نهاية الأرب في فنون الأدب‏ - ج21

- أحمد بن عبد الوهاب النويري‏ المزيد...
557 /
405

أيقنّا بالمهلاك، فحمل حوثرة بن يزيد بن الحرّ بن الحنيف على الترك فى أربعة آلاف، فقاتلهم ساعة. ثم رجع، و أقبل نصر بن سيّار فى ثلاثين فارسا فقاتلهم حتى أزالهم عن مواقفهم، و حمل عليهم الناس؛ فانهزم الترك، و قفل عبد الرحمن بالناس و معه مسلم.

و غزا سعيد بن عبد الملك الصائفة فى هذه السنة.

و غزا الجرّاح بن عبد اللّه اللّان‏ (1)، فصالح أهلها و أدّوا الجزية.

(ذكر غزاة عنبسة الفرنج بالأندلس)

و فى سنة [107 ه] سبع و مائة غزا عنبسة بن سحيم الكلبى‏

عامل الأندلس بلد الفرنج فى جمع كثير، فنازل‏ (2) مدينة برشلونة، و حصر أهلها، فصالحوه على نصف أعمالها، و على جميع ما فى المدينة من أسرى المسلمين و أسلابهم، و أن يعطوا الجزية و يلتزموا بأحكام الذمّة.

و فيها غزا أسد بن عبد اللّه أمير خراسان الغور؛ و هى جبال هراة، فعمد أهلها إلى أثقالهم فصيّروها فى كهف ليس إليه طريق، فأمر أسد باتخاذ توابيت، و وضع فيها الرجال، و دلّاها بالسلاسل فاستخرجوا ما قدروا عليه.

و فيها غزا الحارث بن عمرو الطائى التّرك من جهة أرمينية فافتتح رستاقا من بلد التّرك و قرى كثيرة و أثّر أثرا حسنا.

و فى سنة [108 ه] ثمان و مائة قطع أسد بن عبد اللّه النّهر،

____________

(1) اللان: بلاد واسعة فى طرف أرمينية (ياقوت، و الفتوح).

(2) فى الكامل: و نازل.

406

و أتاه خاقان، فلم يكن بينهما قتال، ثم مضى أسد إلى غوريان‏ (1)، فقاتلهم يوما، ثم اقتتلوا من الغد فانهزم المشركون، و حوى المسلمون عسكرهم، و ظهروا على البلاد، و أسروا و سبوا و غنموا.

و فيها غزا مسلمة (2) بن عبد الملك الروم مما يلى الجزيرة ففتح قيسارية، و هى مدينة مشهورة.

و غزا إبراهيم بن هشام ففتح حصنا من حصون الروم.

و فيها سار ابن خاقان ملك الترك إلى أذربيجان، فحصر بعض مدنها، فسار إليه الحارث بن عمرو الطائى، فالتقوا و اقتتلوا فانهزم الترك و تبعهم الحارث حتى عبر نهر روس‏ (3)، فعاد إليه ابن خاقان فعاودوا (4) الحرب أيضا، فانهزم ابن خاقان، و قتل من الترك خلق كثير.

و غزا معاوية بن هشام بن عبد الملك و معه ميمون بن مهران على أهل الشام فقطعوا البحر إلى قبرس.

و غزا البرّ مسلمة بن عبد الملك بن مروان.

و فى سنة تسع و مائة غزا عبد اللّه بن عقبة الفهرى فى البحر،

و غزا معاوية بن هشام أرض الروم، ففتح حصنا يقال له‏ (5) طيبة،

____________

(1) فى ك، د، غورين. و فى الكامل: الغوريين. و فى ياقوت: غوريان- بالضم ثم السكون، ثم راء مكسورة و ياء مثناة من تحت و آخره نون: من قرى مرو.

(2) فى ك: معاوية. و المثبت فى الكامل و الطبرى.

(3) هذا فى ك، د.

(4) فى الكامل: فعاود.

(5) فى النجوم الزاهرة: الطينة. و المثبت فى الكامل أيضا.

407

و غزا مسلمة بن عبد الملك الترك من ناحية أذربيجان فغنم و سبى و عاد.

و غزا بشر بن صفوان عامل إفريقية جزيرة صقلية، فغنم شيئا كثيرا، ثم رجع إلى القيروان فتوفى من سنته. و استعمل هشام عبيدة (1) بن عبد الرحمن بن أبى الأغرّ السلمى.

(ذكر خبر أشرس بن عبد اللّه السلمى أمير خراسان و أهل سمرقند و غيرها بما وراء النهر و ما يتصل بذلك من الحروب)

فى سنة [110] عشرة و مائة أرسل أشرس إلى أهل سمرقند و غيرها مما وراء النّهر يدعوهم إلى الإسلام،

على أن توضع عنهم الجزية، و أرسل فى ذلك أبا الصّيداء (2) صالح بن طريف‏ (3) مولى بنى ضبّة و الرّبيع بن عمران التميمى، فقال أبو الصّيداء:

إنما أخرج على شريطة أنه‏ (4) من أسلم لا يؤخذ منه الجزية، و إنما خراج خراسان على رءوس الرجال. فقال أشرس: نعم. فشخص إلى سمرقند و عليها الحسن بن أبى العمرّطة (5) الكندى، فدعا أبو الصيداء أهل سمرقند و من حولها إلى الإسلام، على أن توضع عنهم الجزية، فسارع الناس إلى الإسلام، فكتب إلى أشرس:

إنّ الخراج قد انكسر. فكتب أشرس إلى ابن أبى العمرّطة:

إنّ فى الخراج قوة للمسلمين، و قد بلغنى أنّ أهل الصّغد و أشباههم‏

____________

(1) فى ك: عبدة. و المثبت فى الكامل أيضا.

(2) فى ك: أبا الصيداء و صالح. و المثبت فى الكامل و الطبرى.

(3) فى ك: ظريف.

(4) فى د، و الطبرى: أن.

(5) فى ك، د: الحسن بن العمرطة. و المثبت فى الكامل و الطبرى و فتوح البلدان.

408

إنما أسلموا تعوّذا من الجزية، فانظر من اختتن و أقام الفرائض، و قرأ سورة من القرآن فارفع خراجه، ثم عزل أشرس ابن أبى العمرّطة عن الخراج، و صيّره إلى هانئ بن هانئ، فمنعهم أبو الصيداء من أخذ الجزية ممن تلفّظ بالإسلام، و كتب هانئ إلى أشرس:

إنّ الناس قد أسلموا و بنوا المساجد.

فكتب أشرس إليه و إلى العمال: خذوا الخراج ممّن كنتم تأخذونه عنه، فأعادوا الجزية على من أسلم، فامتنعوا، و اعتزلوا فى سبعة آلاف على عدّة فراسخ من سمرقند، و خرج إليهم أبو الصّيداء و ربيع بن عمران، و الهيثم‏ (1) الشّيبانى، و أبو فاطمة الأزدى، و عامر بن قشير، و بشير الخجندى‏ (2)، و بيان العنبرى، و إسماعيل بن عقبة لينصروهم، فعزل أشرس ابن أبى العمرّطة عن الحرب، و استعمل مكانه المجشّر بن مزاحم السلمى؛ فكتب المجشّر إلى أبى الصّيداء فى القدوم عليه هو و أصحابه، فقدم أبو الصّيداء و ثابت قطنة فحبسهما، و اجتمع أصحاب أبى الصّيداء و ولّوا أمرهم أبا فاطمة ليقاتلوا هانئا، فقال لهم:

كفّوا حتى نكتب إلى أشرس.

فكتبوا إليه، فكتب أشرس: ضعوا عنهم الخراج. فرجع أصحاب أبى الصّيداء و ضعف أمرهم، فتتبّع الرؤساء فأخذوا و حملوا إلى مرو. و ألحّ هانئ فى الخراج، و استخفّوا بعظماء العجم و الدّهاقين، و أخذوا الجزية ممّن أسلم، فكفرت الصّغد و بخارى، و استجاشوا

____________

(1) فى الطبرى: و القاسم. و المثبت فى الكامل أيضا.

(2) فى ك: الحجدرى، و المثبت فى الكامل و الطبرى.

409

التّرك، و خرج أشرس غازيا، فنزل آمل، فأقام ثلاثة أشهر.

و قدم قطن بن قتيبة بن مسلم، فعبر النهر فى عشرة آلاف، و أقبل أهل الصّغد و بخارى معهم خاقان و التّرك، فحصروا قطنا فى خندقه، و أرسل خاقان من أغار على سرح الناس، فأخرج أشرس ثابت قطنة بكفالة عبد اللّه بن بسطام بن مسعود، فوجهه مع عبد اللّه بن بسطام فى خيل‏ (1)، فقاتلوا الترك بآمل حتى استنقذوا ما كان بأيديهم، و رجع الترك.

ثم عبر أشرس بالناس إلى قطن، و بعث سرية مع مسعود أحد بنى حيّان، فلقيهم العدوّ فقاتلوهم، فقتل رجال من المسلمين، و هزم مسعود. فرجع إلى أشرس.

و أقبل العدوّ، فلقيهم المسلمون، فجالوا جولة، فقتل رجال من المسلمين.

ثم رجع‏ (2) المسلمون فصبروا، فهزم اللّه المشركين، و سار أشرس بالناس حتى نزل بيكند (3)، فقطع عنهم العدوّ الماء، و أقام المسلمون يوما و ليلة، و عطشوا؛ فرحلوا إلى المدينة التى قطع العدوّ بها الماء، و على المقدمة قطن بن قتيبة، فلقيهم العدوّ، فقاتلوهم، فجهدوا من العطش، فمات منهم سبعمائة، و عجز الناس عن القتال؛ فقال الحارث بن سريج‏ (4) للناس: القتل بالسيف أكرم‏

____________

(1) فى الطبرى: فى الخيل.

(2) فى الطبرى: كر.

(3) بيكند- بالكسر و فتح الكاف و سكون النون. بلدة بين بخارى و جيحون على مرحلة من بخارى (ياقوت).

(4) فى ك: شريح. و المثبت فى الطبرى و الكامل. و ضبطه ابن الأثير:

بالسين المهملة، و الجيم (4- 203).

410

فى الدنيا و أعظم أجرا عند اللّه من الموت عطشا، و تقدم هو و قطن فى فوارس من تميم فقاتلوا حتى أزالوا التّرك عن الماء، فشرب الناس و استقوا، ثم قاتلوا الترك قتالا شديدا، فقتل ثابت قطنة فى جماعة من المسلمين بعد أن أبلوا أعظم بلاء و أحسنه.

ثم اجتمع رجال من المسلمين تبايعوا على الموت مع قطن بن قتيبة، و حملوا على العدوّ فقاتلوهم فكشفوهم، و ركبهم المسلمون يقتلونهم حتى حجز بينهم اللّيل، و تفرّق العدوّ، و أتى أشرس بخارى، فحصر أهلها فعزل و هو يحاصرها بالجنيد بن عبد الرحمن على ما نذكره إن شاء اللّه تعالى.

ذكر وقعة كمرجة

قال: ثم إنّ خاقان حصر كمرجة (1)، و هى من أعظم بلدان خراسان، و بها جمع من المسلمين، و مع خاقان أهل فرغانة و أفشينة (2)، و نسف، و طوائف من أهل بخارى، فأغلق المسلمون الباب، و قطعوا القنطرة التى على الخندق، فأتاهم ابن خسرو بن يزدجرد، فقال: يا معشر العرب، لم تقتلون أنفسكم؟ أنا الذى جئت بخاقان ليردّ علىّ مملكتى، و أنا آخذ لكم الأمان، فشتموه، و أتاهم بازغرى، فقال: إنّ خاقان يقول لكم: إنى أجعل من عطاؤه منكم ستمائة ألفا، و من عطاؤه ثلاثمائة ستمائة، و يحسن‏ (3)

____________

(1) كمرجة- بفتح أوله و ثانيه و سكون الراء و الجيم: قرية من قرى الصغد.

(ياقوت). و فى ك، د: شددت الراء المفتوحة.

(2) و الطبرى. و فى فتوح البلدان: أفشين.

(3) فى الكامل: و هو يحسن.

411

إليكم و تكونون معه، فأبوا ذلك، فأمر خاقان بجمع الحطب‏ (1) الرطب، و أن يلقى فى الخندق ليعبروا عليه. فجمع فى سبعة أيام، فكانوا يلقون الحطب الرّطب، و يلقى المسلمون الحطب اليابس حتى سوّى الخندق بالأرض؛ فأشعل المسلمون فيه النيران، و هاجت ريح شديدة، فاحترق الحطب الذى جمع فى سبعة أيام فى ساعة واحدة، ثم فرّق خاقان على الترك أغناما، و أمرهم أن يأكلوها و يحشوا جلودها ترابا، و يلقوها فى الخندق، ففعلوا ذلك، فأرسل اللّه تعالى مطرا شديدا، فاحتمل السيل ما فى الخندق، و ألقاه فى النّهر الأعظم.

و رماهم المسلمون بالسهام فقتل بازغرى و كان داهية، و كان خاقان لا يخالفه؛ ففرح المسلمون بقتله، و كان عند المشركين مائة من أسرى المسلمين فيهم أبو الحوجاء (2) العتكىّ و الحجاج ابن حميد النضرى، و كان عند المسلمين مائتان من أولاد المشركين رهائن فقتلوهم، و استماتوا و اشتدّ القتال.

ثم وقع الاتفاق بينهم و بين الترك على أنّ خاقان يرحل عن كمرجة، و يرحلوا هم عنها أيضا إلى سمرقند و الدّبوسية (3)، فأجاب أهل كمرجة إلى ذلك، و أخذ كلّ منهم من الطائفتين رهائن من الأخرى على الوفاء، و ارتحل خاقان، ثم رحلوا بعده، و سيّر معه كور صول التّركى ليمنعهم ممن يتعرّض إليهم من الترك، فلما

____________

(1) فى الطبرى: بقطع الشجر، فجعلوا يلقون الحطب الرطب.

(2) فى ك: العرجاء. و المثبت فى الكامل و الطبرى.

(3) الدبوسية: بليدة من أعمال الصغد مما وراء النهر (ياقوت).

412

انتهوا إلى الدّبوسية، و كان بها عشرة آلاف مقاتل من المسلمين، أمنوا و أطلق كلّ من الطائفتين ما بيدهم من الرهائن، و كانت مدة حصار كمرجة ثمانية و خمسين يوما، فيقال: إنهم لم يسقوا إبلهم خمسة و ثلاثين يوما.

و فى هذه السنة ارتد أهل كردر (1)، فأرسل إليهم أشرس جندا فظفروا بهم.

و غزا مسلمة التّرك من نحو باب اللّان، فلقى خاقان فى جموعه، فاقتتلوا قريبا من شهر، و أصابهم مطر شديد، فانهزم خاقان و رجع مسلمة.

و غزا معاوية الروم ففتح صلم‏ (2).

و غزا الصائفة عبد اللّه بن عقبة الفهرى.

(ذكر عزل أشرس عن خراسان و استعمال الجنيد بن عبد الرحمن، و قتاله الترك)

و فى سنة [111 ه] إحدى عشرة و مائة عزل هشام بن عبد الملك أشرس بن عبد اللّه عن خراسان،

و استعمل الجنيد بن عبد الرحمن ابن عمرو بن الحارث بن خارجة بن سنان بن أبى حارثة المرّى، و حمله على ثمانية من البريد، فقدم خراسان فى خمسمائة، و سار

____________

(1) بفتح أوله و سكون ثانيه و دال مفتوحة و آخره راء: ناحية من نواحى خوارزم و ما يتاخمها من نواحى الترك (ياقوت).

(2) هذا فى د. و فى الكامل: صملة. و فى الطبرى: صمالة. و لم أقف على ضبطها.

413

إلى ما وراء النّهر، و سار معه الخطاب بن محرز السلمى خليفة أشرس بخراسان، فقطعا النّهر، و أرسل الجنيد إلى أشرس، و هو يقاتل أهل بخارى و الصّغد: أن أمدّنى بخيل.

و خاف أن يقطع‏ (1) دونه، فوجّه إليه أشرس عامر بن مالك الحمّانى، فلما كان عامر ببعض الطريق عرض له التّرك و الصّغد، فدخل حائطا حصينا، و قاتلهم على الثلمة، و كان معه ورد بن زياد بن أدهم بن كلثوم و واصل بن عمرو القيسى‏ (2)، فخرج واصل و عاصم بن عمير السمرقندى و غيرهما، فاستداروا خلف الترك فلم يشعر خاقان إلّا و التكبير من ورائه، و حمل المسلمون على التّرك، فقاتلوهم، و قتلوا عظيما من عظماء الترك، فانهزم التّرك، و سار عامر حتى لقى الجنيد، و أقبل معه و على مقدمة الجنيد عمارة ابن خريم‏ (3)، فلما صار على فرسخين من بيكند تلقّته خيل التّرك، فقاتلوهم، فكاد الجنيد يهلك هو و من معه، ثم أظهره اللّه، و سار حتى قدم العسكر، و ظفر الجنيد، و قتل من الترك، ثم زحف إليه خاقان، فالتقوا دون زرمان‏ (4) من بلاد سمرقند، و قطن بن قتيبة على ساقة الجنيد، فأسر الجنيد ابن أخى خاقان، فبعث به إلى هشام، و رجع الجنيد بالظّفر إلى مرو.

____________

(1) فى د: يقتطع.

(2) فى د: الليثى. و المثبت فى الكامل و الطبرى.

(3) فى د: خزيم. و المثبت فى الكامل و الطبرى.

(4) زرمان- بفتح أوله و سكون ثانيه و آخره نون: من قرى صغد سمرقند (ياقوت). و فى ك: زرميان. و فى الكامل: رزمان.

414

و فيها غزا معاوية بن هشام الصائفة اليسرى، و غزا سعيد بن هشام الصائفة اليمنى، حتى أتى قيسارية.

و غزا عبد اللّه بن أبى مريم البحر.

و فيها سارت التّرك إلى أذربيجان، فلقيهم الحارث بن عمرو، فهزمهم.

و فيها استعمل هشام الجرّاح بن عبد اللّه الحكمىّ على أرمينية، و عزل أخاه مسلمة، فدخل بلاد الخزر من ناحية تفليس‏ (1)، ففتح مدينتهم البيضاء، و انصرف سالما.

(ذكر مقتل الجراح بن عبد اللّه الحكمى و ولاية سعيد الحرشى و حروبه مع الخزر و التّرك، و ما افتتحه من البلاد)

و فى سنة [112 ه] ثنتى عشرة و مائة قتل الجرّاح بن عبد اللّه الحكمى.

و سبب ذلك أنه لما هزم الخزر اجتمعوا هم و التّرك من ناحية اللّان، فلقيهم الجرّاح فيمن معه من أهل الشام، فاقتتلوا أشدّ قتال رآه الناس، و تكاثر الخزر و التّرك على المسلمين، فاستشهد الجرّاح و من معه بمرج أردبيل‏ (2)، فلما قتل طمع الخزر و أوغلوا فى البلاد حتى قاربوا الموصل، و عظم الخطب على المسلمين.

فبلغ الخبر هشام بن عبد الملك، فاستشار سعيدا الحرشى،

____________

(1) تفليس- بفتح أوله و يكسر: بلد بأرمينية الأولى (ياقوت).

(2) أردبيل- بالفتح ثم السكون، و فتح الدال و كسر الباء و ياء ساكنة و لام:

من أشهر مدن أذربيجان (ياقوت).

415

فقال: أرى أن تبعثنى على أربعين دابّة من دوابّ البريد، ثم تبعث إلىّ كل يوم بأربعين [رجلا] (1)، و اكتب إلى أمراء الأجناد أن يوافونى‏ (2). ففعل ذلك، و سار الحرشىّ و هو لا يمرّ بمدينة إلّا استنهض‏ (3) أهلها، فيجيبه من يريد الجهاد.

و لم يزل كذلك حتى وصل إلى مدينة أرزن‏ (4)، فلقيه جماعة من أصحاب الجرّاح، فردّهم معه، و سار فبلغ خلاط (5)، فحاصرها أياما و فتحها، و قسّم غنائمها فى أصحابه، ثم سار عنها و فتح الحصون و القلاع شيئا بعد شي‏ء حتى أتى بردعة، و كان ابن خاقان يومئذ بأذربيجان يغير و ينهب و يسبى و يقتل، و هو يحاصر مدينة ورثان‏ (6)، فأرسل الحرشىّ رجلا من أصحابه إلى أهلها يعرّفهم وصوله، و يأمرهم بالصبر، فسار و لقيه بعض الخزر، فأخذوه و سألوه عن الخبر، فأخبرهم و صدقهم، فقالوا له: إن فعلت ما نأمرك به أحسنّا إليك، و أطلقناك، و إلا قتلناك. قال: فما الذى تريدون؟ قالوا (7): تقول لأهل ورثان: إنكم ليس لكم مدد، و لا من يكشف ما بكم، و تأمرهم بتسليم البلد إلينا. فأجابهم إلى ذلك.

فلما قارب المدينة وقف بحيث يسمع أهلها كلامه، فقال لهم:

____________

(1) من الكامل، و الطبرى.

(2) فى ك: بواسونى.

(3) فى ك: أشخص. و فى الكامل: إلا و يستنهض.

(4) أرزن- بفتح الهمزة ثم السكون، و فتح الراى، و النون: مدينة مشهورة قبل خلاط. و أرزن الروم: بلدة أخرى من بلاد أرمينية أيضا (ياقوت).

(5) خلاط- بكسر أوله، و آخره طاء مهملة: قصبة أرمينية الوسطى (المراصد).

(6) ورثان- بالفتح ثم السكون، و آخره نون، و السفلى يحرك الراء: بلد هو آخر حدود أذربيجان بينه و بين الرس فرسخان (ياقوت).

(7) فى ك: قال- تحريف-

416

أ تعرفونى؟ قالوا: نعم، أنت فلان. قال: فإنّ الحرشى قد وصل إلى مكان كذا فى عساكر كثيرة، و هو يأمركم بحفظ البلد، و الصّبر، ففى هذين اليومين يصل إليكم.

فرفعوا أصواتهم بالتهليل و التكبير، و قتلت الخزر ذلك الرجل، و رحلوا عن مدينة ورثان، و وصلها الحرشى، و قد ارتحل الخزر إلى أردبيل، فسبقهم‏ (1) إليها، فساروا عنها، و نزل سعيد باجروان‏ (2)، فأتاه فارس على فرس أبيض، فقال له: أيها الأمير، هل لك فى الجهاد و الغنيمة؟ قال: و كيف لى بذلك؟ قال: هذا عسكر الخزر فى عشرة آلاف، و معهم خمسة آلاف بنت من المسلمين أسارى و سبايا، و هم على أربعة فراسخ.

فسار الحرشىّ إليهم ليلا، فوافاهم آخر الليل، و هم نيام، فكبسهم مع الفجر، و وضع المسلمون فيهم السيف، فما بزغت الشمس حتى قتلوا عن آخرهم غير (3) رجل واحد.

ثم أتاه ذلك الفارس الذى أتاه أولا و قال له: هذا جيش الخزر و معهم أموال المسلمين و أولادهم، و حرم الجرّاح و أولاده، و هم بمكان كذا؛ فسار الحرشى إليهم، فما شعروا إلّا و المسلمون معهم، فوضعوا فيهم السيف فقتلوهم كيف شاءوا، و لم يفلت من الخزر إلا الشريد، و استنقذوا من معهم، و غنموا أموال الخزر، و حمل الأسارى إلى باجروان.

____________

(1) فى د: فتبعهم.

(2) فى ك: باحروان. و المثبت فى الكامل أيضا. و فى ياقوت: باجروان- آخره نون: قرية من ديار مصر بالجزيرة من أعمال البليخ. و باجروان أيضا مدينة من نواحى باب الأبواب قرب شروان (ياقوت).

(3) فى ك: عن.

417

و بلغ الخبر ابن ملك الخزر، فجمع أصحابه من نواحى أذربيجان، فاجتمع له عساكر كثيرة، فحرّضهم، و سار نحو الحرشىّ، و سار الحرشىّ إليه، فالتقيا بزرند (1)، و اقتتلوا أشدّ قتال، فانحاز المسلمون يسيرا ثم عادوا إلى القتال، فاشتدّت نكايتهم فى العدوّ، فهزموهم، و تبعهم المسلمون حتى بلغوا بهم نهر أوس‏ (2)، و عادوا عنهم و حووا ما فى عسكرهم من الأموال و الغنائم، و أطلقوا الأسارى و السّبايا، و حملوا الجميع إلى باجروان، ثم جمع ابن ملك الخزر من لحق به من عساكره، و عاد بهم نحو الحرشى، فنزل على نهر البيلقان‏ (3)، فسار الحرشى نحوه؛ فوافاهم هناك، و التقوا، فكانت الهزيمة على الخزر، فكان من غرق منهم أكثر ممن قتل، و جمع الحرشى الغنائم، و عاد إلى باجروان و كتب إلى هشام بالفتح، و أرسل إليه الخمس. فكتب إليه هشام يشكره، و يثنى عليه، و يأمره بالمسير إليه، و استعمل هشام أخاه مسلمة على أرمينية و أذربيجان، فوصل إلى البلاد، و سار إلى الترك حتى جاز البلاد [فى آثارهم‏] (4).

ذكر وقعة الجنيد بالشعب‏

و فى سنة [112 ه] ثنتى عشرة و مائة أيضا خرج الجنيد أمير خراسان غازيا يريد طخارستان؛ فوجه عمارة بن خريم‏

____________

(1) زرند- بفتح أوله و ثانيه و نون ساكنة و دال مهملة: بليدة بين أصبهان و ساوة (ياقوت).

(2) فى د: أرس. و المثبت فى ك أيضا. و فى ياقوت: أوس: اسم موضع، أو رجل.

(3) بيلقان- بالفتح ثم السكون و فتح القاف و ألف و نون: مدينة قرب الدربند الذى يقال له باب الأبواب تعد فى أرمينية الكبرى قريبة من شروان.

(4) من الكامل.

418

إلى طخارستان فى ثمانية عشر ألفا، و وجّه إبراهيم بن بسام الليثى فى عشرة آلاف إلى وجه آخر، و جاشت التّرك فأتوا سمرقند، و عليها سورة بن الحر؛ فكتب إلى الجنيد أنّ خاقان جاش بالترك، فخرجت إليهم، فلم أطق أن أمنع حائط سمرقند، فالغوث الغوث.

فعبر الجنيد النهر، و قد فرّق عساكره، فسار بمن معه حتى نزل كشّ‏ (1)، و تأهّب للمسير، و بلغ ذلك الترك؛ فعوّروا الآبار التى فى طريق كش، و سار الجنيد يريد سمرقند، فأخذ طريق العقبة، و ارتقى فى الجبل، ثم سار حتى صار بينه و بين سمرقند أربعة فراسخ، و دخل الشّعب فصبّحه خاقان فى جمع عظيم؛ فكانت بينهم وقعة عظيمة صبر الناس فيها و قاتلوا حتى كانت السيوف لا تقطع شيئا، فقطع عبيدهم الخشب يقاتلون به، ثم كانت المعانقة؛ ثم تحاجزوا، فاستشهد من المسلمين جماعة.

فبينما الناس كذلك إذ أقبل رهج‏ (2)، و طلعت الفرسان‏ (3)، فنادى منادى الجنيد: الأرض الأرض! و ترجّل، و ترجّل الناس، ثم أمر أن يخندق كلّ قائد على حياله، فخندقوا و تحاجزوا و قد أصيب من الأزد يومئذ مائة و تسعون رجلا، و كان قتالهم يوم الجمعة، فلما كان يوم السبت قصدهم خاقان وقت الظهر، فلم ير موضعا للقتال أسهل من موضع بكر بن وائل، و عليهم زياد

____________

(1) سبق أنها بالسين و الشين.

(2) الرهج: الغبار.

(3) فى د: فرسان.

419

ابن الحارث، فقصدهم، فلما قربوا حملت بكر عليهم فأفرجوا لهم، و اشتد القتال بينهم.

فلما رأى الجنيد شدّة الأمر استشار أصحابه، فقال له عبيد اللّه بن حبيب: اختر إمّا أن تهلك أنت أو سورة بن الحرّ.

فقال: هلاك سورة أهون على. قال: فاكتب إليه فليأتك فى أهل سمرقند؛ فإنه إذا بلغ الترك إقباله توجّهوا إليه فقاتلوه.

فكتب إليه الجنيد يأمره بالقدوم، فسار فى اثنى عشر ألفا، فأصبح على رأس جبل، فتلقّاه خاقان، و قد بقى بينه و بين الجنيد نحو فرسخ فقاتلهم فاشتدّ (1) القتال، و سقط سورة بن الحرّ، فاندقّت فخذه، و قتل و تفرّق الناس، و قتلهم الترك، و لم ينج منهم غير ألفين. و يقال: ألف.

و لما استقلّ خاقان بقتال سورة خرج الجنيد مبادرا يريد سمرقند، فلقيه الترك قبل وصوله إليها، فقاتلهم قتالا شديدا.

و قال الجنيد: أىّ عبد قاتل فهو حر. فقاتل العبيد قتالا عجبت منه الناس، و هزم اللّه الترك.

و مضى الجنيد إلى سمرقند، و كتب إلى هشام بن عبد الملك بالخبر. فكتب إليه هشام: قد وجّهت إليك عشرة آلاف من أهل البصرة، و عشرة آلاف من أهل الكوفة، و من السلاح ثلاثين ألف رمح، و مثلها ترسة (2)، فافرض فلا غاية لك فى الفريضة لخمسة (3) عشر ألفا.

____________

(1) فى الكامل: و اشتد.

(2) جمع ترس. و فى ك: أترسة.

(3) فى الكامل: بخمسة عشر ألفا.

420

قال‏ (1): و أقام الجنيد بسمرقند، و توجّه خاقان إلى بخارى، و عليها قطن بن قتيبة، فسار الجنيد إليه، و خلّف بسمرقند عثمان بن عبد اللّه ابن الشّخّير فى أربعمائة [فارس و أربعمائة] (2) راجل.

و لما انتهى الجنيد إلى كرمينية (3) أتاه خاقان و ذلك فى مستهلّ رمضان من السنة، فاقتتلوا يومهم؛ ثم ارتحل الجنيد و قد قوى الساقة بالرجال، فجاءت الترك فمالوا على الساقة فاقتتلوا فاشتدّ القتال بينهم، فقتل مسلم بن أحوز عظيما من عظماء الترك، فتطيّروا من ذلك، و انصرفوا. و سار المسلمون فدخلوا بخارى، ثم قدمت الجنود من الكوفة و البصرة فسرّح الجنيد معهم حوثرة ابن زيد العنبرى فيمن انتدب معه.

و قيل: إنّ وقعة الشّعب كانت فى سنة [113 ه] ثلاث عشرة و مائة.

[و اللّه أعلم‏] (4).

و فيها غزا معاوية بن هشام الصائفة، فافتتح خرشنة (5).

[و اللّه أعلم‏] (6).

____________

(1) فى الطبرى: 8- 212.

(2) ليس فى ك.

(3) كرمينية: بالفتح ثم السكون و كسر الميم و ياء مثناة من تحت ساكنة و نون مكسورة و ياء أخرى مفتوحة خفيفة: بلدة من نواحى الصغد (المراصد).

(4) ساقط فى د.

(5) خرشنة- بفتح أوله و تسكين ثانيه و شين معجمة و نون: بلد قرب ملطية من بلاد الروم.

(6) ساقط فى د.

421

ذكر غزو مسلمة و عوده‏

فى هذه السنة فرّق مسلمة الجيوش ببلاد خاقان ففتحت مدائن و حصون على يديه، و قتل منهم و سبى و أسر و أحرق، و دان له من وراء جبال بلنجر، و أقبل ابن خاقان و قد اجتمعت عليه الخزر و غيرهم من تلك الأمم، و صار فى جموع عظيمة. فلما بلغ مسلمة الخبر أمر أصحابه فأوقدوا النيران، ثم ترك خيامهم و أثقالهم، و عاد بعسكره جريدة، و قدم الضعفة (1) و أخّر الشجعان، و طوى المراحل كلّ مرحلتين فى مرحلة حتى وصل الباب و الأبواب [فى آخر رمق‏] (2).

و فيها غزا معاوية بن هشام أرض الروم فرابط. من ناحية مرعش‏ (3) ثم رجع. و اللّه أعلم.

(ذكر غزو مروان بن محمد بلاد الترك) و دخوله إلى بلاد ملك السّرير و غيرها من بلادهم و ما افتتحه و قرره و صالح عليه الملوك‏

و فى سنة [114] أربع عشرة استعمل هشام بن عبد الملك مروان بن محمد بن مروان على الجزيرة و أذربيجان و أرمينية.

و سبب ذلك أنه كان فى عسكر مسلمة بن عبد الملك حين غزا الخزر، فلما عاد مسلمة- كما تقدّم- سار مروان إلى هشام فلم يشعر به‏

____________

(1) ك: الضعفاء.

(2) ساقط فى د، و هو فى ك أيضا.

(3) مرعش: من ثغور أرمينية (البكرى).

422

حتى دخل عليه، فسأله عن سبب قدومه، فقال: ضقت ذرعا بما أذكره، و لم أر من يحمله غيرى. قال: و ما هو؟ قال:

يا أمير المؤمنين؛ إنه كان من دخول الخزر إلى بلاد الإسلام و قتل الجراح و غيره ما دخل به الوهن على المسلمين. ثم رأى أمير المؤمنين أن يوجّه أخاه مسلمة إليهم، فو اللّه ما وطئ من بلادهم إلّا أدناها، ثم إنه لما رأى كثرة جمعه أعجبه ذلك، فكتب إلى الخزر يؤذنهم بالحرب، و أقام بعد ذلك ثلاثة أشهر، فاستعدّ القوم و حشدوا، فلما دخل بلادهم لم يكن له فيهم نكاية، فكان قصاراه السّلامة، و قد أردت أن تأذن لى فى غزوة أذهب بها عنّا العار، و أنتقم من العدو. قال: قد أذنت لك. قال: و تمدنى بمائة ألف و عشرين ألف مقاتل؟

قال: قد فعلت. قال: و تكتم هذا الأمر عن كل أحد؟ قال:

قد فعلت. و قد استعملتك على إرمينية.

فودّعه و سار إلى إرمينية واليا عليها و سيّر إليه هشام الجنود [من الشام و العراق و الجزيرة، فاجتمع عنده من الجنود] (1) و المتطوّعة مائة ألف و عشرون ألفا، فأظهر أنه يريد غزو اللّان، و أرسل إلى ملك الخزر يطلب منه المهادنة، فأجابه إلى ذلك، و أرسل‏ (2) إليه من يقرر الصلح، فأمسك الرسول عنده إلى أن فرغ من جهازه، و أحضره، ثم أغلظ لهم فى القول و آذنهم بالحرب، و سيّر الرسول إلى صاحبه بذلك، و وكل به من يسير به‏

____________

(1) ساقط من ك.

(2) ك: فأرسل.

423

على طريق فيه بعد، و سار هو فى أقرب الطّرق، فما وصل الرسول إلى صاحبه إلّا و مروان قد وافاهم بالجنود، فاستشار ملك الخزر أصحابه، فقالوا: إنّ هذا قد جمع و دخل بلادك، فإن أقمت إلى أن تجمع لم يجتمع جندك إلى مدّة، فيبلغ منك ما يريد، و إن أنت لقيته على حالك هذه هزمك و ظفر بك، و الرأى أن تتأخّر إلى أقصى بلادك، و تدعه و ما يريد.

فقبل رأيهم و سار و دخل مروان البلاد، و أوغل فيها، و أخربها، و غنم و سبى، و انتهى إلى آخرها، و أقام فيها عدّة أيام أذلّهم، و دخل بلاد ملك السّرير، فأوقع بأهلها، و فتح قلاعا، و دان له الملك، و صالحه على ألف رأس: خمسمائة غلام، و خمسمائة جارية سود الشعور (1)، و مائة ألف مدى تحمل إلى الباب، و صالح أهل تومان‏ (2)، على مائة رأس نصفين و عشرين ألف مدى‏ (3)، ثم دخل أرض زديكران‏ (4)، فصالحه ملكها، ثم أتى أرض حمزين، فأبى حمزين أن يصالحه، فحصرهم، و افتتح حصنهم، ثم أتى سغدان‏ (5)، فافتتحها صلحا، و وظف على طبرسرانشاه‏ (6) عشرة آلاف مدى كلّ سنة تحمل إلى الباب؛ ثم‏

____________

(1) فى ك: الشعر.

(2) فى ك: ثومان، و هى بالتاء أيضا فى فتوح البلدان: 345.

(3) فى الكامل: مدبر.

(4) فى ك: زنكران. و فى الكامل: زريكران. و المثبت فى فتوح البلدان أيضا.

(5) سغدان- بضم أوله: قرية من نواحى بخارى (ياقوت). و فى فتوح البلدان:

سندان: و المثبت فى الكامل أيضا.

(6) فى الكامل: طيرشانشاه. و المثبت فى فتوح البلدان أيضا.

424

نزل على قلعة صاحب اللّكز (1) و قد امتنع من أداء الوظيفة، فخرج ملك اللّكز يريد ملك الخزر، فقتله راع بسهم و هو لا يعرفه، فصالح أهل اللّكز مروان، و استعمل عليهم عاملا و سار إلى قلعة شروان‏ (2) و هى على البحر، فأذعن له بالطاعة، و سار إلى الدّوادانيّة، فأوقع بهم، ثم عاد.

و غزا معاوية بن هشام الصائفة اليسرى، فأصاب ربض أقرن.

و فيها التقى عبد اللّه البطّال هو و قسطنطين فى جموع، فهزمهم البطّال و أسر قسطنطين.

و غزا سليمان بن هشام الصائفة اليمنى، فبلغ قيسارية.

و فى سنة [115 ه] خمس عشرة و مائة غزا معاوية بن هشام أرض الروم.

و غزا أيضا الصائفة فى سنة [116 ه] ست عشرة.

و فى سنة [117 ه] سبع عشرة غزا معاوية (3) بن هشام الصائفة اليسرى، و سليمان بن هشام الصائفة اليمنى من نحو الجزيرة،

و فرّق سراياه فى أرض الروم.

و بعث مروان بن محمد، و هو على إرمينية بعثين؛ فافتتح أحدهما

____________

(1) اللكز- بالفتح ثم السكون و زاى: بليدة خلف الدربند تتاخم خزران (ياقوت).

(2) شروان: مدينة من نواحى باب الأبواب (ياقوت). و فى الأصول:

سروان- بالسين المهملة. و فى ياقوت: سروان: مدينة صغيرة من أعمال سجستان.

(3) فى د: سليمان. و المثبت فى الطبرى و الكامل.

425

حصونا ثلاثة من اللّان، و نزل الآخر على تومان شاه، فنزل أهلها على الصّلح.

و فى سنة [118 ه] ثمان عشرة [و مائة] (1) غزا معاوية و سليمان ابنا هشام بن عبد الملك أرض الروم.

و غزا مروان بن محمد من إرمينية، و دخل أرض ورتيس‏ (2)، من ثلاثة أبواب، فهرب ورتيس إلى الخزر، و ترك حصنه، فحصره مروان، و نصب عليه المجانيق، و اتفق قتل ورتيس، قتله بعض من اجتاز به، و أرسل رأسه إلى مروان، فنصبه لأهل حصنه، فنزلوا على حكمه، فقتل المقاتلة و سبى الذرّيّة ...

(ذكر ظفر المسلمين بالترك و قتل خاقان ملك الترك)

و فى سنة [119 ه] تسع عشرة و مائة كانت الحرب بين أسد ابن عبد اللّه القسرى أمير خراسان و بين خاقان ملك التّرك.

و سبب ذلك أنّ الحارث بن سريج كان قد خلع بخراسان على ما نذكره إن شاء اللّه تعالى فى حوادث السنين، و ولى أسد خراسان على ما نذكره إن شاء اللّه، فكتب الحارث إلى خاقان يعلمه بضعف أسد و قلّة أصحابه، و يستدعيه لحربه.

فأقبل خاقان، و قطع النّهر إلى بلخ، فلقيه أسد، فاقتتلوا قتالا شديدا، فظفر المسلمون بالتّرك، و هزموهم أقبح هزيمة، و غنموا

____________

(1) زيادة فى د بين السطور.

(2) فى الكامل: ورنيس: و المثبت فى ك، د.

426

أموالهم و خيولهم و أثقالهم، و قتلوا منهم مقتلة عظيمة، و أراد خصيّ لخاقان حمل امرأة خاقان فأعجلوه فقتلها، و مضى خاقان إلى طخارستان ثم إلى بلاده. و حمل الحارث و أصحابه على خمسة آلاف برذون، و استعدّ لغزو المسلمين، فلاعب خاقان يوما كور صول بالنّرد على خطر، فتنازعا، فضرب كور صول يد خاقان فكسرها و تنحّى عنه، و جمع جمعا، و بلغه أنّ خاقان قد حلف ليكسرنّ يده؛ فبيّت خاقان فقتله، و تفرّقت الترك و اشتغلوا بأنفسهم، و أرسل أسد إلى هشام بن عبد الملك يخبره بالفتح و بقتل خاقان، فلم يصدق ذلك. و أرسل‏ (1) مبشّرا آخر فوقف على باب هشام و كبّر، فأجابه هشام بالتكبير. فلما انتهى إليه أخبره بالفتح، فسجد شكرا للّه تعالى.

و فيها غزا أسد بن عبد اللّه أمير خراسان الختّل‏ (2)، فقتل بدر طرخان [ملك الختّل‏] (3)، و غلب على القلعة العظمى، و فرّق عساكره فى أودية الختّل، فملئوا أيديهم من الغنائم و السبى.

و هرب أهلها إلى الصين.

و غزا الوليد بن القعقاع أرض الروم.

و غزا مروان بن محمد من إرمينية فدخل بلاد اللّان، و سار فيها

____________

(1) فى د: ثم أرسل.

(2) الختل- بضم أوله و تشديد ثانيه و فتحه: كورة واسعة كثيرة المدن، و هى على تخوم السند (ياقوت).

(3) من الطبرى.

427

حتى خرج منها إلى بلاد الخزر، فمرّ ببلنجر و سمندر (1)، و انتهى إلى البيضاء التى يكون فيها خاقان، فهرب خاقان منه.

و فى سنة [120 ه] عشرين و مائة غزا سليمان بن هشام بن عبد الملك الصائفة و افتتح سندرة.

و غزا إسحاق بن مسلم العقيلى تومان شاه و افتتح قلاعه و خرّب أرضه.

(ذكر غزوات نصر بن سيار ما وراء النهر)

و فى سنة [121 ه] إحدى و عشرين و مائة غزا نصر بن سيّار ما وراء النهر مرّتين:

إحداهما من نحو الباب الجديد، فسار (2) من بلخ، ثم رجع إلى مرو، فخطب الناس، و أخبرهم أنه قد أقام منصور بن عمر بن أبى الخرقاء على كشف المظالم، و أنه قد وضع الجزية عمّن أسلم، و جعلها على من كان يخفّف عنه من المشركين، فلم تمض جمعة (3) حتى أتاه ثلاثون ألف مسلم كانوا يؤدّون الجزية عن رءوسهم، و ثمانون‏ (4) ألفا من المشركين كانت الجزية قد وضعت عنهم، فحوّل ما كان على المسلمين عليهم، ثم صنّف الخراج و وضعه مواضعه.

ثم غزا الثانية إلى ورغسر (5) و سمرقند.

____________

(1) فى د: سمند. و المثبت فى فتوح البلدان. و فى ياقوت: سمندر- بفتح أوله و ثانيه ثم سكون و دال مفتوحة و آخره راء: مدينة خلف باب الأبواب من أرض الخزر.

(2) فى ك: سار.

(3) فى الطبرى: فما كانت الجمعة الثانية.

(4) فى ك: و ثلاثون. و المثبت فى الطبرى و الكامل.

(5) فى د: ارزغشر، و المثبت فى الطبرى و الكامل. و هى من قرى سمرقند عندها مقاسم مياه الصغد و غيره (ياقوت).

428

ثم غزا الثالثة إلى شاش من مرو، فحال بينه و بين عبور نهر الشاش كورصول فى خمسة عشر ألفا، و كان معهم الحارث بن سريج‏ (1)، و عبر كورصول فى أربعين رجلا فبيّت العسكر فى ليلة مظلمة، و مع نصر بخارى خذاه فى أهل بخارى، و معه أهل سمرقند و كشّ و نسف، و هم عشرون ألفا، فنادى نصر: ألا لا يخرجنّ أحد، و اثبتوا على مواضعكم.

فخرج عاصم بن عمير- و هو على جند سمرقند- فمرّت به خيل الترك، فحمل على رجل فى آخرهم فأسره، فإذا هو ملك من ملوكهم صاحب أربعة آلاف قبّة، فأتى به إلى نصر، فقال له نصر:

من أنت؟ قال: كورصول. قال: الحمد للّه الذى أمكن منك يا عدوّ اللّه. قال: ما ترجو من قتل شيخ، و أنا أعطيك أربعة آلاف بعير من إبل الترك و ألف برذون تقوّى به جندك، و تطلق سبيلى.

فاستشار نصر الناس، فأشاروا بإطلاقه، فسأله عن عمره قال: لا أدرى. قال: كم غزوت؟ قال: ثنتين و سبعين غزاة.

قال: أشهدت يوم العطش؟ قال: نعم. قال: لو أعطيتنى ما طلعت عليه الشمس ما أفلتّ من يدى بعد ما ذكرت من مشاهدك.

و قال لعاصم بن عمير السغدى‏ (2): قم إلى سلبه فخذه. فقال:

من أسرنى؟ قال: نصر- و هو يضحك- أسرك يزيد بن قرّان‏ (3) الحنظلى، و أشار إليه. قال: هذا لا يستطيع أن يغسل استه، أو لا يستطيع أن يتم بوله، فكيف يأسرنى؟ أخبرنى من أسرنى؟ قال:

____________

(1) فى ك: شريح. و المثبت فى الطبرى و الكامل.

(2) فى الكامل: السعدى.

(3) الضبط فى د. و فى الطبرى بضم القاف.

429

أسرك عاصم بن عمير. قال: لست أجد ألم‏ (1) القتل إذا أسرنى فارس من فرسان العرب.

فقتله و صلبه على شاطئ النهر، فلما قتل أحرقت الترك أبنيته، و قطعوا آذانهم و شعورهم و أذناب خيولهم.

فلما أراد نصر الرجوع أحرقه لئلا يحملوا عظامه، فكان ذلك أشدّ عليهم من قتله.

و ارتفع إلى فرغانة فسبى منها ألف رأس. و كتب يوسف ابن عمر الثقفى عاهل العراقين إلى نصر بن سيّار يأمره بالمسير إلى الشاش‏ (2) لقتال الحارث بن سريج، فاستعمل نصر يحيى بن حصين على مقدمته، فسار إلى الشاش، فأتاهم الحارث، و أغار الأخرم، و هو فارس الترك، على المسلمين فقتلوه، و ألقوا رأسه إلى الترك، فصاحوا و انهزموا، و سار نصر إلى الشاش فتلقّاه ملكها بالصلح و الهديّة و الرّهن، فاشترط عليه إخراج الحارث بن سريج من بلده، فأخرجه إلى فاراب‏ (3)، و استعمل على الشاش نيزك بن صالح مولى عمرو بن العاص، ثم سار حتى نزل قباء من أرض فرغانة، و كانوا قد علموا بمجيئه، فأحرقوا الحشيش، و قطعوا الميرة، فوجّه نصر إلى ولى عهد صاحب فرغانة فحاصره فى حصن، فخرج و قد غفل المسلمون فغنم دوابّهم، فوجّه إليهم نصر رجالا من تميم، و معهم محمد بن المثنى، فكايدهم‏

____________

(1) فى الطبرى: لست أجد مس القتل.

(2) الشاس: من بلاد الترك (البكرى).

(3) فاراب: ولاية وراء نهر سيحون فى تخوم بلاد الترك (ياقوت).

430

المسلمون و أهملوا دوابهم و كمنوا لهم، فخرجوا فاستاقوا بعضها، و خرج عليهم المسلمون فهزموهم، و قتلوا الدّهقان و أسروا منهم، فكان فيمن أسر ابن الدّهقان، فقتله نصر.

و أرسل نصر سليمان بن صول بكتاب الصّلح إلى صاحب فرغانة، فأمر به فأدخل الخزائن ليراها، ثم رجع إليه، فقال: كيف رأيت الطريق فيما بيننا و بينكم؟ قال: سهلا كثير الماء و المرعى، فكره ذلك، و قال: ما أعلمك؟ فقال سليمان: قد غزوت غرشتان‏ (1) و غور و الختّل و طبرستان، فكيف لا أعلم؟ قال: فكيف رأيت ما أعددنا؟

قال: عدّة حسنة، و لكن أ ما علمت أنّ المحصور لا يسلم من خصال؟ [قال: و ما هن؟ قال:] (2) لا يأمن أقرب الناس إليه، و أوثقهم فى نفسه، أو يفنى ما جمع، فيسلم برمته، أو يصيبه داء فيموت.

فكره ما قاله له، و أمره فأحضر كتاب الصلح، فأجاب إليه، و سير أمّه معه، و كانت صاحبة أمره، فقدمت على نصر فكلّمها فكلمته، و كان فيما قالت [له‏] (3): كلّ ملك لا تكون عنده ستة أشياء فليس بملك: وزير يبثّ إليه ما فى نفسه، و يشاوره و يثق بنصيحته. و طبّاخ إذا لم يشته الطعام اتّخذ له ما يشتهى، و زوجة إذا دخل عليها مغتمّا فنظر إلى وجهها زال غمّه،

____________

(1) غرشتان- بالفتح ثم السكون و شين معجمة مكسورة و سين مهملة و تاء مثناة من فوق، و آخره نون. و يقال غرستان: ناحية واسعة كثيرة القرى (ياقوت).

و فى الطبرى: غرشستان.

(2) زيادة فى الطبرى.

(3) ليس فى ك.

431

و حصن إذا فزع أتاه فأنجاه- تعنى البرذون- و سيف إذا قاتل لم يخش خيانته. و ذخيرة إذا حملها عاش بها أين كان من الأرض.

و دخل تميم بن نصر فى جماعة، فقالت: من هذا؟ قالوا:

هذا فتى خراسان تميم بن نصر. قالت: ما له نبل الكبير، و لا حلاوة الصغير.

ثم دخل الحجاج بن قتيبة، فقالت: من هذا؟ قالوا:

الحجاج بن قتيبة، فحيّته، و سألت عنه، و قالت: يا معشر العرب، ما لكم وفاء، و لا يصلح بعضكم لبعض، قتيبة الذى ذلّل لكم ما أرى، و هذا ابنه تقعده دونك، فحقّه‏ (1) أن تجلسه أنت هذا المجلس و تجلس أنت مجلسه.

ذكر غزو مروان بن محمد بن مروان‏

و فى سنة [121 ه] إحدى و عشرين أيضا غزا مروان بن محمد من إرمينية و هو واليها، فأتى قلعة بيت السّرير فقتل و سبى، ثم أتى قلعة ثانية (2) فقتل و سبى، و دخل غرمسك‏ (3)، و هو حصن فيه بيت الملك و سريره، فهرب الملك منه إلى حصن خيزج‏ (4)، و هو الذى فيه السرير الذهب، فسار إليه مروان و نازله صيفة و شتوة (5)، فصالحه الملك على ألف رأس فى كل سنة، و مائة ألف‏

____________

(1) فى ك: بحقه ...

(2) فى ك: بانيه. و المثبت فى الكامل أيضا.

(3) فى الطبرى: غوميك. و فى الفتوح: غوميل. و المثبت فى الكامل، د

(4) خيزج: من رساتيق الجبل (البكرى).

(5) فى الكامل: صيفيته و شتويته.

432

مدى، و سار مروان فدخل أرض أرز و بطران‏ (1)، فصالحه ملكها. ثم سار فى أرض تومان فصالحه و سار حتى أتى حمزين، فأخرب بلاده، و حصر حصنا له شهرا فصالحه.

ثم أتى مروان أرض مسدار (2)، فافتتحها على صلح، ثم نزل كيران‏ (3) فصالحه طبرسران‏ (4) و فيلان، و كلّ هذه الولايات على شاطئ البحر من أرمينية إلى طبرستان.

و فيها غزا مسلمة بن هشام الروم فافتتح بها مطامير.

و فى سنة [124 ه] أربع و عشرين غزا سليمان بن هشام الصائفة

فلقى أليون ملك الروم فغنم.

هذا ما أمكن إيراده من الغزوات و الفتوحات فى أيام هشام‏

فلنذكر حوادث السنين فى أيامه.

سنة (106 ه) ست و مائة:

ذكر ولاية أسد خراسان‏

فى هذه السنة استعمل خالد بن عبد اللّه القسرى أخاه أسدا على خراسان، فقدمها و مسلم بن سعيد بفرغانة، فلما أتى أسد النهر ليقطعه منعه الأشهب بن عبيد التميمى؛ و كان على السفن‏

____________

(1) أرز- بالفتح ثم السكون و راء: بليدة من أول طبرستان من ناحية الديلم و بها قلعة حصينة (ياقوت).

(2) فى الكامل: مسدارة. و فى النجوم الزاهرة: مسدار.

(3) كيران: مدينة بأذربيجان، بين تبريز و بيلقان (المراصد).

(4) فى فتوح البلدان: طبرسراف. و المثبت فى ك، د، و الكامل.

433

بامل، و قال: قد نهيت عن ذلك، فأعطاه و لاطفه، فأبى. قال: فإنى أمير، فأذن له، فقال أسد: اعرفوا هذا حتى نشركه فى أمانتنا.

و أتى الصّغد فنزل بالمرج، و على سمرقند هانئ بن هانئ، فخرج فى الناس للقاء أسد، فرآه على حجر، فقال‏ (1) الناس:

ما عند هذا خير، أسد على حجر، و دخل سمرقند و عزل هانئا عنها، و استعمل عليها الحسن بن أبى العمرّطة (2) الكندى، ثم كان من عزل أسد ما نذكره إن شاء اللّه.

و فيها استعمل هشام الحر بن يوسف بن يحيى بن الحكم ابن أبى العاص بن أمية على الموصل، و هو الذى عمل النّهر الذى كان بالموصل.

و سبب ذلك أنه رأى امرأة تحمل جرّة فيها ماء، و هى تحملها ساعة ثم تستريح قليلا لبعد الماء، فكتب بذلك إلى هشام، فأمره أن يحفر نهرا إلى البلد، فحفره، و بقى العمل فيه عدّة (3) سنين و مات الحرّ سنة (113 ه) ثلاث عشرة و مائة.

و فى سنة ست أيضا عزل هشام عبد الواحد النّضرى عن مكّة و المدينة و الطائف، و ولّى ذلك كله‏ (4) إبراهيم بن هشام بن إسماعيل، فقدم المدينة فى جمادى الآخرة.

و كانت ولاية النّضرى سنة و ثمانية أشهر.

____________

(1) فى الكامل: فتفاءل الناس و قالوا ...

(2) انظر هامش رقم 5 صفحة 407.

(3) فى ك: مدة.

(4) فى الكامل، و الطبرى: خاله.

434

[و فيها] (1) استقضى إبراهيم بن هشام على المدينة محمد بن صفوان الجمحى‏ (2)، ثم عزله، و استقضى الصّلت الكندىّ، و كان العامل على العراق و خراسان خالد بن عبد اللّه القسرى البجلى، و كان عامل خالد على البصرة عقبة بن عبد الأعلى على الصلاة. و على الشرطة مالك بن المنذر بن الجارود، و على القضاء ثمامة بن عبد اللّه بن أنس.

و حجّ بالناس فى هذه السنة هشام بن عبد الملك.

سنة (107 ه) سبع و مائة:

فى هذه السنة كان من خبر دعاة بنى العباس ما نذكره إن شاء اللّه فى أخبار الدولة العبّاسية.

و فيها عزل هشام الجرّاح بن عبد اللّه الحكمى عن إرمينية و أذربيجان، و استعمل عليها أخاه مسلمة بن عبد الملك، فاستعمل عليها الحارث بن عمرو الطائى، فافتتح من بلاد الترك رستاقا و قرى كثيرة، و أثّر أثرا حسنا.

و فيها نقل أسد من كان بالبروقان‏ (3) إلى بلخ من الجند، و أقطع من كان بالبروقان بقدر مسكنه، و من لم يكن له مسكن أقطعه مسكنا، و أراد أن ينزلهم على الأخماس، فقيل له:

____________

(1) زيادة فى الكامل.

(2) فى ك: الحميمى. و المثبت فى الكامل و الطبرى أيضا.

(3) بروقان- بقاف و نون: قرية من نواحى بلخ (ياقوت).

435

إنهم يتعصّبون؛ فخلّى بينهم، و تولّى بناء مدينة بلخ برمك، و هو أبو خالد بن برمك، و بينها و بين البروقان فرسخان.

و حجّ بالناس فى هذه السنة إبراهيم بن هشام.

سنة (108 ه) ثمان و مائة:

فى هذه السنة كان من خبر شيعة بنى العباس ما نذكره إن شاء اللّه تعالى.

و فيها وقع الحريق بدابق، فاحترق المرعى و الدوابّ و الرجال.

و فيها خرج عبّاد الرّعينى‏ (1) باليمن محكّما فقتله أميرها يوسف بن عمرو (2)، و قتل أصحابه و كانوا ثلاثمائة.

و حج بالناس فى هذه السنة إبراهيم بن هشام.

و فيها مات محمد بن كعب القرظى، و قيل سنة سبع عشرة.

و قيل: إنه ولد على عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم).

سنة (109 ه) تسع و مائة:

فى هذه السنة عزل أسد بن عبد اللّه القسرى عن خراسان، و سبب ذلك أنه ضرب نصر بن سيار و نفرا بالسياط، منهم عبد الرحمن بن نعيم و سورة بن الحرّ و البخترى بن أبى درهم، و عامر بن مالك الحمّانى، و حلقهم و سيّرهم هو إلى أخيه، و كتب إليه:

إنهم أرادوا الوثوب بى.

فلما قدموا على خالد لام أسدا و عنّفه، و قال: أ لا بعث إلىّ برءوسهم.

و خطب أسد يوما، فقال: قبّح اللّه هذه الوجوه وجوه‏

____________

(1) الضبط فى اللباب.

(2) فى الكامل: عمر.

436

أهل الشقاق و النّفاق و الشّغب و الفساد، اللهم فرّق بينى و بينهم، و أخرجنى إلى مهاجرى و وطنى.

فبلغ فعله هشام بن عبد الملك، فكتب إلى خالد: اعزل أخاك، فعزله، فرجع إلى العراق فى رمضان من السنة، و استخلف على على خراسان الحكم بن عوانة الكلبى، فأقام الحكم صيفيته فلم يغز، ثم استعمل هشام أشرس بن عبد اللّه السلمى على خراسان، و أمره أن يكاتب خالدا، و كان أشرس فاضلا خيّرا، و كانوا يسمونه الكامل لفضله.

فلما قدم خراسان فرح الناس به، و استقضى أبا المنازل الكندى، ثم عزله و استقضى محمد بن يزيد.

و حجّ بالناس فى هذه السنة إبراهيم بن هشام، فخطب الناس، فقال: سلونى، فإنكم لا تسألون أحدا أعلم منى، فسأله رجل من أهل العراق عن الأضحية أ واجبة هى؟ فما درى ما يقول: فنزل.

سنة (110 ه) عشرة و مائة:

فيها جمع خالد القسرى الصلاة و الأحداث و الشرط و القضاء بالبصرة لبلال بن أبى بردة، و عزل ثمامة عن القضاء.

و حجّ بالناس إبراهيم بن إسماعيل.

و فيها مات الفرزدق الشاعر، و له إحدى و تسعون سنة.

و مات جرير بن الخطفى الشاعر.

437

سنة (111 ه) إحدى عشرة و مائة:

فى هذه السنة كان عزل أشرس عن خراسان و استعمال الجنيد ابن عبد الرحمن؛ و قد تقدم ذكر ذلك فى الغزوات.

و فيها استعمل هشام الجرّاح بن عبد اللّه الحكمى على إرمينية، و عزل أخاه مسلمة كما تقدم.

و حج بالناس إبراهيم بن هشام المخزومى.

سنة (112 ه) ثنتى عشرة و مائة:

حج بالناس فى هذه السنة إبراهيم بن هشام المخزومى. و قيل سليمان بن هشام بن عبد الملك. و اللّه أعلم.

سنة (113 ه) ثلاث عشرة و مائة:

فى هذه السنة قتل عبد الوهاب ابن بخت‏ (1)، و كان قد غزا مع البطّال أرض الرّوم، فانهزم الناس عن البطّال، فحمل عبد الوهاب، و هو يقول: ما رأيت فرسا أجبن منك، و سفك اللّه دمى إن لم أسفك دمك، ثم ألقى بيضته عن رأسه، و صاح:

أنا عبد الوهاب! من الجنّة تفرّون! ثم تقدم فى نحو العدو، فجاء برجل و هو يقول: وا عطشاه! فقال: تقدم، الرّىّ أمامك، و خالط القوم فقتل و قتل فرسه.

و حجّ بالناس فى هذه السنة سليمان بن هشام بن عبد الملك، و قيل إبراهيم بن هشام المخزومى، و اللّه أعلم.

سنة (114 ه) أربع عشرة و مائة:

فى هذه السنة كانت ولاية مروان بن محمّد بن مروان إرمينية و أذربيجان، و قد تقدم ذكر ذلك فى الغزوات.

____________

(1) بضم أوله و سكون الخاء المعجمة بعدها مثناة (القاموس).

438

و فيها عزل هشام إبراهيم بن هشام المخزومى عن المدينة، و استعمل عليها خالد بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم فى ربيع الأول، فكانت إمرة إبراهيم على المدينة ثمانى سنين، و عزله أيضا عن مكّة و الطائف، و استعمل على ذلك محمد بن هشام المخزومى.

و حجّ بالناس خالد بن عبد الملك بن الحارث و قيل: محمد ابن هشام.

و فيها توفى محمد بن على بن الحسين الباقر. و قيل سنة خمس عشرة.

سنة (115 ه) خمس عشرة و مائة:

حجّ بالناس فى هذه السنة محمد بن هشام المخزومى، و كان الأمير بخراسان الجنيد. و قيل: بل كان قد مات، و استخلف عمارة بن خريم المرّى. [و اللّه أعلم‏] (1).

سنة (116 ه) ست عشرة و مائة:

فى هذه السنة عزل الجنيد عن خراسان.

و سبب ذلك أنه تزوج الفاضلة بنت يزيد بن المهلب، فغضب هشام؛ و استعمل عاصم بن عبد اللّه بن يزيد الهلالى على خراسان، و كان الجنيد قد سقى بطنه، فقال هشام لعاصم: إن أدركته و به رمق فأزهق نفسه.

فقدم عاصم و قد مات الجنيد، و استخلف عمارة بن خريم و هو ابن عمه، فعذّبه عاصم، و عذّب عمال الجنيد لعداوة كانت بينه و بين الجنيد ...

____________

(1) من د.

439

ذكر خلع الحارث بن سريج‏ (1) بخراسان‏

و ما كان من أمره و فى هذه السنة خلع الحارث بن سريج و أقبل إلى الفارياب‏ (2) فأرسل إليه عاصم رسلا. منهم مقاتل بن حيّان النّبطى، و الخطاب ابن محرز السلمى، فقالا لمن معهما: لا نلقى الحارث إلّا بأمان، فأبى القوم عليهما و أتوه، فأخذهم الحارث و حبسهم، و وكل بهم رجلا فأوثقوه، و خرجوا من السجن، فركبوا و عادوا إلى عاصم، فأمرهم فخطبوا و ذمّوا الحارث، و ذكروا خبث سيرته و غدره، و كان الحارث قد لبس السّواد، و دعا إلى كتاب اللّه و سنّة نبيه و البيعة للرضا، فسار من الفارياب، و أتى بلخ، و عليها (3) نصر بن سيار و التّجيبى، فلقياه فى عشرة آلاف و هو فى أربعة آلاف، فقاتلهما، فانهزم أهل بلخ.

و تبعهم الحارث، فدخل مدينة بلخ، و خرج نصر بن سيّار منها، و أمر الحارث بالكف عنهم، و استعمل عليها رجلا من ولد عبد اللّه ابن خازم، و سار إلى الجوزجان فغلب عليها و على الطالقان و مرو الرّوذ. فلما كان بالجوزجان استشار أصحابه فى أى بلد يقصد.

فقيل له: مرو بيضة خراسان و فرسانهم كثير، و لو لم يلقوك إلا بعبيدهم لانتصفوا منك، فأقم، فإن أتوك فقاتلهم، و إن أقاموا قطعت المادّة عنهم.

____________

(1) فى ك: شريح.

(2) فى د: القاريات. و المثبت فى الكامل، و الطبرى.

(3) فى الطبرى: و كان عليها التجيبى بن ضبيمة المرى و نصر بن سيار.

440

قال: لا أرى ذلك؛ و سار إلى مرو، فأقبل إليها يقال فى ستين ألفا، و معه فرسان الأزد و تميم، منهم محمد بن المثنّى، و حمّاد ابن عامر الحمّانى، و داود الأعسر، و بشر بن أنيف الرياحىّ، و عطاء الدبوسى.

و من الدهاقين دهقان الجوزجان، و دهقان الفارياب‏ (1)، و ملك الطالقان و دهقان مرو الرّوذ فى أشباههم، و خرج عاصم فى أهل مرو و غيرهم، فعسكر و قطع القناطر، و أقبل أصحاب الحارث فأصلحوها، فمال محمد بن المثنّى الفراهيدى الأزدى إلى عاصم فى ألفين، فأتى الأزد، و مال حمّاد بن عامر الحمّانى إليه، فأتى بنى تميم، و أتى الحارث و عاصم فاقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم أصحاب الحارث، فغرق منهم بشر كثير، فى أنهار مرو و فى النّهر الأعظم؛ و مضت الدهاقين إلى بلادهم، و غرق خازم‏ (2) بن عبد اللّه بن خازم، و كان مع الحارث. و قتل أصحاب الحارث قتلا ذريعا، و قطع الحارث وادى مرو، فضرب رواقا عند منازل الدّهاقين، و كفّ عنه عاصم‏ (3)؛ و اجتمع إلى الحارث زهاء ثلاثة آلاف، ثم كان من أمره ما نذكره إن شاء اللّه تعالى.

و فيها عزل هشام عبد اللّه بن الحبحاب عن ولاية مصر، و استعمله على إفريقية.

و قيل: كان ذلك فى سنة [117 ه] سبع عشرة و مائة.

و حجّ بالناس فى هذه السنة الوليد بن يزيد بن عبد الملك. و اللّه أعلم.

____________

(1) فى د: القاريات، و هو تصحيف كما تقدم.

(2) فى الطبرى: و غرق خازم بن موسى بن عبد اللّه بن خازم.

(3) فى الطبرى: و لو ألح عليه لأهلكه.

441

سنة (117 ه) سبع عشرة و مائة:

ذكر عزل عاصم عن خراسان‏

و ولاية أسد و خبر الحارث بن سريج فى هذه السنة عزل هشام بن عبد الملك عاصم بن عبد اللّه عن خراسان، و ضمّها إلى خالد بن عبد اللّه القسرى أمير العراقين، فاستعمل عليها خالد أخاه أسد بن عبد اللّه.

و كان سبب ذلك أنّ عاصما كتب إلى هشام: أما بعد فإن الرائد لا يكذب أهله، و إن خراسان لا تصلح إلّا أن تضمّ إلى العراق‏ (1) و تكون معونتها و موادها (2) من قريب، لتباعد أمير المؤمنين [عنها] (3) و تباطؤ غياثه [عنها] (4)، فضمّ هشام خراسان إلى خالد بن عبد اللّه، و كتب إليه: ابعث أخاك يصلح ما أفسد؛ فإن كانت رجية كانت به.

فسيّر خالد [إليها] (5) أخاه أسدا، فلما بلغ عاصم إقبال أسد، و أنه قد بعث على مقدمته محمد بن مالك الهمدانى صالح الحارث ابن سريج، و كتبا بينهما كتابا، على أن ينزل الحارث أىّ كور خراسان شاء، و أن يكتبا جميعا إلى هشام يسألانه كتاب اللّه و سنّة نبيه، فإن أبى اجتمعا عليه.

فختم على الكتاب بعض الرؤساء، و أبى يحيى بن حضين بن المنذر أن يختم، و قال: هذا خلع لأمير المؤمنين فانفسح ذلك.

____________

(1) فى الطبرى: إلى صاحب العراق.

(2) فى د: فتكون موادها و معونتها.

(3) من الطبرى.

(4) من الطبرى.

(5) ساقط فى ك.

442

و كان عاصم بقرية بأعلى مرو؛ فأتاه الحارث بن سريج فالتقوا و اقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم الحارث، و أسر جماعة من أصحابه، منهم: عبد اللّه بن عمرو المازنى رأس أهل مرو الرّوذ، فقتل عاصم الأسرى، و عظّم أهل الشام يحيى بن حضين لما صنع فى نقض الكتاب، و كتبوا كتابا بما كان و بهزيمة الحارث و بعثوه إلى أسد، فلقيه بالرّى و قيل ببيهق‏ (1).

فكتب أسد إلى أخيه خالد ينتحل أنه هزم الحارث، و يخبره بأمر يحيى، فأجاز خالد يحيى بعشرة آلاف دينار و مائة حلّة، و حبس أسد عاصما و حاسبه و طلب منه مائة ألف درهم، و قال: إنك لم تغز، و أطلق عمّال الجنيد، و قدم أسد و لم يكن لعاصم إلا مرو و نيسابور، و الحارث بمرو الرّوذ، و خالد بن عبيد اللّه الهجرىّ بآمل موافق للحارث، فخاف أسد إن قصد الحارث بمرو الرّوذ أن يأتى الهجرى مرو من قبل آمل، و إن قصد الهجرى قصد الحارث مرو من قبل مرو الروذ، فأجمع رأيه على توجيه عبد الرحمن بن نعيم فى أهل الكوفة و الشام إلى الحارث بمرو الروذ، و سار أسد بالناس إلى آمل، فلقيه خيل آمل؛ عليهم زياد القرشى مولى حيّان النبطى و غيره، فهزموا حتى رجعوا إلى المدينة، فحصرهم أسد، و نصب عليهم المجانيق؛ فطلبوا الأمان، و طلبوا كتاب اللّه و سنّة نبيّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و ألّا يؤخذ أهل المدن بجنايتهم، فأجابهم أسد إلى ذلك، و استعمل عليهم يحيى ابن نعيم بن هبيرة الشيبانى؛ و سار يريد بلخ، فأخبر أنّ أهلها قد

____________

(1) بيهق: ناحية كبيرة و كورة واسعة من نواحى نيسابور تشتمل على ثلاثمائة و إحدى و عشرين قرية (ياقوت).

443

بايعوا سليمان بن عبد اللّه بن خازم، فسار حتى قدمها، و اتّخذ سفنا، و سار منها إلى ترمذ، فوجد الحارث محاصرا لها، و بها سنان الأعرابى، فنزل أسد دون النهر، و لم يطق العبور إليهم، و لا أن يمدّهم، و خرج أهل ترمذ من المدينة، و قاتلوا الحارث قتالا شديدا، فاستطرد الحارث لهم، و كان قد وضع كمينا، فلما جاوزوه خرج عليهم، فانهزموا.

ثم ارتحل أسد إلى بلخ، ثم خرج أهل ترمذ إلى الحارث، فهزموه ثم سار أسد إلى سمرقند فى طريق زمّ‏ (1)، فلما قدم زم بعث إلى الهيثم الشيبانى و هو فى حصن من حصونها- و هو من أصحاب الحارث- فأمّنه، و وعده المواساة و الكرامة و الأمان لمن معه، و أقسم إنه إن ردّ ذلك و رمى بسهم ألّا يؤمّنه‏ (2) أبدا، و إنه إن جعل له ألف ألف أمان لا يفى له.

فخرج إليه و سار معه إلى سمرقند، ثم ارتفع إلى ورغسر (3)- و ماء سمرقند منها- فسكر (4) الوادى، و صرفه عن سمرقند.

ثم رجع إلى بلخ، فلما استقرّ بها سرّح جديعا الكرمانى إلى القلعة التى فيها ثقل الحارث و أصحابه، و اسمها التبوشكان من‏

____________

(1) زم- بضم أوله و تشديد الميم: قيل هى بئر لبنى سعد بن مالك. و قيل:

ماء لبنى عجل فيما بين أدانى طريق الكوفة إلى مكة و البصرة (ياقوت).

(2) فى ك: لا يأمنه.

(3) فى ك: ورد غيس. و المثبت فى الكامل و الطبرى. و فى ياقوت: ورغسر- بفتح أوله و ثانيه و غين ساكنة و سين مهملة مفتوحة و راء: من قرى سمرقند.

(4) فى ك: سكن. و سكر النهر: سده.

444

طخارستان العليا و فيها بنو برزى‏ (1) التغلبيّون أصهار الحارث، فحصرهم الكرمانى حتى فتحها، و ذلك فى سنة [118 ه] ثمان عشرة، فقتل مقاتلتهم، و سبى عامّة أهلها من العرب و الموالى و الذّرارى، و باعهم فيمن يزيد فى سوق بلخ.

قال: و نقم على الحارث أربعمائة و خمسون رجلا من أصحابه، و كان رئيسهم جرير بن ميمون القاضى، فقال لهم الحارث: إن كنتم لا بدّ مفارقى فاطلبوا الأمان، و أنا شاهد، فإنهم يجيبونكم. و إن ارتحلت قبل ذلك لم يعطوا الأمان. فقالوا: ارتحل أنت عنا، و خلّنا.

فأرسلوا يطلبون الأمان، فأخبر أسد أنّ القوم ليس لهم طعام و لا ماء، فسرّح إليهم أسد جديعا الكرمانى و ستة آلاف، فحصرهم فى القلعة و قد عطش أهلها، و جاعوا، فسألوا أن ينزلوا على الحكم، و يترك لهم نساءهم و أولادهم، فأجابهم، فنزلوا على حكم أسد.

فأرسل أسد إلى الكرمانى يأمره أن يحمل إليه خمسون رجلا من وجوههم، فيهم المهاجر بن ميمون، فحملوا إليه فقتلهم، و كتب إلى الكرمانى أن يجعل الذين بقوا عنده أثلاثا، فثلث يقتلهم، و ثلث يقطع أيديهم و أرجلهم، و ثلث يقطع أيديهم. ففعل ذلك بهم، و أخرج أثقالهم فباعها، و اتخذ أسد مدينة بلخ دارا، و نقل إليها الدواوين، ثم غزا طخارستان.

و حجّ بالناس فى سنة [117 ه] سبع عشرة و مائة خالد بن عبد الملك.

____________

(1) الضبط فى الطبرى.

445

سنة (118 ه) ثمان عشرة و مائة:

فى هذه السنة عزل هشام خالد بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم عن المدينة، و استعمل عليها خالد بن محمد بن هشام بن إسماعيل، و حجّ بالناس محمد بن هشام بن إسماعيل. و كان أمير المدينة.

سنة (119 ه) تسع عشرة و مائة:

ذكر قتل المغيرة و بيان‏

فى هذه السنة خرج المغيرة بن سعيد و بيان فى ستّة نفر، و كانوا يسمون الوصفاء، و كان المغيرة ساحرا، و كان يقول: لو أردت أن أحيا عادا و ثمود و قرونا بين ذلك كثيرا لفعلت. و بلغ خالد بن عبد اللّه القسرى خروجهم بظهر الكوفة، و هو يخطب، فقال: أطعمونى ماء، فقال يحيى بن نوفل فى ذلك من أبيات‏ (1):

و قلت لما أصابك أطعمونى‏ * * * شرابا ثم بلت على السرير

لأعلاج ثمانية و شيخ‏ * * * كبير السنّ ليس بذى نصير

فأرسل خالد فأخذهم و أمر بسريره فأخرج إلى المسجد الجامع، و أحرقهم بالقصب و النّفط.

و كان مذهب المغيرة التجسيم؛ يقول: إن ربّه على صورة رجل على رأسه تاج، و إنّ أعضاءه على عدد حروف الهجاء، تعالى اللّه عن ذلك.

و كان يقول: إنّ اللّه تعالى لما أراد أن يخلق الخلق تكلّم باسمه‏

____________

(1) الشعر فى الطبرى: 7- 129، و الكامل: 4- 230.

446

الأعظم، فطار فوقع على تاجه، ثم كتب بإصبعه على كفّه أعمال عباده من المعاصى و الطاعات، فلما رأى المعاصى ارفضّ عرقا، فاجتمع من عرقه بحران: أحدهما ملح مظلم، و الآخر عذب نيّر، ثم اطّلع فى البحر فرأى ظلّه فذهب ليأخذه، فطار فأدركه فقلع عينى ذلك الظلّ و محقه، فخلق من عينيه الشمس و شمسا أخرى. و خلق من البحر الملح الكفّار، و خلق من البحر العذب المؤمنين.

و كان [لعنه اللّه‏ (1)] يقول بإلهية علىّ و تكفير أبى بكر و عمر و سائر الصحابة (رضى اللّه عنهم) إلّا من ثبت مع علىّ (رضى اللّه عنه).

و كان يقول: إنّ الأنبياء لم يختلفوا فى شي‏ء من الشرائع.

و كان يقول بتحريم ماء الفرات و كلّ نهر أو عين أو بئر وقعت فيه نجاسة.

و كان يخرج إلى المقبرة فيتكلم فيرى أمثال الجراد على القبور.

و أما مذهب بيان فإنه كان يقول بآلهيّة علىّ (رضى اللّه عنه)، و إنّ الحسن و الحسين إلهان، و محمد ابن الحنفية بعده، ثم بعد ابنه أبو هاشم بن محمد بنوع من التناسخ.

و كان يقول: إن اللّه تعالى يفنى جميعه إلا وجهه، و يحتج بقوله تعالى‏ (2): وَ يَبْقى‏ وَجْهُ رَبِّكَ‏. تعالى اللّه عما يقول الظالمون علوّا كبيرا.

و ادّعى النبوة، و زعم أنه المراد بقوله عزّ و جلّ: هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ‏ (3).

____________

(1) ليس فى د.

(2) سورة الرحمن، آية 27

(3) سورة آل عمران، آية 138.

447

ذكر خبر الخوارج فى هذه السنة

و فى هذه السنة خرج بهلول بن بشر الملقّب كثارة، و هو من الموصل من شيبان، و كان سبب مخرجه أنه خرج يريد الحجّ، فأمر غلامه أن يبتاع له خلا بدرهم، فأتاه بخمر فأمره‏ (1) بردّه فلم يجبه صاحب الخمر إلى ذلك، فجاء بهلول إلى صاحب القرية و هى من السّواد، فكلّمه، فقال العامل: الخمر خير منك و من قومك.

فمضى إلى الحج و قد عزم على الخروج، فلقى بمكّة من كان على مثل رأيه، فاتّعدوا قرية من قرى الموصل، فاجتمعوا بها- و هم أربعون رجلا- و أمّروا عليهم البهلول، و كتموا أمرهم، و جعلوا لا يمرّون بعامل إلا أخبروه أنّهم قدموا من عند هشام على بعض الأعمال‏ (2)، و أخذوا دوابّ البريد.

فلما أتوا إلى القرية التى ابتاع الغلام منها الخمر قال بهلول:

نبدأ بهذا العامل، فقال أصحابه: نحن نريد قتل خالد، و إن بدأنا بهذا شهر أمرنا، و حذرنا خالد و غيره، فنشدناك اللّه أن تقتل هذا فيفلت منا خالد الذى يهدم المساجد، و يبنى البيع و الكنائس، و يولى المجوس على المسلمين، و ينكح أهل الذمة المسلمات، لعلّنا نقتله.

قال: و اللّه لا أدع ما يلزمنى لما بعده، و أرجو أن أقتل هذا و خالدا، فأتاه فقتله.

فعلم الناس أنهم خوارج، و هربوا، و خرجت البرد إلى خالد فأعلموه بهم، فخرج خالد من واسط، فأتى الحيرة، و بها جند قد قدموا

____________

(1) فى ك: فأمر.

(2) ك: العمال.

448

من الشام مددا لعامل الهند، فأمرهم خالد بقتالهم، و قال: من قتل منهم رجلا أعطيته عطاء سوى ما أخذ فى الشام، و أعفيته من الدخول إلى الهند.

فسارعوا إلى ذلك، فتوجّه مقدّمهم، و هو من بنى القين، و معه ستمائة منهم، و ضمّ إليه خالد مائتين من الشرط، فالتقوا على الفرات؛ فقال القينى لمن معه من الشّرط: لا تكونوا معنا (1) ليكون الظّفر له و لأصحابه.

و خرج إليهم بهلول، فحمل على القينى فطعنه فأنفذه، و انهزم أهل الشام و الشرط، و تبعهم بهلول و أصحابه يقتلونهم، حتى بلغوا الكوفة، و وجد بهلول مع القينى بدرة فأخذها.

و كان بالكوفة ستة يرون رأى‏ (2) بهلول، فخرجوا فقتلوا بصريفين‏ (3)، فخرج بهلول فقال: من قتل هؤلاء، حتى أعطيه هذه البدرة؟ فجاء نفر فقالوا: نحن قتلناهم، و هم يظنّونه من عند خالد، و صدّقهم أهل القرية، فقتلهم، و ترك أهل القرية.

و بلغ خالدا الخبر، فوجّه إليه قائدا من شيبان أحد بنى حوشب ابن يزيد بن رؤيم، فلقيه فيما بين الموصل و الكوفة، فانهزم أهل الكوفة، فأتوا خالدا، و ارتحل بهلول من يومه يريد الموصل، فكتب عامل الموصل‏

____________

(1) عبارة الطبرى أوضح، و هى: فعبأ القينى أصحابه و عزل الشرط، فقال:

لا تكونوا معنا، و إنما يريد فى نفسه أن يخلو هو و أصحابه بالقوم، فيكون الظفر لهم دون غيرهم لما وعدهم خالد.

(2) فى د. برأى.

(3) صريفون- بفتح أوله و كسر ثانيه و بعد الياء فاء مضمومة ثم واو، و آخره: نون فى سواد العراق (المراصد).

449

إلى هشام يخبره بهم، و يسأله جندا، فكتب إليه هشام: وجّه إليهم كثارة بن بشر.

فكتب إليه: إنّ الخارج هو كثارة.

ثم قال بهلول لأصحابه: إنّا و اللّه ما نصنع بابن النصرانيّة شيئا- يعنى خالدا- فلم لا نطلب الرأس الذى سلّط خالدا.

فسار يريد هشاما بالشام، فخاف عمّال هشام من هشام إن تركوه يجوز إلى بلادهم، فسيّر خالد جندا من العراق، و سيّر عامل الجزيرة جندا من الجزيرة، و وجّه هشام جندا من الشام، فاجتمعوا بدير بين الجزيرة و الموصل، و أقبل بهلول إليهم.

و قيل: التقوا بكحيل‏ (1) دون الموصل، و نزل بهلول على باب الدّير، و هو فى سبعين، فحمل عليهم فقتل منهم نفرا ستة، و قاتلهم عامّة نهاره، و كانوا عشرين ألفا، فأكثر فيهم القتل و الجراح.

ثم إنّ بهلولا و أصحابه عقروا دوابّهم و ترجّلوا، فقاتلوا قتالا شديدا، فقتل كثير من أصحاب بهلول و طعن فصرع، فقال أصحابه:

ولّ أمرنا، فقال: إن هلكت فأمير المؤمنين دعامة الشيبانى، فإن هلك فعمرو اليشكرى، و مات بهلول من ليلته، فلما أصبحوا هرب دعامة و تركهم، و خرج عمرو اليشكرى فلم يلبث أن قتل.

و خرج العنزى صاحب الأشهب‏ (2) على خالد فى ستين فوجه إليه خالد السّمط بن مسلم البجلى فى أربعة آلاف، فالتقوا بناحية

____________

(1) كحيل: موضع بالجزيرة. قال السرخسى: الكحيل: مدينة عظيمة على دجلة بين الزابين فوق تكريت من الجانب الغربى. و الكحيل: فى بلاد هذيل (ياقوت).

(2) فى الطبرى: و بهذا كان يعرف.

450

الفرات، فانهزم الخوارج، فتلقّاهم عبيد أهل الكوفة و سفلتهم فرموهم بالحجارة حتى قتلوهم.

ثم خرج وزير السّختيانى على خالد بالحيرة فى نفر، فجعل لا يمرّ بقرية إلا أحرقها، و لا يلقى أحدا إلّا قتله، و غلب على ما هنالك و على بيت المال؛ فوجّه إليه خالد جندا، فقتلوا عامّة أصحابه، و أثخن بالجراح و أتى به خالد، فأقبل على خالد فوعظه، فأعجب خالد ما سمع منه، فلم يقتله و حبسه عنده. و كان يؤتى به فى الليل فيحادثه، فسعى بخالد إلى هشام.

و قيل: أخذ حروريا قد قتل و حرق و أباح الأموال فجعله سميرا، فغضب هشام، و كتب إليه يأمره بقتله، فأخّر قتله، فكتب إليه ثانيا يذمّه و يأمره بقتله و إحراقه، فقتله و أحرقه و نفرا معه، و لم يزل يتلو القرآن حتى مات و هو يقرأ (1): «قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ».

و خرج الصّحارىّ بن‏ (2) شبيب بن يزيد بناحية جبّل‏ (3)، و كان قد أتى خالدا يسأله‏ (4) الفريضة، فقال له: و ما يصنع ابن شبيب بالفريضة؟ فمضى و ندم خالد، و خاف أن يفتق عليه فتقا، فطلبه فلم يرجع إليه، و سار حتى أتى جبّل، و بها نفر من بنى تيم اللات ابن ثعلبة، فأخبرهم خبره، فقالوا: و ما كنت ترجو من ابن النصرانيّة؟

كنت أولى أن تسير إليه بالسيف فتضربه به. فقال: و اللّه ما أردت‏

____________

(1) سورة التوبة، آية 81.

(2) الضبط فى د.

(3) جبل- بفتح الجيم و تشديد الباء و ضمها و لام: بليدة بين النعمانية و واسط فى الجانب الشرقى (ياقوت).

(4) فى ك: فسأله.

451

الفريضة، و ما أردت إلا التوصّل إليه لئلا ينكرنى، ثم أقتله بفلان- يعنى رجلا من الصّفريّة، كان خالد قتله صبرا.

ثم دعاهم إلى الخروج معه فتبعه منهم ثلاثون رجلا، فخرج بهم، فبلغ خبره خالدا، فقال: قد كنت خفتها منه، ثم وجّه إليه جندا فلقوه بناحية المناذر (1)، فقاتلهم قتالا شديدا، فقتلوه و جميع أصحابه.

و حجّ بالناس فى هذه السنة أبو شاكر مسلمة بن هشام.

سنة (120 ه) عشرين و مائة:

فى هذه السنة توفى أسد بن عبد اللّه القسرى أمير خراسان فى شهر ربيع الأول بمدينة بلخ، و استخلف جعفر بن حنظلة البهرانى فعمل أربعة أشهر، ثم جاء عهد نصر بن سيار فى شهر رجب من السنة.

ذكر عزل خالد بن عبد اللّه القسرى و ولاية يوسف بن عمر الثّقفى‏

و فى هذه السنة عزل هشام بن عبد الملك خالدا عن جميع أعماله.

و قد اختلف فى سبب ذلك، فقيل: إن أبا المثنى فرّوخ كان على ضياع هشام بنهر الرّمّان‏ (2) بالعراق فثقل على خالد أمره، فقال خالد لحسّان النّبطى: اخرج إلى هشام و زد على فرّوخ. ففعل حسّان ذلك و تولّاها، فصار حسّان أثقل على خالد من فروخ، فجعل يؤذيه، فيقول له حسان: لا تفسدنى، و أنا صنيعتك، فأبى إلا أذاه، فلما قدم‏

____________

(1) مناذر- بالفتح و الذال معجمة مكسورة: و هما بلدتان بنواحى خوزستان:

مناذر الصغرى، و مناذر الكبرى. (ياقوت).

(2) فى الطبرى: بموضع يقال له رستاق الرمان، أو نهر الرمان.

452

عليه بثق البثوق على الضياع، ثم خرج حسّان إلى هشام، فقال له:

إنّ خالدا بثق البثوق على ضياعك، فوجّه هشام من ينظر إليها. و قال حسان‏ (1) لخادم من خدم هشام: إن تكلّمت بكلمة أقولها لك حيث يسمع هشام فلك عندى ألف دينار. قال: فعجلها فأعطاه، و قال له:

تبكّى صبيا من صبيان هشام، فإذا بكى فقل له: اسكت، فكأنك ابن خالد الذى غلّته عشرة آلاف‏ (2) ألف.

ففعل الخادم، فسمعها هشام، فسأل حسان‏ (3) عن غلّة خالد فقال: ثلاثة عشر ألف ألف، فوقرت فى نفس هشام.

و قيل: بل كانت غلّته عشرين ألف ألف، و إنه حفر بالعراق الأنهار، و منها نهر (4) خالد و ناجوى‏ (5) و بارمانا، و المبارك‏ (6) و الجامع، و كورة سابور، و الصلح، و كان كثيرا ما يقول: إنّى مظلوم ما تحت قدمى شي‏ء إلّا و هو لى- يعنى أن عمر جعل لبجيلة ربع [خمس‏] (7) السواد، و أشار عليه العريان بن الهيثم و بلال بن أبى بردة بعرض أملاكه على هشام ليأخذ منها ما أراد، و يضمنان له الرّضا، فإنهما بلغهما تغيّر هشام عليه، فلم يفعل و لم يجبهم إلى شي‏ء.

و قيل لهشام: إنّ خالدا قال لولده: ما أنت بدون مسلمة بن هشام، و قد كان يذكر هشاما، فيقول: ابن الحمقاء.

____________

(1) فى الكامل: حيان.

(2) فى الطبرى و الكامل: ثلاثة عشر ألف ألف.

(3) فى الكامل: حيان.

(4) نهر لآل خالد بن أسيد و آل أبى بكرة بالبصرة (فتوح البلدان).

(5) فى د: باجوى. و المثبت فى ك أيضا.

(6) المبارك: نهر حفره خالد بن عبد اللّه القسرى (فتوح البلدان).

(7) ليس فى الكامل.

453

و كان خالد يخطب فيقول: زعمتم أنى أغلى أسعاركم فعلى من يغليها لعنة اللّه.

و كان هشام كتب إليه لا تبيعنّ من الغلّات شيئا حتى تباع غلّات أمير المؤمنين.

و كان يقول لابنه: كيف أنت إذا احتاج إليك ابن أمير المؤمنين؟

فبلغ ذلك كلّه هشاما، فتنكّر له، و بلغه أنه يستقلّ ولاية العراق، فكتب إليه هشام: يا ابن أمّ خالد، بلغنى أنك تقول: ما ولاية العراق لى بشرف. يا ابن‏ (1) اللخناء، كيف لا تكون ولاية العراق لك شرفا، و أنت من بجيلة القليلة الذليلة! أما و اللّه إنى لأظنّ أنّ أوّل من يأتيك صغير (2) من قريش يشدّ يديك إلى عنقك.

و لم يزل يبلغه عنه ما يكره، فعزم على عزله و كتم ذلك، و كتب إلى يوسف بن عمر- و هو باليمن يأمره أن يقدم فى ثلاثين من أصحابه إلى العراق، فقد ولّاه ذلك.

فسار يوسف إلى الكوفة فعرّس‏ (3) قريبا منها، و قد ختن طارق خليفة خالد بالكوفة ولده، فأهدى إليه ألف وصيف و وصيفة سوى الأموال و الثياب، فمرّ بيوسف بعض أهل العراق فسألوه ما أنتم؟

و أين تريدون؟ قالوا: بعض المواضع؛ فأتوا طارقا فأخبروه خبرهم، و أمروه بقتلهم، و قالوا: إنهم خوارج.

و سار يوسف إلى دور ثقيف. فقيل لهم: ما أنتم؟ فكتموا

____________

(1) فى الطبرى: فيا ابن اللخناء.

(2) فى د: صقر: و المثبت فى الطبرى و الكامل.

(3) عرس: أقام.

454

حالهم. و أمر يوسف فجمع إليه من هناك من مضر، فلما اجتمعوا دخل المسجد مع الفجر، و أمر المؤذّن فأقام الصلاة. فصلّى، و أرسل إلى خالد و طارق فأخذهما و إنّ القدور لتغلى.

و قيل: لما أراد هشام أن يولّى يوسف العراق كتم ذلك، فقدم جندب مولى يوسف بكتاب يوسف إلى هشام، فقرأه ثم قال لسالم مولى عنبسة- و هو على الدّيوان: أجبه عن لسانك، و ائتني بالكتاب.

و كتب هشام بخطّه كتابا صغيرا إلى يوسف يأمره بالمسير إلى العراق.

فكتب سالم الكتاب و أتاه‏ (1) به، فجعل كتابه فى وسطه و ختمه، ثم دعا رسول يوسف فأمر به فضرب و مزّقت ثيابه، و دفع إليه الكتاب، فسار و ارتاب بشير بن أبى ثلجة (2) و كان خليفة سالم، و قال: هذه حيلة، و قد ولى يوسف العراق. فكتب إلى عياض- و هو نائب سالم بالعراق: إنّ أهلك قد بعثوا إليك بالثّوب اليمانى: فإذا أتاك فالبسه، و احمد اللّه تعالى. و أعلم ذلك طارقا. فأعلم عياض طارق بن أبى زياد بالكتاب، ثم ندم بشير على كتابه، فكتب إلى عياض:

إنّ أهلك قد بدا لهم فى إمساك الثوب.

فأتى عياض بالكتاب الثانى إلى طارق، فقال طارق: الخبر فى الكتاب الأول، و لكن بشيرا ندم و خاف أن يظهر الخبر.

و ركب طارق من الكوفة إلى خالد و هو بواسط، فرآه داود،

____________

(1) فى الكامل: و أتى به هشاما.

(2) فى الكامل: طلحة. و المثبت فى د، ك.