نهاية الأرب في فنون الأدب‏ - ج21

- أحمد بن عبد الوهاب النويري‏ المزيد...
557 /
305

دقل عظيم، و على الدّقل راية حمراء إذا هبّت الريح أطافت بالمدينة، و البدّ: صنم فى بناء عظيم بأعلاه منارة عظيمة مرتفعة، و الدّقل فى رأس المنارة. فرمى الدّقل بحجر (1) العروس فكسره فتطيّر الكفّار بذلك و أعظموه، ثم فتحها محمد عنوة بعد قتال، و قتل فيها ثلاثة أيام، و هرب عامل داهر عنها، و أنزلها محمد أربعة آلاف من المسلمين، و بنى جامعها، و سار إلى البيرون‏ (2)، و كان أهلها قد بعثوا إلى الحجّاج و صالحوه، فلقوا محمدا بالميرة، و أدخلوه مدينتهم، ثم سار عنها، و جعل لا يمر بمدينة إلا فتحها حتى عبر نهرا دون مهران فصالحه أهل سربيدس‏ (3)، و وظّف عليهم الخراج، و سار إلى سهبان‏ (4) ففتحها، ثم أتى نهر مهران فنزل به، و بلغ خبره داهرا فاستعدّ لمحاربته. و بعث محمد جيشا إلى سدوسان‏ (5)، فطلب أهلها الأمان و الصلح فأمّنهم، و وظّف عليهم الخراج، ثم عبر نهر مهران مما يلى بلاد راسل‏ (6) الملك على جسر عقده، هذا و داهر مستخفّ به، فلقيه محمد و من معه و هو على فيل، و الفيلة حوله و معه الذكاكرة (7)،

____________

(1) فى فتوح البلدان: و نصب منجنيقا تعرف بالعروس (535).

(2) فى ك: النيروذ. و المثبت فى الكامل، و فتوح البلدان.

(3) فى د: سريندس. و المثبت فى الكامل و فتوح البلدان (536).

(4) فى ك: سهبار. و المثبت فى الكامل و فتوح البلدان (536).

(5) فى الكامل: سدوستان: و المثبت فى الفتوح أيضا.

(6) فى الفتوح: مما يلى بلاد راسل ملك قصة من الهند.

(7) فى الكامل و فتوح البلدان: التكاترة.

306

فاقتتلوا قتالا شديدا، و ترجّل داهر، و قاتل فقتل عند المساء، و انهزم الكفار و قاتلهم المسلمون كيف شاءوا، و قال قائلهم‏ (1):

الخيل تشهد يوم داهر و القنا * * * و محمد بن القاسم بن محمّد

أنّى فرجت الجمع غير معرّد (2) * * * حتى علوت عظيمهم بمهنّد

فتركته تحت العجاج مجندلا (3) * * * متعفّر الخدّين غير موسّد

قال: و لما قتل داهر تغلّب محمد على بلاد السند و فتح راور (4) عنوة، و كان بها امرأة لداهر، فخافت أن تؤخذ فأحرقت نفسها و جواريها و جميع مالها. ثم سار إلى برهمناباذ (5) العتيقة، و كان المنهزمون من الكفّار قد لجئوا إليها، ففتحها عنوة بعد قتال، و قتل بها بشرا كثيرا، و سار يريد الرّور (6) و بغرور، فلقيه أهل ساوندرى‏ (7)، فطلبوا الأمان فأمّنهم و اشترط عليهم ضيافة (8) المسلمين، ثم أسلم أهلها بعد ذلك، ثم تقدم إلى بسمد (9) فصالحه أهلها، و سار إلى الرّور، و هى من مدائن‏

____________

(1) الأبيات فى فتوح البلدان: 537، و الكامل: 4- 111

(2) فى ك: معدد.

(3) فى فتوح البلدان: مجدلا.

(4) بتكرير الراء و فتح الواو: مدينة كبيرة بالسند (ياقوت). و فى ك: زاور تحريف‏

(5) فى ك: ترهمن‏آباذ. و المثبت فى الفتوح أيضا.

(6) فى ك: الدور. و الصواب فى الكامل و ياقوت. و الرور- براءين مهملتين:

ناحية من نواحى الأهواز، و ناحية بالسند تقرب من الملتان و هى على شاطئ نهر مهران (ياقوت).

(7) هذا الضبط فى الفتوح أيضا.

(8) فى الفتوح: ضيافة المسلمين و دلالتهم.

(9) و فتوح البلدان. و فى ك: تمد.

307

السند على جبل، فحاصرهم شهورا فصالحوه، و سار إلى السكة (1) ففتحها، ثم قطع نهر بياس‏ (2) إلى الملتان، فقاتله أهلها و انهزموا، فحصرهم، و جاء إنسان فدلّه على قطع الماء الذى يدخل المدينة، فقطعه فعطشوا و ألقوا بأيديهم، و نزلوا على حكمه، فقتل المقاتلة و سبى الذّريّة و سدنة البدّ، و هم ستة آلاف، و أصابوا ذهبا كثيرا، فجمع فى بيت طوله عشرة أذرع و عرضه ثمانية أذرع يلقى إليه من كوّة فى وسطه، فسمّيت الملتان فرج بيت الذهب، و الفرج: الثغر، و كان بدّ الملتان تهدى إليه الأموال من كل مكان و يحجّ‏ (3) إليه من البلاد، و يحلقون عنده رءوسهم و لحاهم، و يزعمون أنّ صنمه هو أيوب النبى (عليه الصلاة و السلام).

و عظمت فتوحاته، فنظر الحجاج فى النفقة على ذلك الثغر، فكانت ستين ألف ألف درهم، و نظر إلى‏ (4) الذى حمل إليه منه فكان مائة ألف ألف و عشرين ألف ألف، فقال: ربحنا ستين ألف ألف، و أدركنا ثأرنا و رأس داهر.

قال: و استمر محمد بن القاسم بالهند إلى أن مات الحجاج فى سنة [95 ه] خمس و تسعين، فأتاه الخبر و هو بالملتان فرجع إلى الرّور و البغرور (5)، فأعطى الناس، و وجّه إلى البيلمان‏ (6)

____________

(1) فى الفتوح: و هى مدينة دون بياس.

(2) نهر عظيم بالهند مفضاه إلى المولتان (ياقوت).

(3) فى الفتوح: و يحج إليه السند فيطوفون به (538).

(4) فى الكامل: فى.

(5) فى فتوح البلدان: و بغرور.

(6) البيلمان: من بلاد السند و الهند تنسب إليها السيوف البيلمانية (ياقوت).

و فى ك: السلمان.

308

جيشا، فأعطوا الطاعة من غير قتال، و سالمه أهل شرشت‏ (1)، ثم أتى محمد الكيرج، فخرج إليه دوهر فقاتله فانهزم دوهر.

و قيل: بل قتل، فنزل أهل المدينة على حكم محمد، فقتل المقاتلة، و سبى الذريّة؛ فقال شاعرهم:

نحن قتلنا داهرا و دوهرا * * * و الخيل تردى منسرا فمنسرا (2)

قال: و لما مات الوليد بن عبد الملك و ولّى سليمان عزل محمّد بن القاسم عن السند، و استعمل يزيد بن أبى كبشة السكسى على السند، فأخذ محمدا و قيّده و حمله إلى العراق، فقال متمثلا (3):

أضاعونى و أىّ فتى أضاعوا * * * ليوم كريهة و سداد ثغر

فبكى أهل السند.

و لما وصل إلى العراق حبسه صالح بن عبد الرحمن بواسط فقال‏ (4):

فلئن ثويت بواسط و بأرضها * * * رهن الحديد مكبّلا مغلولا

فلرب قينة (5)فارس قد رعتها * * * و لرب قرن قد تركت قتيلا

قال: فعذّبه صالح فى رجال من آل أبى عقيل حتى قتلهم، فقال حمزة بن بيض يرثى محمدا (6):

____________

(1) فى الفتوح: سرست. و فى الكامل: سرشت.

(2) فى ك: ميسرا فميسرا. و المثبت أيضا فى الكامل و فتوح البلدان.

(3) فى اللسان: و أشد العرجى.

(4) الشعر فى فتوح البلدان: 539.

(5) فى الفتوح: فتية.

(6) و الفتوح: 540، و الكامل: 4- 134

309

إن المروءة و السماحة و الندى‏ * * * لمحمد بن القاسم بن محمد

ساس الجيوش لسبع عشرة حجة * * * يا قرب ذلك سؤددا من مولد

قال: و أما يزيد بن أبى كبشة فإنه مات بعد مقدمه إلى السند بثمانية عشر يوما، فاستعمل سليمان على السند حبيب بن المهلب، فقدم السند و قد رجع الملوك إلى ممالكهم، و رجع حيسبة (1) بن داهر إلى برهمناباذ، فنزل حبيب على شاطئ مهران، و حارب قوما فظفر بهم.

ثم مات سليمان، و ولى عمر بن عبد العزيز، فكتب إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام و الطاعة على أن يملكهم، و لهم ما للمسلمين و عليهم ما عليهم، فأسلم حيسبة و الملوك، و تسمّوا بأسماء العرب، و كان عمرو بن مسلم الباهلى عامل عمر على ذلك الثغر، فغزا بعض الهند فظفر بهم، ثم ولّى الجنيد بن عبد الرحمن السند أيام هشام بن عبد الملك، فأتى شطّ مهران فمنعه حيسة بن داهر من العبور، و أرسل إليه: إنى قد أسلمت و ولّانى الرجل الصالح بلادى، و لست أمكنك. فأعطاه رهنا، و أخذ منه رهنا على خراج بلاده، ثم ترادّ الرهون و كفر حيسبة، و حارب.

و قيل: لم يحارب، و إنما الجنيد تجنّى عليه، فأتى الهند، فجمع جموعا و أعدّ السفن، و استعدّ للحرب، فسار إليه الجنيد فى السفن، فالتقوا، فأسر حيسبة فقتله الجنيد، و هرب صصّة بن داهر، و هو

____________

(1) المثبت فى د، ك. و فى الكامل: جيشبة. و فى الفتوح (صفحة 540): حيشبة.

310

يريد أن يمضى إلى العراق فيشكو غدر الجنيد، فلم يزل الجنيد يؤنسه حتى وضع يده فى يده فقتله.

و غزا الجنيد الكيرج؛ و كانوا قد نقضوا، فظفر و دخل المدينة فغنم و سبى، و وجّه العمال إلى المرمد. (1) و المندل و دهنج‏ (2)، و وجّه جيشا إلى أزين‏ (3) فأغاروا عليها، و حرقوا ربضها، و فتح الجنيد البيلمان، و حصل‏ (4) عنده سوى ما حمله‏ (5) أربعون ألف ألف، و حمل مثلها.

و فى أيامه خرج المسلمون عن بلاد الهند. ثم ولى الحكم بن عوام‏ (6) الكلبى، و قد كفر أهل الهند إلّا أهل قصّة (7)، فبنى مدينة سماها المحفوظة، و جعلها مأوى للمسلمين، و كان معه عمرو بن محمد بن القاسم فأغزاه من المحفوظة، فقدم عليه و قد ظهر أمره، فبنى مدينة و سمّاها المنصورة، و استرجع‏ (8) ما كان غلب عليه العدوّ، ثم قتل الحكم، فكان العمال يقاتلون العدوّ، و يفتتحون ما تيسر لهم لضعف الدولة الأموية، ثم جاءت الدولة العباسية فكان من أمر السند ما نذكره إن شاء اللّه تعالى، و إنما ذكرنا أخبار السند هاهنا لتكون متّسقة، فلنرجع إلى تتمّة الغزوات فى أيام الوليد بن عبد الملك:

____________

(1) فى فتوح البلدان: مرمد.

(2) مندل- بالفتح: بلد بالهند (ياقوت). و الدهنج- بفتح أوله و إسكان ثانيه بعده نون مفتوحة و جيم: من بلاد الهند (ياقوت).

(3) فى ك: أرين. و المثبت فى الكامل، و فتوح البلدان (541).

(4) فى ك: و جعل.

(5) فى الفتوح: سوى ما أعطى زواره.

(6) فى فتوح البلدان: عوانة. و المثبت فى ك. و الكامل.

(7) فى ك: فضة. و المثبت فى د، و الكامل، و ياقوت.

(8) فى الكامل: و استخلص.

311

ذكر الغزوات الى بلاد الروم و ما فتح منها و غزوات الصوائف على حكم السنين‏

فى سنة [86 ه] ست و ثمانين غزا مسلمة بن عبد الملك [أرض‏] (1) الروم. و غزا أيضا فى سنة [87 ه] سبع و ثمانين، فقتل منهم عددا كثيرا بسوسنة من ناحية المصّيصة (2) و فتح حصونا.

و قيل: إن الذى غزا فى هذه السنة هشام بن عبد الملك، ففتح حصن بولق، و حصن الأخرم، و حصن بولس و قمقم، و قتل من المستعربة نحوا من ألف مقاتل، و سبى ذرّيّتهم و نساءهم. و اللّه أعلم.

ذكر فتح طوانة (3) و غيرها من بلد الروم‏

و فى سنة [88 ه] ثمان و ثمانين غزا مسلمة بن عبد الملك و العباس ابن الوليد بلد الروم، و كان الوليد قد كتب إلى صاحب أرمينية يأمره أن يكتب إلى ملك الروم يعرّفه أنّ الخزر و غيرهم من ملوك جبال أرمينية قد أجمعوا على قصد بلاده ففعلوا ذلك، و قطع الوليد البعث على أهل الشام إلى أرمينية، فتجهّزوا، و ساروا نحو الجزيرة، ثم عطفوا منها إلى بلاد الروم فاقتتلوا هم و الروم، فانهزم الروم، ثم رجعوا فانهزم المسلمون، و بقى العباس فى نفر، فنادى:

يأهل القرآن؛ فأقبلوا جميعا، فهزم اللّه الرّوم حتى دخلوا طوانة (4)، و حصرهم المسلمون و فتحوها فى جمادى الأولى منها.

____________

(1) زيادة فى د.

(2) المصيصة- بالفتح ثم الكسر و التشديد و ياء ساكنة و صاد أخرى. كذا ضبطه الأزهرى، و غيره من اللغويين بتشديد الصاد الأولى. و تفرد الجوهرى و خاله الفارابى بأن قالا: المصيصة بتخفيف الصادين. و الأول أصح.

(3) طوانة- يضم الطاء و بعد الألف نون: بلد بثغور المصيصة.

(4) طوانة- يضم الطاء و بعد الألف نون: بلد بثغور المصيصة.

312

ثم غزا مسلمة [و العباس‏] (1) الروم فى سنة [89 ه] تسع و ثمانين، فافتح مسلمة حصن‏ (2) سورية، و افتتح العباس أذرولية (3)، و لقى من الروم جمعا فهزمهم‏ (4).

و قيل: إن مسلمة قصد عمّورية، فلقى بها جمعا كثيرا من الروم فهزمهم و افتتح هرقلية (5) و قمولية (6). و غزا العباس الصائفة من ناحية البدندون‏ (7)، و غزا مسلمة الترك من ناحية أذربيجان، ففتح حصونا و مدائن هناك، و ذلك فى سنة [89 ه] تسع و ثمانين أيضا.

و غزا مسلمة الروم فى سنة [90 ه] تسعين، ففتح الحصون الخمسة التى بسورية.

و غزا العباس حتى بلغ أرزن‏ (8) و بلغ سورية.

و فى سنة [91 ه] إحدى و تسعين غزا عبد العزيز بن الوليد الصّائفة، و كان على ذلك الجيش مسلمة بن عبد الملك.

و غزا مسلمة الترك فى هذه السنة من ناحية أذربيجان حتى بلغ الباب، و فتح مدائن و حصونا، و نصب عليها المجانيق. و غزا مسلمة أرض الروم فى سنة [92 ه] اثنتين و تسعين، ففتح حصونا ثلاثة، و جلا أهل سوسنة إلى بلاد الروم.

____________

(1) ساقط من د.

(2) فى الكامل: عمورية. و فى البداية و النهاية: سورية و عمورية.

(3) و الكامل، و الطبرى. و فى ياقوت، و البكرى، و فتوح البلدان: درولية.

(4) فى ك: فهزموهم.

(5) فى الطبرى: هرقلة.

(6) فى الطبرى: قمودية. و فى الكامل: قمونية.

(7) الضبط فى الطبرى. و فى الكامل: البذندون. و فى ك: التدندون.

(8) أرزن: مدينة مشهورة قرب خلاط، و لها قلعة حصينة. و كانت من أعمر نواحى أرمينية. و أرزن الروم: بلدة أخرى من بلاد أرمينية (ياقوت).

313

و فيها كان فتح الأندلس على يد طارق بن زياد مولى موسى بن نصير على ما نذكر ذلك إن شاء اللّه فى أخبار المغرب، و غزيت جزيرة سردانية و سنذكر ذلك [أيضا] (1) إن شاء اللّه.

و غزا العباس الروم فى سنة [93] ثلاث و تسعين، ففتح سبسطية (2) المرزبانيين.

و غزا مروان بن الوليد الروم فبلغ خنجرة (3)، و غزا مسلمة ففتح ماسية (4) و حصن الحديد. و غزالة من ناحية ملطية.

و غزا العباس بن الوليد الروم ففتح أنطاكية فى سنة [94 ه] أربع و تسعين. و غزا العباس فى سنة [95 ه] خمس و تسعين، ففتح هرقلة و غيرها، و فيها قتل الوضّاحى بأرض الروم و نحو ألف رجل معه.

انتهت الغزوات فى أيام الوليد بن عبد الملك. فلنذكر خلاف ذلك من الحوادث على حكم السنين:

ذكر الحوادث الكائنة فى أيام الوليد بن عبد الملك خلاف ما قدمناه‏

سنة (86 ه) ست و ثمانين:

فى هذه السنة حبس الحجاج بن يوسف يزيد بن المهلب بن أبى صفرة، و عزل حبيب بن المهلب عن كرمان و عبد الملك عن شرطته.

____________

(1) زيادة فى د.

(2) هذا مع الضبط فى ك. و فى ياقوت: هى مدينة قرب سميساط. و فى الطبرى:

سمسطية.

(3) خنجرة: ناحية من بلاد الروم (ياقوت).

(4) فى الطبرى: ماسة. و فى الكامل: ماسيسة.

314

و حجّ بالناس هشام بن إسماعيل المخزومى.

سنة (87 ه) سبع و ثمانين:

فى هذه السنة عزل الوليد بن عبد الملك هشام بن إسماعيل عن المدينة لسبع ليال خلون من شهر ربيع الأول، و استعمل عمر بن عبد العزيز، فقدمها فى الشهر، و ثقله على ثلاثين بعيرا، فنزل دار مروان، و أحسن السيرة فى الناس، و استعان بفقهاء المدينة، و حرّضهم على أن يبلّغوه ما يبلغهم من أخبار عمّاله، و أن يعينوه على الحقّ، و قال: إنى أريد ألّا أقطع أمرا دونكم.

و حج عمر بالناس فى هذه السنة، و كان على قضاء المدينة أبو بكر ابن عمرو بن حزم، و على قضاء البصرة عبد اللّه بن أذينة، و على قضاء الكوفة أبو بكر بن أبى موسى الأشعرى (رضى اللّه عنهم).

سنة (88 ه) ثمان و ثمانين:

ذكر عمارة مسجد النبى صلى اللّه عليه و سلّم و الزيادة فيه‏

فى هذه السنة كتب الوليد إلى عمر بن عبد العزيز فى شهر ربيع الأول يأمره بإدخال حجر أزواج النبىّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) فى المسجد، و أن يشترى ما فى نواحيه حتى يكون مائتى‏ (1) ذراع، و يقول له:

قدّم القبلة إن قدرت، و أنت تقدر لمكان أخوالك؛ فإنهم لا يخالفونك، فمن أبى منهم فقوّموا ملكه قيمة عدل، و اهدم عليهم، و ادفع الأثمان إليهم، فإنّ لك فى عمر و عثمان (رضى اللّه عنهما) أسوة.

فأحضرهم عمر و أقرأهم الكتاب، فأجابوا إلى أخذ الثمن؛

____________

(1) فى الكامل: فى مائتى ذراع.

315

فأعطاهم إياه، و هدم الحجر، و أرسل الوليد الفعلة من الشام، و بعث إلى ملك الروم يعلمه أنه قد هدم مسجد النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) ليعمره، فبعث إليه الروم مائة ألف مثقال من ذهب و مائة عامل، و بعث إليه من الفسيفساء بأربعين جملا. فبعث الوليد بذلك إلى عمر بن عبد العزيز، و حضر عمر و معه الناس، فوضعوا أساسه.

و كتب الوليد إلى عمر بن عبد العزيز فى تسهيل البناء و حفر الآبار، و أمره أن يعمل الفوّارة بالمدينة، فعملها و أجرى ماءها، و كتب إلى البلدان جميعها بإصلاح الطّرق و عمل الآبار.

و فيها منع الوليد المجذّمين من الخروج على الناس، و أجرى لهم الأرزاق.

و حجّ بالناس عمر بن عبد العزيز، و وصل جماعة من قريش، و ساق معه بدنا، و أحرم من ذى الحليفة، فلما كان بالتّنعيم أخبر أنّ مكّة قليلة الماء، و أنهم يخافون على الحاجّ العطش. فقال عمر:

تعالوا ندعو اللّه تعالى؛ فدعا و دعا معه الناس، فما وصلوا إلى البيت إلّا مع المطر، و سال الوادى، فخاف أهل مكّة من شدّته، و مطرت عرفة و مكة، و كثر الخصب. و قيل: إنما حجّ هذه السنة عمر بن الوليد [و اللّه أعلم‏ (1)].

____________

(1) زيادة فى د.

316

سنة (89 ه) تسع و ثمانين:

ذكر ولاية خالد بن عبد اللّه القسرى مكة و ما خطب الناس [به‏] (1) و قاله‏

و فى هذه السنة ولى خالد بن عبد اللّه القسرى، فخطب أهلها فقال:

أيها الناس، أيهما أعظم، أ خليفة الرجل على أهله أو رسوله إليهم؟ و اللّه لو لم تعلموا من فضل الخليفة إلّا أنّ إبراهيم خليل الرحمن (عليه الصلاة و السلام) استسقاه فسقاه ملحا أجاجا، و استسقاه الخليفة فسقاه عذبا فراتا، يعنى بالملح زمزم، و بالماء الفرات بئرا حفرها الوليد بثنية طوى فى ثنية الحجون، فكان ماؤها عذبا، و كان ينقل ماءها و يضعه فى حوض إلى جنب زمزم ليعرف فضله على زمزم، فغارت البئر و ذهب ماؤها.

و قيل: كانت ولاية خالد فى سنة [91 ه] إحدى و تسعين. و قيل سنة أربع.

و حج بالناس فى هذه السنة عمر بن عبد العزيز.

سنة (90 ه) تسعين:

ذكر هرب يزيد بن المهلب و إخوته من سجن الحجاج‏

فى هذه السنة هرب يزيد بن المهلب و إخوته، و كان الحجاج قد خرج إلى رستقباذ (2) للبعث، لأنّ الأكراد كانوا قد غلبوا على فارس، و أخرج معه يزيد بن المهلب و إخوته، و جعل عليهم مثل الخندق، و جعلهم فى فسطاط قريب منه، و جعل عليهم الحرس من أهل‏

____________

(1) زيادة فى د.

(2) الضبط فى ياقوت. و هى موضع من أرض دستوا: بلدة فى فارس.

و قيل: بالأهواز.

317

الشام، و طلب منهم ستة آلاف ألف، و عذّبهم؛ فكان يزيد يصبر صبرا حسنا، فكان ذلك مما يغيظ الحجاج، فقيل له: إنه رمى فى ساقه بنشّابة فثبت نصلها فيه فهو لا يمسّها شي‏ء إلّا صاح، فأمر أن يعذّب فى ساقه، فعذب، فصاح، فسمعته أخته هند، و كانت عند الحجاج فصاحت، فطلقها الحجاج، ثم كفّ عنهم و جعل يستأدى‏ (1) منهم المال، فصنع يزيد للحرس طعاما كثيرا و أمر لهم بشراب، فسقوا، و اشتغلوا (2)، فلبس يزيد ثياب طبّاخه و خرج، و قد جعل له لحية بيضاء، فرآه بعض الحرس، فقال: كأنّ هذه مشية يزيد، فلحقه فرأى لحيته بيضاء، فتركه، و عاد و خرج المفضّل و لم يفطن له، و كذلك عبد الملك، فجاءوا إلى سفن معدّة فركبوها، و ساروا ليلتهم.

و لما أصبح الحجاج و علم بهم الحرس رفعوا أمرهم إليه ففزع، و ظن أنهم قصدوا (3) خراسان لفتنة، فبعث إلى قتيبة يأمره بالجدّ و الاحتياط.

و لما دنا يزيد و إخوته من البطائح استقبلتهم خيل قد ضمّرت و أعدّت لهم، فركبوها و معهم دليل من كلب، فأخذوا على السّماوة إلى الشام، فأتى الحجاج الخبر، فكتب إلى الوليد يعلمه. و سار يزيد حتى قدم فلسطين، فنزل على وهيب بن عبد الرحمن الأزدى، و كان كريما على سليمان بن عبد الملك، فجاء وهيب إلى سليمان فأعلمه بحال يزيد و إخوته، و أنهم قد استعاذوا به من الحجاج. قال: فأتنى‏

____________

(1) فى الطبرى: يستأديهم.

(2) فى الطبرى: فكانوا متشاغلين.

(3) فى د: يقصدون. و فى الكامل: يفسدون.

318

بهم، فإنهم آمنون لا يوصل‏ (1) إليهم و أنا حىّ. فجاء بهم إليه فكانوا عنده فى مكان آمن.

و كتب الحجاج إلى الوليد: إنّ آل المهلب خانوا مال‏ (2) اللّه و هربوا منّى، و لحقوا بسليمان.

فلما علم أنهم عند أخيه سكن بعض ما به، و كتب إليه سليمان:

إنّ يزيد عندى و قد أمّنته، و إنما عليه ثلاثة آلاف ألف، لأن الحجاج أغرمه ثلاثة آلاف ألف، و الذى بقى عليه أنا أؤدّيه.

فكتب الوليد: و اللّه لا أؤمّنه حتى تبعث به إلىّ ...

فكتب سليمان: لئن بعثت به إليك لأجيئنّ معه.

فكتب إليه: و اللّه لئن جئتنى لا أؤمنه. فقال يزيد بن المهلّب:

أرسلنى إليه، فو اللّه ما أحبّ أن أوقع بينك و بينه عداوة، و اكتب معى بألطف ما قدرت عليه. فأرسله، و أرسل معه ابنه أيوب.

و كان الوليد قد أمره أن يبعث به مقيّدا. فقال سليمان لابنه: إذا دخلت على أمير المؤمنين فادخل أنت و يزيد فى سلسلة. ففعل ذلك، فلما رأى الوليد ابن أخيه فى سلسلة قال: لقد بلغنا من سليمان.

و دفع أيوب كتاب أبيه إلى عمّه، و قال: يا أمير المؤمنين، لا تخفر ذمّة أبى، و أنت أحقّ من منعها، و لا تقطع منّا رجاء من رجا السلامة فى جوارنا لمكاننا منك، و لا تذل من رجا العزّ فى الانقطاع إلينا لعزّنا بك.

____________

(1) فى الكامل: لا يتوصل.

(2) فى الكامل: أمان اللّه.

319

فقرأ الوليد كتاب سليمان فإذا هو يستعطفه و يشفع فيه، و يضمن إيصال المال.

فقال: لقد شققنا على سليمان.

و تكلم يزيد و اعتذر، فأمّنه الوليد، و ردّه إلى سليمان، و كتب إلى الحجاج: إنى لم أصل إلى يزيد و أهله لمكانهم من سليمان، فاكفف عنهم، و كان أبو عيينة بن المهلّب عند الحجاج عليه ألف ألف، فتركها له، و كفّ عن حبيب بن المهلب، و كان يعذّب بالبصرة، و أقام يزيد عند سليمان فى أرغد عيش، و كان لا تصل إليه هديّة إلّا بعث بنصفها إلى يزيد، و لا تعجبه جارية إلا بعث بها إليه، و كان يزيد إذا أتته هدية بعث بها إلى سليمان.

و فى هذه السنة استعمل الوليد قرّة بن شريك على مصر، و عزل أخاه عبد اللّه عنها.

و فيها أسرت الروم خالد بن كيسان صاحب البحر، فأهداه ملكهم إلى الوليد.

و حج بالناس عمر بن عبد العزيز.

و فيها مات أنس بن مالك (رضى اللّه عنه) الأنصارى. و قيل: سنة [92 ه] اثنتين و تسعين، و كان عمره ستّا و تسعين سنة، و قيل مائة و ست سنين.

سنة (91 ه) احدى و تسعين:

فى هذه السنة حجّ الوليد بن عبد الملك بالناس، فلما قدم المدينة دخل المسجد ينظر إلى بنائه، فأخرج الناس منه، و لم يبق‏

320

غير سعيد بن المسيّب، لم يجسر (1) أحد من الحرس أن يخرجه، فقيل له [(رضى اللّه عنه)‏] (2): لو قمت. فقال: لا أقوم حتى يأتى الوقت الذى كنت أقوم فيه. قيل له: فلو سلّمت على أمير المؤمنين.

قال: لا، و اللّه لا أقوم إليه. قال عمر بن عبد العزيز: فجعلت أعدل بالوليد فى ناحية المسجد لئلا يراه، فالتفت الوليد إلى القبلة.

فقال: من ذلك الشيخ: أ هو سعيد؟ قلت: نعم. و من حاله كذا و كذا، و لو علم بمكانك لقام فسلّم عليك.

فقال الوليد: قد علمت حاله، نحن‏ (3) نأتيه، فأتاه فقال: كيف أنت أيها الشيخ؟ فو اللّه ما تحرّك سعيد. فقال: بخير و الحمد للّه؛ فكيف أمير المؤمنين؟ و كيف حاله؟ فانصرف و هو يقول: هذا بقيّة الناس. و قسم الوليد بالمدينة رقيقا (4) كثيرا و آنية من ذهب و فضة و أموالا، و صلّى بالمدينة الجمعة، و خطب الخطبة الأولى جالسا و الثانية قائما.

و فيها عزل الوليد عامله محمد بن مروان عن الجزيرة و أرمينية.

و استعمل عليها أخاه مسلمة بن عبد الملك، فغزا الترك كما تقدم.

سنة (92 ه) اثنتين و تسعين:

فى هذه السنة حجّ بالناس عمر بن عبد العزيز و هو على المدينة و كان من الغزوات و الفتوحات ما تقدم ذكره.

____________

(1) فى الطبرى: ما يجترئ.

(2) ليس فى د.

(3) فى د: و نحن.

(4) فى الكامل: دقيفا. و المثبت فى الطبرى أيضا.

321

سنة (93 ه) ثلاث و تسعين:

ذكر عزل عمر بن عبد العزيز

فى هذه السنة عزل الوليد عمر بن عبد العزيز عن الحجاز و المدينة، و كان سبب ذلك أنّ عمر كتب إلى الوليد يخبره بعسف لحجّاج و ظلمه، فبلغ ذلك الحجاج، فكتب إلى الوليد: إن من عندى من المرّاق‏ (1) و أهل الشقاق قد جلوا عن العراق و لحقوا بالمدينة و مكة، و إن ذلك وهن.

فكتب إليه الوليد يستشيره فيمن يولّيه المدينة و مكة، فأشار بخالد بن عبد اللّه القسرى و عثمان بن حيّان، فولى خالدا مكة و عثمان المدينة، فلما قدم خالد مكة أخرج من بها من أهل العراق كرها، و تهدّد من أنزل عراقيّا أو أجره دارا. و قيل: كان ذلك قبل هذا التاريخ. و اللّه أعلم.

و فيها كتب الوليد إلى عمر قبل عزله يأمره أن يضرب خبيب‏ (2) ابن عبد اللّه بن الزّبير، و يصب على رأسه ماء باردا، فضربه خمسين سوطا. و صبّ على رأسه ماء باردا فى يوم شات، و وقفه على باب المسجد، فمات من يومه.

و حج بالناس عبد العزيز بن الوليد.

____________

(1) فى الطبرى: من مراق أهل المدينة.

(2) بضم الخاء المعجمة و باءين موحدتين بينهما ياء تحتها نقطتان (الكامل:

4- 29).

322

سنة (94 ه) أربع و تسعين:

ذكر مقتل سعيد بن جبير

[(رضى اللّه عنه)‏] (1) فى هذه السنة قتل الحجاج بن يوسف سعيد بن جبير، و هو أبو عبد اللّه سعيد بن جبير بن هشام الأسدى مولى بنى والية:

بطن من بنى أسد بن خزيمة.

و كان سبب قتله خروجه مع عبد الرحمن بن [محمد بن‏] (2) الأشعث، و كان الحجاج قد جعله على عطاء الجند حين وجه عبد الرحمن لقتال رتبيل، فلما خلع عبد الرحمن الحجاج و عبد الملك كان سعيد ممن خلع؛ فلما هزم عبد الرحمن هرب سعيد إلى أصبهان، فكتب الحجاج إلى عاملها يأمره بإرساله، فتحرّج العامل من ذلك، و أرسل إلى سعيد يعرّفه أن يفارق البلد، فخرج إلى أذربيجان ثم خرج إلى مكة، فكان بها حتى قدم خالد بن عبد اللّه مكة، و أخرج أهل العراق إلى الحجّاج، فأخذ سعيد فيمن أخذ، و سيره إلى الحجاج مع حرسيّين، فانطلق أحدهما لحاجته فى بعض الطريق و بقى الآخر فنام و استيقظ. فقال لسعيد: إنى أبرأ إلى اللّه من دمك، إنى رأيت فى منامى قائلا يقول لى: ويلك! تبرأ إلى اللّه من دم سعيد بن جبير، فاذهب حيث شئت، فإنى لا أطلبك، فأبى سعيد ذلك، و رأى الحرسىّ ذلك ثلاث مرات و هو يكرّر القول على سعيد فى الذهاب فلا يفعل. ثم قدم الكوفة فأدخل على الحجاج، فلما رآه قال: لعن اللّه ابن النصرانية- يعنى خالد بن عبد اللّه،

____________

(1) ساقط فى د.

(2) من الكامل و الطبرى.

323

أ ما كنت أعرف مكانه، بلى و اللّه و البيت الذى كان فيه بمكة. ثم أقبل عليه و قال: يا سعيد، أ لم أشركك فى أمانتى‏ (1)؟ أ لم أستعملك؟

قال: بلى. قال: فما أخرجك علىّ؟ قال: إنما أنا امرؤ من المسلمين يخطئ مرّة و يصيب مرة. فطابت نفس الحجاج، ثم عاوده فى شي‏ء، فقال: إنما كانت بيعته‏ (2) فى عنقى. فغضب الحجاج و انتفخ. و قال: يا سعيد، أ لم أقدم مكة فقتلت ابن الزبير و أخذت بيعة أهلها، و أخذت بيعتك لأمير المؤمنين [عبد الملك‏] (3)؟

قال: بلى. قال: ثم قدمت الكوفة واليا فجدّدت البيعة فأخذت بيعتك ثانيا؟ قال: بلى. قال: فنكثت بيعتين لأمير المؤمنين، و توفى بواحدة للحائك ابن الحائك، و اللّه لأقتلنّك. قال: إنى إذا لسعيد كما سمّتنى أمى، فأمر به فضربت رقبته. فلما سقط رأسه هلل ثلاثا؛ أفصح بمرّة (4) و لم يفصح بمرّتين، و التبس عقل الحجاج فجعل يقول: قيودنا قيودنا، فظنوا أنه يريد القيود، فعطفوا (5) رجلى سعيد من أنصاف ساقيه و أخذوا القيود.

و كان الحجاج إذا نام يراه فى منامه يأخذ بمجامع ثوبه، فيقول:

يا عدوّ اللّه، فيم قتلتنى، فيقول: ما لى و لسعيد بن جبير! ما لى و لسعيد بن جبير! يكررها.

____________

(1) فى الكامل: إمامتى.

(2) فى د، و الكامل: بيعة.

(3) زيادة فى د.

(4) فى ك: مرة.

(5) فى د: فقطعوا.

324

و فيها كانت الزلازل بالشام فدامت أربعين يوما، فخربت البلاد، و كان معظم‏ (1) ذلك بأنطاكية.

ذكر وفاة زين العابدين على بن الحسين‏

ابن على بن أبى طالب (رضى اللّه عنهم) و نبذة من أخباره كانت وفاته بالمدينة فى أول سنة [94 ه] أربع و تسعين. و قيل فى سنة اثنتين. و قيل سنة ثلاث. و قيل سنة تسع و تسعين. و قيل سنة مائة. حكى هذا الاختلاف أبو القاسم بن عساكر فى تاريخ دمشق، و اقتصر ابن الأثير الجزرى على سنة أربع و تسعين دون غيرها.

و كان (رحمه الله) يكنى أبا عبد اللّه، و يقال أبو محمد، و يقال أبو الحسن، و يقال أبو الحسين زين العابدين. و مولده سنة [33 ه] ثلاث و ثلاثين، و أمه أمّ ولد اسمها غزالة [خلف عليها بعد الحسين زييد مولى الحسين، فولدت له عبد اللّه بن زييد.

و قال إسماعيل بن موسى السّدّى: عبد الرحمن بن حبيب أخو علىّ ابن الحسين لأبيه‏] (2)، و كان (رحمه الله) ثقة ورعا مأمونا كثير الحديث من أفضل أهل بيته و أحسنهم طاعة.

حكى أبو القاسم بن عساكر فى تاريخه عن الزهرى، قال:

شهدت علىّ بن الحسين يوم حمله عبد الملك بن مروان من المدينة إلى الشام، فأوثقه حديدا، و وكل به حفّاظا فاستأذنتهم‏ (3) فى التسليم عليه و التوديع له فأذنوا لى فدخلت عليه، و هو فى قبّة

____________

(1) فى الكامل: عظم.

(2) من د.

(3) فى ك: فاستأذنهم.

325

و القيود فى رجليه و الغلّ فى يديه، فسكنت‏ (1) و قلت: وددت أنى مكانك و أنت سليم. فقال: يا زهريّ، أو تظنّ هذا مما ترى علىّ و فى عنقى. أما إنى لو شئت ما كان. ثم أخرج يديه من الغلّ و رجليه من القيد.

ثم قال: يا زهريّ، جزت معهم على هذا منزلتين من المدينة.

فما لبثنا إلا أربع ليال حتى قدم الموكّلون به يطلبونه بالمدينة، فما وجدوه، فكنت فيمن سألهم عنه، فقال لى بعضهم: إنا نراه متبوعا، إنه لنازل- و نحن حوله لا ننام نرصده- إذ أصبحنا، فما وجدنا إلا حديده.

قال الزهرى: فقدمت بعد ذلك على عبد الملك فسألنى عن علىّ ابن الحسين، فأخبرته، فقال لى: إنه قد جاءنى فى يوم فقده الأعوان، فدخل علىّ، فقال: أنا و أنت! فقلت: أقم عندى.

فقال: لا أحبّ، فخرج، فو اللّه لقد امتلأ ثوبى منه خيفة.

فقال الزهرى: فقلت: يا أمير المؤمنين، ليس علىّ بن الحسين حيث تظنّ، إنه لمشغول بنفسه. فقال: نعم.

و قيل: وقع حريق بالمدينة فى بيت فيه علىّ بن الحسين، فجعلوا يقولون: يا ابن رسول اللّه، النار! فما رفع رأسه حتى أطفئت، فقيل له: ما الذى ألهاك عنها؟ قال: ألهانى عنها النار الأخرى ..

و قيل: كان إذا مشى لا تجاوز يده فخذيه، و لا يخطر بيده.

و كان إذا قام إلى الصلاة أخذته رعدة، فقيل له: مالك؟ فقال:

ما تدرون بين يدى من أقوم و من أناجى.

____________

(1) فى د: فبكيت.

326

قيل: و كان إذا توضّأ اصفرّ فيقول له أهله: ما هذا الذى يعتادك عند الوضوء؟ فيقول: تدرون بين يدى من أريد أقوم؟

و عن سفيان بن عيينة قال: حجّ على بن الحسين، فلما أحرم و استوت به راحلته اصفرّ لونه و انتفض، و وقع عليه الرعدة، و لم يستطع أن يلبّى. فقيل له: ما لك لا تلبّى؟ فقال: أخشى أن أقول لبّيك، فيقول لى: لا لبّيك. فقيل له: لا بدّ من هذا. فلما لبّى غشى عليه، و سقط من راحلته، فلم يزل يعتريه ذلك حتى قضى حجّه.

و قيل: كان (رضى اللّه عنه) يصلّى فى كلّ يوم و ليلة ألف ركعة إلى أن مات (رضى اللّه عنه).

و كان يسمّى بالمدينة زين العابدين لعبادته. و قيل: إنه قاسم اللّه ماله مرّتين، و كان يحمل الخبز بالليل على ظهره يتبع به المساكين فى ظلمة الليل، و يقول: إن الصّدقة فى ظلمة الليل تطفئ غضب الرّبّ.

و أعتق غلاما أعطاه به عبد اللّه بن جعفر عشرة آلاف درهم و ألف دينار. قيل: و سكبت جارية عليه الماء ليتهيّأ للصلاة، فسقط الإبريق من يدها على وجهه، فشجّه، فرفع رأسه إليها، فقالت: إن اللّه عزّ و جل يقول‏ (1):

«وَ الْكاظِمِينَ الْغَيْظَ». قال: قد كظمت غيظى. قالت‏ (2):

«وَ الْعافِينَ عَنِ النَّاسِ». قال: قد عفا اللّه عنك. قالت‏ (3): وَ اللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ»*. قال: اذهبى فأنت حرّة.

____________

(1) سورة آل عمران، آية 134.

(2) سورة آل عمران، آية 134.

(3) سورة آل عمران، آية 134.

327

قيل‏ (1): و أذنب له غلام ذنبا استحقّ منه العقوبة، فأخذ السّوط.

فقال الغلام: «قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام اللّه»، و ما أنا كذلك، إنى لأرجو رحمة اللّه، و أخاف عذابه، فألقى السّوط، و قال: أنت عتيق.

و قيل: حجّ هشام بن عبد الملك فى زمن عبد الملك أو فى زمن الوليد، فلما طاف جهد أن يستلم الحجر فلم يطق لزحام الناس عليه، فنصب له منبر، و جلس ينظر إلى الناس، إذ أقبل علىّ بن الحسين (رضى اللّه عنه) من أحسن الناس وجها و أطيبهم ريحا، فطاف بالبيت، فكان كلما بلغ الحجر تنحّى الناس له حتى يستلمه. فقال رجل من أهل الشام: من هذا الذى قد هابه الناس هذه المهابة؟ فقال هشام:

لا أعرفه- مخافة أن يرغب الناس فيه، و كان حوله وجوه أهل الشام، و الفرزدق الشاعر، فقال الفرزدق: لكننى أنا أعرفه، فقال أهل الشام: من هذا يا أبا فراس؟ فزبره هشام، و قال:

لا أعرفه. فقال الفرزدق: بل تعرفه، ثم أنشد مشيرا إليه‏ (2):

[هذا سليل حسين و ابن فاطمة * * * بنت الرسول الذى انجابت به الظّلم‏] (3)

هذا الذى تعرف البطحاء وطأته‏ * * * و البيت يعرفه و الحلّ و الحرم‏

هذا ابن خير عباد اللّه كلّهمو * * * هذا النّقى التّقىّ الطاهر العلم‏

____________

(1) و الأغانى: 14- 75، و المحاسن و المساوئ: 231

(2) و الأغانى: 14- 75، و المحاسن و المساوئ: 231

(3) زيادة فى د.

328

إذا رأته قريش قال قائلها * * * إلى مكارم هذا ينتهى الكرم‏

يرقى‏ (1)إلى ذروة العزّ الذى قصرت‏ * * * عن نيلها عرب الإسلام‏ (2) و العجم‏

يكاد يمسكه عرفان راحته‏ * * * ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم‏

يغضى حياء و يغضى من مهابته‏ * * * فلا يكلّم إلا حين يبتسم‏

بكفّه خيزران ريحها عبق‏ * * * من كفّ أروع فى عرنينه شمم‏

من جدّه دان فضل الأنبياء له‏ * * * و فضل أمته دانت له‏ (3) الأمم‏

ينشقّ نور الهدى عن نور غرّته‏ * * * كالشمس تنجاب عن إشراقها الظّلم‏ (4)

مشتقة من رسول اللّه نبعته‏ * * * طابت عناصرها و الخيم و الشّيم‏

هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله‏ * * * بجدّه أنبياء اللّه قد ختموا

____________

(1) فى د: بنمى.

(2) فى د: الأقوام.

(3) فى ك: لها.

(4) فى هامش د: نسخة: القتم.

329

اللّه شرّفه قدما و فضّله‏ * * * جرى بذاك له فى لوحه القلم‏

[فليس قولك من هذا بضائره‏ * * * العرب تعرف من أنكرت و العجم‏] (1)

كلتا يديه غياث عمّ نفعهما * * * يستو كفان و لا يعروهما عدم‏ (2)

حمّال أثقال أقوام إذا فدحوا * * * حلو الشمائل تحلو عنده نعم‏

لا يخلف الوعد ميمون نقيبته‏ * * * رحب الفناء أريب حين يعتزم‏

من معشر حبّهم دين و بغضهمو * * * كفر و قربهمو منجى و معتصم‏

إن عدّ أهل التّقى كانوا أئمتهم‏ * * * أو قيل من خير أهل الأرض قيل همو

لا يستطيع جواد بعد غايتهم‏ * * * و لا يدانيهم قوم و إن كرموا

هم الغيوث إذا ما أزمة أزمت‏ * * * و الأسد أسد الشّرى و البأس محتدم‏

____________

(1) زيادة فى د.

(2) فى هامش د: حاشية:

عم البرية بالإحسان فانقشعت‏ * * * عنه الغيانة و الإملاق و العدم‏

سهل الخليقة لا تخشى بوادره‏ * * * يزينه اثنان: حسن الخلق و الكرم‏

330

لا ينقص العسر بسطا من أكفّهم‏ * * * سيّان ذلك إن أثروا و إن عدموا

يستدفع السوء و البلوى بحبّهمو * * * و يستردّ به الإحسان و النعم‏

مقدّم بعد ذكر اللّه ذكرهمو * * * فى كل أمر و مختوم به الكلم‏

يأبى لهم أن يحلّ الذّلّ‏ (1)ساحتهم‏ * * * خيم كريم و أيد بالندى هضم‏

أىّ الخلائق ليست فى رقابهمو * * * لأوّليّة هذا أو له نعم‏

من يشكر اللّه يشكر أوليّة ذا * * * فالدّين من بيت هذا بابه الأمم‏

قال: فغضب هشام لذلك و تنغّص عليه يومه، و أمر بحبس الفرزدق بعسفان بين مكة و المدينة، و بلغ ذلك علىّ بن الحسين (رضى اللّه عنه)، فبعث إليه باثنى عشر ألف درهم، و قال: اعذر أبا فراس، لو كان عندنا أكثر من هذا لوصلناك بها، فردّها الفرزدق، و قال: ما قلت الذى قلت إلّا غضبا للّه و لرسوله، و ما كنت لأرزأ عليها شيئا، فردّها عليه، و قال: بحقّى عليك إلا قبلتها، فقد علمت أنّا أهل بيت إذا أنفذنا أمرا لا نرجع فيه،

____________

(1) فى د: الذم.

331

و قد رأى اللّه مكانك، و علم نيّتك، و الجزاء عليه تعالى. فقبلها.

و جعل الفرزدق يهجو هشاما، فكان مما هجاه به‏ (1):

أ تحبسنى‏ (2)بين المدينة و التى‏ * * * إليها قلوب الناس يهوى منيبها

يقلّب رأسا لم يكن رأس سيّد * * * و عينين حولاوين باد عيوبها

و كان على بن الحسين يقول: لقد استرقّك بالودّ من سبقك بالشكر.

و لما حضرته الوفاة أوصى ألّا يؤذنوا به أحدا، و أن يكفّن فى قطن، و لا يجعلوا فى حنوطه مسكا، و دفن بالبقيع (رحمه الله) و رضى عنه.

و مات أيضا فى هذه السنة عروة بن الزبير (رضى اللّه عنهما)، و سعيد بن المسيّب، و أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث ابن هشام.

و حجّ بالناس مسلمة بن عبد الملك. و قيل عبد العزيز بن الوليد.

و فيها استقضى الوليد على الشام سليمان بن حبيب.

سنة (95 ه) خمس و تسعين:

ذكر وفاة الحجاج بن يوسف الثقفى و شي‏ء من أخباره‏

هو أبو محمد الحجّاج بن يوسف بن الحكم بن أبى عقيل ابن عامر بن مسعود بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف ابن ثقيف، كانت وفاته فى شوال سنة [95 ه] خمس و تسعين،

____________

(1) ديوانه: 16.

(2) فى الديوان: ترددنى.

332

و قيل لخمس بقين من شهر رمضان من السنة، و له من العمر أربع و خمسون، و قيل ثلاث و خمسون.

روى أن عمر بن عبد العزيز ذكر عنده ظلم الحجاج و غيره من ولاة الأمصار فى أيام الوليد بن عبد الملك، فقال عمر بن العزيز:

الحجاج بالعراق، و الوليد بالشام، و قرّة بن شريك بمصر، و عثمان بالمدينة، و خالد بمكة؛ اللهم قد امتلأت ظلما و جورا، فأرح الناس. فلم يمض غير قليل حتى توفى الحجاج و قرّة فى شهر واحد، ثم تبعهم الوليد، و عزل عثمان بن حيّان، و خالد بن عبد اللّه القسرى.

و استجاب اللّه لعمر.

و ما أشبه هذه القصة بقصة عبد اللّه بن عمر (رضى اللّه عنهما) لما بلغه أنّ زياد ابن أبيه كتب إلى معاوية يقول: إنّى قد ضبطت العراق بشمالى و يمينى فارغة. فقال ابن عمر: اللهم أرحنا من يمين زياد، و أرح أهل العراق من شماله. فاستجاب اللّه له.

و كان من خبر وفاة زياد ما ذكرناه.

و كانت ولاية الحجاج العراق عشرين سنة، و لما حضرته الوفاة استخلف على الصلاة ابنه عبد اللّه، و على حرب الكوفة و البصرة يزيد بن أبى كبشة، و على الخراج يزيد بن أبى مسلم، فأقرّهما الوليد بعده.

و كان الحجاج من أفصح الناس. قال أبو عمرو بن العلاء:

ما رأيت أفصح من الحجاج و من الحسن، و قد ذكرنا من كلامه عند مقدمه الكوفة ما يدلّ على فصاحته.

333

و من أخباره أنّ عبد الملك كتب إليه يأمره بقتل أسلم بن عبد اللّه البكرى لشي‏ء بلغه عنه، فأحضره الحجاج، فقال: أمير المؤمنين غائب و أنت حاضر، و اللّه تعالى يقول‏ (1): «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ...» الآية. و الذى بلغه عنى فباطل‏ (2).

فاكتب إلى أمير المؤمنين أنى أعول أربعا و عشرين امرأة، و هنّ بالباب؛ فأحضرهن، و كان فى آخرهن جارية قاربت عشر سنين.

فقال لها: من أنت منه؟ قالت: ابنته، أصلح اللّه الأمير، ثم أنشأت‏ (3):

أ حجاج لو (4)تشهد مقام بناته‏ * * * و عماته يندبنه الليل أجمعا

أ حجّاج لا (5) تقتل به إن قتلته‏ * * * ثمانا و عشرا و اثنتين و أربعا

أ حجّاج من هذا يقوم مقامه‏ * * * علينا فمهلا أن تزدنا تضعضعا

أ حجّاج إما أن تجود بنعمة * * * علينا و إما أن تقتّلنا معا

فبكى الحجاج، و قال: و اللّه لا أعنت الدهر عليكنّ و لازدتكنّ تضعضعا.

و كتب إلى عبد الملك بخبره و خبر الجارية، فكتب إليه:

إذا كان الأمر كما ذكرت فأحسن صلته و تفقّد (6) الجارية، ففعل.

____________

(1) سورة الحجرات، آية 6

(2) فى الكامل: باطل.

(3) الشعر فى الكامل: 4- 33.

(4) فى الكامل: لم.

(5) فى الكامل: لم.

(6) فى ك: و نفذ.

334

قال عاصم بن بهدلة: سمعت الحجاج يقول: اتّقوا اللّه ما استطعتم، هذا و اللّه مثنوية، و اسمعوا و أطيعوا و أنفقوا خيرا لأنفسكم ليس فيه مثنوية، و اللّه لو أمرتكم أن تخرجوا من هذا الباب فخرجتم من هذا لحلّت لى دماؤكم، و لا أجد أحدا يقرأ على قراءة ابن أمّ عبد- يعنى ابن مسعود- إلّا ضربت عنقه، و لأحكّنّها من المصحف و لو بضلع خنزير.

قال الأوزاعى: قال عمر بن عبد العزيز: لو جاءت كلّ أمّة بخبيثها و جئنا بالحجاج لغلبناهم.

قال الحسن: سمعت عليا يقول على المنبر: اللهم ائتمنتهم فخانوا، و نصحتهم فغشّونى، اللهم فسلّط عليهم غلام ثقيف يحكم فى دمائهم و أموالهم بحكم الجاهلية، فوصفه. قال الحسن: هذه و اللّه صفة الحجاج.

قال حبيب بن أبى ثابت: قال علىّ (رضى اللّه عنه) لرجل: لا تموت حتى تدرك فتى ثقيف. قيل: يا أمير المؤمنين؛ ما فتى ثقيف؟

قال: ليقالنّ له يوم القيامة: اكفنا زاوية من زوايا جهنم، رجل يملك عشرين سنة أو بضعا و عشرين، فلا يدع للّه معصية إلا ارتكبها، حتى لو لم يبق إلا معصية واحدة و بينها و بينه باب مغلق لكسره.

حتى يرتكبها، يقتل‏ (1) من أطاعه بمن عصاه.

و قيل: أحصى من قتله الحجاج صبرا فكانوا مائة ألف و عشرين ألفا.

____________

(1) فى الكامل: يقتل بمن أطاعه من عصاه.

335

و قيل: إن الحجاج مرّ بخالد بن يزيد بن معاوية و هو يخطر فى مشيته، فقال رجل لخالد: من هذا؟ فقال خالد: بخ بخ! هذا عمرو ابن العاص. فسمعها الحجاج فرجع، و قال: و اللّه ما يسرّنى أن العاص والدى‏ (1)، و لكنى ابن الأشياخ من ثقيف، و العقائل من قريش، و أنا الذى ضربت‏ (2) بسيفى هذا مائة ألف كلّهم يشهد أنّ أباك كان يشرب الخمر و يضمر الكفر. ثم ولّى، و هو يقول: بخ بخ عمرو بن العاص! فقد أقرّ على نفسه بمائة ألف قتيل على ذنب واحد.

و حجّ بالناس فى هذه السنة بشر بن الوليد بن عبد الملك.

سنة (96 ه) ست و تسعين:

ذكر وفاة الوليد بن عبد الملك و شي‏ء من أخباره و سيرته و أولاده و عماله‏

كانت وفاته بدير (3) مرّان فى النصف من جمادى الآخرة من هذه السنة. و دير مرّان كان بجبل قاسيون بظاهر دمشق، و هو الآن مدرسة و تربة منسوبة إلى الملك المعظّم شرف الدين عيسى ابن العادل ابن أيوب. كانت مدة خلافته تسع سنين و ثمانية أشهر. و دفن خارج الباب الصغير بدمشق. و قيل فى مقابر الفراديس‏ (4).

و صلّى عليه عمر بن عبد العزيز. و لما دلّى فى حفرته جمعت ركبتاه إلى عنقه، فقال ابنه: عاش أبى؟ فقال له عمر بن عبد العزيز- و كان فيمن‏

____________

(1) فى الكامل: ولدنى.

(2) فى ك: يضرب.

(3) دير مران- بضم الميم. تثنية المر: بالقرب من دمشق (ياقوت).

(4) الفراديس: موضع بقرب دمشق (ياقوت).

336

دفنه: عوجل و اللّه أبوك. و كان عمره اثنتين و أربعين سنة و ستة أشهر. و قيل سبعا و أربعين. و قيل ثمانيا و أربعين. و اللّه أعلم.

و كان أسمر اللّون، جميل الوجه، أفطس الأنف. و قيل.

كان سائل الأنف جدّا و بوجهه آثار جدرى.

و كان نقش خاتمه: يا وليد، إنك ميت.

و كان له من الأولاد تسعة عشر ذكرا، و عدّهم بعض المؤرخين عشرين، و هم: يزيد، و إبراهيم- وليا الخلافة، و العباس فارس بنى مروان، و عمر فحل بنى مروان، و عبد العزيز، و بشر، و صدقة، و محمد، و تمام، و خالد، و عبد الرحمن، و مبشر، و مسرور، و أبو عبيدة، و منصور، و مروان، و عنبسة، و عمرو، و روح، و يحيى، هؤلاء الذكور، سوى البنات.

كتّابه: قرّة بن شريك، ثم قبيصة بن ذؤيب، ثم الضحاك ابن يزيد، ثم يزيد بن أبى كبشة، ثم عبد اللّه بن بلال.

قضاته: عبد اللّه بن بلال، و سليمان بن حبيب.

حجّابه: خالد، و سعيد مولياه.

الأمراء بمصر: أخوه عبد اللّه، ثم قرّة بن شريك.

قاضيها: عبد اللّه بن عبد الرحمن بن حجيرة (1)، ثم صرفه قرّة و ولّى عياض بن عبد اللّه، ثم وليها عبد الملك بن رفاعة بعد وفاة قرّة.

و كان عمّاله على الأمصار من ذكرناهم.

قال: و كان الوليد بن عبد الملك عند أهل الشام من أفضل‏

____________

(1) هذا بالأصول.

337

خلفائهم‏ (1)، و له آثار حسنة و مبان عظيمة، و فتح فى أيامه بلاد الأندلس و ما وراء النهر و بلاد الهند.

[قال‏] (2): و كان الوليد يمرّ بالبقّال فيقف عليه، و يأخذ منه حزمة بقل، فيقول: بكم هذه؟ فيقول: بفلس. فيقول الوليد:

زد فيها.

و بنى جامع دمشق فى سنة [86 ه] ست و ثمانين، و هدم كنيسة النصارى التى كانت إلى جانبه، و تعرف بماريو حنا، و زادها فيه.

و قيل: كان فى الجامع و هو يبنى اثنا عشر ألف مرخم. و توفّى الوليد و لم يتمّ بناؤه، و كان الفراغ منه فى أيام سليمان أخيه.

و قيل: إن جملة ما أنفق عليه أربعمائة صندوق، فى كل صندوق أربعة عشر ألف دينار، و كان فيه ستمائة سلسلة من الذهب للقناديل، و لم تطق الناس الصلاة فيه لكثرة شعاعه، فدخنت حتى اسودّت، فلما ولى عمر بن عبد العزيز جعلها فى بيت المال، و عوّضها بالحديد.

و أمر الوليد ببناء جامع البيت المقدس فى سنة [88 ه] ثمان ثمانين.

قيل: و حجّ الوليد بالناس ثلاث‏ (3) حجج: سنة ثمان و ثمانين.

و سنة إحدى و تسعين، و سنة أربع و تسعين.

قال: و كان الوليد أراد أن يخلع أخاه سليمان، و يبايع لولده عبد العزيز، فأبى سليمان، فكتب إلى عمّاله، و دعا الناس إلى خلعه، فلم يجبه إلى ذلك إلا الحجاج و قتيبة و خواصّ من الناس.

____________

(1) فى الطبرى: خلائقهم.

(2) من ك.

(3) فى ك: ثمانى.

338

فكتب الوليد إلى سليمان يأمره بالقدوم عليه، فأبطأ، فعزم على المسير إليه ليخلعه، و أخرج خيمة فمات قبل أن يسير إليه.

قال: و كان الوليد لحانا لا يحسن العربية، فعاتبه أبوه، و قال:

إنه لا يلى العرب إلّا من يحسن كلامهم؛ فجمع النّحاة، و دخل بيتا فلم يخرج منه ستة أشهر، ثم خرج و هو أجهل منه يوم دخل، فقال عبد الملك: قد أعذر. و اللّه سبحانه و تعالى أعلم.

ذكر بيعة سليمان بن عبد الملك‏

هو أبو أيوب سليمان بن عبد الملك بن مروان بن الحكم، و أمّه ولادة أم أخيه الوليد، و هو السابع من ملوك بنى أمية. بويع له يوم السبت للنصف من جمادى الآخرة، و هو يوم وفاة أخيه الوليد، و كان إذ ذاك بالرّملة، و كان الوليد قد أراد خلعه من ولاية العهد، فمات قبل أن يتمّ له ما أراد من ذلك.

و لنذكر الحوادث الكائنة فى أيامه على حكم السنين:

[سنة (96 ه) ست و تسعين:]

ذكر قتل‏ (1) قتيبة بن مسلم‏

و فى هذه السنة قتل قتيبة بن مسلم الباهلى بخراسان، و كان سبب ذلك أنه أجاب الوليد إلى خلع سليمان كما ذكرنا، فلما أفضت الخلافة إلى سليمان خشى قتيبة أنّ سليمان يستعمل يزيد بن المهلب على خراسان، فكتب قتيبة إلى سليمان كتابا يهنّئه بالخلافة و يذكر

____________

(1) فى د: مقتل.

339

بلاءه و طاعته لعبد الملك و الوليد، و أنه له على مثل ذلك إن لم يعزله عن خراسان.

و كتب إليه كتابا آخر يعلمه فيه بفتوحه و مكانته، و عظم قدره عند ملوك العجم، و هيبته فى صدورهم، و يذمّ آل المهلّب، و يحلف باللّه لئن استعمل يزيد على خراسان ليخلعنّه.

و كتب كتابا ثالثا فيه خلعه، و بعث الكتب مع رجل من أهله، و قال له: ادفع الكتاب الأول إليه، فإن كان يزيد حاضرا فقرأه ثم ألقاه إليه فادفع إليه هذا الثانى. فإن قرأه و دفعه إلى يزيد فادفع إليه الثالث، و إن قرأ الأول و لم يدفعه إلى يزيد فاحبس الكتابين عنه.

فقدم رسول قتيبة، فدخل على سليمان و عنده يزيد بن المهلّب، فدفع إليه الكتاب الأوّل، فقرأه و ألقاه إلى يزيد، فدفع إليه الثانى، فقرأه و ألقاه إليه، فأعطاه الثالث، فقرأه و تغيّر (1) لونه و ختمه و أمسكه بيده. فقيل‏ (2): كان فيه: لو لم‏ (3) تقرّنى على ما كنت عليه و تؤمننى لأخلعنّك، و لأملأنّها عليك خيلا و رجلا (4).

ثم أمر سليمان بإنزال رسول قتيبة، ثم أحضره ليلا و أعطاه دنانير و عهد قتيبة على خراسان و سيّر معه رسولا، فلما كانا (5) بحلوان بلغهما خلع قتيبة، فرجع رسول سليمان، و كان قتيبة لما همّ بخلع سليمان استشار إخوته فقال عبد الرحمن: اقطع بعثا [فوجّه‏] (6)

____________

(1) فى د: و تمعر. و فى الطبرى: فتمعر. و تمعر وجهه: تغير.

(2) فى د: قيل. و فى ك: و قيل.

(3) فى الكامل، و الطبرى: لئن لم.

(4) فى الكامل: رجالا و خيلا.

(5) فى ك: كان.

(6) من الطبرى.

340

فيه كلّ من تخافه، و وجّه قوما إلى مرو، و سر حتى تنزل سمرقند، و قل لمن معك: من أحبّ المقام فله المواساة، و من أراد الانصراف فغير مستكره، فإنه لا يقيم عندك إلّا مناصح. و قال له أخوه عبد اللّه: اخلعه مكانك فلا يختلف عليك رجلان. فوافقه و خلع سليمان، و دعا الناس إلى خلعه فلم يجبه أحد، فغضب، و قال:

لا أعزّ اللّه من نصرتم، و اللّه لو اجتمعتم على عنز ما كسرتم قرنها، و سبّهم طائفة طائفة و قبيلة قبيلة، و ذكر مساويهم و معايبهم، و نزل؛ فغضب الناس و اجتمعوا على خلع قتيبة و خلافه، و كان أوّل من تكلم فى ذلك الأزد، فأتوا حضين‏ (1) بن المنذر، فقالوا: إنّ هذا قد خلع الخليفة، و فيه فساد الدّين و الدنيا، و قد شتمنا فما ترى؟ فأشار عليهم أن يأتوا وكيع بن أبى سود التميمى، و يقدّموه لرئاسته فى قومه، فأتوه و سألوه أن يلى أمرهم، ففعل.

و كان بخراسان يومئذ من أهل البصرة و العالية من المقاتلة تسعة آلاف، و من بكر سبعة (2) آلاف، و رئيسهم حضين ابن المنذر، و من تميم عشرة آلاف و عليهم ضرار بن حصين، و من عبد القيس أربعة آلاف و عليهم عبد اللّه بن حوذان‏ (3)، و من أهل الكوفة سبعة آلاف و عليهم جهم بن زحر. و من الموالى سبعة آلاف و عليهم حيّان النبطى مولى بنى شيبان، و هو من الدّيلم و قيل من خراسان، و إنما قيل له النبطى للكنته.

____________

(1) بضاد معجمة (الكامل: 4- 140)،

(2) فى ك: ستة آلاف. و المثبت فى د، و الكامل، و الطبرى.

(3) فى الكامل، و الطبرى: علوان.

341

فأرسل حيّان إلى وكيع يقول: إن أنا كففت عنك و أعنتك تجعل لى الجانب الشرقى من نهر بلخ آخذ خراجه ما دمت حيا، و ما دمت أميرا! قال: نعم. فقال حيان للعجم: هؤلاء يقاتلون على غير دين، فدعوهم يقتل بعضهم بعضا. ففعلوا.

و قيل لقتيبة: إن وكيعا يبايع الناس، فدسّ عليه ضرار بن سنان الضبى، فبايعه سرّا، فظهر أمره لقتيبة، فأرسل إليه يدعوه، فوجده قد طلى رجليه بمغرة (1)، و علّق على ساقه‏ (2) خرزا، و عنده رجلان يرقيان رجله. فقال للرسول: قد ترى ما برجلى. فرجع إليه فأخبر قتيبة، فأعاده إليه يقول: لتأتينّى به محمولا، فأتاه فقال:

لا أستطيع. فقال قتيبة لصاحب شرطته: انطلق إلى وكيع فأتنى به، فإن أبى فاضرب عنقه، و وجّه معه خيلا.

و قيل: أرسل إليه شعبة (3) بن ظهير التميمى. فقال له وكيع:

يا ابن ظهير، لبّث قليلا تلحق الكتائب. و لبس سلاحه، و نادى فى الناس، فأتوه، و ركب فرسه، و خرج، فأتاه الناس أرسالا، و اجتمع إلى قتيبة أهل بيته و خواصّ أصحابه و ثقاته، منهم إياس ابن بيهس بن عمرو، و هو ابن عمّ قتيبة، و دعا قتيبة ببرذون له مدرّب ليركبه، فاستعصعب عليه حتى أعياه، فجلس على سريره و قال: دعوه، فإن هذا أمر يراد.

و جاء حيان فى العجم و قتيبة واجد عليه، فقال عبد اللّه أخو

____________

(1) المغرة- و تحرك: طين أحمر.

(2) فى الكامل: على رأسه. و المثبت فى ك، و الطبرى.

(3) ك: سعيد. و المثبت فى د، و الكامل، و الطبرى.

342

قتيبة: أحمل عليهم. فقال حيّان: لم يأت بعد. و قال حيّان لابنه:

إذا رأيتنى قد حوّلت قلنسوتى و ملت نحو عسكر وكيع فمل بمن معك من العجم إلىّ. فلما حوّل حيان قلنسوته مالت الأعاجم إلى عسكر وكيع فكبّروا و هاجوا، فقتل عبد الرحمن أخو قتيبة، و جاء الناس حتى بلغوا فسطاط قتيبة، فقطعوا أطنابه، و جرح قتيبة جراحات كثيرة، فقال جهم بن‏ (1) زحر بن قيس لسعد: انزل فحزّ رأسه، فنزل و شقّ الفسطاط، و احتزّ رأسه؛ و قتل معه من أهله و إخوته:

عبد الرحمن، و عبد اللّه، و صالح، و حضين، و عبد الكريم: بنو مسلم‏ (2).

و قتل كثير ابنه، و كان عدّة من قتل مع قتيبة من أهله أحد عشر رجلا، فأرسل وكيع إلى سليمان برأسه و رءوس أهله.

و لما قتل قال رجل من خراسان: يا معشر العرب، قتلتم قتيبة، و اللّه لو كان منّا فمات لجعلناه فى تابوت، فكنا نستفتح به إذا غزونا.

و قال عبد الرحمن بن جمانة الباهلى يرثى قتيبة (3):

كأن أبا حفص قتيبة لم يسر * * * بجيش إلى جيش و لم يعل منبرا

و لم تخفق الرايات و الجيش حوله‏ * * * وقوف و لم تشهد له الناس عسكرا

دعته المنايا فاستجاب لربّه‏ * * * و راح إلى الجنّات عفّا (4)مطهّرا

فما رزى الإسلام بعد محمّد * * * بمثل أبى حفص فبكّيه‏ (5) عبهرا

و عبهر: أمّ ولد له.

____________

(1) فى د: زحر بن قيس. و المثبت فى الكامل، و الطبرى. و قد ضبطت الزاى فى د بالضمة.

(2) فى ك: و مسلم. و المثبت فى الكامل، و الطبرى.

(3) و الطبرى: 6- 5 و الكامل: 4- 142

(4) فى الكامل: عفوا.

(5) فى ك: فتبكيه. و المثبت فى الكامل و الطبرى.

343

و وصل خبر مقتله إلى الشام فى اليوم الثانى من مقتله.

قال شيوخ من غسان: كنا بثنيّة العقاب‏ (1) إذا نحن برجل معه عصا و جراب، فقلنا: من أين أقبلت؟ قال: من خراسان. قلنا؟ هل كان بها من خبر؟ قال: نعم، قتل بها قتيبة بن مسلم أمس، فعجبنا من قوله. فلما رأى إنكارنا قال: أين ترونى الليلة من إفريقية (2)؟ و تركنا و مضى، فاتبعناه على خيولنا فإذا به يسبق الطّرف. و ثنيّة العقاب فى مرج دمشق على نصف مرحلة منها.

*** و فى هذه السنة عزل سليمان بن عبد الملك عثمان بن حيّان عن المدينة

لسبع بقين من شهر رمضان، و استعمل عليها أبا بكر بن محمد ابن عمرو بن حزم، و كان عثمان قد عزم على أن يجلد أبا بكر هذا و يحلق لحيته من الغد، فلما كان اليل جاء البريد إلى أبى بكر بتأميره و عزل عثمان وحده و تقييده.

و عزل سليمان أيضا يزيد بن أبى مسلم عن العراق، و استعمل يزيد بن المهلّب، و جعل صالح بن عبد الرحمن على الخراج، و أمره ببسط العذاب على آل أبى عقيل؛ و هم أهل الحجاج، فكان يعذّبهم، و يلى عذابهم عبد الملك بن المهلّب.

و حجّ بالناس أبو بكر بن محمد و هو أمير المدينة، و كان على مكة عبد العزيز بن عبد اللّه بن خالد بن أسيد (3) و على حرب العراق‏

____________

(1) ثنية العقاب- بالضم: هى ثنية مشرفة على غوطة دمشق. و ثنية العقاب:

بالثغور الشامية قرب المصيصة (المراصد).

(2) هذا فى ك: د.

(3) بفتح الهمزة و كسر السين (الكامل: 4- 143).

344

و صلاتها يزيد بن المهلّب، و على خراجها صالح بن عبد الرحمن.

و على البصرة سفيان بن عبد اللّه الكندى من قبل يزيد، و على قضائها عبد الرحمن بن أذينة، و على قضاء الكوفة أبو بكر بن أبى موسى، و على حرب خراسان وكيع بن أبى سود (1).

و فيها مات شريح القاضى، و قيل سنة [97 ه] سبع و تسعين.

و له مائة و عشرون سنة، و محمود بن لبيد الأنصارى و له صحبة.

سنة (97 ه) سبع و تسعين:

ذكر ولاية يزيد بن المهلب خراسان‏

فى هذه السنة استعمل سليمان بن عبد الملك يزيد بن المهلب على خراسان مضافة إلى العراق، و كان سبب ذلك أنّ سليمان لما ولى يزيد بن المهلّب العراق فوّض إليه الحرب و الخراج و الصلاة بها، فنظر يزيد لنفسه، فرأى أنّ الحجاج قد أخرب العراق، و أنه إن أخذ الناس بالخراج و عذّبهم عليه صار عندهم مثل الحجاج، و أنه متى لم يفعل ذلك و يأت سليمان بمثل ما كان الحجاج يأتى به لم يقبل منه، فأشار على سليمان أن يولّى صالح بن عبد الرحمن مولى تميم الخراج، فولاه الخراج و سيّره قبل يزيد، فنزل واسطا. و لما قدم يزيد خرج الناس يتلقّونه، و لم يخرج صالح حتى قرب يزيد، فخرج و بين يديه أربعمائة من أهل الشام، فلقى يزيد و سايره، و لم يمكنه من شي‏ء، و ضيّق عليه، فضجر يزيد من ذلك، فدعا عبد اللّه بن الأهتم، و قال له: إنى أريدك لأمر أهمّنى، و أحبّ أن تكفينيه. قال: أفعل.

____________

(1) فى ك: أسود- تحريف.

345

قال: أنا فيما ترى من الضّيق، و قد ضجرت منه، و خراسان شاغرة فهل من حيلة؟ قال: نعم، سرّحنى إلى أمير المؤمنين.

فكتب يزيد إلى سليمان و أعلمه بحال العراق، و أثنى على ابن الأهتم و ذكر علمه بها، و سيّره على البريد؛ فأتى ابن الأهتم سليمان فقال له:

إن يزيد كتب إلىّ يذكر علمك بالعراق، فكيف‏ (1) علمك بخراسان؟

قال: أنا أعلم الناس بها، ولدت بها و نشأت، و لي بها و بأهلها خبر.

قال: فأشر على برجل أولّيه خراسان. قال: أمير المؤمنين أعلم بمن يريد، فإن ذكر منهم أحدا أخبرته برأيى فيه، فسمّى رجلا من قريش، فقال: ليس من رجال خراسان. قال: فعبد الملك بن المهلب.

فقال: لا يصح، فإنه يضيق عن هذا، و ليس له مكر أبيه و لا شجاعته‏ (2)، حتى ذكر رجالا، و كان آخر من ذكر وكيع ابن أبى سود، فقال: يا أمير المؤمنين، وكيع رجل شجاع صارم رئيس مقدام، و ما أحد أوجب شكرا و لا أعظم عندى يدا من وكيع، لقد أدرك بثأرى و شفانى من عدوّى، و لكنّ أمير المؤمنين أعظم حقا، و النصيحة له تلزمنى، إنّ وكيعا لم يجتمع له مائة عنان قطّ إلا حدّث نفسه بغدرة، خامل فى الجماعة، نابه‏ (3) فى الفتنة.

قال: فمن لها ويحك! قال: رجل أعلمه لم يسمّه أمير المؤمنين.

قال: فمن هو؟ قال: لا أذكره حتى يضمن لى أمير المؤمنين ستر ذلك، و أن يجيرنى منه إن علم. قال: نعم، قال: يزيد بن المهلب.

____________

(1) فى د: و كيف.

(2) فى الكامل: و لا شجاعة أخيه.

(3) فى الكامل: ثابت.

346

قال: العراق أحبّ إليه من خراسان؟ قال: قد علمت يا أمير المؤمنين، و لكن تكرهه فيستخلف على العراق [رجلا] (1) و يسير هو إلى خراسان. قال: أصبت الرأى.

فكتب عهد يزيد على خراسان، و سيّره مع ابن الأهتم، فأتى يزيد، فأمر بالجهاز للمسير من ساعته، و قدم ابنه مخلدا إلى خراسان من يومه، ثم سار يزيد بعده، و استخلف على واسط الجرّاح بن عبد اللّه الحكمى، و على البصرة عبد اللّه بن هلال الكلابى، و جعل أخاه مروان بن المهلب على حوائجه و أموره بالبصرة، و استخلف على الكوفة حرملة بن عمير اللخمى أشهرا، ثم عزله، و ولى بشير بن حيان النّهدى، و كانت قيس تزعم أن قتيبة لم يخلع، فأمر سليمان يزيدا أن يسأل عن ذلك. فإن أقامت قيس البيّنة أنّ قتيبة لم يخلع فنقيد وكيعا به، فلما وصل مخلد بن يزيد مرو أخذه وكيع‏ (2) فحبسه و عذّبه، و عذّب أصحابه قبل قدوم أبيه، فكانت ولاية وكيع خراسان تسعة أشهر أو عشرة أشهر، ثم قدم يزيد خراسان فآذى‏ (3) أهل الشام و قوما من أهل خراسان، فقال نهار ابن توسعة (رحمه الله)(4):

و ما كنّا نؤمّل من أمير * * * كما كنّا نؤمّل من يزيد

فأخطأ ظنّنا فيه و قدما * * * زهدنا فى معاشرة الزّهيد

إذا لم يعطنا نصفا أمير * * * مشينا نحوه مشى الأسود.

____________

(1) من الطبرى.

(2) ك: أخذ وكيعا. و المثبت فى الكامل.

(3) فى الطبرى: فأدنى.

(4) و الطبرى: 6- 528، و الكامل: 4- 146.

347

فمهلا يا يزيد أنب إلينا * * * و دعنا من معاشرة العبيد

نجي‏ء (1)و لا (2)نرى إلّا صدودا * * * على أنّا نسلّم من بعيد

و نرجع خائبين بلا نوال‏ * * * فما بال التجهّم و الصّدود

*** و فى هذه السنة جهّز سليمان الجيوش إلى القسطنطينية، و استعمل ابنه داود على الصائفة، فافتتح حصن المرأة.

و فيها غزا مسلمة أرض الوضّاحية، و فتح الحصن الذى فتحه الوضّاح.

و غزا عمر بن هبيرة الروم فى البحر فشتا بها. و حجّ سليمان بن عبد الملك بالناس.

و فيها عزل داود بن طلحة (3) الحضرمى عن مكة، فكان عمله عليها ستة أشهر، و ولى عبد العزيز بن عبد اللّه بن خالد.

سنة (98 ه) ثمان و تسعين:

ذكر محاصرة القسطنطينية

فى هذه السنة بعث سليمان الجيوش إلى القسطنطينية مع أخيه مسلمة بعد أن سار سليمان إلى دابق‏ (4)، و كان ملك الروم قد مات، فجاء أليون من أذربيجان إلى سليمان، و أخبره بوفاته، و ضمن له فتح الروم، فبعث معه مسلمة، فسار هو و أليون، فلما دنا من أرض الروم أمر كلّ فارس أن يحمل معه مدّين من طعام، فلما أتاها أمر

____________

(1) فى الكامل: نجيب.

(2) فى الطبرى: فلا ترى.

(3) فى الطبرى: عزل سليمان طلحة بن داود.

(4) دابق: مدينة فى أقاصى فارس (البكرى).

348

بإلقاء ذلك، فصار مثل الجبال، و قال مسلمة لمن معه: لا تأكلوا منه شيئا و أغيروا (1) فى أرضهم و ازرعوا، و عمل بيوتا من خشب فشتا فيها و صاف و زرع الناس، فلما (2) كثر عندهم الطعام أقام مسلمة قاهرا للروم معه أعيان الناس، فأرسل الروم إلى مسلمة يعطونه عن كل رأس دينارا فلم يقبل، فقالت الروم لأليون: إن صرفت عنا المسلمين ملّكناك، فاستوثق منهم، و أتى مسلمة فقال له: إنّ الروم قد علموا أنك لا تصدقهم القتال، و أنك تطاولهم ما دام الطعام عندك، فلو أحرقته أعطوا ما بأيديهم، فأمر مسلمة بالطعام فحرق، فقوى الروم و ضاق المسلمون حتى كادوا يهلكون، و داموا على ذلك حتى مات سليمان.

و قيل: إن أليون إنما خدع مسلمة بأن سأله أن يدخل من الطعام إلى الروم ما يعيشون به ليلة [واحدة] (3)، ليصدّقوا أنّ أمره و أمر مسلمة واحد، و أنهم فى أمان من السّبى و الخروج من بلادهم، فأذن له فى ذلك. و كان أليون قد أعدّ السّفن و الرجال فنقلوا تلك الليلة الطعام كلّه، و أصبح أليون محاربا، و لقى الجند ما لم يلقه أحد (4)، حتى أن كان الرجل ليخاف أن يخرج من العسكر وحده، و أكلوا الدواب و الجلود و أصول الشجر و الورق، و سليمان مقيم بدابق و وقع‏ (5) الشتاء فلم يقدر أن يمدّهم حتى مات.

____________

(1) فى د: و اعبروا.

(2) فى د: و لما.

(3) زيادة فى د.

(4) فى الكامل: ما لم يلقه جيش آخر.

(5) فى الكامل: و دخل.

349

و فى هذه السنة بايع سليمان لابنه أيوب بولاية العهد.

و فيها فتحت مدينة الصقالبة.

و فيها غزا الوليد بن هشام و عمرو بن قيس، فأصيب ناس من أهل أنطاكية، و أصاب الوليد ناسا من ضواحى الرّوم، و أسر بشرا كثيرا.

ذكر فتح قهستان‏ (1) و جرجان و طبرستان‏

فى هذه السنة غزا يزيد بن المهلّب جرجان و طبرستان.

و كان سبب اهتمامه بها أنّ يزيد لما كان عند سليمان بالشام فى حياة الوليد، فكان كلما فتح قتيبة فتحا يقول سليمان ليزيد: أ لا ترى إلى ما يفتح اللّه على قتيبة! فيقول يزيد: ما فعلت جرجان التى قطعت الطريق، و أفسدت قومس و نيسابور، و يقول: هذه الفتوح ليست بشى‏ء، الشأن فى‏ (2)، جرجان.

و كان سعيد بن العاص قد صالح أهل جرجان، فكانوا يجبون أحيانا مائة ألف، و أحيانا مائتى ألف، و أحيانا ثلاثمائة ألف، و ربما منعوا ذلك، ثم أظهروا الامتناع و كفروا فلم يعطوا خراجا، و لم يأت جرجان بعد سعيد أحد، و [قد] (3) منعوا ذلك الطريق فلم يكن يسلك أحد طريق‏

____________

(1) هذا بالأصول. و فى الطبرى: دهستان. و فى ياقوت: قوهستان- بضم أوله ثم السكون ثم كسر الهاء و سين مهملة و تاء مثناة من فوق و آخره نون. و المشهور بهذا الاسم أحد أطراف بلاد العجم متصل بنواحى هراة ثم يمتد من الجبال طويلا حتى يتصل بقرب نهاوند و همذان و بروجرد، و هذه الجبال كلها تسمى بهذا الاسم.

(2) فى الكامل: هى. و المثبت فى الطبرى أيضا.

(3) ليس فى د.

350

خراسان إلا على فارس و كرمان.

فلما ولى سليمان يزيد خراسان لم يكن له همّة غير جرجان، فسار إليها فى مائة ألف سوى الموالى و المتطوعة، و لم تكن جرجان يومئذ مدينة، إنما هى جبال و مخارم و أبواب يقوم الرجل على باب منها فلا يقدر عليه أحد، فابتدأ بقهستان‏ (1) فحاصرها، و كان أهلها طائفة من الترك، فقاتلهم قتالا شديدا، و اشتدت الحرب، و قطع عنهم الميرة، فبعث دهقانها، و اسمه صول‏ (2) يطلب من يزيد الأمان لنفسه و أهله و ماله، و يسلّم إليه المدينة بما فيها، فأمّنه و وفى له، و دخل المدينة فقتل بها أربعة عشر ألف تركى صبرا، و أخذ ما فيها من الكنوز و السّبى و غير ذلك، ثم خرج حتى أتى جرجان فهابه أهلها، و أتوه و صالحوه، فأجابهم إلى ذلك، و صالحهم، فطمع فى طبرستان، فسار إليها فصالحه اصبهذها (3) على سبعمائة ألف‏ (4)، و قيل خمسمائة ألف و أربعمائة وقر زعفران، أو قيمته من العين، و أربعمائة رجل على كل رجل منهم ترس و طيلسان، و مع كل رجل جام من فضّة و سرقة حرير و كسوة، فأرسل من يقبض ذلك و انصرف إلى جرجان. [و اللّه أعلم‏ (5)].

____________

(1) فى الطبرى: دهستان، و انظر الهامش السابق رقم 1 صفحة 349

(2) الضبط فى د.

(3) اصبهذها فى الطبرى، و قد تقدم كما أثبتناه.

(4) فى الطبرى: حتى صالحه على سبعمائة ألف درهم و أربعمائة ألف نقدا و مائتى ألف و أربعمائة حمار موقرة زعفرانا و أربعمائة رجل على رأس كل رجل برنس، على البرنس طيلسان و جام من فضة و سرقة حرير (6- 536).

(5) ساقط فى د.

351

ذكر فتح جرجان الفتح الثانى و انشاء مدينتها

قال‏ (1): و لما سار يزيد إلى طبرستان غدر أهل جرجان، فعاد إليهم و عاهد اللّه إن ظفر بهم لا يرفع عنهم السيف حتى يطحن بدمائهم و يأكل من ذلك الطحين، فحصرهم سبعة أشهر و هم يخرجون إليه يقاتلونه‏ (2) و يرجعون، فبينما هم على ذلك إذ خرج رجل من عجم خراسان يتصيّد، و قيل من طيّئ، فأبصر و علا فى الجبل فتبعه فلم يشعر حتى هجم على عسكرهم، فرجع يريد أصحابه، و جعل يخرّق قباءة و يعقد على الشجر علامات، فأتى يزيد فأخبره فضمن له يزيد دية إن دلّهم على الحصن؛ فانتخب معه ثلاثمائة رجل، و استعمل عليهم إنه خالدا، و قال له: إن غلبت على الحياة فلا تغلبنّ على الموت، و إياك أن أراك عندى مهزوما، و ضمّ إليه جهم بن زحر، و قال للرجل: متى تصل‏ (3)؟

قال: غدا العصر. قال يزيد: سأجهد على مناصحتهم‏ (4) عند الظهر.

فساروا، فلما كان الغد وقت الظهر أحرق يزيد كلّ حطب كان عندهم، فصار مثل الجبال من النيران، فنظر العدوّ إلى النار، فها لهم ذلك، فخرجوا إليهم؛ و تقدّم يزيد إليهم، و دهمهم ابنه بمن معه قبيل العصر و هم آمنون من ذلك الوجه، و يزيد يقاتلهم من هذا الوجه، فما شعروا إلا و التكبير (5) من ورائهم، فانقطعوا جميعا إلى حصنهم، و ركبهم المسلمون؛ فأعطوا بأيديهم، و نزلوا على حكم يزيد، فسبى‏

____________

(1) و الكامل: 4- 149

(2) فى الكامل: فيقاتلونه.

(3) فى الكامل: تصلون.

(4) فى الطبرى: مناهضتهم.

(5) فى الكامل: بالتكبير.

352

ذراريهم، و قتل مقاتلتهم، و صلبهم فرسخين عن يمين الطريق و يساره، و قاد منهم اثنى عشر ألفا إلى وادى جرجان فقتلهم، و أجرى الماء على الدم، و عليه أرحاء، ليطحن بدمائهم ليبرّ يمينه، فطحن و خبز و أكل.

و قيل: قتل منهم أربعين ألفا، و بنى مدينة جرجان، و لم تكن بنيت قبل ذلك مدينة، و رجع إلى خراسان، و استعمل على جرجان جهم بن زحر الجعفى، و كتب إلى سليمان بالفتح و عظّمه‏ (1) عنده، و أخبره أنه قد حصل عنده من الخمس ستمائة ألف ألف، فقال له كاتبه- المغيرة بن أبى قرّة مولى بنى تميم‏ (2): لا تكتب بتسمية المال، فإنك من ذلك بين أمرين: إما استكثره فأمرك بحمله، و إما سخت به نفسه فأعطاكه فتكلفت الهدية؛ فلا يأتيه من قبلك شي‏ء إلّا استقلّه، فكأنى بك قد استغرقت ما سمّيت و لم يقع منه موقعا، و يبقى المال الذى سميت مخلّدا فى دواوينهم، فإن ولى وال بعده أخذك به، و إن ولى من يتحامل عليك لم يرض بأضعافه، و لكن اكتب سله‏ (3) القدوم و شافهه بما أصبت فهو أسلم.

فلم يقبل منه، و كتب‏ (4)، فكان من أمره فى ذلك ما نذكره فى أخبار عمر بن عبد العزيز.

____________

(1) فى الكامل: يعظمه ... و يخبره.

(2) فى الكامل: مولى بنى سدوس.

(3) فى الكامل: فسله القدوم. و فى الطبرى: و سله.

(4) فى الكامل و الطبرى: و أمضى الكتاب.

353

و قيل: كان المبلغ أربعة آلاف ألف، و اللّه تعالى أعلم.

*** و فيها توفى أيّوب بن سليمان بن عبد الملك، و هو ولىّ العهد.

و فيها غزا داود بن سليمان أرض الروم؛ ففتح حصن المرأة مما يلى ملطية.

و فيها كانت الزلازل فى الدنيا كثيرة، و دامت ستة أشهر.

و حجّ بالناس عبد العزيز بن عبد اللّه أمير مكة.

سنة (99 ه) تسع و تسعين:

ذكر وفاة سليمان بن عبد الملك و شي‏ء من أخباره و عماله‏

كانت وفاته يوم الجمعة لعشر مضين من صفر من السنة بدابق‏ (1) من أرض قنّسرين بذات الجنب، و له خمس و أربعون سنة. و كانت مدة خلافته سنتين و ثمانية أشهر إلا خمسة أيام، و صلّى عليه عمر بن عبد العزيز؛ و كان طويلا أبيض، جميل الوجه، فصيح اللسان، معجبا بنفسه، يتوقّى سفك الدماء. و كان أكولا نكاحا، و كان حسن السيرة، و كان الناس يقولون: سليمان مفتاح الخير؛ ذهب عنهم الحجاج، و ولى سليمان، فأطلق الأسارى، و أخلى السجون، و أحسن إلى الناس، و استخلف عمر بن عبد العزيز. و يقال: إنه فعل فى يوم واحد أكثر مما فعل عمر بن عبد العزيز جميع عمره، و ذلك أنه أعتق سبعين ألف مملوك و مملوكة، و كساهم.

و من أعظم بركاته أنه جعل عمر بن عبد العزيز ولىّ عهده. و حكى‏

____________

(1) بكسر الباء، و قد روى بفتحها، و آخره قاف: قرية قرب حلب، (ياقوت).

354

أنه لبس يوما حلّة خضراء و عمامة خضراء، و نظر فى المرآة، فقال:

أنا الملك الفتى، فما عاش جمعة.

و قيل: كانت له جارية معها مرآة، فدعاها يوما فجاءته بها، فنظر وجهه، و نظرت الجارية إليه، فقال لها: ما تنظرين؟ قالت‏ (1):

أنت نعم‏ (2)المتاع لو كنت تبقى‏ * * * غير أن لا بقاء للإنسان‏

ليس فيما بدا لنا منك عيب‏ * * * عابه الناس غير أنك فانى‏ (3)

و انصرفت، فاستدعاها فجاءت بالمرآة (4) فسألها عن البيتين، فقالت: و اللّه ما جئتك اليوم؛ فعلم أنه نعى.

و قيل: إنه شهد جنازة بدابق فدفنت فى حقل، فجعل سليمان يأخذ من تلك التّربة، و يقول: ما أحسن هذه و أطيبها! فما أتى عليه جمعة حتى دفن إلى جنب ذلك القبر.

و قيل: إنه كان له من الأولاد الذكور أربعة عشر.

و كان نقش خاتمه: آمنت باللّه مخلصا.

و كتّابه: يزيد بن المهلب، ثم المفضل‏ (5) بن المهلب عم عبد العزيز ابن الحارث بن الحكم.

قاضيه: محمد بن حزم.

حاجبه: أبو عبيدة (6) مولاه.

الأمير بمصر: عبد اللّه بن رفاعة.

____________

(1) و الطبرى: 6- 547. و الكامل: 4- 151

(2) فى الطبرى: خير المتاع.

(3) فى الطبرى، و الكامل:

ليس فيما علمته فيك عيب‏ * * * كان فى الناس ...

(4) فى ك: المرأة.

(5) فى ك: الفضل.

(6) فى ك: أبو عبيد.