أخلاقها الضّجر (2)

و كان مقتل عمير بن الحباب فى سنة [70 ه] سبعين [كما تقدم‏] (3).

ذكر الحرب بعد مقتل عمير بن الحباب السلمى‏

قال: و لما قتل عمير أتى ابنه تميم زفر بن الحارث، فسأله الطلب بثأره، فامتنع فقال له ابنه الهذيل بن زفر: و اللّه لئن ظفرت بهم تغلب إنّ ذلك لعار عليك، و لئن ظفروا بتغلب و قد خذلتهم إنّ ذلك لأشدّ، فاستخلف زفر على قرقيسياء أخاه أوس بن الحارث و وجّه زفر خيلا إلى بنى فدوكس‏ (4)، و هم بطن من تغلب، فقتل رجالهم، و استبيحت الأموال [و النساء] (5) حتى لم يبق منهم غير امرأة واحدة استجارت، فأجارها يزيد بن حمران، و وجّه ابنه الهذيل فى جيش إلى بنى كعب بن زهير، فقتل فيهم قتلا ذريعا، و بعث أيضا مسلم بن ربيعة العقيلى إلى قوم من تغلب و قد اجتمعوا (6) بالعقيق من أرض الموصل، فلما أحسّوا به ارتحلوا يريدون عبور دجلة، فلما صاروا بالكحيل و هو من أرض الموصل فى جانب دجلة

____________

(1) فى ا: أقبلا.

(2) فى الكامل: من أخلاقها ضجروا.

(3) فى د وحدها.

(4) و القاموس.

(5) فى د وحدها.

(6) فى الكامل: أجمعوا.

117

الغربى، فلحقهم زفر بن الحارث [به‏] (1) فى القيسية: فاقتتلوا قتالا شديدا؛ و ترجّل أصحاب زفر كلّهم، و بقى زفر على بغلة له فقتلوهم ليلتهم و بقروا بطون نساء منهم، و غرق فى دجلة أكثر ممن قتل بالسيف، و أتى‏ (2)، فلّهم لبّى فوجّه زفر ابنه الهذيل فأوقع بهم إلّا من عبر فنجا، و أسر منهم زفر مائتين فقتلهم صبرا، فقال فى ذلك زفر (3):

ألا يا عين بكّى بانسكاب‏ * * * و بكّى عاصما و ابن الحباب‏

فإن تك تغلب قتلت عميرا * * * و رهطا من غنىّ فى الحراب‏

فقد أفنى بنى جشم بن بكر * * * و نمرهم‏ (4)فوارس من كلاب‏

قتلنا منهمو مائتين صبرا * * * و ما عدلوا عمير بن الحباب‏

و أسر القطامىّ التغلبى فى يوم من أيامهم، و أخذ ماله، فقام زفر بأمره حتى ردّ عليه ماله و وصله، فقال فيه‏ (5):

إنى و إن كان قومى ليس بينهمو * * * و بين قومك إلا ضربة الهادى‏

مثن عليك بما أوليت من حسن‏ * * * و قد تعرّض منى مقتل بادى‏

ذكر خبر يوم البشر (6)

كان سبب هذا اليوم أن عبد الملك لما استقرّ له الأمر قدم عليه الأخطل الشاعر التغلبى و عنده الجحّاف بن حكيم السلمى، فقال له عبد الملك: أ تعرف هذا يا أخطل؟ قال: نعم، هذا الذى أقول فيه‏ (7):

____________

(1) زيادة من الكامل.

(2) فى الكامل: فرأى.

(3) و الكامل: 4- 8.

(4) يريد النمر بن قاسط، و هى قبيلة، و سكن لضرورة الشعر.

(5) و الكامل: 4- 8.

(6) البشر- بكسر أوله ثم السكون: اسم جبل. قال البكرى: و سمى البشر برجل من النمر بن قاسط كان يخفر السابلة يسمى بشرا.

(7) و الشعر و الشعراء: 457.

118

ألا سائل الجحّاف هل هو ثائر * * * بقتلى أصيبت من سليم و عامر

و أنشد القصيدة حتى فرغ منها، و كان الجحّاف يأكل رطبا فجعل النّوى يتساقط من يده غيظا، ثم أجابه فقال:

بلى سوف نبكيهم بكل مهنّد * * * و ننعى عميرا بالرّماح الشّواجر

ثم قال يا ابن النصرانية؛ ما كنت أظنّ أن تجترئ علىّ بمثل هذا. فأرعد من خوفه، ثم قام إلى عبد الملك فأمسك ذيله، و قال:

هذا مقام العائذ بك. فقال: أنا لك، ثم قام الجحّاف فمشى و هو يجرّ ثوبه، و لا يعقل، فتلطّف لبعض كتّاب الديوان حتى اختلق له عهدا على صدقات تغلب و بكر بالجزيرة، و قال لأصحابه: إنّ أمير المؤمنين ولّاني هذه الصدقات، فمن أراد اللحاق بى فليفعل.

ثم سار حتى أتى رصافة هشام، فأعلم أصحابه ما كان من الأخطل إليه، و أنه افتعل كتابا و أنه ليس له بوال، فمن كان يحبّ أن يغسل عنى العار و عن نفسه فليصحبنى، فإنى أقسمت ألّا أغسل رأسى حتى أوقع ببنى تغلب. فرجعوا عنه غير ثلاثمائة قالوا: نموت لموتك و نحيا لحياتك، فسار ليلته حتى أصبح بالرّحوب‏ (1)، و هو ماء لبنى جشم‏ (2) بن بكر بن تغلب، فصادف عليه جماعة عظيمة منهم، فقتل منهم مقتلة عظيمة، و أسر الأخطل و عليه عباءة وسخة، و ظنّ الذى أسره أنه عبد، فسأله عن نفسه، فقال:

عبد. فأطلقه فرمى بنفسه فى جب، مخافة أن يراه من يعرفه فيقتله،

____________

(1) الرحوب- بفتح أوله، على بناء فعول: موضع قريب من البشر من عمل الجزيرة (ياقوت).

(2) و المراصد.

119

و أسرف الجحاف فى القتل، و بقر البطون عن الأجنّة؛ و فعل أمرا عظيما، فلما عاد عنهم قدم الأخطل على عبد الملك فأنشده‏ (1):

لقد أوقع الجحّاف بالبشر وقعة * * * إلى اللّه منها المشتكى و المعوّل‏

فطلب عبد الملك الجحّاف فهرب إلى الرّوم، فكان يتردّد فيها، ثم بعث إلى بطانة عبد الملك من قيس، فطلبوا له الأمان، فأمّنه عبد الملك، فلما جاء ألزمه ديات من قتل، و أخذ منه الكفلاء، فسعى فيها حتى جمعها و أعطاها، ثم تنسّك الجحّاف بعد، و صلح، و مضى حاجّا فتعلّق بأستار الكعبة، و جعل يقول: اللهم اغفر لي، و ما أظنّك تفعل! فسمعه محمد ابن الحنفية، فقال: يا شيخ، قنوطك شرّ من ذنبك.

و قيل: كان سبب عود الجحّاف أنّ ملك الروم أكرمه و قرّبه و عرض عليه النصرانية، و يعطيه ما شاء، فامتنع، و قال: ما أتيتك غبة عن الإسلام.

ثم هزم الجحّاف صائفة المسلمين، فأخبروا عبد الملك أن الذى هزمهم الجحّاف، فأرسل إليه عبد الملك، فأمّنه، فسار فى بلاد الروم، و قصد البشر و به حىّ من تغلب و قد لبس أكفانه، و قال: قد جئت إليكم أعطى القود من نفسى، فأراد شبابهم قتله، فنهاهم شيوخهم، و عفوا عنه، فحج، فسمعه عبد اللّه بن عمر و هو يطوف و يقول:

اللهم اغفر لي و ما أظنك تفعل! فقال ابن عمر (رضى اللّه عنهما):

لو كنت الجحاف ما زدت على هذا. قال: فأنا الجحّاف.

____________

(1) و الشعر و الشعراء: 457.

120

ذكر مسير عبد الملك بن مروان إلى العراق‏

و قتل مصعب بن الزبير و استيلاء عبد الملك على العراق [و فى جمادى الآخرة سنة [71 ه] إحدى و سبعين كان مقتل مصعب بن الزبير بن العوام و استيلاء عبد الملك على العراق‏] (1)؛ و سبب ذلك أنّ عبد الملك بن مروان لما قتل عمرو بن سعيد كما تقدم وضع السيف على من خالفه، فصفا له الشام، فلما لم يبق له بالشام مخالف أجمع المسير إلى مصعب بن الزبير بالعراق، فاستشار أصحابه فى ذلك، فأشار عليه عمّه يحيى بن الحكم أن يقنع بالشام و يترك ابن الزبير و العراق، فكان عبد الملك يقول: من أراد صواب الرأى فليخالف يحيى. و أشار بعضهم أن يؤخّر السّير هذا العام، و أشار محمد بن مروان أن يقيم و يبعث بعض أهله، و يمدّه بالجنود. فأبى إلّا المسير. فلما عزم على المسير ودّع زوجته عاتكة بنت يزيد بن معاوية.

فبكت فبكى جواريها لبكائها، فقال: قاتل اللّه كثيّر عزّة، لكأنّه يشاهدنا حين يقول‏ (2):

إذا ما أراد الغزو لم يثن همّه‏ * * * حصان عليها عقد درّ يزينها

نهته فلمّا لم تر النّهى عاقه‏ * * * بكت فبكى مما عناها قطينها (3)

و سار عبد الملك نحو العراق، فلما بلغ مصعب بن الزبير مسيره و هو بالبصرة أرسل إلى المهلّب بن أبى صفرة و هو يقاتل الخوارج‏

____________

(1) ساقط من ك.

(2) الأغانى: 9- 21.

(3) القطين: الخدم و الأتباع.

121

يستشيره. و قيل: بل أحضره إليه، فقال لمصعب: اعلم أنّ أهل العراق قد كاتبوا عبد الملك و كاتبهم فلا تبعدنى [عنك‏] (1).

فقال له مصعب: إنّ أهل البصرة قد أبوا أن يسيروا حتّى أجعلك على قتال الخوارج، و هم قد بلغوا سوق الأهواز، و أنا أكره إذ سار عبد الملك [إلىّ‏] (2) ألّا أسير إليه، فاكفنى هذا الثغر (3).

فعاد إليهم، و سار مصعب إلى الكوفة و معه الأحنف فتوفّى الأحنف بالكوفة، و أحضر مصعب إبراهيم بن الأشتر، و كان على الموصل و الجزيرة، فجعله على مقدّمته، و سار حتى نزل باجميرا (4) قريب أوانا فعسكر هناك، و سار عبد الملك حتى نزل بمسكن‏ (5) على فرسخين أو ثلاثة من عسكر مصعب.

و كتب عبد الملك إلى أهل العراق من كاتبه و من لم يكاتبه، فجميعهم طلب أصفهان طعمة، و أخفوا جميعهم كتبهم عن مصعب إلا ابن الأشتر فإنه أحضر كتابه مختوما إلى مصعب، فقرأه فإذا هو يدعوه إلى نفسه، و يجعل له ولاية العراق. فقال له مصعب: أ تدري ما فيه؟ قال: لا. قال: إنه يعرض عليك كذا و كذا، و إن هذا لما (6) يرغب فيه. فقال إبراهيم: ما كنت لأتقلّد الغدر و الخيانة، و اللّه‏

____________

(1) زيادة من الكامل.

(2) زيادة من الكامل.

(3) فى الكامل: النفر.

(4) باجميرا: بضم الجيم، و فتح الميم، و ياء ساكنة، وراء- مقصور:

موضع دون تكريت.

و أوانا: بليدة من نواحى دجيل بغداد، بينها و بين بغداد عشرة فراسخ (ياقوت).

(5) مسكن- بفتح ثم سكون، و كسر الكاف، و نون، و قد يقال بفتح الكاف أيضا.

(6) فى د: لمما.

122

ما [عند] (1) عبد الملك من أحد من الناس بايأس منه منى، و لقد كتب إلى جميع أصحابك مثل الذى كتب إلىّ، فأطعنى و اضرب أعناقهم. فقال: إذا لا تناصحنى عشائرهم.

قال: فأوقرهم حديدا، و ابعث بهم إلى أبيض كسرى، و احبسهم هنالك، و وكّل بهم من إن غلبت و تفرقت عشائرهم عنك ضرب رقابهم، و إن ظهرت مننت على عشائرهم بإطلاقهم. فقال: إنى لفى شغل عن ذلك.

و لما قرب العسكران بعث عبد الملك إلى مصعب يقول: دع الدّعاء لأخيك، و أدع الدعاء إلى نفسى، و نجعل الأمر شورى. فأبى مصعب إلّا السيف.

فقدّم عبد الملك أخاه محمدا. و قدّم المصعب إبراهيم بن الأشتر، فالتقيا، فتناوش الفريقان، فقتل صاحب لواء محمد، و جعل مصعب يمدّ إبراهيم، فأزال محمد بن مروان عن موقفه، فوجّه عبد الملك عبد اللّه بن يزيد إلى أخيه محمد، فاشتدّ القتال، فقتل مسلم بن عمرو الباهلى والد قتيبة، و هو فى أصحاب مصعب، و أمدّ مصعب إبراهيم بعتّاب بن ورقاء؛ فساء ذلك إبراهيم، و استرجع، و قال:

قد قلت له: لا يمدّنى بعتّاب و ضربائه. و كان عتّاب قد كاتب عبد الملك و بايعه، فانهزم عتّاب بالناس و صبر ابن الأشتر، و قاتل حتى قتل، قتله عبيد بن ميسرة مولى بنى عذرة (2)، و حمل رأسه إلى عبد الملك.

و تقدّم أهل الشام فقاتلهم مصعب، و قال لقطن بن عبد اللّه الحارثى: قدّم خيلك أبا عثمان. فقال: أكره أن تقتل مذحج فى غير

____________

(1) ساقط فى ك.

(2) و الاشتقاق.

123

شي‏ء. فقال لحجّار (1) بن أبجر: أبا أسيد: قدّم خيلك. فقال:

إلى هؤلاء الأنتان! قال: ما نتأخر إليه أنتن.

و قال لمحمد بن عبد الرحمن بن سعيد: قدم خيلك. فقال:

ما فعل أحد هذا فأفعله. فقال مصعب: يا إبراهيم، و لا إبراهيم لى اليوم! ثم التفت فرأى عروة بن المغيرة بن شعبة فاستدناه، فقال له: أخبرنى عن الحسين بن على كيف صنع بامتناعه عن النّزول على حكم ابن زياد و عزمه على الحرب؟ فأخبره، فقال‏ (2):

إن الألى بالطّفّ من آل هاشم‏ * * * تأسّوا فسنّوا للكرام التأسّيا

ثم دنا محمد بن مروان من مصعب، و ناداه: أنا ابن عمك محمد ابن مروان، فاقبل أمان أمير المؤمنين. قال: أمير المؤمنين بمكة، يعنى أخاه عبد اللّه. قال: فإنّ القوم خاذلوك، فأبى ما عرض عليه.

فنادى محمد عيسى بن مصعب إليه، فقال له مصعب: انظر ما يريد، فدنا منه، فقال له: إنى لك و لأبيك ناصح، و لكما الأمان. فرجع إلى أبيه فأخبره. فقال: إنى أظنّ القوم يفون لك، فإن أحببت أن تأتيهم، فافعل. قال: لا تتحدّث نساء قريش أنّى خذلتك، و رغبت بنفسى عنك. قال: فاذهب أنت و من معك إلى عمّك بمكة، فأخبره بما (3) صنع أهل العراق و دعنى فإنّى مقتول. فقال: لا أخبر قريشا عنك أبدا، و لكن يا أبت الحق بالبصرة فإنهم على الطاعة،

____________

(1) و القاموس.

(2) و الطبرى: 6- 156، و اللسان (أسى)، غير معزو.

(3) فى د: ما.

124

أو الحق بأمير المؤمنين. فقال مصعب: لا تتحدث قريش أنى فررت.

و قال لابنه عيسى: تقدّم إذا أحتسبك. فتقدّم و معه ناس، فقتل، و قتلوا، و جاء رجل من أهل الشام ليحتزّ رأس عيسى، فحمل عليه مصعب فقتله، و شدّ على الناس فانفرجوا له، و عاد، ثم حمل ثانية فانفرجوا له، و بذل له عبد الملك الأمان، و قال:

إنه يعزّ علىّ أن تقتل، فاقبل أمانى. و لك حكمك فى المال و العمل، فأبى، فقال عبد الملك: هذا و اللّه كما قال القائل‏ (1):

و مدجّج كره الكماة نزاله‏ * * * لا ممعن هربا و لا مستسلم‏ (2)

و دخل مصعب سرادقه فتحنّط و رمى السرادق، و خرج فقاتل، فأتاه عبيد اللّه بن زياد بن ظبيان فدعاه إلى المبارزة فقال: يا كلب، اغرب، مثلى يبارز مثلك! و حمل عليه مصعب فضربه على البيضة فهشمها و جرحه، فذهب‏ (3) يعصب رأسه، و ترك الناس مصعبا و خذلوه حتى بقى فى سبعة أنفس، و أثخن بالرمى، و كثرت فيه الجراحات، فعاد إليه عبيد اللّه بن زياد بن ظبيان فضربه مصعب، فلم يصنع شيئا لضعفه، و ضربه ابن ظبيان فقتله. و قيل: بل نظر إليه زائدة بن قدامة الثقفى فحمل عليه، فطعنه فقال: يا لثارات المختار! فصرعه و أخذ عبيد اللّه بن زياد رأسه و حمله إلى عبد الملك، فألقاه بين يديه و أنشد (4):

نعاطى‏ (5)الملوك الحقّ ما قسطوا لنا * * * و ليس علينا قتلهم بمحرّم‏

____________

(1) فى الكامل: 4- 12.

(2) فى الكامل: لا ممنعا ... و لا مستسلما.

(3) فى د: فرجع.

(4) فى العقد الفريد (4- 411): نطيع ملوك الأرض ما أقسطوا لنا.

(5) فى العقد الفريد (4- 411): نطيع ملوك الأرض ما أقسطوا لنا.

125

فلما رأى عبد الملك الرأس سجد، فقال ابن ظبيان: لقد هممت أن أقتل عبد الملك و هو ساجد فأكون قد قتلت ملكى العرب، و أرحت الناس منهما، و فى ذلك يقول‏ (1):

هممت و لم أفعل وكدت و ليتنى‏ * * * فعلت فأدمنت البكا لأقاربه‏

فأوردتها فى النار بكر بن وائل‏ * * * و ألحقت من قد خرّ شكرا بصاحبه‏

و قال عبد الملك: لقد هممت أن أقتل ابن ظبيان فأكون قد قتلت أفتك الناس بأشجع الناس.

و أمر عبد الملك لابن ظبيان بألف دينار، فقال: لم أقتله على طاعتك، و إنما قتلته بأخى النابى بن زياد، و لم يأخذ منها شيئا.

و كان النابى قد قطع الطريق فقتله مطرّف الباهلى صاحب شرطة مصعب.

و كان قتل مصعب بدير الجاثليق عند نهر دجيل، و أمر عبد الملك به و بابنه عيسى فدفنا، و قال: كانت الحرمة بيننا [و بينه‏] (2) قديمة، و لكن [هذا] (3) الملك عقيم.

قال: ثم دعا عبد الملك جند العراق إلى البيعة فبايعوه، و سار حتى دخل الكوفة، فأقام بالنّخيلة (4) أربعين يوما، و خطب الناس بالكوفة، فوعد المحسن و توعّد المسي‏ء، و قال: إن الجامعة التى وضعت فى عنق عمرو بن سعيد عندى، و و اللّه لا أضعها فى عنق رجل فأنتزعها إلّا صعدا لا أفكّها عنه فكّا، فلا يبقينّ امرؤ إلّا على نفسه، و لا يوبقنى دمه.

و السلام.

____________

(1) و العقد الفريد: 4- 411.

(2) زيادة من الطبرى.

(3) زيادة من الطبرى.

(4) النخيلة: تصغير نخلة: موضع قرب الكوفة (المراصد).

126

قال عبد الملك بن عمير: كنت مع عبد الملك بقصر الكوفة حين جي‏ء برأس مصعب فوضعت بين يديه، فرآنى قد ارتعدت، فقال لى:

مالك؟ فقلت: أعيذك باللّه يا أمير المؤمنين! كنت بهذا القصر بهذا الموضع مع عبيد اللّه بن زياد فرأيت رأس الحسين (رضى اللّه عنه) بين يديه، ثم كنت فيه مع المختار بن أبى عبيد فرأيت رأس عبيد اللّه بن زياد بين يديه، ثم كنت مع مصعب فيه فرأيت رأس المختار بين يديه، ثم رأيت رأس مصعب فيه بين يديك. فقام عبد الملك من مقامه ذلك، و أمر بهدم ذلك الطاق الذى كنّا فيه، و قال عبد الملك ابن مروان: متى تخلف قريش مثل المصعب! ثم قال: هذا سيّد شباب قريش. فقيل له: أ كان يشرب الطّلا (1)؟ فقال: لو علم المصعب أنّ الماء يفسد مروءته ما شربه حتى يموت عطشا.

قال: و بعث عبد الملك برأس مصعب إلى أخيه عبد العزيز بن مروان بمصر، فلما رآه و قد قطع السيف أنفه قال: رحمك اللّه، أما و اللّه لقد كنت من أحسنهم خلقا، و أشدهم بأسا، و أسخاهم نفسا.

ثم سيّره إلى الشام فنصب بدمشق، و أرادوا أن يطوفوا به فى نواحى الشام، فأخذته عاتكة بنت يزيد بن معاوية زوجة عبد الملك بن مروان، فغسلته و طيبته و دفنته، و قالت: أ ما رضيتم بما صنعتم حتى تطوفوا به المدن! هذا بغى.

و كان عمر مصعب حين قتل ستا و ثلاثين سنة.

و لما بلغ عبد اللّه بن خازم مسير مصعب لقتال عبد الملك قال:

أ معه عمر بن عبيد اللّه بن معمر؟

____________

(1) الطلاء: الخمر.

127

قيل: لا، استعمله على فارس. قال: أ معه المهلّب؟ قيل: لا، استعمله على الخوارج. قال: أ معه عباد بن الحصين؟ قيل: لا، استخلفه على البصرة. قال: و أنا بخراسان. و أنشد (1):

خذينى فجرّينى جعار و أبشرى‏ * * * بلحم امرئ لم يشهد اليوم ناصره‏

قال: و لما قتل مصعب كان المهلّب يحارب الأزارقة بسولاف‏ (2) ثمانية أشهر، فبلغ الأزارقة قتله قبل أن يبلغ المهلّب، فصاحوا بأصحاب المهلّب: ما قولكم فى مصعب؟ قالوا: أمير (3) هدى؛ و هو وليّنا فى الدنيا و الآخرة، و نحن أولياؤه. قالوا: فما قولكم فى عبد الملك بن مروان! قالوا: ذلك ابن اللّعين، نحن نبرأ إلى اللّه منه، و هو [عندنا] (4) أحل دما منكم. قالوا: فإن عبد الملك قتل مصعبا، و سيجعلون غدا عبد الملك إمامكم.

فلما كان الغد سمع المهلّب و أصحابه قتل مصعب، فبايع المهلّب الناس لعبد الملك، فصاح بهم الخوارج: يا أعداء اللّه، ما تقولون فى مصعب؟ قالوا: يا أعداء اللّه لا نخبركم. و كرهوا أن يكذّبوا أنفسهم. قالوا: فما قولكم فى عبد الملك؟ قالوا: خليفتنا. و لم يجدوا بدّا إذ بايعوه أن يقولوا ذلك. قالوا: يا أعداء اللّه؛ أنتم بالأمس تتبرّءون منه فى الدنيا و الآخرة، و هو اليوم إمامكم، و قد قتل أميركم‏ (5)

____________

(1) البيت فى اللسان- جعر، و الطبرى: 6- 158.

و روايته فى اللسان: فقلت لها غيثى جعار و جررى ...

(2) سولاف: بالضم ثم السكون، و آخره فاء: قرية على غربى دجيل من أرض خوزستان (المراصد).

(3) فى الطبرى: إمام هدى.

(4) زيادة من الطبرى.

(5) فى الطبرى: إمامكم.

128

الذى كنتم تتولّونه‏ (1)، فأيّهما المهتدى؟ و أيّهما المبطل؟ قالوا:

يا أعداء اللّه، رضينا بذاك إذ كان يتولّى أمرنا و نرضى بهذا. قالوا:

لا، و اللّه، و لكنكم إخوان الشياطين و عبيد الدنيا.

قال: و لم يف عبد الملك لأحد بأصبهان، و استعمل قطن بن عبد اللّه الحارثى على الكوفة، ثم عزله، و استعمل أخاه بشر بن مروان.

و استعمل محمد بن عمير (2) على همذان، و يزيد بن ورقاء بن رؤيم على الرىّ، و استعمل خالد بن عبد اللّه بن [خالد بن‏] (3) أسيد على البصرة، و عاد إلى الشام.

ذكر خبر عبد الملك بن مروان و زفر بن الحارث و ما كان بينهما من القتال و انتظام الصّلح بينهما

قد ذكرنا أن زفر بن الحارث لما فر من مرج راهط إلى قرقيسياء، و استولى عليها، و تحصّن بها، و اجتمعت قيس عليه، و كان فى بيعة عبد اللّه بن الزبير و فى طاعته. فلما مات مروان بن الحكم و ولى عبد الملك كتب إلى أبان بن عقبة بن أبى معيط، و هو على حمص، يأمره أن يسير إلى زفر، فسار إليه، و على مقدّمته عبد اللّه بن زميت الطائى، فواقع عبد اللّه زفر قبل وصول أبان فقتل من أصحابه ثلاثمائة، فلامه أبان على عجلته، و أقبل أبان فواقع زفر فقتل ابنه وكيع ابن زفر. فلما سار عبد الملك إلى العراق لقتال مصعب بدأ بقرقيسياء، فحضر زفر فيها، و نصب عليها المجانيق، فأمر زفر أن ينادى فى‏

____________

(1) فى الطبرى، و الكامل: تولونه.

(2) فى الكامل: ابن نمير.

(3) من الكامل.

129

عسكر عبد الملك: لم نصبتم المجانيق علينا؟ فقالوا: لنثلم ثلمة نقاتلكم‏ (1) عليها. فقال زفر: قولوا لهم: فإنا لا نقاتلكم من وراء الحيطان، و لكنا نخرج إليكم. و قاتلهم زفر.

و كان خالد بن يزيد بن معاوية مجدّا فى قتال زفر، فقال رجل من أصحابه من بنى كلاب: لأقولن لخالد كلاما لا يعود إلى ما يصنع.

فلما كان الغد خرج خالد للمحاربة فقال له الكلابى:

ما ذا ابتغاء خالد و همّه‏ * * * إذ سلب الملك و ... أمه‏

فاستحيا و عاد، و لم يعد لقتالهم.

و قالت كلب لعبد الملك: إنا إذا لقينا زفر انهزمت القيسيّة الذين معك، فلا تخلطهم معنا. ففعل. فكتبت القيسية على نبلها: إنه ليس يقاتلكم غدا مضرى، و رموا النّبل إلى زفر. فلما أصبح دعا ابنه الهذيل فقال: اخرج إليهم، فشدّ عليهم، و لا ترجع حتى تضرب فسطاط عبد الملك، و أقسم لئن رجع دون أن يفعل ذلك ليقتلنّه.

فجمع الهذيل خيله، و حمل، فصبروا قليلا ثم انكشفوا، و تبعهم الهذيل بخيله حتى وطئوا أطناب الفسطاط، و قطعوا بعضها، ثم رجعوا. فقبّل زفر رأس ابنه الهذيل. فقال: و اللّه لو شئت أن أدخل الفسطاط لفعلت.

قال: و كان رجل من كلب يقال له الذيّال يخرج فيسبّ زفر فيكثر، فقال زفر للهذيل ابنه أو لبعض أصحابه: أ ما تكفينى هذا؟

قال: أنا آتيك به، فدخل عسكر عبد الملك ليلا، فجعل ينادى‏

____________

(1) فى د: نقابلكم.

130

من يعرف بغلا من صفته كذا و كذا؟ حتى انتهى إلى خباء الرجل.

فقال الرجل: ردّ اللّه عليك ضالّتك. فقال: يا عبد اللّه، إنى قد أعييت، فلو أذنت لى فاسترحت قليلا. قال: ادخل، فدخل، و الرجل وحده فى خبائه، فرمى بنفسه، و نام صاحب الخباء، فقام إليه فأيقظه، و قال: و اللّه، لئن تكلمت لاقتلنّك، قتلت أو سلمت، فما ذا ينفعك قتلى إذا قتلت أنت؛ و لئن سكت و جئت معى إلى زفر فلك عهد اللّه و ميثاقه أن أردّك إلى عسكرك بعد أن يصلك زفر و يحسن إليك، فخرجا و هو ينادى: من دلّ على بغل من صفته كذا و كذا حتى أتى زفر.

و الرجل معه، فأعلمه أنّه قد أمّنه، فوهبه‏ (1) زفر دنانير و حمله على رحال النساء و ألبسه ثيابهنّ، و بعث معه رجالا حتى دنوا من عسكر عبد الملك، فنادوا: هذه جارية قد بعث بها زفر إلى عبد الملك، و انصرفوا! فلما رآه أهل العسكر عرفوه، و أخبروا عبد الملك الخبر فضحك، و قال: لا يبعد اللّه رجال مضر، و اللّه إنّ قتلهم لذلّ، و إن تركهم لحسرة.

و كفّ الرجل فلم يعد يسبّ زفر.

و قيل: إنه هرب من العسكر، ثم أمر عبد الملك أخاه محمدا أن يعرض على زفر و ابنه الهذيل الأمان على أنفسهما و من معهما و أن يعطيا ما أحبّا. ففعل ذلك، فأجابا على أنّ لزفر الخيار فى بيعته سنة، و أن يترك حيث شاء، و ألا يعين عبد الملك على قتال ابن الزبير.

فبينما الرسل تختلف بينهم إذ جاء رجل من كلب، فقال: قد هدم من المدينة أربعة أبراج، فقال عبد الملك: لا أصالحهم،

____________

(1) فى الكامل: فوهب له.

131

و زحف إليهم، فهزموا أصحابه حتى أدخلوهم عسكرهم، فقال:

أعطوهم ما أرادوا. قال زفر: لو كان قبل هذا لكان أحسن، و استقرّ الصلح على أمان الجميع، و وضع الدماء و الأموال، و ألّا يبايع عبد الملك حتى يموت ابن الزّبير للبيعة التى له فى عنقه، و أن يعطى مالا يقسّمه فى أصحابه، و خاف زفر أن يغدر به عبد الملك كما غدر بعمرو بن سعيد، فلم ينزل إليه، فأرسل إليه بقضيب النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) أمانا له، فنزل إليه، فلما دخل عليه أجلسه معه على سريره، فلما رأى عبد الملك قلّة من مع زفر قال: لو علمت بأنه فى هذه القلّة لحاصرته أبدا حتى نزل على حكمى، فبلغ قوله زفر فقال: إن شئت رجعنا و رجعت.

قال: بل نفى لك يا أبا الهذيل.

و أمر زفر ابنه الهذيل أن يسير مع عبد الملك إلى قتال مصعب، و قال: أنت لا عهد عليك، فسار معه، فلما قارب مصعبا هرب إليه، و قاتل مع ابن الأشتر. فلما قتل ابن الأشتر اختفى الهذيل فى الكوفة حتى استؤمن له من عبد الملك فأمّنه.

قال: و تزوّج مسلمة بن عبد الملك الرّباب بنت زفر فكان يؤذن لإخوتها: الهذيل و الكوثر فى أول الناس.

و فى هذه السنة، أعنى سنة [71 ه] إحدى و سبعين، افتتح عبد الملك قيساريّة (1) فى قول الواقدى (رحمه الله).

____________

(1) بالفتح ثم السكون، و سين مهملة، و بعد الألف راء و ياء مشددة: بلدة على ساحل بحر الشام، تعد فى فلسطين بينها و بين طبرية ثلاثة أيام (المراصد).

132

ذكر مقتل عبد اللّه بن خازم و استيلاء عبد الملك على خراسان‏

و لما قتل مصعب كان عبد اللّه بن خازم يقاتل بحير (1) بن ورقاء الصّريمى التميمى بنيسابور، فكتب عبد الملك إلى ابن خازم يدعوه إلى البيعة و يطعمه خراسان سبع سنين، و أرسل الكتاب مع سورة (2) ابن أشيم النميرى، فقال له ابن خازم: لو لا أن أضرب بين بنى سليم و بنى عامر لقتلتك، و لكن كل كتابه، فأكله. و قيل: بل كان الكتاب مع سوادة بن عبيد اللّه النميرى. و قيل: مع‏ (3) مكمل الغنوى.

فقال له ابن خازم: إنما بعثك أبو الذّبّان لأنك من غنىّ، و قد علم أنى لا أقتل رجلا من قيس، و لكن كل كتابه و كتب عبد الملك إلى بكير (4) بن وسّاج، و كان خليفة ابن خازم على مرو، بعهده على خراسان، و وعده و منّاه، فخلع بكير عبد اللّه ابن الزبير و دعا إلى عبد الملك، فأجابه أهل مرو، و بلغ ابن خازم، فخاف أن يأتيه بكير فيجتمع عليه أهل مرو و أهل نيسابور، فترك بحيرا و أقبل إلى مرو، فاتبعه بحير فلحقه بقرية على ثمانية فراسخ من مرو، فقاتله، فقتل ابن خازم. و كان الذى قتله وكيع بن عمرو (5) القريعى، اعتوره وكيع و بحير بن ورقاء و عمّار بن عبد العزيز،

____________

(1) بحير- بفتح الباء الموحدة و كسر الحاء المهملة (هامش د).

(2) فى الكامل: سوادة، و المثبت فى الطبرى أيضا (6- 176).

(3) فى ك، و الطبرى: سنان بن مكمل الغنوى.

(4) فى الطبرى (6- 176): بكير بن وشاح. و المثبت فى القاموس، و التاج.

(5) فى الطبرى (6- 177): وكيع بن عميرة. و المثبت فى الكامل أيضا.

133

فطعنوه، فصرعوه؛ و قعد وكيع على صدره فقتله، و بعث‏ (1) بشيرا بقتله إلى عبد الملك، و لم يبعث برأسه.

و أقبل بكير فى أهل مرو، فوافاهم حين قتل ابن خازم، فأراد أخذ الرأس و إنفاذه إلى عبد الملك، فمنعه بحير [فضربه بعمود و حبسه‏ (2)]، و سيّر الرأس إلى عبد الملك، و ذلك فى سنة اثنتين و سبعين.

و قيل: بل كان مقتله بعد قتل عبد اللّه بن الزبير، و أن عبد الملك أنفذ إليه رأس ابن الزّبير، و دعاه إلى نفسه فغسله و كفّنه، و بعثه إلى أهله بالمدينة، و أطعم الرسول الكتاب، و قال: لو لا أنك رسول لقتلتك.

و قيل: بل قطع يديه و رجليه و قتله، و حلف ألا يطيع عبد الملك أبدا. [و اللّه أعلم‏ (3)].

ذكر مقتل عبد اللّه بن الزبير (رضى اللّه عنه) و شي‏ء من أخباره‏

قال: لما قتل مصعب بن الزبير تقدم الحجاج بن يوسف الثقفى إلى عبد الملك، فقال: يا أمير المؤمنين، قد رأيت فى المنام أنى أخذت ابن الزبير و سلخته، فابعثنى إليه، و ولّنى حربه، فبعثه فى ألفين، و قيل فى ثلاثة آلاف، فسار فى جمادى الأولى سنة [72 ه] اثنتين و سبعين، و نزل الطائف، و كان يبعث الخيل إلى عرفة [فى الحل‏] (4)

____________

(1) فى الكامل: و بعث بحير ساعة قتله بشيرا.

(2) من د وحدها.

(3) من د وحدها.

(4) زيادة من الطبرى.

134

بعد الطائف، و يبعث ابن الزبير الخيل فيقتلون فتنهزم خيل ابن الزبير، و تعود خيل الحجاج بالظّفر.

ثم كتب الحجاج إلى عبد الملك يستأذنه فى دخول الحرم و حصر (1) ابن الزبير، و يخبره بضعفه و تفرّق أصحابه، و يستمدّه، فأمدّه بطارق بن عمرو مولى عثمان، و كان عبد الملك قد بعثه فى جيش إلى وادى القرى ليمنع عمّال ابن الزّبير من الانتشار، فقدم المدينة فى ذى القعدة (2) سنة [72 ه] اثنتين و سبعين، و أخرج عامل ابن الزبير منها، و جعل عليها رجلا من أهل الشام اسمه ثعلبة، و قدم طارق‏ (3) مكة فى ذى الحجة منها فى خمسة آلاف، و تقدم الحجّاج إلى مكة، فنزل عند بئر ميمون‏ (4)، و حجّ بالناس فى تلك السنة.

إلّا أنه لم يطف بالبيت، و لا سعى بين الصّفا و المروة؛ منعه عبد اللّه ابن الزبير من ذلك؛ و لم يحجّ ابن الزبير و لا أصحابه فى تلك السنة.

و نصب الحجاج المنجنيق على أبى قبيس‏ (5)، و رمى به الكعبة، فقال عبد اللّه بن عمر بن الخطاب (رضى اللّه عنهما) للحجاج، اتّق اللّه و اكفف هذه الحجارة عن الناس، فإنك فى شهر حرام فى بلد حرام؛ و قد قدمت وفود اللّه من أقطار الأرض ليؤدّوا فريضة اللّه، و قد منعهم المنجنيق عن الطّواف. فكفّ حتى انقضى الحج، ثم نادى فى الناس:

انصرفوا إلى بلادكم، فإنا نعود بالحجارة على ابن الزبير الملحد.

____________

(1) فى الطبرى: و حصار.

(2) فى الطبرى: و كان قدوم طارق مكة لهلال ذى الحجة.

(3) فى الطبرى: و كان قدوم طارق مكة لهلال ذى الحجة.

(4) بئر ميمون: فى مكة بأعلاها (المراصد).

(5) أبو قبيس: جبل مشرف على مكة.

135

قال: و أول ما رمى الكعبة بالمنجنيق رعدت السماء و برقت، و علا صوت الرّعد على الحجارة، فأعظم ذلك أهل الشام و أمسكوا أيديهم، فأخذ الحجاج حجر المنجنيق‏ (1) و وضعه بيده و رمى به، فجاءت الصواعق فقتلت من أصحابه اثنى عشر رجلا، فانكسر أهل الشام، فقال الحجاج: يأهل الشام، لا تنكروا هذا، فإنى ابن تهامة، و هذه صواعقها، و هذا الفتح قد حضر، فأبشروا.

فلما كان الغد جاءت الصاعقة فأصابت من أصحاب ابن الزبير عدّة. فقال الحجاج: أ لا ترون أنهم يصابون كما تصابون، و أنتم على الطاعة و هم على خلافها، و كان الحجر يقع بين يدى عبد اللّه ابن الزّبير و هو يصلّى، فلا ينصرف عن مكانه.

و غلت الأسعار عند ابن الزبير حتى ذبح فرسه، و قسّم لحمه فى أصحابه، و بيعت الدجاجة بعشرة دراهم و المدّ الذرة بعشرين درهما، و كانت بيوت ابن الزبير مملوءة قمحا و شعيرا و ذرة و تمرا، و كان أهل الشام ينتظرون فناء ما عنده، فكان لا ينفق منه إلّا ما يمسك الرّمق و يقول: نفوس أصحابى قويّة ما لم تفن.

فلما كان قبيل مقتله تفرّق الناس عنه، و خرجوا إلى الحجّاج بالأمان، فخرج من عنده نحو عشرة آلاف. و كان ممن فارقه ابناه حمزة و خبيب، أخذا لأنفسهما أمانا، فقال عبد اللّه لابنه الزّبير: خذ لنفسك أمانا كما فعل أخواك، فو اللّه إنى لأحبّ بقاءكم. فقال: ما كنت لأرغب بنفسى عنك، فقتل معه.

____________

(1) فى الكامل: حجارة المنجنيق بيده، فوضعها فيه، و رمى بها معهم.

136

قال: و لما كان فى الليلة التى قتل فيها عبد اللّه فى صبيحتها جمع قريشا فقام لهم: ما ترون؟ فقال رجل من بنى مخزوم: و اللّه، إنّا قاتلنا معك حتى ما نجد مقتلا، و اللّه لئن سرنا معك ما نزيد على أن نموت، و إنما هى إحدى خصلتين: إما أن تأذن لنا فنأخذ الأمان لأنفسنا و لك، و إما أن تأذن لنا فنخرج.

فقال له رجل: اكتب إلى عبد الملك. فقال: كيف أكتب من عبد اللّه أمير المؤمنين إلى عبد الملك بن مروان؟ فو اللّه لا يقبل هذا أبدا، أو أكتب لعبد الملك بن مروان أمير المؤمنين. من عبد اللّه بن الزبير؟ فو اللّه لأن تقع الخضراء على الغبراء أهون علىّ من ذلك. فقال له عروة و هو جالس معه على السرير: قد جعل اللّه لك أسوة فى الحسن بن على (رضى اللّه عنهما)، خلع نفسه و بايع معاوية، فركضه برجله و رماه عن السرير، و قال: قلبى إذا مثل قلبك، و اللّه لو قلتها ما عشت إلّا قليلا و إن أضرب بسيف فى عزّ خير من أن ألطم فى ذلّ.

فلما أصبح دخل على امرأته أم هاشم‏ (1) فقال:

اصنعى لى طعاما. فلما صنعته و أتت به لاك منه لقمة ثم لفظها، و قال: اسقونى لبنا فسقوه، ثم اغتسل و تطيّب و تحنّط، و دخل على أمه، فقال: يا أماه، قد خذلنى الناس حتى ولدى و أهلى و لم يبق معى إلّا اليسير، و القوم يعطوننى ما أردت من الدنيا، فما رأيك؟

قالت له: أنت أعلم بنفسك، إن كنت [تعلم أنك‏] (2) على حق و أنت تدعو إليه فامض له، فقد قتل عليه أصحابك، و لا تمكّن‏ (3)

____________

(1) فى العقد: بنت منصور بن زياد الفزارية.

(2) من الطبرى، و الكامل.

(3) فى الكامل: و لا تمكن من رقبتك.

137

من نفسك يتلعّب بك غلمان بنى أمية، و إن كنت إنما أردت الدنيا فبئس العبد أنت، أهلكت نفسك و من قتل معك، و إن قلت: كنت على حقّ فلما و هن أصحابى ضعفت، فهذا ليس فعل الأحرار و لا أهل الدين، كم خلودك فى الدنيا؟ القتل أحسن! فقال: يا أماه، أخاف إن قتلنى أهل الشام أن يمثّلوا بى و يصلبونى. فقالت: يا بنى، إن الشاة لا تألم السلخ بعد الذّبح، فامض على بصيرتك، و استعن باللّه.

فقبّل رأسها و قال: هذا رأيى، و الذى خرجت به داعيا (1) إلى يومى هذا. ما ركنت إلى الدنيا، و لا أحببت الحياة فيها، و ما دعانى إلى الخروج إلّا الغضب للّه، و أن تستحلّ حرماته؛ و لكنى أحببت أن أعلم رأيك، فقد زدتنى بصيرة، فانظرى فإنى مقتول فى يومى هذا، فلا يشتدّ حزنك، و سلّمى لأمر اللّه، فإنّ ابنك لم يتعمّد إتيان منكر! و لا عملا بفاحشة، و لم يجر فى حكم اللّه، و لم يغدر فى أمان، و لم يتعمّد ظلم مسلم أو معاهد، و لم يبلغنى ظلم عن عمّالى، فرضيت به؛ بل أنكرته، و لم يكن شي‏ء آثر عندى من رضاء ربى. اللهم إنى لا أقول هذا تزكية لنفسى، و لكن أقوله تعزية لأمى حتى تسلو عنى.

فقالت: إنى لأرجو أن يكون عزابى فيك جميلا، إن تقدّمتنى احتسبتك، و إن ظفرت سررت بظفرك. اخرج [عنى. (2)] حتى أنظر إلى ما يصير أمرك، فقال: جزاك اللّه خيرا؛ فلا تدعى الدعاء لى.

قالت: لا أدعه لك أبدا، فمن قتل على باطل فقد قتلت على حقّ.

____________

(1) فى الكامل: دائبا.

(2) فى د وحدها.

138

ثم قالت: اللهم ارحم طول ذلك القيام فى الليل الطويل، و ذلك النّحيب و الظمأ فى هواجر مكّة و المدينة، و برّه بأبيه و بى. اللهم قد سلّمته لأمرك فيه، و رضيت بما قضيت، فأثبنى فيه ثواب الصابرين الشاكرين.

فتناول يدها ليقبّلها، فقالت: هذا وداع فلا تبعد. فقال لها:

جئت مودّعا، لأنى أرى هذا آخر أيامى من الدنيا. قالت: امض على بصيرتك، و ادن منى حتى أودّعك، فدنا منها فعانقها، و قبّل بين عينيها، فوقعت يدها على الدّرع، فقالت: ما هذا صنيع من يريد ما تريد! فقال: ما لبسته إلّا لأشدّ متنك. قالت: فإنه لا يشدّ متنى، فنزعها، ثم درج‏ (1) كميه، و شدّ أسفل قميصه و جبّة خزّ تحت السراويل، و أدخل أسفلها تحت المنطقة، و أمه تقول: البس ثيابك مشمّرة.

فخرج من عندها و حمل على أهل الشام حملة منكرة، فقتل منهم، ثم انكشف هو و أصحابه، فقال له بعض أصحابه:

لو لحقت بموضع كذا. فقال: بئس الشيخ أنا إذا فى الإسلام أن أوقعت قوما فقتلوا ثم فررت عن مثل مصارعهم.

و دنا أهل الشام حتى امتلأت منهم الأبواب، و كانوا يصيحون:

يا ابن ذات النّطاقين، فيقول: و تلك شكاة ظاهر عنك لومها (2).

____________

(1) فى الطبرى: أدرع.

(2) فى الكامل: عارها.

139

و جعل أهل الشام على أبواب المسجد رجالا (1)، فكان لأهل حمص الباب الذى يواجه باب الكعبة، و لأهل دمشق باب بنى شيبة، و لأهل الأردن باب الصّفا، و لأهل فلسطين باب بنى جمح، و لأهل قنّسرين باب بنى سهم. و كان الحجاج و طارق بناحية الأبطح إلى المروة، و ابن الزبير يحمل على هذه الناحية مرة و فى هذه أخرى، و كأنّه أسد فى أجمة ما تقدم عليه الرجال و هو يعدو فى إثر القوم حتى يحرجهم، ثم يصيح [يا] (2) أبا صفوان، ويل أمّه فتحا، لو كان له رجال. لو (3) كان قرنى واحدا كفيته فيقول أبو صفوان عبد اللّه بن صفوان بن أمية بن خلف:

أى و اللّه و ألف.

فقال رجل من أهل الشام اسمه جلبوب‏ (4): إنما يمكنكم أخذه إذا ولّى. قيل: فخذه أنت إذا ولّى. قال: نعم، و تقدّم ليحضنه من خلفه، فعطف عليه فقط ذراعيه فصاح، فقال: اصبر جلبوب.

قال: فلما رأى الحجاج أنّ الناس لا يقدمون على ابن الزبير غضب و ترجّل يسوق الناس و يصدم‏ (5) بهم، فصدم صاحب علم ابن الزبير و هو بين يديه، فتقدّم ابن الزّبير على صاحب علمه و قاتلهم حتى انكشفوا، و رجع فصلّى ركعتين عند المقام، فحملوا

____________

(1) فى الكامل: رجلا من أهل كل بلد.

(2) من الطبرى.

(3) و العقد: 4- 416، و الطبرى: 6- 191، و طبقات القراء: 28، و هو لدويد بن زيد.

(4) فى العقد (416): خلبوب. و المثبت فى الكامل، د. و الضبط فى د.

(5) فى الكامل: و يصمد بهم، فصمد.

140

على صاحب علمه، فقتلوه عند باب بنى شيبة، و أخذوا العلم.

فلما فرغ من صلاته تقدم فقاتل بغير علم، و قتل رجلا من أهل الشام و آخر، و قاتل معه عبد اللّه بن مطيع، و هو يقول:

أنا الذى فررت يوم الحرّه‏ * * * و الحرّ لا يفرّ إلّا مرّه‏

و اليوم أجزى فرّة بكرّه

‏ * * *

و قاتل حتى قتل، و يقال: أصابته جراحة فمات منها بعد أيام.

قال: و قال عبد اللّه بن الزّبير لأصحابه و أهله يوم قتل بعد صلاة الصبح: اكشفوا وجوهكم حتى أنظر إليكم و عليكم المغافر، ففعلوا، فقال: يا آل الزبير، لو طبتم لى نفسا عن أنفسكم كنّا أهل بيت من العرب اصطلمنا فى اللّه فلا يرعكم وقع السيوف، فإنّ ألم الدواء للجراح أشدّ من ألم وقعها، صونوا سيوفكم كما تصونون وجوهكم، غضّوا أبصاركم عن البارقة، و ليشغل كلّ امرئ قرنه، و لا تسألوا عنى، فمن كان سائلا عنى فإنى فى الزّعيل الأوّل، احملوا على بركة اللّه.

ثم حمل عليهم حتى بلغ بهم الحجون‏ (1) فرمى بآجرة، رماه بها رجل من السّكون، فأصابت وجهه فأرعش لها و سال الدّم على وجهه، فقال (رضى اللّه عنه) و أرضاه‏ (2):

فلسنا على الأعقاب تدمى كلومنا * * * و لكن على أعقابنا تقطر الدّما

و قاتلهم قتالا شديدا، فتعاونوا (3) عليه، فقتلوه، قتله رجل‏

____________

(1) الحجون: بأعلى مكة، عند مقبرة أهلها (المراصد).

(2) و الطبرى: (6- 192)، و البيت للحصين بن الحمام المرى، و انظر ديوان الحماسة بشرح المرزوقى: 1- 192.

(3) فى الكامل: فتعاوروا.

141

من مراد، و حمل رأسه إلى الحجاج، فسجد و وفد السّكونى و المرادى إلى عبد الملك بالخبر؛ فأعطى كل واحد منهما خمسمائة دينار.

و قيل فى قتله: إنه جاءه حجر المنجنيق و هو يقاتل فصرعه فاقتحم عليه أهل الشام، و ذهبوا به إلى الحجّاج فحزّ رأسه بيده.

و كان مقتله- (رضى اللّه عنه)- فى يوم الثلاثاء لثلاث عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولى سنة [73 ه] ثلاث و سبعين و قيل فى جمادى الآخرة منها، و له ثلاث و سبعون سنة.

و لما قتل (رضى اللّه عنه) كبّر أهل الشام فرحا بقتله؛ فقال عبد اللّه ابن عمر: انظروا إلى هؤلاء. انظروا إلى هؤلاء. لقد كبّر المسلمون فرحا بولادته، و هؤلاء يكبّرون فرحا بقتله.

و بعث الحجاج برأسه و رأس عبد اللّه بن صفوان و رأس عمارة ابن عمرو بن حزم إلى المدينة، ثم إلى عبد الملك و صلب جثّته [منكّسة] (1) على الثنيّة اليمنى بالحجون، فأرسلت إليه أسماء تقول: قاتلك اللّه! على ما ذا صلبته؟ قال: استبقت أنا و هو إلى هذه الخشبة، فكانت له.

فاستأذنته فى تكفينه و دفنه. فأبى.

و كتب إلى عبد الملك يخبره بصلبه، فكتب إليه يلومه، و يقول: أ لا خلّيت بينه و بين أمّه. فأذن لها الحجاج فدفنته بالجحون.

و كان قبل مقتله بقى أياما يستعمل الصبر و المسك لئلا ينتن‏

____________

(1) ساقط فى الكامل.

142

إن هو صلب، فلما صلب ظهر منه ريح المسك، فقيل: إن الحجاج صلب معه كلبا ميتا. و قيل، سنّورا، فغلب على ريح المسك.

و لما قتل عبد اللّه ركب أخوه عروة بن الزبير ناقة لم ير مثلها و سار إلى عبد الملك فسبق رسل الحجاج، فاستأذن على عبد الملك فأذن له، فلما دخل عليه سلّم عليه بالخلافة، فرحّب به و أجلسه معه على السرير، فقال عروة:

نمتّ‏ (1)بأرحام إليك قريبة * * * و لا خير فى الأرحام ما لم تقرب‏

و تحدّث‏ (2) حتى جرى ذكر عبد اللّه، فقال عروة: إنه كان.

فقال عبد الملك: و ما فعل؟ قال: قتل؛ فخرّ ساجدا. فقال عروة:

إن الحجاج صلبه. فهب جثّته لأمه. قال: نعم.

و كتب إلى الحجاج فعظّم‏ (3) صلبه.

و كان الحجاج لما فقد عروة كتب إلى عبد الملك: إنّ عروة كان مع أخيه. فلما قتل عبد اللّه أخذ مالا من مال اللّه و هرب.

فكتب إليه عبد الملك يقول: إنه لم يهرب، و لكنه أتانى مبايعا، و قد أمّنته و حللته مما كان منه، و هو قادم عليك، فإياك و عروة.

فعاد عروة إلى مكة فكانت غيبته عنها ثلاثين يوما. فأنزل الحجاج جثّة عبد اللّه عن الخشبة و بعث بها إلى أمّه فغسلته. فلما أصابه الماء تقطّع فغسلته عضوا عضوا. و صلّى عليه عروة و قيل غيره.

____________

(1) فى الكامل: متت.

(2) فى الكامل: ثم تحدثا.

(3) فى الكامل: يعظم.

143

و قيل: لم يصلّ عليه أحد؛ منع الحجاج من الصلاة عليه.

و كانت أيام ولايته منذ مات معاوية بن يزيد إلى أن قتل سبع سنين و أيّاما.

و كان له من الأولاد: عبد اللّه، و حمزة، و خبيب، و ثابت، و عبّاد، و قيس، و عامر، و موسى.

و كاتبه زيد بن عمرو.

و حاجبه سالم مولاه [و اللّه الموفق بمنه و كرمه‏] (1).

ذكر نبذة من سيرته [(رضى اللّه عنه)‏] (2) و أخباره‏

كان كثير العبادة إذا سجد وقعت العصافير على ظهره تظنّه حائطا لسكونه و طول سجوده. و قال بعض السلف: قسّم عبد اللّه الدّهر على ثلاث حالات فليلة قائم حتى الصباح، و ليلة راكع حتى الصباح، و ليلة ساجد حتى الصباح.

و قيل: أول ما علم من همّته أنه كان يلعب ذات يوم مع الصّبيان و هو صبى، فمرّ رجل فصاح عليهم ففرّوا، و مشى عبد اللّه القهقرى، و قال للصبيان: اجعلونى أميركم، و شدّوا بنا عليه.

و مرّ به عمر بن الخطاب (رضى اللّه عنه) و هو يلعب مع الصبيان ففرّوا و وقف هو، فقال له عمر: ما منعك أن لا تفرّ معهم‏ (3)؟

فقال: لم أجرم فأخافك، و لم تكن الطريق ضيقة فأوسّع لك.

____________

(1) ساقط فى د.

(2) ساقط فى د.

(3) فى الكامل: مالك لم تفر معهم.

144

و قال: هشام بن عروة: كان أول ما أفصح به عمّى عبد اللّه ابن الزبير و هو صغير السيف‏ (1)، فكان لا يضعه من فيه‏ (2).

فكان الزبير (رضى اللّه عنه) يقول: و اللّه ليكوننّ لك منه يوم و أيام.

و قال ابن سيرين: قال ابن الزبير: ما كان شي‏ء يحدثنا به كعب إلا و قد جاء على ما قال إلّا قوله: فتى ثقيف يقتلنى و هذا رأسه بين يدى- يعنى المختار.

قال: لم يشعر ابن الزبير أنّ الحجاج قد خبّئ له. و مر [به‏ (3)] عبد اللّه بن عمر (رضى اللّه عنهم) و هو مصلوب، فقال: يرحمك اللّه إن كنت لصوّاما قوّاما، و لقد أفلحت قريش إن كنت شرها.

و كان الحجاج قد صلبه ثم ألقاه فى مقابر اليهود، و أرسل إلى أمّه يستحضرها، فلم تحضر، فأرسل إليها لتأتينى أو لأبعثنّ إليك من يسحبك بقرونك، فلم تأته فجاء إليها. فقال: كيف رأيتنى صنعت بعدوّ اللّه‏ (4)؟ قالت: رأيتك أفسدت على ابنى دنياه، و أفسد عليك آخرتك؛ و إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حدثنا أنّ فى ثقيف كذّابا و مبيرا، فأما الكذاب فقد رأيناه [تعنى المختار (5)]، و أما المبير فأنت‏ (6).

____________

(1) فى د: السن.

(2) فى الكامل: من يده.

(3) من الكامل.

(4) فى الكامل: بعبد اللّه.

(5) من الكامل.

(6) فى الكامل: فأنت هو.

145

و قال قطن بن عبد اللّه: كان الزّبير يفطر من الشهر ثلاثة أيام، و مكث أربعين سنة لم ينزع ثوبه عن ظهره. و قال مجاهد: لم يكن باب من أبواب العبادة يعجز عنه الناس إلا تكلّفه ابن الزبير، و لقد جاء سيل طبّق البيت، فجعل ابن الزبير (رضى اللّه عنه) يطوف سباحة. [و ماتت أسماء (رضى اللّه عنها) بعده بقليل‏ (1)].

انتهت أخبار عبد اللّه بن الزبير (رضى اللّه عنه)، فلنذكر غير ذلك من أخبار أيام عبد الملك و نبدأ بتتمّة أخبار الحجاج و ما فعل بمكة و المدينة [و اللّه أعلم‏ (2)].

ذكر مبايعة أهل مكة عبد الملك بن مروان‏

و ما فعله الحجاج من هدم الكعبة و بنائها و مسيره إلى المدينة و ما فعله فيها بالصحابة (رضى اللّه عنهم) قال: و لما فرغ الحجاج من أمر عبد اللّه بن الزبير دخل مكّة فبايعه أهلها لعبد الملك بن مروان، و أمر بكنس المسجد الحرام من الحجارة و الدم، و هدم الكعبة فى المحرم سنة [74 ه] أربع و سبعين، و أعادها إلى البناء الأول و أخرج الحجر منها، و كان عبد الملك [يقول‏ (3)]:

كذب ابن الزبير فيما رواه عن عائشة (رضى اللّه عنها) عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم فى أمر الحجر، و أنه من البيت. فلما (4) قال له‏

____________

(1) ساقط من ك.

(2) ليس فى د.

(3) ليس فى د.

(4) فى الكامل: فلما قيل له.

146

غير ابن الزبير: إنّ عائشة (رضى اللّه عنها) روت ذلك عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم قال: وددت أنى تركته و ما تحمّل.

و الكعبة فى وقتنا هذا على بنائها الذى أعاده الحجاج بن يوسف.

قال: ثم سار الحجاج إلى المدينة فى سنة [74 ه] أربع و سبعين، و كان عبد الملك قد عزل طارقا (1) عنها، و استعمل عليها الحجاج، فصار معه مكة و المدينة و اليمن و اليمامة، فلما قدم المدينة أقام بها شهرا أو شهرين، فأساء إلى أهلها، و استخف بهم، و قال: أنتم قتلة أمير المؤمنين عثمان، و ختم أيدى جماعة من الصحابة بالرصاص استخفافا بهم، كما يفعل بأهل الذمّة، منهم جابر بن عبد اللّه، و أنس بن مالك، و سهل بن سعد، ثم عاد إلى مكة معتمرا، و قال حين خرج من المدينة: الحمد للّه الذى أخرجنى من أمّ نتن، أهلها أخبث أهل بلد، و أغشّه لأمير المؤمنين، و أحسدهم له على نعمة اللّه، و اللّه لو لا ما كانت تأتينى كتب أمير المؤمنين فيها لجعلتها مثل جوف الحمار، أعواد يعوذون بها، و رمّة قد بليت، يقولون: منبر رسول اللّه، و قبر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم).

فبلغ جابر بن عبد اللّه قوله، فقال: إن وراءه ما يسوؤه. قد قال فرعون ما قال، فأخذه اللّه بعد أن أنظره.

و أقام الحجاج بالحجاز إلى أن نقله عبد الملك إلى ولاية العراق.

و ذلك فى سنة [75 ه] خمس و سبعين على ما نذكره إن شاء اللّه تعالى.

____________

(1) هو طارق بن عمرو.

147

ذكر أخبار الخوارج فى أيام عبد الملك بن مروان منذ استقلّ بالأمر

قد ذكرنا أنه لما قتل مصعب بن الزبير كان المهلّب بن أبى صفرة يقاتل الخوارج منذ ثمانية أشهر، و ذكرنا مقالتهم لأصحابه حين بلغهم قتل مصعب، و تبعه عبد الملك، فلما كان فى سنة [72 ه] اثنتين و سبعين استعمل عبد الملك خالد بن عبد اللّه بن أسيد (1) على البصرة، فلما قدمها استعمل المهلّب على خراج الأهواز و معونتها، و بعث أخاه عبد العزيز بن عبد اللّه إلى قتال الخوارج، و سيّر معه مقاتل بن مسمع، فخرجا يطلبان الأزارقة، فأتت الخوارج من ناحية كرمان إلى درابجرد (2) و أرسل قطرىّ بن الفجاءة المازنى أمير الحج سبعمائة فارس مع صالح ابن مخراق‏ (3)، فأقبل بهم حتى استقبل عبد العزيز و هو يسير ليلا على غير تعبئة، فانهزم بالناس، و نزل مقاتل بن مسمع، فقاتل حتى قتل.

و لما انهزم عبد العزيز أخذت امرأته ابنة المنذر بن الجارود، فأقيمت فيمن يزيد، فبلغت قيمتها مائة ألف، فجاء رجل من قومها (4) كان من رءوس الخوارج، فقال: تنحّوا هكذا، ما أرى هذه المشركة إلّا قد فتنتكم، فضرب عنقها، و لحق بالبصرة، فرآه آل المنذر،

____________

(1) الضبط فى معجم البكرى.

(2) درابجرد: بفتح أوله. و قال أبو حاتم: بكسر أوله. و الباء المعجمة بواحدة، بعدها جيم مكسورة، وراء مهملة ساكنة، و دال مهملة (البكرى).

و فى ك: دار الجرة- تحريف.

(3) فى الكامل: مخارق، و المثبت فى الطبرى أيضا. و فى الكامل: تسعمائة فارس.

(4) فى الكامل: يقال له أبو الحديد الشى.

148

فقالوا: و اللّه ما ندرى أ نحمدك أم نذمّك؟ فكان يقول: ما فعلته إلّا غيرة و حميّة.

و انتهى عبد العزيز إلى رامهرمز، و أتى المهلب خبره، فأرسل‏ (1) إلى أخيه خالد بن عبد اللّه بخبر هزيمته، فقال للرسول: كذبت.

فقال: إن كنت كاذبا فاضرب عنقى، و إن كنت صادقا فأعطنى جبّتك و مطرفك. قال: ويحك! قد رضيت من الخطر العظيم بالخطر اليسير، ثم حبسه و أحسن إليه لما صحّ عنده خبر الهزيمة. و فى هذه الهزيمة و فرار عبد العزيز يقول ابن قيس الرقيّات‏ (2):

عبد العزيز فضحت‏ (3)جيشك كلّهم‏ * * * و تركتهم صرعى بكلّ سبيل‏

من بين ذى عطش يجود بنفسه‏ * * * و ملحّب‏ (4) بين الرجال قتيل‏

هلّا صبرت مع الشهيد مقاتلا * * * إذ رحت منتكث القوى بأصيل‏

و تركت جيشك لا أمير عليهمو * * * فارجع بعار فى الحياة طويل‏

و نسيت عرسك إذ تقاد سبيّة * * * تبكى العيون برنّة و عويل‏

____________

(1) فى الطبرى: فأرسل إليه شيخا من الأزد.

(2) و الطبرى: 6- 173: و ديوانه: 190. و الكامل: 4- 19.

(3) فى ك: قضمت، و المثبت فى د، و الكامل، و الطبرى.

(4) ملحب: قطعة السيف.

149

قال: و كتب خالد إلى عبد الملك بالخبر، فكتب إليه يقول:

قبّح اللّه رأيك حين تبعث أخاك أعرابيا من أهل مكة على القتال، و تدع المهلب يجبى الخراج، و هو الميمون النّقيبة، المقاسى للحرب، ابنها و ابن أبنائها. أرسل إلى المهلب يستقبلهم، و قد بعثت إلى بشر بالكوفة أن يمدّك بجيش، فسر معهم، و لا تعمل فى عدوّك برأى حتى يحضره المهلّب. و السلام.

و كتب عبد الملك إلى أخيه بشر، و هو أمير الكوفة، يأمره بإنفاذ خمسة آلاف مع رجل يرضاه لقتال الخوارج، فإذا قضوا غزوتهم ساروا إلى الرّىّ، فقاتلوا عدوّهم، و كانوا مسلحة، فبعث بشر عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث فى خمسة آلاف، و كتب عهده على الرّىّ، و خرج خالد بأهل البصرة حتى قدم الأهواز؛ و قدمها عبد الرحمن فى أهل الكوفة، و جاءت الأزارقة حتى دنوا من الأهواز؛ فعبّأ خالد أصحابه، و جعل المهلب على ميمنته، و داود بن قحذم من بنى قيس بن ثعلبة على ميسرته، ثم زحف خالد إليهم بالناس بعد عشرين ليلة، فرأوا من كثرة الناس ما هالهم، فانصرفوا على حامية (1)، و لم يقاتلوا؛ فأرسل خالد داود بن قحذم فى آثارهم، و انصرف عبد الرحمن إلى الرّىّ، و أقام المهلّب بالأهواز، و انصرف خالد إلى البصرة، و كتب إلى عبد الملك بذلك، فكتب إلى أخيه بشر يأمره أن يبعث أربعة آلاف فارس من أهل الكوفة مع رجل بصير

____________

(1) فى الكامل: كأنهم على حامية.

150

بالحرب إلى فارس فى طلب الأزارقة، و يأمر صاحبه بموافقة داود ابن قحذم إن اجتمعا.

فبعث بشر عتّاب بن ورقاء فى أربعة آلاف، فساروا حتى لحقوا داود، فاجتمعوا، ثم اتّبعوا الخوارج حتى هلكت خيول عامتهم، و أصابهم الجوع و الجهد، و رجع عامة الجيش‏ (1) مشاة إلى الأهواز؛ و ذلك فى سنة [72 ه] اثنتين و سبعين.

ذكر مقتل أبى فديك الخارجى‏

قد ذكرنا فى أخبار عبد اللّه بن الزبير قتل نجدة بن عامر و طاعة أصحابه أبا فديك، فلما كان فى سنة [72 ه] اثنتين و سبعين غلب أبو فديك على البحرين؛ فبعث خالد بن عبد اللّه أمير البصرة أخاه أمية بن عبد اللّه فى جند كثيف، فهزمه أبو فديك، و أخذ جارية له، فاتخذها لنفسه، فكتب إلى عبد الملك بذلك، فأمر عبد الملك عمر ابن عبيد اللّه بن معمر أن يندب الناس من‏ (2) أهل الكوفة و البصرة و يسير إلى قتاله، فانتدب معه عشرة آلاف، و سار بهم، و جعل أهل الكوفة على الميمنة، و عليهم محمد بن موسى بن طلحة بن عبيد اللّه، و أهل البصرة على الميسرة و عليهم عمر بن موسى بن عبيد اللّه بن معمر، و هو ابن أخى عمر، و جعل خيله فى القلب، و ساروا حتى انتهوا إلى البحرين، فالتقوا، و اصطفّوا للقتال، فحمل أبو فديك و أصحابه حملة رجل واحد، فكشفوا ميسرة عمر حتى أبعدوا إلّا المغيرة

____________

(1) فى د، و الكامل: الجيشين.

(2) فى ك: مع.

151

ابن المهلّب، و مجّاعة بن عبد الرحمن، و فرسان الناس؛ فإنهم مالوا إلى صفّ أهل الكوفة بالميمنة، ثم رجع أهل الميسرة و قاتلوا و اشتد قتالهم حتى دخلوا عسكر الخوارج، و حمل أهل الميمنة حتى استباحوا عسكر الخوارج، و قتلوا أبا فديك، و حصروا أصحابه حتى نزلوا على الحكم، فقتل منهم نحو ستة آلاف، و أسر ثمانمائة؛ و وجدوا جارية أمية بن عبد اللّه حبلى من أبى فديك، و عادوا إلى البصرة، و ذلك فى سنة [73 ه] ثلاث و سبعين.

ذكر ولاية المهلب بن أبى صفرة حرب الأزارقة

فى سنة [74 ه] أربع و سبعين أمر عبد الملك أخاه بشرا، و كان قد أضاف إليه ولاية البصرة مع الكوفة، أن يبعث المهلّب بن أبى صفرة لحرب الأزارقة فى أهل البصرة، و أن ينتخب من أراد منهم، و أن يتركه فى الحرب و رأيه، و أمره أن يبعث من أهل الكوفة رجلا شريفا معروفا بالبأس و النّجدة فى جيش كثيف إلى المهلّب، و أن يتتبّعوا الخوارج حيث كانوا حتى يستأصلوهم.

فأرسل المهلّب خديج بن سعيد (1) بن قيبصة، و أمره أن ينتخب الناس من الديوان، و شقّ على بشر أن إمرة المهلّب جاءت من قبل عبد الملك، و بعث بشر عبد الرحمن بن مخنف على أهل الكوفة، و أغراه بالمهلّب، و أمره أن يستبدّ بالأمر، و سار المهلّب حتى نزل رامهرمز، فلقى بها الخوارج، فخندق عليه، و أقبل أهل الكوفة حتى نزلوا على ميل من المهلّب، فلم يلبث العسكر إلّا عشرا (2) حتى‏

____________

(1) و الإكمال: 2- 133.

(2) فى ك: شهرا، و المثبت فى د، و الطبرى.

152

أتاهم نعى بشر بن مروان فتفرقوا، و عاد أكثر أهل الكوفة و البصرة إلى أن قدم الحجاج إلى الكوفة فى سنة [75 ه] خمس و سبعين، فأخرج الناس إلى المهلّب و ابن مخنف على ما نذكر ذلك إن شاء اللّه فى أخبار الحجاج حين قدم الكوفة.

ذكر اجلاء الخوارج عن رامهرمز و قتل عبد الرحمن بن مخنف‏

قال: و لما أعاد الحجاج البعوث إلى المهلّب كتب إليه و إلى عبد الرحمن بن مخنف يأمرهما بمناهضة الخوارج رجعوا (1) إليهم و قاتلوهم شيئا من قتال، فانزاحت الخوارج كأنهم على حامية، و ساروا حتى نزلوا بكازرون‏ (2)، و سار المهلّب و ابن مخنف حتى نزلوا بهم، و خندق المهلّب على نفسه، و أشار على ابن مخنف أن يخندق، فقال أصحابه: نحن خندقنا سيوفنا، فأتى الخوارج المهلّب ليبيّتوه، فوجدوه قد خندق، فمالوا نحو ابن مخنف، فقاتلوه، فانهزم عنه أصحابه، فنزل فقاتل فى ناس من أصحابه، فقتل و قتلوا رجاله، فقال شاعرهم‏ (3):

لمن العسكر المكلّل بالصّر * * * عى فهم بين ميّت و قتيل‏

فتراهمو تسفى الرياح عليهمو * * * حاصب الرّمل بعد جرّ الذّيول‏

هذا قول أهل البصرة فى قتل ابن مخنف.

____________

(1) فى الكامل: زحفوا.

(2) كازرون- بتقديم الزاى، و آخره نون: مدينة بفارس بين البحر و شيراز، يقال: هى دمياط الأعاجم (البكرى).

(3) و الطبرى: 6- 212.

153

و أما أهل الكوفة فقالوا: إنه لمّا وصل كتاب الحجاج لمناهضة (1) الخوارج ناهضهم المهلّب و ابن مخنف، و اقتتلوا قتالا شديدا؛ فمالت الخوارج إلى المهلّب فاضطرّوه إلى عسكره، فاستنجد عبد الرحمن فأمدّه بالخيل و الرجال، و كان ذلك بعد الظهر لعشر بقين من شهر رمضان سنة [75 ه] خمس و سبعين.

فلما كان بعد العصر و رأت الخوارج من يأتى من عسكر عبد الرحمن [من الرجال‏] (2) علموا أنه قد خفّ أصحابه، فجعلوا بإزاء المهلّب من يشغله، و انصرفوا بحدّهم‏ (3) إلى ابن مخنف، فنزل و نزل معه القرّاء، منهم أبو الأحوص‏ (4) صاحب ابن مسعود، و خزيمة بن نصر أبو نصر بن خزيمة، و نزل معه من قومه واحد و سبعون رجلا، و حملت عليهم الخوارج فقاتلوا قتالا شديدا، و انكشف الناس عنه، و بقى فى عصابة من أهل الصّبر، فقاتلوا حتى ذهب نحو ثلثى الليل، ثم قتل فى تلك العصابة.

فلما أصبحوا جاء المهلّب فصلّى عليه و دفنه، و كتب بذلك إلى الحجاج، فبعث إلى عسكر عبد الرحمن عتّاب ابن ورقاء، و أمره أن يسمع إلى المهلّب، فساءه ذلك، و لم يجد بدّا من طاعته، فجاء و قاتل الخوارج؛ ثم وقع بينه و بين المهلّب كلام أغلظ كلّ منهما لصاحبه، فرفع المهلّب القضيب على عتّاب،

____________

(1) فى ك: بمناهضة.

(2) من الكامل.

(3) فى ك: يجدهم. و فى الكامل: بجندهم. و المثبت فى د، و الطبرى.

(4) فى الطبرى: عليهم أبو الأحوص.

154

فوثب المغيرة بن المهلب فقبض‏ (1) القضيب من يد أبيه و سكته، و أثنى على عتّاب، و افترقا.

فأرسل عتّاب إلى الحجّاج يشكو المهلّب، و يسأله أن يأمر بالعود، فوافق ذلك حاجة من الحجاج إليه، فاستقدمه، و أمره أن يترك ذلك الجيش مع المهلّب، فجعل المهلّب عليهم ابنه حبيبا، و قاتل المهلّب الخوارج على سابور (2) نحو سنة بعد مسير عتّاب عنه، و كانت كرمان فى يد الخوارج، و فارس فى يد المهلب؛ فضاق على الخوارج مكانهم، فخرجوا حتى أتوا كرمان، و تبعهم المهلب حتى نزل بجيرفت‏ (3)، و هى مدينة كرمان، فقاتلهم قتالا شديدا.

ثم أرسل إليه الحجاج البراء بن قبيصة يحثّه على قتال الخوارج، و يأمره بالجدّ، و أنه لا عذر له عنده.

فخرج المهلّب بالعسكر، فقاتل الخوارج من الغداة إلى الظهر، ثم انصرفوا و البراء على تلّ مشرف‏ (4) يراهم، فأثنى على المهلّب و على أصحابه، و انصرف إلى الحجّاج، و عرّفه عذر المهلب، ثم قاتلهم المهلّب ثمانية عشر شهرا لا يقدر منهم على شي‏ء إلى أن وقع بينهم الاختلاف.

____________

(1) فى الطبرى: فقبض على القضيب.

(2) كورة مشهورة بأرض فارس (ياقوت).

(3) بالكسر ثم السكون و فتح الراء و سكون الفاء، و تاء فوقها نقطتان:

مدينة بكرمان (المراصد).

(4) فى الكامل: على مكان عال.