نهاية الأرب في فنون الأدب‏ - ج21

- أحمد بن عبد الوهاب النويري‏ المزيد...
557 /
255

ثم أمر بفيروز فعذّب، فلما أحسّ بالموت قال للموكّل بعذابه:

إنّ الناس لا يشكّون أنى قد قتلت، و لودائع و أموال عند الناس لا تؤدّى إليكم أبدا؛ فأظهرنى‏ (1) للناس ليعلموا أنى حى، فيؤدّوا المال.

فأعلم الحجاج بقوله، فقال: أظهروه‏ (2)، فأخرج إلى باب المدينة، فصاح فى الناس: من عرفنى فقد عرفنى، و من أنكرنى فأنا فيروز بن حصين، إن لى عند أقوام مالا، فمن كان لى عنده شي‏ء فهو له، و هو منه فى حلّ، فلا يؤد أحد درهما، ليبلغ الشاهد الغائب، فأمر به الحجاج فقتل.

و أمر بقتل عمر بن‏ (3) قرّة الكندى، و كان شريفا، و قتل أعشى همدن، و أتى بأسيرين فأمر بقتلهما، فقال أحدهما، إن لى عندك يدا. قال: و ما هى؟ قال: ذكر عبد الرحمن يوما أمك بسوء فنهيته.

قال: من يعلم ذلك؟ قال: هذا الأسير الآخر. فسأله الحجاج فصدقه.

فقال له الحجاج: فلم لم تفعل كما فعل؟ قال: و ينفعنى الصّدق عندك؟ قال: نعم. قال: منعنى البغض لك و لقومك. قال: خلّوا عن هذا لفعله. و عن هذا لصدقه.

____________

(1) فى الطبرى: فأظهرونى.

(2) فى ك: أظهره.

(3) فى الكامل: ابن أبى قرة.

256

و أما ابن الأشعث فإنه سار إلى رتبيل، فأقام عنده، فكتب إليه الحجاج: أن ابعثه إلىّ و إلّا فو الذى لا إله غيره لأوطئنّ أرضك ألف ألف مقاتل، و كان مع عبد الرحمن رجل من تميم اسمه عبيد ابن سبيع‏ (1) التميمى، و كان رسوله إلى رتبيل. فقال القاسم بن محمد ابن الأشعث لأخيه عبد الرحمن: إنى لا آمن غدر هذا التميمى فاقتله.

فخافه عبيد على نفسه، فوشى به إلى رتبيل، و خوّفه الحجاج، و دعاه إلى الغدر بابن الأشعث، و قال له: أنا آخذ لك من الحجاج عهدا ليكفّنّ‏ (2) عن أرضك سبع سنين، على أن تدفع إليه عبد الرحمن.

فأجابه إلى ذلك.

فخرج عبيد إلى عمارة سرّا فذكر ذلك له، فكتب عمارة إلى الحجاج بذلك. فأجابه إليه، و بعث رتبيل برأس عبد الرحمن، و ذلك فى سنة [85 ه] خمس و ثمانين.

و قيل: إن عبد الرحمن كان قد أصابه السل فمات فقطع رتبيل رأسه.

و قيل: إن رتبيل لما صالح عمارة بن تميم اللخمى عن‏ (3) ابن الأشعث كتب عمارة إلى الحجاج بذلك، فأطلق له خراج بلاده عشر سنين.

____________

(1) فى الطبرى: عبيد بن أبى سبيع.

(2) فى ك: ليكفف. و فى الطبرى: ليكفن الخراج ...

(3) فى الكامل: على.

257

فأرسل رتبيل إلى عبد الرحمن و ثلاثين من أهل بيته، فحضروا عنده، فقيّدهم و أرسلهم إلى عمارة، فألقى عبد الرحمن نفسه من سطح قصر فمات، فاحتزّ رأسه، و سيّره إلى الحجاج، و سيّره الحجاج إلى عبد الملك مع عرار بن عمرو بن شأس، و كتب معه كتابا، فجعل عبد الملك يقرأ كتاب الحجاج، فإذا شكّ فى شي‏ء سأل عرارا عنه فيخبره به، و كان عرار أسود اللون، فعجب عبد الملك من بيانه و فصاحته مع سواده، و هو لا يعرفه فتمثّل‏ (1):

و إن‏ (2)عرارا إن يكن غير واضح‏ * * * فإنى أحبّ الجون ذا المنطق العمم‏

فضحك عرار، فقال له عبد الملك: ما لك تضحك؟ فقال:

أ تعرف عرارا يا أمير المؤمنين؟ قال: لا. قال: فأنا هو. فضحك عبد الملك ثم قال: حظّ وافق حكمة. و أحسن جائزته، و سرّحه.

و روى أبو عمر بن عبد البر بسند رفعه إلى العتبى عن أبيه، قال‏ (3):

كتب الحجاج إلى عبد الملك كتابا يصف له فيه أهل العراق و ما ألفاهم عليه من الاختلاف و ما يكرهه‏ (4) منهم، و عرّفه ما يحتاجون إليه من التقويم و التأديب، و يستأذنه أن يودع قلوبهم من الرهبة ما يخفّون به إلى الطاعة، و دعا رجلا من أصحابه كان يأنس به، فقال له: انطلق بهذا الكتاب، و لا يصلنّ من يدك إلّا إلى يد أمير المؤمنين، فإذا قبضه فتكلّم عليه.

____________

(1) و اللسان- عمم.

(2) فى اللسان: فإن ... ذا المنكب العمم. و منكب عمم: طويل.

(3) الاستيعاب: 1180

(4) فى الاستيعاب: و ما يكره.

258

ففعل الرجل ذلك، فجعل‏ (1) عبد الملك كلّما شكّ فى شي‏ء يستفهمه‏ (2)، فوجده أبلغ من الكاتب‏ (3)، فقال [عبد الملك‏] (4):

و إن عرارا إن يكن غير واضح ... البيت.

فقال [له‏] (5) الرجل: يا أمير المؤمنين، أ تدري من يخاطبك؟

قال: لا. قال: أنا عرار، و هذا الشّعر لأبى، و ذلك أنّ أمى ماتت و أنا مرضع، فتزوّج أبى امرأة فكانت تسي‏ء (6) ولايتى، فقال أبى:

فإن كنت منى أو (7)تريدين صحبتى‏ * * * فكونى له كالشّمس ربّت به الأدم‏

و إلّا فسيرى سير راكب ناقة * * * تيمّم خبتا ليس فى سيره أمم‏

أرادت عرارا بالهوان و من يرد * * * عرارا لعمرى بالهوان لقد (8) ظلم‏

و إنّ عرارا إن يكن غير واضح‏ * * * فإنّى أحبّ الجون ذا المنطق العمم‏

و لما جي‏ء بالرأس إلى عبد الملك أرسله إلى أخيه عبد العزيز بمصر، فقال بعض الشعراء:

____________

(1) فى الاستيعاب: و جعل.

(2) فى الاستيعاب: استفهمه.

(3) فى الاستيعاب: الكتاب.

(4) زيادة فى الاستيعاب.

(5) ساقط فى ك.

(6) فى ك: تنسى- تحريف.

(7) فى ك: إذ.

(8) فى د: فقد. و المثبت فى الاستيعاب أيضا.

259

هيهات موضع جثّة من رأسها * * * رأس بمصر و جثّة بالرّخّج‏ (1)

و قيل: إن هلاك عبد الرحمن كان فى سنة [84 ه] أربع و ثمانين.

و لنرجع إلى تتمة حوادث السنين:

و فى سنة (81 ه) احدى و ثمانين:

حج بالناس سليمان [بن عبد الملك‏] (2).

سنة (82 ه) اثنتين و ثمانين:

فى هذه السنة كانت وفاة المغيرة بن المهلّب بخراسان فى شهر رجب منها، و كان أبوه قد استخلفه على عمله.

ذكر وفاة المهلب بن أبى صفرة

و وصيّته لبنيه و ولاية ابنه يزيد خراسان و فى هذه السنة توفى المهلّب بن أبى صفرة بمرو الروذ بالشّوصة و قيل بالشّوكة (3)، و أوصى إلى حبيب ابنه فصلّى عليه، و قال لبنيه:

إنى قد استخلفت عليكم يزيد فلا تخالفوه. فقال ابنه المفضّل:

لو لم تقدمه لقدمناه، و أحضر ولده فأوصاهم، و أحضر سهاما محزومة فقال: أ تكسرونها مجتمعة؟ قالوا: لا. قال: أ فتكسرونها متفرّقة؟

قالوا: نعم. قال: فهكذا الجماعة. ثم قال: أوصيكم بتقوى اللّه، و صلة الرحم، فإنها تنسئ فى الأجل و تثرى المال، و تكثر العدد؛

____________

(1) رخج- بتشديد ثانيه، و قيل بإسكانه، و آخره جيم: كورة من أعمال سجستان، و مدينة من نواحى كابل (المراصد).

(2) ساقط من ك.

(3) فى الطبرى: أصابته الشوصة: و قوم يقولون الشوكة. و الشوصة: وجع فى البطن أو ريح تعتقب فى الأضلاع، أو ورم فى حجابها من داخل (القاموس).

260

و أنهاكم عن القطيعة؛ فإنها تعقب النار و الذلّة و القلّة، و عليكم بالطاعة و الجماعة، و لتكن فعالكم أفضل من مقالكم‏ (1)، و اتّقوا الجواب و زلّة اللسان، فإن الرجل يزلّ قدمه فينتعش‏ (2)، و يزل لسانه فيهلك، و اعرفوا لمن يغشاكم حقّه، فكفى بغدوّ الرجل و رواحه إليكم تذكرة له، و آثروا الجود على البخل، و أحبّوا العرب‏ (3)، و اصنعوا المعروف‏ (4)؛ فإن الرجل من العرب تعده العدة فيموت دونك، فكيف بالصنيعة عنده! و عليكم فى الحرب بالتؤدة (5) و المكيدة، فإنهما (6) أنفع من الشجاعة، و إذا كان اللقاء نزل القضاء، فإن أخذ الرجل‏ (7) بالحزم فظفر قيل: أتى الأمر من وجهه فظفر فحمد، فإن لم يظفر [بعد الأناة] (8) قيل: ما فرّط و لا ضيّع، و لكن القضاء غالب. و عليكم بقراءة القرآن و تعليم السنن و آداب‏ (9) الصالحين، و إياكم و كثرة الكلام فى مجالسكم.

و مات (رحمه الله). فكتب ابنه يزيد إلى الحجاج يعلمه بوفاته، فأقره على خراسان.

*** و فيها عزل عبد الملك أبان بن عثمان عن المدينة فى جمادى الآخرة، و استعمل عليها هشام بن إسماعيل المخزومى.

____________

(1) فى الطبرى: من قولكم.

(2) فى ك: فينتجش. و المثبت فى الكامل و الطبرى.

(3) فى الكامل: العرف. و المثبت فى الطبرى.

(4) فى الطبرى: العرف.

(5) فى الطبرى: بالأناة.

(6) فى الطبرى و الكامل: فإنها.

(7) فى الطبرى: رجل.

(8) زيادة من الطبرى.

(9) فى الطبرى و الكامل: و أدب.

261

و حجّ بالناس أبان بن عثمان.

سنة (83 ه) ثلاث و ثمانين:

ذكر خبر عمر بن أبى الصلت‏

و خلعه الحجاج بالرىّ و ما كان من أمره قال: لما ظفر الحجاج بابن الأشعث لحق خلق كثير من المنهزمين بعمر بن أبى الصّلت، و كان قد غلب على الرىّ فى تلك الفتنة، فلما اجتمعوا بالرّىّ أرادوا أن يحظوا عند الحجاج بأمر يمحون به عن أنفسهم عثرة (1) الجماجم، فأشاروا على عمر بخلع الحجاج و قتيبة، فامتنع، فوضعوا عليه أباه؛ أبا الصّلت، و كان به بارّا، فأشار بذلك عليه و ألزمه به، و قال. يا بنى، إذا سار هؤلاء تحت لوائك لا أبالى أن تقتل غدا. ففعل. فلما قارب قتيبة الرّىّ استعدّ لقتاله، فالتقوا، و اقتتلوا، فغدر أصحاب عمر به و أكثرهم من تميم، فانهزم و لحق بطبرستان، فآواه الأصبهبذ (2) و أكرمه و أحسن نزله، فقال عمر لأبيه: إنك أمرتنى بخلع الحجاج و قتيبة فأطعتك و كان خلاف رأيى، و لم أحمد رأيك، و قد نزلنا بهذا الأصبهبذ فدعنى حتى أثب إليه‏ (3) فأقتله. و أجلس على مملكته، فقد علمت الأعاجم أنّى أشرف منه. فقال أبوه: ما كنت لأفعل هذا برجل‏ (4) أوانا و أكرمنا و أنزلنا. فقال عمر: أنت أعلم، و سترى.

و دخل قتيبة الرى، و كتب إلى الحجاج بانهزام عمر إلى طبرستان.

فكتب الحجاج إلى الأصبهبذ (5) أن ابعث بهم أو برءوسهم‏ (6)، و إلا فقد

____________

(1) فى ك: عيرة. و المثبت فى د، و الكامل.

(2) و تاج العروس.

(3) فى د، و الكامل: عليه.

(4) فى الكامل: بالرجل.

(5) و تاج العروس.

(6) فى الكامل: بهما أو برءوسهما.

262

برئت منك الذمّة، فصنع لهم الأصبهبذ طعاما و أحضرهم، فقتل عمر، و بعث أباه أسيرا. و قيل: قتلهم و بعث برءوسهم. و اللّه أعلم.

ذكر بناء مدينة واسط

و فيها بنى الحجاج مدينة واسط، و سبب ذلك أنّه ضرب البعث على أهل الكوفة إلى خراسان و عسكر بحمّام عمر، و كان فتى من أهل الكوفة حديث عهد بعرس [بابنة عمّ له‏] (1)، فانصرف من العسكر إلى ابنة عمه، فطرق‏ (2) عليه الباب طرقا شديدا، فإذا سكران من أهل الشام، فقالت المرأة لبعلها: لقد لقينا من هذا الشامى شرّا يفعل بنا كلّ ليلة ما ترى- يريد المكروه، و قد شكوته إلى مشيخة أصحابه. فقال: ائذنى له، فأذنت له. فلما دخل قتله زوجها.

فلما أذّن الفجر خرج إلى العسكر و قال لابنة عمه: إذا صلّيت الفجر فابعثى إلى الشاميين ليأخذوا صاحبهم، فإذا أحضروك إلى‏ (3) الحجاج فاصدقيه الخبر على وجهه، ففعلت، و أحضرت إلى الحجاج، فأخبرته فصدّقها، و قال للشاميين: خذوا صاحبكم لا قود له و لا عقل، فإنه قبيل‏ (4) اللّه إلى النار. ثم نادى مناد: لا ينزلنّ أحد على أحد، و بعث روّادا يرتادون له منزلا، و أقبل حتى نزل بموضع‏ (5) واسط، و إذا راهب قد أقبل على حمار، فلما كان بموضع واسط بال الحمار، فنزل الراهب فاحتفر (6) ذلك البول و رماه فى دجلة

____________

(1) زيادة فى الطبرى.

(2) فى الطبرى و الكامل: فطرق الباب طارق.

(3) فى الكامل: عند.

(4) فى الكامل: قتيل.

(5) فى د: و الكامل: موضع.

(6) فى ك: فاحتقن.

263

و الحجاج ينظر إليه، فاستحضره و قال له: ما حملك على ما صنعت؟

قال: نجد فى كتبنا أنه يبنى فى هذا الموضع مسجد يعبد اللّه فيه ما دام فى الأرض أحد يوحّد اللّه.

فاختطّ الحجاج مدينة واسط و بنى المسجد فى ذلك الموضع.

و حجّ بالناس فى هذه السنة هشام بن إسماعيل.

سنة (84 ه) أربع و ثمانين:

فى هذه السنة قتل الحجاج أيوب بن القرّيّة (1)، و كان مع ابن الأشعث، فلما هزم التحق أيّوب بحوشب بن يزيد عامل الحجاج على الكوفة، فاستحضره الحجاج و قتله.

و حجّ بالناس هشام بن إسماعيل.

سنة (85 ه) خمس و ثمانين:

ذكر عزل يزيد بن المهلب عن خراسان و ولاية أخيه المفضل‏

و فى هذه السنة عزل الحجاج يزيد بن المهلّب عن خراسان، و كان سبب عزله أنّ الحجاج و قد إلى عبد الملك فمرّ فى طريقه براهب، فقيل له: إنّ عنده علما، فأحضره الحجاج، و سأله:

هل تجدون فى كتبكم ما أنتم فيه و نحن؟ قال: نعم. قال: فمسمّى أو موصوفا؟ قال: كلّ ذلك نجده موصوفا (2) بغير اسم و مسمّى بغير صفة (3). قال: فما تجدون صفة أمير المؤمنين؟ قال:

نجده فى زماننا ملك أفرع من يقم لسبيله يصرع. قال: ثم‏

____________

(1) الضبط فى المشتبه.

(2) فى الطبرى: كل ذلك موصوف، و اسم بغير صفة.

(3) فى الطبرى: كل ذلك موصوف، و اسم بغير صفة.

264

من‏ (1)؟ قال: اسم رجل يقال له الوليد، ثم رجل اسمه اسم نبىّ يفتح به على الناس. قال: [أ تعرفني؟ قال: قد أخبرت بك.

قال: أ فتعلم ما ألى؟ قال: نعم‏] (2). قال: أ فتعلم من يلى بعدى؟

قال: نعم، رجل يقال له يزيد، قال: أ فتعرف صفته؟

قال: يغدر غدرة، لا أعرف غير هذا.

فوقع فى نفسه أنه يزيد بن المهلب، ثم سار و هو وجل من قول الراهب. فلما عاد كتب إلى عبد الملك يذمّ يزيد و آل المهلب، و يخبره أنهم زبيرية.

فكتب إليه عبد الملك: إنى أرى طاعتهم لآل الزبير نقصا لآل المهلب، بل وفاؤهم لهم يدعوهم إلى الوفاء لى.

فكتب إليه الحجاج يخوّفه غدره.

فكتب إليه: إنك قد أكثرت فى يزيد و آل المهلب فسمّ رجلا يصلح لخراسان. فسمّى له قتيبة بن مسلم، فكتب إليه أن ولّه.

فكره الحجاج أن يكتب إليه بعزله، فكتب إليه يأمره أن يستخلف أخاه المفضّل و يقبل إليه.

فاستشار يزيد حضين‏ (3) بن المنذر الرّقاشى: فقال له: أقم و اعتلّ، و اكتب إلى أمير المؤمنين ليقرّك، فإنه حسن الرّأى فيك.

فقال له يزيد: نحن أهل قد بورك لنا فى الطاعة، و أنا أكره الخلاف. و أخذ يتجهز فأبطأ.

____________

(1) فى الطبرى: ثم من يليه.

(2) من الطبرى.

(3) فى الكامل: حضين بالحاء المهملة المضمومة و الضاد المعجمة المفتوحة و آخره نون. و فى ك: حصين بالصاد المهملة- تحريف.

265

فكتب الحجاج إلى المفضّل: إنى قد ولّيتك خراسان، فجعل المفضل يستحثّ يزيد، فقال له [يزيد] (1): إنّ الحجاج لا يقرّك بعدى، و إنما دعاه إلى ما صنع مخافة أن أمتنع عليه، و ستعلم.

و خرج يزيد فى شهر ربيع الآخر سنة [85 ه] خمس و ثمانين، و أقرّ الحجاج أخاه المفضّل تسعة أشهر، ثم عزله، و استعمل قتيبة على ما نذكره، و سار يزيد بن المهلب فكان‏ (2) لا يمرّ بتبلد إلّا فرش أهلها الرياحين.

ذكر أخبار موسى بن عبد اللّه بن خازم و استيلائه على ترمذ (3)

و ما كان من حروبه مع العرب و الترك و خبر مقتله كان موسى بن عبد اللّه قد استولى على ترمذ، و أخرج ترمذ شاه عنها، و سبب ذلك أن أباه عبد اللّه لما قتل من قتل من بنى تميم بخراسان‏ (4) كما تقدّم ذكر ذلك فى أثناء أخبار عبد اللّه ابن الزّبير تفرّق عنه أكثر من كان معه منهم، فخرج إلى نيسابور، و خاف بنى تميم على ثقله بمرو، فقال لابنه موسى: خذ ثقلى و اقطع‏

____________

(1) زيادة فى الطبرى.

(2) العبارة فى الكامل: فكتب إليه الحجاج أن أقدم، فسار إليه، فكان لا يمر ...

(3) فى المراصد: الناس يختلفون فى هذا الاسم و المعروف أنه بكسر التاء و الميم. و أهل المدينة متداول على لسانهم بفتح التاء و كسر الميم، و بعضهم يقول بضمها، و هى مدينة من أمهات المدن المشهورة راكبة على جيحون شرقيه.

(4) فى الطبرى: بفرتنى. و فى ياقوت: فرتنى: قصر بمرو الروز.

266

نهر بلخ حتى تلتجئ‏ (1) إلى بعض الملوك أو إلى حصن تكون‏ (2) فيه.

فرحل موسى عن مرو فى عشرين و مائتى فارس، و اجتمع إليه تتمة أربعمائة، و انضوى‏ (3) إليه قوم من بنى سليم‏ (4)، فأتى زمّ‏ (5)، فقاتله أهلها، فظفر بهم، و أصاب مالا، و قطع النهر. فأتى بخارى فسأل صاحبها أن يلجأ إليه، فأبى و خافه.

[و قال: رجل فاتك‏] (6) فلا آمنه، و وصله، و سار فلم يأت ملكا يلجأ إليه إلّا كره مقامه عنده.

فأتى سمرقند، فأكرمه ملكها طرخون و أذن له فى المقام بها، فأقام بها ما شاء اللّه. و كان لأهل الصّغد مائدة توضع فى كل عام مرة، عليها خبز و لحم و خلّ و إبريق شراب، يجعلون ذلك لفارس الصّغد فلا يقربه غيره، فإن أكل منه بارزه الفارس. فأيّهما قتل صاحبه كانت المائدة له، و كان الفارس المشار إليه، فرآها رجل من أصحاب موسى، فقال: ما هذه؟ فأخبر، فأكل ما عليها.

و جاء الفارس مغضبا، فقال: يا أعرابى، بارزنى، فبارزه فقتله صاحب موسى، فقال ملك الصّغد: أنزلتكم و أكرمتكم فقتلتم‏

____________

(1) فى الطبرى: تلجأ.

(2) فى الطبرى و الكامل: تقيم فيه.

(3) فى الكامل: و انضم.

(4) فى الطبرى: قوم من الصعاليك.

(5) زم- بضم أوله و تشديد ثانيه: قيل: هى بئر لبنى سعد. و قيل: ماء لبنى عجل فيما بين أدانى طريق الكوفة إلى مكة و البصرة (المراصد).

(6) ساقط فى ك.

267

فارسى، فلو لا أنى أمنتك و أصحابك لقتلتك‏ (1)، اخرجوا عن بلدى.

فخرجوا، فأتى موسى كشّ، فضعف صاحبها عنه، فاستنصر طرخون فأتاه، فقاتله موسى و قد اجتمع معه سبعمائة فارس يوما حتى أمسوا و تحاجزوا، ثم اتفقوا أن يرتحل موسى عن كشّ؛ فسار فأتى ترمذ و بها حصن يشرف على جانب النهر، فنزل موسى خارج الحصن و سأل ترمذ شاه‏ (2) أن يدخله الحصن فأبى، فأهدى له موسى و لاطفه حتى أنس به، و صارت بينهما مودّة، و تصيّد معه، و صنع صاحب ترمذ (3) طعاما، و أحضر موسى ليأكل معه، و شرط ألّا يحضر إلّا فى مائة من أصحابه، فاختار موسى مائة منهم، فدخلوا الحصن و أكلوا، فلما فرغوا قال له ترمذشاه: اخرج.

قال: لا أخرج حتى يكون الحصن بيتى أو قبرى، و قاتلهم فقتل منهم عدّة و هرب الباقون، و استولى موسى عليها، و أخرج ترمذشاه منها، و لم يعرض له، و لا لأصحابه.

فأتوا التّرك يستنصرونهم على موسى، فلم ينصروهم، و قالوا:

لا نقاتل هؤلاء.

و أقام موسى بترمذ، و أتاه جمع من أصحاب أبيه فقوى بهم، فكان يغير على ما حوله.

____________

(1) فى د، و الطبرى: لقتلتكم.

(2) فى الطبرى: فنزل موسى على بعض دهاقين الترمذ.

(3) فى الطبرى: صاحب الترمذ.

268

و ولى بكير بن وسّاج‏ (1) خراسان فلم يعرض له، ثم قدم أميّة (2).

فسار يريده؛ فخالفه بكير، فرجع على ما تقدم‏ (3)، ثم وجّه أميّة رجلا من خزاعة فى جمع كثير لقتال موسى، فجاء إلى ترمذ و حصره، فعاد أهل ترمذ إلى الترك، و استنصروهم و أعلموهم أنه قد غزاه قوم من العرب و حصروه، فسارت التّرك فى جمع كثير (4) إلى الخزاعى فأطاف بموسى العرب‏ (5) و الترك، فكان يقاتل الخزاعى أول النهار و التّرك آخر النهار، فقاتلهم شهرين أو ثلاثة.

ثم أراد أن يبيّت الخزاعى، فقال له عمرو بن خالد بن حصين الكلابى: بيّت العجم، فإنّ العرب أشد حذرا و أجرأ (6) على الليل.

فوافقه.

و أقام حتى ذهب ثلث الليل، و خرج فى أربعمائة، و قال لعمرو ابن خالد: اخرج بعدنا أنت و من معك [منا] (7) قريبا، فإذا سمعتم تكبيرنا فكبّروا.

ثم سار حتى ارتفع فوق عسكر الترك و رجع إليهم، و جعل أصحابه أرباعا، و أقبل إليهم، فلما رآهم أصحاب الأرصاد قالوا: من أنتم؟

قالوا: عابرو سبيل. فلما جاوزوا الرصد حملوا على التّرك و كبّروا

____________

(1) فى الطبرى: و شاح.

(2) فى الكامل: ثم قدم أمية فسار بنفسه يريد بمخالفة بكير.

(3) فى الطبرى: فرجع إلى مرو.

(4) فى د: كبير.

(5) فى الطبرى: الترك و الخزاعى.

(6) فى د: و أجراء.

(7) من الطبرى.

269

فلم يشعر الترك إلّا بوقع السيوف فيهم، فثاروا (1) يقتل بعضهم بعضا و ولّوا. فحوى موسى و من معه عسكرهم، و أصابوا سلاحا كثيرا و مالا، و أصيب من أصحاب موسى ستة عشر رجلا، و أصبح الخزاعى و أصحابه و قد كسرهم ذلك، و خافوا مثلها، فقال عمرو بن خالد لموسى: إنّا لا (2) نظفر إلّا بمكيدة، و لهؤلاء أمداد تأتيهم، فدعنى آته لعلّى أصيب فرصة فأقتل الخزاعى، فاضربنى. فقال موسى:

تتعجّل الضّرب، و تتعرّض للقتل؟ قال: أما التعرض للقتل فأنا كل يوم متعرّض له، و أما الضّرب فما أيسره فى حبّ‏ (3) ما أريد.

فضربه موسى خمسين سوطا، فخرج حتى أتى عسكر الخزاعى مستأمنا، و قال: أنا رجل من أهل اليمن كنت مع عبد اللّه بن خازم، فلما قتل أتيت ابنه فكنت معه، و إنه اتهمنى و قال: قد تعصّبت لعدوّنا، و أنت عين له، و لم آمن القتل، فهربت منه.

فأمّنه الخزاعىّ، و أقام معه، فدخل يوما فلم ير عنده أحدا و لا معه سلاحا، فقال له كالناصح: أصلح اللّه الأمير، إنّ مثلك فى مثل هذا الحال لا ينبغى أن يكون بغير سلاح. قال: إن معى سلاحا، و رفع طرف فراشه، فإذا سيف منتضى، فأخذه عمرو فضرب به الخزاعى حتى قتله، و خرج فركب فرسه و أتى موسى.

و تفرّق ذلك الجيش، و أتى بعضهم موسى مستأمنا فأمّنه، و لم يوجّه إليه أمية أحدا.

____________

(1) فى الكامل: فساروا.

(2) فى الطبرى: إنك لا تظفر.

(3) فى الطبرى و الكامل: فى جنب.

270

و عزل أمية، و قدم المهلّب [أميرا] (1)، فلم يعرض لموسى، و قال لبنيه: إياكم و موسى، فإنكم لا تزالون ولاة خراسان ما دام هذا الثّطّ (2) بمكانه، فإن قتل فأول طالع عليكم أمير خراسان من قيس.

فلما مات المهلّب و ولى يزيد لم يعرض‏ (3) إليه أيضا، و كان المهلب قد ضرب حريث بن قطبة الخزاعى، فخرج هو و أخوه ثابت إلى موسى، فلما ولى يزيد بن المهلّب أخذ أموالهما، و قتل أخاهما لأمهما الحارث بن منقذ، فخرج ثابت إلى طرخون، فشكا إليه ما صنع به يزيد، و كان ثابت محبوبا إلى الترك بعيد الصوت فيهم‏ (4)؛ فغضب له طرخون، و جمع له نيزك و السّبل و أهل بخارى و الصّغانيان، فقدموا مع ثابت إلى موسى، و اجتمع لموسى أيضا فلّ عبد الرحمن ابن العباس من هراة و فلّ عبد الرحمن بن الأشعث من العراق، و من ناحية كابل، [و قوم من بنى تميم ممن كان يقاتل ابن خازم فى الفتنة من أهل خراسان‏] (5)، فاجتمع معه‏ (6) ثمانية آلاف.

فقال له ثابت و حريث: سر بنا حتى نقطع النهر و نخرج يزيد عن خراسان و نولّيك.

فهمّ أن يفعل، فقال له أصحابه: إن أخرجت يزيد عن‏

____________

(1) زيادة من الطبرى و الكامل.

(2) الثط: الثقيل البطن و القليل شمر اللحية و الحاجبين. و فى الكامل: الثبط. و فى القاموس: الثبط- ككتف: الأحمق فى عمله، و الضعيف و الثقيل.

(3) فى الكامل: لم يتعرض أيضا لموسى. و فى الطبرى: لم يتعرض له.

(4) فى ك: منهم.

(5) زيادة من الطبرى.

(6) فى الطبرى: و اجتمع إلى موسى.

271

خراسان تولّى ثابت و أخوه خراسان و غلبا عليها، فامتنع من المسير، و قال لثابت و حريث: إن أخرجنا يزيد قدم عامل لعبد الملك، و لكنا نخرج عمّال يزيد من وراء النهر، و تكون [هذه الناحية] (1) لنا؛ فأخرجوا عماله، و جبّوا الأموال، و قوى أمرهم، و انصرف طرخون و من معه، و استبدّ ثابت و حريث بتدبير الأمر، و ليس لموسى إلا اسم الإمرة. فقيل لموسى: اقتل ثابتا و حريثا، و استقلّ بالأمر، فإنه ليس لك من الأمر شي‏ء. و ألحّ أصحابه عليه فى ذلك حتى همّ بقتلهما.

فبينما هم فى ذلك إذ خرج عليهم الهياطلة و التبّت و الترك فى سبعين ألف مقاتل غير الأتباع و من ليس هو كامل السلاح.

فخرج موسى و قاتلهم فيمن معه، و وقف ملك الترك على تلّ فى عشرة آلاف فى أكمل عدّة، و قد اشتدّ القتال، فقال موسى لأصحابه:

إن أزلتم هؤلاء فليس الباقون بشى‏ء، فقصدهم‏ (2) حريث بن قطبة و قاتلهم حتى أزالهم عن التلّ، و رمى حريث بنشّابة فى جبهته، و تحاجزوا و بيّتهم موسى، فحمل أخوه خازم بن عبد اللّه بن خازم حتى وصل إلى شمعة (3) ملكهم، فوجأ رجلا منهم بقبيعة (4) سيفه، فطعن فرسه فاحتمله الفرس فألقاه فى نهر بلخ فغرق و قتل من التّرك خلق كثير، و نجا من نجا منهم بشرّ، و مات حريث بيومين‏ (5)

____________

(1) من الطبرى.

(2) فى الطبرى: فقصد لهم.

(3) فى ك: سمعة. و المثبت فى الطبرى و الكامل أيضا.

(4) قبيعة السيف- كسفينة: ما على طرف مقبضه من فضة أو حديد.

(5) فى الطبرى و الكامل: بعد يومين.

272

و رجع موسى و حمل معه الرءوس، فبنى منها جوسقين، و قال أصحاب موسى: قد كفينا أمر حريث فاكفنا أمر (1) ثابت، فأبى، و بلغ ثابتا بعض ذلك فدسّ‏ (2) محمد بن عبد اللّه الخزاعى على موسى، و قال:

إياك أن تتكلم بالعربية، فإن‏ (3) سألوك فقل: أنا من سبى‏ (4) الباميان، ففعل ذلك، و تلطّف حتى اتصل بموسى و صار يخدمه‏ (5) و ينقل إلى ثابت خبرهم، فحذر ثابت. و ألحّ القوم على موسى، فقال لهم ليلة: قد أكثرتم على؛ و فيما تريدون هلاككم، فعلى أىّ وجه تقتلونه و لا أغدر به‏ (6). فقال له أخوه نوح: إذا أتاك غدا عدلنا به إلى بعض الدّور فضربنا عنقه قبل أن يصل إليك. فقال: و اللّه إنه لهلاككم، و أنتم أعلم.

فخرج الغلام فأخبر ثابتا فخرج من ليلته فى عشرين فارسا و مضى، و أصبحوا فلم يجدوه و لا الغلام، فعلموا أنه كان عينا له، و نزل ثابت بحشورا (7)، و اجتمع إليه خلق كثير من العرب و العجم، فأتاه موسى و قاتله فتحصن ثابت بالمدينة، و أتى طرخون معينا له، فرجع موسى إلى ترمذ، و أقبل ثابت و طرخون و معهما أهل بخارى، و نسف و كشّ‏ (8)، فاجتمعوا فى ثمانين ألفا، فحصروا

____________

(1) فى الطبرى: فأرحنا من ثابت.

(2) فى ك: فدمر- تحريف.

(3) فى د: و إن ...

(4) فى ك: بنى. و الباميان: بكسر الميم و ياء و ألف و نون: بلدة و كورة فى الجبال بين بلخ و غزنة (المراصد).

(5) فى ك: يحدثه.

(6) فى الكامل: و لا غدر به.

(7) فى ك: و ترك ثابت محسورا. و فى الطبرى: حشورا. و فى الكامل: بحوشرا.

(8) فى الطبرى: كس- بالسين المهملة. و قد تقدم تعليقنا فيها.

273

موسى حتى جهد هو و أصحابه، فقال يزيد بن‏ (1) هذيل: و اللّه لأقتلنّ ثابتا أو لأموتنّ، فخرج إلى ثابت فاستأمنه، فقال له ظهير:

أنا أعرف بهذا منك، ما أتاك‏ (2) إلّا بغدرة، فاحذره. فأخذ ابنيه:

قدامة، و الضحاك رهنا، فكانا فى يد ظهير، و أقام يزيد يلتمس غرّة ثابت، فلم يقدر على ما يريد حتى مات ابن لزياد القصير الخزاعى، فخرج ثابت إليه ليعزيه [و معه ظهير و رهط من أصحابه، و فيهم يزيد بن هذيل‏] (3) و هو بغير سلاح، و قد غابت الشمس، فدنا يزيد من ثابت فضربه على رأسه [فعضّ السيف برأسه‏] (4)، فوصل إلى الدماغ و هرب، فسلم. فأخذ طرخون قدامة و الضحاك ابنى يزيد فقتلهما، و عاش ثابت سبعة أيام، و مات.

و قام بأمر العجم بعد موت ثابت طرخون، و قام ظهير بأمر أصحاب ثابت [فقاما قياما ضعيفا] (5)، فانتشر أمرهم، و أجمع موسى على بياتهم، فأخبر طرخون بذلك فضحك، و قال: موسى يعجز أن يدخل متوضّأه فكيف يبيّتنا، لا يحرس الليلة أحد.

فخرج موسى فى ثمانمائة، و جعلهم أرباعا، و بيّتهم فكانوا لا يمرّون بشى‏ء إلّا صرعوه‏ (6) من الرجال و الدوابّ و غيرها، فأرسل طرخون إلى موسى: أن كفّ أصحابك، فإنا نرحل إذا أصبحنا، فرجع موسى و ارتحل‏ (7) طرخون و العجم جميعا.

____________

(1) فى الطبرى: هزيل.

(2) فى الطبرى: إن هذا لم يأتك إلا بغدره.

(3) زيادة فى الطبرى.

(4) زيادة فى الطبرى.

(5) زيادة فى الطبرى.

(6) فى د: إلا ضربوه.

(7) فى ك: و رحل.

274

فلما عزل يزيد بن المهلب و ولى المفضّل أراد أن يحظى عند الحجّاج بقتال موسى، فسيّر إليه عثمان بن مسعود فى جيش، و كتب إلى أخيه مدرك بن المهلب و هو ببلخ يأمره بالمسير معه، فعبر النّهر فى خمسة عشر ألفا، و كتب إلى السّبل و إلى طرخون فقدموا عليه، فحصروا موسى و ضيّقوا عليه، فمكث شهرين فى ضيق، و قد خندق عثمان عليه، و حذر البيات، فقال موسى لأصحابه: اخرجوا بنا، حتى متى نصبر (1)؟

فاجعلوا يومكم معهم إمّا ظفرتم و إما قتلتم، و اقصدوا الترك.

فخرجوا و خلّف النضر بن سليمان بن عبد اللّه بن خازم فى المدينة، و قال له: إن قتلت فلا تدفعنّ المدينة إلى عثمان، و ادفعها إلى مدرك ابن المهلب، و خرج و جعل ثلث أصحابه بإزاء عثمان، و قال: لا تقاتلوه‏ (2) إلا إن قاتلكم، و قصد طرخون و أصحابه فصدقوهم القتال، فانهزم طرخون، و استولى موسى على عسكره، و زحفت‏ (3) التّرك و الصّغد، فحالوا بين موسى و الحصن، فقاتلهم، فعقروا (4) فرسه فسقط، فقال لمولى له: احملنى. فقال: الموت كريه، و لكن ارتدف، فإن نجونا نجونا جميعا، و إن هلكنا هلكنا جميعا.

فارتدف، فلما نظر إليه عثمان حين وثب قال: وثبة موسى و ربّ الكعبة، و قصده و عقرت فرسه، فسقط هو و مولاه فقتلوه، و نادى منادى عثمان: من لقيتموه فخذوه أسيرا، و لا تقتلوا أحدا، فقتل ذلك‏

____________

(1) فى ك: تصبروا.

(2) فى الطبرى: لا تهاجموه إلا أن يقاتلكم.

(3) فى ك: و رجعت. و فى الطبرى: و كسرت.

(4) فى الطبرى: فعقر به فرسه.

275

اليوم من الأسرى خلقا كثيرا من العرب خاصة، فكان يقتل العربى و يضرب المولى و يطلقه، و كان الذى أجهز على موسى واصل ابن طيسلة (1) العنبرى، و سلّم النضر المدينة إلى مدرك فسلمها مدرك إلى عثمان، و كتب المفضل إلى الحجاج بقتل موسى فلم يسرّه ذلك، لأنه من قيس.

و كان مقتل موسى فى سنة [85 ه] خمس و ثمانين، و كان مقام موسى بالحصن أربع عشرة سنة. و قيل خمس عشرة سنة.

ذكر وفاة عبد العزيز بن مروان‏

و ولاية عبد اللّه بن عبد الملك مصر و البيعة للوليد و سليمان ابنى عبد الملك بولاية العهد كانت وفاته بمصر فى جمادى الأولى سنة [85 ه] خمس و ثمانين، و كان عبد الملك أراد أن يخلعه من ولاية العهد، و يبايع لابنه الوليد، فنهاه قبيصة بن ذؤيب عن ذلك، و قال: لا تفعل، و لعل الموت يأتيه، فكفّ عنه عبد الملك و نفسه تنازعه إلى خلعه؛ فدخل عليه روح بن زنباع، و كان أجلّ الناس عند عبد الملك، و قال:

يا أمير المؤمنين، لو خلعته ما انتطح فيها عنزان؛ و أنا أول من يجيبك إلى ذلك. قال: نصبح إن شاء اللّه و نفعل.

و نام روح عنده، فدخل عليهما قبيصة بن ذؤيب و هما نائمان، و كان عبد الملك قد تقدّم إلى حجّابه ألّا يحجبوا قبيصة عنه، و كان‏

____________

(1) الضبط من الطبرى، و القاموس.

276

إليه الخاتم و السكّة، و الأخبار تأتيه قبل عبد الملك، فلما دخل سلّم عليه، و قال: آجرك اللّه فى عبد العزيز أخيك! قال: هل توفى؟

قال: نعم. فاسترجع، ثم أقبل على روح، و قال: كفانا اللّه‏ (1) ما نريد. و كان هذا مخالفا لك يا قبيصة. و ضمّ عبد الملك عمل عبد العزيز إلى ابنه عبد اللّه بن عبد الملك، و أمر بالبيعة لابنيه:

الوليد، و سليمان، فبايعهما الناس، و كتب بذلك إلى الأمصار، و كان على المدينة هشام بن إسماعيل المخزومى، فدعا الناس إلى البيعة، فأجابوا إلا سعيد بن المسيّب، فإنه أبى، و قال: لا أبايع و عبد الملك حىّ، فضربه هشام ضربا مبرّحا، و طاف به و هو فى تبّان‏ (2) شعر حتى بلغ رأس الثنية [التى يقتلون و يصلبون عندها] (3)، ثم ردّه و حبسه.

فبلغ ذلك عبد الملك، فقال: قبّح اللّه هشاما، إنما كان ينبغى له أن يدعوه إلى البيعة، فإن أبى أن يبايع يضرب عنقه أو يكفّ عنه.

و كتب إليه يلومه و يقول: إن سعيدا ليس عنده شقاق و لا خلاف؛ و قد كان سعيد امتنع أيضا من بيعة ابن الزبير، و قال: لا أبايع حتى يجتمع الناس، فضربه جابر بن الأسود عامل ابن الزبير ستّين سوطا.

فكتب ابن الزبير إلى جابر يلومه، و قال: ما لنا و لسعيد! دعه، لا تعرض له.

و حجّ بالناس فى هذه السنة هشام بن إسماعيل.

____________

(1) فى الكامل و الطبرى: ما كنا نريد.

(2) التبان- كرمان: سراويل صغير يستر العورة المغاظة.

(3) من الكامل.

277

سنة (86 ه) ست و ثمانين:

ذكر وفاة عبد الملك بن مروان‏

كانت وفاته بدمشق فى منتصف شوال سنة [86 ه] ستّ و ثمانين، و كان يقول: أخاف الموت فى شهر رمضان، فيه ولدت، و فيه فطمت، و فيه جمعت القرآن، و فيه بايع لى الناس، فمات فى شوّال حين أمن الموت فى نفسه، و اختلف فى عمره من ثلاث و ستين سنة إلى سبع و خمسين.

و صلّى عليه ابنه ولىّ عهده الوليد.

و كانت مدة خلافته إحدى و عشرين سنة و خمسة عشر يوما، خلص له الأمر منها بعد مقتل عبد اللّه بن الزّبير ثلاث عشرة سنة و أربعة أشهر إلّا سبع ليال، و دفن بدمشق خارج باب الجابية.

قيل: و لما اشتدّ مرضه نهاه بعض الأطباء أن يشرب الماء، و قال:

إن شرب الماء مات، فاشتدّ عطشه، فقال: يا وليد، اسقنى ماء.

قال: لا أعين عليك. فقال لابنته فاطمة: اسقينى، فمنعها الوليد.

فقال: لتدعنّها أو لأخلعنّك. فقال: لم يبق بعد هذا شي‏ء، فسقته فمات.

و دخل عليه الوليد و ابنته فاطمة عند رأسه تبكى، فقال: كيف أمير المؤمنين؟ قال: هو أصلح ممّا كان. فلما خرج قال عبد الملك‏ (1):

و مستخبر عنا يريد بنا (2)الرّدى‏ * * * و مستخبرات و الدموع سواجم‏

____________

(1) و الكامل: 4- 103

(2) فى الكامل: يريد لنا.

278

ذكر وصيته بنيه عند موته‏

قال‏ (1): و أوصى بنيه عند موته، فقال: أوصيكم بتقوى اللّه، فإنه أزين حلية و أحصن كهف، ليعطف الكبير منكم على الصغير، و ليعرف الصغير حقّ الكبير، و انظروا مسلمة فاصدروا عن رأيه، فإنه نابكم الذى تفرّون‏ (2)، و مجنّكم الذى عنه ترمون، و أكرموا الحجاج فإنّه الذى وطّأ لكم المنابر (3) و دوّخ لكم البلاد، و أذلّ لكم الأعداء، و كونوا بنى أم بررة. لا تدبّ بينكم العقارب، و كونوا فى الحرب أحرارا، فإن القتال لا يقرّب ميتة، و كونوا للمعروف منارا؛ فإن المعروف يبقى أجره و ذخره و ذكره، وضعوا معروفكم عند ذوى الأحساب، فإنهم أصون له و أشكر لما يؤتى إليهم منه، و تغمّدوا (4) ذنوب أهل الذنوب، فإن استقالوا فأقيلوا، و إن عادوا فانتقموا.

ذكر أولاده و أزواجه‏

كان له: الوليد، و سليمان، و مروان الأكبر- درج، و عائشة؛ أم هؤلاء ولادة بنت العباس بن جزء بن الحارث بن زهير بن جذيمة (5).

و يزيد و مروان‏ (6) و معاوية [درج، و أم كلثوم، أمهم عاتكة ابنة

____________

(1) الكامل: 4- 103، و مروج الذهب: 2- 154

(2) فى الطبرى: تفرون عنه. و فى: الكامل: تفترون. وفر الدابة: كشف عن أسنانها لينظر ما سنها.

(3) فى مروج الذهب: وطأ لكم هذا الأمر.

(4) فى الكامل: و تعهدوا. و تغمد الشى‏ء: ستره.

(5) فى ك: خزيمة. و المثبت فى الطبرى و الكامل.

(6) لعله الأصغر كما فى العقد الفريد: 4- 420.

279

يزيد بن معاوية] (1)، و هشام أمه‏ (2) أم هشام بنت هشام ابن إسماعيل بن هشام بن الوليد (3) بن المغيرة المخزومية، و اسمها عائشة، و أبو بكر، و هو بكار، أمّه عائشة بنت موسى بن طلحة ابن عبيد اللّه، و الحكم- درج، أمه أم أيوب بنت عمرو بن عثمان بن عفّان، و فاطمة، أمّها أم المغيرة بنت المغيرة بن خالد بن العاص بن هشام ابن المغيرة، و عبد اللّه‏ (4) و مسلمة و المنذر و عنبسة و محمد و سعيد الخير [و قبيصة (5)] لأمهات أولاد؛ و كان له من النساء [سوى من ذكرناه‏] (6) شقراء بنت حلبس الطائى، و أم أبيها ابنة عبد اللّه بن جعفر بن أبى طالب.

ذكر شي‏ء من أخباره و عماله‏

قالوا: كان عبد الملك بن مروان عاقلا حازما أدبيا لبيبا عالما، قال أبو الزّناد: كان فقهاء المدينة أربعة: سعيد بن المسيّب، و عروة ابن الزبير، و قبيصة بن ذؤيب، و عبد الملك بن مروان. و قال الشعبى (رحمه الله): ما ذاكرت أحدا إلّا وجدت لى الفضل عليه، إلّا عبد الملك، فإنى ما ذاكرته حديثا إلّا زادنى فيه، و لا شعرا إلّا زادنى فيه، قالوا:

و كان محبا للفخر و البذخ، و كثرت الشعراء على أيامه، و كان من فحول شعرائه جرير و الفرزدق و الأخطل و كثيّر.

و كان عبد الملك مقدما على سفك الدماء، و كذلك كانت عمّاله:

فكان الحجاج بالعراق، و المهلب بن أبى صفرة بخراسان، و هشام‏

____________

(1) ساقط فى ك.

(2) فى الطبرى و الكامل: و أمه.

(3) فى د: و المغيرة.

(4) فى الكامل: عبد الملك. و المثبت فى الطبرى أيضا.

(5) ساقط فى الطبرى و الكامل.

(6) ساقط فى الطبرى و الكامل.

280

ابن إسماعيل المخزومى بالمدينة، و عبد اللّه ولده بمصر، و موسى ابن نصير اللّخمى بالمغرب، و محمد بن يوسف أخو الحجاج باليمن، و محمد بن مروان بالجزيرة؛ و ما منهم إلّا من هو ظالم غشوم جائر.

و كان نقش خاتمة: آمنت باللّه مخلصا.

و كتّابه: روح بن زنباع، ثم قبيصة بن ذؤيب، و غيرهما.

قاضيه: أبو بشر الخولانى، و عبد اللّه بن قيس.

حاجبه: يوسف مولاه.

الأمراء بمصر و قضاتها

أقرّ عبد الملك أخاه عبد العزيز على إمارة مصر إلى أن مات، فولّى ابنه عبد اللّه. و كان القاضى بمصر عابس إلى أن مات، فولى عبد العزيز بشير بن النّضر بن بشير المزنى، ثم مات فولّاها عبد الرحمن بن حجر الخولانى. ثم صرفه و ولى يونس الحضرمى، ثم صرفه و ولى عبد الرحمن بن معاوية بن خديج القضاء و الشرطة، فلما ولى عبد اللّه بن عبد الملك أقرّ عبد الرحمن على القضاء ثم صرفه و ولى عمران بن عبد الرحمن بن شرحبيل ابن حسنة ثم عزله، و ولى عبد الواحد بن عبد الرحمن بن خديج.

قال: و عبد الملك أول من غدر فى الإسلام: حين قتل عمرو بن سعيد الأشدق.

و هو أول من نقل الدواوين من الفارسية و الرومية إلى العربية.

و أول من نهى عن الكلام بحضرة الخلفاء، و كان الناس من قبله يراجعونهم.

و هو أوّل من نهى عن الأمر بالمعروف، فإنه قال فى خطبته بعد

281

قتل ابن الزبير: و لا يأمرنى أحد بتقوى اللّه تعالى بعد مقامى هذا إلّا ضربت عنقه.

ذكر بيعة الوليد بن عبد الملك‏

هو أبو العباس الوليد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم، و أمه ولادة بنت العباس بن جزء، و قد تقدم ذكر نسبها، و هو السادس من ملوك بنى أمية. بويع له بالخلافة بعد وفاة أبيه، و ذلك فى يوم الخميس النصف من شوال سنة ست و ثمانين. قال: و لما دفن أبوه عبد الملك انصرف عن قبره فدخل المسجد و رقى المنبر فخطب الناس، و قال: إنا للّه، و إنا إليه راجعون، و اللّه المستعان على مصيبتنا بموت أمير المؤمنين، و الحمد للّه على ما أنعم علينا من الخلافة. قوموا فبايعوا، فكان أول من عزّى نفسه و هنّأها، و كان أول من قام لبيعته عبد اللّه بن همام السلولى و هو يقول‏ (1):

اللّه أعطاك التى لا فوقها * * * و قد أراد الملحدون عوقها

عنك، و يأبى اللّه إلّا سوقها * * * إليك حتى قلّدوك طوقها

و بايعه، و قام‏ (2) الناس للبيعة (3).

و قد قيل: إنّ الوليد لمّا صعد المنبر حمد اللّه و أثنى عليه ثم قال:

أيها الناس، لا مقدّم لما أخّر اللّه، و لا مؤخّر لما قدّم، و [قد] (4) كان من قضاء اللّه و سابق علمه، و ما كتب على أنبيائه و حملة عرشه‏

____________

(1) و الطبرى: 6- 423، و الكامل: 4- 105

(2) فى الطبرى: ثم تتابع الناس على البيعة.

(3) فى ك، و الكامل: لبيعته.

(4) ساقط فى ك.

282

الموت، و قد صار إلى منازل الأبرار ولىّ هذه الأمة بالذى يحقّ للّه عليه فى الشدة على المذنب‏ (1) و اللين لأهل الحقّ و الفضل، و إقامة ما أقام اللّه من منار الإسلام و أعلامه‏ (2)؛ من حجّ البيت، و غزو الثّغور.

و شنّ الغارة على أعداء اللّه، فلم يكن عاجزا و لا مفرّطا.

أيها الناس، عليكم بالطاعة و لزوم الجماعة، فإنّ الشيطان مع الفرد.

أيها الناس، من أبدى لنا ذات نفسه ضربنا الذى فيه عيناه، و من سكت مات بدائه، ثم نزل.

و لنبدأ من أخبار الوليد بالغزوات و الفتوحات، ثم نذكر الحوادث على حكم السنين:

ذكر الغزوات و الفتوحات التى اتفقت فى خلافة الوليد بن عبد الملك‏

و لنبدأ من ذلك بأخبار قتيبة بن مسلم و ما فتحه من البلاد:

ذكر ولاية قتيبة بن مسلم خراسان و غزواته و فتوحاته‏

فتح قتيبة بن مسلم فى مدّة ولايته خراسان من بلاد ما وراء النّهر:

الصّغانيان‏ (3)، و أخرون، و كاسان‏ (4)، و أورشت، و هى من فرغانة

____________

(1) فى الطبرى و الكامل: المريب. و فى العقد الفريد: للذى كان عليه من الشدة على المريب، و الذين على أهل الفضل و الدين.

(2) فى ك: و إعلائه.

(3) بالفتح و بعد الالف نون ثم ياء مثناة، و آخره نون، و العجم يقولون.

جغانيان: ولاية عظيمة بما وراء النهر (المراصد).

(4) كاسان- بالسين المهملة: مدينة كبيرة فى أول بلاد تركستان و راء سيحون و راء الشاش (ياقوت).

283

و أخسيكت‏ (1)، و هى مدينة فرغانة القديمة، و بيكند (2)، و بخارى، و الطالقان‏ (3) و الفارياب‏ (4) و الجوزجان، و شومان‏ (5) و كش‏ (6)، و نسف، و رام جرد، و سمرقند، و الشاش‏ (7) و فرغانة، و مدينة كاشغر.

و كان أول ما بدأ به قتيبة أنه لما قدم خراسان أميرا للحجاج، و ذلك فى سنة [86 ه] ست و ثمانين قدمها و المفضّل بن المهلب يحرض الجند للغزاة، فخطب قتيبة الناس، و حثّهم على الجهاد، ثم عرضهم، و سار بهم.

فلما كان بالطالقان تلقّاه دهاقين بلخ و ساروا معه، و قطع النهر فتلقّاه ملك الصّغانيان بهدايا و مفتاح‏ (8) من ذهب، و دعاه إلى بلاده، فمضى معه فسلّمها إليه، لأن ملك أخرون و شومان كان يسي‏ء جواره، ثم سار قتيبة منها إلى أخرون و شومان و هما من‏

____________

(1) بالفتح ثم السكون و كسر السين المهملة و ياء ساكنة و كاف و ثاء مثلثة.

و بعضهم يقول: بالتاء المثناة و هو أولى من المثلثة: مدينة بما وراء النهر، قصبة فرغانة (المراصد)

(2) بيكند- بالكسر، و فتح الكاف و سكون النون: بلد بين بخارى و جيحون (المراصد).

(3) الطالقان- بلام مفتوحة: بلدتان إحداهما بخراسان، و الأخرى كورة و بلدة بين قزوين و أبهر (المراصد).

(4) الفارياب- بكسر الراء ثم ياء مثناة من تحت و آخره باء: مدينة مشهورة بخراسان قرب بلخ (ياقوت).

(5) شومان- بالضم و السكون و آخره نون: بلدة بالصغانيان. مما وراء جيحون (المراصد).

(6) كش- بكسر أوله و تشديد ثانيه، قال ابن ماكولا: يقوله العراقيون و غيرهم- كس- بفتح الكاف، و ربما صحفه بعضهم و قاله بالشين المعجمة، و هو خطأ، و هى مدينة كبيرة تقارب سمرقند (المراصد).

(7) شاش: آخره شين معجمة: قرية بالرى و بلدة بما وراء النهر، ثم وراء سيحون (المراصد).

(8) فى الكامل: و مفاتيح.

284

طخارستان، فصالحه ملكها على فدية أدّاها إليه، فقبلها قتيبة. ثم انصرف إلى مرو، و استخلف على الجند أخاه صالح بن مسلم ففتح صالح بعد رجوع قتيبة كاشان و أورشت، و هى من فرغانة، و فتح أخسيكت و هى مدينة فرغانة القديمة.

و قيل: إن قتيبة قدم خراسان فى سنة [85 ه] خمس و ثمانين فعرض الجند فغزا أخرون و شومان، ثم رجع إلى مرو.

و قيل: إنه لم يغزا فى هذه السنة، و لم يقطع النهر بسبب بلخ، فإنّ بعضها كان منتقضا عليه، فحاربهم و سبى منهم، ثم صالحوه فأمر بردّ السّبى.

ذكر قتيبة و نيزك‏

قال: لمّا صالح قتيبة ملك شومان كتب إلى‏ (1) نيزك طرخان صاحب باذغيس فى إطلاق من عنده من أسرى المسلمين، و كتب إليه يتهدّده، فخافه نيزك، فأطلقهم، و بعث بهم إليه، ثم كتب إليه قتيبة مع سليم الناصح مولى عبيد اللّه بن أبى بكرة يدعوه إلى الصلح و إلى أن يؤمنه، فصالحه‏ (2) نيزك لأهل باذغيس على ألا يدخلها قتيبة.

ذكر غزوة بيكند و فتحها

و غزا قتيبة بيكند فى سنة [87 ه] سبع و ثمانين، و هى أدنى مدائن بخارى إلى النّهر، فلما نزل بهم استنصروا الصّغد و استمدّوا من حولهم.

فأتوهم فى جمع كثير، و أخذوا الطرق على قتيبة فقاتلهم‏ (3)

____________

(1) بفتح النون فى د، و كسرها فى الطبرى.

(2) فى الطبرى و الكامل: فصالحه أهل باذغيس.

(3) فى الطبرى: فلم ينفذ لقتيبة رسول، و لم يصل إليه رسول، و لم يجر له خبر شهرين.

285

شهرين فى كل يوم، ثم انهزم الكفّار إلى المدينة، فتبعهم المسلمون يقتلون و يأسرون، و تحصّن من دخل المدينة منهم بها، فأمر قتيبة بهدم سورها، فسألوه الصلح، فصالحهم، و استعمل عليهم عاملا (1) و ارتحل عنهم. فلما سار خمس فراسخ نقضوا [الصلح‏ (2)] و قتلوا العامل و من معه. فرجع قتيبة فنقب السّور فسقط، فسألوه الصلح فأبى، و دخلها عنوة، و قتل من كان بها من المقاتلة، و كان فيمن أخذ من المدينة رجل أعور، و هو الذى استجاش التّرك على المسلمين، فقال لقتيبة: أنا أفدى نفسى بخمسة آلاف حريرة قيمتها ألف ألف، فاستشار قتيبة الناس، فقالوا: هذا (3) زيادة فى الغنائم؛ و ما عسى أن يبلغ من كيد هذا؟ قال: و اللّه لا يروّع بك مسلم‏ (4) أبدا، و أمر به فقتل؛ و أصابوا فيها من الغنائم و السلاح و آنية الذهب و الفضّة ما لا يحصى، و لا أصابوا بخراسان مثله.

و لما فرغ قتيبة من فتح بيكند رجع إلى مرو.

ذكر غزو نومشكث و راميثنة و صلح أهلها

و قتال التّرك و الصّغد و أهل فرغانة و فى سنة [88 ه] ثمان و ثمانين غزا قتيبة نومشكث‏ (5)، فتلقّاه أهلوها، فصالحهم، ثم سار إلى راميثنة (6)، فصالحه أهلها، و انصرف‏

____________

(1) فى الطبرى: رجلا من بنى قتيبة.

(2) زيادة فى الكامل.

(3) فى الكامل: هذه.

(4) فى الطبرى: لا تروع بك مسلحة.

(5) الضبط فى الطبرى، د.

(6) فى الطبرى: راميثنة. و فى المراصد و ياقوت: راميتن: قرية ببخارى.

286

عنهم و زحف إليه التّرك و معهم الصّغد و أهل فرغانة فى مائتى ألف.

و ملكهم كوربغانو (1) ابن أخت ملك الصّين، فاعترضوا المسلمين؛ فلحقوا عبد الرحمن بن مسلم أخا قتيبة و هو على الساقة و بينه و بين قتيبة و أوائل العسكر ميل، فقاتلهم عبد الرحمن و من معه، و أرسل إلى أخيه، فرجع بالمسلمين، و قد أشرف الترك على الظهور على عبد الرحمن و من معه، فلما رأى المسلمون قتيبة طابت نفوسهم، و قويت، و قاتلوا إلى الظّهر، فانهزم الترك و من معهم و كان نيزك يومئذ مع قتيبة، فأبلى بلاء حسنا، و رجع قتيبة بعد الهزيمة إلى مرو

ذكر غزو بخارى و فتحها

كانت غزوة بخارى فى سنة [89 ه] تسع و ثمانين، و الفتح فى سنة [90 ه] تسعين؛ و ذلك أن الحجاج بن يوسف كتب إلى قتيبة يأمره بقصد وردان خذاه‏ (2)، فعبر النّهر من زمّ‏ (3)، فلقى الصّغد و أهل كسّ و نسف فى طريق المفازة، فقاتلوه، فظفر بهم.

و مضى إلى بخارى، فنزل خرقانة السّفلى عن يمين وردان، فلقوه فى جمع كثير، فقاتلهم يومين و ليلتين، فظفر بهم، و غزا وردان‏ (4) خذاه ملك بخارى فلم يظفر منه بشى‏ء، فرجع إلى مرو. و كتب إلى الحجاج يخبره؛ فكتب إليه الحجاج أن صوّرها. فبعث إليه‏

____________

(1) فى ك: كوربغابون. و فى الكامل: كورنعابون. و فى الطبرى: كورمغانون و المثبت فى د.

(2) الضبط فى د، و الطبرى.

(3) زم: موضع ببلاد بنى ربيعة. و قيل ببلاد قيس بن ثعلبة.

(4) الضبط فى د، و الطبرى.

287

بصورتها، فكتب إليه أن تب إلى اللّه جلّ ثناؤه مما كان منك و ائتها من مكان كذا و كذا.

[قيل‏ (1)]: و كتب إليه أن كس بكس، و انسف نسفا، ورد وردان، و إياك و التحويط، و دعنى من بنيّات‏ (2) الطريق.

فخرج قتيبة إلى بخارى فى سنة [90 ه] تسعين، فاستجاش وردان خذاه الصّغد و الترك و من حوله، فأتوه‏ (3) و قد سبق إليها قتيبة و حصرها (4). فلما جاءتهم أمدادهم خرجوا إلى المسلمين يقاتلونهم، فقالت الأزد: اجعلونا ناحية، و خلّوا بيننا و بين قتالهم، فقال قتيبة: تقدّموا، فتقدّموا، و قاتلوا قتالا شديدا، ثم انهزم الأزد، حتى دخلوا العسكر، و ركبهم المشركون حتى حطموهم، و قاتلت مجنبتا المسلمين الترك حتى ردّوهم إلى مواقفهم، فوقفت الترك على نشز، فقال قتيبة: من يزيلهم عن هذا الموقف! فلم يقم‏ (5) لهم أحد من العرب، فأتى بنى تميم، فقال لهم: يوم‏ (6) كأيّامكم.

فأخذ وكيع اللواء، و قال: يا بنى تميم، أ تسلمونني اليوم؟

قالوا: لا، يا أبا المطرّف‏ (7)، و كان هزيم‏ (8) بن أبى طحمة (9) على خيل تميم، و وكيع رأسهم. فقال: يا هزيم قدّم خيلك، و رفع إليه‏

____________

(1) من الطبرى.

(2) فى ك: ثنيات الطريق.

(3) فى الطبرى: فأتوهم ... فحصرهم.

(4) فى الطبرى: فأتوهم ... فحصرهم.

(5) فى الطبرى: عليهم.

(6) فى الكامل: يوما.

(7) فى الكامل و الطبرى: مطرف.

(8) بالزاى فى ك. د، و فى الطبرى: هريم- بالراء- و المثبت فى تاج العروس.

(9) فى د، ك: طلحة. و المثبت فى الطبرى و الكامل. و تاج العروس- طحم.

288

الراية، و تقدم هزيم، و تقدّم وكيع فى الرّجّالة (1)، و كان بينهم و بين الترك نهر، فأمر وكيع هزيما بقطعه إليهم، فعبره فى الخيل، و انتهى وكيع إلى النهر، فعمل عليه جسرا من خشب، و قال لأصحابه: من وطّن نفسه على الموت فليعبر و إلّا فليثبت مكانه.

فلم يعبر معه إلا ثمانمائة رجل‏ (2). فلما عبر بهم قال لهزيم: إنى مطاعنهم فاشغلهم عنّا بالخيل، و حمل عليهم حتى خالطهم، و حمل هزيم فى الخيل فطاعنهم‏ (3)، و قاتلهم المسلمون حتى حدروهم عن التلّ، ثم عبر الناس إليهم بعد انهزام التّرك، و نادى قتيبة: من أتى برأس فله مائة، فأتى برءوس كثيرة، و جرح خاقان و ابنه، و فتح اللّه على المسلمين.

قال: و لما أوقع قتيبة بأهل بخارى هابه الصّغد، فرجع طرخون ملكهم و معه فارسان، فدنا من عسكر قتيبة، فطلب رجلا يكلّمه.

فأرسل إليه قتيبة حيّان‏ (4) النبطى، فطلب الصلح على فدية يؤدّيها إليهم.

فأجابه قتيبة إلى ما طلب، و صالحه، و رجع طرخون إلى بلاده.

و رجع قتيبة و معه نيزك.

____________

(1) فى الطبرى: الرجال.

(2) فى الطبرى: راجل.

(3) فى د، و الكامل: فطاعنوهم.

(4) فى الكامل: حيان- بالحاء المهملة و الياء المشددة تحتها نقطتان، و آخره نون.

289

ذكر غدر نيزك و فتح الطالقان و ما كان من خبر نيزك إلى أن قتل‏

قال: و لما رجع قتيبة عن بخارى و معه نيزك و قد خاف‏ (1) لما رأى من الفتوح، فقال لأصحابه: أنا مع هذا و لست آمنه، فلو استأذنته و رجعت كان الرأى. قالوا: افعل. فاستأذن قتيبة، فأذن له و هو بآمل، فرجع يريد طخارستان، و أسرع السّير حتى أتى النّوبهار (2)، و قال لأصحابه: لا شكّ أن قتيبة قد ندم على إذنه لى، و سيبعث إلى المغيرة بن عبد اللّه يأمره بحبسى، فكان كما قال:

ندم قتيبة، و بعث إلى المغيرة يأمره بحبس نيزك، فتبعه المغيرة، فوجده قد دخل شعب خلم‏ (3)، فرجع المغيرة، و أظهر نيزك الخلع، و كتب إلى أصبهذ بلخ و إلى باذان‏ (4) ملك مرو الرّوذ و إلى ملك الطالقان و إلى ملك الفارياب‏ (5) و إلى ملك الجوزجان يدعوهم إلى خلع قتيبة، فأجابوه، و واعدهم الربيع أن يجتمعوا و يغزوا قتيبة.

و كتب إلى كابل‏شاه يستظهر به، و بعث إليه بثقله و ماله، و سأله أن يأذن له إن اضطرّ أن يأتيه، فأجابه إلى ذلك، و كان خبعويه‏ (6) ملك طخارستان ضعيفا؛ فأخذه نيزك، فقيّده بقيد من ذهب لئلا يخالف عليه، و كان خبعويه هو الملك و نيزك عنده، فاستوثق منه،

____________

(1) فى د، و الكامل: و قد حاف لما يرى. و فى الطبرى: و قد ذعره ما قد رأى.

(2) بالضم ثم السكون، و باء موحدة مفتوحة، و هاء و ألف و راء: فى موضعين أحدهما قرب الرى. و نوبهار أيضا ببلخ (المراصد).

(3) خلم: بلدة بنواحى بلخ (المراصد).

(4) فى الطبرى: باذام.

(5) فى ك: القاريات. و قد تقدم ضبطها.

(6) كتب فى د- مرة خبعويه، و مرة: خيغونه. و فى ك: جنغويه، و فى الطبرى جبغويه.

290

و أخرج عامل قتيبة من بلاد جبعويه، و بلغ قتيبة خلعه، و قد تفرّق الجند، فبعث أخاه عبد الرحمن فى اثنى عشر ألفا إلى البروقان‏ (1)، و قال: أقم بها و لا تحدث شيئا، فإذا انقضى الشتاء [فعسكر، و] (2) سر نحو طخارستان، فسار؛ فلما كان آخر الشتاء كتب قتيبة إلى نيسابور و غيرها من البلاد لتقدم عليه الجنود، فقدموا. فسار نحو الطالقان، و كان ملكها قد خلع و طابق نيزك على الخلع، فأتاه قتيبة، فأوقع بأهل الطالقان، فقتل من أهلها مقتلة عظيمة، و صلب منهم سماطين أربعة فراسخ فى نظام واحد، و استعمل أخاه عمرو (3) بن مسلم.

و قيل: إن ملك الطالقان لم يحارب قتيبة، فكفّ عنه، و كان بها لصوص، فقتلهم قتيبة و صلبهم، ثم سار قتيبة إلى الفارياب فى سنة [91 ه] إحدى و تسعين، فخرج إليه ملكها مقرّا مذعنا، فقبل منه و لم يقتل بها أحدا، و استعمل عليها رجلا من باهلة (4)، و بلغ ملك الجوزجان خبرهم، فهرب إلى الجبال، و سار قتيبة إلى الجوزجان، فلقيه أهلها (5) سامعين مطيعين، فقبل منهم و لم يقتل بها أحدا، و استعمل عليها عامر بن مالك الحمّانى، ثم أتى بلخ فلقيه أهلها، فلم يقم إلّا يوما واحدا، و سار يتبع أخاه عبد الرحمن إلى شعب‏

____________

(1) قرية من نواحى بلخ (المراصد).

(2) زيادة فى الطبرى.

(3) فى الكامل: عمر. و المثبت فى الطبرى أيضا.

(4) فى الكامل: من أهله.

(5) فى الكامل: أهله.

291

خلم، و مضى نيزك إلى بغلان‏ (1)، و خلّف مقاتلته على فم الشعب و مضايقه يمنعونه، و وضع مقاتلته فى قلعة حصينة من وراء الشّعب، فأقام قتيبة أياما لا يقدر على دخوله، و لا يعرف طريقا يسلكه إلى نيزك إلّا الشّعب أو مفازة لا تقدر العساكر على قطعها، فأتاه إنسان فاستأمنه على أن يدلّه على مدخل القلعة التى من وراء الشّعب، فأمّنه قتيبة، و بعث معه رجالا، فانتهى بهم إلى القلعة، فطرقوهم و هم آمنون، فقتلوا منهم، و هرب من بقى و من كان فى الشّعب، فدخل قتيبة الشّعب، فأتى القلعة و مضى إلى سمنجان‏ (2)، فأقام بها أياما ثم سار إلى نيزك، و قدم أخاه عبد الرحمن فارتحل نيزك من منزله فقطع وادى فرغانة، و وجّه ثقله و أمواله إلى كابل‏شاه، و مضى حتى نزل الكرز (3)، و عبد الرحمن يتبعه، و نزل عبد الرحمن و أخذ بمضايق الكرز، و نزل قتيبة على فرسخين من أخيه، و تحصّن نيزك بالكرز، و ليس له‏ (4) إلّا مسلك من وجه واحد، و هو صعب لا تطيقه الدواب، فحصره قتيبة شهرين حتى قلّ ما فى يد نيزك من الطعام، و أصابهم الجدرى. و خاف قتيبة الشتاء، فدعا سليما الناصح، فقال: انطلق إلى نيزك، و احتل لتأتينى به بغير أمان، فإن أعياك‏ (5) و أبى فأمّنه.

____________

(1) بغلان- آخره نون: بلدة بنواحى بلخ. (المراصد).

(2) بكسرتين و نون ساكنة ثم جيم و آخره نون: بلدة من طخارستان وراء بلخ (المراصد).

(3) الذى فى ياقوت: كرزبان: بلدة فى الجبل قرب الطالقان. و المثبت فى كل الأصول.

(4) فى د، و الطبرى: و ليس إليه مسلك إلا من وجه واحد.

(5) فى الكامل: احتال.

292

فخرج إليه، و أخذ معه أطعمة و أخبصة كثيرة، و أتى نيزك، فقال له: إنك أسأت إلى نفسك‏ (1) و غدرت. قال نيزك: فما الرأى؟

قال: أرى أن تأتيه، فإنه ليس ببارح، و قد عزم على أن يشتو مكانه، هلك أو سلّم. قال نيزك: فكيف آتيه على غير أمان. قال:

ما أظنّه يؤمّنك لما فى نفسه عليك، لأنك قد ملأته غيظا، و لكنى أرى ألّا يعلم حتى تضع يدك فى يده، فإنى أرجو أن يستحى و يعفو.

قال: إنّ نفسى تأبى هذا. فقال سليم: ما أتيتك إلا لأشير عليك بهذا، و لو فعلت لرجوت أن تسلم و يعود حالك عنده، فإذا أبيت فإنى منصرف. و قدم الطعام الذى معه، و لا عهد لهم بمثله، فانتهبه أصحاب نيزك، فساءه ذلك، فقال له سليم: أنا لك من الناصحين، أرى أصحابك قد جهدوا، و إن طال بهم الحصار لم آمنهم أن يستأمنوا بك. فأت قتيبة. فقال: لا آمنه على نفسى، و لا آتيه إلا بأمان، و إنّ ظنّى أنه يقتلنى، و إن أمننى؛ و لكن الأمان أعذر لى. فقال سليم:

قد أمنك؛ أ فتتهمنى؟ قال: لا. و قال له أصحابه: اقبل قول سليم.

فخرج معه و معه خبعويه‏ (2) وصول طرخان خليفة جبعويه، و خنس‏ (3) طرخان صاحب شرطته و شقران‏ (4) ابن أخى نيزك، فلما خرجوا من الشّعب حالت خيل قتيبة بين أصحاب نيزك و بين الخروج، فقال نيزك: هذا أوّل الغدر. فقال سليم: تخلّف هؤلاء عنك خير لك.

و أقبل سليم و نيزك و من معه حتى دخلوا على قتيبة، فحبسهم.

____________

(1) فى الكامل: إلى قتيبة.

(2) انظر الهامش السابق رقم 6 صفحة 289

(3) فى الكامل: و حبس. و المثبت فى الطبرى أيضا.

(4) الضبط فى الطبرى.

293

و كتب إلى الحجاج يستأذنه فى قتل نيزك، و استخرج قتيبة ما فى الكرز من متاع، و أتاه كتاب الحجاج بعد أربعين يأمره بقتل نيزك، فدعا قتيبة الناس، و استشارهم، فاختلفوا، فقال ضرار ابن حصين: إنى سمعتك تقول: أعطيت اللّه عهدا إن أمكنك منه أن تقتله، فإن لم تفعل فلا ينصرك اللّه عليه أبدا. فدعا نيزك، فضرب رقبته بيده، و أمر بقتل صول و ابن أخى نيزك، و قتل من أصحابه سبعمائة. و قيل اثنى عشر ألفا، و صلب نيزك و ابن أخيه، و بعث برأسه إلى الحجاج، و أخذ الزّبير مولى عبّاس الباهلى خفّا لنيزك فيه جوهر، فكان أكثر من فى بلاده مالا و عقارا من ذلك الجوهر، و أطلق قتيبة جبعويه‏ (1) و منّ عليه، و بعث به إلى الوليد، فلم يزل بالشام حتى مات.

و لما قتل نيزك رجع قتيبة إلى مرو، و أرسل ملك الجوزجان يطلب الأمان، فأمنه على أن يأتيه، فطلب رهنا [يكونون فى يده‏] (2) و يعطى رهائن، فأعطاه قتيبة حبيب بن عبد اللّه بن حبيب الباهلى، و أعطى ملك الجوزجان رهائن من أهل بيته، و قدم على قتيبة، ثم رجع فمات بالطالقان، فقال أهل الجوزجان: إنهم سمّوه فقتلوا حبيبا. و قتل قتيبة الرهائن الذين كانوا عنده.

____________

(1) انظر الهامش السابق، صفحة 289

(2) من الطبرى.

294

ذكر غزوة شومان و كشّ و نسف و فتح ذلك‏

و فى سنة [91 ه] إحدى و تسعين سار قتيبة إلى شومان فحصرها، و كان سبب ذلك أنّ ملكها طرد عامل قتيبة من عنده، فأرسل إليه قتيبة رسولين: أحدهما من العرب اسمه عيّاش، و الآخر من أهل خراسان يدعوانه‏ (1) إلى أن يؤدّى ما كان صالح عليه، فقدما شومان، فخرج أهلها إليهما، فرموهما. فانصرف الخراسانىّ و قاتلهم عيّاش فقتلوه، و وجدوا به ستّين جراحة، و بلغ قتيبة قتله، فسار إليهم بنفسه، فلما أتاها أرسل صالح بن مسلم أخو قتيبة إلى ملكها، و كان صديقا له، يأمره بالطاعة، و يضمن له رضا قتيبة إن رجع إلى الصلح، فأبى و قال لرسول صالح: أ تخوّفني من قتيبة و أنا أمنع الملوك حصنا؟ فأتاه قتيبة و قد تحصّن ببلده فنصب‏ (2) عليه المجانيق، و رمى الحصن فهشمه، فلما خاف الملك أن يظهر قتيبة عليه جمع ما كان بالحصن من مال و جوهر، و رمى به فى بئر فى القلعة لا يدرك قعرها، ثم فتح القلعة، و خرج، فقاتل حتى قتل، و أخذ قتيبة القلعة عنوة، فقتل المقاتلة و سبى الذريّة، ثم سار إلى كشّ و نسف، ثم سار إلى بخارى.

و قيل: إنه سار إلى الصّغد، فلما رجع عنهم قالت الصّغد لطرخون: إنك قد رضيت بالذّل و استطبت الجزية، و أنت شيخ كبير، فلا حاجة لنا فيك. فحبسوه و ولوا غورك‏ (3) فقتل طرخون نفسه.

____________

(1) فى الكامل: يدعوان ملك شومان.

(2) فى الكامل و الطبرى: فوضع.

(3) الضبط فى الطبرى.

295

ذكر صلح خوارزم شاه و فتح خام جرد

و فى سنة [93 ه] ثلاث و تسعين صالح قتيبة خوارزم شاه، و سبب ذلك أن [ملك‏] (1) خوارزم كان ضعيفا، فغلبه أخوه خرّزاذ على أمره، و كان أصغر منه، فكان إذا بلغه أنّ عند أحد ممّن هو منقطع إلى الملك جارية أو مالا أو دابّة أو بيتا أو أختا أو امرأة جميلة أرسل إليه، و أخذه منه، فلا يمتنع عليه أحد، و لا الملك‏ (2)، فإذا قيل للملك قال: لا أقوى عليه.

فلما طال عليه ذلك كتب إلى قتيبة يدعوه إلى أرضه ليسلّمها إليه، و اشترط عليه أن يدفع إليه أخاه و كلّ من يضادّه ليحكم فيه‏ (3) بما يرى، و لم يطلع أحدا من مرازبته على ذلك. فأجابه قتيبة إلى ما طلب، و تجهّز للغزو، و أظهر أنه يريد الصّغد، و سار من مرو و جمع خوارزم شاه أجناده و دهاقنته‏ (4). فقال: إن قتيبة يريد الصغد، و ليس بغازيكم، فهلمّوا نتنعّم فى ربيعنا هذا، فأقبلوا على الشرب و التنعّم فلم يشعروا حتى نزل قتيبة فى هزارسب‏ (5)، فقال خوارزم شاه لأصحابه: ما ترون؟ قالوا: نرى أن نقاتله. قال: لكنى لا أرى‏

____________

(1) ساقط فى الكامل.

(2) فى الطبرى: و لا يمنعه الملك.

(3) فى الكامل: فيهم.

(4) فى الطبرى: و دهاقينه. و كلاهما جمع دهقان (القاموس).

(5) قلعة حصينة و مدينة جيدة الماء محيط بها كالجزيرة، و هى من نواحى خوارزم (المراصد).

296

ذلك، لأنه قد عجز عنه من هو أقوى منا و أشدّ شوكة، و لكن أصرفه بشى‏ء أخرجه‏ (1) إليه.

فأجابوه إلى ذلك، فسار خوارزم شاه إلى مدينة الفيل من وراء النهر، و هى أحصن بلاده، و قتيبة لم يعبر النهر، فأرسل إليه خوارزم شاه، فصالحه على عشرة آلاف رأس، و عين و متاع و [على‏] (2) أن يعينه على خام جرد، فقبل قتيبة ذلك.

و قيل: صالحه على مائة ألف رأس، و بعث قتيبة أخاه عبد الرحمن إلى [ملك‏] (3) خام جرد، و كان يغازى‏ (4) خوارزم شاه، فقاتله فقتله عبد الرحمن و غلب على أرضه، و قدم بأربعة آلاف أسير، فقتلهم، و سلّم قتيبة إلى خوارزم شاه أخاه و من كان يخالفهم، فقتلهم، و دفع أموالهم إلى قتيبة. و اللّه أعلم.

ذكر فتح سمرقند

قال: فلما قبض قتيبة صلح خوارزم قام إليه المجشّر بن مزاحم السلمى فقال له: سر (5) الآن إن أردت الصّغد يوما من الدّهر، فإنهم آمنون من أن تأتيهم عامك هذا، و إنما بينك و بينهم عشرة أيام.

قال: أشار عليك بهذا أحد؟ قال: لا. قال: فسمعه منك أحد؟

قال: لا. قال: و اللّه لئن تكلم به أحد لأضربنّ عنقك.

____________

(1) فى د، و الكامل: أؤديه إليه. و فى الطبرى: نؤديه.

(2) من الطبرى و الكامل.

(3) من الطبرى.

(4) فى الطبرى: و كان يعادى.

(5) فى الكامل: سرا.

297

فلما كان الغد من يوم كلامه له أمر قتيبة أخاه عبد الرحمن فسار فى الفرسان و الرّماة، و قدّم الأثقال إلى مرو، فسار يومه، فلما أمسى كتب إليه قتيبة: إذا أصبحت فوجّه الأثقال إلى مرو، و سر فى الفرسان و الرّماة نحو الصّغد، و اكتم الأخبار، فإنى بالأثر.

ففعل عبد الرحمن ما أمره، و خطب قتيبة الناس، و قال لهم:

إن الصّغد شاغرة (1) برجلها، و قد نقضوا العهد الذى بيننا، و صنعوا ما بلغكم؛ و إنى أرجو أن تكون خوارزم و الصّغد كقريظة و النّضير.

ثم سار فأتى الصّغد، فبلغها بعد عبد الرحمن بثلاث أو أربع، و قدم معه أهل خوارزم و بخارى، فقاتلوا شهرا من وجه واحد و هم محصورون.

و خاف أهل الصّغد طول الحصار، فكتبوا إلى ملك الشاش و أخشاد (2) و خاقان و فرغانة: إنّ العرب إن ظفروا بنا أتوكم بمثل ما أتونا [به‏] (3)، فانظروا لأنفسكم، و مهما كان عندكم من قوة فابذلوها. فنظروا و قالوا:

إنما نؤتى من سفلتنا و إنهم‏ (4) لا يجدون كوجدنا. فانتخبوا من أبناء الملوك و أهل النّجدة من أبناء المرازبة و الأساورة و الأبطال، و أمروهم أن يأتوا عسكر قتيبة؛ فيبيّتوه، و ولّوا عليهم ابنا لخاقان، فساروا.

____________

(1) لم تمتنع من غارة أحد لخلوها (القاموس).

(2) بالذال المعجمة فى الطبرى، و المثبت فى الكامل أيضا.

(3) ساقط من ك.

(4) فى الكامل: فإنهم.

298

و بلغ قتيبة الخبر فانتخب من عسكره مائة، و قيل ستّمائة من أهل النّجدة و الشجاعة، و أعلمهم الخبر، و أمرهم بالمسير إليهم، فساروا، و عليهم صالح بن مسلم، فنزلوا على فرسخين من العسكر على طريق القوم، فجعل صالح له كمينين‏ (1). فلما مضى نصف الليل جاءهم عدوّهم، فلما رأوا صالحا حملوا عليه، و اقتتلوا فشدّ الكمينان عن يمين و شمال، فقتلهم المسلمون، و أسروا منهم، و لم يفلت منهم إلا الشريد، و احتووا على سلاحهم و أسلابهم. و سئل بعض الأسرى عن القتلى فقالوا: ما قتلتم إلا ابن ملك أو عظيما أو بطلا، إن كان الرجل ليعدّ (2) بمائة رجل.

و نصب قتيبة المجانيق على سمرقند، و رماهم فثلمه ثلمة (3).

ثم أمر قتيبة الناس بالجدّ فى القتال، و أن يبلغوا ثلمة المدينة، ففعلوا، و حملوا و قد تترّسوا حتى بلغوا الثّلمة، و وقفوا عليها، فرماهم الصّغد بالنشّاب، فلم يبرحوا، فأرسلوا إلى قتيبة أن انصرف عنّا اليوم حتى نصالحك غدا. فقال: لا نصالحهم إلا و رجالنا على الثّلمة.

و قيل: بل قال: جزع العبيد! انصرفوا على ظفركم. فانصرفوا، فصالحهم من الغد على ألفى ألف و مائتى ألف مثقال فى كل عام، و أن يعطوه تلك السنة ثلاثين ألف رأس‏ (4)، و أن يخلوا المدينة

____________

(1) فى الطبرى: كمينا فى موضعين.

(2) فى الطبرى: ليعدل بمائة.

(3) فى د: فثلمت. و فى الطبرى: فثلم فيها ثلمة.

(4) فى الكامل: فارس.

299

لقتيبة، فلا يكون لهم فيها مقاتل، فيبنى فيها مسجدا فيصلّى فيه و يخطب و يتغدّى و يخرج.

فلما تمّ الصّلح بنى المسجد و دخلها قتيبة فى أربعة آلاف انتخبهم.

فدخل المسجد، فصلّى فيه، و خطب و أكل طعاما، ثم أرسل إلى الصّغد يقول: من أراد منكم أن يأخذ متاعه فليأخذ، فإنى لست خارجا منها، و لست آخذ منكم إلّا ما صالحتكم عليه، غير أنّ الجند يقيمون فيها.

و قيل: إنه شرط عليهم فى الصّلح مائة ألف رأس‏ (1) و بيوت النيران و حلية الأصنام. فقبض ذلك، و أتى بالأصنام، فأخذ ما عليها.

و أمر بها فأحرقت، فوجد من بقايا مسامير الذهب خمسين ألف مثقال، و أصاب بالصّغد جارية من ولد يزدجرد، فأرسلها إلى الحجاج.

فأرسلها الحجاج إلى الوليد، فولدت له ابنه يزيد بن الوليد. ثم رجع قتيبة إلى مرو، و استعمل على سمرقند إياس بن عبد اللّه على الحرب.

و جعل على الخراج عبيد اللّه بن أبى عبيد اللّه مولى مسلم‏ (2).

ذكر غزو الشاش و فرغانة

و فى سنة [94 ه] أربع و تسعين قطع قتيبة النّهر و فرض على أهل بخارى و كشّ و نسف عشرين ألف مقاتل، فساروا معه.

____________

(1) فى ك: فارس.

(2) فى الطبرى: مولى بنى مسلم.

300

فوجّههم إلى الشاش، و توجّه إلى فرغانة فأتى خجندة (1) فجمع له أهلها، و لقوه، و اقتتلوا مرارا، كلّ ذلك يكون الظّفر للمسلمين. ثم إن قتيبة أتى كاسان‏ (2) مدينة فرغانة، و أتاه الجنود الذين وجّههم إلى الشاش و قد فتحوها و أحرقوا أكثرها، و انصرف إلى مرو.

و قال سحبان‏ (3) يذكر قتالهم بخجندة (4):

و سل‏ (5)الفوارس فى خجن * * * دة تحت مرهفة العوالى‏

هل كنت أجمعهم إذا * * * هزوا و أقدم فى قتالى‏

أم كنت أضرب هامة ال * * * عاتى‏ (6) و أصبر للعوالى‏

هذا و أنت قريع قي * * * س كلّها ضخم النّوال‏

و فضلت قيسا فى النّدى‏ * * * و أبوك فى الحجج الخوالى‏

و لقد تبيّن عدل حك * * * مك فيهمو فى كلّ مال‏ (7)

تمّت مروءتكم و نا * * * غى‏ (8) عزّكم غلب الجبال‏

____________

(1) بالضم ثم الفتح و نون ثم دال مهملة: بلدة مشهورة بما وراء النهر على نهر سيحون (المراصد).

(2) بالسين المهملة، و الشين المعجمة.

(3) فى الطبرى: و قال سحبان وائل.

(4) و الطبرى: 6- 484.

(5) فى الكامل: فسل.

(6) فى الكامل: العانى.

(7) فى الكامل: حال.

(8) فى ك: و باغى. و المثبت فى الطبرى أيضا.

301

ذكر فتح مدينة كاشغر (1)

و فى سنة [96 ه] ست و تسعين سار قتيبة من مرو و حمل مع الناس عيالاتهم ليضعهم بسمرقند، و مضى إلى فرغانة و بعث جيشا مع كثير ابن فلان إلى كاشغر، فغنم و سبى سبيا، فختم أعناقهم، و أوغل حتى بلغ قرب الصّين، فكتب إليه ملك الصين أن ابعث إلىّ رجلا شريفا يخبرنى عنكم و عن دينكم، فانتخب قتيبة عشرة لهم جمال و ألسنة و بأس و عقل و صلاح‏ (2)، فأمر لهم بعدّة حسنة و متاع حسن من الخزّ و الوشى و غير ذلك، و خيول حسنة، و كان عليهم‏ (3) هبيرة بن مشمرج‏ (4) الكلابى، و قال لهم قتيبة:

إذا دخلتم عليه فأعلموه أنّى قد حلفت أنّى لا أنصرف حتى أطأ بلادهم، و أختم ملوكهم، و أجبى خراجهم.

فساروا [و عليهم هبيرة] (5)، فلما قدموا دعاهم ملك الصين فلبسوا ثيابا بياضا تحتها الغلائل، و تطيّبوا، و لبسوا النّعال و الأردية، و دخلوا عليه و عنده عظماء قومه، فجلسوا فلم يكلّمهم الملك و لا أحد ممن عنده، فنهضوا.

فقال الملك لمن حضره: كيف رأيتم هؤلاء؟ قالوا: رأينا قوما ما هم إلّا نساء. ما بقى منا أحد إلّا انتشر ما عنده.

____________

(1) كاشغر: بالتقاء الساكنين و الشين المعجمة و الغين المعجمة أيضا، و راء:

مدينة و قرى و رساتيق، و هى فى وسط بلاد الترك.

(2) فى ك: و سلاح.

(3) فى ك: منهم.

(4) فى الطبرى: المشمرج.

(5) من الكامل.

302

فلما كان الغد دعاهم فلبسوا الوشى و عمائم الخزّ و المطارف، و غدوا عليه. فلما دخلوا قيل لهم: ارجعوا. و قال لأصحابه: كيف رأيتم هذه الهيئة؟ قالوا: هذه أشبه بهيئة الرجال من تلك.

فلما كان اليوم الثالث دعاهم فلبسوا (1) سلاحهم، و لبسوا البيض و المغافر، و أخذوا السيوف و الرماح و القسىّ، و ركبوا. فنظر إليهم ملك الصين، فرأى مثل الخيل‏ (2)؛ فلما دنوا ركزوا رماحهم، و أقبلوا مشمّرين. فقيل لهم: ارجعوا، فركبوا خيولهم [و أخذوا رماحهم‏] (3)، و دفعوا خيلهم، كأنهم يتطاردون. فقال الملك لأصحابه: كيف ترونهم؟ قالوا: ما رأينا مثل هؤلاء.

فلما أمسى بعث إليهم أن ابعثوا إلىّ زعيمكم، فبعثوا إليه هبيرة ابن مشمرج، فقال له: قد رأيتم عظم ملكى، و أنه ليس أحد يمنعكم منّى، و أنتم فى يدى بمنزلة البيضة فى كفّى. و إنى سائلكم عن أمر، فإن لم تصدقونى قتلتكم. قال: سل. قال: لم صنعتم بزيّكم الأول و الثانى و الثالث [ما صنعتم‏] (4)؟ قال: أما زيّنا الأول فلباسنا فى أهلنا. و أما الثانى فزيّنا إذا أتينا أمراءنا، و أما الثالث فزيّنا لعدوّنا. قال: ما أحسن ما دبّرتم دهركم، فقولوا لصاحبكم ينصرف، فإنى قد عرفت قلّة أصحابه، و إلا بعثت إليكم من يهلككم. قال‏ (5):

____________

(1) فى الطبرى و الكامل: فشدوا.

(2) فى الطبرى، و الكامل: أمثال الجبال مقبلة.

(3) ساقط من ك.

(4) ساقط من ك.

(5) فى الكامل: قالوا.

303

و كيف يكون قليل الأصحاب من أول خيله فى بلادك و آخرها فى منابت الزيتون. و أما تخويفك إيّانا بالقتل فإن لنا آجالا إذا حضرت فأكرمها القتل، و لسنا نكرهه و لا نخافه، و قد حلف صاحبنا ألّا ينصرف حتى يطأ أرضكم، و يختم ملوككم، و تعطى‏ (1) الجزية. قال:

فإنّا نخرجه من يمينه، و نبعث له بتراب من أرضنا، فيطؤه، و نبعث إليه ببعض أبنائنا فيختمهم، و نبعث إليه بجزية يرضاها. فبعث إليه بهديّة و أربعة غلمان من أبناء ملوكهم، و بتراب من أرضه، و أعادهم‏ (2) و أحسن جوائزهم. فقدموا على قتيبة، فقبل ذلك، و وطئ التراب، و ختم الغلمان، وردهم، فقال سوادة بن عبد الملك السّلولى‏ (3):

لا عيب فى الوفد الذين بعثتهم‏ * * * للصّين أن سلكوا طريق المنهج‏

كسروا الجفون على القذى خوف الرّدى‏ * * * حاشا الكريم هبيرة بن مشمرج‏

أدّى رسالتك التى استرعيته‏ (4) * * * فأتاك من حنث اليمين بمخرج‏

هذه غزوات قتيبة و فتوحاته.

و كان قتيبة إذا رجع من غزاته كلّ سنة اشترى اثنى عشر فرسا [من جياد الخيل‏] (5) و اثنى عشر هجينا، فتخدم إلى وقت الغزو، فإذا تأهّب للغزو ضمّرها، و كان يحمل عليها الطلائع، و كان لا يجعل الطلائع إلا فرسان الناس و أشرافهم، و يجعل معه من‏

____________

(1) فى الكامل: و تعطوا.

(2) فى الطبرى: ثم أجازهم فأحسن جوائزهم.

(3) و الطبرى: 6- 503

(4) فى الكامل: استدعيته.

(5) من الطبرى.

304

العجم من يستنصحه. و إذا بعث طليعة أمر بلوح فنقش ثم شقّه نصفين، و جعل شقّة عنده، و أعطى نصفه للطليعة، و يأمرهم أن يدفنوه فى موضع يصفه لهم من شجرة أو مخاضة أو غيرها، ثم يبعث بعد الطّليعة من يستخرجه ليعلم أصدقت الطليعة أم لا.

و لنذكر من الغزوات و الفتوحات فى أيام الوليد خلاف ما ذكرنا:

ذكر فتح السند و قتل ملكها و ما يتّصل بذلك من أخبار العمال عليها

و فى سنة [89 ه] تسع و ثمانين قتل محمد بن القاسم بن محمد ابن الحكم بن أبى عقيل الثقفى داهر (1) بن صصّة ملك السند، و ملك بلاده، و كان الحجاج قد استعمله على ذلك الثّغر و سيّر معه ستة آلاف مقاتل، و جهّزه بجميع ما يحتاج إليه حتى المسالّ و الإبر و الخيوط، فسار [محمد] (2) إلى مكران، و أقام بها أياما. ثم أتى قنّزبور ففتحها ثم سار إلى أرمائيل‏ (3) فقدمها يوم جمعة، و وافته سفن كان حمل فيها السلاح و الرجال و الأداة. فأنزل الناس منازلهم و خندق و نصب عليها منجنيقا يقال له العروس كان يمدّ به خمسمائة رجل، و كان بالدّيبل بدّ (4) عظيم عليه‏

____________

(1) داهر- كهاجر: ملك للديبل قتله محمد بن القاسم الثقفى (القاموس).

و فى ك: ذاهر- تحريف.

(2) من الكامل.

(3) فى ك: ديبل. و أرمائيل- بفتح أوله ثم السكون و همزة مكسورة و باء خالصة ساكنة و لام: مدينة كبيرة بين مكران و الديبل من أرض السند.

(4) البد- بالضم. و فى فتوح البلدان (535): كل شي‏ء أعظموه من طريق العبادة فهو عندهم بد.