نهاية الأرب في فنون الأدب‏ - ج21

- أحمد بن عبد الوهاب النويري‏ المزيد...
557 /
205

سنة (73 ه) ثلاث و سبعين:

ذكر ولاية محمد بن مروان الجزيرة و أرمينية

فى هذه السنة استعمل عبد الملك أخاه محمدا على الجزيرة، و كانت بحيرة أرمينية مباحة لم يعرض لها أحد، بل يأخذ منها من شاء، فمنع من صيدها و جعل عليه من يأخذه و يبيعه و يأخذ ثمنه، ثم صارت بعده لابنه مروان، و استمرّ ذلك بعده.

و فيها عزل عبد الملك خالد بن عبد اللّه عن البصرة، و استعمل عليها أخاه بشر بن مروان، فاجتمع له المصران: الكوفة، و البصرة، فسار بشر إلى البصرة، و استعمل على الكوفة عمرو بن حريث.

و حجّ بالناس فى هذه السنة الحجاج و هو على مكّة و اليمن و اليمامة، و كان على قضاء الكوفة شريح بن الحارث، و على قضاء البصرة هشام ابن هبيرة، و كان على خراسان بكير بن وسّاج‏ (1).

و فيها مات عبد اللّه بن عمر بن الخطاب (رضى اللّه عنهما) بمكة و كان سبب وفاته أن الحجاج أمر بعض أصحابه، فضرب ظهر قدمه بزجّ رمح مسموم، فمات منها، و عاده الحجاج فى مرضه، فقال:

من فعل بك هذا؟ فقال: أنت، لأنك أمرت بحمل السلاح فى بلد لا يحلّ حمله فيه. و كانت وفاته بعد قتل ابن الزبير بثلاثة أشهر، و كان عمره سبعا و ثمانين سنة، و مات غيره من الصحابة (رضى اللّه عنهم).

____________

(1) فى الطبرى، و الكامل: و شاح. و قد تقدم الخلاف فيه.

206

سنة (74 ه) أربع و سبعون:

فى هذه السنة عزل عبد الملك طارقا (1) عن المدينة، و استعمل عليها الحجاج، ففعل ما قدّمنا ذكره.

و فيها استقضى عبد الملك أبا إدريس الخولانى.

و فيها استعمل عبد الملك أميّة بن عبد اللّه بن خالد بن أسيد (2)، على خراسان، و عزل عنها بكير بن وسّاج، فسار أميّة إليها، فلقيه بحير (3) بن ورقاء بنيسابور، و أخبره عن خراسان و ما يحسن به طاعة أهلها، و رفع على بكير أموالا أخذها و حذره غدره‏ (4)، و سار معه حتى قدم مرو، و كان أميّة كريما فلم يعرض لبكير و لا لعمّاله، و عرض عليه شرطته، فأبى فولّاها بحير بن ورقاء، ثم خيّر بكيرا أن يولّيه ما شاء من خراسان، فاختار طخارستان.

قال: فتجهّز لها، فأنفق مالا كثيرا؛ فقال بحير لأمية: إن أتى طخارستان خلعك، و حذّره فلم يولّه.

و فيها استعمل عبد الملك حسّان بن النعمان الغسّانى على إفريقية، و سيذكر ذلك إن شاء اللّه فى أخبار إفريقية.

و حجّ بالناس فى هذه السنة الحجاج بن يوسف.

و فيها توفى بشر بن مروان بالبصرة، و استخلف قبل وفاته خالد ابن عبد اللّه بن خالد على البصرة، و كان خليفته على الكوفة عمرو

____________

(1) هو طارق بن عمرو.

(2) أسيد- بفتح الهمزة و كسر السين- الكامل.

(3) بحير- بفتح الباء الموحدة و كسر الحاء- الكامل.

(4) فى ك: عدوه.

207

ابن حريث؛ فكانوا على ذلك إلى أن قدم الحجاج بن يوسف الثقفى أميرا

سنة [75 ه] خمس و سبعين.

ذكر ولاية الحجاج بن يوسف العراق و ما فعله عند مقدمه‏

و فى هذه السنة استعمل عبد الملك بن مروان الحجاج بن يوسف الثقفى على العراق دون خراسان و سجستان، و أرسل‏ (1) إليه بعهده و هو بالمدينة، فسار فى اثنى عشر راكبا على النّجائب حتى دخل الكوفة حين انتشر النهار، فبدأ بالمسجد، فصعد المنبر و هو متلثّم بعمامة خزّ حمراء، فقال: علىّ بالناس، فحسبوه خارجيّا، فهمّوا به و هو جالس على المنبر ينتظر اجتماعهم، فاجتمع الناس و هو ساكت قد أطال السكوت، فتناول عمير بن ضابئ البرجمى حصى‏ (2) و قال: أ لا أحصبه لكم! فقالوا: أمهل حتى ننظر. و قيل: إن الذى همّ بحصبه محمد بن عمير و قال: قاتله اللّه ما أعياه و أدمّه‏ (3)، و اللّه إنى لأحسب خبره كرؤياه‏ (4).

فلما تكلم الحجاج جعل الحصى ينتثر من يده و هو لا يعقل، فلما رأى عيون الناس إليه حسر اللثام عن وجهه و نهض فقال:

انا ابن جلا (5)و طلاع الثنايا * * * متى أضع العمامة تعرفونى‏

أما و اللّه إنى لأحمل الشر محمله، فآخذه‏ (6) بفعله، و أجزيه بمثله،

____________

(1) فى د: فأرسل.

(2) فى الكامل: فتناول محمد بن عمير حصباء، و سيأتى.

(3) فى الكامل: ما أغباه و ذمه.

(4) فى الطبرى: كروائه.

(5) ابن جلا: هو الصبح، لأنه يجلو الظلمة. و الثنايا: ما صغر من الجبال.

و البيت من قصيدة لسحيم بن وثيل الرياحى (الأصمعيات: 17).

(6) فى الطبرى: و أحذوه بنعله. و المثبت فى الكامل أيضا.

208

و إنى لأرى رءوسا قد أينعت و حان قطافها، و إنى لصاحبها، و إنى لأنظر

إلى الدماء بين العمائم و اللحى‏ * * * قد شمرت عن ساقها تشميراه.

هذا أوان الشدّ فاشتدّى زيم‏ * * * قد لفّها الليل بسوّاق حطم‏ (1)

ليس براعى إبل و لا غنم‏ * * * و لا بجزّار على ظهر و ضم‏ (2)

قد لفّها اللّيل يعصلبى‏ (3) * * * أروع خرّاج من الدوى‏ (4)

مهاجر ليس بأعرابى‏

قد شمّرت عن ساقها فشدّوا * * * و جدّت الحرب بكم فجدّوا

و القوس فيها وتر عردّ (5) * * * مثل ذراع البكر أو أشدّ

ليس أوان يكره الخلاط * * * جاءت به و القلص الأعلاط (6)

يهوى هوى سابق الغطاط (7)

إنى و اللّه يأهل العراق ما يقعقع لى بالشّنان‏ (8)، و لا يغمز جانبى تغماز التين، و لقد فررت عن ذكاء، و فتّشت عن تجربة، و جريت إلى الغاية القصوى. ثم قرأ (9): «وَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ‏

____________

(1) الرجز لرويشد بن رميض العنبرى- اللسان- حلم. و فى الأغانى (15- 255):

الشعر لرشيد بن رميض العنزى.

(2) الوضم: ما وقى به اللحم عن الأرض.

(3) الرجز فى اللسان- عصلب. و العصلبى: الشديد.

(4) الدوية: الفلاة.

(5) عرد: شديد.

(6) الأعلاط من الإبل: التى لا أرسان عليها.

(7) فى الكامل: سائق. و الغطاط- بالضم و الفتح: ضرب من الطير.

(8) الشنان: جمع شنة، و هى القربة البالية اليابسة.

(9) سورة النحل، آية 112.

209

فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَ الْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ». فأنتم أولئك و أشباه أولئك. إنّ أمير المؤمنين عبد الملك نثر (1) كنانته فعجم‏ (2) عيدانها عودا عودا، فوجدنى أمرّها عودا (3)، و أصلبها مكسرا، فوجّهنى إليكم، و رمى بى فى نحوركم، فإنكم أهل بغى و خلاف و شقاق و نفاق، طالما أوضعتم فى الشرّ، و اضطجعتم فى الضلالة، و سننتم سنن الغىّ، فاستوثقوا (4) و استقيموا، فو اللّه لأذيقنّكم الهوان و لأمرينّكم‏ (5) حتى تدرّوا، و لألحونّكم لحو العود، و لأعصبنّكم عصب السّلم‏ (6)، حتى تذلّوا، و لأضربنّكم ضرب غرائب الإبل حتى تذروا العصيان و تنقادوا، و لأقرعنّكم قرع المروة حتى تلينوا. إنى و اللّه ما أعد إلّا وفيت، و لا أهمّ إلا أمضيت، و لا أخلق‏ (7) إلّا فريت، فإياى و هذه الجماعات، فلا يركبنّ رجل إلّا وحده، أقسم باللّه لتقبلنّ على الإنصاف، و لتدعنّ الإرجاف، و قيلا و قالا، و ما يقول فلان، و أخبرنى فلان، أو لأدعنّ لكلّ رجل منكم شغلا فى جسده، فيم أنتم و ذاك، و اللّه لتستقيمنّ على الحقّ أو لأضربنّكم بالسيف ضربا يدع النساء أيامى و الولدان يتامى، و حتى تذروا السّمّهى‏ (8) و تقلعوا

____________

(1) فى د: نثل.

(2) عجم عيدانها: أى عضها و اختبرها.

(3) أمرها عودا: أصلبها و أقواها.

(4) فى د: فاستوسقوا.

(5) مرى الناقة مريا: مسح ضرعها لتدر (اللسان).

(6) العصب: القطع. و السلم: شجر من العضاه. و العضاه: كل شجر يعظم و له شوك (اللسان).

(7) الخلق: التقدير، و يقال: فريت الأديم إذا أصلحته (هامش د).

(8) السمهى: الباطل و الكذب.

210

عن هاوها (1)، ألا إنه لو ساغ لأهل المعصية معصيتهم ما جبي فى‏ء و لا قوتل عدوّ، و لعطّلت الثغور، و لو لا أنهم يغزون كرها ما غزوا طوعا، و لقد بلغنى رفضكم المهلّب و إقبالكم على مصركم عاصين مخالفين و إنى أقسم باللّه لا أجد أحدا من عسكره بعد ثالثة (2) إلّا ضربت عنقه، و أنهبت داره.

ثم أمر بكتاب عبد الملك فقرئ، فلما قال القارئ: بسم اللّه الرحمن الرحيم. من عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين إلى من بالكوفة من المسلمين: سلام عليكم، فإنى أحمد اللّه إليكم- فلم يقل أحد شيئا، فقال: اكفف، ثم قال: يا عبيد العصا، يسلّم عليكم أمير المؤمنين فلا يردّ رادّ منكم السلام. هذا أدب ابن نهيّة (3)، أدّبكم به، و اللّه لأؤدبنكم غير هذا الأدب، أو لتستقيمنّ. ثم قال، للقارئ: اقرأ. فلما بلغ سلام عليكم قالوا بأجمعهم: و على أمير المؤمنين السلام و رحمة اللّه. ثم نزل و دخل منزله، و دعا العرفاء و قال: ألحقوا الناس بالمهلّب، و ائتونى بالبراءات بموافاتهم، و لا تغلقنّ أبواب الجسر ليلا و لا نهارا حتى تنقضى هذه المدة.

قال: فلما كان فى اليوم الثالث سمع تكبيرا فى السوق، فخرج و جلس على المنبر، فقال: يأهل العراق، يأهل الشقاق و النّفاق‏

____________

(1) فى ك: هؤلاء. و فى الكامل: هواها. و المثبت فى الطبرى أيضا.

(2) فى الكامل: بعد ثلاثة.

(3) فى ك: ابن أدية. و المثبت فى الطبرى أيضا و لكنه رواه بكسر النون و سكون الهاء، و قد زعم أبو العباس أن ابن نهية رجل كان على الشرطة بالبصرة قبل الحجاج ... و نهية: أم ولد عمر بن الخطاب، كما فى القاموس، و التاج.

و فى اللسان، و الاشتقاق: أدية: أبو مرداس الحرورى.

211

و مساوئ الأخلاق، إنى سمعت تكبيرا ليس بالتّكبير الذى يراد به وجه اللّه، و لكنه التكبير الذى يراد به الترهيب، و قد عرفت أنها عجاجة تحتها قصف‏ (1)، يا بنى اللّكيعة (2)، و عبيد العصا، و أبناء الأيامى، ألا يربع رجل منكم على ظلعه‏ (3) و يحسن حقن دمه، و يعرف‏ (4) موضع قدمه، فأقسم باللّه لأوشك أن أوقع بكم وقعة تكون نكالا لما قبلها و أدبا لما بعدها.

فقام إليه عمير بن ضابئ الحنظلى‏ (5) التميمى، فقال: أصلح اللّه الأمير، أنا فى هذا البعث و أنا شيخ كبير عليل، و ابنى هذا هو أقوى منى على الأسفار أ فتقبله منّى بديلا؟ فقال: نفعل. ثم قال:

و من أنت؟ قال: أنا عمير بن ضابئ. قال: أسمعت كلامنا بالأمس! قال: نعم. قال: أ لست الذى غزا عثمان بن عفّان؟ قال: بلى.

قال: يا عدوّ اللّه، أ فلا بعثت بديلا إلى أمير المؤمنين، و ما حملك على ذلك؟ قال: إنه حبس أبى، و كان شيخا كبيرا. قال: أ و لست القائل‏ (6):

هممت و لم أفعل وكدت و ليتنى‏ * * * تركت على عثمان تبكى حلائله‏

إنى لأحسب أنّ فى قتلك صلاح المصرين، و أمر به فضربت رقبته، و أنهب ماله، و أمر مناديا فنادى: ألا إنّ عمير بن ضابئ أتى‏

____________

(1) القصف: شدة الريح.

(2) اللكعاء: الحمقاء من الإماء.

(3) اربع على ظلعك: ارفق على نفسك فيما تحاوله (اللسان).

(4) فى الطبرى: و يبصر ...

(5) فى الطبرى: التميمى ثم الحنظلى.

(6) و الكامل: 4- 35، و الطبرى: 6- 207.

212

بعد ثالثة (1)، و كان قد سمع النداء، فأمرنا بقتله، ألا و إن ذمّة اللّه بريئة ممّن بات الليلة من جند المهلب.

فخرج الناس فازدحموا على الجسر، و خرج العرفاء إلى المهلّب و هو برامهرمز، فأخذوا كتبه بالموافاة، فقال المهلّب: قدم العراق اليوم رجل ذكر، اليوم فويل‏ (2) العدو.

و قال: و لما قتل الحجاج عميرا لقى إبراهيم بن عامر الأسدى عبد اللّه بن الزّبير (3) [(رضى اللّه عنهما)] (4) فى السوق، فسأله عن الخبر، فقال‏ (5):

أقول لإبراهيم لمّا لقيته‏ * * * أرى الأمر أضحى منصبا متشعبا

تجهّز فأسرع و الحق الجيش لا أرى‏ * * * سوى الجيش إلا فى المهالك مذهبا

تخير فإمّا أن تزور ابن ضابئ‏ * * * عميرا و إما أن تزور المهلّبا

هما خطّتا خسف‏ (6)نجاؤك منهما * * * ركوبك حوليّا من الثلج‏ (7) أشهبا

فحال و لو كانت خراسان دونه‏ * * * رآها مكان السّوق أو هى أقربا

____________

(1) فى الكامل: بعد ثلاثة.

(2) فى د: قوتل العدد. و المثبت فى ك.

(3) الضبط فى الكامل، و معجم الشعراء: 73.

(4) ساقط فى د.

(5) الأبيات فى الطبرى (6- 209)، و فى الكامل (4- 35)، و البيتان الأخيران فى معجم المرزبانى (73).

(6) فى الطبرى: خطتاكره.

(7) الحولى: المهر أتى عليه الحول. و قوله: من الثلج- يريد أن لونه أشد شهبة من الثلج. و فى الكامل: من البلج.

213

قال: و كان الحجاج أول من عاقب بالقتل على التخلّف عن الوجه الذى يكتب إليه.

قال الشعبى: كان الرجل إذا أخلّ بوجهه الذى يكتب إليه زمن عمر و عثمان و علىّ (رضى اللّه عنهم) نزعت عمامته و يقام للناس، و يشهر أمره، فلما ولى مصعب قال: ما هذا بشى‏ء، و أضاف إليه حلق الرءوس و اللّحى، فلما ولى بشر بن مروان زاد فيه، فصار يرفع الرجل عن الأرض و يسمّر فى يديه مسماران فى حائط، فربما مات، و ربما خرق المسمار يده، فسلم.

فلما ولى الحجاج قال: كلّ هذا لعب، أضرب عنق من يخلّ‏ (1) بمكانه من الثغر.

قال: و كان قدوم الحجاج فى شهر رمضان، فوجّه الحكم بن أيوب الثقفى على البصرة أميرا، و أمره أن يشتدّ على خالد بن عبد اللّه، فبلغ الخبر خالدا فخرج عن البصرة فنزل الجلحاء (2) و شيّعه أهل البصرة فقسم فيهم ألف ألف.

____________

(1) فى الكامل: يخل مكانه.

(2) الجلحاء- بفتح ثم سكون، ثم حاء مهملة و ألف ممدودة: موضع على ستة أميال من الغوير المعروف بالزبيدية بين العقبة و القاع (ياقوت).

214

ذكر وثوب أهل البصرة بالحجاج‏

قال: ثم خرج الحجاج من الكوفة إلى البصرة، و استخلف على الكوفة عروة بن المغيرة بن شعبة. فلما قدم البصرة خطبهم بمثل خطبته بالكوفة، و توعّد من رآه منهم بعد ثالثة (1)، و لم يلحق بالمهلّب، فأتاه شريك بن عمرو اليشكرى و كان به فتق، فقال: أصلح اللّه الأمير، إن بى فتقا، و قد رآه بشر بن مروان فعذرنى، و هذا عطائى مردود فى بيت المال، فأمر به فضربت عنقه، فلم يبق بالبصرة أحد من عسكر المهلب إلّا لحق به.

ثم سار الحجاج إلى رستقباذ (2)، و بينها و بين المهلب ثمانية عشر فرسخا، و قال حين نزل بها: يأهل المصرين، هذا المكان و اللّه مكانكم شهرا بعد شهر، و سنة بعد سنة، حتى يهلك اللّه عدوّكم، هؤلاء الخوارج المطلين عليكم.

ثم خطب يوما فقال: إن الزيادة التى زادكم إياها ابن الزبير إنما هى زيادة ملحد فاسق منافق، و لسنا نجيزها- و كان مصعب قد زاد الناس فى العطاء مائة مائة- فقال عبد اللّه بن الجارود: إنها ليست زيادة ابن الزبير، إنما هى زيادة أمير المؤمنين عبد الملك قد أنفذها و أجازها على يد أخيه بشر.

____________

(1) فى الكامل: بعد ثلاثة.

(2) رستقباذ: موضع من أرض دستوا (المراصد).

215

فقال له الحجاج: ما أنت و الكلام! لتحسننّ حمل رأسك أو لأسلبنّك إيّاه. فقال: و لم؟ إنى لك لناصح، و إن هذا لقول من ورائى.

فنزل الحجاج و مكث أشهرا لا يذكر الزيادة، ثم أعاد القول فيها، فردّ عليه ابن الجارود مثل رده الأول، فقام مصقلة بن كرب العبدى، فقال: إنه ليس للرعيّة أن تردّ على راعيها، و قد سمعنا ما قال الأمير، فسمعا و طاعة فيما أحبّ‏ (1) و كرهنا. فسبّه ابن الجارود و قام فأتاه وجوه الناس فصوّبوا رأيه و قوله، و قال الهذيل بن عمران البرجمى و عبد اللّه بن حكيم بن زياد المجاشعى و غيرهما: نحن معك و أعوانك، إن هذا الرجل غير كافّ حتى ينقصنا هذه الزيادة فهلمّ نبايعك على إخراجه من العراق، ثم نكتب إلى عبد الملك أن يولّى علينا غيره، فإن أبى خلعناه، فإنه هائب لنا ما دامت الخوارج.

فبايعه الناس سرّا، و أعطوه المواثيق على الوفاء، و بلغ الحجاج ما هم فيه، فأحرز بيت المال.

فلما تمّ لهم أمرهم أظهروه، و ذلك فى شهر ربيع الآخر سنة [76 ه] ست و سبعين، و اجتمع الناس على ابن الجارود حتى لم يبق مع الحجاج إلّا خاصّته و أهل بيته، و أرسل الحجاج أعين صاحب حمّام أعين‏ (2) إلى ابن الجارود يستدعيه، فقال: لا كرامة لابن أبى رغال‏ (3)، و لكن ليخرج عنّا مذموما مدحورا، و إلا قاتلناه. قال أعين:

____________

(1) فى الكامل: أحببنا.

(2) حمام أعين- بتشديد الميم: بالكوفة (ياقوت).

(3) رغال- ككتاب (القاموس).

216

فإنه يقول لك: أتطيب نفسا بقتلك و قتل بيتك و عشيرتك! و الذى نفسى بيده لئن لم تأت لأدعنّ قومك و أهلك خاصة حديثا للغابرين.

و كان الحجاج قد حمّل أعين هذه الرسالة؛ فقال ابن الجارود:

لو لا أنك رسول لقتلتك يا ابن الخبيثة، و أمر فوجئ فى عنقه، و أخرج.

و أقبل ابن الجارود بالناس زحفا نحو الحجّاج، و كان رأيهم أن يخرجوه عنهم و لا يقاتلوه. فلما صاروا إليه نهبوا ما فى فسطاطه.

و أخذوا ما قدروا عليه من متاعه و دوابّه، و جاء أهل اليمن فأخذوا امرأته ابنة النعمان بن بشير، و جاءت مضر فأخذوا امرأته الأخرى أم سلمة بنت عبد الرحمن بن عمرو أخى سهيل بن عمرو.

ثم إن القوم انصرفوا عن الحجاج و تركوه. فأتاه قوم من أهل البصرة فصاروا معه خوفا من محاربة الخليفة، فجعل الغضبان ابن القبعثرى الشيبانى يقول لابن الجارود: تعشّ بالجدى قبل أن يتغدّى بك. أما ترى من قد أتاه منكم؟ و لئن أصبح ليكثرن ناصره، و لتضعفنّ منّتكم‏ (1).

فقال: قد قرب المساء. و لكنا نعاجله بالغداة، و كان مع الحجاج عثمان بن قطن، و زياد بن عمرو العتكى، و كان زياد على شرطته بالبصرة، فقال لهما: ما تريان؟ فقال زياد: أرى أن آخذ لك من القوم أمانا و تخرج حتى تلحق بأمير المؤمنين، فقد ارفضّ أكثر الناس عنك، و لا أرى لك أن تقاتل بمن معك.

فقال عثمان بن قطن الحارثى: لكنى لا أرى ذلك، إنّ أمير المؤمنين‏

____________

(1) المنة: القوة.

217

قد شركك فى أمره، و خلطك بنفسه، و استنصحك و سلّطك، فسرت إلى ابن الزبير و هو أعظم الناس خطرا فقتلته، فولّاك اللّه شرف ذلك و سناءه، و ولّاك أمير المؤمنين العراقين، فحيث جريت إلى المدى و أصبت الغرض الأقصى تخرج على قعود إلى الشام، و اللّه لئن فعلت لا نلت من عبد الملك مثل الذى أنت فيه من السلطان أبدا، و لكنى أرى أن نمشى بسيوفنا معك فنقاتل حتى نلقى ظفرا أو نموت كراما.

فقال له الحجاج: الرّأى ما رأيت، و حفظ (1) هذه لعثمان، و حقدها على زياد، و جاء عامر بن مسمع إلى الحجاج فقال: إنى قد أخذت لك أمانا من الناس، فجعل الحجاج يرفع صوته ليسمع الناس و يقول: و اللّه لا أؤمّنهم أبدا حتى يأتوا بالهذيل و عبد اللّه بن حكيم.

و مرّ عباد بن الحصين الحبطى‏ (2) بابن الجارود و ابن الهذيل و ابن حكيم و هم يتناجون، فقال: أشركونا فى نجواكم. فقالوا: هيهات أن يدخل فى نجوانا أحد من الحبط، فغضب و سار إلى الحجاج فى مائة رجل، فقال له الحجاج: ما أبالى من تخلّف بعدك. و أتاه قتيبة بن مسلم فى قومه من بنى أعصر، و كان الحجاج قد يئس من الحياة، فلما جاءه هؤلاء اطمأنّ، ثم جاءه سبرة بن على الكلابى، و سعيد بن أسلم بن زرعة، و جعفر بن عبد الرحمن بن مخنف الأزدى، و أرسل إليه مسمع بن مالك بن مسمع يقول: إن شئت أتيتك، و إن شئت أقمت و ثبطت الناس عنك. فقال: أقم و ثبّط الناس عنى.

فلما اجتمع للحجاج عدد (3) يمنع بمثلهم خرج، و عبّأ أصحابه،

____________

(1) فى الكامل: هذا.

(2) فى ك: الخبطى- تحريف.

(3) فى الكامل: جمع للحجاج عدد.

218

و تلاحق الناس به، فلما أصبح إذا حوله ستة آلاف، فقال ابن الجارود لعبيد اللّه بن زياد بن ظبيان: ما الرأى؟ قال: تركت الرأى أمس حين قال لك الغضبان: تعشّ بالجدى قبل أن يتغدّى بك.

و قد ذهب الرأى و بقى الصبر.

فحرّض ابن الجارود الناس، و زحف بهم و على ميمنته الهذيل ابن عمران، و على ميسرته عبيد اللّه بن زياد بن ظبيان، و تقدم الحجاج و على ميمنته قتيبة بن مسلم، و يقال عبّاد بن الحصين، و على ميسرته سعيد بن أسلم، فحمل ابن الجارود فى أصحابه حتى جاوز أصحاب الحجاج، فعطف الحجاج عليه، ثم اقتتلوا ساعة و عاد ابن الجارود بظفر، فأتاه سهم غرب‏ (1) فقتله، و نادى منادى الحجاج بأمان الناس إلا الهذيل و عبد اللّه بن حكيم، و أمر ألّا يتبع المنهزمون. فانهزم عبيد اللّه بن زياد بن ظبيان، فأتى سعيد [ابن عباد الجلندى الأزدى بعمان، فقيل لسعيد: إنه رجل فاتك فاحذره، فلما جاء البطيخ بعث إليه‏] (2) بنصف بطيخة مسمومة، و قال: هذا أوّل شي‏ء جاءنا منه، و قد أكلت نصف هذه، و بعثت إليك بنصفها، فأكلها عبيد اللّه فأحسّ بالشر، فقال: أردت أن أقتله فقتلنى.

قال: و حمل رأس ابن الجارود و ثمانية عشر من وجوه أصحابه إلى المهلب، فنصبت ليراها الخوارج و ييأسوا من الاختلاف.

و حبس الحجاج عبيد بن كعب النميرى و محمد بن [عمير بن‏] (3)

____________

(1) يقال: أصابه سهم غرب- بالإضافة و التنوين، أى لا يدرى راميه (القاموس).

(2) ساقط فى ك.

(3) ساقط فى ك.

219

عطارد، فإنه كان قد بعث إلى كلّ منهما يقول: هلمّ إلىّ فامنعنى، فقال: إن أتيتنى منعتك. و حبس الغضبان و قال: أنت القائل:

تعشّ بالجدى قبل أن يتغدّى بك! فقال: ما نفعت من قيلت له و لا ضرّت من قيلت فيه! فكتب عبد الملك إلى الحجاج بإطلاقه.

ذكر ما كلم به الحجاج أنس بن مالك‏

(رضى اللّه عنه) و شكواه إياه و ما كتب به عبد الملك من الإنكار على الحجاج و سبّه بسببه قال: كان عبد اللّه بن أنس بن مالك الأنصارى (رضى اللّه عنه) ممن قتل مع ابن الجارود، فلما دخل الحجاج البصرة أخذ ماله، فدخل عليه أنس بن مالك (رضى اللّه عنه)، فحين رآه الحجاج قال له:

لا مرحبا و لا أهلا، إيه يا خبثة (1)؛ شيخ ضلالة، جوّال فى الفتن، مرّة مع أبى تراب، و مرّة مع ابن الزّبير، و مرّة مع ابن الجارود؛ أما و اللّه لأجردنّك جرد القضيب، و لأعصبنّك عصب السّلمة، و لأقلعنّك قلع الصّمغة.

فقال أنس: من يعنى الأمير؟ فقال: إياك أعنى، أصمّ اللّه صداك.

فرجع أنس، فكتب إلى عبد الملك كتابا يشكو فيه الحجاج و ما صنع به.

فكتب عبد الملك إلى الحجّاج: أما بعد يا ابن أمّ الحجاج فإنك عبد طمت بك الأمور فغلوت فيها حتى عدوت طورك، و تجاوزت قدرك، يا ابن المستفرمة بعجم الزبيب‏ (2) لأغمزنّك غمزة كبعض‏

____________

(1) و اللسان. يا خبثة: يا خبيث.

(2) المستفرمة: التى تضع دواء تتضيق به. و العجم- بالتحريك:

نوى كل شي‏ء (القاموس).

220

غمزات الليوث‏ (1) الثعالب، و لأخبطنّك خبطة تودّ لها لو أنك رجعت فى مخرجك من بطن أمك. أ ما تذكر حال آبائك بالطائف حيث كانوا ينقلون الحجارة على ظهورهم، و يحفرون الآبار بأيديهم فى أوديتهم و مياههم؛ أم نسيت حال آبائك فى اللؤم و الدناءة فى المروءة و الخلق.

و قد بلغ أمير المؤمنين الذى كان منك إلى أنس بن مالك جرأة و إقداما، و أظنّك أردت أن تسبر ما عند أمير المؤمنين فى أمره فتعلم إنكاره ذلك و إغضاءه عنك، فإن سوّغك ما كان منك مضيت عليه قدما، فعليك لعنة اللّه من عبد أخفش العينين‏ (2)، أصكّ‏ (3) الرجلين، ممسوح الجاعرتين‏ (4)، و لو لا أنّ أمير المؤمنين ظنّ أن الكاتب كثّر [فى الكتابة] (5) عن الشيخ إلى أمير المؤمنين فيك لأتاك من يسحبك ظهرا لبطن حتى يأتى بك أنسا فيحكم فيك، فأكرم أنسا و أهل بيته، و اعرف له حقّه و خدمته رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و لا تقصّرنّ فى شي‏ء من حوائجه، و لا يبلغنّ أمير المؤمنين عنك خلاف ما تقدّم فيه إليك من أمر أنس و برّه و إكرامه، فيبعث إليك من يضرب ظهرك، و يهتك سترك، و يشمت بك عدوّك، و القه فى منزله متنصّلا إليه، و ليكتب إلى أمير المؤمنين برضاه عنك، إن شاء اللّه. و السلام.

____________

(1) الليث: الأسد. و فى د: اللبوث، و المثبت فى الكامل، و العقد. و فيه:

الليوث للثعالب.

(2) الخفش- محركة: صغر العين و ضعف البصر خلقة (القاموس).

(3) رجل أصك: مضطرب الركبتين و العرقوبين (القاموس).

(4) الجاعرتان: حرفا الوركين المشرفين على الفخذين.

(5) من الكامل.

221

و بعث بالكتاب مع إسماعيل بن عبد اللّه مولى بنى مخزوم، فأتى إسماعيل أنسا بكتاب عبد الملك فقرأه، و أتى الحجاج بالكتاب فجعل يقرؤه و وجهه يتغيّر و يتمعّر (1)، و جبينه يرشح عرقا، ثم قال‏ (2):

يغفر اللّه لأمير المؤمنين.

ثم اجتمع بأنس فرحّب به الحجاج، و أدناه، و اعتذر إليه، و قال: أردت أن يعلم أهل العراق إذ كان من ابنك ما كان و إذ بلغت منك ما بلغت أنى إليهم بالعقوبة أسرع.

فقال أنس: ما شكوت حتى بلغ منى الجهد، و قد زعمت أنّا الأشرار، و قد سمّانا اللّه الأنصار، و زعمت أنّا أهل النفاق، و نحن الذين تبوّءوا الدّار و الإيمان، و سيحكم اللّه بيننا و بينك، فهو أقدر على التغيير، لا يشبه الحق عنده الباطل، و لا الصدق الكذب، و زعمت أنك اتخذتنى ذريعة و سلما إلى مساءة أهل العراق باستحلال ما حرّم اللّه عليك منى، و لم يكن لى عليك قوة، فوكلتك إلى اللّه ثم إلى أمير المؤمنين، فحفظ من حقّى ما لم تحفظ، فو اللّه لو أنّ النصارى على كفرهم رأوا رجلا خدم عيسى ابن مريم يوما واحدا لعرفوا من حقّه ما لم تعرف أنت من حقى، و قد خدمت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) عشر سنين. و بعد فإن رأينا خيرا حمدنا اللّه عليه، و أثنينا، و إن رأينا غير ذلك صبرنا. و اللّه المستعان.

و ردّ عليه الحجاج ما كان أخذ منه.

____________

(1) معر وجهه: غيره غيظا فتمعر (القاموس). و فى الكامل: و يتغبر.

(2) فى د: و يقول.

222

ذكر ولاية سعيد بن أسلم السند و قتله و ولاية مجّاعة بن سعر (1) التميمى و وفاته‏

و فى هذه السنة استعمل الحجاج على السند سعيد بن أسلم ابن زرعة، فخرج عليه معاوية و محمد ابنا الحارث العلاقيان.

فقتلاه و غلبا على البلاد، فأرسل الحجاج مجّاعة بن سعر التميمى إلى السند، فغلب على ذلك الثّغر، و غزا و فتح أماكن من قندابيل‏ (2)، و مات مجّاعة بعد سنة بمكران‏ (3). [و اللّه أعلم‏]. (4)

ذكر خبر الزنج بالبصرة

قال: كان الزنج قد اجتمعوا بفرات البصرة فى آخر أيام مصعب، و لم يكونوا بالكثير، فأفسدوا. فلما ولى خالد بن عبد اللّه البصرة كثروا، فشكا الناس إليه ما ينالهم منهم، فجمع لهم جيشا، فلما بلغهم ذلك تفرّقوا، و أخذ بعضهم فقتلهم و صلبهم، فلما كان من أمر ابن الجارود ما ذكرناه اجتمع من الزنج خلق كثير بالفرات، و جعلوا عليهم رجلا منهم اسمه رباح و يلقّب شيرزنجى‏ (5) يعنى أسد الزنج، [فأفسدوا] (6)، فأمر الحجاج زياد بن عمرو و هو على شرطة البصرة

____________

(1) الضبط فى القاموس.

(2) قندابيل: مدينة بالسند، قضبة لولاية (المراصد).

(3) مكران- بالضم، ثم السكون، و نون، و هى ولاية واسعة تشتمل على مدن و قرى (المراصد).

(4) ساقط فى د.

(5) فى د: شيززنجى. و المثبت فى الكامل أيضا.

(6) من الكامل.

223

أن يرسل إليهم جيشا، فندب ابنه حفص بن زياد فقتلوه، و هزموا أصحابه، فسيّر إليهم جيشا آخر فهزم الزنج و قتلهم، و استقامت البصرة.

و فى هذه السنة حجّ عبد الملك بالناس فخطب الناس بالمدينة، فقال بعد حمد اللّه و الثناء عليه:

أما بعد فإنى لست بالخليفة المستضعف- يعنى عثمان، و لا بالخليفة المداهن- يعنى معاوية، و لا بالخليفة المأفون‏ (1)- يعنى يزيد، ألا و إنى لا أداوى هذه الأمّة إلّا بالسيف حتى تستقيم لى قناتكم، و إنكم تكلّفونا أعمال المهاجرين الأولين و لا تعملون مثل أعمالهم.

و إنكم تأمروننا بتقوى اللّه و تنسون ذلك من أنفسكم، و اللّه لا يأمرنى أحد بتقوى اللّه بعد مقامى هذا إلّا ضربت عنقه. ثم نزل.

سنة (76 ه) ست و سبعين:

ذكر ضرب الدنانير و الدراهم الاسلامية

و فى هذه السنة ضرب عبد الملك بن مروان الدنانير و الدراهم الإسلامية، و هو أوّل من أحدث ضربها فى الإسلام؛ و كان سبب ذلك أنه كتب فى صدور الكتب إلى الروم: قل هو اللّه أحد. و ذكر النبىّ صلى اللّه عليه و سلّم مع التاريخ. فكتب إليه ملك الروم: إنكم قد أحدثتم هذا فاتركوه، و إلا أتاكم فى دنانيرنا من ذكر نبيكم ما تكرهون.

فعظم ذلك على عبد الملك، و استشار خالد بن يزيد بن معاوية، فقال: حرّم دنانيرهم، و اضرب للناس سكة فيها ذكر اللّه تعالى.

____________

(1) فى ك: المأبون.

224

فضرب الدنانير و الدراهم و نقش عليها: قل هو اللّه أحد. فكره الناس ذلك لمكان القرآن؛ لأن الجنب و الحائض تمسّها (1)، ثم ضربها الحجاج.

و قد قيل: إن مصعب بن الزبير ضرب دراهم قليلة أيام أخيه عبد اللّه، ثم كسرت بعد ذلك فى أيام عبد الملك. و الصحيح أنّ عبد الملك أول من ضرب الدنانير و الدراهم فى الإسلام.

*** و فيها استعمل عبد الملك أبان بن عثمان على المدينة.

و فيها ولد مروان بن محمد بن مروان.

و حجّ بالناس فى هذه السنة أبان بن عثمان و هو أمير (2) المدينة، و كان على العرق الحجاج، و على خراسان أميّة بن عبد اللّه، و على قضاء الكوفة شريح، و على قضاء البصرة زرارة بن أوفى.

سنة سبع و سبعين:

ذكر مقتل بكير بن وساج‏

و فى هذه السنة قتل أميّة بن عبد اللّه أمير خراسان بكير بن وسّاج‏ (3)، و سبب ذلك أن أمية أمر بكيرا أن يتجهّز لغزو ما وراء النّهر، فتجهّز و أنفق نفقة كبيرة، فقال بحير بن ورقاء لأمية: إن صار بينك و بينه النّهر خلع الخليفة. فأرسل إليه أميّة يقول: أقم لعلّى أغزو فتكون معى، فغضب بكير، و كان قبل ذلك قد ولّاه طخارستان، و أنفق‏

____________

(1) فى ك: تلمسها.

(2) فى الطبرى: أمير على المدينة.

(3) الضبط فى القاموس، و فى الطبرى: و شاح. و قد تقدم الخلاف فيه.

225

نفقة عظيمة، فحذّره بحير منه فمنعه منها، ثم إن أمية تجهّز للغزو إلى بخارى و تجهّز معه الناس، و فيهم بكير بن وسّاج، فلما بلغوا النّهر و أرادوا قطعه قال أمية لبكير: إنى قد استخلفت ابنى على خراسان و أخاف أنه لا يضبطها، لأنه غلام حدث، فارجع إلى مرو فاكفنيها، فقد ولّيتكها، فقم بأمر ابنى.

فانتخب بكير فرسانا كان قد عرفهم و وثق بهم، و رجع. و مضى أميّة إلى بخارى فقال عقاب‏ (1) الغدانى لبكير: إنّا طلبنا أميرا من قريش، فجاءنا أمير يلعب بنا، يحوّلنا من سجن إلى سجن، و إنى أرى أن نحرق هذه السفن، و نمضى إلى مرو، و نخلع أمية و نقيم بمرو، نأكلها إلى يوم ما، و وافقه الأحنف بن عبد اللّه العنبرى على هذا، فقال بكير: أخاف أن يهلك هؤلاء الفرسان الذين معى. قال: إن هلك هؤلاء أنا آتيك من أهل مرو بما شئت. قال: يهلك المسلمون. قال:

إنما يكفيك أن ينادى مناد: من أسلم رفعنا عنه الخراج، فيأتيك خمسون ألفا أسمع من هؤلاء و أطوع. قال: فيهلك أميّة و من معه.

قال: و لم يهلكون و لهم عدد و عدّة و نجدة و سلاح ظاهر، ليقاتلوا عن أنفسهم حتى يبلغوا الصين.

فأحرق بكير السفن، و رجع إلى مرو، فحبس ابن أميّة و خلع أمية، و بلغ أمية الخبر، فصالح أهل بخارى على فدية قليلة، و رجع و أمر (2) باتخاذ السفن، و عبر، و ذكر للناس إحسانه إلى بكير مرة بعد أخرى، و أنه كافأه بالعصيان.

____________

(1) الضبط من القاموس و الإكمال. و فى د، و الطبرى: عتاب. و يقال له:

ذو اللقوة.

(2) فى الطبرى: فأمر.

226

و سار إلى مرو، و أرسل شمّاس بن دثار فى ثمانمائة، فسار بكير إليهم، فانهزم شمّاس، و أمر أصحابه ألّا يقتلوا منهم أحدا، فكانوا يأخذون سلاحهم و يطلقونهم. و قدم أميّة فتلقّاه شماس، فقدم ثابت ابن قطبة فلقيه بكير فأسره، و فرّق جمعه، ثم أطلقه ليد كانت لثابت عنده. و أقبل أميّة و قاتله بكير فكان بينهم وقعات فى أيام، فانكشف أصحاب بكير فى بعضها، فاتبعه حريث بن قطبة حتى بلغ القنطرة و ناداه إلى أين يا بكير! فرجع فضربه حريث على رأسه فقطع المغفر، و عضّ السيف برأسه فقطع فصرع، و احتمله أصحابه فأدخلوه البلد.

و كان أصحاب بكير يفدون‏ (1) فى الثياب المصبّغة فيجلسون يتحدثون. و ينادى مناديهم من رمى بسهم رمينا إليه برأس رجل من ولده و أهله، فلا يرميهم أحد.

و خاف بكير إن طال الحصار أن يخذله الناس، فطلب الصلح؛ و أحبّ ذلك أيضا أصحاب أميّة، فاصطلحوا على أن يقضى عنه أمية أربعمائة ألف، و يصل أصحابه و يوليه أىّ كور خراسان شاء، و لا يسمع قول بحير فيه، و إن رابه ريب فهو آمن أربعين يوما.

و دخل أمية مدينة مرو، و وفى لبكير، و عاد إلى ما كان من الكرامة (2)، و أعطى أمية عقابا (3) عشرين ألفا، و كان أمية سهلا

____________

(1) فى الكامل، و الطبرى: يغدون.

(2) فى الكامل: إكرامه. و فى الطبرى: إلى ما كان عليه من الإكرام.

(3) فى ك: عتابا. و انظر هامش رقم 1 صفحة 225.

227

ليّنا سخيّا، و كان مع ذلك ثقيلا على أهل خراسان، و كان فيه زهد (1).

و عزل أمية بحيرا عن شرطته و ولّاها عطاء بن أبى السائب، و طالب أميّة الناس بالخراج و اشتدّ عليهم، فجلس بكير فى المسجد و عنده الناس، فذكروا شدّة أمية فذمّوه و بحير، و ضرار بن حصن‏ (2)، و عبد (3) العزيز بن جارية بن قدامة فى المسجد، فنقل بحير ذلك إلى أميّة فكذّبه، فادّعى شهادة هؤلاء، فشهد مزاحم بن أبى المجشّر السلمى أنه كان يمزح، فتركه أميّة، ثم إن بحيرا أتى أميّة و قال:

و اللّه إن بكيرا قد دعانى إلى خلعك، و قال: لو لا مكانك لقتلت هذا القرشى، و أكلت خراسان. فلم يصدّقه أمية، فاستشهد جماعة ذكر بكير أنهم أعداؤه. فقبض أمية على بكير و على ابنى أخيه:

بدل، و شمردل، ثم أمر بعض الرؤساء بقتل بكير، فامتنعوا فأمر بحيرا بقتله فقتله، و قتل أمية ابنى أخى بكير.

و حجّ بالناس فى هذه السنة أبان بن عثمان.

و فيها مات جابر بن عبد اللّه بن عمرو الأنصارى.

سنة (78 ه) ثمان و سبعين)

فى هذه السنة عزل عبد الملك بن مروان أميّة بن عبد اللّه عن خراسان و سجستان؛ و ضمهما إلى أعمال الحجاج، فاستعمل‏

____________

(1) فى الكامل، و الطبرى: زهو شديد.

(2) فى الكامل: حصين. و المثبت فى الطبرى أيضا.

(3) فى الكامل: و عبد اللّه بن جارية، و المثبت فى الطبرى أيضا.

228

الحجاج المهلّب بن أبى صفرة على خراسان و عبيد (1) اللّه بن أبى بكرة على سجستان، فبعث المهلب ابنه حبيبا إلى خراسان، فلما ودّع الحجاج أعطاه بغلة خضراء، فسار عليها و أصحابه على البريد، فوصل خراسان فى عشرين يوما، فلما دخل باب مرو لقيه حمل حطب، فنفرت البغلة فعجبوا من نفارها بعد ذلك التعب و شدّة السير، و لم يعرض لأمية و لا لعماله، و أقام عشرة أشهر حتى قدم عليه المهلّب فى سنة [79 ه] تسع و سبعين.

و حجّ بالناس [فى هذه السنة] (2) أبان بن عثمان‏ (3)، و كان العمال من ذكرنا، و على قضاء الكوفة شريح، و على قضاء البصرة موسى بن أنس.

سنة (79 ه) تسع و سبعين:

فى هذه السنة استعفى شريح بن الحارث من القضاء فأعفاه الحجّاج، و استعمل على القضا، أبا بردة بن أبى موسى.

و حجّ بالناس أبان بن عثمان و هو أمير المدينة.

سنة (80 ه) ثمانين:

فى هذه السنة حجّ بالناس أبان بن عثمان، و فيها توفى أبو إدريس الخولانى، و عبد اللّه بن جعفر بن أبى طالب. و قيل سنة [84 ه] أربع و ثمانين، و قيل سنة خمس. و قيل سنة ستّ. و قيل سنة تسعين.

و اللّه أعلم.

____________

(1) فى ك: و عبد اللّه. و المثبت فى الطبرى أيضا.

(2) ساقط فى د.

(3) فى الطبرى: و حج بالناس فى هذه السنة الوليد بن عبد الملك و كان أمير المدينة فى هذه السنة أبان بن عثمان.

229

و فيها توفى محمد بن على بن أبى طالب [(رضى اللّه عنهما)] (1)، و هو ابن الحنفيّة، و مات جماعة من الصحابة رضى اللّه [تعالى‏] (2) عنهم [أجمعين‏] (3).

سنة (81 ه) احدى و ثمانين:

ذكر مقتل بحير بن ورقاء

[بشر القاتل بالقتل لأنه كان سببا و باعثا لقتل بكير بن وساج‏] (4) فى هذه السنة قتل بحير بن ورقاء الصّريمى. و كان سبب قتله أنه لما قتل بكير بن وسّاج و كلاهما كان تميميا- قال عثمان بن رجاء ابن جابر أحد بنى‏ (5) عوف بن سعد من الأبناء، و الأبناء عدة بطون من تميم، يحرّض‏ (6) بعض آل بكير من الأبناء على الطلب بثأره‏ (7):

العمرى لقد أغضيت عينا على القذى‏ * * * و بتّ بطينا من رحيق مروّق‏ (8)

و خلّيت‏ (9) ثأرا طلّ و اخترت نومة * * * و من شرب‏ (10) الصّهباء بالوتر يسبق‏

فلو كنت من عوف بن سعد ذؤابة * * * تركت بحيرا فى دم مترقرق‏

____________

(1) ساقط فى د.

(2) ساقط فى د.

(3) ساقط فى د.

(4) ساقط فى د.

(5) فى ك. حدثنى. و المثبت فى الكامل، و الطبرى.

(6) فى الطبرى: يحض.

(7) معجم الشعراء: 91، و الكامل: 4- 75، و الطبرى: 6- 331.

(8) فى المرزبانى: معتق.

(9) فى المرزبانى: و خيلت.

(10) فى الكامل، و المرزبانى: و من يشرب.

230

فقل لبحير نم و لا تخش ثائرا * * * ببكر (1)فعوف أهل شاء حبلّق‏ (2)

دع‏ (3) الضّأن يوما قد سبقتم بوتركم‏ * * * و صرتم حديثا بين غرب و مشرق‏

و هبّوا فلو أمسى‏ (4) بكير كعهده‏ * * * لغاداهمو زحفا بجأواء فيلق‏ (5)

و قال أيضا (6):

فلو كان بكر بارزا فى أداته‏ * * * و ذى العرش لم يقدم عليه بحير

ففى الدهر إن أبقانى الدّهر مطلب‏ * * * و فى اللّه طلّاب بذاك جدير

فبلغ بحيرا أن رهط بكير من الأبناء يتوعّدونه، فقال‏ (7):

توعّدنى الأبناء جهلا كأنّما * * * يرون فنائى مقفرا من بنى كعب‏

____________

(1) فى ك: بكر. و فى الطبرى، و المرزبانى: بعوف.

و المثبت فى الكامل أيضا.

(2) فى الطبرى: أهل شاة، و الحبلق: صغار الغنم.

(3) فى الكامل: دعوا ...

(4) فى ك: آسى.

(5) فى المرزبانى: كعهدكم صحيحا لغاداهم ... و فى الطبرى: كعهده صحيحا لغاداهم ...

(6) و الطبرى: 6- 331، و الكامل: 4- 76.

(7) و الطبرى: 6- 331، و الكامل: 4- 76.

231

رفعت له كفّى بعضب‏ (1)مهنّد * * * حسام كلون الملح‏ (2) ذى رونق عضب‏

فتعاقد سبعة (3) عشر من بنى عوف على الطلب بدم بكير، فخرج فتى منهم يقال له شمردل‏ (4) من البادية حتى قدم خراسان، فرأى بحيرا واقفا، فحمل عليه فطعنه فصرعه، و ظنّ أنه قتله، و ركض، فعثر به فرسه فسقط عنه فقتل. و خرج صعصعة بن حرب العوفى من البادية، و مضى إلى سجستان، فجاور قرابة لبحير مدة، و ادّعى أنه من بنى حنيفة من اليمامة، و أطال مجالستهم حتى أنسوا به، ثم قال لهم: إن لى بخراسان ميراثا فاكتبوا لى إلى بحير كتابا ليعيننى على حقّى. فكتبوا له، و سار فقدم على بحير فأخبره أنّه من من بنى حنيفة و أنّ له مالا بسجستان و ميراثا بمرو، و قدم ليبيعه‏ (5) و يعود إلى اليمامة. فأنزله بحير، و أمر له بنفقة، و وعده المساعدة.

و كان بحير قد حذر، فلما قال له: إنه من بنى حنيفة أمنه، و كان إذ ذاك فى الغزو مع المهلب. فقال له: أقيم معك حتى ترجع إلى مرو، فأقام شهرا يحضر معه باب المهلّب، فجاء صعصعة يوما و بحير عند باب المهلب و عليه قميص و رداء، فقعد خلفه، و دنا منه كأنه يكلّمه، فوجأه بخنجر معه فى خاصرته، فغيّبه فى جوفه.

و نادى يا لثارات بكير! فأخذ و أتى به المهلب، فقال له: بؤسا لك!

____________

(1) فى الطبرى: بحد مهند ... و فى الكامل: بسيف ...

(2) فى الكامل: كلون الثلج.

(3) فى ك: سبع.

(4) فى الطبرى: الشمردل.

(5) فى د: لبيعه.

232

ما أدركت بثأرك، و قتلت نفسك، و ما على بحير بأس! فقال:

لقد طعنته طعنة لو قسّمت بين الناس لماتوا. و لقد وجدت ريح بطنه فى يدى.

فحبسه المهلّب، و مات بحير من الغد، فقال صعصعة: اصنعوا الآن ما شئتم، أ ليس قد خلت خدور (1) نساء بنى عوف، و أدركت بثأرى. و اللّه لقد أمكننى منه [ما صنعت‏] (2) خاليا غير مرة، فكرهت أن أقتله سرّا.

فقال المهلب: ما رأيت رجلا أسخى نفسا بالموت من هذا، و أمر بقتله، فقتل.

و قيل: إنه بعثه إلى بحير قبل أن يموت فقتله، و غضبت عوف و الأبناء و قالوا: علام قتل صاحبنا، و إنما أخذ بثأره، فنازعتهم مقاعس و البطون، و كلّهم بطون من تميم، حتى خاف الناس أن يعظم الأمر، فقال أهل الحجا: احملوا دم صعصعة، و اجعلوا دم بحير [بواء] (3) ببكير، فودوا صعصعة، فقال رجل من الأبناء يمدح صعصعة (4):

للّه درّ فتى تجاوز همّه‏ * * * دون العراق‏ (5)مفاوزا و بحورا

ما زال يدئب‏ (6) نفسه و ركابه‏ * * * حتى تناول فى الحزون‏ (7) بحيرا

____________

(1) فى الطبرى و الكامل: حلت نذور نساء بنى عوف.

(2) زيادة من الطبرى.

(3) زيادة من الطبرى.

(4) و الطبرى: 6- 334، و الكامل: 4- 77.

(5) فى ك: دون الفرات.

(6) فى الطبرى: يدأب ... و يكدها.

(7) فى الكامل: فى الحروب. و فى الطبرى: فى خرون!

233

ذكر خلاف عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث‏

على الحجاج و ما كان بينهما من الحروب كان ابتداء خلافه على الحجاج فى هذه السنة، و استمرت الوقائع التى نذكرها بينهما إلى سنة [83 ه] ثلاث و ثمانين، و قد رأينا أن نجمع أخباره بجملتها فى هذا الموضع، و لا نقطعها بغيرها، و نميّز كل وقعة منها بتاريخها.

و كان سبب خلافه أنّ الحجاج لما بعثه فى الجنود إلى بلاد رتبيل فى سنة [80 ه] ثمانين كما ذكرنا فى الغزوات، و ملك ما ملك من من حصون رتبيل، و استولى على ما استولى عليه من بلاده، و أقام، و كتب إلى الحجاج يعرّفه أنه رأى ترك التوغّل فى بلاد رتبيل حتى يعرفوا طرقها و يجبوا خراجها.

فلما ورد كتابه على الحجّاج كتب إليه: إنّ كتابك كتاب امرئ يحبّ الهدنة، و يستريح إلى الموادعة، فامض إلى‏ (1) ما أمرتك من الوغول فى أرضهم، و الهدم لحصونهم، و قتل مقاتلتهم، و سبى ذراريّهم، ثم أردفه كتابا آخر [بنحو ذلك‏] (2)، و فيه:

أما بعد فمر من قبلك من المسلمين فليحرثوا و يقيموا بها، فإنها دارهم حتى يفتحها اللّه عليهم.

ثم كتب إليه كتابا ثالثا كذلك، و يقول: إن مضيت إلى ما أمرتك‏

____________

(1) فى ك: لما.

(2) من د.

234

و إلّا فأخوك إسحاق بن محمد أمير الناس. فدعا عبد الرحمن الناس و قال لهم: أيها الناس، إنّى لكم ناصح و لصلاحكم محبّ، و لكم فى كل ما يحيط به نفعكم‏ (1) ناظر، و قد كان رأيى فيما بينى و بين عدوى‏ (2) ما رضيه ذوو أحلامكم و أولو التجربة منكم، و كتبت بذلك إلى أميركم الحجاج، فأتانى كتابه يعجّزنى و يضعّفنى و يأمرنى بتعجيل الوغول بكم فى أرض العدوّ، و هى البلاد التى هلك فيها إخوانكم بالأمس، و إنما أنا رجل منكم أمضى إذا مضيتم، و آبى إذا أبيتم.

فثار إليه الناس و قالوا: بل، نأبى على عدوّ اللّه، و لا نسمع له و لا نطيع.

فكان أول من تكلم أبو الطّفيل عامر بن واثلة الكنانى، و له صحبة، فقال- بعد حمد اللّه: أما بعد فإنّ الحجاج يرى بكم ما رأى القائل الأول [إذ قال لأخيه‏] (3): احمل عبدك على الفرس، إن هلك هلك، و إن نجا فلك. إنّ الحجاج لا يبالى أن يخاطر بكم فيقحمكم بلايا (4) كثيرة، و يغشى بكم اللهوب و اللّصوب‏ (5)، فإن ظفرتم و غنمتم أكل البلاد و حاز المال، و كان ذلك زيادة فى سلطانه؛

____________

(1) فى الطبرى: و لكم فى كل ما يحيط بكم نفعه. و المثبت فى الكامل أيضا.

(2) فى الطبرى: عدوكم.

(3) زيادة فى الطبرى.

(4) فى ك: بلادا.

(5) اللهوب: جمع لهب، و هو وجه من الجبل لا يمكن ارتقاؤه. و اللصب:

مضيق الوادى، و جمعه لصوب (القاموس).

235

و إن ظفر عدوّكم كنتم أنتم الأعداء البغضاء الذين لا يبالى عنتهم، و لا يبقى عليهم، اخلعوا عدوّ اللّه الحجاج، و بايعوا الأمير عبد الرحمن، فإنى أشهدكم أنّى أوّل خالع.

فنادى الناس من كل جانب: فعلنا فعلنا، قد خلعنا عدوّ اللّه.

و قام عبد المؤمن بن شبث بن ربعى ثانيا فتكلّم، و ندب الناس إلى مبايعة عبد الرحمن، فبايعوه على خلع الحجاج و نفيه من العراق، و لم يذكر عبد الملك، فوثب الناس إلى عبد الرحمن فبايعوه على خلع الحجاج و نفيه و على النّصرة له، فصالح عبد الرحمن رتبيل على أنه إن ظهر فلا خراج على رتبيل أبدا، و إن هزم فأراده منعه‏ (1).

ثم جعل عبد الرحمن على بست عياض بن هميان الشّيبانى و على زرنج‏ (2) عبد اللّه بن عامر التميمى، و على كرمان خرشة بن عمرو التميمى، و رجع إلى العراق، و جعل على مقدّمته عطية بن عمرو العنبرى.

فلما بلغ فارس اجتمع الناس بعضهم إلى بعض، و قالوا:

إذا خلعنا الحجاج عامل عبد الملك فقد خلعنا عبد الملك، فاجتمعوا إلى عبد الرحمن، فكان أول الناس خلع عبد الملك تيجان‏ (3) ابن أبجر بن تيم اللّه بن ثعلبة (4)، قام فقال: أيها الناس، إنى خلعت‏

____________

(1) فى الطبرى: ألجأه عنده.

(2) زرنج- بفتح أوله و ثانيه، و نون ساكنة، و جيم: مدينة هى قصبة سجستان (ياقوت).

(3) فى الطبرى: تيحان- بالحاء المهملة.

(4) فى الطبرى: من بنى تيم اللّه.

236

أبا ذبّان‏ (1) كخلعى خاتمى‏ (2)، فخلعه الناس إلّا قليلا منهم، و بايعوا عبد الرحمن. و كانت بيعته يبايعون على كتاب اللّه و سنّة نبيه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و على جهاد أهل الضّلالة، و خلعهم، و جهاد المحلّين.

فلما بلغ الحجاج خلعه كتب إلى عبد الملك بالخبر، و يسأله أن يعجّل بعثة الجنود إليه. و سار الحجاج حتى بلغ البصرة.

و لما وصل كتاب الحجاج إلى عبد الملك هاله، و دعا خالد بن يزيد فأقرأه الكتاب، فقال: يا أمير المؤمنين، إن كان هذا الحدث من سجستان فلا تخفه، و إن كان من خراسان فإنى أتخوّف.

فجهّز عبد الملك الجند على البريد، فكانوا يصلون من مائة و من خمسين و أقل من ذلك و أكثر، و سار الحجاج من البصرة إلى تستر (3)، و قدم مقدمته إلى دجيل، فلقوا خيلا لعبد الرحمن، فانهزم أصحاب الحجاج بعد قتال، و ذلك يوم الأضحى سنة [81 ه] إحدى و ثمانين، و قتل منهم جمع كثير.

فلما أتى خبر الهزيمة إلى الحجاج رجع إلى البصرة و تبعه أصحاب عبد الرحمن، فقتلوا من أصحابه و أصابوا بعض أثقالهم. و أقبل الحجاج حتى نزل الزّاوية (4)، و جمع عنده الطعام، و فرّق فى الناس‏

____________

(1) أبو ذبان: كنية عبد الملك بن مروان.

(2) فى الطبرى و الكامل: قميصى.

(3) مدينة بخوزستان (المراصد).

(4) الزاوية: عدة مواضع، منها قرية بالموصل، و موضع قرب البصرة.

كانت به الوقعة المشهورة بين الحجاج و ابن الأشعث (المراصد).

237

مائة و خمسين ألف درهم، و أقبل عبد الرحمن حتى دخل البصرة فبايعه جميع أهلها.

و كان السبب فى سرعة إجابتهم إلى بيعته أنّ عمّال الحجاج كتبوا إليه إنّ الخراج قد انكسر، و إن أهل الذمّة قد أسلموا و لحقوا بالأمصار.

فكتب إلى البصرة و غيرها: إن من كان له أصل فى قرية فليخرج إليها، فأخرج الناس لتؤخذ منهم الجزية، فجعلوا يبكون و ينادون:

يا محمداه! يا محمداه! و جعل قرّاء البصرة يبكون.

فلما قدم ابن الأشعث إثر ذلك بايعوه على حرب الحجاج، و خلع عبد الملك؛ و خندق الحجاج على نفسه، و خندق عبد الرحمن على البصرة، و كان دخوله البصرة فى آخر ذى الحجة.

ذكر الحرب بين الحجاج و ابن الأشعث و انهزام ابن الأشعث من البصرة إلى الكوفة

و فى المحرم سنة [82 ه] اثنتين و ثمانين اقتتل عسكر الحجاج و عسكر ابن الأشعث قتالا شديدا، و كان بينهم عدّة وقعات، فلما كان آخر يوم من المحرم اشتدّ القتال، فانهزم أصحاب الحجاج حتى انتهوا إليه، و قاتلوا على خنادقهم، ثم تزاحفوا فتقوّض أصحاب الحجاج، فجثا على ركبتيه، و قال: للّه درّ مصعب! ما كان أكرمه حين نزل به ما نزل، و عزم على أنه لا يفر.

فحمل سفيان بن الأبرد على ميمنة ابن الأشعث فهزمها، و انهزم‏

238

أهل العراق، و أقبلوا نحو الكوفة مع عبد الرحمن، و قتل منهم خلق كثير، منهم: عقبة بن عبد الغافر الأزدى و جماعة من القرّاء.

و لما بلغ ابن الأشعث الكوفة تبعه أهل القوّة و أصحاب الخيل من البصرة، و اجتمع من بقى بالبصرة مع عبد الرحمن بن عباس ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، فبايعوه، فقاتل بهم الحجّاج خمس ليال أشدّ قتال رآه الناس، ثم انصرف فلحق بابن الأشعث و معه‏ (1) طائفة من أهل البصرة، و هذه الوقعة تسمّى وقعة الزّاوية.

و قتل الحجاج فى هذا اليوم بعد الهزيمة أحد عشر ألفا خدعهم بالأمان، أمر مناديا فنادى: الأمان لفلان و فلان، سمّى رجالا، فقال العامّة: قد أمن الناس، فحضروا عنده، فأمر بهم فقتلوا.

قال: و كان الحجّاج عند مسيره من الكوفة إلى البصرة استعمل عليها عبد الرحمن بن عبد الرحمن بن عبد اللّه بن عامر الحضرمى حليف بنى أميّة، فقصده مطر بن ناجية اليربوعى، فتحصّن منه ابن الحضرمىّ فى القصر، فوثب أهل الكوفة مع مطر، فأخرج ابن الحضرمى و من معه من أهل الشام، و كانوا أربعة آلاف، و استولى مطر على القصر، و اجتمع إليه الناس، ففرّق فيهم لكلّ إنسان مائتى درهم.

فلما وصل ابن الأشعث إلى الكوفة كان مطر بالقصر، فخرج أهل الكوفة يستقبلونه، فدخل الكوفة، و قد سبق إليه همدان فكانوا حوله، فأتى القصر فمنعه مطر بن ناجية و من معه من بنى تميم، فأصعد

____________

(1) فى الطبرى، و الكامل: و تبعه.

239

عبد الرحمن الناس فى السلاليم إلى القصر فأخذوه، و أتى عبد الرحمن بمطر فحبسه ثم أطلقه.

ذكر وقعة دير الجماجم‏

[و انهزام أصحاب ابن الأشعث و عود الحجاج إلى الكوفة] (1) كانت وقعة دير الجماجم‏ (2) فى شعبان سنة [82 ه] اثنتين و ثمانين، و قيل: كانت فى سنة ثلاث و ثمانين. و الذى يقول: إنها فى سنة ثلاث يقول: كان نزولهم بدير الجماجم لليلة مضت من شهر ربيع الأول سنة [83 ه] ثلاث و ثمانين، و الهزيمة لأربع عشرة ليلة مضت من جمادى الآخرة منها، فكانت مائة يوم و ثلاثة أيام. و اللّه أعلم.

و كان سبب هذه الوقعة أنّ الحجاج سار من البصرة إلى الكوفة لقتال عبد الرحمن بن الأشعث، و نزل دير (3) قرّة، و خرج عبد الرحمن من الكوفة فنزل دير الجماجم، و اجتمع لعبد الرحمن أهل الكوفة و أهل البصرة و أهل الثغور و المسالح و القراء، و كانوا مائة ألف ممن يأخذ العطاء و معهم مثلهم‏ (4)، و جاءت الحجاج أمداد الشام قبل نزوله بدير قرّة، و خندق كلّ منهما على نفسه، و كان الناس يقتتلون كل يوم، و لا يزال أحدهما يدنى خندقه من الآخر.

فبعث عبد الملك ابنه عبد اللّه و أخاه محمد بن مروان- و كان محمد بأرض الموصل- فى جند كثيف إلى الحجاج، و أمرهما أن يعرضا

____________

(1) من د.

(2) على سبعة فراسخ من الكوفة على طرف البر للسالك إلى البصرة (المراصد).

(3) دير قرة: بازاء دير الجماجم مما يلى الكوفة (المراصد).

(4) فى ك: نسلهم.

240

على أهل العراق عزل الحجاج، و أن يجرى عليهم أعطياتهم، كما يجرى على أهل الشام، و أن ينزل عبد الرحمن بن الأشعث أى بلد شاء من العراق، فإذا نزل كان واليا عليها ما دام حيّا، و عبد الملك خليفة. فإن أجاب أهل العراق إلى ذلك عزلا الحجاج عنهم‏ (1)، و صار محمد بن مروان أمير العراق، و إن أبى أهل العراق ذلك فالحجاج أمير الجماعة و والى‏ (2) القتال، و محمد و عبد اللّه فى طاعته، فلم يأت الحجاج أمر قطّ كان أشدّ عليه و لا أوجع لقلبه منه، و خشى أن يقبل أهل العراق عزله فيعزل عنهم، فكتب إلى عبد الملك: و اللّه لو (3) أعطيت أهل العراق عزلى‏ (4) لم يلبثوا إلّا قليلا حتى يخالفوك و يسيروا إليك، و لا يزيدهم ذلك إلّا جراءة عليك، أ لم تر و يبلغك و ثوب أهل العراق مع الأشتر على عثمان ابن عفّان و سؤالهم نزع سعيد بن العاص، فلما نزعه لم تتمّ لهم السنة حتى ساروا إلى عثمان فقتلوه؛ و إن الحديد بالحديد يفلح.

فأبى عبد الملك إلّا عرض عزله على أهل العراق، و قال: عزله أيسر من حرب أهل العراق، و يحقن الدماء.

فخرج عبد اللّه بن عبد الملك و قال: يأهل العراق، أنا ابن أمير المؤمنين، و هو يعطيكم كذا و كذا.

____________

(1) فى الكامل: عنها.

(2) فى الطبرى: و ولى.

(3) فى الطبرى: لئن.

(4) فى الطبرى، و الكامل: نزعى.

241

و خرج محمد بن مروان، و قال: أنا رسول أمير المؤمنين، و هو يعرض عليكم كذا و كذا.

فقالوا: نرجع للعشيّة. و رجعوا، و اجتمعوا عند ابن الأشعث، فقال لهم: قد أعطيتم أمرا انتهازكم إياه اليوم فرصة، و إنكم اليوم على النّصف؛ فإن كانوا اعتدّوا عليكم بيوم الزّاوية فأنتم تعتدون عليهم بيوم تستر، فاقبلوا ما عرض عليكم، و أنتم أعزّاء أقوياء.

فوثبوا و قالوا: لا و اللّه لا نقبل. و أعادوا خلع عبد الملك ثانيا؛ و كان أول من قام بخلعه بدير الجماجم عبد اللّه بن ذؤاب السلمى و عمير بن تيحان، و كان اجتماعهم على خلعه بالجماجم أجمع من الخلع بفارس.

فقال عبد اللّه و محمد للحجاج: شأنك بعسكرك و جندك، و اعمل برأيك، فإنا قد أمرنا أن نسمع لك و نطيع، و كانا يسلمان عليه بالإمرة و يسلّم عليهما بالإمرة.

قال: و لما اجتمع أهل العراق على خلع عبد الملك قال ابن الأشعث:

ألا إنّ بنى مروان يعيّرون بالزّرقاء، و اللّه ما لهم نسب أصحّ منه، إلّا أنّ بنى العاص‏ (1). أعلاج من أهل صفّورية (2)، فإن يكن هذا الأمر فى قريش فعنّى تقوّبت‏ (3) بيضة قريش، و إن يك فى العرب فأنا ابن الأشعث، و مدّ بها صوته حتى سمعه الناس.

____________

(1) فى الطبرى: ألا أن بنى أبى العاص.

(2) صفورية: كورة و بلد من نواحى الأردن بالشام قرب طبرية (المراصد).

(3) فى الكامل: فمتى، و فى الطبرى: فعنى فقئت. و تقوبت البيضة: انفلقت عن فرخها (النهاية).

242

و برزوا للقتال، فجعل الحجاج على ميمنته عبد الرحمن بن سليم الكلبى، و على ميسرته عمارة بن تميم اللخمى، و على خيله سفيان ابن الأبرد الكلبى، و على رجاله عبد اللّه‏ (1) بن حبيب الحكمى.

و جعل ابن الأشعث على ميمنته الحجاج بن جارية (2) الخثعمى.

و على ميسرته الأبرد بن قرّة التميمى، و على خيله عبد الرحمن ابن العباس‏ (3) بن ربيعة الهاشمى، و على رجاله محمد بن سعد ابن أبى وقاص، و على مجنّبته‏ (4) عبد اللّه بن رزام الحارثى، و جعل على القرّاء زحر (5) بن قيس الجعفى، و فيهم سعيد بن جبير بن هشاء الشعبى، و اسمه عامر بن شراحيل، و أبو البخترى الطائى، و عبد الرحمن ابن أبى ليلى.

و أخذوا فى القتال [فى كل يوم‏] (6)، و أهل العراق تأتيهم موادّهم من الكوفة و سوادها، و هم فى خصب. و أهل الشام فى ضيق‏ (7) شديد، قد غلت عندهم الأسعار، و فقد اللحم، حتى كأنهم فى حصار.

و هم على ذلك يغادون القتال و يراوحون‏ (8).

فعبّأ الحجاج فى بعض الأيام لكتيبة القرّاء ثلاث كتائب، و بعث عليها الجرّاح بن عبد اللّه الحكمى؛ فقام‏ (9) جبلة بن زحر

____________

(1) فى الطبرى: عبد الرحمن بن حبيب.

(2) فى الكامل: حارثة.

(3) فى الطبرى: ابن عباس.

(4) فى ك، و الطبرى: مجففته. و المثبت فى الكامل أيضا.

(5) فى الكامل: جبلة بن زحر. و المثبت فى ك، د، و الطبرى.

(6) زيادة فى ك.

(7) فى الكامل: فى ضنك.

(8) فى الطبرى: و يراوحونهم.

(9) فى الكامل: فعبأ ابن جبلة- تحريف، صوابه فى د، و الطبرى.

243

فى القراء، و حرضهم على القتال، و ذمّ أهل الشام، و سمّاهم المحلّين المحدثين المبتدعين الذين جهلوا الحقّ فلا يعرفونه، و عملوا بالعدوان فلا ينكرونه فى كلام كثير قاله. و قال أبو البخترى: أيها الناس، قاتلوهم على دينكم و دنياكم.

و قال الشعبى: أيّها الناس قاتلوهم قاتلوهم و لا يأخذكم حرج من قتالهم: فو اللّه ما أعلم على بسيط الأرض أعمل بظلم و لا أجور فى حكم منهم.

و قال سعيد بن جبير نحو ذلك.

و قال جبلة: احملوا حملة صادقة و لا تردّوا وجوهكم عنهم.

فحملوا عليهم فأزالوا الكتائب عن مواقفها و فرّقوها و تقدّموا حتى واقعوا صفّهم، فأزالوه عن مكانه؛ ثم رجعوا فوجدوا جبلة بن زحر قتيلا.

و كان سبب قتله أنّ أصحابه لمّا حملوا على أهل الشام و فرّقوهم وقف لأصحابه ليرجعوا إليه، فافترقت فرقة من أهل الشام، فنظروا إليه، فقال بعضهم لبعض: احملوا عليه ما دام أصحابه مشاغيل بالقتال، فحملوا عليه فلم يزل‏ (1)، و حمل عليهم فقتل؛ قتله الوليد ابن نحيت‏ (2) الكلبى، و جي‏ء برأسه إلى الحجاج، فبشّر أصحابه بقتله، فلما رجع أصحاب جبلة و رأوه قتيلا سقط فى أيديهم، و ظهر الفشل فى القراء [و ناداهم أهل الشام: يا أعداء اللّه، قد هلكتم و قتل طاغيتكم‏] (3)- و قدم عليهم بسطام بن مصقلة بن هبيرة

____________

(1) فى الكامل: فلم يول.

(2) الضبط فى الطبرى، و القاموس (نحت).

(3) زيادة فى د، و الكامل.

244

الشيبانى، ففرحوا به، و قالوا: تقوم مقام جبلة، و كان قدومه من الرىّ، فجعله عبد الرحمن على ربيعة، فدخل عسكر الحجاج، فأخذ من نساء أصحابه ثلاثين امرأة فأطلقهن، فقال الحجاج:

منعوا نساءهم لو لم يردّوهنّ لسبيت نساءهم إذا ظهرت عليهم.

قال: و خرج عبد اللّه بن رزام الحارثى يطلب‏ (1) المبارزة، فخرج إليه رجل من عسكر الحجاج فقتله عبد اللّه، فعل ذلك ثلاثة أيام. فلما كان فى اليوم الرابع خرج فقالوا: جاء لا جاء اللّه به! فقال الحجاج للجرّاح: اخرج إليه. فخرج، فقال له عبد اللّه:

ما جاء بك؟ ويحك يا جرّاح! و كان له صديقا. فقال: ابتليت بك. قال: فهل لك فى خير؟ قال الجرّاح: ما هو؟ قال: أنهزم لك فترجع إلى الحجّاج و قد أحسنت عنده و حمدك، و أحتمل أنا مقالة الناس فى انهزامى حبّا لسلامتك، فإنى لا أحب قتل مثلك من قومى. قال: افعل.

فحمل الجرّاح عليه فاستطرد له، و حمل عليه الجرّاح بجدّ (2).

يريد قتله، فصاح بعبد اللّه غلامه و قال: إنّ الرجل يريد قتلك.

فعطف عبد اللّه على الجرّاح فضربه بعمود على رأسه فصرعه، و قال له:

يا جراح، بئسما جزيتنى! أردت بك العافية، و أردت قتلى. انطلق فقد تركتك للقرابة و العشيرة.

قال: و دام القتال بينهم بدير الجماجم إلى آخر المدة التى ذكرناها،

____________

(1) فى الكامل: فطلب.

(2) فى ك: فجره. و المثبت فى ك، و الكامل. و فى الطبرى: حملة بجد لا يريد إلا قتله.

245

فلما كان يوم الهزيمة اقتتلوا أشدّ قتال، و استظهر أصحاب عبد الرحمن على أصحاب الحجاج، و استعلوا عليهم، و هم آمنون أن ينهزموا، فبينما هم كذلك إذ حمل سفيان بن الأبرد و هو على ميمنة الحجاج على الأبرد بن قرّة التميمى، و هو على ميسرة ابن الأشعث، فانهزم الأبرد بالناس من غير قتال، فظنّ الناس أنّ الأبرد قد صولح على أن ينهزم بالناس، فلما انهزم تقوّضت الصفوف، و ركب الناس بعضهم بعضا، و صعد عبد الرحمن [بن محمد] (1) المنبر ينادى الناس: إلىّ عباد اللّه؛ فاجتمع إليه جماعة، فثبت حتى دنا أهل الشام، فقاتل من معه، و دخل أهل الشام العسكر، فأتاه عبد اللّه بن يزيد بن المغفل الأزدى، فقال له: انزل، فإنى أخاف عليك أن تؤسر، و لعلك إذا انصرفت أن يجتمع‏ (2) لك جمع يهلكهم اللّه به.

فنزل و انهزم هو و من معه لا يلوون على شي‏ء. و دخل الحجاج الكوفة، و عاد محمد بن مروان إلى الموصل، و عبد اللّه بن عبد الملك إلى الشام، و أخذ الحجاج يبايع الناس، و كان لا يبايع أحدا إلا قال له: أتشهد أنك كفرت، فإن قال نعم بايعه، و إلا قتله.

فأتاه رجل من خثعم كان قد اعتزل الناس جميعا، فسأله عن حاله فأخبره باعتزاله، فقال له: أنت متربّص، أتشهد أنك كافر! فقال: بئس الرجل أنا إذا؛ أعبد اللّه‏ (3) ثمانين سنة ثم أشهد على نفسى بالكفر.

____________

(1) زيادة فى الطبرى.

(2) فى الطبرى: أن تجمع لهم جمعا. و فى ك: أن نجمع لك جمعا.

(3) فى الطبرى: إن كنت عبدت اللّه ...

246

قال: إذا أقتلك، قال: و إن قتلتنى، فقتله. فما بقى أحد من أهل الشام و العراق إلّا رحمه.

و قتل كميل بن زياد و كان خصيصا بعلىّ بن أبى طالب (رضى اللّه عنهما)، و أتى بآخر بعده، فقال الحجاج: أرى رجلا ما أظنّه يشهد على نفسه بالكفر، فقال له الرجل: أ تخادعني‏ (1) عن نفسى، أنا أكفر أهل الأرض و أكفر من فرعون. فضحك الحجاج و خلّى سبيله.

قال: و أقام الحجاج بالكوفة شهرا، و أنزل أهل الشام بيوت أهل الكوفة مع أهلها، و هو أوّل من أنزل الجند فى بيوت غيرهم، و استمرت هذه القاعدة بعده.

قال: و كان الحجاج لما انهزم الناس أمر مناديا فنادى: من لحق بقتيبة بن مسلم فهو أمانه‏ (2). و كان قد ولّاه الرّىّ، فلحق به ناس كثير منهم الشعبى، فذكره الحجاج يوما بعد الفراغ من أمر ابن الأشعث، فقيل له: إنه لحق بقتيبة بالرّىّ؛ فكتب إلى قتيبة يأمره بإرساله.

قال الشعبى: فلما قدمت على الحجاج لقيت يزيد بن أبى مسلم و كان صديقا لى، فقال: اعتذر مهما (3) استطعت. و أشار بمثل ذلك إخوانى و نصحائى.

فلما دخلت على الحجّاج رأيت غير ما ذكروا (4)، فسلمت عليه بالإمرة، و قلت: أيها الأمير، إن الناس قد أمرونى أن أعتذر

____________

(1) فى الطبرى: أخادعى.

(2) فى الكامل: آمن.

(3) فى الطبرى: ما استطعت من عذر.

(4) فى الطبرى: غير ما رأوا لي.

247

بما يعلم اللّه أنه غير الحق، و ايم اللّه لا أقول فى هذا المقام إلّا الحق:

قد و اللّه تمردنا (1) عليك و حرّضنا عليك، و جهدنا، فما كنّا بالأقوياء الفجرة و لا بالأتقياء البررة، و لقد نصرك اللّه علينا، و أظفرك بنا، فإن سطوت فبذنوبنا، و ما جرت إليه أيدينا، و إن عفوت عنّا فبحلمك.

و بعد فالحجة لك علينا.

فقال الحجاج: أنت و اللّه أحبّ إلىّ قولا ممن يدخل علينا يقطر سيفه من دمائنا ثم يقول: ما قلت و لا شهدت، قد أمنت يا شعبى.

كيف وجدت الناس بعدنا، فقلت: أصلح اللّه الأمير، اكتحلت بعدك السهر، و استوعرت الجناب، و فقدت صالح الإخوان، و لم أجد من الأمير خلفا. قال: انصرف يا شعبىّ. فانصرفت.

نعود إلى بقية أخبار عبد الرحمن بن الأشعث:

ذكر الوقعة بمسكن‏ (2)

قال: و لما انهزم عبد الرحمن من دير الجماجم أتى البصرة، فاجتمع إليه من المنهزمين جمع كثير، فاجتمعوا بمسكن، و بايعوه على الموت، و خندق عبد الرحمن على أصحابه، و جعل القتال من وجه واحد، و قدم إليه خالد بن جرير بن عبد اللّه من خراسان، و أتاه الحجاج، فاقتتلوا خمسة عشر يوما من شعبان أشدّ قتال، و بات الحجاج يحرّض أصحابه، فلما أصبحوا باكروا القتال، و اشتدّت‏

____________

(1) فى الكامل: مردنا عليك. و فى الطبرى: سودنا.

(2) مسكن- بالفتح ثم السكون و كسر الكاف و نون. و يقال له مسكن بفتح الكاف، و هو موضع من أو انا على نهر دجيل عند دير الجاثليق (المراصد).

248

الحرب، فانهزم ابن الأشعث و من معه، و قتل عبد الرحمن بن أبى ليلى الفقيه، و أبو البخترى الطائى، و مشى بسطام بن مصقلة بن هبيرة فى أربعة آلاف فارس من شجعان أهل الكوفة و البصرة، و كسروا جفون سيوفهم، و حملوا على أهل الشام، فكشفوهم مرارا، فدعا الحجاج الرّماة فرموهم، و أحاط بهم الناس، فقتلوهم إلا قليلا. و مضى ابن الأشعث إلى سجستان.

و قد قيل فى هزيمة ابن الأشعث بمسكن أنه اجتمع هو و الحجاج، و كان العسكران بين دجلة و السّيب‏ (1) و الكرخ‏ (2)، فاقتتلوا شهرا أو دونه، فأتى شيخ فدلّ‏ (3) الحجاج على طريق من وراء الكرخ‏ (4) فى أجمة و ضحضاح من الماء، فأرسل معهم أربعة آلاف، فسار بهم، ثم قاتل الحجاج أصحاب عبد الرحمن، فانهزم الحجاج فعبر السّيب، و رجع ابن الأشعث إلى عسكره آمنا بعد أن نهب عسكر الحجاج، فأمن أصحابه، و ألقوا السلاح. فلما كان نصف الليل لم يشعروا إلّا و قد أخذهم السيف من تلك السريّة، فغرق من أصحاب عبد الرحمن أكثر ممّن قتل، و رجع الحجاج على الصوت يقتل من وجد، فكان عدّة من قتل أربعة آلاف، منهم عبد اللّه بن شداد ابن الهاد، و بسطام بن مصقلة، و عمر بن ضبيعة الرقاشى، و بشر ابن المنذر بن الجارود، و غيرهم.

____________

(1) السيب- بالكسر ثم السكون: نهر بالبصرة.

(2) فى ك: الكرج- تحريف.

(3) فى ك: يدل.

(4) فى ك: الكرج- تحريف.

249

ذكر مسير عبد الرحمن الى رتبيل‏

و ما كان من أمره و أمر أصحابه قال: و لما انهزم عبد الرحمن من مسكن سار إلى سجستان فأتبعه الحجاج ابنه محمدا و عمارة بن تميم اللخمى، و عمارة على الجيش، فأدركه عمارة بالسّوس‏ (1)، فقاتله ساعة، ثم انهزم عبد الرحمن و من معه، و ساروا حتى بلغوا نيسابور (2)، و اجتمع إليه الأكراد، فقاتلهم عمارة قتالا شديدا على العقبة، فجرح عمارة و كثير من أصحابه، فانهزم عمارة و ترك لهم‏ (3) العقبة، و سار عبد الرحمن حتى أتى كرمان و عمارة يتبعه، فلما وصل عبد الرحمن إليها لقيه عامله و قد هيّأ له منزلا (4)، فنزل. ثم رحل إلى سجستان فأتى زرنج‏ (5) و فيها عامله فأغلق بابها. و منع عبد الرحمن من دخولها، فأقام عليها أياما ليفتحها فلم يصل إلى ذلك، فسار إلى بست‏ (6)، و كان قد استعمل عليها عياض بن هميان بن‏ (7) هشام السدوسى الشيبانى. فاستقبله فأنزله. فلما غفل عنه أصحابه قبض عليه عياض، و أوثقه، و أراد أن يأمن به‏ (8) عند الحجاج.

و كان رتبيل ملك الترك قد سمع بمقدم عبد الرحمن، فسار إليه‏

____________

(1) السوس: بلدة بما وراء النهر (المراصد).

(2) فى الكامل: سابور.

(3) فى ك: و نزل بهم العقبة.

(4) فى د: نزلا.

(5) زرنج- بفتح أوله و ثانيه و نون ساكنة و جيم: مدينة هى قصبة سجستان (المراصد).

(6) بست- بالضم: مدينة بين سجستان و غزنين و هراة من البلاد الحارة كثيرة الأنهار و البساتين (المراصد).

(7) هذا بالأصل د، و فى الكامل. و فى الطبرى: أبو هشام بن عياض السدوسى‏

(8) فى الطبرى: بها.

250

ليستقبله لما كان قد تقرّر بينهما من العهود و المواثيق كما تقدم.

فلما بلغه أنّ عياضا قد قبض عليه نزل على بست، و بعث إلى عياض يتهدّده بالقتل إن هو لم يطلقه، فاستأمنه عياض، و أطلق عبد الرحمن، ثم سار عبد الرحمن مع رتبيل إلى بلاده، فأنزله و أكرمه و عظّمه، و كان ناس كثير من أصحاب عبد الرحمن ممّن انهزم من الرءوس و قادة الجيوش الذين لم يقبلوا أمان الحجاج، و نصبوا له العداوة فى كل موطن قد بعثوا يستدعونه و يخبرونه أنهم على قصد خراسان ليقووا بمن بها من عشائرهم، فأتاهم ابن الأشعث. و كان عبد الرحمن بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب يصلّى بهم إلى أن قدم ابن الأشعث. فلما قدم عليهم ساروا كلّهم ففتحوا زرنج، و سار نحوهم عمارة بن تميم فى أهل الشام؛ فقال أصحاب عبد الرحمن له: اخرج بنا عن سجستان إلى خراسان. فقال: إن بها يزيد بن المهلب، و هو رجل شجاع، و لا يترك لكم سلطانه، و لو دخلناها لقاتلنا و تتبعنا (1) أهل الشام، فيجتمع علينا أهل خراسان و أهل الشام. فقالوا: لو دخلنا خراسان لكان من يتّبعنا أكثر ممّن يقاتلنا. فسار معهم حتى بلغوا هراة، فهرب من أصحابه عبيد اللّه بن عبد الرحمن بن سمرة القرشى فى ألفين. فقال لهم عبد الرحمن:

إنى كنت فى مأمن و ملجأ، فجاءتنى كتبكم أن أقبل، فإنّ أمرنا واحد، فلعلنا نقاتل عدوّنا. فأتيتكم فرأيتم أن أمضى إلى خراسان، و [زعمتم‏] (2) أنكم مجتمعون لى‏ (3) و لا تتفرّقون، و هذا عبيد اللّه قد صنع‏

____________

(1) فى الكامل: و تبعا.

(2) من الكامل.

(3) فى الكامل: إلى.

251

ما رأيتم، فاصنعوا ما بدا لكم، أما أنا فمنصرف إلى صاحبى الذى أتيت من عنده.

فتفرّق منهم طائفة و بقى معه طائفة، و بقى عظم العسكر مع عبد الرحمن‏ (1) بن العبّاس [فبايعوه‏ (2)]، فأتوا هراة، فلقوا بها الرّقاد (3) الأزدى فقتلوه، فسار إليهم يزيد بن المهلب.

و قيل: لما انهزم ابن الأشعث من مسكن أتى عبيد اللّه بن عبد الرحمن ابن سمرة هراة، و أتى عبد الرحمن بن عباس سجستان، فاجتمع معه فل ابن الأشعث. فساروا إلى‏ (4) خراسان فى عشرين ألفا، فنزل هراة، و لقى الرّقاد [بن عبيد العتكى‏] (5) بها فقتلوه، فأرسل إليه يزيد بن المهلب و هو عامل خراسان يقول: قد كان لك فى البلاد متّسع، من‏ (6) هو أهون منى شوكة؛ فارتحل إلى بلد ليس [لى‏] (7) فيه سلطان، فإنى أكره قتالك، و إن أردت مالا أرسلت إليك.

فأعاد الجواب: إنا ما نزلنا لمحاربة و لا لمقام، و لكن أردنا أن نريح، ثم نرحل عنك، و ليست بنا إلى المال حاجة.

ثم أقبل عبد الرحمن بن العباس على الجباية، و بلغ ذلك يزيد ابن المهلب، فقال: من أراد أن يريح ثم يرحل لم يجب الخراج،

____________

(1) فى الطبرى: فوثبوا إلى عبد الرحمن.

(2) زيادة فى الكامل.

(3) فى ك: الرقاد بن عبيد العتكى. و رقاد- كغراب، كما فى القاموس.

(4) فى د: فسارا. و فى الكامل: سار.

(5) زيادة فى الطبرى.

(6) فى الطبرى: و من ... و فى الكامل: و قد كان لك فى البلاد ممتنع.

(7) ساقط فى ك.

252

و سار نحوه، و أعاد مراسلته يقول: إنك قد أرحت و سمنت و جبيت الخراج، فلك ما جبيت و زيادة، فاخرج عنى، فإنى أكره قتالك، فأبى إلّا القتال.

و كاتب جند يزيد يستميلهم و يدعوهم إلى نفسه، فعلم يزيد بذلك، فقال: جلّ الأمر عن العتاب، ثم تقدّم إليه فقاتله، فلم يكن بينهما (1) كثير قتال، حتى تفرّق أصحاب عبد الرحمن عنه، و صبر و صبرت معه طائفة، ثم انهزموا.

و أمر يزيد أصحابه بالكفّ عن اتباعهم، و أخذ ما كان فى عسكرهم، و أسروا منهم أسرى، منهم محمد بن سعد بن أبى وقّاص، و عمر ابن موسى بن عبيد اللّه بن معمر، و عيّاش‏ (2) بن الأسود بن عوف الزّهرى، و الهلقام بن نعيم بن القعقاع بن معبد بن زرارة، و فيروز ابن حصين، و أبو العلج‏ (3) مولى عبيد اللّه بن معمر، و سوّار ابن مروان، و عبد الرحمن بن طلحة بن عبد اللّه بن خلف الخزاعى، و عبد اللّه بن فضالة الزّهرانى الأزدى، و لحق عبد الرحمن بن العباس بالسّند، و أتى ابن سمرة مرو، و انصرف يزيد بن المهلب إلى مرو.

و بعث الأسرى إلى الحجاج مع سبرة بن نجدة (4) إلّا عبد الرحمن ابن طلحة فإنه أطلقه.

و كان سبب إطلاقه أن حبيب بن المهلب قال لأخيه يزيد لما أراد

____________

(1) فى الكامل: بينهم.

(2) فى الكامل: و عباس.

(3) فى الكامل: و أبو الفلج.

(4) فى الطبرى: مع سبرة بن نجف. و فى الكامل: مع سبرة و نجدة.

253

أن يسير الأسرى: بأى وجه تنظر إلى اليمانية، و قد بعثت عبد الرحمن ابن طلحة؟ فقال يزيد: إنه الحجاج، فلا تتعرض‏ (1) إليه. قال:

وطّن نفسك على العزل، و لا ترسل به، فإنّ له عندنا يدا. قال:

و ما هى؟ قال: ألزم المهلّب فى مسجد الجماعة بمائة ألف، فأدّاها طلحة عنه، فأطلقه يزيد، و لم يرسل أيضا عبد اللّه بن فضالة لأنه من الأزد، و أرسل الباقين.

فلما قدموا على الحجاج أحضر فيروز، فقال له الحجاج:

أبا عثمان، ما أخرجك مع هؤلاء؟ فو اللّه ما لحمك من لحومهم، و لا دمك من دمائهم. قال: فتنة عمّت الناس. قال: اكتب لى أموالك. قال: اكتب يا غلام ألف ألف و ألفى ألف، فذكر مالا كثيرا. فقال الحجاج: أين هذه الأموال؟ فقال: عندى. قال:

فأدّها. قال: و أنا آمن على دمى؟ قال: و اللّه لتؤدّينّها ثم لأقتلنّك.

قال: و اللّه لا يجتمع دمى و مالى. فأمر به فنحى، ثم أحضر محمد ابن سعد بن أبى وقاص، فقال: يا ظلّ الشيطان، أعظم الناس تيها و كبرا، تأبى بيعة يزيد بن معاوية و تتشبه بالحسين و ابن عمر، ثم صرت مؤذنا (2). و جعل يضرب رأسه بعمود (3) فى يده حتى أدماه، ثم أمر به فقتل.

ثم دعا بعمر بن موسى، فقال: يا عبد المرأة، تقوم بالعمود على‏

____________

(1) فى د: و لا. و فى الطبرى. و الكامل: و لا يتعرض له.

(2) فى الطبرى: مؤذنا لابن كناز عبد بنى نصر- يعنى عمر بن أبى الصلت.

(3) فى الطبرى و الكامل: بعود.

254

رأس‏ (1) ابن الحائك- يعنى ابن الأشعث و تشرب معه فى الحمام‏ (2).

فقال: أصلح اللّه الأمير، كانت فتنة شملت البرّ و الفاجر، فدخلنا فيها، و قد أمكنك اللّه منّا، فإن عفوت فبفضلك و حلمك، و إن عاقبت عاقبت ظلمة مذنبين.

فقال الحجاج: إنها شملت الفجّار، و عوفى منها الأبرار، أمّا اعترافك فعسى أن ينفعك، فرجا (3) الناس السلامة. ثم أمر به فقتل.

ثم دعا بالهلقام بن نعيم، فقال له: احسب‏ (4) أن ابن الأشعث طلب ما طلب، ما الذى أمّلت أنت معه! قال: أمّلت أن يملك فيولّينى العراق كما ولّاك عبد الملك إياه، فأمر به فقتل. و دعا عبد اللّه بن عامر.

فلما أتاه قال له: يا حجاج، لا رأت عينك الجنة إن أفلت‏ (5) ابن المهلب بما صنع، قال: و ما صنع؟ قال:

لأنه كاس‏ (6)فى إطلاق أسرته‏ * * * و قاد نحوك فى أغلالها مضر

وقى بقومك ورد الموت أسرته‏ * * * و كان قومك أدنى عنده خطر

فأطرق الحجاج، و وقرت فى قلبه، و قال: ما أنت و ذاك؟

ثم أمر به فقتل.

____________

(1) فى الكامل: على رأسك ابن الحائك. و المثبت فى الطبرى أيضا.

(2) فى الطبرى: و تشرب معه الشراب فى حمام.

(3) فى ك: و رجا.

(4) فى الكامل: أحببت- تحريف.

(5) فى الطبرى: أقلت. و فى الكامل: إن أ فلست، فقال: جزى اللّه ابن المهلب خيرا بما صنع.

(6) كاس: انقلب (اللسان). و البيتان فى الطبرى، و الكامل.