نهاية الأرب في فنون الأدب‏ - ج21

- أحمد بن عبد الوهاب النويري‏ المزيد...
557 /
155

ذكر الاختلاف بين الأزارقة و مفارقة قطرىّ بن الفجاءة

إيّاهم و مبايعتهم عبد ربّ الكبير و الحرب بينه و بين المهلّب و مقتله و فى سنة [77 ه] سبع و سبعين وقع الاختلاف بين الخوارج، فخلعوا قطرىّ بن الفجاءة، و بايعوا عبد ربّ الكبير، و اختلف فى سبب ذلك، فقيل: إن عائلا (1) لقطرىّ على ناحية كرمان، يدعى المقعطر الضّبى، قتل رجلا منهم، فوثبت الخوارج إلى قطرى، و طلبوا منه أن يقيدهم من عامله، فلم يفعل، و قال: إنه تأوّل فأخطأ التأويل، و هو من ذوى السابقة فيكم، ما أرى أن تقتلوه، فاختلفوا.

و قيل: كان السبب فى اختلافهم أنّ رجلا كان فى عسكرهم يعمل النصول المسمومة، فيرمى بها أصحاب المهلّب، فشكا أصحابه منها، فقال: أنا أكفيكموه، فوجّه رجلا من أصحابه و معه كتاب، فأمره أن يلقيه فى عسكر قطرىّ و لا يراه أحد، ففعل، و وقع الكتاب؛ إلى قطرىّ، فإذا فيه: أما بعد فإنّ نصالك وصلت، و قد أنفذت إليك ألف درهم، فأحضر قطرىّ الصانع فسأله. فجحد، فقتله، فأنكر عليه عبد ربّ الكبير قتله، و اختلفوا.

ثم وضع المهلّب رجلا نصرانيّا، و أمره أن يسجد لقطرىّ. ففعل.

فقال الخوارج: إن هذا قد اتّخذك إلها. و وثب بعضهم على النّصرانى فقتله، فزاد اختلافهم، ففارق بعضهم قطريّا و خلعوه، و ولّوا

____________

(1) فى ك: غلاما.

156

عبد رب الكبير، و بقى مع قطرىّ منهم نحو ربعهم أو خمسهم، و اقتتلوا فيما بينهم نحوا من شهر (1).

و كتب المهلّب إلى الحجاج بذلك، فكتب إليه الحجاج يأمره بقتالهم على حال اختلافهم قبل أن يجتمعوا.

فكتب إليه المهلّب: إنى لست أرى أن أقاتلهم ما دام يقتل بعضهم بعضا، فإن تمّوا على ذلك فهو الذى نريد (2)، و فيه هلاكهم.

و إن اجتمعوا لم يجتمعوا إلّا و قد رقّق بعضهم بعضا فأناهضهم حينئذ، و هم أهون ما كانوا و أضعفهم شوكة إن شاء اللّه تعالى. و السلام.

فسكت عنه.

ثم إن قطريّا خرج بمن معه نحو طبرستان، و أقام‏ (3) عند عبد ربّ الكبير بكرمان، فنهض إليهم المهلّب، فقاتلوه قتالا شديدا و حصرهم بجيرفت، و كرّر قتالهم و هو لا يبلغ منهم ما يريد.

فلما طال عليهم الحصار خرجوا من جيرفت بأموالهم و حرمهم، فقاتلهم المهلّب قتالا شديدا حتى عقرت الخيل و تكسّر السلاح، و قتل الفرسان، فتركهم، فساروا؛ و دخل المهلّب جيرفت، ثم سار حتى لحقهم على أربعة فراسخ منها، فقاتلهم من بكرة النهار إلى الظّهر، ثم كفّ عنهم، فجمع عبد رب الكبير أصحابه، و قال:

____________

(1) فى الكامل: أشهر.

(2) فى د: نريده.

(3) فى الطبرى: و بايع عامتهم عبد رب الكبير، و فى الكامل: و بايع الباقون عبد رب الكبير.

157

يا معشر المهاجرين؛ إن قطريّا و من معه هربوا، طلب‏ (1) البقاء، و لا سبيل إليه، فالقوا عدوّكم، وهبوا أنفسكم للّه، ثم عاود القتال، فاقتتلوا قتالا شديدا أنساهم ما قبله، فتبايع‏ (2) جماعة من أصحاب المهلّب على الموت، و ترجّلت الخوارج، و عقروا دوابّهم، و اشتدّ القتال، و عظم الخطب حتى قال المهلب: ما مرّ بى يوم مثل هذا.

ثم هزم اللّه الخوارج، و كثر القتل فيهم، فكان عدد القتلى أربعة آلاف، منهم ابن عبد ربّ الكبير، و لم ينج منهم إلا القليل، و أخذ عسكرهم و ما فيه، و بعث المهلّب إلى الحجاج مبشّرا. فلما دخل البشير إليه أخبره عن الجيش و عن الخوارج و ذكر حروبهم، و أخبره عن بنى المهلب، فقال: المغيرة فارسهم و سيّدهم، و كفى بيزيد فارسا شجاعا، و جوادهم و شجاعهم‏ (3) قبيصة، و لا يستحى الشجاع أن يفرّ من مدركه. و عبد الملك سمّ ناقع، و حبيب موت ذعاف‏ (4)، و محمد ليث غاب، و كفاك بالمفضل نجدة. قال: فأيهم كان أنجد؟

قال: كانوا كالحلقة المفرغة لا يعرف طرفها.

ستحسن قوله: و كتب إلى المهلب يشكره، و يأمره أن يولّى كرمان من يثق إليه، و يجعل فيها من يحميها، و يقدم عليه، فاستعمل عليها ابنه يزيد. و سار إلى الحجاج.

فلما قدم عليه أكرمه و أجلسه إلى جانبه، و قال: يأهل العراق.

____________

(1) فى ك: طلبوا.

(2) فى الكامل: فبايع.

(3) فى د، و الكامل: و سخيهم.

(4) بالذال، و الزاى، كما فى القاموس.

158

أنتم عبيد المهلّب. ثم قال له: أنت كما قال لقيط بن يعمر الإيادى فى صفة أمير الجيوش‏ (1):

فقلّدوا (2)أمركم للّه درّكمو * * * رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعا

لا مترفا إن رخاء العيش ساعده‏ * * * و لا إذا عضّ مكروه به خشعا (3)

مسهّد النّوم تعنيه ثغوركمو * * * يروم منها إلى الأعداء مطّلعا

ما انفكّ يحلب هذا الدّهر أشطره‏ * * * يكون متّبعا طورا و متّبعا

و ليس يشغله مال يثمّره‏ * * * عنكم و لا ولد يبغى له الرّفعا

حتى استمرت على شزر مريرته‏ * * * مستحكم السنّ لا قحما و لا ضرعا (4)

و أحسن الحجاج إلى أهل البلاء من أصحاب المهلّب و زادهم [و اللّه أعلم‏ (5)].

____________

(1) و الشعر و الشعراء: 152، و الأبيات من قصيدة له طويلة فى مختارات ابن الشجرى: 3.

(2) فى الكامل: و قلدوا.

(3) فى د، ك: جشعا.

(4) القحم: الكبير السن جدا. و الضرع: الضعيف. و فى ك: فرعا.

(5) ساقط من د.

159

ذكر مقتل قطرى بن الفجاءة و عبيدة بن هلال و من معهما من الأزارقة

كان مقتلهم فى سنة [77 ه] سبع و سبعين، و ذلك أنه لما تشتّت أمرهم بسبب الاختلاف الذى ذكرناه، و سار قطرىّ نحو طبرستان ندب الحجاج سفيان بن الأبرد فى جيش كثيف، فسار، و اجتمع معه إسحاق بن محمد بن الأشعث فى جيش لأهل الكوفة بطبرستان، فأقبلا فى طلب قطرى، فأدركوه فى شعب من شعاب طبرستان، فقاتلوه، فتفرّق عنه أصحابه، و سقط عن دابته فتدهده‏ (1) إلى أسفل الشّعب، و أتاه علج من أهل البلد و هو لا يعرفه فقال [له‏] (2) قطرىّ:

اسقنى‏ (3) الماء. فقال العلج: اعطنى شيئا. فقال: ما معى إلا سلاحى، و إن أتيتنى بالماء فهو لك، فانطلق العلج حتى أشرف على قطرى ثم حدر عليه حجرا عظيما من فوقه، فأصاب وركه‏ (4) فأوهنه، و صاح بالناس فأقبلوا نحوه.

و جاء نفر من أهل الكوفة فقتلوه، منهم سورة بن أبجر (5) التميمى، و جعفر بن عبد الرحمن بن مخنف، و الصباح بن محمد بن الأشعث، و عمر بن أبى الصلت، و كلّ هؤلاء ادّعى قتله، فجاءهم أبو الجهم‏

____________

(1) فى الطبرى: فتدهدى، و هما بمعنى: تدحرج.

(2) من الكامل.

(3) فى الطبرى: من الماء.

(4) فى الطبرى: و ركية.

(5) فى الكامل: سورة بن الحر، و المثبت فى الطبرى أيضا.

160

ابن‏ (1) كنانة، فقال: ادفعوا رأسه إلىّ حتى تصطلحوا، فدفعوه إليه، فأقبل به إلى إسحاق بن محمد، و هو على أهل الكوفة، فأرسله معه إلى سفيان بن الأبرد، فبعثه معه إلى الحجاج، فسيّره معه إلى عبد الملك، فجعل عطاءه فى ألفين؛ ثم سار سفيان إليهم، و أحاط بهم و أميرهم عبيدة بن هلال، فأمر مناديا فنادى: من قتل صاحبه و جاء إلينا فهو آمن، و حصرهم سفيان حتى أكلوا دوابّهم، ثم خرجوا إليه، و قاتلوه، فقتلهم، و بعث برءوسهم إلى الحجاج، و انقرضت الأزارقة بعد مقتل قطرىّ و عبيدة، [فكان أولهم نافع ابن الأزرق، و آخرهم قطرى و عبيدة] (2)، و اتصل أمرهم بضعا و عشرين سنة، ثم دخل سفيان دنباوند (3) و طبرستان، فكان هناك حتى عزله الحجاج قبل الجماجم.

هذا ما كان من أمر الأزارقة، فلنذكر من سواهم من الخوارج أيام عبد الملك.

____________

(1) ك: فى. و المثبت فى الكامل، و الطبرى أيضا (6- 310).

(2) ساقط فى ك.

(3) دنباوند: جبل فى نواحى الرى (ياقوت).

161

ذكر خروج صالح بن مسرح التميمى و شبيب بن يزيد بن نعيم الشيبانى‏

قال: كان صالح بن مسرّح‏ (1) التميمى رجلا ناسكا مصفرّ الوجه صاحب عبادة، و كان بدارا و أرض الموصل و الجزيرة، و له أصحاب يقرئهم القرآن و الفقه، و يقصّ عليهم، فدعاهم إلى الخروج و إنكار المظالم و جهاد المخالفين لهم، فأجابوه إلى ذلك، فبينما هم فى ذلك إذ ورد عليهم‏ (2) كتاب شبيب يقول [له‏] (3): إنك كنت تريد الخروج، فإن كان ذلك من شأنك اليوم فأنت شيخ المسلمين، و لن نعدل بك أحدا، و إن أردت تأخير ذلك فأعلمنى؛ فإنّ الآجال غادية و رائحة، و لا آمن أن تختر منى المنيّة، و لم أجاهد الظّالمين.

فكتب إليه صالح: إنه لم يمنعنى من الخروج إلا انتظارك، فاخرج إلينا، فإنك ممن لا يستغنى عن رأيه، و لا تقضى دونه الأمور.

فلما قرأ شبيب كتابه دعا نفرا من أصحابه؛ منهم أخوه مصاد (4) ابن يزيد، و المحلّل‏ (5) بن وائل اليشكرى و غيرهم‏ (6)، و خرج بهم‏

____________

(1) بضم الميم و فتح السين و تشديد الراء المكسورة و بالحاء المهملة (الكامل).

(2) فى الكامل: عليه.

(3) ساقط فى ك.

(4) بضم الميم، و تفتح.

(5) الضبط فى د.

(6) فى الكامل: و غيرهما.

162

حتى قدم على صالح بدارا، فلما لقيه قال: اخرج بنا رحمك اللّه، فو اللّه ما تزداد السّنة إلّا دروسا، و لا يزداد المجرمون إلّا طغيانا.

فبثّ صالح رسله، و واعد أصحابه للخروج هلال صفر سنة [76 ه] ست و سبعين، فاجتمعوا عنده ليلة الموعد، فسأله بعض أصحابه عن القتال؛ أ يكون قبل الدعاء أو بعده؟ فقال: بل ندعوهم، فإنه أقطع لحجّتهم. فقال: كيف ترى فيمن قاتلنا فظفرنا بهم، ما تقول فى دمائهم و أموالهم؟ فقال: إن قاتلنا فغنمنا فلنا، و إن عفونا فموسّع علينا.

ثم وعظ أصحابه و أمرهم بأمره، و قال لهم: إن أكثركم رجّالة، و هذه دوابّ لمحمد بن مروان فابدءوا بها، فاحملوا عليها راجلكم و تقوّوا بها على عدوّكم.

فخرجوا تلك الليلة فأخذوا الدوابّ، و أقاموا بأرض دارا ثلاث عشرة ليلة، و تحصّن أهلها منهم و أهل نصيبين و سنجار (1)، و كان خروجه فى مائة و عشرين، و قيل: و عشرة.

و بلغ ذلك محمد بن مروان و هو أمير الجزيرة يومئذ، فأرسل إليهم عدىّ بن عدىّ الكندى فى ألف، فسار من حرّان، و كأنّه يساق إلى الموت، و أرسل عدىّ إلى صالح يسأله أن يخرج من هذه البلد، و يعلمه أنه يكره قتاله. و كان عدىّ ناسكا. فأعاد صالح إليه:

إن كنت ترى رأينا خرجنا عنك. فأرسل إليه: إنى لا أرى رأيك، و لكنى أكره قتالك و قتال غيرك. فقال صالح لأصحابه: اركبوا،

____________

(1) بالكسر ثم السكون، ثم جيم، و آخره راء: مدينة مشهورة من نواحى الجزيرة، بينها و بين الموصل ثلاثة أيام (المراصد).

163

فركبوا، و حبس الرسول‏ (1) عنده و مضى. فأتى عديّا و هو يصلّى الضّحى، فلم يشعروا إلا و الخيل قد طلعت عليهم، و هو على غير تعبئة، فحمل عليهم شبيب و هو على ميمنة صالح، و سويد بن سليم و هو على ميسرته؛ فانهزموا، و أتى عدىّ بدابّته فركبها، و انهزم. و جاء صالح فنزل فى معسكره، و أخذ ما فيه، و دخل أصحاب عدىّ على محمد ابن مروان فغضب على عدىّ. ثم دعا خالد بن جزء السلمى، فبعثه فى ألف و خمسمائة، و بعث الحارث بن جعونة (2) فى ألف و خمسمائة، و قال: اخرجا إلى هذه المارقة (3)، و أغذّا السير، فأيّكما سبق فهو الأمير على صاحبه، فخرجا متساندين يسألان عن صالح؛ فقيل:

إنه نحو آمد (4)، فقصداه، فوجّه صالح شبيبا فى شطر [من‏] (5) أصحابه إلى الحارث، و توجّه هو نحو خلد، فالتقيا، و اقتتلوا وقت العصر أشدّ قتال حتى أمسوا، و قد كثر الجراح فى الفريقين، فلما حال بينهما الليل خرج صالح و أصحابه، فساروا حتى قطعوا أرض الجزيرة و الموصل، و انتهوا إلى الدّسكرة (6).

فلما بلغ خبرهم الحجاج سرّح إليهم الحارث بن عميرة فى ثلاثة آلاف من أهل الكوفة، فلقيهم صالح فى تسعين رجلا، و ذلك لثلاث‏

____________

(1) فى الطبرى: الرجل.

(2) بفتح الجيم و سكون العين المهملة، و فتح الواو، و آخره نون (الكامل:

4- 44).

(3) فى الطبرى: الخارجة.

(4) آمد- بكسر الميم: بلد قديم على نشر، و دجلة محيطة بأكثره مستديرة به كالهلال (المراصد).

(5) من ك.

(6) قرية كبيرة بنواحى نهر ملك.

164

عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة، فاقتتلوا. فانهزم سويد بن سليم بميسرة صالح، و ثبت صالح، فقاتل حتى قتل، و قاتل شبيب حتى صرع عن فرسه، فحمل عليهم راجلا فانكشفوا عنه، فنادى:

إلىّ يا معشر المسلمين، فلاذوا به. فقال لأصحابه: ليجعل كلّ واحد منكم ظهره إلى ظهر صاحبه، و ليطاعن عدوّه حتى ندخل هذا الحصن و نرى رأينا. ففعلوا ذلك، و دخلوا الحصن، و هم سبعون رجلا، و أحاط بهم الحارث، و أحرق عليهم الباب، و قال: إنهم لا يقدرون على الخروج منه. و كانت هذه الوقعة بقرية يقال لها المدبّج‏ (1).

ذكر بيعة شبيب بن يزيد الشيبانى و محاربته الحارث بن عميرة و هزيمة الحارث‏

قال: و لما أحرق الحارث الباب على شبيب انصرف إلى عسكره و قال: إنهم لا يقدرون على الخروج منه؛ فنصبّحهم غدا فنقتلهم.

فقال شبيب لأصحابه: ما تنتظرون؟ فو اللّه لئن صبّحكم هؤلاء إنّه لهلاككم. فقالوا: مرنا بأمرك. فقال: بايعونى أو من شئتم من أصحابكم، و اخرجوا بنا إليهم، فإنهم آمنون، فبايعوه، و أتوا باللبود فبلّوها و جعلوها (2) على جمر الباب و خرجوا. فلم يشعر الحارث إلّا و هم بينهم بالسيوف، فصرع الحارث، فاحتمله أصحابه و انهزموا نحو المدائن، و حوى شبيب عسكرهم، فكان ذلك أول جيش هزمه.

____________

(1) فى د: المربج. و الصواب فى ك، و ياقوت، و الطبرى (6- 224)، و هى على تخوم ما بين الموصل و العراق.

(2) فى الطبرى: ثم ألقوها على الجمر.

165

ذكر الحروب بين أصحاب شبيب و عنزة

قال: ثم لقى شبيب سلامة بن سيّار (1) التّيمى، تيم شيبان، بأرض الموصل، فدعاه إلى الخروج معه فشرط عليه سلامة أن ينتخب ثلاثين فارسا ينطلق بهم نحو عنزة (2) ليوقع بهم، فإنهم كانوا قتلوا أخاه فضالة، و كان فضالة قد خرج فى ثمانيه عشر رجلا حتى نزل ماء يقال له الشجرة و به‏ (3) عنزة نازلون، فنهضت عنزة فقتلوه و من معه و أتوا برءوسهم إلى عبد الملك فأنزلهم بانقيا (4)، و فرض لهم، و كان خروج فضالة قبل خروج صالح، فأجابه شبيب فخرج حتى انتهى إلى عنزة، فجعل يقتل المحلة بعد المحلة حتى انتهى إلى فريق منهم فيه خالته قد أكبت على ابن لها و هو غلام حين احتلم، فأخرجت ثديها [إليه‏] (5) و قالت: أنشدك ترحم‏ (6) هذا يا سلامة.

فقال: [لا] (7) و اللّه ما رأيت فضالة مذ أناخ بأرض الشجرة (8).

لتقومنّ عنه أو لأجمعنّكما بالرمح، فقامت عنه. فقتله.

____________

(1) فى الكامل: بن سنان. و المثبت فى الطبرى أيضا.

(2) عنزة بن أسد: حى (القاموس).

(3) فى الطبرى: و عليه.

(4) من نواحى الكوفة.

(5) من الطبرى.

(6) فى الطبرى و الكامل: برحم هذا يا سلامة.

(7) من الطبرى.

(8) فى الكامل: بأصل. و فى الطبرى، و الكامل- يعنى أخاه.

166

ذكر مسيرة شبيب إلى بنى شيبان و إيقاعه بهم و دخولهم معه‏

قال: ثم أقبل شبيب بخيله نحو راذان فهرب منه طائفة من بنى شيبان، و معهم ناس قليل من غيرهم، فأقبلوا حتى نزلوا ديرا خرابا (1) إلى جنب حولايا (2)، و هم نحو ثلاثة آلاف، و شبيب فى سبعين رجلا أو يزيدون قليلا، فنزل بهم فتحصّنوا منه فجعل أخاه مصاد بن يزيد يحاصرهم، و توجّه إلى أمّه ليأخذها و هو فى اثنى عشر رجلا؛ فمرّ فى طريقه بجماعة من بنى [تيم بن‏] (3) شيبان فى أموالهم مقيمين؛ لا يرون أنّ شبيبا يمرّ بهم. و لا يشعر بمكانهم، فحمل عليهم فقتل ثلاثين شيخا فيهم حوثرة بن أسد، و مضى إلى أمّه؛ و أشرف رجل من الدّير على أصحاب شبيب، فقال: يا قوم؛ بيننا و بينكم القرآن، قال اللّه تعالى‏ (4): «وَ إِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ». فكفّوا عنّا حتى نخرج إليكم بأمان و تعرضوا علينا أمركم، فإن قبلناه حرمت عليكم دماؤنا و أموالنا، و إن نحن لم نقبله رددتمونا إلى مأمننا، ثم رأيتم رأيكم.

فأجابوهم فخرجوا إليهم، فعرض عليهم أصحاب شبيب قولهم، فقبلوه كلّه، فنزلوا إليهم، و جاء شبيب فأخبر بذلك، فقال:

أصبتم و وفّقتم.

____________

(1) فى ك: خربا. و فى الطبرى: دير خرزاد.

(2) حولايا- بفتح الحاء، و سكون الواو، و آخره ياء و ألف: قرية كانت بالنهروان، خربت بخرابه (المراصد).

(3) من الطبرى.

(4) سورة التوبة، آية 6.

167

ذكر الوقعة بين شبيب و سفيان الخثعمى‏

قال: ثم ارتحل شبيب، و خرج معه طائفة، و أقامت طائفة؛ فسار فى أرض الموصل نحو أذربيجان. و كتب الحجاج إلى سفيان ابن أبى العالية الخثعمى يأمره بالقفول، و كان معه ألف فارس يريد أن يدخل بها طبرستان. فلما أتاه كتاب الحجاج صالح صاحب طبرستان و رجع، فأمره الحجاج أن ينزل الدّسكرة (1) حتى يأتيه جيش الحارث بن عميرة الهمدانى و تأتيه خيل المناظر، ثم يسير إلى شبيب. فأقام بالدّسكرة و نودى فى جيش الحارث: الحرب بالكوفة و المدائن، فخرجوا حتى أتوا سفيان، و أتته خيل المناظر عليهم سورة (2) ابن أبجر التميمى، و كتب إليه سورة بالتوقّف حتى يلحقه، فعجل سفيان فى طلب شبيب، فلحقه بخانقين‏ (3) و ارتفع شبيب عنهم، و أكمن له أخاه مصادا فى خمسين رجلا، و مضى فى سفح الجبل، فقالوا:

هرب عدوّ اللّه، فاتّبعوه، فقال لهم عدىّ بن عميرة الشيبانى:

لا تعجلوا حتى تبصروا الأرض لئلا يكون قد أكمن بها كمينا، فلم يلتفتوا و اتّبعوه، فلما جازوا الكمين عطف عليهم شبيب، و خرج أخوه فى الكمين، فانهزم الناس بغير قتال، و ثبت سفيان فى نحو

____________

(1) فى المراصد: بالفتح ثم السكون، و كسر كافه: قرية كبيرة بنواحى نهر ملك كمدينة صغيرة على ضفة نهر الملك. و سميت دسكرة الملك لأن هرمز بن أردشير كان يكثر المقام بها. و الدسكرة أيضا: قرية بخوزستان. و فى ياقوت.

بفتح الكاف.

(2) فى الكامل: سورة بن الحر. و المثبت فى الطبرى أيضا.

(3) بلدة من نواحى السواد (المراصد، و الكامل).

168

مائتين؛ فقاتلهم قتالا شديدا، ثم نجا حتى انتهى إلى بابل مهروذ (1) و كتب إلى الحجاج بالخبر، و يعرفه وصول الجند إلّا سورة بن أبجر فإنه لم يشهد معى القتال.

ذكر الوقعة بين شبيب و سورة

قال: و لما وصل كتاب سفيان إلى الحجّاج كتب إلى سورة ابن أبجر يلومه و يتهدّده، و يأمره أن ينتخب من المدائن خمسمائة فارس و يسير بهم و بمن معه إلى شبيب، فسار سورة بهم نحو شبيب، و شبيب فى جوخى‏ (2)، و سورة فى طلبه حتى انتهى إلى المدائن، فتحصن‏ (3) منه و أخذ منها [دوابّ‏] (4) و قتل من ظهر له، و خرج حتى انتهى إلى النّهروان‏ (5) فصلّوا و ترحّموا على أصحابهم الذين قتلهم على (رضى اللّه عنه) و تبرءوا من علىّ و أصحابه. و بلغ سورة خبره، فجمع أصحابه و قال: إن شبيبا لا يزيد على مائة رجل، و قد رأيت أن أنتخبكم فأسير فى ثلاثمائة من شجعانكم و آتيه، فأجابوه إلى ذلك، فسار فى ثلاثمائة نحو النّهروان، و أذكى شبيب الحرس، فلما دنا أصحاب سورة علموا بهم، فاستووا على خيولهم، و تعبّئوا تعبئتهم للحرب؛ فلما انتهى إليهم سورة رآهم قد حذروا،

____________

(1) مهروذ: آخره ذال معجمة، و الواو ساكنة: من طساسيج سواد العراق: نهر عليه قرى فى طريق خراسان (المراصد).

(2) نهر عليه كورة واسعة فى سواد العراق (المراصد).

(3) فى الكامل: فتحصنوا.

(4) بياض بالأصل، و المثبت من الطبرى و الكامل.

(5) كورة واسعة أسفل بغداد من شرقى تامرا (المراصد).

169

فحمل عليهم فثبتوا له، و صاح شبيب بأصحابه فحملوا عليهم و شبيب يقول‏ (1):

من ينك العير ينك نيّاكا * * * جندلتان اصطكّتا اصطكاكا

فرجع سورة إلى عسكره و قد هزم الفرسان و أهل القوة، فتحمّل بهم، و أقبل نحو المدائن، فتبعه شبيب يرجو أن يدركه، فوصل إليهم، و قد دخل الناس المدائن، فمرّ على كلواذا (2)، فأصاب بها دوابّ كثيرة للحجاج، فأخذها و مضى إلى تكريت، و أرجف الناس بالمدائن بوصول شبيب إليهم، فهرب من بها من الجند نحو الكوفة، و حبس الحجاج سورة ثم أطلقه.

ذكر الحرب بين شبيب و الجزل بن سعيد و قتل سعيد بن مجالد

قال: و لما قدم الفلّ‏ (3) الكوفة سيّر الحجاج الجزل بن سعيد ابن شرحبيل الكندى، و اسمه عثمان، نحو شبيب، و أوصاه بالاحتياط و ترك العجلة، و أخرج معه أربعة آلاف ليس فيهم أحد ممن هزم، فقدّم الجزل بين يديه عياض بن أبى لينة (4) الكندى، فساروا فى طلب شبيب و هو يخرج من رستاق إلى رستاق، يقصد بذلك أن يفرّق الجزل أصحابه فيلقاه و هو على غير تعبئة، فجعل الجزل لا يسير إلا على تعبئة، و لا ينزل إلّا خندق على نفسه.

فلما طال ذلك على شبيب دعا أصحابه و كانوا مائة و ستين رجلا،

____________

(1) الشطر الأول فى اللسان. و هو مثل يضرب فى مغالبة الغلاب.

(2) كلواذى: قرب بغداد (المراصد).

(3) الفل: المنهزمون.

(4) الكامل: ابن أبى لبنة.

170

ففرّقهم أربع فرق كل فرقة أربعين، فجعل أخاه مصادا فى أربعين، و سويد بن سليم فى أربعين، و المحلّل‏ (1) بن وائل فى أربعين، و بقى هو فى أربعين. و أتته عيونه، فأخبروه أن الجزل يريد (2) يزدجرد، فسار شبيب، و أمر كلّ رأس من أصحابه أن يأتى الجزل من جهة ذكرها له، و قال: إنى أريد أن أبيّته‏ (3)، فسار أخوه فانتهى إلى دير الخرّارة، فرأى للجزل مسلحة مع ابن أبى لينة، فحمل عليهم مصاد فيمن معه، فقاتلوه ساعة، ثم اندفعوا بين يديه، و قد أدركهم شبيب، فقال: اركبوا أكتافهم لتدخلوا عليهم عسكرهم إن استطعتم.

فاتبعوهم فانتهوا إلى عسكرهم، فمنعهم أصحابهم من دخول خندقهم، و كان للجزل مسالح أخرى فرجعت، فمنعهم من دخول الخندق، و جعل شبيب يحمل على المسالح حتى اضطرهم إلى الخندق، و رشقهم أهل العسكر بالنّبل. فلما رأى شبيب أنه لا يصل إليهم‏ (4) سار عنهم و تركهم، ثم نزل هو و أصحابه فاستراحوا، ثم أقبل بهم راجعا إلى الجزل، فأقبلوا و قد أدخل أهل العسكر مسالحهم إليهم و أمنوا، فما شعروا إلّا بوقع حوافر الخيل، فانتهوا إليهم قبل الصبح، و أحاطوا بعسكرهم من جهاته الأربع، ثم انصرف شبيب و تركهم، و لم يظفر بهم، فنزل على ميل و نصف، ثم صلّى الغداة و سار نحو جرجرايا (5)، و أقبل الجزل فى طلبهم على تعبئته، و سار شبيب‏

____________

(1) فى د: المحلك- تحريف.

(2) فى الطبرى: نزل دير يزدجرد.

(3) فى الطبرى: أن أبيت هذا العسكر.

(4) فى الكامل: إليه.

(5) جرجرايا: بفتح الجيم و سكون الراء الأولى و فتح الثانية: بلد من أعمال النهروان الأسفل بين واسط و بغداد من الجانب الشرقى (المراصد).

171

فى أرض الجوخى‏ (1) و غيرها، فطال ذلك على الحجّاج، فكتب إلى الجزل ينكر عليه إبطاءه و يأمره بمناهضتهم، فجدّ فى طلبهم و بعث الحجاج سعيد بن المجالد على جيش الجزل، و أمره بالجدّ فى قتال شبيب و ترك المطاولة، فوصل سعيد إلى الجزل و هو بالنّهروان و قد خندق عليه، فقام فى العسكر و وبّخهم و عجزهم.

ثم خرج، و أخرج معه الناس، و ضمّ إليه خيول أهل العسكر ليسير بهم جريدة (2) إلى شبيب و يترك الناس‏ (3) مكانهم، فنهاه الجزل عن ذلك، فلم ينته و لم يرجع إليه، و تقدّم و معه الناس، و أخذ شبيب إلى قطيطيا (4)، فدخلها و أغلق الباب، و أمر دهقانها (5) أن يصلح لهم غداء، فلم يتهيّأ الغداء حتى أتاه سعيد فى ذلك الجيش، فأعلم الدّهقان شبيبا، فقال: لا بأس، قرّب الغداء، فقرّبه فأكل و توضّأ و صلّى ركعتين، و ركب بغلا، و خرج إلى سعيد و هو على باب المدينة فحمل عليهم، و قال: لا حكم إلا للحكم، فهزمهم و ثبت سعيد، و نادى أصحابه، فحمل عليه شبيب، فضربه بالسيف فقتله، فانهزم ذلك الجيش، و قفلوا حتى انتهوا إلى الجزل، و كان قد وقف فى بقيّة العسكر، فناداهم: أيها الناس، إلىّ إلىّ، و قاتل قتالا شديدا حتى حمل جريحا، و قدم المنهزمون الكوفة.

____________

(1) جوخى: فى الكامل، و الطبرى، و ياقوت.

(2) الجريدة: خيل لا رجالة فيها (القاموس).

(3) فى د: الباقين.

(4) الضبط من الطبرى.

(5) بكسر الدال و ضمها (القاموس).

172

و كتب الجزل إلى الحجاج بالخبر، و أقام بالمدائن، فكتب إليه الحجاج يشكره و يثنى عليه، و أرسل إليه نفقة و من يداوى جراحه.

و سار شبيب نحو المدائن فعلم أنه لا سبيل إلى أهلها؛ فأقبل حتى أتى الكرخ، فعبر دجلة إليه، و أرسل إلى أهل سوق بغداد فأمّنهم، و كان يوم سوقهم، و اشترى أصحابه دوابّ و غيرها.

ذكر مسير شبيب إلى الكوفة

قال: ثم سار شبيب إلى الكوفة فنزل عند حمّام‏ (1) عمر ابن سعد (2)، فلما بلغ الحجاج مكانه بعث سويد بن عبد الرحمن السّعدى فى ألفى رجل، و قال له: ألق شبيبا فإن استطرد لك فلا تتبعه.

فخرج و عسكر بالسبخة (3)، فبلغه أنّ شبيبا قد أقبل، فسار نحوه و أمر الحجاج عثمان بن قطن فعسكر بالناس فى السّبخة، فبينا سويد يعبئ أصحابه إذ قيل له: أتاك شبيب؛ فنزل و نزل معه جلّ أصحابه، ثم أخبر أنه قد عبر الفرات و هو يريد الكوفة من وجه آخر، فركب هو و من معه، و ساروا فى آثارهم، و بلغ من بالسبخة إقبال شبيب فهمّوا بدخول الكوفة، ثم قيل لهم: إن سويدا فى آثارهم قد لحقهم و هو يقاتلهم، فثبتوا، و حمل شبيب على سويد و من معه حملة منكرة، ثم أخذ على بيوت الكوفة نحو الحيرة، و ذلك عند المساء، و تبعه سويد إلى الحيرة، فرآه قد ترك و ذهب، فتركه سويد و أقام حتى أصبح. و أرسل إلى الحجاج يعلمه الخبر.

____________

(1) موضع فى طريق الحاج بالكوفة (المراصد).

(2) فى ك: عمر بن سعيد، و المثبت فى الطبرى، و المراصد. و فى الكامل.

عمير بن سعد.

(3) موضع بالبصرة.

173

ذكر محاربة شبيب أهل البادية

قال: و كتب الحجاج إلى سويد يأمره باتباعه، فاتّبعه، و مضى شبيب حتى أغار أسفل الفرات على من وجد من قومه، و ارتفع إلى البر فأصاب رجالا من بنى الورثة (1)، فقتل منهم ثلاثة عشر رجلا، منهم:

حنظلة بن مالك، و مالك بن حنظلة، و مضى حتى أتى بنى أمية على اللّصف‏ (2)، و على ذلك الماء الفزر بن الأسود، و هو أحد بنى الصلت، و كان ينهى شبيبا عن رأيه، و كان شبيب يقول:

لئن ملكت سبعة أعنّة لأغزونّ الفزر، فلما بلغهم خبر شبيب ركب الفزر فرسا، و خرج من البيوت و انهزم. فرجع شبيب، و قد أخاف أهل البادية، فأخذ على القطقطانة (3) ثم على قصر بنى مقاتل، ثم على الأنبار، و مضى حتى دخل دقوقاء (4)، ثم ارتفع إلى أدانى أذربيجان، فلما أبعد سار الحجاج إلى البصرة، و استخلف على الكوفة عروة (5) بن شعبة، فأتاه الخبر بإقبال شبيب نحو الكوفة، فكتب إلى الحجاج بذلك، فأقبل من البصرة مجدّا نحو الكوفة فسابق‏ (6) شبيبا إليها.

____________

(1) فى هامش الكامل: الورثة- بكسر الواو. و فى القاموس: و بنو الورثة- بالكسر: بطن نسبوا إلى أمهم.

(2) فى المراصد: اللصف- بالتحريك: بركة فى غربى طريق مكة.

(3) بالضم، ثم السكون، ثم قاف أخرى مضمومة، و طاء أخرى، و بعد الألف نون و هاء: موضع قرب الكوفة من جهة البرية بالطف (المراصد).

(4) دقوقاء: بالفتح ثم الضم، و بعد الواو قاف أخرى، و ألف ممدودة:

بلدة بين إربل و بغداد (المراصد).

(5) فى الطبرى، و الكامل: عروة بن المغيرة بن شعبة.

(6) فى د: يسابق.

174

ذكر دخول شبيب الكوفة

قال: و أقبل شبيب إلى الكوفة فسابق‏ (1) الحجاج إليها، فطوى الحجاج المنازل، فوصل الكوفة صلاة العصر، و نزل شبيب السّبخة صلاة المغرب، فأكلوا شيئا ثم ركبوا خيولهم فدخلوا الكوفة و بلغوا السّوق، و ضرب شبيب باب القصر بعموده، فأثّر فيه أثرا عظيما، و وقف عند المصطبة، ثم قال‏ (2):

عبد دعىّ من ثمود أصله‏ * * * لا بل يقال أبو أبيهم يقدم‏

يعنى الحجاج، فإنّ بعض الناس يقول: إن ثقيفا بقايا ثمود، و منهم من يقول: هم من نسل يقدم الإيادي.

ثم اقتحموا المسجد الأعظم، و كان لا يفارقه قوم يصلّون فيه، فقتلوا عقيل بن مصعب الوادعىّ، و عدىّ بن عمرو الثقفى، و أبا ليث ابن أبى سليم؛ و مرّوا بدار حوشب و هو على الشّرط- فقالوا: إن الأمير يطلبه، فأراد الركوب، ثم أنكرهم فلم يخرج إليهم، فقتلوا غلامه.

ثم مرّوا بمسجد بنى ذهل، فرأوا ذهل بن الحارث فقتلوه، ثم خرجوا من الكوفة، فاستقبلهم النّضر بن القعقاع بن شور (3) الذّهلى، و كان قد أقبل مع الحجاج من البصرة، فتخلّف عنه فقتلوه، ثم خرجوا نحو المردمة (4)، و أمر الحجاج مناديا فنادى: يا خيل اللّه‏

____________

(1) فى د: يسابق.

(2) و الطبرى: 6- 241، و الكامل: 4- 49.

(3) فى ك: سور. و الصواب فى د، و الطبرى، و الكامل، و القاموس:

(4) جبل لبنى مالك بن ربيعة (المراصد).

175

اركبى؛ فأتاه الناس من كل جانب، فبعث بشر بن غالب الأسدى فى ألفى رجل، و زائدة بن قدامة الثقفى فى ألفى رجل، و أبا الضّريس مولى بنى تميم فى ألفى رجل، و عبد الأعلى بن عبد اللّه بن عامر، و زياد ابن عمرو العتكى، و سيّر معهم محمد بن موسى بن طلحة بن عبيد اللّه، و كان عبد الملك قد استعمله على سجستان، و كتب إلى الحجاج أن يجهّزه، فقال له الحجاج: تلقى شبيبا فتجاهده، فيكون الظّفر لك، و يظهر (1) اسمك ثم تمضى إلى عملك.

و قال الحجاج لهؤلاء الأمراء: إن كان حرب فأميركم زائدة ابن قدامة. فساروا فنزلوا أسفل الفرات، فترك شبيب الوجه الذى هم فيه و أخذ نحو القادسيّة.

ذكر محاربة شبيب زحر بن قيس و هزيمة جيش زحر (2)

قال: و وجّه الحجاج جريدة خيل اختارهم ألف و ثمانمائة فارس مع زحر بن قيس، و قال له: اتبع شبيبا حتى تواقعه أين أدركته إلا أن يكون ذاهبا فاتركه ما لم يعطف عليك؛ فخرج زحر حتى انتهى إلى السّيلحين‏ (3)، و أقبل شبيب نحوه فالتقيا، فجمع شبيب خيله، ثم اعترض بهم الصفّ حتى انتهى إلى زحر، فقاتل زحر حتى صرع، و انهزم أصحابه و ظنّوا أنهم قتلوه، فلما كان السّحر قام يمشى حتى دخل قرية فبات بها، و حمل منها إلى الكوفة و بوجهه و رأسه بضع عشرة جراحة، فمكث أياما. ثم أتى الحجاج فأجلسه معه على السرير،

____________

(1) فى الكامل: و يطير.

(2) فى ك: بضم الزاى و الحاء، و الصواب فى القاموس، و التاج.

(3) بفتح أوله و إسكان ثانيه و فتح اللام و كسر الحاء المهملة: موضع بالحيرة (المراصد).

176

و قال: من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة يمشى فى الناس فلينظر إلى هذا.

ذكر محاربته الأمراء الذين ندبهم الحجّاج لقتاله و قتال‏ (1) محمد بن موسى بن طلحة و زائدة بن قدامة

قال: لما هزم شيب أصحاب زحر قال له أصحابه نصرف بنا الآن وافرين، فقد هزمنا لهم جندا. فقال: إن هذه الهزيمة قد أرعبت قلوب الأمراء و الجنود الذين فى طلبكم؛ فاقصدوهم، فو اللّه لئن قاتلناهم ما دون الحجاج مانع‏ (2)، و نأخذ الكوفة إن شاء اللّه.

فقالوا: نحن لرأيك تبع، و سأل عن الأمراء فقيل: إنهم بروذبار (3) على أربعة و عشرين فرسخا من الكوفة؛ فقصدهم فانتهى إليهم و قد تعبّئوا للحرب، و أمير الجماعة زائدة بن قدامة، و على ميمنته زياد بن عمرو العتكى، و على الميسرة بشر بن غالب الأسدى، و كلّ أمير واقف فى أصحابه.

و أقبل شبيب فى ثلاث كتائب: كتيبة فيها سويد بن سليم وقف بإزاء الميمنة، و كتيبة فيها مصاد أخو شبيب وقف بإزاء الميسرة، و وقف شبيب مقابل القلب. فحمل سويد على زياد فانكشف أهل الميمنة، وثبت زياد فى نحو من نصف أصحابه، ثم ارتفع عنهم سويد قليلا، ثم حمل ثانية فتطاعنوا ساعة، و اقتتلوا أشدّ قتال،

____________

(1) فى ك: و قتل.

(2) فى الطبرى: ما دون الحجاج من شي‏ء.

(3) فى المراصد: بضم أوله و سكون ثانيه و ذال معجمة و باء موحدة و آخره راء. و فى البكرى باسكان الذال المعجمة.

177

ثم ارتفع سويد عنهم، فتفرّق أصحاب زياد بن عمرو من كل جانب، فحمل عليهم الثالثة فانهزموا و أخذت السيوف زياد بن عمرو من كل جانب [فلم تضره للباسه‏ (1)]، فانهزم‏ (2) و قد جرح جراحة يسيرة، و ذلك عند المساء، ثم حملوا على عبد الأعلى بن عبد اللّه ابن عامر، فهزموه، و لم يقاتل كثيرا، و لحق بزياد؛ فمضيا منهزمين.

و حملت الخوارج على محمد بن موسى بن طلحة عند المغرب، فقاتلوه قتالا شديدا، و حمل مصاد على بشر بن غالب، و هو فى ميسرة أهل الكوفة، فصبر بشر، و نزل و نزل معه نحو خمسين رجلا، فقاتلوا حتى قتلوا عن آخرهم، و انهزم أصحابه، و حملت الخوارج على أبى الضّريس مولى بنى تميم، و هو يلى بشر بن غالب، فهزموه حتى انتهى إلى موقف أعين، ثم حملوا عليه و على أعين، فهزموهما حتى انتهوا بهما إلى زائدة بن قدامة، فنادى زائدة: يأهل الإسلام؛ الأرض، الأرض، لا يكونوا على كفرهم أصبر منكم على إيمانكم، فقاتلهم عامة الليل حتى كان السّحر، ثم إن شبيبا حمل عليه فى جماعة من أصحابه، فقتله و قتل أصحابه، فلما قتل دخل أبو الضّريس و أعين جوسقا عظيما، و قال شبيب لأصحابه: ارفعوا السيف عنهم، و ادعوهم إلى البيعة، فدعوهم‏ (3) إلى البيعة عند الفجر، فبايعوه و سلّموا عليه بإمرة المؤمنين، و كان فيمن بايعه أبو بردة بن أبى موسى‏

____________

(1) من د.

(2) فى د: ثم انهزم.

(3) فى ك: فدعاهم.

178

الأشعرى، فلما طلع الفجر أمر محمد بن موسى بن طلحة مؤذّنه فأذّن، و كان لم ينهزم. فقال شبيب: ما هذا؟ قالوا: محمد بن موسى لم يبرح، فقال: قد ظننت أن حمقه و خيلاءه يحمله على هذا.

ثم نزل شبيب فأذّن هو و صلّى بأصحابه الصبح، ثم ركبوا فحملوا على محمد و أصحابه، فانهزمت طائفة منهم، و ثبتت معه طائفة، فقاتل حتى قتل، و أخذت الخوارج ما فى العسكر، و انهزم الذين كانوا بايعوا شبيبا بجملتهم، ثم أتى شبيب الجوسق الذى فيه أعين و أبو الضّريس فتحصّنوا منه، فأقام عليهم يومه ذلك، و سار عنهم فأتى خانيجار (1) فأقام بها، و بلغ الحجاج مسيره، فظنّ أنه يريد المدائن، فهاله ذلك، فبعث عثمان بن قطن أميرا على المدائن و عزل عنها عبيد اللّه بن أبى عصيفير (2).

و قيل فى مقتل محمد بن موسى: أنه قتله مبارزة، و ذلك أنه كان شهد مع عمر بن عبيد اللّه بن معمر قتال أبى فديك، و كان شجاعا ذا بأس، فزوّجه عمر ابنته، و كانت أخته تحت عبد الملك ابن مروان، فولّاه سجستان، فمرّ بالكوفة و فيها الحجاج، فقيل له:

صار هذا بسجستان مع صهره لعبد الملك، فلو لجأ إليه أحد ممن يطلب‏ (3) منعك منه. قال: فما الحيلة؟ قال: تأتى إليه، و تسلّم‏

____________

(1) خانيجار: بعد الألف نون، ثم ياء مثناة من تحت و جيم و آخره راء:

بليدة قرب دقوقاء (المراصد).

(2) و الطبرى: 6- 228، و فى الكامل: عبد اللّه بن عصيفر.

(3) فى ك: تطلب.

179

عليه، و تذكر نجدته و بأسه، و أنّ شبيبا فى طريقه، و أنه قد أعياك، و ترجو أن يريح اللّه منه على يده، فيكون له ذكره و فخره.

ففعل الحجاج ذلك، فأجابه محمد، و عدل إلى شبيب، فأرسل إليه شبيب إنّك مخدوع، و إن الحجاج قد اتّقى بك، و أنت جار لك حقّ، فانطلق لما أمرت به و لك اللّه أنى لا أضرك‏ (1). فأبى إلّا محاربته، فواقفه شبيب، و أعاد عليه الرسول، فأبى و طلب البراز فبرز إليه شبيب، و قال له: أنشدك اللّه فى دمك؛ فإنّ لك جوارا، فأبى. فحمل عليه شبيب فضربه بعمود حديد زنته اثنا عشر رطلا بالشامى، فهشم البيضة و رأسه، فسقط فكفّنه شبيب و دفنه، و ابتاع ما غنمه من عسكره فبعثه إلى أهله و اعتذر شبيب إلى أصحابه، و قال: هو جارى، و لي أن أهب ما غنمت.

ذكر محاربته‏ (2) عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث و عثمان بن قطن و قتل ابن قطن‏

قال: ثم إن الحجّاج أمر عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث أن ينتخب ستة آلاف فارس و يسير بهم فى طلب شبيب أين كان، ففعل ذلك، و سار نحوه، فسار شبيب إلى دقوقاء و شهرزور (3)، و عبد الرحمن فى طلبه حتى انتهى إلى التّخوم، فوقف و قال: هذه أرض الموصل، فليقاتلوا عنها.

____________

(1) فى الكامل: لا أوذيك.

(2) فى الكامل: محاربة.

(3) بالفتح ثم السكون و راء مفتوحة بعدها زاى و واو ساكنة و راء: كورة واسعة بين إربل و همذان (المراصد).

180

فكتب إليه الحجاج: أما بعد فاطلب شبيبا و اسلك فى أثره أين سلك حتى تدركه فتقتله أو تنفيه، فإنما السلطان سلطان أمير المؤمنين و الجند جنده.

فخرج عبد الرحمن فى طلبه، فكان شبيب يدعه حتى يدنو منه فيبيّته فيجده قد خندق على نفسه و حذر، فيتركه [و يسير] (1) فيتبعه عبد الرحمن، فإذا بلغ شبيبا مسيرهم أتاهم و هم سائرون فيجدهم على تعبئة فلا يصيب لهم غرّة، ثم جعل إذا دنا منه عبد الرحمن يسير عشرين فرسخا، و نحوها، و ينزل فى أرض خشنة غليظة، و يتبعه عبد الرحمن، فإذا دنا منه فعل مثل ذلك حتى أتعب ذلك الجيش، و شقّ عليهم‏ (2)، و أحفى دوابّهم.

و لم يزل عبد الرحمن يتبعه حتى مرّ به على خانقين‏ (3) و جلولاء و تامرّا (4)، ثم أقبل إلى البتّ، و هى من قرى الموصل ليس بينها و بين سواد الكوفة إلّا نهر حولايا، و ذلك فى عشر ذى الحجة سنة [76 ه] ست و سبعين، فأرسل شبيب إلى عبد الرحمن:

إن هذه أيام عيد لنا و لكم [يعنى عيد النّحر] (5)، فهل لك فى الموادعة حتى تمضى هذه الأيام؟ فأجابه إلى ذلك، و كان يحبّ المطاولة.

و كتب عثمان بن قطن أمير المدائن إلى الحجاج يقول: أما بعد

____________

(1) من الكامل. و فى الطبرى: فيمضى و يدعه فيتبعه.

(2) الكامل: و شق عليه.

(3) خانقين: بلدة من نواحى السواد فى طريق همذان من بغداد. و خانقين أيضا: بلدة بالكوفة (المراصد).

(4) تامرا: نهر كبير تحت بغداد شرقيها. و فى الكامل: سامرا. و سامرا:

مدينة كانت بين بغداد و تكريت على شرقى دجلة.

(5) من الكامل.

181

فإن عبد الرحمن قد حفر جوخى كلّها خندقا واحدا، و كسر خراجها، و خلّى شبيبا يأكل أهلها. و السلام.

فكتب إليه الحجاج يأمره بالمسير إلى الجيش، و أمّره عليهم، و عزل عنهم عبد الرحمن، و بعث إلى المدائن مطرّف بن المغيرة ابن شعبة، فسار عثمان حتى قدم على العسكر عشيّة الثلاثاء يوم التّروية؛ فنادى الناس- و هو على بغلة: أيها الناس، اخرجوا إلى عدوّكم، فقالوا: هذا المساء قد غشينا و الناس لم يوطّنوا أنفسهم على الحرب، فبت الليلة ثم اخرج على تعبئة، فأبى ذلك، ثم نزل و بات ليلته يحرّض أصحابه، فلما أصبح يوم الأربعاء خرج بالناس كلّهم، فاستقبلتهم ريح شديدة و غبرة، فقال له أصحابه: ننشدك اللّه أن تخرج بنا و الريح علينا. فأقام بهم ذلك اليوم، ثم خرج يوم الخميس، ثم‏ (1) عبّأهم، فجعل فى الميمنة خالد بن نهيك بن قيس، و على الميسرة عقيل بن شدّاد، و نزل هو فى الرجّالة، و عبر شبيب إليهم النهر، و هو يومئذ فى مائة و أحد و ثمانين رجلا، فوقف هو فى الميمنة، و جعل أخاه مصادا فى القلب، و جعل سويد بن سليم فى الميسرة، و زحف بعضهم إلى بعض، فحمل شبيب على ميسرة عثمان فانهزموا، و نزل عقيل بن شداد فقاتل حتى قتل، و قتل مالك ابن عبد اللّه الهمدانى، و دخل شبيب عسكرهم، و حمل سويد على ميمنة عثمان فهزمها، فقاتل خالد بن نهيك قتالا شديدا، و حمل شبيب من ورائه فقتله، و تقدم عثمان بن قطن و قد نزل معه العرفاء

____________

(1) فى د: و قد.

182

و أشراف الناس و الفرسان نحو القلب و فيه مصاد أخو شبيب فى نحو من ستّين رجلا، فشدّ عليهم عثمان فيمن معه فثبتوا له.

و حمل شبيب بالخيل من ورائهم فما شعروا إلّا و الرّماح فى أكتافهم تكبّهم لوجوههم، و عطف عليهم سويد بن سليم فى خيله، و قاتل عثمان بن قطن أحسن قتال، ثم أحاطوا به، و ضربه مصاد بن يزيد ضربة بالسيف استدار لها و قال‏ (1): «وَ كانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا»*.

ثم قتل، و سقط عبد الرحمن عن فرسه، فأتاه ابن أبى سبرة الجعفى و هو على بغلة فأركبه معه، و نادى فى الناس: الحقوا بدير (2) أبى مريم، ثم انطلقا (3) ذاهبين، ثم أتاه واصل [بن الحارث‏] (4) السكونى ببرذون فركبه و سار حتى نزل دير البقار (5)، و أمر شبيب أصحابه فرفعوا السيف عن الناس، و دعاهم إلى البيعة فبايعوه، و قتل يومئذ من كندة مائة و عشرون، و بات عبد الرحمن بدير البقّار (6)، فأتاه فارسان، فصعدا إليه فخلا به أحدهما طويلا ثم نزلا؛ فقيل: إن ذلك الرجل كان شبيبا، و كان بينه و بين عبد الرحمن مكاتبة، و سار عبد الرحمن حتى أتى دير أبى مريم، فاجتمع الناس إليه و قالوا له: إن سمع شبيب بمكانك أتاك فكنت له غنيمة.

فخرج إلى الكوفة و اختفى من الحجّاج حتى أخذ له الأمان منه، و كانت هذه الوقائع التى ذكرناها كلّها من أخبار شبيب فى سنة ست و سبعين.

____________

(1) سورة النساء، آية 47، و غيرها.

(2) فى ك: بدير ابن أبى مريم. و المثبت فى الكامل، د، و الطبرى.

(3) فى الكامل: ثم انطلقوا ذاهبين، و المثبت فى الطبرى أيضا.

(4) زيادة من الطبرى.

(5) فى الطبرى (6- 255): دير اليعار. و المثبت فى الكامل أيضا.

(6) فى الطبرى (6- 255): دير اليعار. و المثبت فى الكامل أيضا.

183

ذكر محاربة (1) عتاب بن ورقاء و زهرة بن حويّة (2) و قتلهما

و فى سنة [77 ه] سبع و سبعين أتى شبيب ماه بهراذان‏ (3) فصيّف بها ثلاثة أشهر، و كان حين هزم ذلك الجيش حرّ شديد، فلما صيّف هناك أتاه ناس كثير ممن يطلب الدنيا و ممّن كان الحجاج يطلبهم بمال أو تبعات.

فلما ذهب الحرّ خرج فى نحو ثمانمائة رجل، فأقبل نحو المدائن، و عليها مطرّف بن المغيرة بن شعبة، فجاء حتى نزل قناطر حذيفة ابن اليمان، فكتب مهروذ عظيم بابل إلى الحجّاج بذلك، فقام الحجّاج فى الناس فقال: أيها الناس، لتقاتلن عن بلادكم و عن بنيكم‏ (4) أو لأبعثنّ إلى قوم هم أطوع و أصبر على اللأواء و القيظ منكم، فيقاتلون عدوّكم و يأكلون فيئكم.

فقام إليه الناس من كل جانب فقالوا: نحن نقاتلهم فليندبنا الأمير إليهم، و قام زهرة بن حويّة- و هو شيخ كبير، فقال: أصلح اللّه الأمير، إنما تبعث إليهم الناس متقطّعين، فاستنفر الناس إليهم كافّة، و ابعث إليهم رجلا شجاعا مجرّبا ممن يرى الفرار [هضما] و (5) عارا، و الصّبر مجدا و كرما.

____________

(1) فى د: محاربته.

(2) فى المشتبه: ابن جويرية. و قيل: ابن حوية. و المثبت فى الطبرى أيضا (6- 257).

(3) ماه بهراذان: قال ياقوت: و ما أظنها إلا ناحية الراذانين.

(4) فى الكامل، و الطبرى: فيئكم.

(5) من الطبرى.

184

فقال الحجاج: فأنت ذاك الرجل، فاخرج.

فقال: أصلح اللّه الأمير، إنما يصلح رجل يحمل الدّرع و الرمح، و يهزّ السيف، و يثبت على الفرس، و أنا لا أطيق شيئا من هذا، و قد ضعف بصرى، و لكن أخرجنى فى الناس مع الأمير فأشير عليه برأيى.

فقال له الحجاج: جزاك اللّه خيرا عن الإسلام و أهله فى أوّل أمرك و آخره.

ثم قال: أيها الناس، سيروا بأجمعكم كافّة؛ فخرج الناس يتجهّزون و لا يدرون من أميرهم.

و كتب الحجاج إلى عبد الملك يخبره أنّ شبيبا قد شارف المدائن؛ و أنه يريد الكوفة، و قد عجز أهلها عن قتاله فى مواطن كثيرة، يقتل أمراءهم و يهزم جندهم؛ و سأله أن يبعث جندا من الشام يقاتلون الخوارج، و يأكلون البلاد. فبعث عبد الملك سفيان بن الأبرد الكلبى فى أربعة آلاف، و حبيب بن عبد الرحمن الحكمى فى ألفين، و بعث الحجاج إلى عتّاب بن ورقاء يستدعيه، و كان يقاتل الازارفة مع المهلّب كما تقدم.

و استشار الحجاج أهل الكوفة فيمن يوليه أمر الجيش، فقالوا:

رأيك أفضل. فقال: قد بعثت إلى عتّاب بن ورقاء و هو قادم عليكم الليلة أو القابلة؛ فقال زهرة: رميتهم بحجرهم، و اللّه لا يرجع إليك حتى يظفر أو يقتل. و قال له قبيصة بن والق: إنّ الناس قد تحدثوا أنّ جيشا قد وصل إليك من الشام، و أن أهل الكوفة قد هزموا و هان عليهم الفرار، فقلوبهم كأنها ليست فيهم؛ فإن رأيت أن تبعث‏

185

إلى أهل الشام ليأخذوا حذرهم، فإنك تحارب حوّلا قلّبا ظعّانا (1) رحالا، و قد جهّزت إليهم أهل الكوفة و لست واثقا بهم كلّ الثقة، فإن شبيبا بينا هو فى أرض إذا هو فى أخرى، و لا آمن أن يأتى أهل الشام و هم آمنون؛ فإن يهلكوا تهلك‏ (2) و يهلك أهل العراق.

فقال: للّه أبوك، ما أحسن ما أشرت به! و أرسل إلى أهل الشام يحذّرهم و يأمرهم أن يأتوا على عين التمر (3)، ففعلوا، و قدم عتّاب بن ورقاء تلك الليلة، فبعثه الحجاج على ذلك الجيش، فعسكر بحمّام أعين‏ (4)، و أقبل شبيب حتى انتهى إلى كلواذا (5) فقطع منها دجلة، ثم سار حتى نزل مدينة بهرسير (6) الدنيا، و هى المدائن الغربية، فصار بينه و بين مطرّف دجلة، فقطع مطرف الجسر، و بعث إلى شبيب أن ابعث إلىّ رجالا من وجوه أصحابك أدارسهم القرآن و أنظر فيما يدعون‏ (7) إليه، فبعث إليه بمعتّب‏ (8) بن سويد و المحلّل و غيرهما، و أخذ منه رهائن على عود أصحابه، فأقاموا عنده أربعة أيام، ثم أعادهم، و لم يتفقوا، فلما لم يتبعه مطرّف تهيّأ

____________

(1) فى ك: طعانا.

(2) فى الطبرى: نهلك.

(3) عين التمر: بلدة فى طرف البادية على غربى الفرات (المراصد).

(4) حمام أعين: موضع بالكوفة منسوب إلى «أعين» مولى سعد بن أبى وقاص.

(5) قرب بغداد.

(6) بالفتح، ثم الضم و فتح الراء و كسر السين المهملة و ياء ساكنة و راء:

من نواحى بغداد قرب المدائن. و قال حمزة: هى إحدى المدائن السبعة التى سميت بها المدائن، و هى فى غربى دجلة (المراصد).

(7) فى الكامل: فيما تدعو إليه.

(8) فى الكامل: قعنب، و المثبت فى الطبرى أيضا.

186

للمسير إلى عتّاب. و أقبل عتّاب حتى نزل بسوق حكمة (1) و قد خرج معه من المقاتلة أربعون ألفا، و من الشباب و الأتباع عشرة آلاف، فكانوا خمسين ألفا. و كان الحجاج قد قال لهم حين ساروا: ألا إن للسائر المجدّ الكرامة و الأثرة، و للهارب الهوان و الجفوة، و الذى لا إله غيره لئن فعلتم فى هذا الموطن كفعلكم فى غيره من المواطن لأولينّكم كنفا (2) خشنا، و لأعركنّكم بكلكل ثقيل.

و سار شبيب من المدائن و أصحابه ألف رجل، فتخلّف عنه بعضهم، فصلّى الظهر بساباط، و صلّى العصر، و سار حتى أشرف على عتّاب و عسكره، فلما رآهم نزل فصلّى المغرب؛ و كان عتّاب قد عبّأ أصحابه، فجعل فى الميمنة محمد بن عبد الرحمن بن سعيد بن قيس، و فى الميسرة نعيم بن عليم، و بعث حنظلة بن الحارث اليربوعى- و هو ابن عمه على الرجّالة، و صفّهم ثلاثة (3) صفوف: صفّ فيهم أصحاب السيوف، و صفّ فيهم أصحاب الرماح، و صفّ فيهم الرّماة، ثم سار فى الناس يحرّضهم على القتال، و رجع فجلس فى القلب، و معه زهرة بن حويّة جالس، و عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، و أبو بكر ابن محمد بن أبى جهم العدوى.

و أقبل شبيب و هو فى ستمائة، و قد تخلّف عنه من أصحابه أربعمائة؛ فجعل سويد بن سليم فى الميسرة فى مائتين، و المحلّل بن وائل فى القلب فى مائتين، و وقف هو فى الميمنة فى مائتين، و ذلك بين المغرب و العشاء

____________

(1) سوق حكمة: موضع بنواحى الكوفة.

(2) الكنف: الجانب.

(3) بالأصول: ثلاث.

187

الآخرة حين أضاء القمر، فناداهم: لمن هذه الرايات؟ قالوا: لربيعة.

قال: طالما نصرت الحقّ، و طالما نصرت الباطل؛ و اللّه لأجاهدنّكم محتسبا، أنا شبيب، لا حكم إلا للحكم، اثبتوا إن شئتم.

ثم حمل عليهم ففضّهم، فثبت أصحاب رايات قبيصة بن والق، و عبيد بن الحليس، و نعيم بن عليم، فقتلوا، و انهزمت الميسرة كلها، ثم حمل شبيب على عتّاب بن ورقاء، و حمل سويد بن سليم على الميمنة و عليها محمد بن عبد الرحمن، فقاتلهم فى رجال من تميم و همدان؛ فما زالوا كذلك حتى قيل لهم: قتل عتّاب، فانفضّوا (1).

و لم يزل عتّاب جالسا على طنفسته‏ (2) فى القلب و معه زهرة بن حويّة حتى غشيهم شبيب، فقال عتّاب: يا زهرة، هذا يوم كثر فيه العدد و قلّ فيه الغناء، و الهفى على خمسمائة فارس من تميم من جميع الناس، أ لا صابر لعدوه! أ لا مواس بنفسه! فانفضّوا عنه و تركوه، فلما دنا منه شبيب وثب فى عصابة قليلة صبرت معه؛ و قاتل ساعة، فرآه رجل من أصحاب شبيب يقال له عامر بن عمرو التغلبى، فحمل عليه فطعنه، و جاء الفضل بن عامر الشيبانى إلى زهرة فقتله، و تمكّن‏ (3) شبيب من أهل العسكر و الناس، فقال: ارفعوا السيف. و دعاهم إلى البيعة، فبايعه الناس و هربوا من ليلتهم، و حوى ما فى العسكر.

و أقام شبيب بعد الوقعة ببيت قرة يومين، ثم سار نحو الكوفة

____________

(1) فى ك: فانقرضوا.

(2) فى الكامل، و الطبرى: طنفسة.

(3) فى الكامل: فاستمسك. و فى الطبرى: و استمكن.

188

فنزل بسورا (1). و قتل عاملها، و كان سفيان بن الأبرد و عسكر الشام قد دخلوا الكوفة فشدّوا ظهر الحجاج، و استغنى بهم عن أهل الكوفة، و قام على المنبر فقال: يأهل الكوفة، لا أعزّ اللّه من أراد بكم العزّ، و لا نصر من أراد بكم النّصر، اخرجوا عنّا فلا تشاهدوا معنا قتال عدونا، انزلوا الحيرة مع اليهود و النصارى، و لا يقاتل معنا إلّا من لم يشهد قتال عتّاب.

ذكر قدوم شبيب الكوفة و انهزامه عنها

قال: ثم سار شبيب من سورا فنزل حمّام أعين، فدعا الحجاج الحارث بن معاوية الثقفى، فوجّهه فى ناس من الشّرط و غيرهم لم يشهدوا يوم عتّاب، فخرجوا فى ألف فنزلوا زرارة (2)، فبلغ ذلك شبيبا، فعجل إلى الحارث، فلما انتهى إليه حمل عليه فقتله، و انهزم أصحابه، فدخلوا الكوفة، و جاء شبيب فعسكر بناحية الكوفة فأقام ثلاثا، فنزل السّبخة، و ابتنى بها مسجدا، و ذلك فى اليوم الثانى من الأيام الثلاثة.

فلما كان اليوم الثالث أخرج الحجاج أبا الورد مولاه عليه تجفاف‏ (3) و معه غلمان‏ (4) له، فقالوا: هذا الحجاج! فحمل عليه شبيب فقتله، فأخرج إليه غلامه طهمان فى مثل تلك العدّة و الحالة، فقتله شبيب، و قال: إن كان هذا الحجاج فقد أرحتكم منه.

____________

(1) سورا: موضع من أرض بابل. و سوراء: موضع قيل إلى جنب بغداد.

و قيل بغداد نفسها، و يروى بالقصر (المراصد).

(2) محلة بالكوفة.

(3) التجفاف- بالكسر: آلة يلبسها الفرس و الإنسان لتقيه فى الحرب (القاموس)

(4) فى الأصول: و معه غلمان له.

189

ثم خرج الحجاج عند ارتفاع النهار من القصر، فركب بغلا و معه أهل الشام، فلما رأى الحجاج شبيبا و أصحابه نزل و جلس على كرسىّ، و تقدّم إليه شبيب و أصحابه فلقوهم بأطراف الأسنّة؛ فكان بينهم قتال شديد عامّة النهار، حتى انتهى الحجاج إلى مسجد شبيب، فقال: هذا أوّل الفتح.

ثم قال خالد بن عتّاب للحجاج: ائذن لى فى قتالهم، فإنى موتور. فأذن له، فخرج و معه جماعة من أهل الكوفة، فقصد عسكرهم من ورائهم، فقتل مصادا أخا شبيب، و قتل امرأته [غزالة] (1)، هذا و شبيب يقاتل الحجاج، و أتى الخبر الحجاج فكبّر فعندها ركب شبيب و كان قد نزل فقاتل على الأرض، و قال الحجاج لأصحابه: احملوا عليهم، فإنه قد أتاهم ما أرعبهم؛ فشدّوا على أصحاب شبيب فهزموهم، و ثبت شبيب فى حامية الناس، فبعث الحجاج إلى خيله أن دعوه، فتركوه و رجعوا، و دخل الحجاج الكوفة، و بعث حبيب بن عبد الرحمن الحكمى فى ثلاثة آلاف فارس من أهل الشام، فخرج فى أثره حتى نزل إلى الأنبار.

و كان الحجاج قد نادى عند انهزام شبيب: من جاءنا منكم فهو آمن؛ فتفرّق عن شبيب ناس كثير من أصحابه. فلما نزل حبيب الأنبار أتاهم شبيب، فلما دنا منهم نزل فصلّى المغرب، و كان حبيب قد جعل أصحابه أرباعا، و قال: ليمنع كلّ ربع منكم جانبه فإن قاتل هذا الربع فلا يعنهم‏ (2) الربع الآخر. و أتاهم شبيب و هو على تعبئته فحمل [على‏] (3) ربع، فقاتلهم طويلا، فما زالت قدم إنسان عن موضعها

____________

(1) ساقط فى ك.

(2) فى الطبرى: فلا يغثهم.

(3) من د بين السطور.

190

فتركهم، و أقبل إلى ربع آخر، فكانوا كذلك، و قاتل الربع الثالث و الرابع و هم كذلك، فما برح يقاتلهم حتى ذهب ثلاثة أرباع الليل، ثم نازلهم راجلا، فسقطت بينهم‏ (1) الأيدى و كثرت القتلى، و فقئت الأعين، و قتل من أصحاب شبيب نحو ثلاثين رجلا، و من أهل الشام نحو مائة. و استولى التّعب و الإعياء على الطائفتين حتى إن الرجل ليضرب بسيفه فلا يصنع شيئا، فلما يئس شبيب منهم تركهم و انصرف عنهم، ثم قطع دجلة و أخذ فى أرض جوخى ثم قطع دجلة مرة أخرى عند واسط، و أخذ نحو الأهواز إلى فارس ثم إلى كرمان ليستريح هو و من معه.

ذكر مهلك شبيب‏

كان مهلك شبيب فى سنة [77 ه] سبع و سبعين، و سبب ذلك أن الحجاج أنفق فى أصحاب سفيان بن الأبرد مالا عظيما، و أمرهم بقصد شبيب، فساروا نحوه مع سفيان بن الأبرد، و كتب الحجاج إلى الحكم بن أيوب زوج ابنته- و هو عامله على البصرة- أن يرسل أربعة آلاف فارس من أهل البصرة، ففعل و سيّرهم مع زياد بن عمرو العتكى، فلم يصل إلى سفيان حتى التقى سفيان مع شبيب. و كان شبيب قد أقام بكرمان حتى استراح و أراح، ثم أقبل راجعا فالتقى مع سفيان بجسر (2) دجيل الأهواز، فعبر شبيب الجسر إلى سفيان فوجده قد نزل فى الرجال، و جعل مهاصر بن سيف‏ (3) على الخيل، و أقبل‏

____________

(1) فى الكامل: منهم.

(2) بالفتح ثم السكون، و آخره راء. و ربما كسرت الجيم، و الفتح أشهر (المراصد).

(3) فى الطبرى (6- 279): بن صيفى. و المثبت فى الكامل أيضا.

191

شبيب فى ثلاثة كراديس‏ (1)، فاقتتلوا أشدّ قتال، و رجع شبيب إلى المكان الذى كان فيه، ثم حمل عليه هو و أصحابه أكثر من ثلاثين حملة، و أهل الشام على حالهم فى ثبات القدم، و ما زالوا يقاتلون الخوارج حتى اضطرّوهم إلى الجسر. فلما انتهى شبيب إلى الجسر نزل و نزل معه نحو مائة رجل؛ فقاتلوا حتى المساء، و أوقعوا بأهل الشام من الضّرب و الطعن ما لم يروا مثله، فأمر سفيان الرّماة أن يرموهم فتقدّموا، و رموهم ساعة، فحمل شبيب و أصحابه على الرّماة، فقتلوا منهم أكثر من ثلاثين رجلا، ثم عطف على سفيان و من معه فقاتلهم حتى اختلط الظّلام، ثم انصرف، فقال سفيان لأصحابه: لا تتبعوهم.

فلما انتهى شبيب إلى الجسر قال لأصحابه: اعبروا فإذا أصبحنا باكرناهم إن شاء اللّه. فعبروا أمامه، و تخلّف فى آخرهم، و جاء ليعبر و هو على حصان و بين يديه حجر (2)، فنزا فرسه عليها و هو على الجسر فاضطربت تحته، و نزل حافر رجل حصانه على حرف السفينة، فسقط فى الماء، فلما سقط قال: ليقضى اللّه أمرا كان مفعولا. و انغمس‏ (3) فى الماء، ثم ارتفع، و قال: ذلك تقدير العزيز العليم. و غرق.

قال: و كان أهل الشام قد عزموا على الانصراف، فأتاهم صاحب‏

____________

(1) الكردوسة، بالضم: قطعة عظيمة من الخيل.

(2) الحجر: الأنثى من الخيل.

(3) فى الطبرى: فارتمس. و الارتماس: الاغتماس.

192

الجسر، فقال لسفيان: إنّ رجلا منهم وقع فى الماء، فتنادوا بينهم:

غرق أمير المؤمنين. ثم انصرفوا راجعين، و تركوا عسكرهم ليس فيه أحد، فكبّر سفيان و كبّر أصحابه، و أقبل حتى انتهى إلى الجسر، و بعث إلى المعسكر، و إذا (1) ليس فيه أحد، و إذا هو أكثر العساكر خيرا، ثم استخرجوا شبيبا فشقّوا جوفه، و أخرجوا قلبه؛ فكان صلبا كأنه صخرة، فكان يضرب به الصّخرة فينبو (2) عنها قامة إنسان.

قال: و كان شبيب ينعى لأمه فيقال لها: قتل، فلا تقبل ذلك.

فلما قيل لها غرق صدّقت ذلك، و قالت: إنى رأيت حين ولدته أنه خرج منّى شهاب نار، فعلمت أنه لا يطفئه إلّا الماء، و كانت أمّه جارية رومية اشتراها أبوه فأولدها شبيبا سنة [25 ه] خمس عشرين يوم النّحر، و قالت: إنى رأيت فيما يرى النائم أنه خرج من قبلى شهاب نار، فذهب ساطعا إلى السماء، و بلغ الآفاق كلّها، فبينا هو كذلك إذ وقع فى ماء كثير فخبا، و قد ولدته فى يومكم الذى تهريقون فيه الدّماء، و قد أوّلت ذلك أنّ ولدى يكون صاحب دماء و أنّ أمره سيعلو و يعظم سريعا.

____________

(1) فى الكامل: و إذ.

(2) فى الطبرى: فيثب عنها.

193

ذكر خروج مطرف بن المغيرة ابن شعبة و مقتله‏

كان خروجه و قتله فى سنة [77 ه] سبع و سبعين، و ذلك أنه لما قدم الحجّاج العراق استعمل أولاد المغيرة على أعماله لشرفهم و منزلتهم من قومهم، و استعمل عروة [بن المغيرة] (1) على الكوفة، و مطرّفا على المدائن، و حمزة على همذان، فكانوا على أعمالهم أحسن الناس سيرة، و أشدّهم على المريب، و كان المطرّف على المدائن لما خرج شبيب، و قد ذكرنا أن المطرّف أرسل يستدعى منه أن يسيّر إليه من أصحابه من يدارسه و يسمع منه، و أنه سيّر إليه جماعة، و لم يحصل بينهم اتّفاق، و كان ممّا تكلّموا فيه أنّ المطرّف سألهم عما يدعون إليه، فقالوا: ندعو إلى كتاب اللّه و سنة رسوله، و أنّ الذى نقمنا على‏ (2) قومنا الاستئثار بالفى‏ء و تعطيل الحدود و التسلّط بالجبرية، فقال لهم مطرّف: ما دعوتم إلا إلى حق، و ما نقمتم إلّا جورا ظاهرا، أنا لكم متابع‏ (3)، فبايعونى‏ (4) على ما أدعوكم إليه: أن نقاتل هؤلاء الظّلمة على أحداثهم، و ندعوهم إلى كتاب اللّه و سنّة نبيّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و أن يكون هذا الأمر شورى بين المسلمين، يؤمّرون من يرضون‏ (5) على مثل الحال التى تركهم عليها عمر بن الخطاب،

____________

(1) زيادة من الطبرى.

(2) فى الكامل: من قومنا.

(3) فى ك: سامع.

(4) فى الطبرى: فتابعونى.

(5) فى الطبرى و الكامل: يرتضون.

194

فإنّ العرب إذا علمت أنها إنما يراد بالشورى الرضا من قريش رضوا و كثر تبعكم و أعوانكم.

فقالوا: هذا مالا نجيبك إليه، و فارقوه، و أحضر مطرّف نصحاءه‏ (1) و ثقاته، فذكر لهم ظلم الحجاج و عبد الملك، و أنه ما زال يؤثر مخالفتهم و مناهضتهم، و أنه يرى ذلك دينا لو وجد عليه أعوانا، و ذكر لهم ما جرى بينه و بين أصحاب شبيب، و أنهم لو تابعوه على رأيه لخلع عبد الملك و الحجاج، و استشارهم فيما يفعل.

فقالوا له: أخف هذا الكلام و لا تظهره لأحد. فقال له يزيد ابن أبى زياد مولى أبيه: و اللّه لا يخفى على الحجاج مما كان بينك و بينهم كلمة واحدة و ليزادن على كل كلمة عشر أمثالها، و لو كنت فى السحاب‏ (2) لا لتمسك الحجاج حتى يهلكك، فالنّجاء النّجاء.

فوافقه أصحابه على ذلك، فسار عن المدائن نحو الجبال، ثم دعا أصحابه الذين لم يعلموا بحاله إلى ما عزم عليه، فبايعه بعضهم، و رجع عنه بعضهم، و سار نحو حلوان و بها سويد بن عبد الرحمن السعدى من قبل الحجاج، [فأراد هو و الأكراد منعه ليعذر عند الحجاج‏] (3)، فأوقع مطرّف بالأكراد فقتل منهم، و سار.

فلما دنا من همذان و بها أخوه حمزة بن المغيرة تركها ذات اليسار، و أرسل إلى أخيه حمزة يستمدّه بالمال و السلاح، فأرسل إليه ما طلب‏

____________

(1) فى الكامل: صلحاءه.

(2) فى ك: السحابة.

(3) ساقط فى ك.

195

سرّا، و سار مطرّف حتى بلغ قمّ‏ (1) و قاشان، و بعث عماله على تلك النواحى، و أتاه الناس.

و كان ممّن أتاه سويد بن سرحان الثقفى، و بكير بن هارون النّخعى‏ (2)، من الرىّ فى نحو مائة رجل، و كتب البراء بن قبيصة- و هو عامل الحجاج على أصفهان- إليه يعرّفه حال المطرّف و يستمدّه، فأمدّه بالرجال بعد الرجال على دوابّ البريد.

و كتب الحجّاج إلى عدىّ بن زياد (3) عامل الرىّ يأمره بقصد مطرّف، و أن يجتمع هو و البراء على محاربته، فسار عدىّ من الرّىّ و اجتمع هو و البراء و عدى الأمير، و اجتمعوا فى نحو ستة آلاف مقاتل.

و كان حمزة بن المغيرة قد أرسل إلى الحجاج يعتذر، فأظهر قبول عذره، و أراد عزله و خاف أن يمتنع عليه، فكتب إلى قيس بن سعد العجلى، و هو على شرطة حمزة بعهده على همذان، و يأمره أن يقبض على حمزة ابن المغيرة؛ فسار قيس بن سعد إلى حمزة فى جماعة من عشيرته فأقرأه العهد بولايته، و كتاب الحجّاج بالقبض عليه، فقال:

سمعا و طاعة. فقبض قيس عليه و سجنه، و سار عدىّ و البراء نحو مطرّف فالتقوا و اقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم أصحاب مطرّف و قتل هو و جماعة كثيرة من أصحابه، قتله عمر (4) بن هبيرة الفزارى، و كان الحجاج يقول: إن مطرّفا ليس بولد المغيرة بن شعبة، إنما هو

____________

(1) قم- بالضم و تشديد الميم: بين أصفهان و ساوة. و قاشان: مدينة قرب أصفهان (المراصد).

(2) فى الطبرى: البجلى. و المثبت فى الكامل أيضا.

(3) فى الطبرى: عدى بن وتاد. و المثبت فى الكامل أيضا.

(4) فى ك: عمرو، و فى الكامل: عمير. و المثبت فى الطبرى أيضا.

196

ولد مصقلة بن هبيرة الشيبانى، و كان مصقلة و المغيرة يدّعيانه، فألحق بالمغيرة، و جلد مصقلة الحدّ، فلما أظهر رأى الخوارج قال الحجاج ذلك، لأنّ كثيرا من ربيعة كانوا خوارج‏ (1) و لم يكن منهم أحد من قيس عيلان.

انتهت أخبار الخوارج فلنذكر الغزوات فى خلافة عبد الملك‏

ذكر الغزوات و الفتوحات فى أيام عبد الملك بن مروان على حكم السنين‏

فى سنة [71 ه] إحدى و سبعين افتتح عبد الملك قيساريّة فى قول الواقدى.

و فى سنة [73 ه] ثلاث و سبعين غزا محمد بن مروان الروم صائفة، فهزمهم، و فيها كانت وقعة عثمان بن الوليد بالروم من ناحية أرمينية، و هو فى أربعة آلاف، و الروم فى ستين ألفا، فهزمهم و أكثر فيهم القتل.

و فى سنة [74 ه] أربع و سبعين غزا عبد اللّه بن أمية رتبيل‏ (2) من سجستان، و كان رتبيل هائبا للمسلمين، فلما وصل عبد اللّه إلى بست‏ (3) راسله رتبيل فى طلب الصلح، و بذل ألف ألف، و بعث إليه بهدايا و رقيق، فأبى عبد اللّه قبول ذلك، و قال: إن ملأ لى هذا الرّواق ذهبا و إلّا فلا صلح، و كان غرّا، فخلّى له رتبيل البلاد حتى أوغل فيها، و أخذ عليه الشّعاب و المضايق [و طلب أن يخلّى عنه‏

____________

(1) فى ك: من خوارج.

(2) الضبط فى القاموس و المشتبه.

(3) بست- بالضم: مدينة بين سجستان و غزنين و هراة (المراصد).

197

و عن المسلمين‏] (1)، و لا يأخذ منه شيئا، فأبى رتبيل و قال: يأخذ (2) ثلاثمائة ألف درهم صلحا، و يكتب لنا بها كتابا، و لا يغزو بلادنا ما دمت أميرا، و لا يحرق و لا يخرّب.

ففعل، و بلغ ذلك عبد الملك فعزله.

و فيها غزا محمد بن مروان الروم صائفة، و بلغ أندولية، و غزا أيضا فى سنة [75 ه] خمس و سبعين صائفة حتى خرجت الروم من قبل مرعش، و غزا أيضا فى سنة [76 ه] ست و سبعين من ناحية ملطية.

و فى سنة [77 ه] سبع و سبعين غزا أميّة بن عبد اللّه ما وراء النهر فبلغ بخارى، و خالف عليه بكير بن وسّاج، فصالح أهل بخارى على فدية قليلة، و رجع لقتال بكر.

و فيها غزا أميّة أيضا، و عبر نهر بلخ، فحوصر حتى جهد هو و أصحابه، ثم نجوا بعد ما أشرفوا على الهلاك، و رجعوا إلى مرو.

و غزا الوليد بن عبد الملك الصائفة.

ذكر غزو عبيد اللّه بن أبى بكرة رتبيل‏

و فى سنة [79 ه] تسع و سبعين غزا عبيد اللّه بن أبى بكرة بلاد رتبيل، و كان الحجاج قد استعمله على سجستان، و كان رتبيل يؤدّى الخراج، و ربما امتنع منه، فبعث الحجاج إلى عبيد اللّه [ابن أبى بكرة] (3) يأمره بمناجزته، و ألّا يرجع حتى يستبيح بلاده، و يهدم قلاعه، و يقتل‏ (4) رجاله.

____________

(1) ساقط فى ك.

(2) فى ك: نأخذ منه.

(3) زيادة من الطبرى.

(4) فى الكامل: و يقيد. و فى الطبرى: و يقتل مقاتلته.

198

فسار عبيد اللّه فى أهل البصرة و الكوفة، و على أهل الكوفة شريح ابن هانئ؛ فمضى عبيد اللّه حتى دخل بلاد رتبيل، فأصاب من الغنائم ما شاء، و هدم حصونا، و غلب على أرض من أراضيهم، و أصحاب رتبيل من الترك يخلون للمسلمين أرضا بعد أرض، حتى أمعنوا فى بلادهم، و دنوا من مدينتهم، و كانوا منها على ثمانية عشر فرسخا، فأخذ الترك عليهم الشّعاب و العقاب‏ (1)، فصالحهم عبيد اللّه على سبعمائة ألف يوصلها إلى رتبيل ليمكّن المسلمين من الخروج، فلقيه شريح فقال: إنكم لا تصالحون‏ (2)، على شي‏ء إلّا حسبه السلطان من أعطياتكم، ثم قال: يأهل الإسلام، تعاونوا على عدوّكم، فقال له ابن أبى‏ (3) بكرة: إنك شيخ قد خرفت. فقال شريح:

يأهل الإسلام، من أراد منكم الشهادة فإلىّ، فاتّبعه ناس من المطّوّعة (4) غير كثير، و فرسان الناس، و أهل الحفاظ، فقاتلوا حتى أصيبوا إلا قليلا، و جعل شريح يرتجز و يقول‏ (5):

أصبحت ذا بثّ أقاسى الكبرا * * * قد عشت بين المشركين أعصرا

ثمّث أدركت النبىّ المنذرا * * * و بعده صدّيقه و عمرا

و يوم مهران و يوم تسترا * * * و الجمع فى صفّينهم و النّهرا

هيهات ما أطول هذا العمرا (6)

____________

(1) فى الكامل، و الطبرى: فأخذوا على المسلمين الشعاب و العقاب.

(2) فى ك: لا تحاسبون.

(3) فى ك: أبو بكرة- و أراه تحريفا.

(4) فى الطبرى: المتطوعة.

(5) و الطبرى: 6- 323.

(6) فى الطبرى، و الكامل:

و باجميرات مع المشقرا * * * هيهات، ما أطول هذا عمرا

199

و قاتل حتى قتل فى ناس من أصحابه، و نجا من نجا منهم، و خرجوا من بلاد رتبيل، فاستقبلهم الناس بالأطعمة، فكان أحدهم إذا أكل و شبع مات، فحذر الناس و جعلوا يطعمونهم [السمن‏] (1) قليلا قليلا حتى استمرءوا.

و فيها أصاب الروم أهل أنطاكية و ظفروا بهم، و كان قد أصاب أهل الشام طاعون شديد فلم يغز تلك السنة أحد منهم.

ذكر مسير عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث إلى رتبيل و ما ملكه من بلاده‏

كان مسيره فى سنة [80 ه] ثمانين؛ و ذلك أنه لما رجع عبيد اللّه ابن أبى بكرة و من معه من بلاد رتبيل على الحال التى ذكرنا كتب الحجاج إلى عبد الملك بخبرهم، و يخبره أنه قد جهّز من أهل الكوفة و البصرة جيشا كثيفا و يستأذنه فى إرساله إلى بلاد رتبيل، فأذن له فى ذلك، فجهّز من أهل الكوفة عشرين ألف فارس و من أهل البصرة مثلها، و أنفق فيهم ألفى ألف سوى أعطياتهم، و أعطى كلّ رجل يوصف بشجاعة و غناء، و بعث عليهم عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث.

و لما أراد أن يبعثه على الجيش أتاه‏ (2) إسماعيل بن الأشعث، فقال: لا تبعثه، و اللّه ما جاز جسر الفرات فرأى لوال عليه طاعة، و إنى أخاف خلافه.

____________

(1) من الكامل، و الطبرى.

(2) فى الطبرى: أتى الحجاج عمه إسماعيل بن الأشعث.

200

فقال الحجاج: هو أهيب لى من أن يخالف أمرى. و سيّره على الجيش، فسار حتى قدم سجستان، فجمع أهلها فخطبهم ثم قال:

إن الحجاج ولّانى ثغركم، و أمرنى بجهاد عدوّكم الذى استباح بلادكم، فإياكم أن يتخلّف منكم أحد فتسمه‏ (1) العقوبة. فعسكروا مع الناس، و ساروا بأجمعهم، و بلغ الخبر رتبيل، فأرسل يعتذر و يبذل الخراج، فلم يقبل منه، و سار إليه، و دخل بلاده، فترك له رتبيل أرضا أرضا و رستاقا رستاقا و حصنا حصنا، و عبد الرحمن يحوى ذلك؛ و كلما حوى بلدا بعث إليه عاملا (2)، و جعل معه أعوانا، و جعل الأرصاد على العقاب و الشّعاب، و وضع المسالح بكل مكان مخوف، حتى حاز (3) من أرضه أرضا عظيمة، و ملأ الناس أيديهم من الغنائم العظيمة، و منع الناس من التوغّل، و قال: نكتفى بما قد أصبناه العام من بلادهم حتى نجيئها (4) و نعرفها، و يجترى المسلمون على طرقها، و فى العام المقبل نأخذ ما وراءها إن شاء اللّه تعالى حتى نقاتلهم فى آخر ذلك على كنوزهم و ذراريهم فى أقصى بلادهم حتى يهلكهم اللّه تعالى.

و كتب إلى الحجاج بما فتح اللّه عليه و بما يريد. فكتب الحجاج إليه ينكر فعله، و يأمره بالمناجزة، فأدّى ذلك إلى خروج عبد الرحمن على الحجاج على ما نذكره إن شاء اللّه تعالى.

____________

(1) فى الكامل: فتمسه. و فى الطبرى: فيحل بنفسه العقوبة.

(2) فى ك: غلاما.

(3) فى ك: جاز.

(4) فى الطبرى: حتى نحييها.

201

ذكر غزو المهلب بن أبى صفرة ما وراء النهر

و فى سنة [80 ه] ثمانين قطع المهلّب نهر بلخ و نزل على كش‏ (1)، و كان الحجاج قد استعمله على خراسان حين ضمّها عبد الملك إلى عمله، فسار و على مقدمته أبو الأدهم‏ (2) الزمانى فى ثلاثة آلاف، و هم فى خمسة آلاف، و لما نزل المهلّب على كشّ أتاه ابن عم ملك للختّل‏ (3) فدعاه إلى غزو الختّل، فوجّه معه ابنه يزيد، و كان اسم ملك الختّل السّبل‏ (4)، فسار يزيد و ابن عمّ الملك حتى نازلوه، و نزل كلّ واحد منهما ناحية، فبيّت الملك ابن عمّه، و أخذه فقتله، فحصر يزيد القلعة، فصالحوه على فدية حملت إليه، و رجع يزيد عنهم. و وجّه المهلّب ابنه حبيبا، فوافى صاحب بخارى فى أربعين ألفا، فنزل جماعة من العدوّ قرية، فسار إليهم حبيب فى أربعة آلاف فقتلهم و أحرق القرية فسبّت المحترقة. و رجع حبيب إلى أبيه، و أقام المهلّب بكشّ سنتين، فقيل له: لو تقدّمت إلى ما وراء ذلك! فقال:

ليت حظّى من هذه الغزوة سلامة هذا الجند، و عودهم سالمين، ثم صالح أهل كشّ على فدية يأخذها منهم.

____________

(1) كش- بالفتح ثم التشديد: قرية على ثلاثة فراسخ من جرجان على الجبل، و قرية من قرى أصبهان (المراصد)، و قال ابن ماكولا: كسره العراقيون. و غيرهم جعله بفتح الكاف، و ربما صحفه بعضهم فقاله بالشين المعجمة، و هو خطأ.

(2) فى الطبرى: أبو الأدهم زياد بن عمر.

(3) ختل- كسكر: كورة بما وراء النهر (القاموس).

(4) فى الكامل: الشبل. و الضبط فى الطبرى.

202

و فى سنة [81 ه] إحدى و ثمانين سيّر عبد الملك ابنه عبيد اللّه ففتح قاليقلا (1).

ذكر دخول الديلم قزوين و قتلهم‏

كانت قزوين ثغرا للمسلمين من ناحية الدّيلم، فكانت العساكر لا تبرح مرابطة بها، يتحارسون ليلا و نهارا، فلما كان فى سنة [81 ه] إحدى و ثمانين كان فى جملة (2) من رابط بها محمد ابن أبى سبرة الجعفى، و كان فارسا شجاعا، فرأى الناس يتحارسون فلا ينامون الليل، فقال: أ تخافون أن يدخل عليكم العدو مدينتكم؟ قالوا: نعم. قال: لقد أنصفوكم إن فعلوا، افتحوا الأبواب، و لا بأس عليكم. ففتحوها، و بلغ ذلك الدّيلم، فساروا إليهم و بيّتوهم، و هجموا إلى البلد؛ فقال ابن أبى سبرة: أغلقوا أبواب المدينة علينا و عليهم، فقد أنصفونا، و قاتلوهم.

فغلّقوا الأبواب و قاتلوهم، و أبلى ابن أبى سبرة بلاء عظيما، و ظفر بهم المسلمون، فلم يفلت من الدّيلم أحد، و اشتهر اسمه بذلك، و لم يقدم الدّيلم بعدها على مفارقة أرضهم، فصار محمد فارس ذلك الثغر المشار إليه. [و اللّه سبحانه و تعالى أعلم بالصواب‏] (3).

____________

(1) فاليقلا: بإرمينية العظمى من نواحى خلاط (المراصد).

(2) فى الكامل: جماعة.

(3) ساقط من د.

203

ذكر فتح قلعة نيزك بباذغيس‏ (1)

و فى سنة [84 ه] أربع و ثمانين فتح يزيد بن المهلب قلعة نيزك، فلما بلغه خروجه عن القلعة سار إليها و حاصرها. فملكها و ما فيها من الأموال و الذخائر، و كانت من أحصن القلاع و أمنعها، و كان نيزك إذا رآها سجد لها تعظيما، و فيها يقول كعب بن معدان الأشقرى، (2):

و باذغيس التى من حلّ ذروتها * * * عزّ الملوك فإن شا جار أو ظلما

منيعة لم يكدها قبله ملك‏ * * * إلّا إذا واجهت جيشا له وجما

تخال نيرانها من بعد منظرها * * * بعض النجوم إذا ما ليلها عتما

و هى أبيات عديدة.

و قال أيضا يذكر يزيد [(رحمه الله)‏] (3) و فتحها (4):

نفى نيزكا عن باذغيس و نيزك‏ * * * بمنزلة أعيا الملوك اغتصابها

محلّقة دون السماء كأنها * * * غمامة صيف زلّ‏ (5)عنها سحابها

و لا يبلغ الأروى شماريخها العلا * * * و لا الطّير إلّا نسرها و عقابها

و ما خوّفت بالذّئب ولدان أهلها * * * و لا نبحت إلّا النجوم كلابها

____________

(1) نيزك: ضبطت فى الطبرى بكسر النون و فتح الزاى. و فى د: بفتحها:

و ضم الزاى. و باذغيس: ناحية من أعمال هراة و مرو الروذ (المراصد).

(2) فى ك: الأشعرى. و المثبت فى الطبرى، و الكامل، و معجم الشعراء، و الأغانى، و الشعر و الشعراء. و الشعر فى الطبرى: 6- 386، و الكامل: 4- 94.

(3) ساقط فى د.

(4) و الطبرى: 6- 387.

(5) فى الكامل: زال.

204

ذكر فتح المصيصة

و فى سنة [84 ه] أربع و ثمانين أيضا غزا عبد اللّه بن عبد الملك الرّوم، ففتح المصّيصة (1) و بنى حصنها، و جعل فيها ثلاثمائة مقاتل من ذوى البأس، و لم يكن المسلمون سكنوها قبل ذلك، و بنى مسجدها.

و غزا محمد بن مروان أرمينية.

و فى سنة [85 ه] خمس و ثمانين غزا المفضل بن المهلب باذغيس ففتحها و أصاب مغنما فقسمه، فأصاب كلّ رجل ثمانمائة (2)، ثم غزا أخرون‏ (3) و شومان، فغنم و قسّم ما أصاب.

و فيها غزا محمد بن مروان أرمينية، فصاف فيها و شتا. انتهى ذكر الغزوات و الفتوحات.

ذكر الحوادث الكائنة فى أيام عبد الملك بن مروان منذ استقلّ بالأمر خلاف ما ذكرناه، و ذلك على حكم السنين‏

قد ذكرنا حوادث السنين فى أخبار عبد اللّه بن الزبير (رضى اللّه عنهما) إلى أن قتل فى سنة [73 ه] ثلاث و سبعين، و ذكرنا ما هو متعلّق بهذه الدولة الأموية فى أثناء أخبار عبد الملك، فلنذكر خلاف ذلك.

____________

(1) المصيصة- بالفتح، ثم الكسر و التشديد، و ياء ساكنة، و صاد أخرى، و قيل بتخفيف الصادين، و هى مدينة على شاطئ جيحان من ثغور الشام (المراصد).

و فى البكرى: بكسر أوله.

(2) فى الطبرى: ثمانمائة درهم.

(3) فى ك: أجرون، و المثبت فى الكامل، و الطبرى.