نهاية الأرب في فنون الأدب‏ - ج21

- أحمد بن عبد الوهاب النويري‏ المزيد...
557 /
355

قاضيها من قبله: عبد اللّه بن عبد الرحمن، و هو متولّى بيت المال، ثم رد القضاء إلى عياض بن عبد اللّه من قبل سليمان بن عبد الملك.

ذكر بيعة عمر بن عبد العزيز

هو أبو حفص عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم؛ و أمّه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب (رضى اللّه عنه)، و هو الثامن من ملوك بنى أمية، بويع له بدابق يوم الجمعة بعد وفاة سليمان لعشر خلون من صفر سنة [99 ه] تسع و تسعين.

قال: و كان سليمان لما مرض بدابق عهد فى كتاب كتبه لبعض بنيه و هو غلام لم يبلغ الحلم، فدخل عليه رجاء بن حيوة، فقال له:

يا أمير المؤمنين؛ إنه‏ (1) مما يحفظ الخليفة فى قبره أن يستخلف على الناس‏ (2) الرجل الصالح. فقال سليمان: أنا أستخير اللّه، و أنظر. و مكث يوما أو يومين ثم حرق‏ (3) الكتاب، و دعا رجاء، فقال: ما ترى فى ولدى داود؟ فقال رجاء: هو غائب بالقسطنطينية، و لم يدر (4) أ حيّ هو أم لا؟ قال: فما ترى فى عمر بن عبد العزيز؟

قال رجاء: أعلمه و اللّه خيّرا فاضلا مسلما. قال سليمان: هو على ذلك، و لئن ولّيته و لم أول أحدا سواه لتكوننّ فتنة و لا يتركونه أبدا عليهم إلا أن أجعل أحدهم بعده.

____________

(1) فى الكامل: إن ...

(2) فى الطبرى: على المسلمين.

(3) فى الكامل و الطبرى: و خرق.

(4) فى د: ندر. و فى الكامل: و لا تدرى. و فى الطبرى: و أنت لا تدرى أ حي هو أو ميت.

356

فأمر سليمان أن يجعل يزيد بن عبد الملك بعد عمر. و كان يزيد غائبا فى الموسم.

فكتب سليمان: بسم اللّه الرحمن الرحيم، هذا كتاب من عبد اللّه سليمان أمير المؤمنين لعمر بن عبد العزيز؛ إنى قد ولّيتك الخلافة من بعدى، و من بعدك يزيد بن عبد الملك؛ فاسمعوا له و أطيعوا، و اتّقوا اللّه، و لا تختلفوا، فيطمع فيكم.

و ختم الكتاب و أرسل إلى كعب بن جابر (1) صاحب شرطته، فقال: ادع أهل بيتى، فجمعهم كعب، ثم قال سليمان لرجاء بعد اجتماعهم: اذهب بكتابى هذا إليهم، و مرهم أن يبايعوا من ولّيت فيه، ففعل، و بايعوا رجلا رجلا، و لم يعلموا من فى الكتاب.

قال رجاء: فأتانى عمر بن عبد العزيز فقال: أخشى أن يكون هذا أسند إلىّ من هذا الأمر شيئا؛ فأنشدك اللّه إلّا أعلمتنى إن كان قد وقع حتى أستعفى قبل أن يأتى حال لا أقدر على ذلك فيها.

قال رجاء: فقلت: ما أنا مخبرك‏ (2). فذهب عنّى غضبان.

و لقينى هشام بن عبد الملك فقال: إن لى حرمة و مودّة قديمة فأعلمنى بهذا الأمر؛ فإن كان إلى غيرى تكلّمت، و للّه علىّ ألّا أذكرك.

قال: فأبيت أن أخبره. قال‏ (3): و دخلت على سليمان عند موته فغمضته و سجّيته، و أغلقت الباب، و أرسلت إلى كعب بن جابر (4)، فجمع أهل بيت سليمان فى مسجد دابق، فقلت: بايعوا! فقالوا:

____________

(1) فى الطبرى: حامد. و المثبت فى الكامل، د، ك.

(2) فى د: بمخير ك.

(3) قال: أى رجاء.

(4) فى الطبرى: حامد.

357

قد بايعنا مرة. قلت: و أخرى، هذا عهد من أمير المؤمنين، فبايعوا الثانية. قال رجاء: فلما بايعوا بعد موته رأيت أنى قد أحكمت الأمر فقلت: قوموا إلى صاحبكم فقد مات، فاسترجعوا، و قرأت الكتاب، فلما انتهيت إلى ذكر عمر بن عبد العزيز قال هشام:

لا نبايعه و اللّه أبدا. قلت: أضرب و اللّه عنقك. قم و بايع. فقام يجرّ رجليه.

قال رجاء: و أجلست عمر على المنبر و هو يسترجع لما وقع فيه، و هشام يسترجع لما أخطأه، فبايعوه.

قال: و لما دفن سليمان أتى عمر بمراكب الخلافة، فقال: دابّتى أرفق‏ (1) لى، و ركب دابّته؛ ثم أقبل سائرا، فقيل له: منازل‏ (2) الخلافة؟ فقال: فيها عيال سليمان، و فى فسطاطى كفاية حتى يتحوّلوا.

قال: و بلغ عبد العزيز بن الوليد- و كان غائبا- وفاة سليمان و لم يشعر بعمر (3)، فدعا لنفسه، فبلغه بيعة عمر، فأقبل حتى دخل عليه، فقال له عمر: بلغنى أنك بايعت من قبلك، و أردت دخول دمشق.

قال: نعم، و ذلك أنه بلغنى أنّ سليمان ما عقد لأحد فخفت على الأموال أن تنتهب. فقال [له‏] (4) عمر: لو بايعت و قمت بالأمر لم أنازعك فيه. فبايعه عبد العزيز.

قال: و لما استقرت البيعة لعمر قال لامرأته فاطمة بنت عبد الملك:

إن أردتنى‏ (5) فردّى ما معك من مال و حلى و جوهر إلى بيت المال،

____________

(1) فى الطبرى و الكامل: أوفق لى.

(2) فى الكامل: أ منزل الخلافة. و فى الطبرى: منزل الخلافة.

(3) فى الكامل: و لم يعلم ببيعة عمر.

(4) ليس فى د.

(5) فى الكامل: إن أردت صحبتى.

358

فإنه للمسلمين، و إنى لا أجتمع أنا و أنت و هو فى بيت واحد، فردّته جميعه. فلما توفى عمر و ولّى أخوها يزيد ردّه عليها فلم تأخذه، و قالت: ما كنت لأطيعه حيّا و أعصيه ميّتا، ففرّقه يزيد على أهله.

قال: و كان [من‏] (1) أول ما ابتدأ به عمر بن عبد العزيز أن ترك سبّ علىّ بن أبى طالب (رضى اللّه عنه) على المنابر، و كان يسبّ فى أيام بنى أمية إلى أن ولى عمر فترك ذلك، و أبدله بقول اللّه عز و جل‏ (2):

«إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ وَ إِيتاءِ ذِي الْقُرْبى‏ وَ يَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ الْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ». فحلّ ذلك عند الناس محلّا حسنا، و أكثروا مدح عمر بسببه، فكان ممن مدحه كثيّر عزّة بقوله‏ (3):

و ليت فلم تشتم عليّا و لم تخف‏ * * * بريّا و لم تتبع مقالة مجرم‏

تكلّمت بالحقّ المبين و إنما * * * تبيّن آيات الهدى بالتكلم‏

فصدقت‏ (4)معروف الذى قلت بالذى‏ * * * فعلت فأضحى راضيا كلّ مسلم‏

ألا إنما يكفى الفتى بعد زيغه‏ * * * من الأود البادى‏ (5) ثقاف المقوّم‏

و فيها وجّه عمر بن عبد العزيز إلى مسلمة و هو بأرض الروم يأمره بالقفول منها بمن معه من المسلمين، و وجّه لهم خيلا عتاقا و طعاما كثيرا.

و فيها أغارت الترك على أذربيجان. فقتلوا من المسلمين جماعة،

____________

(1) زيادة من د.

(2) سورة النحل، آية 90.

(3) الشعر و الشعراء: 483، و الكامل: 4- 154.

(4) فى الكامل: و صدقت. و فى الشعر و الشعراء: و صدقت بالفعل المقال مع الذى أتيت ...

(5) فى ك: النادى.

359

فوجّه عمر حاتم بن النعمان الباهلى فقتل أولئك الترك، و لم يفلت منهم إلا اليسير، و قدم على عمر منهم بخمسين أسيرا.

و فيها عزل عمر يزيد بن المهلّب عن أعماله، و وجّه إلى البصرة عدى بن أرطاة الفزارى، و جعل على الكوفة عبد الحميد بن عبد الرحمن ابن زيد بن الخطاب العدوى، و ضمّ إليه أبا الزّناد، و استعمل على خراسان الجراح بن عبد اللّه الحكمى.

و حجّ بالناس أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، و كان عامل المدينة، و كان العامل على مكة عبد العزيز بن [عبد اللّه بن خالد، و على الكوفة عبد الحميد] (1)، و على القضاء بها [عامر الشعبى، و كان على البصرة عدىّ من أرطاة، و على القضاء (2)] الحسن بن أبى الحسن البصرى، ثم استعفى عديّا فأعفاه، و استقضى إياس بن معاوية.

سنة مائة للهجرة:

ذكر خروج شوذب الخارجى‏

فى هذه السنة خرج شوذب و اسمه بسطام من بنى يشكر فى جوخى و كان فى ثمانين رجلا، فكتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الحميد عامله بالكوفة ألّا يحرّكهم حتى يسفكوا الدّماء أو يفسدوا فى الأرض، فإن فعلوا وجّه إليهم رجلا صليبا حازما فى جند.

فبعث عبد الحميد محمد بن جرير بن عبد اللّه البجلى فى ألفين، و أمره أن يفعل ما كتب‏ (3) به عمر، و كتب عمر إلى بسطام‏

____________

(1) فى ك: عبد العزيز بن أرطاة. و الزيادة فى الكامل، و الطبرى.

(2) الزيادة من الكامل و الطبرى.

(3) فى الكامل: و أمره بما كتب به عمر. و فى الطبرى: و أمره بما أمره به عمر.

360

يسأل‏ (1) عن مخرجه، فقدم كتاب عمر عليه، و قد قدم [عليه‏] (2) محمد، فكان فى كتاب عمر: بلغنى أنك خرجت غضبا للّه و لرسوله، و لست بذلك أولى منى، فهلم إلىّ أناظرك، فإن كان الحقّ بأيدينا دخلت فيما دخل فيه الناس، و إن كان فى يدك نظرنا فى أمرك.

فكتب إليه‏ (3) بسطام: قد أنصفت، و قد بعثت إليك برجلين يدارسانك و يناظرانك. و أرسل إليه مولى حبشيّا لبنى شيبان اسمه عاصم، و رجلا من بنى يشكر، فقدما على عمر بخناصرة (4)، فقال لهما: ما أخرجكما هذا المخرج؟ و ما الذى نقمتم؟ قال عاصم:

ما نقمنا سيرتك، إنك لتتحرّى العدل و الإحسان، فأخبرنا عن قيامك بهذا الأمر؛ عن رضا من الناس و مشورة، أم ابتززتم‏ (5) أمرهم؟ فقال عمر: ما سألتهم الولاية عليهم، و لا غلبتهم عليها، و عهد إلىّ رجل كان قبلى، فقمت، و لم ينكر علىّ أحد، و لم يكرهه غيركم، و أنتم ترون‏ (6) الرّضا بكل من عدل و أنصف من كان من الناس، فأنزلونى‏ (7) ذلك الرجل، فإن خالفت الحقّ و زغت‏ (8) عنه فلا طاعة لى عليكم. قالا: بيننا و بينك أمر واحد. قال: ما هو؟ قالا: رأيناك خالفت أعمال أهل بيتك و سمّيتها مظالم، فإن كنت على هدى و هم على‏

____________

(1) فى د، و الطبرى: يسأله.

(2) زيادة فى الكامل و الطبرى.

(3) فى ك: فقال له. و المثبت فى د، و الكامل. و فى الطبرى: و كتب.

(4) خناصرة: بليدة من أعمال حلب تحاذى قنسرين (ياقوت).

(5) فى ك: ابتدرتم.

(6) فى ك: ترجون.

(7) فى الكامل: فاتركونى.

(8) فى الكامل: و رغبت.

361

ضلالة فالعنهم و ابرأ منهم. فقال عمر: قد علمت أنكم لم تخرجوا طلبا للدنيا، و لكنكم أردتم الآخرة فأخطأتم طريقها، إنّ اللّه عزّ و جل لم يبعث رسوله لعّانا. و قال إبراهيم الخليل (صلوات اللّه عليه و سلامه)(1):

«فمن تبعنى فإنه منّى و من عصانى فإنّك غفور رحيم». و قال اللّه عز و جل‏ (2):

«أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ». و قد سميت أعمالهم ظلما، و كفى بذلك ذمّا و نقصا، و ليس لعن أهل الذنوب فريضة لا بدّ منها، فإن قلتم إنها فريضة فأخبرنى متى لعنت فرعون؟ قال: ما أذكر متى لعنته. قال: أ فيسعك ألّا تلعن فرعون و هو أخبث الخلق و شرّهم، و لا يسعنى ألّا ألعن أهل بيتى و هم مصلّون صائمون؟

قال عاصم: أ ما هم كفّار بظلمهم؟ قال: لا، لأنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم دعا الناس إلى الإيمان، فكان من أقرّبه و بشرائعه قبل منه، فإن أحدث حدثا أقيم عليه الحد. فقال عاصم: إن رسول اللّه دعا الناس إلى توحيد اللّه تعالى و الإقرار بما أنزل من عنده.

قال عمر: فليس أحد منهم يقول: لا أعمل بسنة رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم، و لكن القوم أسرفوا على أنفسهم على علمهم‏ (3) أنه محرّم عليهم، و لكن غلب عليهم الشّقاء.

قال عاصم: فابرأ مما خالف عملك و ردّ أحكامهم.

قال عمر: أخبرانى‏ (4) عن أبى بكر و عمر (رضى اللّه عنهما)، أ ليسا على الحق؟ قالا: بلى. قال: أ تعلمان أنّ أبا بكر حين قاتل أهل‏

____________

(1) سورة إبراهيم، آية 36.

(2) سورة الأنعام، آية 90.

(3) فى الكامل: على علم منهم.

(4) فى ك: أخبرنى.

362

الرّدّة سفك دماءهم، و سبى الذّرارى، و أخذ الأموال؟ قالا: نعم.

قال: أ فتعلمان أن عمر (رضى اللّه عنه) ردّ السبايا بعده إلى عشائرهم بفدية؟ قالا: نعم. قال: فهل برئ عمر من أبى بكر؟ قالا: لا.

قال: أ فتبرءون أنتم من واحد منهما؟ قالا: لا. قال: فأخبرانى عن أهل النّهروان و هم أسلافكم، هل تعلمان‏ (1) أنّ أهل الكوفة خرجوا فلم يسفكوا دما، و لم يأخذوا مالا، و أن من خرج إليهم من أهل البصرة قتلوا عبد اللّه بن خبّاب و جاريته و هى حامل؟ قالا: نعم.

قال: فهل برى من لم يقتل ممّن قتل؟ قالا: لا. قال: أ فتبرءون أنتم من إحدى الطائفتين؟ قالا: لا. قال: أ فيسعكم أن تتولّوا أبا بكر و عمر و أهل الكوفة و أهل البصرة و قد علمتم اختلاف أعمالهم، و لا يسعنى إلا البراءة من أهل بيتى، و الدّين واحد؟ فاتقوا اللّه، فإنكم جهّال تقبلون من الناس ما ردّ عليهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و تردّون عليهم ما قبل، و يأمن عندكم من خاف عنده، و يخاف عندكم من أمن عنده، فإنكم يخاف عندكم من يشهد أن لا إله إلا اللّه و أنّ محمّدا عبده و رسوله، و كان من فعل ذلك عند رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم أمن و حقن دمه و ماله، و أنتم تقتلونه و يأمن عندكم سائر أهل الأديان، فتحرّمون دماءهم و أموالهم.

قال اليشكرى: أ رأيت رجلا ولى قوما و أموالهم فعدل فيها ثم صيّرها بعده إلى رجل غير مأمون، أ تراه أدّى الحقّ الذى يلزمه للّه عزّ و جلّ، و تراه قد سلّم؟ قال عمر: لا. قال: أ فتسلم هذا الأمر إلى يزيد من بعدك و أنت تعلم أنه لا يقوم فيه بالحقّ. قال: إنما ولّاه‏

____________

(1) فى ك: تعلمون.

363

غيرى، و المسلمون أولى بما يكون منهم فيه بعدى. قال: أ فترى ذلك من صنع من ولّاه حقّا؟ فبكى عمر، و قال: أنظرانى ثلاثا (1).

فخرجا من عنده ثم عادا إليه، فقال عاصم: أشهد أنك على حق.

فقال عمر لليشكرى: ما تقول أنت؟ قال: ما أحسن ما وصفت، و لكنى لا أفتات على المسلمين بأمر، أعرض عليهم ما قلت و أعلم ما حجّتهم. فأما عاصم فأقام عند عمر، فأمر له بالعطاء فتوفى بعد خمسة عشر يوما، فكان عمر يقول: أهلكنى أمر يزيد، و خصمت فيه، فأستغفر اللّه. فخاف بنو أمية أن يخرج ما بأيديهم و أن يخلع يزيد من ولاية العهد؛ فوضعوا على عمر من سقاه سمّا. فلم يلبث بعد ذلك إلّا ثلاثا حتى مرض و مات، (رحمه الله تعالى).

هذا و محمد بن جرير مقابل الخوارج لا يتعرض إليهم و لا يتعرّضون إليه، فلما مات عمر و ولّى يزيد كان ما نذكره فى أخبار يزيد.

*** و فى هذه السنة عزل عمر يزيد بن المهلب عن خراسان و أحضره و طالبه بالمال الذى كان كتب به إلى سليمان و اعتقله بحصن حلب، و استعمل على خراسان الجرّاح بن عبد اللّه الحكمى، ثم عزله؛ و استعمل عبد الرحمن بن نعيم القشيرى.

و فيها كان ابتداء خروج شيعة بنى العباس على ما نذكره فى أخبار الدولة العباسية إن شاء اللّه تعالى.

و فيها أمر عمر بن عبد العزيز أهل طرندة (2) بالقفول عنها إلى ملطية، و طرندة أوغل‏ (3) فى البلاد الرّومية بثلاث‏

____________

(1) أى طلب تأخير الأمر فى المناظرة لضيقه بالأمر (بين السطور فى نسخة د).

(2) طرندة: من ملطية على ثلاث مراحل داخلة فى بلاد الروم (ياقوت).

و فى ك: طريدة- تحريف.

(3) فى الكامل: واغلة.

364

مراحل، و كان عبد اللّه بن عبد الملك قد أسكنها المسلمين بعد أن غزاها سنة [83 ه] ثلاث و ثمانين و ملطية يومئذ خراب، و كان يأتيهم جند من الجزيرة يقيمون عندهم إلى أن ينزل الثّلج و يعودون إلى بلادهم، فلم يزالوا كذلك إلى أن ولى عمر، فأمرهم بالعود إلى ملطية و أخلى طرندة خوفا على المسلمين من العدوّ، و أخرب طرندة، و استعمل على ملطية جعونة بن الحارث أحد بنى عامر بن صعصعة.

و فيها كتب عمر إلى ملوك السند يدعوهم إلى الإسلام، فأسلم من ذكرنا منهم على ما سبق ذكر ذلك.

و فيها استعمل عمر بن عبد العزيز عمر بن هبيرة الفزارى على الجزيرة.

و فيها مات أبو الطّفيل عامر بن واثلة الليثى بمكة، و هو آخر من مات من الصحابة، و مولده عام أحد.

و حجّ بالناس أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم.

*** سنة (101 ه) احدى و مائة:

فى هذه السنة هرب يزيد بن المهلب من حبس عمر بن عبد العزيز، و ذلك أنه لما اشتدّ مرض عمر بن عبد العزيز عمل يزيد فى الهرب مخافة يزيد بن عبد الملك لإساءة [كانت‏] (1) صدرت منه فى حقّه أيام سليمان، فأرسل ابن المهلب إلى مواليه فأعدّوا له خيلا و إبلا، و واعدهم مكانا يأتيهم فيه، و أرسل إلى عامل حلب و إلى الحرّاس مالا، و قال: إنّ أمير المؤمنين قد ثقل فى مرضه، و ليس يرجى،

____________

(1) زيادة فى د.

365

و إن ولى يزيد سفك دمى، فأخرجوه، فهرب و قصد البصرة، و كتب إلى عمر كتابا يقول: إنى و اللّه لو وثقت بحياتك لم أخرج من محبسك و لكنى خفت أن يلى يزيد فيقتلنى شرّ قتله.

فورد الكتاب و به رمق، فقال (رضى اللّه عنه): اللهم إن كان يزيد يريد (1) بالمسلمين سوءا فألحقه به و هضه فقد هاضنى، ثم كان من أمر ابن المهلّب ما نذكره إن شاء اللّه تعالى.

ذكر وفاة عمر بن عبد العزيز

(رضى اللّه عنه) و شي‏ء من أخباره و سيرته (رحمه الله تعالى) كانت وفاته (رحمه الله) بخناصرة لستّ بقين من شهر رجب سنة [101 ه] إحدى و مائة، و كانت شكواه عشرين يوما، و قيل له [فى مرضه‏] (2): لو تداويت! فقال‏ (3): لو كان دوائى فى مسح أذنى ما مسحتها، نعم المذهوب إليه ربّى. و دفن‏ (4) بدير سمعان من أرض حمص.

و قيل: به توفى، و كان عمره تسعا و ثلاثين سنة و أشهرا [و قيل أربعين سنة و أشهرا] (5).

و كانت خلافته سنتين و خمسة أشهر و أربعة عشر يوما.

و كان أبيض نحيفا حسن الوجه، و هو أشجّ بنى أمية، رمحته‏

____________

(1) فى الطبرى: إن كان يزيد يريد بهذه الأمة شرا ...

(2) من د.

(3) فى د: قال.

(4) بفتح الدال و كسرها (ياقوت).

(5) من د.

366

دابّة فشجّته، و هو غلام، فدخل على أمه فضمّته إليها و لامت أباه حيث لم يجعل معه حاضنا (1). فقال لها عبد العزيز: اسكتى يا أمّ عاصم، فطوبى له إن كان أشجّ بنى أميّة.

و كان عبد اللّه بن عمر بن الخطاب (رضى اللّه عنهما) يقول: يا ليت شعرى، من هذا الذى من ولد عمر فى وجهه علامة يملأ الدنيا عدلا؛ فكان عمر بن عبد العزيز؛ لأنّ أمّه ابنة عاصم بن عمر بن الخطاب (رضى اللّه تعالى عنهم اجمعين).

ذكر نبذة من سيرته (رضى اللّه عنه)

كان (رحمه الله) و رضى عنه قد بثّ العدل و نشره فى الدنيا و اقتصر من دنياه على سدّ الخلّة (2) حتى إنّ مسلمة بن الملك عاده فى مرض موته، فرأى عليه قميصا دنسا (3)، فقال لأخته فاطمة، و هى زوجة عمر: اغسلوا ثياب أمير المؤمنين. فقالت: نفعل. ثم عاده فرأى الثّوب بحاله، فقال: أ لم آمركم أن تغسلوا قميصه. فقالت: و اللّه ما له غيره، و كانت نفقته فى كل يوم درهمين.

قال: و لما ولى الخلافة أتاه أصحاب مراكب الخلافة يطلبون علفها، فأمر بها فبيعت، و جعل ثمنها فى بيت المال، و قال: بغلتى هذه تكفينى.

قال: و لما ولى صعد المنبر فحمد اللّه و أثنى عليه، ثم قال: أيّها الناس،

____________

(1) فى الطبرى: خادما و لا خاضنا.

(2) الخلة: الحاجة.

(3) فى الكامل: وسخا.

367

من صحبنا فليصحبنا لخمس‏ (1)، و إلّا فلا يقربنا: يرفع إلينا حاجة من لا يستطيع رفعها، و يعيننا على الخير بجهده، و يدلّنا على ما لا نهتدى إليه من الخير، و لا يغتابنّ أحدا، و لا يعترض فيما لا يعنيه.

فانقشع الشعراء و الخطباء، و ثبت عنده الفقهاء و الزّهّاد، و قالوا:

ما يسعنا أن نفارق هذا الرجل حتى يخالف قوله فعله.

و لما ولى أحضر قريشا و وجوه الناس فقال: إنّ فدك‏ (2) كانت بيد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) [فكان‏] (3) يضعها حيث أراه اللّه، ثم وليها أبو بكر كذلك، و عمر كذلك، ثم أقطعها مروان.

ثم إنها صارت لى، و لم يكن من مالى أعود علىّ منها، و إنى أشهدكم أنى قد رددتها على ما كانت عليه فى عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم).

قال: فيئس الناس من الظّلم.

و أخذ من أهله ما بأيديهم، و سمّى ذلك مظالم، ففزع بنو أمية إلى عمّته فاطمة بنت مروان فأتته، فقالت [له‏] (4): تكلّم أنت يا أمير المؤمنين. قال: إن اللّه بعث محمدا (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى الناس كافة (5)، ثم اختار له ما عنده، و ترك للناس نهرا شربهم سواء، ثم ولى أبو بكر فترك النهر على حاله، ثم ولى عمر فعمل عملهما، ثم لم يزل النهر يستقى منه يزيد

____________

(1) فى الكامل: بخمس.

(2) فدك: قرية بالحجاز، بينها و بين المدينة يومان، و قيل ثلاثة، أفاءها اللّه على رسوله فى سنة سبع صلحا (ياقوت).

(3) من الكامل.

(4) من د.

(5) فى الكامل: إلى الناس رحمة و لم يبعثه عذابا.

368

و مروان، و عبد الملك ابنه، و الوليد و سليمان ابنا عبد الملك، حتى أفضى الأمر إلىّ، و قد يبس النهر الأعظم، فلن يروى‏ (1) أصحابه حتى يعود إلى ما كان عليه.

فقالت: حسبك [قد أردت كلامك‏ (2)]، فأما إذا كانت مقالتك هذه فلا أذكر شيئا أبدا، و رجعت إليهم فأخبرتهم بكلامه.

و قد قيل: إنها قالت له: إن بنى أميّة كذا و كذا- ذكرت إنكارهم لفعله بهم- فلما تكلم بهذا قالت له: إنهم يحذّرونك يوما من أيامهم، فغضب و قال: كل يوم أخافه غير يوم القيامة؛ فلا أمّننى‏ (3) اللّه شرّه.

فرجعت إليهم فأخبرتهم و قالت: أنتم فعلتم هذا بأنفسكم، تزوجتم بأولاد عمر بن الخطاب، فجاء يشبه جدّه، فسكتوا.

قالت فاطمة امرأة عمر: دخلت عليه فى مصلّاه و دموعه تجرى على لحيته، فقلت: أحدث شي‏ء؟ قال: إنى تقلّدت أمر أمّة محمد صلى اللّه عليه و سلّم، فتفكرت فى الفقير الجائع، و المريض الضائع و العارى‏ (4) و المظلوم و المقهور (5)، و الغريب و الأسير، و الشيخ الكبير و ذى العيال الكثير و المال القليل و أشباههم فى أقطار الأرض، فعلمت أنّ ربى سيسألنى عنهم يوم القيامة، و أنّ خصمى دونهم محمد صلّى اللّه‏

____________

(1) فى الكامل: فلم يرو.

(2) من الكامل.

(3) فى الكامل: فلا أمنت شره.

(4) فى الكامل: و الغازى.

(5) فى الكامل: و المظلوم المقهور.

369

عليه و سلّم، فخشيت ألّا تثبت حجّتى عند الخصومة، فرحمت نفسى فبكيت.

و كتب إلى عمّاله نسخة واحدة: أما بعد فإنّ اللّه عزّ و جل أكرم بالإسلام أهله، و شرّفهم و أعزّهم، و ضرب الذّلّة و الصّغار على من خالفهم، و جعلهم خير أمّة أخرجت للناس، فلا تولّينّ أمر (1) المسلمين أحدا من أهل ذمتهم و خراجهم، فتنبسط عليهم أيديهم و ألسنتهم فتذلّهم بعد أن أعزّهم اللّه، و تهينهم بعد أن أكرمهم اللّه، و تعرّضهم لكيدهم و الاستطالة عليهم، و مع هذا فلا يؤمن غشّهم إياهم، فإنّ اللّه عز و جل يقول‏ (2): «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا وَدُّوا ما عَنِتُّمْ». و قال تعالى‏ (3): «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَ النَّصارى‏ أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ». و السلام.

و كتب لما ولى الخلافة إلى يزيد بن المهلب بن أبى صفرة، و هو إذ ذاك يلى العراق و خراسان:

أما بعد فإنّ سليمان كان عبدا من عبيد اللّه، أنعم اللّه عليه ثم قبضه، و استخلفنى و يزيد بن عبد الملك من بعدى إن كان، و إن الذى ولّانى اللّه من ذلك و قدر لى ليس علىّ بهيّن، و لو كانت رغبتى فى اتخاذ أزواج و اعتقاد (4) أموال لكان فى الذى أعطانى اللّه من ذلك ما قد بلغ بى أفضل ما بلغ بأحد من خلقه، و أنا أخاف فيما ابتليت به حسابا شديدا

____________

(1) فى الكامل: أمور.

(2) سورة آل عمران، آية 118.

(3) سورة المائدة، آية 51.

(4) فى الكامل: أو اعتقال. و المثبت فى الطبرى أيضا.

370

و مسألة غليظة إلّا ما عافى‏ (1) اللّه و رحم، و قد بايع من قبلنا فبايع من قبلك.

فلما قرأ الكتاب قيل له: لست من عمّاله، لأن كلامه ليس ككلام من مضى من أهله.

و كتب إلى عبد الرحمن بن نعيم:

أما بعد فاعمل عمل من يعلم أنّ اللّه لا يصلح عمل المفسدين.

و كتب إلى سليمان بن أبى السرى: أن اعمل خانات، فمن مرّ بك من المسلمين فاقروه يوما و ليلة، و تعهّدوا دوابّهم. و من كانت به علة فاقروه يومين و ليلتين، و إن كان منقطعا [به‏] (2) فأبلغه بلده.

فلما أتاه كتاب عمر قال له أهل سمرقند: إنّ قتيبة ظلمنا و غدر بنا، و أخذ بلادنا، و قد أظهر اللّه العدل و الإنصاف فأذن لنا فليقدم منا وفد على أمير المؤمنين، فأذن لهم، فوجّهوا وفدا إلى عمر، فكتب إلى سليمان: إنّ أهل سمرقند شكوا ظلما و تحاملا من قتيبة عليهم حتى أخرجهم من أرضهم، فإذا أتاك كتابى فأجلس لهم القاضى فلينظر فى أمرهم، فإن قضى لهم فأخرج العرب إلى معسكرهم كما كانوا قبل أن يظهر عليهم قتيبة.

فأجلس لهم سليمان جميع بن حاضر القاضى، فقضى أن تخرج العرب إلى معسكرهم و ينابذوهم على سواء، فيكون صلحا جديدا

____________

(1) فى الكامل: ما عفا.

(2) زيادة فى د.

371

أو ظفرا عنوة. فقال أهل الصّغد: نرضى بما كان و لا نحدث شيئا (1) و تواصوا بذلك.

و كتب إلى عبد الحميد: أما بعد فإنّ أهل الكوفة أصابهم بلاء و شدة و جور فى أحكام اللّه؛ و سنّة خبيثة سنّها عليهم عمّال السوء، و إن قوام الدّين العدل و الإحسان، فلا يكوننّ [شي‏ء] (2) أهمّ إليك من نفسك؛ فإنه لا قليل من الإثم‏ (3)، و لا تحمل خرابا على عامر، و خذ منه ما أطاق؛ و أصلحه حتى يعمر، و لا يؤخذن من العامر إلا وظيفة الخراج فى رفق و تسكين لأهل الأرض، و لا تأخذنّ أجور الضرابين و لا هديّة النوروز و المهرجان؛ و لا ثمن الصحف و لا أجور الفيوج‏ (4) و لا أجور البيوت؛ و لا دراهم النكاح؛ و لا خراج على من أسلم من أهل الأرض، فاتّبع فى ذلك أمرى، فإنى قد ولّيتك من ذلك ما ولّانى اللّه، و لا تعجل دونى بقطع و لا صلب حتى تراجعنى فيه، و انظر من أراد من الذريّة أن يحج فعجّل له مائة ليحجّ بها. و السلام.

قال محمد بن [على‏] (5) الباقر: إن لكل قوم نجيبة، و إن نجيبة بنى أمية عمر بن عبد العزيز (رحمه الله)، فإنه يبعث يوم القيامة أمة وحده.

و قال مجاهد: أتينا عمر نعلّمه؛ فلم نبرح حتى تعلّمنا منه‏ (6).

____________

(1) فى د: حدثا و تراضوا. و فى الطبرى. و لا نجدد حربا و تراضوا بذلك.

و فى الكامل: و لا نحدث حربا و تراضوا ...

(2) من د، و الكامل.

(3) فى الكامل: فلا تحملها قليلا من الإثم.

(4) الفيوج: الفيج: المطمئن من الأرض (القاموس).

(5) زيادة فى د.

(6) فى ك: به.

372

و قيل لعمر بن عبد العزيز (رضى اللّه عنه): ما كان بدء إنابتك؟

قال: أردت ضرب غلام لى، فقال لى: اذكر ليلة صبيحتها يوم القيامة.

و قال عمر: ما كذبت منذ علمت أنّ الكذب يضرّ أهله.

و أخباره (رضى اللّه عنه) فى الخير و العدل كثيرة لو استقصيناها أو أوردنا ما طالعناه منها لطال و لخرج عن قاعدة هذا التأليف، و ناهيك بها سيرة ضرب بها المثل فى العدل و الإحسان منذ كانت إلى يومنا هذا.

و كان له من الأولاد الذكور أربعة عشر و خمس بنات.

كتّابه: رجاء بن حيوة الكندى؛ و ابن أبى رقبة (1).

قاضيه: عبد اللّه بن سعد الأبلّى.

حجابه: جيش، و مزاحم، مولياه.

الأمير بمصر: أيوب بن شرحبيل.

و أقر على القضاء عياض بن عبد اللّه؛ ثم صرفه بأبى مسعود عبد اللّه بن حذافة.

و كان نقش خاتمه (رضى اللّه عنه): «عمر بن عبد العزيز يؤمن باللّه».

ذكر بيعة يزيد بن عبد الملك‏

هو أبو خالد يزيد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم، و أمّه عاتكة بنت يزيد بن معاوية، و هو التاسع من ملوك بنى أمية، بويع له يوم الجمعة لخمس بقين من شهر رجب سنة [101 ه] إحدى و مائة بعد وفاة

____________

(1) الضبط فى د.

373

عمر بن عبد العزيز؛ و ذلك بعهد من أخيه سليمان بن عبد الملك على ما تقدّم ذكر ذلك.

قيل: و لما احتضر عمر (رضى اللّه عنه) قيل له: اكتب إلى يزيد فأوصه بالأمّة. قال: بما ذا أوصيه؟ إنه من بنى عبد الملك.

ثم كتب إليه: أما بعد فاتّق يا يزيد الصّرعة بعد الغفلة، حين لا تقال العثرة، و لا تقدر على الرجعة، إنك تترك ما تترك لمن لا يحمدك، و تصير إلى من لا يعذرك. و السلام.

فلما ولى يزيد نزع أبا بكر محمد بن عمرو بن حزم [عن المدينة، و استعمل عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس الفهرى عليها؛ فأراد معارضة ابن حزم‏] (1) فلم يجد عليه سبيلا حتى شكا عثمان بن حيّان إلى يزيد ابن عبد الملك من ابن حزم، و أنه ضربه حدّين، و طلب منه أن يقيده منه.

فكتب يزيد إلى عبد الرحمن كتابا: أما بعد فانظر فيم ضرب ابن حزم ابن حيان، فإن كان ضربه فى أمر بيّن أو أمر مختلف فيه فلا تلتفت إليه.

فأرسل ابن الضحاك إلى ابن حزم فأحضره؛ و ضربه حدّين فى مقام واحد، و لم يسأله عن شي‏ء، و عمد يزيد إلى كلّ ما فعله عمر بن عبد العزيز (رضى اللّه عنه) مما لم يوافق هواه، فرده، و لم يخف شناعة عاجلة و لا إثما آجلا.

____________

(1) ساقط فى ك.

374

ذكر مقتل شوذب الخارجى و هزيمته بجيوش يزيد قبل ذلك‏

و اسم شوذب بسطام.

قد ذكرنا خروجه فى أيام عمر بن عبد العزيز (رحمه الله) و وصول رسله إلى عمر، و ما كان بينهما من المناظرة، و خروج محمد بن جرير ابن عبد اللّه البجلى إليهم فى ألفين و موادعتهم إلى أن يعود رسولا شوذب من عند عمر؛ فلما مات عمر بن عبد العزيز أحبّ عبد الحميد ابن عبد الرحمن بن زيد بن الخطّاب، و هو الأمير على الكوفة، أن يحظى عند يزيد بن عبد الملك؛ فكتب إلى محمد بن جرير يأمره بمناجزة (1) شوذب، فلما رآه يستعدّ للحرب أرسل إليه يقول:

ما أعجلكم قبل انقضاء المدّة.

فأرسل إليه محمد: إنه لا يسعنا ترككم على هذه الحال.

فقال الخوارج: ما فعل هؤلاء هذا إلّا و قد مات الرجل الصالح، فاقتتلوا، فأصيب من الخوارج نفر، و قتل أكثر (2) أهل الكوفة، و انهزم من بقى منهم نحو الكوفة، و تبعهم الخوارج حتى بلغوا الكوفة، ثم رجعوا إلى مكانهم.

ثم وجّه يزيد بن عبد الملك تميم بن الحباب فى ألفين فقاتلوه، فقتل‏ (3)، و قتل أكثر أصحابه، و لجأ من بقى منهم إلى الكوفة، و التحق بعضهم بيزيد، فأرسل إليهم يزيد نجدة بن الحكم الأزدى فى جمع، فقتلوه و هزموا أصحابه.

____________

(1) فى الطبرى: بمحاربة.

(2) فى الكامل: الكثير.

(3) فى الكامل: فقتلوه و قتلوا أصحابه.

375

و أقام شوذب بمكانه‏ (1) حتى دخل مسلمة بن عبد الملك الكوفة، فشكا إليه أهل الكوفة مكان شوذب و حذّروه أمره، فأرسل إليه مسلمة سعيد بن عمرو الحرشىّ. فى عشرة آلاف، فقال شوذب لأصحابه:

من كان منكم يريد الشهادة فقد جاءته، و من كان يريد الدنيا فقد ذهبت. فكسروا أغماد سيوفهم و حملوا فكشفوا سعيدا و أصحابه مرارا حتى خاف سعيد (رحمه الله) الفضيحة، و كان فارسا شجاعا، فوبخ‏ (2) أصحابه، و قبّح عليهم الفرار، فحملوا فقتلوا بسطاما و من معه من الخوارج.

ذكر الغزوات و الفتوحات فى خلافة يزيد بن عبد الملك بن مروان‏

ذكر غزوة الترك‏

و فى سنة [102 ه] اثنتين و مائة كانت الحرب بين المسلمين و الترك عند قصر الباهلى.

و قيل: كان سبب ذلك أنّ عظيما من عظماء الدّهاقين أراد أن يتزوّج امرأة من باهلة كانت فى ذلك القصر، فأبت فاستجاش التّرك، فجمعهم خاقان و وجّههم إلى الصّغد، فساروا و عليهم كورصول حتى نزلوا بقصر الباهلى، و رجوا أن يسبوا من فيه، و كان فيه مائة أهل بيت بذراريهم، و كان على سمرقند يومذاك عثمان بن عبد اللّه بن مطرّف بن الشّخّير من قبل سعيد بن عبد العزيز عامل خراسان، فكتب أهل القصر إليه، و خافوا أن يبطئ عنهم المدد، فصالحوا الترك على أربعين ألفا و أعطوهم سبعة عشر رجلا رهينة؛ و انتدب‏ (3) عثمان الناس؛ فانتدب المسيب‏

____________

(1) فى الكامل: و أقام الخوارج مكانهم.

(2) فى الطبرى: فذمر.

(3) فى الكامل: و ندب.

376

ابن بشر الرّياحى، و انتدب معه أربعة آلاف من جميع القبائل، و عليهم شعبة بن ظهير، و كان على سمرقند قبل عثمان، فلما عسكروا قال لهم المسيّب: إنكم تقدمون على حلبة التّرك عليهم خاقان، و العوض إن صبرتم الجنة، و العقاب إن فررتم النار؛ فمن أراد الغزو و الصبر فليقدم.

فرجع عنه ألف و ثلاثمائة، فلما سار فرسخا [آخر] (1)، فقال مثل ذلك؛ فاعتزله ألف، ثم سار فرسخا آخر فقال مثل ذلك، فاعتزله ألف، و بقى فى سبعمائة؛ فسار حتى بقى على فرسخين من التّرك، فأتاه الخبر أن أهل القصر قد صالحوا التّرك على أربعين ألفا، و أعطوهم سبعة عشر رجلا رهينة، و أنه لما بلغهم مسير المسلمين قتلوا الرهائن و أنهم اتّعدوا القتال غدا.

فبعث المسيّب رجلين إلى أهل القصر يعلمهم بقربه، و يستمهلهم يوما و ليلة، فأتيا القصر فى ليلة مظلمة و قد أجرت‏ (2)، الترك الماء فى نواحى القصر، فليس يصل إليه أحد. فلما دنوا من القصر صاح بهم الرّبيئة فاستنصتاه، و قالا له: ادع لنا عبد الملك بن دثار، فدعاه، فأعلماه قرب المسيّب، [و أمراه بالصّبر غدا، و رجعا إلى المسيّب،] (3) فبايع أصحابه على الموت، فبايعوه، و سار حتى بقى‏ (4) بينه و بين القصر نصف فرسخ، فلما أمسى أمر أصحابه بالصّبر، و قال: ليكن‏

____________

(1) ليس فى د.

(2) فى الكامل: أخذت.

(3) ليس فى ك.

(4) فى د. صار.

377

شعاركم: يا محمد، و لا تتبعوا مولّيا، و عليكم بالدوابّ فاعقروها فإنها إذا عقرت كانت أشدّ عليهم منكم، و سار بهم ليلا فوافى عسكر الترك وقت السّحر، فخالطهم المسلمون، و عقروا الدواب، فانهزمت الترك، و نادى منادى المسيّب: لا تتبعوهم، فإنهم لا يدرون من الرّعب أ تبعتموهم أم لا.

و أمر أصحابه أن يقصدوا القصر و يحملوا ما فيه من المال و من بالقصر؛ ممن يعجز عن المشى، ففعلوا، و رجع إلى سمرقند، و رجع التّرك من الغد، فلم يروا بالقصر أحدا، و رأوا قتلاهم، فقالوا: لم يكن الذين أتونا من الإنس. و اللّه أعلم.

ذكر غزو الصغد

و فى سنة [102 ه] اثنتين و مائة أيضا عبر سعيد النهر، و غزا الصّغد، و كانوا نقضوا العهد، و أعانوا التّرك على المسلمين، فلقيه الترك و طائفة من الصّغد، فهزمهم المسلمون و ساروا حتى انتهوا إلى واد بينهم و بين المرج، فقطعه بعضهم و قد أكمن‏ (1) لهم التّرك، فلما جازهم المسلمون خرجوا عليهم، فانهزم المسلمون حتى انتهوا إلى الوادى، ثم جاء الأمير و بقيّة الجيش فانهزم العدوّ.

و فيها غزا عمر بن هبيرة الروم من ناحية أرمينية، و هو على الجزيرة قبل أن يلى العراق، فهزمهم، و أسر منهم خلقا كثيرا. و قيل‏ (2) سبعمائة أسير.

____________

(1) فى ك: كمن.

(2) فى الكامل: و قتل. و فى الطبرى: قيل.

378

و غزا عباس بن الوليد بن عبد الملك الروم، فافتتح دلسة (1)، و غزا أيضا فى سنة ثلاث و مائة، ففتح مدينة يقال لها رسلة (2).

ذكر الوقعة بين سعيد الحرشى‏ (3) أمير خراسان و بين الصّغد

و فى سنة [104 ه] أربع و مائة غزا سعيد الحرشى، فقطع النّهر و سار فنزل قصر الرّيح على فرسخين من الدّبوسية (4)، و كان الصّغد لما بلغهم عزل سعيد بن عبد العزيز عن خراسان و استعمال الحرشى خافوه على أنفسهم، فأجمع عظماؤهم على الخروج من بلادهم، فقال لهم ملكهم: أقيموا و احملوا له خراج ما مضى، و اضمنوا له خراج ما يأتى، و عمارة الأرض، و الغزو معه إن أراد ذلك، و اعتذروا مما كان منكم، و أعطوه رهائن. قالوا: نخاف ألّا يقبل ذلك منا، و لكنا نأتى خجندة (5) فنستجير بملكها، و نرسل إلى الأمير فنسأله الصّفح عما كان منّا.

فوافقهم.

فخرجوا إلى خجندة، و أرسلوا إلى ملك فرغانة يسألونه أن يمنعهم، و ينزلهم مدينته، فأراد أن يفعل فنهته أمه، و قالت له: فرّغ لهم رستاقا يكونون فيه؛ فأرسل إليهم: سمّوا رستاقا تكونون فيه حتى نفرغه لكم، و أجّلونى أربعين يوما.

____________

(1) هذا فى ك، د.

(2) و الطبرى: 6- 619

(3) بالحاء المهملة المفتوحة و الشين المعجمة (اللباب).

(4) بليدة من أعمال الصغد مما وراء النهر (ياقوت).

(5) بضم أوله و فتح ثانيه و نون ثم دال مهملة: بلدة مشهورة مما وراء النهر على شاطئ سيحون (ياقوت).

379

فاختاروا شعب عصام بن عبد اللّه الباهلى، فقال: نعم، و ليس علىّ عقد و لا جوار حتى تدخلوه، و إن أتتكم العرب قبل دخوله لم أمنعكم. فرضوا، و فرغ لهم الشّعب.

فلما انتهى الحرشى إلى قصر الرّيح أتاه ابن عم ملك فرغانة فقال له: إنّ أهل الصّغد بخجندة، و أخبره خبرهم، و قال: عاجلهم قبل أن يصلوا إلى الشّعب، فليس لهم علينا جوار حتى يمضى الأجل.

فوجّه معه عبد الرحمن القشيرى أو زياد (1) بن عبد الرحمن فى جماعة، ثم ندم‏ (2) بعد ما فصلوا، و قال: جاءنى علج لا أعلم صدق أم كذب؛ فغرّرت بجند من المسلمين.

فارتحل فى أثرهم حتى نزل أشروسنة (3)، فصالحهم بشى‏ء يسير، ثم سار مسرعا حتى لحق القشيرى، و ساروا حتى انتهوا إلى خجندة، فنزل عليهم و أخذ فى التأهّب. و كان الذين بخجندة قد حفروا خندقا فى ربضهم وراء الباب، و غطّوه بقصب و تراب، و أرادوا إذا التقوا إن انهرموا دخلوا من الطريق‏ (4)، و يشكل على المسلمين فيسقطون فى الخندق. فلما خرجوا قاتلوهم فانهزموا و أخطئوا (5) هم الطريق فسقطوا فى الخندق، فأخرج منهم المسلمون أربعين رجلا، و حصرهم الحرشىّ، و نصب عليهم المجانيق.

فأرسلوا إلى ملك فرغانة: إنك قد غدرت [بنا] (6)، و سألوه‏

____________

(1) فى الكامل: و زياد.

(2) فى الطبرى: ثم ندم على ما فعل.

(3) بالضم ثم السكون و ضم الراء و واو ساكنة و سين مهملة مفتوحة و نون و هاء:

بلدة كبيرة بما وراء النهر بين سيحون و سمرقند (ياقوت).

(4) فى الطبرى: إن انهزموا أن يكونوا عرفوا الطريق ...

(5) فى الكامل: و أخطأهم. و فى الطبرى: و أخطئوهم.

(6) من الكامل و الطبرى.

380

أن ينصرهم، فقال: قد أتوكم قبل انقضاء الأجل، و لستم فى جوارى، فطلبوا الصّلح، و سألوا الحرشىّ أن يؤمنهم و يردّهم إلى الصّغد، فاشترط عليهم أن يردّوا ما فى أيديهم من نساء العرب و ذراريهم، و أن يؤدوا ما كسروا من الخراج، و لا يغتالوا أحدا، و لا يتخلّف منهم بخجندة أحد، فإن أحدثوا حدثا حلّت دماؤهم.

فخرج إليهم الملوك و التجار من الصّغد، و نزل عظماء الصّغد على الجند الذين يعرفونهم، و نزل كارزنج على أيوب بن حسّان‏ (1)، و بلغ الحرشى أنهم قتلوا امرأة ممن كان فى أيديهم، فقال [لهم‏] (2):

بلغنى أنّ ثابتا الإشتيخنى قتل امرأة؛ فجحدوا. فسأل حتى استصح الخبر، فأحضر ثابتا و قتله، فلما بلغ‏ (3) كارزنج ذلك خاف أن يقتل فأرسل إلى ابن أخيه ليأتيه بسراويل، و كان قد قال لابن أخيه: إذا طلبت سراويل فاعلم أنه القتل. فبعث به إليه، و خرج و اعترض الناس فقتل ناسا، و انتهى إلى ثابت بن عثمان بن مسعود فقتله ثابت، و قتل الصّغد مائة و خمسين رجلا كانوا عندهم من أسرى المسلمين، فأمر الحرشىّ بقتل الصّغد بعد عزل التجار عنهم، فقاتلهم الصّغد بالخشب، و لم يكن لهم سلاح، فقتلوا عن آخرهم، و كانوا ثلاثة آلاف، و قيل سبعة آلاف، و اصطفى الحرشى أموال الصّغد و ذراريهم، و أخذ من ذلك ما أعجبه، و قسّم ما بقى، و فتح المسلمون حصنا يطيف به وادى الصّغد من ثلاث جهات صلحا على ألّا يتعرض لنسائهم و ذراريهم، ففعلوا.

____________

(1) فى الطبرى و الكامل: أيوب بن أبى حسان. و المثبت فى ك، د.

(2) من الطبرى.

(3) فى الكامل: سمع.

381

و سار الحرشى إلى كسّ‏ (1)، فصالحوه على عشرة آلاف رأس. و قيل:

ستة آلاف رأس، و ولىّ الحرشى نصر بن سيّار قبض صلح كسّ، و استعمل سليمان بن أبى السرى على كس، و نسف- حربها و خراجها.

و كانت خزار (2) منيعة، فأرسل الحرشىّ إليها المسربل بن الخرّيت النّاجى، و كان صديقا لملكها، و اسم ملكها سبغرى‏ (3)، فأخبر الناجى الملك بما صنع الحرشى بأهل خجندة، و خوّفه. قال: فما ترى؟

قال: أرى أن تنزل بأمان، فصالحهم فأمنوه و بلاده، و رجع الحرشى إلى مرو و معه سبغرى فقتله و صلبه و معه أمانه.

ذكر ظفر الخزر بالمسلمين‏

و فى سنة [104 ه] أربع و مائة دخل جيش المسلمين إلى بلاد الخزر من أرمينية، و عليهم ثبيت النّهرانى‏ (4)، فاجتمعت الخزر فى جمع كثيف، و أعانهم قفجلق و غيرهم من التّرك، فلقوا المسلمين بمكان يعرف بمرج الحجارة، فاقتتلوا قتالا شديدا، فقتل من المسلمين خلق كثير، و احتوت الخزر على عسكرهم، و غنموا ما فيه، و أقبل المنهزمون [إلى الشام‏] (5)، فقدموا على يزيد، فوبّخهم على الهزيمة، فقال ثبيت: يا أمير المؤمنين، ما جبنت و لا نكّبت عن لقاء العدو، و لقد لصقت الخيل بالخيل و الرجل بالرجل، و لقد طاعنت حتى انقصف رمحى، و ضاربت حتى انقطع سيفى، غير أن اللّه تبارك و تعالى يفعل ما يشاء.

____________

(1) سبق أنها بالشين أيضا.

(2) موضع بقرب نسف ذكره ياقوت بضم أوله و آخره راء مهملة. و فى ك:

خزائن.

(3) فى الطبرى: سبقرى، و الضبط فى د.

(4) و الكامل: 4- 186

(5) زيادة فى الكامل.

382

ذكر فتح بلنجر و غيرها

(1) قال: لما تمّت الهزيمة المذكورة على المسلمين طمع الخزر فى البلاد.

فجمعوا و حشدوا، فاستعمل يزيد بن عبد الملك الجرّاح بن عبد اللّه الحكمىّ على أرمينية، و أمده بجيش كثيف، و أمره بغزو الخزر و غيرهم من الأعداء و قصد بلادهم، فسار الجرّاح و تسامعت به الخزر فعادوا حتى نزلوا بالباب و الأبواب، و وصل الجرّاح إلى بردعة (2)، فأقام بها حتى استراح هو و من معه، و سار نحو الخزر فعبر (3) نهر الكرّ، فبلغه أنّ بعض من معه كتب إلى ملك الخزر يخبره بمسير الجرّاح إليه، فأمر الجرّاح مناديا فنادى فى الناس: إنّ الأمير مقيم هاهنا عدة أيام، فاستكثروا من الميرة.

فكتب ذلك الرجل إلى ملك الخزر يخبره أن الجرّاح مقيم، و يشير عليه بترك الحركة لئلا يطمع المسلمون فيه، ثم أمر الجرّاح بالرحيل ليلا، و سار مجدّا حتى انتهى إلى مدينة الباب [و الأبواب‏ (4)]، فلم ير الخزر، فدخل البلد، و بثّ سراياه للنّهب و الغارة، فغنموا و عادوا، و سار الخزر إليه، و عليهم ابن ملكهم فالتقوا عند نهر الرّان‏ (5)، و اقتتلوا قتالا شديدا، فهزمهم المسلمون و تبعوهم يقتلون و يأسرون، فقتل منهم خلق كثير،

____________

(1) بفتحتين و سكون و جيم مفتوحة، و راء مدينة ببلاد الخزر خلف باب الأبواب (ياقوت).

(2) فى الكامل: برذعة. و فى ياقوت. بردعة، و قد رواه أبو سعد بالدال المهملة و العين مهملة عند الجميع: بلد فى أقصى أذربيجان.

(3) فى الكامل: فعبر بهم نهر الكر.

(4) من الكامل.

(5) الران: مدينة بين مراغة و زنجان، قال ياقوت. و فى المدينة نهر من شرب منه أمن الحصاة أبدا. ثم قال: و عندى أن الران و أران واحدة، و هى ولاية واسعة من نواحى أرمينية.

383

و غنم المسلمون جميع ما معهم، و ساروا حتى نزلوا على حصن يعرف بالحصين، فنزل أهله بالأمان على مال يحملونه، فأجابهم و نقلهم عنه، ثم سار إلى مدينة برغر (1) فأقام عليها ستة أيام، و جدّ فى قتال أهلها، فسألوا الأمان فأمّنهم و تسلّم حصنهم و نقلهم منه.

ثم سار إلى بلنجر و هو حصن مشهور من حصونهم، فنازله، و قاتل عليه قتالا شديدا، و ملك الحصن عنوة، و غنم المسلمون ما فيه، فأصاب الفارس ثلاثمائة دينار، و كانوا بضعة و ثلاثين ألفا، و أخذ الجراح أولاد صاحب بلنجر و أهله، و أرسل إليه فأحضره و ردّ إليه أمواله و أهله و حصنه، و جعله عينا للمسلمين؛ ثم سار عن بلنجر فنزل على حصن الوبندر (2)، و به نحو أربعين ألف بيت من الترك، فصالحوا الجرّاح على مال يؤدّونه، ثم تجمّع أهل تلك البلاد، و أخذوا الطرق على المسلمين، فكتب صاحب بلنجر إلى الجرّاح يخبره بذلك، فعاد مجدّا حتى وصل إلى رستاق سلّى‏ (3)، و أدركهم الشتاء، فاقام المسلمون به، و كتب الجراح إلى يزيد بن عبد الملك يخبره بما فتح اللّه عليه و بجموع الكفار، و يسأله المدد، فوعده بانفاذ العساكر، فمات قبل ذلك، فأقر هشام الجرّاح على عمله، و وعده المدد.

هذا ما كان من الغزوات و الفتوحات فى أيام يزيد بن عبد الملك،

فلنذكر حوادث السنين فى أيامه.

____________

(1) بالغين المعجمة المفتوحة و الراء: على ساحل بحر متصل بخليج القسطنطينية (ياقوت)، و فى د: برغو. و فى: الكامل: يرغو.

(2) هذا فى د، و الكامل.

(3) سلى- بكسر أوله و فتح اللام و تشديدها و قصر الألف. و عن محمد بن موسى:

سلى- بالضم و فتح اللام: جبل بمناذر من أعمال الأهواز. (ياقوت). و فى الكامل: ملى.

384

تتمة سنة (101 ه) احدى و مائة:

ذكر استيلاء يزيد بن المهلب بن أبى صفرة على البصرة و خلعه يزيد بن عبد الملك‏

قد ذكرنا هرب يزيد بن المهلب من حبس عمر بن عبد العزيز (رحمه الله)، و أنه إنما هرب خوفا من يزيد بن عبد الملك لمنافرة كانت بينهما.

و قيل: كان السبب الذى أوجب كراهة يزيد بن عبد الملك فى يزيد بن المهلب أن ابن المهلب خرج يوما من الحمّام فى أيام سليمان و قد تضمّخ بالغالية، فاجتاز بيزيد بن عبد الملك و هو إلىّ جانب عمر ابن عبد العزيز، فقال يزيد بن عبد الملك: قبّح اللّه الدنيا! لوددت أنّ مثقال الغالية بألف دينار، فلا يناله إلا كلّ شريف، فقال ابن المهلّب: بل وددت أنّ الغالية فى جبهة الأسد فلا ينالها إلا لى. فقال له يزيد بن عبد الملك: و اللّه لئن وليت يوما لأقتلنّك. فقال ابن المهلب:

و اللّه لئن وليت هذا الأمر و أنا حىّ لاضربنّ وجهك بمائة ألف سيف.

و قيل: كان السبب أنّ يزيد بن المهلب كان قد عذّب أصهار يزيد بن عبد الملك، و كان سليمان بن عبد الملك لما ولى الخلافة طلب آل عقيل فأخذهم و سلّمهم إلى ابن المهلب ليخلّص الأموال منهم، فبعث ابن المهلب إلى البلقاء من أعمال دمشق و بها خزائن الحجاج ابن يوسف و عياله، فنقلهم و ما معهم إليه، و كان فيمن أتى به أمّ الحجاج زوجة يزيد بن عبد الملك.

و قيل: بل أخت لها- فعذّبها، فأتى يزيد بن عبد الملك إلى ابن المهلب فى منزله، فشفع فيها، فلم يشفعه، فقال: الذى قرّرتم عليها أنا أحمله،

385

فلم يقبل منه، فقال لابن المهلب: أما و اللّه لئن ولّيت من الأمر شيئا لأقطعنّ منك عضوا ... فقال ابن المهلّب: و أنا و اللّه لئن كان ذلك لأرمينّك بمائة ألف سيف.

فحمل يزيد بن عبد الملك المال‏ (1) عنها، و كان مائة ألف دينار، و قيل أكثر من ذلك. و اللّه أعلم.

قال: فلما ولى يزيد بن عبد الملك كتب إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن، و إلى عدى بن أرطاة، يعرّفهما هرب يزيد، و يأمرهما بالتحرز منه، و أمر عديا أن يأخذ من بالبصرة من آل المهلّب و يحبسهم، فقبض عليهم و فيهم المفضّل و حبيب و مروان بنو المهلب، و أقبل يزيد بن المهلب نحو البصرة، و قد جمع عدىّ بن أرطاة الجموع، و خندق على البصرة، و ندب الناس، و جاء يزيد فى أصحابه‏ (2) و الذين معه، فالتقاه‏ (3) أخوه محمد بن المهلب فيمن اجتمع إليه من أهله و قومه و مواليه، فمرّ بجموع عدىّ؛ فجعل لا يمرّ بخيل من خيل عدىّ إلا تنحّوا عن طريقه، و أقبل حتى نزل داره، و اختلف الناس إليه، فبعث إلى عدىّ أن ابعث إلىّ إخوتى و أنا أصالحك على البصرة و أخلّيك و إياها حتى آخذ لنفسى من يزيد ما أحب. فلم يقبل منه، و أخذ يزيد بن المهلب يعطى من أتاه قطع الذهب و الفضّة؛ فمال الناس إليه؛ و كان عدىّ لا يعطى إلّا درهمين درهمين، و يقول: لا يحلّ أن أعطيكم من بيت المال درهما إلا بأمر يزيد بن عبد الملك، و لكن تبلّغوا بهذه حتى يأتى الأمر، فقال الفرزدق‏ (4):

____________

(1) فى الكامل: ما كان عليها.

(2) فى د، و الكامل: فى أصحابه الذين معه.

(3) هذا فى د، ك.

(4) و الطبرى: 6- 581، و ديوانه: 156.

386

أظنّ رجال الدّرهمين تقودهم‏ (1) * * * إلى الموت آجال لهم و مصارع‏

و أكيسهم من قرّ فى قعر بيته‏ (2) * * * و أيقن أنّ الموت لا بدّ واقع‏

و خرج يزيد حين اجتمع الناس له حتى نزل جبّانة بنى يشكر و هو المنصف‏ (3) فيما بينه و بين القصر، فلقيه قيس و تميم و أهل الشام، فاقتتلوا هنيهة و انهزموا، فتبعهم يزيد و أصحابه حتى دنا من القصر، و خرج إليهم عدىّ بنفسه فقتل من أصحابه و انهزم هو (4)، و قصد قتل آل المهلب الذين فى حبسه، فأغلقوا الباب و منعوا عن أنفسهم حتى أدركهم يزيد، و نزل فى دار سالم‏ (5) ابن زياد بن أبيه، و هى إلى جنب القصر، و نصب السلاليم، و فتح القصر، و أتى بعدى بن أرطاة فحبسه، و قال: لو لا حبسك إخوتى لما حبستك، و أخرج إخوته و هرب بوجوه أهل البصرة، فلحقوا بالكوفة، و كان يزيد قد بعث حميد بن عبد الملك بن المهلب إلى يزيد ابن عبد الملك فى طلب الأمان، فعاد بما طلب و معه خالد القسرى و عمرو ابن يزيد الحكمى، فوجد المغيرة بن زياد و قد فرّ من يزيد ابن المهلب، فأخبرهم الخبر، فعادوا إلى يزيد بن عبد الملك و معهم حميد، و أرسل يزيد بن عبد الملك إلى أهل الكوفة يثنى عليهم و يعدهم‏

____________

(1) فى الطبرى: يسوقهم.

(2) فى الطبرى: فأحزمهم من كان.

(3) فى الكامل: النصف.

(4) فى الكامل: و انهزم أصحاب عدى.

(5) فى الكامل: سليمان. و المثبت فى الطبرى أيضا.

387

الزيادة، و أرسل‏ (1) أخاه مسلمة و ابن أخيه العباس بن الوليد، فى سبعين ألف مقاتل من أهل الشام و الجزيرة.

و قيل: كانوا ثمانين ألفا، فساروا إلى العراق حتى بلغوا الكوفة فنزلوا بالنّخيلة (2)، و استوثق أمر البصرة لابن المهلّب، و بعث عمّاله على الأهواز و فارس و كرمان، ثم سار يزيد من البصرة، و استعمل عليها أخاه مروان، و أتى واسطا، و أقام عليها أياما يسيرة إلى أن دخلت سنة [102 ه] اثنتين و مائة، فسار عنها.

و استخلف عليها ابنه معاوية، و نزل‏ (3) عنده بيت المال، و قدم أخاه عبد الملك نحو الكوفة، فاستقبله العباس بن الوليد و اقتتلوا، فظفر عبد الملك أوّلا، ثم كانت الهزيمة عليه، فعاد بمن معه إلى أخيه، و أقبل مسلمة يسير على شاطئ الفرات إلى الأنبار، و عقد عليها جسرا فعبر و سار حتى نزل على ابن المهلّب، و التحق بابن المهلّب‏ (4) ناس كثير من الكوفة و الثغور، و أحصى ديوانه مائة ألف و عشرين ألفا، فقال: لوددت أنّ لى بهم من بخراسان من قومى.

ثم قام فى أصحابه و حرّضهم على القتال، و كان اجتماع ابن المهلب و مسلمة ثمانية أيام، فلما كان يوم الجمعة لأربع عشرة ليلة مضت من صفر سنة [102 ه] اثنتين و مائة خرج مسلمة فى جنوده حتى قرب من ابن المهلّب، و التقوا و اقتتلوا؛ فانهزم أصحاب ابن المهلب،

____________

(1) فى د. و جهز.

(2) موضع قرب الكوفة على سمت الشام (ياقوت).

(3) فى الكامل: و جعل.

(4) فى الكامل: و أتى إلى ابن المهلب.

388

فترجّل و بقى فى جماعة من أصحابه و قد استقتل و هو يتقدّم؛ فكلّما مرّ بخيل كشفها أو جماعة من أهل الشام عدلوا عنه؛ و أقبل نحو مسلمة لا يريد غيره، فلما دنا منه أدنى فرسه ليركب، فعطف عليه أهل الشام، فقتل يزيد و السّميدع‏ (1) و محمّد بن المهلّب، و كان رجل من كلب يقال له القحل‏ (2) بن عيّاش لما نظر إلى يزيد قال:

هذا و اللّه يزيد، و اللّه لأقتلنّه أو ليقتلنى، فمن يحمل معى يكفينى أصحابه حتى أصل إليه، فحمل معه ناس، فاقتتلوا ساعة، و انفرج الفريقان عن يزيد قتيلا و عن القحل بآخر رمق، فأومأ إلى أصحابه يريهم مكان يزيد و أنه هو الذى قتله، و أنّ يزيد قتله، و أتى مولى لبنى مرّة برأس يزيد إلى مسلمة، فقيل له: أنت قتلته؟ قال: لا، فبعث مسلمة بالرأس إلى يزيد بن عبد الملك مع خالد بن الوليد ابن عقبة بن أبى معيط.

و قيل: بل قتله الهذيل بن زفر بن الحارث الكلابى، و لم ينزل لأخذ رأسه أنفة.

قال: و لما قتل يزيد كان المفضّل بن المهلّب يقاتل أهل الشام و هو لا يدرى بقتل أخيه و لا بهزيمة الناس، فأتاه آت و قال له: ما تصنع و قد قتل يزيد و حبيب و محمد، و انهزم الناس منذ طويل؟ فتفرّق الناس عنه، و مضى المفضّل إلى واسط.

و قيل: بل أتاه أخوه عبد الملك، و كره أن يخبره بقتل يزيد

____________

(1) السميدع الكندى: من بنى مالك من ربيعة (الطبرى). و فى القاموس بالذال المعجمة، و قد ضبطه بالحروف.

(2) بالفاء فى القاموس و فتوح البلدان. و فى الأصول، و الإكمال بالقاف.

389

فيستقتل، فقال له: إنّ الأمير قد انحدر إلى واسط، فانحدر المفضّل بمن بقى من ولد المهلب إليها، فلما علم بقتل يزيد حلف أنّه لا يكلّم عبد الملك أبدا، فما كلّمه حتى قتل بقندابيل‏ (1).

قال: و لما أتت هزيمة ابن المهلّب إلى واسط أخرج ابنه معاوية اثنين و ثلاثين إنسانا (2) كانوا عنده، فضرب أعناقهم، منهم عدىّ ابن أرطاة، و ابنه محمد، و مالك، و عبد الملك ابنا مسمع و غيرهم، ثم أقبل حتى أتى البصرة بالمال و الخزائن، و جاء المفضّل بن المهلب و اجتمع إلى المهلّب بالبصرة، و أعدّوا السفن و تجهّزوا للركوب.

فى البحر إلى جبال كرمان، و حملوا عيالهم‏ (3) و أموالهم فى السفن البحريّة، و لجّجوا حتى أتوا جبال كرمان، فخرجوا من سفنهم، و حملوا ما معهم على الدوابّ.

و كان المقدّم عليهم المفضّل، و كان بكرمان فلول كثيرة، فاجتمعوا إلى المفضل، و بعث مسلمة مدرك بن ضب الكلبى فى طلبهم و فى أثر الفلّ، فأدرك المفضّل و من اجتمع إليه، فقاتلوه قتالا شديدا، فقتل من أصحاب المفضل جماعة، و طلب بعض من معه الأمان، و مضى آل المهلب إلى قندابيل، و بعث مسلمة إلى مدرك بن ضب، فردّه؛ و سيّر فى أثرهم هلال بن أحوز التميمى فلحقهم بقندابيل، فأراد آل المهلب دخولها فمنعهم أميرها وادع بن حميد، و كان يزيد بن المهلب قد استعمله عليها، و أخذ عليه العهود و المواثيق أنه إن قتل فى حربه يلجأ أهله إليها و يتحصّنوا بها حتى يأخذوا أمان يزيد بن عبد الملك.

____________

(1) بالفتح ثم السكون و الدال مهملة و بعد الالف موحدة مكسورة ثم ياء بنقتطين من تحتها و لام: مدينة بالسند (ياقوت).

(2) فى الكامل: أسيرا.

(3) فى الكامل: عيالاتهم.

390

و قال له: قد اخترتك لهم من بين قومى فكن عند حسن ظنّى؛ و عاهده ليناصحنّ أهل بيته إن هم لجئوا إليه.

فلما أتوه‏ (1) منعهم من الدخول، و كتب إلى هلال بن أحوز، فلما التقوا نصب هلال راية أمان، فتفرّق الناس عن آل المهلب، و تقدموا هم بأسيافهم، فقاتلوا حتى قتلوا من عند آخرهم، و هم المفضل، و عبد الملك، و زياد، و مروان بنو المهلب، و معاوية بن يزيد بن المهلب.

و المنهال بن أبى عيينة بن المهلب، و عمرو و المغيرة ابنا قبيصة ابن المهلّب، و حملت رءوسهم؛ و فى أذن كلّ واحد رقعة فيها اسمه، و لحق منهم برتبيل أبو عيينة بن المهلب، و عمرو (2) بن يزيد، و عثمان بن المفضل؛ و بعث هلال بالرءوس و النساء الأسرى من آل المهلّب إلى مسلمة بن عبد الملك و هو بالحيرة، فبعثهم إلى يزيد ابن عبد الملك، فبعثهم‏ (3) يزيد إلى العباس بن الوليد و هو على حلب، فنصب الرءوس، و أراد مسلمة أن يبيع الذرية، فاشتراهم منه الجرّاح بن عبد اللّه الحكمى بمائة ألف، و خلى سبيلهم، و لم يأخذ مسلمة بن الجرّاح شيئا، و كانت الأسرى من آل المهلّب ثلاثة عشر رجلا، فلما جي‏ء بهم إلى يزيد بن عبد الملك كان‏ (4) عنده كثير عزّة فقال‏ (5):

____________

(1) فى ك: أتوا.

(2) فى الكامل: و عمر.

(3) فى الكامل، فسيرهم.

(4) فى الكامل: و كان.

(5) الكامل: 4- 175.

391

حليم إذا ما نال عاقب مجملا * * * أشدّ العقاب أو عفا لم يثرّب‏

فعفوا أمير المؤمنين و حسبة * * * فما تأته من صالح لك يكتب‏

أساءوا فإن تصفح فإنك قادر * * * و أفضل حلم حسبة حلم مغضب‏

فقال يزيد: هيهات يا أبا صخر؛ أطّت‏ (1) بك الرّحم، لا سبيل إلى ذلك، إن اللّه أقاد منهم بأعمالهم الخبيثة، ثم أمر بهم فقتلوا، و بقى غلام صغير. فقال: اقتلونى، فما أنا بصغير. فقال:

انظروا، أنبت؟ فقال: أنا أعلم بنفسى، قد احتلمت و وطئت النساء، فأمر به فقتل.

و الذين قتلوا من آل المهلّب بين يدى يزيد بن عبد الملك المعارك و عبد اللّه، و المغيرة، و المفضل، و منجاب أولاد يزيد بن المهلب و دويّة (2) و الحجاج، و غسّان، و شبيب، و الفضل أولاد المفضل بن المهلّب، و المفضل ابن قبيصة بن المهلب.

قال: و أما أبو عيينة بن المهلّب فأرسلت هند بنت المهلب إلى يزيد ابن عبد الملك فى أمانه فأمّنه، و بقى عمرو (3) و عثمان حتى ولى أسد ابن عبد اللّه القسرى خراسان، فكتب إليهما بأمانهما فقدما خراسان.

*** و حجّ بالناس فى هذه السنة عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس، و هو عامل المدينة، و كان على مكة عبد العزيز بن عبد اللّه بن خالد ابن أسيد، و على الكوفة عبد الحميد، و على قضائها الشّعبى، و على خراسان عبد الرحمن بن نعيم.

____________

(1) فى الكامل: طف. و أطت به رحمى: رقت.

(2) هذا فى ك. و الضبط فى د. و فى الكامل: و دريد.

(3) فى الكامل: عمر.

392

سنة اثنتين و مائة:

ذكر ولاية مسلمة بن عبد الملك العراق و خراسان و عزله و ولاية عمر بن هبيرة

قال: و لما فرغ مسلمة بن عبد الملك من حرب ابن المهلّب جمع له أخوه يزيد ولاية الكوفة و البصرة و خراسان، فأقر محمد بن عمرو ابن الوليد على الكوفة، و بعث إلى البصرة عبد الرحمن بن سليم‏ (1) الكلبى، و على شرطتها عمرو بن يزيد التميمى، فأراد عبد الرحمن أن يستعرض أهل البصرة و يقتلهم، فنهاه عمرو و استمهله عشرة أيام، و كتب إلى مسلمة بالخبر فعزله، و استعمل على البصرة عبد الملك بن بشر بن مروان، و استعمل على خراسان سعيد بن عبد العزيز ابن الحارث بن الحكم بن أبى العاص بن أمية، و هو الذى يقال له سعيد خدينة (2)، و إنما لقّب بذلك لأنه كان رجلا ليّنا متنعّما، فدخل عليه بعض ملوك العجم و سعيد فى ثياب مصبغة و حوله مرافق مصبغة، فلما خرج من عنده قالوا له: كيف رأيت الأمير. قال: خدينة.

فلقّب خدينة، و هى الدّهقانة ربّة البيت.

و كان سعيد زوج‏ (3) ابنة مسلمة، فلذلك استعمله، فغزا سعيد الصّغد كما تقدم.

قال: و لما ولى مسلمة العراق و خراسان لم يرفع من الخراج شيئا، فأراد يزيد عزله فاستحيى من ذلك، فكتب إليه أن استخلف على عملك، و أقبل. فلما قدم لقيه عمر بن هبيرة الفزارى بالطريق‏

____________

(1) فى الكامل: سليمان. و المثبت فى الطبرى أيضا.

(2) هذا فى ك، د. و فى الطبرى و الكامل: خذينة- بالذال المعجمة.

(3) فى الكامل: تزوج.

393

على دوابّ البريد، فسأله عن مقدمه، فقال: وجّهنى أمير المؤمنين فى حيازة أموال بنى المهلّب. و لم يكن الأمر كذلك، و إنما كان يزيد قد استعمله، فلم يلبث حتى أتاه عزل ابن هبيرة عمّاله و الغلظة عليهم، و كان ابن هبيرة قبل ذلك يلى الجزيرة.

ذكر البيعة لهشام بن عبد الملك و الوليد بن يزيد بولاية العهد

و فى هذه السنة أراد يزيد أن يأخذ البيعة لابنه الوليد، فقال [له‏] (1) مسلمة بن عبد الملك: إنّ ابنك لم يبلغ الحلم؛ و أشار عليه بالبيعة لهشام، ففعل، و بايع لهشام بولاية العهد، ثم من بعده لابنه الوليد بن يزيد، و عمره يومئذ إحدى عشرة سنة ثم عاش يزيد حتى بلغ ابنه الوليد الحلم، فكان يزيد إذا رآه يقول: اللّه بينى و بين من جعل هشاما بينى و بينك.

ذكر مقتل يزيد بن أبى مسلم‏

كان يزيد بن عبد الملك قد استعمل يزيد بن أبى مسلم على إفريقية فى سنة [101 ه] إحدى و مائة، فقتل فى هذه السنة.

و كان سبب قتله أنه أراد أن يسير فى أهل إفريقية بسيرة الحجاج فى أهل الإسلام الذين سكنوا الأمصار ممن [كان‏] (2) أصله من السّواد من أهل الذّمة، فإنه ردهم إلى قراهم، و وضع عليهم الجزية على ما كانوا (3) عليه قبل الإسلام. فلما عزم يزيد بن مسلم على ذلك‏

____________

(1) ليس فى ك.

(2) زيادة من الطبرى و الكامل.

(3) فى الطبرى: و وضع الجزية على رقابهم على نحو ما كانت تؤخذ منهم و هم على كفرهم.

394

اجتمع رأى أهل إفريقية على قتله، فقتلوه و ولّوا عليهم الوالى الذى كان قبله، و هو محمد بن يزيد مولى الأنصار، و كتبوا إلى يزيد ابن عبد الملك: إنا لم نخلع أيدينا من طاعة، و لكن يزيد بن أبى مسلم سامنا مالا يرضاه اللّه و المسلمون، فقتلناه، و أعدنا عاملك.

فكتب إليهم: إنه لم يرض بما صنع. و أقرّ محمد بن يزيد على عمله.

و حجّ بالناس فى هذه السنة عبد الرحمن بن الضحاك، و هو عامل المدينة.

سنة (103 ه) ثلاث و مائة:

ذكر استعمال سعيد الحرشى على خراسان و عزل سعيد خدينة (1) عنها

فى هذه السنة عزل عمر بن هبيرة سعيد خدينة عن خراسان بشكوى المجشّر بن مزاحم السلمى، و عبد اللّه بن عمير الليثى، و استعمل سعيد بن عمرو الحرشى، من بنى الحريش بن كعب بن ربيعة ابن عامر بن صعصعة، و كان خدينة بباب سمرقند، فبلغه عزله فرجع و قدم الحرشى خراسان فلم يعرض لعمال خدينة.

و قرأ رجل عهده فلحن فيه، فقال: صه؛ مهما سمعتم فهو من الكاتب، و الأمير منه بري‏ء.

و خطب النّاس و حثّهم على الجهاد، و قال: إنكم لا تقاتلون بكثرة [و لا بعدّة] (2)، و لكن بنصر اللّه و عزّ الإسلام، فقولوا:

لا حول و لا قوّة إلا باللّه.

____________

(1) فى الكامل و الطبرى: خذينة.

(2) من الطبرى و الكامل.

395

و قال‏ (1):

فلست لعامر إن لم ترونى‏ * * * أمام الخيل أطعن‏ (2)بالعوالى‏

و أضرب‏ (3) هامة الجبّار منهم‏ * * * بعضب الحدّ حودث بالصّقال‏ (4)

فما أنا فى الحروب بمستكين‏ * * * و لا أخشى مصاولة الرّجال‏

أبى لى والدى من كلّ ذمّ‏ * * * و خالى فى الحوادث غير خالى‏

فهابه الصّغد، و كان من قتاله إياهم و قتلهم ما ذكرناه.

و لما ظفر بهم كتب إلى يزيد بن عبد الملك و لم يكتب إلى ابن هبيرة فوجد عليه.

و فيها جمعت مكة و المدينة لعبد الرحمن بن الضحاك، و ولى عبد الواحد ابن عبد اللّه النّضرى الطائف.

سنة (104 ه) أربع و مائة:

ذكر عزل عبد الرحمن بن الضحاك عن مكة و المدينة و ولاية عبد الواحد

و فى هذه السنة عزل يزيد بن عبد الملك عبد الرحمن بن الضحّاك عن مكّة و المدينة.

و سبب ذلك أن عبد الرحمن خطب فاطمة بنت الحسين بن علىّ (رضى اللّه عنهما)، فقالت: ما أريد النكاح، و لقد قعدت على بنىّ هؤلاء، فألحّ عليها، و قال: لئن لم تفعلى لأجلدن أكبر بنيك فى‏

____________

(1) الكامل: 4- 183، و الطبرى: 6- 621

(2) فى ك: يطمن. و فى الكامل: نطعن. و المثبت فى الطبرى أيضا.

(3) فى الطبرى: فأضرب.

(4) فى ك: بانصقال. و المثبت فى الكامل و الطبرى.

396

الخمر، يعنى عبد اللّه بن الحسن بن الحسن بن على، و كان على الديوان بالمدينة ابن هرمز رجل من [أهل‏] (1) الشام، و قد رفع حسابه، و هو يريد أن يسير إلى يزيد، فدخل على فاطمة يودّعها، فقالت: تخبر أمير المؤمنين بما ألقى من الضحاك.

و بعثت رسولا بكتاب إلى يزيد يخبره بذلك. فقدم ابن هرمز [على يزيد] (2)، فاستخبره عن المدينة، و قال: هل من مغرّبة خبر؟

فلم يذكر شأن فاطمة، فقال الحاجب ليزيد: بالباب رسول من فاطمة بنت الحسين. فقال ابن هرمز: إنها حملتنى رسالة؛ و أخبره الخبر، فنزل عن فراشه، و قال: لا أمّ لك! عندك هذا و ما تخبرنيه! فاعتذر بالنّسيان، فأذن‏ (3) لرسولها، فأدخل، و قرأ كتابها، و جعل يضرب بخيزران فى يده، و يقول: لقد اجترأ ابن الضحّاك، هل من رجل يسمعنى صوته فى العذاب؟ قيل له: عبد الواحد بن عبد اللّه النّضرى. فكتب إليه بيده:

قد ولّيتك المدينة، فاهبط إليها، و اعزل عنها ابن الضحاك، و أغرمه أربعين ألف دينار، و عذّبه حتى أسمع صوته، و أنا على فراشى.

و سار البريد بالكتاب، و لم يدخل على ابن الضحاك، فأحسّ و أحضر البريد، و أعطاه ألف دينار ليخبره الخبر، فأخبره، فسار ابن الضحاك مجدّا فنزل على مسلمة بن عبد الملك، فاستجار به، فحضر مسلمة عند يزيد، فطلب إليه حاجة جاء لها، فقال: كلّ‏

____________

(1) من الكامل و الطبرى.

(2) من الكامل و الطبرى.

(3) فى د: و أذن.

397

حاجة هى لك إلا ابن الضحاك. فقال: هى و اللّه ابن الضحّاك. فقال:

و اللّه لا أعفيه أبدا.

و رده إلى عبد الواحد بالمدينة فعذّبه، و لبس جبّة صوف، فسأل الناس.

و كان قدوم النضرى فى شوال سنة [104 ه] أربع و مائة، فأحسن السيرة فى الناس، و كان ابن الضحاك قد آذى‏ (1) الأنصار طرّا، فأعفاهم اللّه منه.

و فيها عزل عمر بن هبيرة سعيدا الحرشى عن خراسان و ولّاها مسلم بن سعيد بن أسلم بن زرعة الكلابى، و سبب ذلك أن الحرشى كان يستخفّ بابن هبيرة فعزله و عذّبه حتى أدّى الأموال.

و حج بالناس فى هذه السنة عبد الواحد النّضرى.

سنة (105 ه) خمس و مائة:

ذكر أخبار الخوارج فى أيام يزيد بن عبد الملك‏

و هؤلاء الخوارج الذين نذكرهم ذكرهم ابن الأثير (2) فى حوادث هذه السنة، و لم يذكر أنهم خرجوا فيها، فقال‏ (3):

و فى أيام يزيد خرج حرورى اسمه عقفان فى ثلاثين رجلا، فأراد يزيد أن يرسل إليه جندا يقاتلونه، فقيل له: إن قتل بهذه البلاد اتخذها الخوارج دار هجرة، و الرأى أن تبعث إلى كلّ رجل من أصحابه رجلا من قومه يكلّمه و يردّه. ففعل ذلك، فرجعوا و بقى‏

____________

(1) فى الطبرى: قد عادى الأنصار.

(2) صفحة 189 جزء رابع.

(3) صفحة 189 جزء رابع.

398

عقفان وحده، فبعث إليه يزيد أخاه فاستعطفه و ردّه‏ (1).

فلما ولى هشام بن عبد الملك ولّاه أمر العصاة، فقدم ابنه من خراسان عاصيا، فشدّه وثاقا، و بعث به إلى هشام، فأطلقه لأبيه، و قال:

لو خاننا عقفان لكتم أمر ابنه، و استعمل عقفان على الصدقة فبقى إلى أن توفّى هشام.

و خرج مسعود بن أبى زينب‏ (2) العبدى بالبحرين على الأشعث ابن عبد اللّه بن الجارود، ففارق الأشعث البحرين، و سار مسعود إلى اليمامة و عليها سفيان بن عمرو العقيلى من قبل ابن هبيرة، فخرج إليه سفيان فاقتتلوا بالخضرمة (3) قتالا شديدا، فقتل مسعود، و قام بأمر الخوارج بعده هلال بن مدلج، فقاتلهم يومه كلّه، فلما أمسى تفرّق عنه أصحابه، و بقى فى نفر يسير، فدخل قصرا فتحصّن به، فنصبوا عليه السلاليم، و صعدوا إليه فقتلوه.

و قيل: إن‏ (4) مسعودا غلب على البحرين و اليمامة تسع عشرة سنة حتى قتله سفيان بن عمرو. [و اللّه أعلم‏] (5).

و خرج مصعب بن محمد الوالبى، و كان من رؤساء الخوارج، فطلبه عمر بن هبيرة، و طلب معه مالك بن الصّعب و جابر بن سعد، فخرجوا و اجتمعوا بالخورنق، و أمّروا عليهم مصعبا، فاستمر

____________

(1) فى الطبرى: فرده.

(2) فى ك: بن أبى زيد. و المثبت فى د، و الكامل.

(3) الخضرمة- بكسر الخاء، و سكون الضاد المعجمة و كسر الراء (الكامل:

4- 690). و فى ك: بالحضرمية.

(4) فى ك: إن ابن مسعود- تحريف.

(5) زيادة فى د.

399

إلى أن ولى خالد القسرى العراق فى أيام هشام، فبعث إليهم جيشا، و كانوا قد صاروا بحزّة (1) من أعمال الموصل، فالتقوا و اقتتلوا، فقتل الخوارج.

و قيل: كان قتلهم فى أيام يزيد. و اللّه أعلم.

ذكر وفاة يزيد بن عبد الملك و شي‏ء من أخباره‏

كانت وفاته بحوران‏ (2) لخمس بقين من شعبان سنة [105] خمس و مائة، و له أربعون سنة.

و قيل خمس و ثلاثون. و قيل: غير ذلك.

و كانت خلافته أربع سنين و شهرا. و كان جميلا أبيض جسيما مدوّر الوجه شديد الكبر عاجز الرأى، و كان صاحب لهو، و هو أول من اتخذ القيان من بنى أمية، و كان يهوى جاريتين، و هما حبابة و سلّامة، و هى سلّامة القس، و قال يوما- و قد طرب: دعونى أطير. فقالت حبابة: على‏ (3) من تدع الأمّة؟

فقال: عليك. و غنّت يوما (4):

بين التّراقى و اللّهاة حرارة * * * ما تطمئنّ و ما تسوغ فتبرد

فأهوى ليطير، فقالت: يا أمير المؤمنين، إنّ لنا فيك حاجة.

____________

(1) حزة: موضع بين نصيبين و رأس عين على الخابور و بليدة قرب إربل من أرض الموصل (ياقوت).

(2) حوران- بالفتح: كورة واسعة من أعمال دمشق. و فى الطبرى. كانت وفاته ببلقاء من أرض دمشق.

(3) فى الطبرى: إلى من تدع ...

(4) الطبرى: 7- 23.

400

فقال: و اللّه لأطيرنّ. فقالت: فعلى من تخلّف الأمّة و الملك؟ فقال‏ (1):

عليك و اللّه. و قبّل يدها.

و خرجت معه إلى ناحية الأردنّ للتنزه فرماها بحبّة عنب فدخلت حلقها فشرقت و مرضت و ماتت، فتركها ثلاثة أيام لا يدفنها حتى أنتنت، و هو يقبّلها و يشمّها و ينظر إليها و يبكى، فكلّم فى أمرها فدفنها.

و قيل: إنه نبشها بعد دفنها، و بقى سبعة أيام لا يظهر للناس، و أشار (2) عليه مسلمة بذلك لئلا يظهر منه ما يسفّهه عندهم.

قال: و كان يزيد قد حجّ أيام أخيه سليمان، فاشترى حبابة بأربعة آلاف دينار، و كان اسمها الغالية (3)، فقال سليمان: لقد هممت أن أحجر على يزيد. فردّها يزيد فاشتراها رجل من أهل مصر، فلما أفضت الخلافة إلى يزيد قالت له امرأته سعدة يوما: هل بقى من الدنيا شي‏ء تتمنّاه؟ قال: نعم، حبابة، فأرسلت فاشترتها، و أتت بها فأجلستها من وراء الستر، و أعادت عليه القول الأول.

فقال: قد أعلمتك، فرفعت الستر، و قالت: هذه حبابة، و قامت و تركتها، فحظيت سعدة عنده، و أكرمها.

و هى سعدة بنت عبد اللّه بن عمرو بن عثمان بن عفّان.

قال: و إنما قيل لسلّامة القسّ، لأن عبد الرحمن بن عبد اللّه [ابن‏] (4)

____________

(1) فى د: قال.

(2) فى د: أشار.

(3) فى الطبرى و الكامل: العالية. و فى ك: الغالبة. و المثبت فى د أيضا.

(4) ليس فى ك.

401

أبى عمار أحد بنى جشم بن معاوية بن بكر كان فقيها عابدا مجتهدا فى العبادة، و كان يسمى القس لعبادته. مرّ يوما بمنزل مولاها، فسمع غناءها، فوقف يسمعه فرآه مولاها، فقال له: هل لك أن تنظر و تسمع! فأبى، فقال: أنا أقعدها بمكان لا تراها و تسمع غناءها. فدخل معه فغنّت‏ (1)، فأعجبه غناؤها. ثم أخرجها مولاها إليه فشغف بها و أحبها و أحبته. فقالت له يوما على خلوة: أنا و اللّه أحبّك. قال: و أنا و اللّه. قالت: و أحبّ أن أقبّلك. قال: و أنا و اللّه.

قالت: و أحب أن أضع بطنى على بطنك. قال: و أنا و اللّه. قالت:

فما يمنعك؟ قال: قوله تعالى‏ (2): «الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ». و أنا أكره أن تئول‏ (3) خلّتنا (4) إلى عداوة، ثم قام و انصرف عنها و عاد إلى عبادته. و له فيها أشعار كثيرة منها قوله:

أ لم ترها لا يبعد اللّه دارها * * * إذا طرّبت فى صوتها كيف تصنع‏

تمدّ نظام القول ثم ترده‏ * * * إلى صلصل من صوتها يترجع‏

و له فيها غير ذلك.

و أما يزيد فأخباره مع سلّامة و حبابة كثيرة مشهورة أضربنا عن ذكر كثير منها.

____________

(1) فى د، و الكامل: فغنته.

(2) سورة الزخرف، آية 67.

(3) فى ك: أن تكون.

(4) الخلة- بالضم: الصداقة المختصة لا خلل فيها.

402

فلنذكر خلاف ذلك من أخباره:

و كان له من الأولاد الذكور ثمانية، [منهم‏] (1) عبد اللّه، و الوليد.

كتّابه: عمر بن هبيرة، ثم إبراهيم بن جبلة، ثم أسامة بن زيد السّليحى.

قاضيه: عبد الرحمن بن الحسحاس و غيره.

حجّابه: سعيد و خالد مولياه.

نقش خاتمه: قنى السيئات يا عزيز.

الأمير بمصر: بشر بن صفوان.

و أقرّ أبا مسعود على القضاء، ثم ولّى إمارة مصر حنظلة بن صفوان أخا بشر، و سار بشر إلى إفريقية. و ولى مصر أيضا فى خلافته أسامة ابن زيد، و اللّه أعلم.

ذكر بيعة هشام بن عبد الملك‏

هو أبو الوليد هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم، و أمّه أم هشام فاطمة، و قيل: عائشة بنت هشام المخزومى، و هو العاشر من ملوك بنى أميّة.

بويع له لخمس بقين من شعبان سنة [105 ه] خمس و مائة بعد وفاة أخيه. أتته الخلافة و هو بالرّصافة (2)، [فجاءه البريد بالخاتم‏

____________

(1) ليس فى ك.

(2) فى الطبرى: ذكر محمد بن عمر عمن حدثه أن الخلافة أتت هشاما و هو بالزيتونة فى منزله فى دويرة هناك.

403

و القضيب و سلّم عليه بالخلافة] (1)، فركب منها، حتى أتى دمشق، و كان من أول ما ابتدأ به أن عزل عمر بن هبيرة عن العراق، و استعمل خالد بن عبد اللّه القسرى، و ذلك فى شوال من السنة. و لنبدأ بذكر الغزوات و الفتوحات فى أيامه:

ذكر الغزوات و الفتوحات فى أيام هشام بن عبد الملك على حكم السنين‏

فى سنة [105 ه] خمس و مائة غزا الجرّاح الحكمىّ اللّان‏ (2)

حتى جاز ذلك إلى مدائن و حصون وراء بلنجر، ففتح بعض ذلك و أصاب غنائم كثيرة.

و غزا سعيد بن عبد الملك أرض الرّوم، فبعث سريّة فى نحو ألف مقاتل فأصيبوا جميعا.

و غزا مسلم بن سعيد الكلابى أمير خراسان الترك بما وراء النهر فلم يفتح شيئا، و قفل فاتبعه الترك فلحقوه، و الناس يعبرون جيحون، و على الساقة عبيد اللّه بن زهير بن حيّان على خيل‏ (3) تميم، فحاموا حتى عبر الناس.

و غزا مسلم أفشين‏ (4)، فصالح أهلها على ستة آلاف رأس، و دفع إليه القلعة.

و غزا مروان بن محمد الصائفة اليمنى، فافتتح قونية من أرض الروم، و كمخ‏ (5). و اللّه سبحانه و تعالى أعلم.

____________

(1) ليس فى ك.

(2) اللان: بلاد واسعة فى طرف إفريقية بقرب باب الأبواب (فتوح البلدان).

(3) فى ك: جبل.

(4) هذا فى الكامل. و فى الطبرى: أفشينة، و قال: هى مدينة من مدائن السغد.

(5) فى د، ك: الروكمخ. و المثبت فى الكامل، و ياقوت.

404

(ذكر غزوة مسلم الترك)

و فى سنة [106 ه] ست و مائة غزا مسلم بن سعيد بن أسلم بن زرعة الترك،

فقطع النهر، فلما بلغ بخارى أتاه كتاب خالد القسرى بولايته العراق، و يأمره بإتمام غزاته، فسار إلى فرغانة (1)، فلما وصلها بلغه أنّ خاقان قد أقبل إليه، فارتحل، فسار ثلاث مراحل فى يوم، و أقبل إليهم خاقان، فلقى طائفة من المسلمين، فقتل جماعة منهم، و أصاب دوابّ لمسلم، و رحل مسلم بالناس، فسار ثمانية أيام و الترك يطيفون‏ (2) بهم، و أحرق الناس ما ثقل عليهم من أثقالهم، فحرقوا ما قيمته ألف ألف، و نزل مسلم فى الليلة التاسعة، و أصبح فسار فورد النّهر و أقام‏ (3) يوما ثم قطعه من الغد، و اتبعهم ابن لخاقان، فعطف حميد ابن عبد اللّه و هو على السّاقة على طائفة من الترك نحو المائتين فقاتلهم، فأسر أهل الصّغد و قائدهم و قائد الترك فى سبعة، و مضى البقيّة.

و رجع حميد فرمى بنشّابة فى ركبته فمات.

و عطش الناس فى هذه الغزوة عطشا شديدا و أتوا خجندة و قد أصابتهم مجاعة و جهد، فانتشر الناس. و جاء عبد الرحمن بن نعيم عهده على خراسان من قبل أسد بن عبد اللّه أخى خالد القسرى، فأقرأه عبد الرحمن مسلما، فقال: سمعا و طاعة.

قال بعض من شهد هذه الغزوة، قاتلنا الترك فأحاطوا بنا حتى‏

____________

(1) فرغانة: مدينة و كورة واسعة بما وراء النهر متاخمة لبلاد تركستان (ياقوت).

(2) فى د: مطيفون.

(3) فى د: فأقام.